ملف: مستقبل الديمقراطية

الديمقراطية ومشكلة المتحولين سياسيا

saleh alrazukبعد انطلاقة ما يسمى بالربيع العربي دخلت لساحة الفكر السياسي مفردة طالما سمعنا بها وهي الديمقراطية. والحقيقة أنها مفردة لها دواعيها . ولكن المشكلة أن الحامل لم يكن ينسجم مع المحمول. بمعنى أن التسويق لهذه المفردة قام به واحد من إثنين: تلميذ نجيب للفكر الغربي الذي نشأ في ظروف صناعية واجتماعية مختلفة وبالتالي تفصلنا عنه عقود من الأزمنة ووراءها عقود من الفرق في الأدوات والمواد.

أو تلميذ نجيب لأحزاب معروفة بشموليتها وانحيازها المسبق لفريق دون آخر.

و للتوضيح يمكن أن ننظر للبنية الفكرية لمكونات أدوات الصراع. إنها غالبا من الإسلام السياسي مع علمانيين وقومجيين لهم تاريخ حافل بالولاء للمعسكر الشرقي وللنماذج القومية الانقلابية المعروفة.

السؤال الملح الآن: كيف يمكن أن يطبق واحد من هؤلاء فكرة الديمقراطية. وقد أثبتت التجربة في مصر وبالدليل القاطع أن هناك اختناقات في مفهومنا الثوري لمعنى ديمقراطية.

فقد اختلطت مع نظرتنا للشرعية ولآلية الاختيار عن طريق الاقتراع المباشر. وكأن هذه الكلمة - المصطلح - التي تعني فيما تعنيه حكم الشعب للشعب  ( من ديموس بالإغريقية ) يمكن اختصارها بلحظة واحدة فاصلة.

إن المشكلة الحقيقية في ديمقراطيتنا هي عدم وجود مؤسسات ترعاها أو أفراد هضموا روحها. وجدانها من الداخل. معناها الواقعي غير الخطابي ولا الميتافيزيقي.

فالديمقراطية التي تصبح حكرا على نخبة سياسية وتجارية معينة بعد فرز الأصوات تكون مشوهة نفسيا وجوفاء ماديا.

إن المجالس التي تم اختيارها في بلدان الربيع العربي لم تكن ضمانة حقيقية لإرادة المجتمع بكل مكوناته. والسبب هو عدم وجود معارضة أو رقابة قوية لديها الأدوات الكفيلة بردع الخطأ والانحراف وفرض الرأي بالقوة.

و إن مفهومنا عن حكومة الظل حتى هذه اللحظة لا يأخذ بعين الاعتبار شيئا غير المشاركة في تقاسم السلطة. وأعتقد أن الحكومات التوافقية من شأنها أن تحرم الدولة من وجود معارضة. فمشاركة الجميع في الحكومة يترك المجالس مكشوفة. ويصبح التواطؤ هو القانون، ويكون الحديث عن الخيار الثاني حكرا على النخبة الحاكمة وفق مبدأ تقاسم المصالح وليس التشارك في عدالة السيادة. 

هذا ناهيك عن دخول عدد لا بأس به من المتحولين سياسيا. وعذرا لهذا التعبير. إن التحول مفهوم تركيبي وهو قائم على تركيب ما سبق بصور معدلة بغاية التأقلم وليس بغرض الإبداع وإحداث القطيعة المعرفية مع جهاز المفاهيم القديمة.

كيف لي أن أثق بسليل حزب شمولي، أو حامل لأفكار وقيم حزب يؤمن بالمركزية الوطنية، ليكونةحارسا لمبدأ الديمقراطية.

إن حق الحياة السياسية يجب أن يكون مضمونا للجميع. ولكن في حالة من المساواة على الأرض. بمعنى أنه يمكن التنافس على صورة المستقبل بعد الوصول لمرحلة تمهيدية. ولكن لا يمكن لمتحولين أن يلعبوا دورا حاسما في صياغة شكل ومعنى مبدأ هم أصلا بعيدون عن جوهره.

و للتدليل على ذلك أضرب مثلا بالمتحولين الذين دخلوا الإسلام يوم فتح مكة. لقد انقلب معظمهم عند أول بوادر الضعف في الدولة الإسلامية ونشأت منهم حروب الردة ثم هم من أشعل الفتن الطائفية التي أودت بالدولة الإسلامية الوليدة. وهكذا حولت نظام الحكم من تشاوري إلى وراثي، ونظام الاقتصاد من زكاة إلى جباية ضرائب. وبنية المجتمع من كيان تبشيري ورسولي إلى بلاط هو حكر على عائلة بعينها.

و قل الشيء نفسه عن الانقلابات في العصر الحديث التي حملت عنوان واسم ثورات. لقد نادت بتغيير بنية المجتمع والاقتصاد وأسلوب توزيع الدخل القومي. ولكن سرعان ما تسلل المنتفعون وتحولت لشكل حكم تراكمي وهرمي. أسوأ ما فيه الإقصاء.

بودي أن أختم هذه المداخلة السريعة بالتأكيد على ضرورة تمثيل النواة الثورية قبل نواة الزعامات السياسية التقليدية. ولنكن صريحين مع أنفسنا: إن مقولة أهل الخبرة ليست مقولة نظيفة. فكل من لديه حياة اجتماعية لديه خبرات سياسية وثقافية. والتمسك برموز من الأجيال السابقة بحجة أنه لديهم خبرة بحل المشاكل واختراع منفذ للنجاة هو مجرد احتكار واختزال لمعنى الخبرة المهنية. هل كان جمال عبدالناصر وزيرا أو مفكرا يوم قاد ثورة يوليو مع زمرة من الضباط الأحرار.

و هل نفعنا الاحتكام لخبرات الجنرال اللنبي  في قيادة الجيوش العربية يوم اغتصاب فلسطين.

المهم أن تكون البداية مع طبقة نظيفة لدرجة التعقيم من أدران الماضي. ثم بعد ذلك يمكن فتح الطريق لضمان حقوق كل الأجيال وكل الفئات.

و شكرا.

 

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2497 المصادف: 2013-07-07 12:48:07