ملف: مستقبل الديمقراطية

تسونامي "الثلاثين" .. قَـلَبَ كلّ الموازينْ

yasamyna hasybiلا يمكن لأي مُتابع للأحداث منذ الغزو الأمريكي للعراق تحت ذريعة وجود أسلحة للدمار الشامل أن يغْـفَـل عن المؤامرات التي حيكتْ خيوطها في منطقة الشرق الأوسط، ولا يشك عاقل بأنّ حالة الفوضى السياسية والاجتماعية والدينية التي تشهدها البلدان العربية والإسلامية منذ سنتين عبارة عن مخطط خارجي يندرج تحت مسمى "الربيع العربي".

فالمتتبع باهتمام للثورات العربية  يكتشف تدريجيا بأن ما حصل كان عبارة عن "مسرحية للدمى المتحركة " أمسكتْ بخيوطها أمريكا والدول الغربية لكن حرّكتها دويلة تقع بين إيران والسعودية إسمها " قطر "، مسرحية استُبدِلتْ فيها دُمى الطّواغيت  بدُمى الإسلام السياسي والعمائم فرُفع الستار عن الفتن الطائفية، ولعمري إن الطائفية الدينية والمذهبية هي أنجع وأقوى الأسلحة في تدمير أي بلدٍ مهما بلغتْ قوته العسكرية. 

إن التفكّـر قليلا في هذه الاوضاع يجعلنا نطرح السؤال حول ماهية " الربيع العربي" الذي انتهى بتصاعد وتيرة الإسلام السياسي ووصوله إلى الحكم في كل الدول التي اندلعت فيها الثورات وحتى التي لم تندلع فيها ( المغرب مثلا)، وأعرف أن الكثيرين ما زالوا يؤمنون بشكل أو بآخر.. بمصداقية الثورات العربية على أساس أنها أنهتْ حكم الطغيان والديكتاتوريات وجعلتِ المواطن العربي يتحرّر من عقدة الخوف التي لازمته لعقودٍ طويلة..  

لكنْ هل معنى ذلك أنه يجب علينا تصديق وهمٍ كبير إسمه  " الربيع العربي" ونحن نعلم جليًّا أن هناك أيادٍ خارجية امتدتْ في الثورات وتدخلت في مسارها بشكل سافر جدا مما كشف اللثام عن المقاصد الحقيقية لــهذا الربيع المفتعل وفضَح مخططات كبيرة وأطماع دولية وعربية خائنة رأت في تدعيم الإسلام السياسي وسيلة مضمونة لزعزعة الاستقرار في العالم العربي وانشغال الشعوب العربية والاسلامية في الفتن الطائفية والدينية تسهيلا لاحتلال اقتصادي واستنزاف سياسي وعسكري لا تقوم بعده للمسلمين قائمة.

ناهيك عن الإعلام المشبوه الذي لعب دورا خطيرا في حالة الغليان الغير مسبوقة في التاريخ الحديث بالمنطقة والتي أسفرت عن تحطيم  كل مقومات الوحدة في الوطن الواحد بل وساعد بنجاح في انجاز مشاريع احتلالية واقتصادية  كانت  تعدّ من رابع المستحيلات  (ليبيا مثلا) .

وأتساءل كيف لأمريكا والدول الغربية أن تُبارك صعود الإسلام السياسي إلى السلطة وهي التي خاضت حروبا عديدة في منطقة الشرق الاوسط تحت مسمى " الحرب ضد الارهاب"

وهنا يجيب المحلل السياسي محمد حسنين هيكل :

"إن الاعتراف الأمريكي الغربي بالإخوان المسلمين لم يأت قبولاً بحق لهم ولا إعجابا ولا حكمة، لكنه جاء قبولاً بنصيحة عدد من المستشرقين لتوظيف ذلك في تأجيج فتنة في الإسلام لصالح آخرين،"

فليعلم إذن من لا يريد أن يعلم أن أمريكا والقوى الأخرى التي تسعى حثيثا إلى تفكيك الدول العربية عرقيا ودينيا ومذهبيا تَعرف جيدا، ومن خلال تحليلات المستشرقين القديمة منها والحديثة  أن الطائفية الدينية والمذهبية والحروب الأهلية  تتجاوز في تدميرها للاوطان قوة أعتى الجيوش العسكرية في العالم ولهذا تسعى وبكل السبل إلى إدخال المنطقة في "صراع إسلامي- إسلامي وخاصة  سني / شيعي".

وبعيدا عن مصطلح الفوضى الخلاقة  أو فوبيا مخطط برنارد لويس لتقسيم المنطقة العربية إلى دويلات، نرى جليا بأن الفوضى "واقعا ملموسا جدّا " في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا والعراق وأن فتنة الطائفية مشتعلة في هذه الدول بدرجات متفاوتة وكل هذا يحدث دون تدخل " ظاهري" لإسرائيل رغم أنها الرابح الأكبر في كل ما يحصل من تقويض للقوى العربية عسكريا واقتصاديا، إسرائيل اليوم تنتشي  بانشغال العرب والمسلمين بحروبهم الداخلية التي استنزفت قواهم العسكرية ومزقت أنسجتهم الاجتماعية فصرفوا أنظارهم عن القضية الفلسطينية .

وحتى السيد اردوغان استغل هذا الوضع المتأزم في المنطقة في محاولة منه لاستعادة امجاد " الدولة العثمانية" بتصدير " الإسلام السياسي "  كنموذج إلى دول  ما سمي بــ " الربيع العربي ورأى في وصول «إخوانه المسلمين»  الى سدة الحكم بمصر " العملاقة" تحقيقا لحلم سلجوقي  يراوده منذ سنين طويلة.   

كما لا  يخفى على أحد أن دويلة قطر لعبت الدور الأكبر في الترويج للإسلام السياسي ودعمه ماديا وإعلاميا في مصر وتونس وليبيا والجزائر وفلسطين ومالي أيضا،فهذه الدويلة  الصغيرة التي تأوي أكبر قاعدة عسكرية لأمريكا  رأت في  " ثورات الربيع العربي" فرصة لتأكيد نفوذها وموقعها في المنطقة  معتمدة على قناتها "الجزيرة " التي كانت أول من استعملت كلمتي " ثورة" و" ثوار" في تغطية الأحداث  وأصبح الشيخ القرضاوي وجها مألوفا على شاشة الجزيرة  ومنها أطلق فتاويه التي دمرت ليبيا عن بكرة أبيها ومنها نشر أفكاره المتشددة والمحرضة على قتال السوريين لبعضهم البعض .. ومنها توسل لأمريكا بالتدخل للجهاد " ضد المسلمين لله" ومدّ المعارضة بالأسلحة، بل أن قناة الجزيرة أمعنت في استضافة " أصحاب اللحى والعمائم" في برامجها إما مباشرة أو عبر المداخلات التليفونية تمهيدا "لأخونة" الانظمة في دول ما يسمى بـ " الربيع العربي".

واسأل: كيف يمكن لقطر أن تقيم علاقات طيبة مع إسرائيل  وأمريكا وأن تدافع عن حماس في فلسطين وتدعم الإخوان المسلمين في دول ما سمي بـ " الربيع العربي" في نفس الوقت؟؟

سؤال محير فعلا إلاّ إذا افترضنا (مثلا) أن هناك خلفية مصلحية "مشتركة " بين كل  هذه الأطراف  ؟؟؟؟؟

لقد نشرت صحيفة "الكريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية تقريرا عن دور قطر وقناة الجزيرة في تنفيذ السياسة الخارجية ودعمها للإسلام السياسي قائلة : " إن الرغبة القطرية الواضحة في الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد تأتي من أجل إقامة نظام آخر ترأسه جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وهو هدف تدعمه تركيا أيضا"  

لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي قطر وتركيا وأمريكا..  والإخوان طبعًا!

سقوط الإخوان المسلمين في " تسونامي الثلاثين" بمصر قلب الموازين وغيّر قواعد اللعبة .

سقوط  مدوي غير مسبوق في التاريخ الحديث تجاوز حدود مصر وسيجعل المنطقة تعمل حسابا لشرعية الشارع في الأول وفي الاخير.       

سقط الإخوان المسلمين في مصر لأنهم استهانوا بالشعب المصري وارتكبوا أخطاءاً فادحة بدءًا من احتكار السلطة  وانتهاءًا بتضييق الخناق على الحريات الإعلامية وإقصاء المعارضة منتهجين سياسة العودة " إلى المرشد" في أخذ قرارات مصيرية تهم مصر وعلاقاتها الاقليمية والدولية.

سقوطٌ كان بمثابة " الضربة الموجعة"  بحسب صحيفة "الفايننشال تايمز" بالنسبة  لقطر التي كانت منشغلة بانتقال السلطة من الأب إلى الابن وهي التي راهنت على الإخوان المسلمين في مصر بـ 8 مليارات دولار وبذلت الغالي والرخيص، إلا ان هناك  " لغط كثير" عن تخطيط الأمير الابن للحدّ من دعم قطر للإخوان المسلمين في مصر وفي المنطقة بدأه بطرد القرضاوي من قطر!  

سقوط فاجأ حدّ الصدمة والهذيان " حزب العدالة والتنمية" التركي المنشغل ايضا  "بربيعه الأتاتوركي"  في " تقسيم" اسطنبول.

كما مثّل انتكاسة كبيرة لأمريكا التي تستخدم " الإسلام السياسي " لخدمة مصالحها الاقتصادية مما جعلها تقف حيال الوضع  في حيرة وقلق .

في حين تقول إسرائيل أنها  " لن تتسرع فى تبنى مواقف تجاه ما يجرى، لحين اتضاح الرؤية"

اما في سوريا،فقد  كثرت الأحاديث عن "اللعنة" التي أصابت الإخوان بعد إغلاق السفارة السورية  وأن " «جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، تعيش اليوم أسوأ كوابيسها وأشدها بؤساً».

فهل كان فعلا اغلاق السفارة وقطع العلاقة مع سوريا من الأسباب التي عجلت بسقوط الاخوان؟

وما هو رأي زعيم حركة النهضة الإسلامية  فى تونس راشد الغنوشي؟

ومع ذلك، لا يجب الإستهانة بالاخوان المسلمين، فهم مصمّمون على العودة للصدارة مهما كلفهم الأمر...

 فهل سيلجؤون هذه المرة إلى صناديق الذخيرة عوض صناديق الإنتخاب؟

يقول وزير الخارجية السابق ورئيس لجنة الخارجية والأمن بالكنيست أفيجدور ليبرمان :

" أن القول الفصل لم يُكتَب بعد، فليس من طبيعة الإخوان تقبل الأمر الواقع بسهولة .. "

ويبدو أن مسلسلات رمضان هذه السنة ستكون " إسلامية جدا" 

فأهلا بك يا رمضان  .. ياشهر التوبة والغفران !

 

ياسمينة حسيبي

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2498 المصادف: 2013-07-08 01:28:34