د. صادق السامرائي
سلس نجيب ياسين
محمد عبد الكريم يوسف
معتز محسن عزت
سلس نجيب ياسين

ديفيد هوكني: الفنان الذي خلّد الطبيعة والأصدقاء المقرّبين

adnanhusan ahmadنظّم غاليري الـ  Tate Britian بلندن مَعرِضًا استعاديًا للفنان البريطاني ديفيد هوكني الذي يُعتبر الأكثر شعبية وتأثيرًا في القرن العشرين. يضم المعرض 130 عملاً فنيًا يتوزع بين الرسم الزيتي، والتخطيط بأقلام الرصاص والحبر، والتصوير الفوتوغرافي، والفيديو، والرسم بالآيباد والآيفون. يغطي المعرض مساحة زمنية طويلة تمتد إلى ستة عقود من حياة الفنان ديفيد هوكني الذي يجمع بين الرسم والتصوير والتصميم والطباعة.

يمكن تقسيم المعرض إلى 13 محورًا، أي بعدد الصالات التي شغلها، ولو استثنينا الصالة الأولى التي تضم ست لوحات فنية تنتمي إلى تواريخ متعددة تمتد من عام 1963 إلى عام 2014، فإن بقية الصالات برمتها مرتّبة ترتيبًا كرونولوجيًا يكشف بدقة تطوّر الفنان سواء في ثيماته أو في تقنياته الحديثة دائما.

يتمثل الهاجس الأساسي لهوكني في اللعب بتقاليد "صناعة الصورة" وربما بالتحديات الكامنة في هذه الصناعة، ولعله يطرح علينا جميعًا سؤالاً منطقيًا مفاده: كيف نرى العالم؟ وهل بإمكاننا أن نحتوي "الزمكان" في بُعدين اثنين فقط من دون الاستعانة بالأبعاد الأخرى؟ لو دققنا النظر في لوحة "مسرحية داخل مسرحية" 1963 لرأينا جون كازمِن، تاجر الفن البريطاني وصديق هوكني، واقفًا داخل الغاليري، وضاغطًا بيديه ووجهه على الباب الزجاجي بحيث يضعنا أمام احتمالين لا ثالث لهما، فهو إما أن يكون مرسومًا على كانفاس اللوحة كفيكَر فني، وإما أن يكون واقفًا خلف الباب الزجاجي مباشرة لكنه يبدو كجزء من اللوحة، بينما يشير واقع الحال إلى أن هوكني قد رسم كازمِن على اللوح الزجاجي ليلعب على ثنائية الوهم والحقيقة، فما يبدو حقيقيًا هو وهم، وما يبدو وهمًا هو حقيقة.

تأثر هوكني بعدد من الفنانين الكبار أمثال بيكاسو، وفيرمير وفان كوخ وجان دوبوفيه وغالبًا ما كان يعود محمّلاً بطاقة جديدة إثر زيارته لأي معرض استعادي ليحاكي بعض الثيمات أو التقنيات التي تجد طريقها إلى نفسه أو تلامس مشاعره الداخلية العميقة. وعلى الرغم من مشاهداته الكثيرة للمعارض خصوصًا في رحلاته العملية إلاّ أنه ظلّ وفيًا لحركة الفن الشعبي Pop Art ومخلصًا لتوجهاتها الفنية والفكرية التي تطورت على أيدي نخبة من فناني البوب البريطانيين والأميركيين أمثال إدواردو بولوزي، ريتشارد هاملتون، لاري ريفرز، روبرت روشنبيرغ وجاسبر جونز وغيرهم.

شكّل انتقال هوكني إلى لوس أنجليس بكاليفورنيا عام 1964 انعطافة مهمة في حياته الفنية فقد رسم المكان الجديد بكل ما ينطوي عليه من شمس، ومِرشّات ماء، وبِرك سباحة، ومستحمّين، وأناس منغمسين في ملذاتهم الروحية والجسدية بأوضاع مسترخية تجمع بين الهدوء والكسل والاستغراق الباذخ بالمُتع والملذات الحسيّة المنفلتة من أُسارها. وقد ضمّت الصالة الرابعة ثماني لوحات كبيرة الحجم لن يفارق بعضها الذاكرة الجمعية لمحبّي الفن التشكيلي مثل "طرطشة كبرى"، و "المُستحِم"، و "العشب المرشوش" وغيرها من الأعمال الفنية التي رسمها بتأثير من الفنان البريطاني برنارد كوهن والفنان التجريدي الفرنسي دوبوفيه قبل أن ينغمس في رسم المناظر الطبيعية التي ستشكّل معلمًا بارزًا من منجزه الفني الذي أخذ يطغى في المملكة المتحدة وأميركا على حد سواء إلى الدرجة التي استحوذ فيها اسمه على الضلع الثالث من المثلث الفني البريطاني الكبير الذي يتمثل بفرانسيس بيكون ولوسيان فرويد وديفيد هوكني.

يلعب المذهب الطبيعي دورًا مهمًا في التجربة الفنية لهوكني، ففي نهاية الستينات بدأ يرسم شخصيات مقرّبة منه ويعرفها جيدًا مثل أفراد العائلة، والأصدقاء الحميمين إليه، وبعض الشخصيات الأدبية والثقافية المعروفة التي ستجد طريقها إلى أعماله الفنية التي لا تنقصها الجرأة، ولا يعوزها التحدّي الذي طُبع عليه هوكني مذ كان طالبًا في الكلية الملكية للفنون بلندن. تضم الصالة الخامسة سبع لوحات كبيرة الحجم أبرزها "السيد والسيدة كلارك وبيرسي"  التي رسمها على وفق المدرسة الواقعية التي تلتقط الصور والمناظر الطبيعية على حقيقتها من دون أن يعتورها التحريف أو التشويه. أشرنا سلفًا إلى تأثر هوكني بالمعارض التي يزورها في سفراته الكثيرة إلى مختلف بلدان العالم وخاصة الأوروبية منها وقد استوحى شكل اللوحة أعلاه من بورتريه أرنولفيني التي رسمها الفنان الهولندي جان فان دايك عام 1434م وتألق في ثيمتها ومنظوريتها الفذّة التي تُشرِك المُشاهِد في عملية التلقي الإيجابي. اختار هوكني لموضوع هذه اللوحة شخصيتين حميمتين جدًا وهما المصمم أوسي كلارك والمصممة سيليا بيرتويل إضافة إلى القطة بيرسي. لم تكن لوحة دايك هي مرجعية هوكني الوحيدة وإنما استعان بلوحة Rake's progress لوليام هوغارت التي تنطوي على رمزية عالية، وتكوين مذهل، كما أضفى إلى لوحته بعض العناصر التي أثثت المناخ العام للعمل الفني وغذّته ببعض الرموز والإشارات التعبيرية مثل الزنابق والقطة واللوحة المعلقة على جدار الغرفة.

تشتمل الصالة السادسة على 44 لوحة صغيرة الحجم للأشخاص، وبعض أفراد العائلة، والأصدقاء الذين يعرفهم جديًا ويمحضهم حُبًا من نوع خاص مثل أمه وأبيه وعدد كبير من الفنانين مثل أوسي كلارك، وأندي وارهول، وغريغوري إيفانز وهي رسوم مقتصدة في خطوطها، كما استعمل Camera lucida كأداة بَصَرية مُساعدة للفنان في الرسم بدقة عالية.

أُفرِدت الصالة السابعة لعشر لوحات كبيرة الحجم صنعها الفنان من صور فوتوغرافية كثيرة لأشخاص وأصدقاء مقرّبين منه مثل كازمِن، وكريستوفر، وسيليا، إضافة إلى أماكن مثل "غراند كانيون" و "حدائق الزن" وغيرها من الأعمال الفنية التي أبدعها هوكني من صور فوتوغرافية تكشف لنا حسّاسية الفنان، وذكاء عينيه، وقدرته المنظورية في بناء العمل الفني الذي يُبهج المتلقي في خاتمة المطاف.

ما من عملٍ فني لهوكني حتى لو كان تخطيطًا سريعًا أو "سكيتشًا" خاطفًا إلاّ وينطوي على قيمة فنية عالية تكشف في الأقل رؤية الفنان ومراحل تطوّره عبر تجربته الإبداعية التي تمتد منذ شروعه المبكر بالرسم في مرحلة الدراسة الابتدائية وحتى والآن وهو يقترب من سن الثمانين، لكن تبقى هيبة لوحاته ومناظره الطبيعية كبيرة، مُبهجة، ومُدهِشة على الدوام. ولهذا فقد اختار لها القائمون على الغاليري ثلاث صالات ضمت ما مجموعة 24 عملاً فنيًا كبيرًا مُبهِرًا في ثيماته وتقنياته وخطوطه وألوانه الحارّة المُفرِحة. وحري بنا الإشارة إلى أن هوكني لديه عدة منازل الأول في "نيكولز كانيون" بلوس أنجيليس، والثاني في سانتا مونيكا بهوليوود، والثالث في كنزينكتون بلندن، إضافة إلى منزل العائلة الكبيرة في برادفورد بيوكشير الأمر الذي أتاح له الاستمتاع بمناظر طبيعية خلابة حوّلها إلى أعمال إبداعية خالدة مثل "هوليوود هليز هاوس" و "نيكولز كانيون" و "غَروباي هيلز" وغيرها من الأعمال الفنية التي تحتفي بالطبيعة وتقدّمها كغذاء روحي لا غِنى عنه. تشترك المناظر الطبيعية بسمات متعددة فالطرق الملتوية التي تتعرج بين ثنايا الطبيعة الجبلية تمثل من دون شك الطرق التي يسلكها الإنسان في رحلته الحياتية بين تضاعيف الطبيعة التي تغدق علينا كل تقريبًا، وما علينا إلاّ أن نستمتع بهذه الرحلة السعيدة التي لا تخلو من الأحزان والمنغصات في بعض الأحيان.

أما التقنيات الثلاث الأخير فتتمثل بالفيديوهات التي تعرض الفصول الأربعة، والرسم الحيّ بآلتي الآيباد والآيفون على شاشات متوسطة الحجم تكشف عن مواكبة هوكني لروح العصر.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3894 المصادف: 2017-05-04 13:26:54