ملف: المثقف 10 سنوات عطاء زاخر

الصحافة الحرة وأثرها في المجتمع

mohamad alhusayniفي عالم صارت فيه الصحافة تجارة والكتابة رتابه فأختلط فيه الحابل بالنابل والمظهر بالجوهر والغش بالنزاهة والكذب مع الصدق، عالم تتحرك فيه الكلمة في مزادات علنية ويمتلك فيه أصحاب الشأن والنفوذ والمال والسلطة زمام أمور السلطة الرابعة من مؤسسات ثقافية وصحافة. في هذا العالم فقد  المثقف ثقته بالكثير مما يقرأ ويسمع لأن الكاتب، وفي كثير من الأحيان، صار يكتب وقد يكون غير مؤمن بما يكتبه لأنه لا يتطابق مع مفاهيم الصدق والعدالة وبعيد عن كنه الحقيقة ولكنه مكلّف بما يكتب وحسب سياقات نفعية مصلحية أو إنتمائية!.

لا يعترض المراقب للوضع بأن يكون الكاتب منتميا الى حزب أو تيار أو عقيدة أو فكر شرط أن ينصف في كتاباته ولا تأخذه النعرات والمصالح الى سياقات المفاهيم المنحرفة والبعيدة عن جوهر الحقيقة والواقع. لا يجعل الخطأ صوابا فيبرر ما لا يبرره المنطق ويدافع عمّن لا دفاع عنه من الشؤون والأحداث أو يمتدح من لا يستحق المديح ويكيل الذم والإنتقاد الى من هم ليسوا أهلا لذلك ! هكذا كاتب يفقد مصداقيته أمام التأريخ وأمام الناس سواء كان عاجلا أم آجلا. كم هو جميل لو أنتقد الكاتب المتحزب حزبه في كتاباته وبين مواقع الخطأ والخلل وكم هومفرح لو نشرت صحيفة نقدا أو إنتقادا لسياسة ما في الحزب الذي تمثله وتنتمي اليه. فمتى صار إنتقاد النفس أو نقدها رذيلة في عالم كثرت فيه الرذائل !؟ فكم من صحيفة في عصرنا هذا تقرأها وتحس من خلال ما تقرأ تجردها عن النزعات والنزوات والإنتماءات!؟ صحيفة تتجرد عن المنافع والمصالح وتسخر نفسها لنقل الخبر اليقين والكلمة المستقيمة والثقافة الحرة السليمة؟ كم من صحيفة لا يقف خلفها كيان يرسم مسيرتها حسب الأهواء والمزاجات والإرادات!؟.

دور الكاتب في مجتمعه أكبر بكثير من دور الطبيب، لأن الطبيب يتعامل مع علل الجسد إلاّ أن الكاتب يناجي العقل والفكر وخطأ الطبيب في التشخيص قد يعود بالضرر على مريض أو أكثر بقليل ولكن ضرر الكاتب في خيبة تشخيصه وتحليله تنال من سلامة الفكر في المجتمع. فما أتعس المجتمع  الذي تغزوه العلل الفكرية وتطارحه الأوهام والضلالات .. الكاتب الحر هو كالحاكم العادل، يعالج الأمور وهو متجرد عن عواطفه الشخصية وولاءاته وإراداته، ينطق بلسان الصدق والحق حتى ولو كان على نفسه أو على نهجه ومعتقداته. الكاتب النزيه يتوقف عند مواقع الخلل ويشخصها في مجتمعه ويطرح الحلول دون مجاملة أو خوف أو تردد، كي يؤدي أمانته بأحسن وجه فيرضي الضمير ويرضي الذات قبل كل شيء.

في مثل هذا الخضم المتلاطم بأمواج الأهواء والإرادات المتناقضة يكون مصير الكاتب المعتدل السوي في نهجه ورؤاه الغرق والإختناق، لأن الأمواج العاتية لا ترحم إلاّ من خف وزنه وتطاير مع الرذاذ... فكم من كاتب نزيه نطق بلسان الصدق والصراحة فجرفته الأمواج  وأبعدته بل نفته الى حيث لا يقدر أن يعود... وكم من صحيفة حرة نطقت بالحق فصادرتها الأيادي المتسلطة طوعا أو كرها لأن العيون الرمداء لا تحب النظر في وهج الشمس !.

أن خنق الكلمة الحق وموت الفكر الصحيح صار غاية ومرام لدى القوى الخفية التي لا تريد للمجتمعات أن تنهض وتقوم، بل أن ثقافات طارئة ودخيلة مهذبة ومعدّة من أجل الهدم والفناء جاءتنا من حيث ندري ولا ندري، فزحفت إلينا وأستشرت فينا بل وجدت في هوّة الجهل الذي نعيش عاملا مساعدا ووسطا ملائما لأغراضها ومساعيها. ومهما يكن من أمر ومهما تصاعدت الصيحات الضالة فهيهات أن تدوم الصولة وتطول الرحلة ما دام هناك أصوات معارضة حرة تأبى وتتحدى.... أصوات نزيهة ترفض الذل والخنوع مهما أشتدت الزحمة ومهما طال الزمن، أصوات لا تريد أن تختفي ثم تموت.... فما دام هناك إرادات تأبى التراجع وتأبى الإنكسار، إرادات ترفض  المساومة في الحق وفي الصواب! فلا خوف ولا خشية على مستقبل الكلمة وظهور الحقيقة. هذه الأصوات الحرة وأن قلّ عددها لكنها أثرت بثقلها وفعلها ونهجها فأصبحت نورا في ظلمة الأفكار وملاذا للمثقف الذي أتعبه النفاق وآلمته الضلالة. هذه الأصوات تكتب التأريخ بنهجها ومصداقيتها وقيمها السامية.....

صحيفة "المثقف"  التي تحرق سنتها العاشرة هي أنموذجا رائعا وشاهدا حيّا عمّا نقول، فهي نابضة في حرفيتها ونهجها وحياديتها وإنبعاثها. فقد كان لها، وبالرغم من حداثة عمرها، صولة محمودة ومشهودة في كل الميادين: السياسية والإجتماعية والثقافية. هذه الصحيفة قد واكبتها  شخصيّا منذ ولادتها ومنذ فجر التأسيس فوجدتها صحيفة شامخة الآفاق عميقة الرؤى رصينة الفحوى صادقة المضمون، لا تجامل على حساب الموضوعية والإختصاص ولا تساوم في الحقيقة والصواب، فتفيد من يجنيها وتؤنس من ينهل منها حتى أصبحت بجدارة صحيفة حضارية تواكب العصر في طروحاتها ومنهجها فما أحوجنا لها ولأمثالها من الصحف في عالم يملأه الضباب !

 

د. محمد مسلم الحسيني - بروكسل

 

للاطلاع على مشاركات ملف:

المثقف 10 سنوات عطاء زاخر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ د. محمد الحسيني، رمضان كريم، وكل عام وانت بخير وعافية، تفضلت كثيرا بمشاركتك في ملف المثقف لمناسبة مرور عشر سنوات على التأسيس، وقد غمرتني بالسعادة والفرح، لانك كاتب ومحلل سياسي واديب مرموق ، طالما اعتزت وافتخرت به المثقف. لقد جاءت مقالتك مفعمة بالوعي، فشكرا لما خطته اناملك المباركة، وشكرا لشهادتك اخي الكريم، شكرا لما كتبته عن المثقف صحيفة ومؤسسة، اجدد احترامي وتقديري ايها العزيز، نبقى معا لنواصل مشاريعنا وانت بخير وعافية .
ماجد

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

رمضان كريم يعود عليكم أخي أستاذ ماجد باليمن والصحة والبركة وعلى صحيفة المثقف متمثلة بكتابها وقرائها والعاملين فيها بالسؤدد والنجاح. يسرني وأنا أواكب صحيفة المثقف الغراء بعيد ميلادها العاشر وهي زاخرة بالنفع والفائدة فأثبتت صحة إسمها وبلغت أهدافها ورؤاها....أصحاب القلم الحر هم قادة المجتمع الحقيقيين وعلى أعناقهم تقع مسؤولية تأريخية كبيرة في بث الرؤى الصحيحة والأفكار البناءة وإنتشال المجتمعات من مطبات التخلف والتردي والخلل، فهم العيون المتفحصة الراصدة لقيم الحضارة والتطور والإنبعاث. هذه المهمة هي من أصعب المهام المناطة بعنق المثقف الذي يجري في يومنا هذا بعكس إتجاه الموج.... بارك الله تعالى بكل صوت حر مثابريسعى الى الإشارة لروح الحقيقة المختفية بأغلفة الجهل.....وبارك الله بجهودك ومثابرتك وبعيونك الساهرة على قيم الكلمة وقيم الثقافة أخي أستاذ ماجد.

د. محمد مسلم الحسيني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3562 المصادف: 2016-06-06 08:57:37