سلس نجيب ياسين
رسل جمال
شاكر فريد حسن
د. صادق السامرائي
وداد فرحان
ابراهيم مشارة
عدوية الهلالي
عبد العزيز كحيل
شاكر فريد حسن
د. صادق السامرائي
سلس نجيب ياسين

تأملات في الحركة التشكيلية المعاصرة بتطوان

mohamad alshawiمن خلال أعمال الفنان محمد الجعماطي ونجيب السملالي ومحمد العربي الرحالي.

1 - الفنان التشكيلي محمد الجعماطي

باحثا عن بلاغة المكان ومتصديا للخطاب السياسي بسخرية الكاريكاتير.

 إن الحديث عن التجربة التشكيلية للفنان محمد الجعماطي؛ هو حديث بالضرورة عن جيل ما بعد الرواد في الحركة التشكيلية المغربية وتحديدا بمدينة تطوان مسقط رأس هذا الفنان دون فصلها عن مدينة مرتيل التي تعتبر المشتل الذي ترعرعت فيه ونشأت أهم الأفكار الجمالية التي تولدت عنها ثمرة تجربة لا يستهان بها في مجال الفن التشكيلي.

بالإضافة إلى ذلك نجد اهتمامات إبداعية أدبية لدى الفنان محمد الجعماطي ارتبطت بكتابة الشعر الذي ساعده على إخراج أحاسيسه لكي تكتمل مع التشكيل في قالب تفاعلي يجمع بين جمالية الإحساس و بلاغة المكان . بالإضافة إلى ذلك نجد انشغالات سياسية نقدية في قالب كاريكاتوري ومقالات أخرى تكشف المسكوت عنه في تاريخ الفن بالمغرب وكذلك تميط اللثام عن الوضع السياسي والاجتماعي المعيش .

وعلى هذا الأساس يمكن بسط الأسئلة الآتية:

أين تكمن بلاغة المكان عند الفنان محمد الجعماطي؟ وما هي الأسس والمقومات التي تتخذها هذه البلاغة؟ وهل لسخرية الكاريكاتير دور في تقويض الخطاب السياسي والاجتماعي وطرح بديل جديد لتقويمه؟

وإلى أي حد يمكننا الوقوف عند الصريح والمضمر في ثنايا هذا الخطاب التشكيلي؟ وماهي أهم الأدوات المنهجية والإجرائية التي يمكن توسلها لتحليل مضامين وفحوى هذا الخطاب التشكيلي؟

يتأطر هذا المقال ضمن علم الجمال أو الإسطيتيقا، أي فلسفة الفن. والمراد بفلسفة الفن كما عمل هيجل على تحديدها وتأسيسها بمزيد من الدقة في قوله: " الجمال الفني خاصة دون الجمال الطبيعي."، وذلك من منطلق أساسي مؤداه أن الجمال الطبيعي من أصل إلهي، إذ إن فلسفة الفن تهتم بالجمال الفني الذي هو إنتاج للعقل أو الروح المطلق، والروح هنا يمكن أن تصل إلى معانقة ما هو مقدس نظرا لرحابة معناها. يقول هيجل: " والحال أن الفارق بين الجمال الفني والجمال الطبيعي ليس محض فارق كمي. فالجمال الفني يستمد تفوقه من كونه يصدر عن الروح، إذن عن الحقيقة، إذ إن كل ما هو موجود لا يوجد إلا بقدر ما يدين بوجوده لما هو أسمى منه (...) إن الجمال الطبيعي انعكاس للروح. وعليه، ينبغي أن نفهمه على أنه كيفية ناقصة للروح، كيفية متضمنة بذاتها في الروح، كيفية مجردة من الاستقلال وتابعة للروح." (أنظر: هيجل، مدخل إلى علم الجمال) .

وبما أن فلسفة الفن أو الإسطيتيقا تنبني على السند الجمالي وتتخذ من السؤال والتأمل مسعى للتحليل والتأويل، فإن هدف هذا المقال يقوم على تأملين أساسيين: الأول يرتبط بالمكان وبلاغته في الجمال الفني في أعمال محمد الجعماطي؛ أما الثاني فإنه يقوم على تأويل مفهوم السخرية في علاقته بالرسوم الكاريكاتورية بغية فك شفرتها، عن طريق الخروج من الدلالة المجازية الصريحة نحو الدلالة الحقيقة الثاوية خلف تأويلنا لهذه الأعمال.

يقول الفنان التشكيلي والناقد شفيق الزگاري عن تجربة الفنان محمد الجعماطي:

1254 thumbnail jaamati"كانت كل أعماله وبدون استثناء، ترجمة للحب والعشق الذي يكنه لبلده، قامت تجربته بالاشتغال على المكان، بكل تفاصيله، خاصة عندما وظف الحمامة في جل لوحاته، بشكل لافت للنظر، تأكيدا لما يكنه لهذا المكان من تفاؤل في أفق نظرة مستقبلية بحرية تخضع لشروط وجودية يلتقي فيها الجمال بحرية التعبير، فكانت مواضيعه مستمدة من هذا الوجود بطبيعته ومناظره وبحره بغروبه ورماله وطيوره وقواربه، مشتغلا في هذه المرحلة بالذات على قضايا إنسانية تركت في نفسه جرحا عميقا بعدما كان يتلقى أخبار المهاجرين من غرقى عابري البحر الأبيض المتوسط بحثا عن لقمة عيش شريفة، عن طريق القنوات الإسبانية القريبة للحدود المغربية...".

يظهر لنا من خلال هذا الملفوظ أن الفنان محمد الجعماطي عاشق للمكان ولتجلياته بقدر عشقه للتعبير عن عاطفته، إذ إن توسله للمكان بوصفه طريقا يسير على منواله ويعبِّر به؛ إنه طريق إخراج الأشياء التي لا نراها بالعين المجردة داخل الطبيعة نحو إعادة صقلها وتركيبها بتلمس طرق وأدوات جديدة تؤثث لانطباعية المكان بنظرة واقعية. وتأتي بعد ذلك المقومات الجمالية الثاوية خلف بلاغة المكان لكي يعمل على استرجاعها بأسلوب يجعل المتلقي يتساءل عن خبايا ونتوءات وأشكال خفية تختلف عن المكان المألوف بالنسبة لنا.

إنه مكان يعجُ بأحاسيس انطباعية للمناظر الطبيعة الجميلة اتسمت بها مدينة تطوان وكذلك هو الشأن بالنسبة لعمرانها المعماري والبشري الذي حاول الفنان الجعماطي أن ينقله للوحة بطريقة اختص بها عن نظرائه من فناني مدرسة تطوان.

 قد تجد شرفة لمكان مجهول تقبع بجوارها حمامة، وعلى جوارها ساحة فارغة، أو دراجة هوائية داخل غرفة مظلمة تعكس عملية خلط الألوان التي تستدعي حضور الظل والضوء بوصفهما مكونين أساسيين لجميع أعمال هذا الفنان.

ويمكن للمتلقي أيضاً أن يجد في أعمال محمد الجعماطي حضورا واسعا لمفهوم الفراغ الذي على أساسه ندرك قيمة الوجود ودور الموجودات الطبيعية والإنسانية في ملئه حتى يتسنى للوعي بالذات أن يدرك ذاته وحقيقة وجوده بالنظر إلى هذه المقومات. إنه وعي رسمه هذا الفنان بدقة متناهية وبألوان خاصة تدل على افتتانه بجمالية المكان.

وما يثير فضول التأمل الذي اتخذناه طريقا إستيطيقيا لتتبع بلاغة المكان عند هذا الفنان المخضرم الذي عاش فترة جيل الرواد وما أعقبها من تحول في طريقة الاشتغال على اللوحة في مرحلة ما بعد الرواد التي تميزت من خلالها مسيرته الفنية. فهو لا يتعامل مع اللوحة تعاملا أكاديميا بامتياز مطبقا تلك القواعد التي تجعل من الفراغ في الأعلى وفي الأسفل الموضوع وخصائصه المرتبطة به، حيث عمل على قلب هذه المعادلة جاعلا من الفراغ في الأسفل والموضوع تارة تجده في الأعلى وتارة أخرى يتوسط الحامل، وأحيانا يصعب القبض عليه في مكان بعينه.

 إن هذه التقنيات في التعامل مع اللوحة وفق طبيعة الموضوع والغرض الذي يهيمن على أفق تفكيره، بالإضافة إلى عملية خلق تصور جديد للواقعية من خلال تقنية خلط الألوان وطريقة توظيفها إلى درجة تيه المتلقي أمام نسيج منجزاته الفنية هل هي ابنة هذا العصر أم إنها تنتمي إلى تاريخ موغل في القدم؟

 هكذا هو الفنان محمد الجعماطي، يؤرخ للماضي في الحاضر ويجعل هذا الأخير نفسه ماضياً ما فتئ يريد العودة من جديد، لكي يقول قوله بأن سؤال التاريخ لم ينته بعد.

فكيف يمكن للماضي أن يصير موضوع معرفة في الحاضر؟ وهل باستطاعة الفنان التشكيلي أن يعيد صياغة هذا الإشكال لكي يعبّر عن سؤال التاريخ من داخل الفن التشكيلي؟

إن الجواب عن هذا الإشكال يستدعي منا الانتقال إلى الشق الثاني من هذا المقال وهو الشق المتعلق بسخرية الكاريكاتير عند الفنان محمد الجعماطي؛ وهي سخرية ترتبط بتاريخ قديم لنضال متواصل عزم من خلاله هذا الفنان على فضح ما هو مسكوت عنه في التاريخ المغربي الحديث والراهن. ذاك التاريخ الذي ارتبط بمشكلة التعليم، الشأن السياسي، الزبونية والمحسوبية، أزمة الوظيفة العمومية، المسكوت عنه في تاريخ التشكيل المغربي...

ولعل طريقة الرسم التي يوظفها محمد الجعماطي إما بقلم الحبر أو الرصاص على الورق؛ هي الطريقة الأنجع في التعبير عن هموم مجتمع ومشاكله التي تتراكم يوما بعد يوم، لكي تتكرر بنفس الطريقة في سائر القطاعات الكبرى للدولة وعلى رأسها:

التعليم والصحة والعدل...

والجدير بالذكر أن طابع السخرية الذي تكتسيه رسومات محمد الجعماطي، هو نفسه الذي يجس نبض الجوانب الاجتماعية للحياة اليومية وما التصق بها من هموم المواطنين مع الإدارات العمومية ومع المنتخبين من ممثلي المجالس البلدية والبرلمانية، أولائك الذين تجدهم على نفس المنوال وفي قالب يتكرر بين كل من يريد أن يمارس السياسة داخل المجتمعات المتخلفة.

وخير دليل على ذلك رسم كاريكاتيري عنونه الفنان محمد الجعماطي بتعبير عامي بليغ وهو:"مسقيين من مغرفة وحدة" الذي لخص من خلاله جميع الممارسات السياسوية التي نجدها داخل المجتمع المغربي، وهي ممارسات تتساوى مع نفس الأشخاص رغم تغير وتطور المجتمع وميلاد فكرة "الانتقال الديمقراطي"، إذ تظل العقلية هي نفسها تورث وتتكرر بطريقة تصاعدية نحو وجهة محددة وهي جمع المال والثروة من طرف السياسيين الذين صاروا وحوشا ضارية تلتهم الجميع، وصدق المفكر والشاعر الفرنسي سان أوجست بقوله: "لقد أبدعت جميع العلوم معارف وفنون جميلة، إلا السياسة فقد أبدعت وحوشا".

إن هذه السخرية تعبير فعلي ارتبط بقناعة ترسخت لدى الفنان الجعماطي، وهي أن جميع المجتمعات البشرية لا يمكن أن تتقدم وتتجه نحو الأمام ما لم تعطي الأولوية للتعليم وتجعله أول شيئ يجب للدولة أن تقوم عليه.فمعيار تقدم المجتمعات يقاس بدرجة وعيها وعلومها وفنونها وما أنجزته تاريخيا، أي معيار ما راكمته من ثقافة ومعارف تعود بالنفع الحضاري والإنساني عليها وعلى الإنسانية جمعاء.

يقول: "(...) عبر تاريخ الأمم كان الفنان في الصفوف الأمامية الريادية ضد الظلم والقهر والاستبداد، حاملاً مشعل الأنوار والسلام، العدالة، الحرية... من دولاكروا في لوحته الشهيرة: "الحرية تقود الشعوب" إلى لوحة بيكاسو: "لا گيرنيكا" التي أوصى باسترجاعها من متحف نيويورك بعد بناء ديموقراطية بإسبانيا...

في عالما العربي ساهم بعض الفنانين في تأصيل الأنظمة الديكتاتورية، بل كانوا أدوات عملية في يد من أحكموا القبضة على رقاب شعوبهم ولم يفلت من هذه القاعدة سوى من تبنى نظرية الفن من أجل ذاته بمعنى يصير الفن معبرا عن همومهم الذاتية فقط ولا يعبر عن آلام وهموم الشعوب."

إن وظيفة الفن حسب الفنان الجعماطي ترتبط بنفس وظيفة الفنان، ألا وهي المقاومة والانخراط في صميم ما هو مشترك وإنساني وداخل هموم المجتمع بمعناه الجوّاني والبرّاني. يستطرد قائلا: "إن الفنان يصير كائناً معطلاً بمحض الإرادة لعدم انخراطه في حركية المجتمع. هذه المقاربة العجيبة يتبناها، بل يفتخر بها كثيراً جداً من التشكيليين والفنانين عموما، لا تكاد تجد فناناً عندما تطرح عليه قضية سياسية إلا ولى وجهة شطر الوجهة المريحة، معللا موقفه بشتى الأسباب والافتراضات الغير منطقية، بل هروبا خارج مظاهرالحتجاج والمقاومة. (...)".

وعلى هذا الأساس انبنت فكرة المقاومة والانخراط الفعالان في صميم ما هو اجتماعي لجل القضايا التي يمكن للفنان أن يُقَوِّضَ من خلالها كل الأطروحات التي تبتغي هدم الكيان الواعي للمواطن المغربي، إنها فكرة اختمرت في الأعمال الكاريكاتورية للفنان محمد الجعماطي وفي نصوصه ومقالاته وقصائده التي تعبّر عنها، إذ تبتغي الخلاص للجنس البشري وهو خلاص الوعي والتقدم العلمي والمعرفي لكي نضاهي الغرب في منافسة شريفة بما راكمناه من علوم ومعارف وفنون جميلة. إن هذه المضاهاة هي الكفيلة برسم أفق مستقبلي لكي نحدد على منواله طموحاتنا ونصقل على أساسه جل معارفنا وخبراتنا، حتى يعم الخير على البشرية جمعاء وترقى إلى مستوى تطلعات كل مواطن يفتخر ببلده ووطنه.

2) الفنان التشكيلي نجيب السملالي باحثاً عن المعنى التجريدي

لماذا استقر الفنان التشكيلي نجيب السملالي وخريج المدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان على التوجه التجريدي؟

1254 thumbnail simlaliهل اختياره للتجريد جاء من خلال بديل أسلوبي وتشكيلي جديد أم إن هذا الاختيار كان في البدايات الأولى لتدرج هذا الفنان داخل العديد من التيارات التشكيلية؟

كيف انتقل الفنان نجيب السملالي من فكرة التشكيل حول المكان الذي ارتبط بمسقط رأسه مدينة القصر الكبير، نحو التشكل في أفق الفكر ذاته ومع نفسه باستقلال عن كل دلالات واقعية محضة أو شبه تشخيصية؟

يقول عن تجربته التشكيلية:

" إن الفنان التشكيلي لا يمكن أن يستمر في عطاءاته وفي إبداعيته ما لم يكن على استعداد للإعتراف ولرد الإعتبار لمدينته ومسقط رأسه. فالفن التشكيلي بالنسبة لي هو وسيلة فعالة للتعبير والتواصل مع جميع الشرائح الإجتماعية وخصوصا البسطاء منهم، فأعمالي أهديها لهؤلاء، لعلها تخلق في نفوسهم بهجة الأمل وحبّ الجمال والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل حبّ الوطن الذي أعتبره قضية تشكيلية بامتياز."

يتضح لنا من خلال هذا الملفوظ مدى ارتباط الفنان نجيب السملالي بمسقط رأسه وإعتزازه بمدينة القصر الكبير، بالإضافة إلى إيمانه بدور الفن وأهميته الجمالية في سبيل النهوض بالوعي الاجتماعي خدمةً للوطن ولقيم الإنسانية جمعاء.

وتماشيا مع موضوع هذه الورقة فقد اخترت عملين للفنان نجيب السملالي :

أ) اللوحة الأولى وهي لضريح الولي الصالح "سيدي يعقوب البادسي" العالم الصوفي الجليل ( 727/640هـ 1243/1325م). وبجواره المسجد الذي سمي على اسمه، وهو مزين بنخلتين من أجود نخيل المدينة، لا وجود لشبيه لهما إلا بضريح العلاّمة الصوفي "سيدي الكاتب" بحوار المسجد الأعظم. هذا الضريح الذي اندثر ولم يبق منه إلا الإسم وأجزاء من قبر الولي الصالح. كما أن هذه الصورة ظلت لصيقة بمخيلة كل من ترعرع ونشأ بالقصر الكبير لكونها الماضي والحاضر، إنها صورة "سيدي يعقوب" المجسدة لأصالة وعراقة هذه المدينة.

فاللوحة صباغة زيتية على القماش تعود لسنة 2002، شُكلت بأسلوب تعبير واقعي، استخدم فيها الفنان نجيب السملالي تقنيات الفرشاة بطريقة أكاديمية تستقي أسسها من المعلم الثاني بمدرسة تطوان الأستاذ والفنان التهامي داد الذي أخذها عن المعلم الأول بنفس المدرسة ماريانو بيرطوتشي.

إنها طريقة تجمع ما بين تقنيتي الرسم والتلوين، اللذان بجسدان نظرة هذا الفنان لرمز ديني وصوفي من رموز مدينة القصر الكبير. وهنا يلتقي نجيب السملالي مع عمل المؤرخ ويستعير منه مهنته لكي يؤرخ بالتشكيل للمكان ومدى أثره في نفوس ساكنة المدينة وكذلك زوارها. فضلا عن كون تعبيرية اللوحة بنيت على فكرة سيميولوجية جمع فيها الفنان بين الرمز الديني المتمثل في الصومعة المرتبطة بالمسجد والصلاة والعبادة والمكان الذي به ضريح الولي سيدي يعقوب، وهو محج زواره من المتبركين. وفي سيميولوجية النخلتين المخضرتين دلالة على الوفرة والخير،

وكذلك الإستمرارية والتطور. فهما بصيغة المثنى وليس المفرد، وهذا ما يدل أيضاً على ترابط وتلاحم الثقافة بالطبيعة الأصل، وكأنهما رجل وامرأة يوحيان للمتلقي بالخير والوفرة والإزدهار. إن جمالية اللوحة تكمن في عملية وصف الفنان السملالي للمكان ومدى ارتباطه بمسقط رأسه الذي ظل يراود خاطره ومخيلته الإبداعية.

ب) اللوحة الثانية وهي التي التي شارك بها في هذا المعرض الجماعي وقد عملت على تحليلها وفق سيميولوجية التجزيئ.

تطالعنا هذه اللوحة التجزيئية من اللوحة الزوج على تصور بصري تجريدي أراد به الفنان نجيب السملالي التعبير عن روح المعنى ودلالة عملية تجانس الألوان من خلال تموجات وتفاعلات بين الألوان المختلفة؛ لكي تتجمع وتفترق داخل فضاء تشكيلي، وكأنها مجموعات رياضية تمت صياغتها في قالب هندسي. إنه قالب شبيه بنظرية المجموعات التي تحدث عنها الرياضي جورج كانتور بالنظر إلى إيحاءات المعاني التجريدية التي يصعب القبض عليها داخل النسق الجمالي والتشكيلي الذي وظفه هذا الفنان.

حريُ ُ أن يبدو للبعض إذا ما قرأ بإبصار واسع النظر للوحة/السند بمرجعية الجشطالت gestalt القائلة حسب روادها من علماء النفس الألمان بأننا ندرك الكل بعد ذلك نهتم بأجزائه. هكذا هي هندسة هذه اللوحة، فلا سبيل لإدراك موضوعها غير الكل المعمم الذي يؤسس لبقية الأجزاء المتجانسة.

وعلى هذا الأساس يمكن تقديم قراءات متعددة ومختلفة حسب وجهات النظر ومعاني وتيمات

اللوحة/السند، إذ إننا نتفق على مدى إيحائها لنا بضرورة إسقاط أحاسيسنا ومشاعرنا عليها. إنه إسقاط projection موغل في تاريخ علم الاختبارات النفسية، ولا سيما تلك الاختبارات التي اهتمت بالشخصية ومقوماتها الذهنية وتحديداً اختبارات بقع الحبر على الورق المسماة بالروشاخ على اسم صاحبها الطبيب النفسي والعالم hermann rorschach.

ومما لا شك فيه أن عملية الإسقاط ستكون مدخلا مناسبا لقراءة مثل هذه الأعمال التي تسعف القارئ على تأليف موضوع مقترح يرتبط بالشكل والمضمون المناسبين للغرض الدلالي للمفاهيم مثل: الإحباط، دوامة الحياة، التحول، ثورة الألوان، تموجات الأحاسيس، زوبعة في عمق الذات البشرية، التغيير الذي نريده، مقاومة اللذات، صراع الرغبات ...

ختاما يمكن القول بأن تجربة الفنان ومصمم الديكور نجيب السملالي تبقى من التجارب التشكيلية الجادة التي أثث المشهد التشكيلي المعاصر بالمغرب من خلال أعمال مرجعية تنتحُ من تاريخ الفن التشكيلي وتؤسس لرهان الحداثة والتجديد الذي يعتبر المنعطف الوحيد للخروج من دائرة التكرار وإعادة الإنتاج.

3) محمد العربي الرحالي فنان علبة الكبريت وباحث عن كوكب التشكيل.

1254 thumbnail rahaliما الجديد التشكيلي الذي جاء به الفنان محمد العربي الرحالي؟

هل يمكن لهذا الفنان أن يكون باباً لحركة تشكيلية جديدة بمدرسة تطوان؟

ما دلالات فكرة علبة الكبريت في أعمال محمد العربي الرحالي؟

لماذا تفرعت فكرة العلبة إلى مجموعة من العلب؟ وهل في هذا التفرع تطوير وإستمرارية للعبة أم مجزاوزة لها نحو تمثلات وأفكار جديد خرجت من رحم نفس فكرة العلبة؟

لم تكن فكرة التشكيل على علبة الكبريت بالفكرة الساذجة أو البوهيمية الشبيهة بتلك الأفكار التي سادت في ثنايا الأعمال التشكيلية لدى بعض الفنانين بالمغرب من الحداثيين؛ وإنما هي فكرة علمية وأكاديمية تقوم على مبدأ الهندسة التربيعية في علاقتها بالفضاء الداخلي للعلبة وفق أوجه متعددة من التركيبات الفردية والجماعية عند الفنان التشكيلي محمد العربي الرحالي موظفا فيها مختلف أبعاد علب الكبريت، في عملية تجانسها وانسجامها، وفي تفرقها وتشتت تجميعها لأجزاء متفرقة داخل نسق حلزوني ودائري تكون فيها البداية هي نقطة النهاية، ونقطة النهاية بوصفها بداية جديدة. كل هذا كان خلال سنة 1982 و 1984.

ومن القضايا التي اشتغل عليها في مختبره التشكيلي نجد مسألة العناصر الأربعة المكونة للوجود، الإنسان الكوني، كوكب التشكيل، الذهن يُحرّكُ المادة، جدلية النقطة ، مجرة الكون...

 وعدة قضايا أخرى ترتبط بأسئلة الوجود المستقبلي والأبحاث التشكيلية داخل عالم نومين الكوسموجي.

 أهمية هذه الموضوعات ترتبط ببحوث دؤوبة قرر الفنان والمجرّب محمد العربي الرحالي دخول غمارها من خلال طرحة لحركة تشكيلية جديدة بمدرسة تطوان تقوم على مبدأ مجاوزة dépassement جيل الرواد ومع بعده في التقنية والسند والخروج بالأعمال التشكيلية نحو البعد الرابع.

وفي محاولة منه لتعريف الفنان التشكيلي برؤية معاصرة ووفق أحاسيسه الجمالية التي تسكنه يقول: "لا يمكننا أن نُعرِّف الفن التشكيلي بدون الغوص في باطن الفنانين التشكيليين، هم من يصنع الفن ويخرجه من مخاض الولادة. هم من وضع الواقعية والإنطباعية، والتشخيصية والسوريالية والتكعيبية... إن الفن بصيغة المفرد هو الفنان التشكيلي ورؤيته الجمالية له."

أضف إلى ذلك فإن الفنان محمد العربي الرحالي أين ما ذهب وسافر فإنه يحمل بجيوبه أعماله على علب الكبريت ونماذج من تصاميمه وأبحاثه في كتيبات الجيب.

 لقد أسعفته تجربته الفنية داخل أحياء مدينة تطوان العتيقة وتحديدا بمقهى "دالية العيون"؛ أن يخرج مكنوزه النفسي والحضاري والتاريخي لكي يكون مكنوزاً جديدا يرتبط بالمستقبل ولا شيئ غيره.

 ضارباً جدار الوعي بحمولتها الثقافية نحو لاوعي كوسمولوجي يرتبط بنظام الكون في أبعاد ودلالات استثمر من خلالها محمد العربي الرحالي نتائج أبحاث علماء الفلك والأجرام السماوية.

يقول: "أن هنا بتطوان تجد داخل العلبة الترقيم المناسب للمكان وبأرقام علمية للطول والعرض:

33-36 N

_______

7-37 w

33 درجة و36 درجة على 7 درجات و37

درجة. "

وعلى سبيل الختم فإن التجربة التشكيلية للفنان محمد العربي الرحالي تبقى من التجارب القلائل جداً للتوجه ما بعد الحداثي في الفن المعاصر بمدرسة تطوان خاصة، وبالمغرب عامة . والدليل على مدى قبول الغرب وإيمانهم بهذا الفنان وبمشروعه التشكيلي، أنه ثم إستدعاؤه للمشاركة بمعارض فردية وجماعية داخل بلدان كونية حاضنة للفن المعاصر ومدعمة لأفكار ومشاريع الفنانين كأمريكا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا والدانمارك...

يقول الفنان محمد العربي الرحالي:

"هناك من يعتقد أنني اختزلت العالم في علبة الكبريت، وهناك من سيقول بأنني اخترعت فكرة العلبة، العلبة هي التي اختارتني وهي التي ألحّت علي قصد ابتكارها داخل مشروع تشكيلي معاصر."

 

بقلم: محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3894 المصادف: 2017-05-04 13:34:14