ملف: مستقبل الديمقراطية

الثورات واستمرارها بحملتها وقيادتها

khadom almosawiفي السابع عشر من كانون الاول/ ديسمبر 2010 اعلنت وكالات الانباء قيام المواطن التونسي محمد بو عزيزي بحرق نفسه في الشارع العام احتجاجا على القمع والمنع وسلطة الاستبداد التي اهانت كرامته الشخصية وحرمته من العيش الكريم بجهوده وإمكاناته. وأصبحت هذه الحادثة المحزنة شرارة اندلاع الحركة الشعبية الجديدة في تونس ومنها وأمثالها في ما تلاها من الانتفاضات الشعبية الجديدة في العالم العربي. وانتهت هذه الشرارة في حرق مرحلة النظام السابق وقيام نظام جديد، بفضل المشاركة الشعبية الواسعة في الانتفاض والاستمرار في المطالبة في انهاء الحكم السابق وبناء نظام جديد. والتشابه في المعطيات والوقائع في كل البلدان عامل اساسا في الانطلاق والاستمرار. وما جرى في العموم يؤكد ان كل العوامل، الداخلية والخارجية لعبت ادوارا في كل هذا الحراك. والصدمات التي حصلت لكثير من القوى والتيارات والحكومات، العربية والأجنبية، نابعة من الغفلة والتواطؤ والاستهانة بقدرات الشعوب وطاقاتها وإراداتها. ولعل ما يحصل في مصر خصوصا رد على كل تلك الاستهدافات، وإجابة لبعض من تلك الاسئلة التي لابد منها في مؤشرات الواقع والتحولات. 

التجربة في مصر تقدم ادلة واضحة لسير ثورة شعبية، بكل المعاني. الميادين الشعبية، لاسيما ميدان التحرير، النموذج لها، ومضرب المثل، ليس في مصر والعالم العربي وإنما في العالم ايضا، حيث  يشهد له. ولعل الاسئلة الكثيرة في التجربة المصرية تعرض اهمية الانتباه بوعي لما جرى وحدث وحصل. فالانتخابات ليست كل شيء فيها. ونتائجها لا تعني تحقيق الديمقراطية، والقوى الفاعلة فيها من خلال التجارب التاريخية قد تستخدمها عنوانا مؤقتا للانقضاض عليها. كما ان ما حصل في مصر في الانتخابات ونتائجها توضح ان ارتكاب الاخطاء في التجربة لا يشفع للقوى التي جاءت للحكم بها بالاستمرار بدون نقدها والاعتبار منها. لا سيما الاخطاء الاستراتيجية والرغبات الفئوية والحزبية الضيقة التي تخطط الى "التمكين" للاستئثار بكل النتائج. والمحصلة في الاخير خراب التجربة وخسارة الاحلام والأهداف.

 بلا شك ان تحديات بعد التغيير كثيرة وعديدة وأبرزها العمل على بناء دولة القانون والمؤسسات وعلى قواعد المواطنة الكاملة، والتنمية للشعب، والشفافية، ومكافحة الفساد والاستبداد والفتن الدينية والسياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية وحقوق الانسان. فهل قامت حركة الاخوان المسلمون التي فازت في الصناديق بنسب ضئيلة بكل ما اشير اليه من تحديات ام اخفقت وخانت العهود والوعود واستمرأت الوعيد ونكث العهد؟!.

حركة الاخوان المسلمون جزء من تيار الاسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي، ولها تنظيماتها المحلية والدولية المعبرة عن منتسبيها. وهي وغيرها من الفصائل الاسلامية تشكل تيارا كبيرا في المشهد السياسي. قدم هذا التيار تضحيات غير قليلة من اجل التغيير او المشاركة فيه، إلا انه في التجربة العملية في تونس ومصر خصوصا كشف عن فشل في الاستفادة من دروس التاريخ وعن اعادة انتاج اساليب الانظمة التي شارك في الاحتجاج عليها وتغييرها، وكان ضحيتها، إلا انه قام بأبشع منها. لاسيما روح الاستئثار في السلطة وغياب مشاريع التغيير على جميع الاصعدة، مما اضاع فرص الاستقرار والأمان وإقناع الشعب بمصداقيته ووفائه للشعارات التي رفعها وساهم فيها. كما اثبتت مهمات التغيير لمرحلة التحولات في العالم العربي عموما لطبيعته المتنوعة ضرورة بناء انظمة الجبهات والتحالفات المؤسسة للكتلة التاريخية التي تقود الشارع السياسي وتعبر عن مكوناته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وتحتاج المرحلة اليها بشكل مباشر وتضعها امام اختبار التاريخ ايضا. لاسيما وان مرحلة بعد التغيير فضحت قوى الاسلام السياسي التي وصلت السلطة بابتعادها عن تطبيق مفاهيم الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية المستندة الى الارادة الشعبية ومواجهة التحديات الاستعمارية.

وقد تكون الصورة الحاصلة الان ناطقة بمآلات ما تحقق ومن القوى الفاعلة والأساسية على الساحات العربية. وكذلك قواعد التغيير واللعبة السياسية وقوى الاستعمار والامبريالية والأدوار السياسية لكل الاطراف الفاعلة في كل ما يحدث اليوم. وتتكامل مع هذه التطورات استمرار الصراعات السابقة على التغيير الى ما بعده بأشكال وقوى اخرى، منها من ساهم في التغيير، كركن اساسي فيه او التحق به وتصاعد معه. وكشفت الاحداث ان التنظيم الحزبي والمال السياسي لعبا دورا واسعا في الكثير مما حصل في مجريات الواقع اليومي في تونس ومصر اساسا. كما ان تداخلات خارجية كثيرة ومعلنة لعبت دورا صارخا في التأثير، وتباهت بعضها في نتائج ما حصل او في مصائر اتجاهات معينة والضغط باتجاهات معينة اخرى، بعيدا عن الوقائع والتطورات التي  يمكن ان تكشف عن خفايا كثيرة تركت تداعيات غير قليلة على ارض الواقع. فهل هذا كان من ضمن اسس التغيير الوطني الديمقراطي؟ ومن المستفيد منه؟. بالتأكيد لم تتحقق كل اهداف الحراك الشعبي، ولكن لابد من وضع اساسات له والعمل على البناء والتقدم عليه. وكيلا تتشوه المفاهيم والمصطلحات وتتبدل معانيها ومدلولاتها كما جرى وحصل، لابد من اعادة التفسير والشرح لها. فالانتخابات وحدها لا تعني النظام الديمقراطي المنشود، وإنما هي آلية من آلياته، والتلاعب فيها بما يضر في احترام نتائجها يؤثر على تطورات اليات الديمقراطية الاخرى وتفاعل قواعدها الاساسية المعروفة في العمل السياسي. ولابد من تنفيذها كاملة دون تجزيء لها والتعلق بما يحقق اهداف جزئية وظرفية وربما حساسيات ذاتية ومصالح حزبية ضيقة. وهو ما رأيناه في تونس ومصر.

ان القوى التي فازت ولم تلب متطلبات التغيير ومهمات المرحلة تتحمل اضافة الى المسؤولية التاريخية في حرف مسار التغيير والثورة، مسؤولية رؤها الضيقة وجمود عقليتها في فهم ما يجري محليا وعالميا وفي معرفة معنى الثورة والتغيير وقواها الحقيقية وقياداتها العملية والعضوية وقدراتها على التصحيح والدفاع عن اهداف الثورة ومسارها الصحيح. وتبقى مسالة عودتها الى المشاركة ايضا مفتوحة اذا استوعبت الدروس واستخلصت مدلولاتها العملية في النضال المشترك وبناء الكتلة التاريخية التي تقع عليها المهمات والتحولات في الراهن والحاضر والمستقبل. اذ لا يمكن الغاؤها او اقصاؤها بسبب اخطائها او فشلها وبجرة قلم. كما عليها ضرورة المراجعة والنقد والتعلم من جديد من الدروس وعبّر التاريخ وتسهم بحجمها وقدراتها ودورها الوطني والديني وليس الرهان او الارتباط بالقوى التي تتعامل مع المصالح والخطط الاستراتيجية التي تهمها اكثر مما وقعت عليه معها، او استخدمتها لفترة وحين من الزمن.

وأخيرا استمرار الثورات يتم بقدرات حملتها الاساسيين من القوى المؤمنة حقا بها، والعاملة في سبيلها، وهي القوى الاساسية المعبرة عن الطبقات الاجتماعية والفئات التي لها مصالح عملية في الثورة والتغيير. فالثورات قاطرة التاريخ.

 

كاظم الموسوي

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2497 المصادف: 2013-07-07 12:52:03