د. صادق السامرائي
سلس نجيب ياسين
د. عدنان الظاهر
عبد الجبار نوري
د. صادق السامرائي
إيمي الأشقر
محمد أبو النواعير

صياغات شكلية في الفن تستتر وراءها قيمها المعنوية

hashem mosawiيذكر لنا فيلسوف الفن التشكيلي المعاصر (هربرت ريد) في كتابه "حاضر الفن" وهو يستعرض مراحل تطور الفن (ويقصد به فن الرسم) إبتداءا من عصر النهضة حتى يومنا هذا . وهو جازما على أن التقاليد الرئيسة في فن الرسم الأكاديمي الأوربي، قد بدأت في القرن الرابع عشر .. وقد بدأت بشكلها المبسط من خلال الرغبة في نسخ ما تراه العين مباشرة .. وقد ساند هذا الرأي "روجر فراي" حين قال: (لم يكن مطلوبا من الفنان أن تكون تخيلاته رائقة للعواطف بإيقاعها فحسب، بل أن تتماثل مع مظهر العالم الواقعي، أما بنيتها فيجب أن تكون متماسكة وبلا ثلمة، كتلك التي للمنظر المرئي وهذا شرط أساسي .. وإن هذا التماسك كان يتحقق بطريقتين، أما بمحاكاة دقيقة للمنظر الواقعي، أو بإنشاء صورة إستنادا الى تلك القوانين البصرية التي ترتاح لها الرؤية حتما) .

يتضح بأن الطريقة الأولى سميت بالمنهج التجريبي . وكان قد إستعملها الفنانون الفلمنكيون  في شمال أوربا . وأما الطريقة الثانية، والتي يمكن أن يقال عنها بأنها (علمية)، فقد أستنبطت في إيطاليا، خصوصا في مدينة فلورنسا، حيث كان فنانوها هم الذين إكتشفوا القوانين البصرية للمظهر .. وهكذا نجد أن في هذين النهجين توجها للمحاكاة، ليس له غاية أخرى سوى نسخ المظاهر. فهو يعطي صورة للتجربة البصرية المباشرة، ويتطلب ذلك من الفنان تسجيلا صادقا للآلية  الفسلجية لبصره .

 إستمرت هذه الممارسات الفنية حتى آواخر القرن التاسع عشر الميلادي، الذي حمل معه مولد مدرسة فنية جديدة، إستعارت إسمها من عنوان لوحة  للرسام الفرنسي  "كلود مونييه" (إنطباع شروق الشمس)عام 1672 م .

 انطباع: شروق

 فكانت هذه أول حركة فنية رائدة تتمرد على القيم الكلاسيكية والأكاديمية التي تبناها الفنانون الأوربيون مع هيمنة القيم الفنية لعصر النهضة الأيطالية، وهي قيم إلتزمت، تجسيدالأبعاد الثلاثة، ومحاكاة الواقع الملموس، وفي الأعمال الفنية، وعرفت أيضا بالتأثرية، وتمثل أسلوبا فنيا في الرسم، يعتمد على نقل الواقع أو الحدث من الطبيعة مباشرة ، وكما تراه العين المجردة، بعيدا عن التخيل والتزويق  .

مونيه : زنابق الماء

وفي إثنائها خرج الفنانون من المرسم ونقلوا أعمالهم في الهواء الطلق، مما داعاهم الى الإسراع في تنفيذ العمل الفني قبل تغير موضع الشمس في السماء وبالتالي يمكن أن يؤثر ذلك على تبدل الظل والنور .. وسميت بهذا الإسم لأنها تنقل الحركة الفنية  الى حركة جديدة، سميت فيما بعد بالإنطباعية . وهذه أضافت أبعادا أخرى الى التأثيرات النظرية للإنطباعيين، إذ إشتركت مع الإنطباعية بالألوان المشرقة الواضحة وبضربات الفرشاة الثقيلة الظاهرة وإختيار مواضيع الرسم من الحياة الواقعية .

فانكوخ - ليلة النجوم

لكنها تحيد عنها، بميلها الى إظهار الأشكال الهندسية (كالمثلث والمربع و..) وإستعمال ألوان غير طبيعية أو إعتباطية للأشياء، وإبتعدت عن التقييد المتوارث في الإنطباعية .

نشأت التكعيبية بعد المدرسة الإنطباعية سنة 1907 م كرد فعل عليها، ويعد الفنان "بول سيزار" هو أول من خطط  ومهد لها  فقد كان يكرر قوله : (أن المخروط والكروي والإسطواني هي أشكال ينبغي على المصور أن يبحث عنها) .

إهتمت التكعيبية بفكرة وحدة الصورة المرسومة على سطح ذي بعدين، وبتحليل الأحجام وعلاقتها، فقد حقق التكعيبيون ذلك بتعمدهم إهمال رسم الأشياء كما هي، والسعي لإيجاد التكوين الكلي للشئ المراد تصويره، ومع توضيح وضعه في الفراغ . وفي سعيهم لتحقيق ذلك، فإن التكعيبين قد جعلوا الصورة تحمل فكرة الشئ المرسوم، وذلك برسمه من جهات متعددة في وقت واحد .

إن عملية التجريد هذه قد تمتلك مظهر عملية آليه، مخلفة القليل من المجال لدور حساسية الفنان الخاصة، ألا أنه في الحقيقة ليس ثمة ما هو أكثر جلاء من الشخصية الفردية في أعمال العديد من الرسامين التكعيبين، ويمكن أن يقال بأن عملية التجريد كانت تقوم بإزاحة القناع العاطفي للواقع .

وبتصاعد الإيقاع الدرامي في السريالية، نجد أن المعنى قد أصبح لغزا معقدا صعبا، يبتعد بالمتلقي عن العالم المقول، ويستبقسه في حالة من الحيرة والذهول .

سيلفادور دالي - أكتشاف امريكا من قبل كريستوفر كولومبوس

 فهو يفتح أمامه آفاق عالم المجهول واللامعقول، فإذا بذات الفنان يستولي على الموضوع برمته، ليستحيل الموضوع ذاتا، والذات موضوعا، يرى من خلالها المتلقي إنعكاسا لما غاب عنه في ذاته . لنجد أن التباين الكبير الذي نجده بين التيارات والمدارس الفنية المختلفة والمتنوعة، إنما مرده الى إنطلاق سراح المعنى وإطلاق العنان له كي يضع شروطه الخاصة وإحيانا الجامحة في تشكيل العناصر والعلاقات والخواص بأساليب جديدة متغيرة ومرنة والمعنى منجم ثري للصياغات الشكلية التي يستتر وراءها.

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4056 المصادف: 2017-05-05 06:11:47