ملف: مستقبل الديمقراطية

هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية .. حراك الربيع العربي

gorge cotenحراك الربيع العربي جاء عفويا بالتأكيد نتيجة معاناة طويلة لشعوب المنطقة من نظم استبدادية فاسدة، تفجر بعد تطورات عالمية، خاصة مع نهاية الحرب الباردة وانهيار انظمة الاستبداد في دول اوروبا الشرقية التي كانت تشكل ربع العالم، وبعد المتغيرات العالمية التي دفعت الغرب لتعديل سياساته في دعم الانظمة الاستبدادية، ليصبح انتقالها للديمقراطية مصلحة مهمة لدوله وشعوبه وامنها ورفاهيتها واستقرارها، وبعد ثورة اتصالات جعلت العالم منفتحا لكل جديد بحيث فشلت أنظمة الاستبداد في عزل شعبها عن التطورات العالمية والاطلاع على تجارب الشعوب المتحضرة التي كانت الديمقراطية وفصل الدين عن السياسة من الأسباب الرئيسية لنهضتها.

 المسيرة الإنسانية نحو الديمقراطية أصبحت أمراً لا يمكن الهروب منه، كطريق وحيد للتقدم والتطور وحكم الشعوب لنفسها من خلال ممثليها المنتخبين. أحد الجزر الأخيرة للاستبداد الباقية في العالم هي المنطقة العربية إلى جانب دول قليلة أخرى مثل كوريا والصين وكوبا وإيران .. لم تعد الأنظمة المستبدة قادرة على الاختباء وراء أن استبدادها هو شأن داخلي، العالم الآن لا يقف مكتوف الايدي، فتدخله لدعم الشعوب ضد الحاكم المستبد أصبح امراً مشرعا في القوانين الدولية ومن خلال مجلس الامن وقراراته التي تتحول مع الزمن إلى قرارات نوع من "حكومة عالمية "، لا مهرب للأنظمة من جبروتها.

أما الحديث عن مؤامرات خارجية ومخططات تقسيمية فهو من مخلفات مفاهيم الحرب الباردة المنتهية التي لا زالت معشعشة في عقول مثقفين رغم انه لم يعد لها علاقة بالوقائع المعاشة. مجتمعات المنطقة تعيش حالة مأساوية من انقسامات داخلية لا يمنع تفجرها سوى السلطات القمعية فإذا سقطت ستظهر مخلفاتها وإعاقتها لتوحد المجتمعات في تطور طبيعي تدريجي يحدث عادة في دول ذات نظم ديمقراطية.

الإسلام السياسي هو من منتجات القطاعات الأكثر تخلفاَ في مجتمعات المنطقة وهو القوة الرئيسية التي ترفض الحداثة وتتمسك بمنهج في الحياة من العصور الوسطى لا زالت تعتبره صالحاً لكل زمان ومكان رغم تعارضه مع أساليب الحياة الحديثة وحقوق الإنسان كما وصلت اليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية المتممة له. صعدوا لواجهات العمل السياسي في المنطقة بعد فشل الأنظمة المعتمدة على الأيديولوجيات القومية واليسارية التي أجلت الديمقراطية بحجج وشعارات مختلفة وحدوية واشتراكية وتحرير فلسطين ومقاومة "الإمبريالية" وغيرها، مما جعلها تتحول لنظم استبدادية فاسدة مكروهة من شعوبها التي حيل بينها وبين التطور والتقدم والتحرر، فلجأت للتدين كأحد الحلول للهروب من أوضاعها المزرية التي اوصلتها لها أنظمتها، ووجدت قطاعات واسعة في منظمات الإسلام السياسي أنها الأقرب لتفكيرها والاقدر على تقديم حلول لأوضاعها تحت شعار "الإسلام هو الحل".

لكن رغم انتشار الإسلام السياسي فثورات الربيع العربي لم تكن من صنعه في أي بلد من بلدانه، بل من صنع الأجيال الشابة الغير مرتبطة باي تنظيم إن كان إسلامياً أو علمانياً. الإسلام السياسي سارع للالتحاق بالثورة وانتظم في صفوفها. لم يكن بإمكانياته وسياساته قادرا على إطلاق مثل هذه الثورات، وهو بالتالي غير قادر على إطلاقها في بلدان تحكم بنظم ملكية جائرة في بلدان الخليج خاصة، ولكنه فيما لو أصبحت الظروف ناضجة في هذه البلدان لثورات شعبية عفوية فلن يفوت الإسلام السياسي الفرصة للالتحاق بها تمهيداً لركوبها وحصد نتائجها لصالحه كما فعل خاصة في تونس ومصر، فيما في ليبيا واليمن كانت نتائجه متواضعة.

قبول الإسلام السياسي للديمقراطية ليس وليد ما بعد ثورات الربيع العربي، بل سبق ذلك تبنيهم للديمقراطية كما يفهمونها بعد تجارب في محاولة الوصول للحكم عن طريق العنف، وبعض المحاولات للاستفادة من النظام الديمقراطي في حال وجوده، كما في سوريا الخمسينيات التي شارك الإخوان المسلمين في انتخاباتها الديمقراطية وكان لهم نواباً وكتلة إسلامية في البرلمان السوري. في مصر الخمسينات شكل الإخوان التنظيم السري وقاموا باغتيالات وتفجيرات، وفي سوريا أواخر السبعينات شكلوا الطليعة المسلحة التي قامت بعمليات إرهابية عديدة في محاولة لإسقاط الحكم البعثي، هذا فضلاً عن التنظيمات المتطرفة المنشقة عنهم والتي كانت مستعجلة لتطبيق "الإسلام هو الحل" والتي مارست العمل المسلح الإرهابي مثل الجماعة الإسلامية المصرية التي اغتالت أنور السادات. وفي التسعينيات بعد ان نجحت جبهة الإنقاذ الإسلامية في الانتخابات البرلمانية الجزائرية أعلن رئيسها عباسي مدني: "في هذا اليوم انتهت الديمقراطية وبدأ حكم الإسلام" فالديمقراطية حسب بعض منظمات الإسلام السياسي مثل القاعدة وتفرعاتها تعتبر الديمقراطية كفراً لأنها مستوردة من الغرب الكافر!

إجمالا يمكن ان نقول إنهم في القرن الماضي استفادوا من الأجواء الديمقراطية إن وجدت وتحولوا للعنف عندما سدت في وجوههم السبل. في أراضي السلطة الفلسطينية رفضوا المشاركة في عدة انتخابات رئاسية وبرلمانية، ولكن بسبب انهم لم يعترفوا بالسلطة الفلسطينية لأنها وليدة اتفاقية أوسلو التي اعتبروها خيانية، ثم غيروا رأيهم في  انتخابات تالية عندما وجدوا فرصة للنجاح رغم ان سلطة أوسلو ما زالت قائمة، ثم انقلبوا على الديمقراطية التي أتت بهم لفشلهم في تطويع الرئيس الفلسطيني الذي له حسب الدستور صلاحيات واسعة تنفيذية إلى جانب رئيس الوزراء، فقاموا بانقلابهم العسكري في قطاع غزة على الرئاسة الفلسطينية ليتحكموا بها وحدهم دون شريك بقوتهم العسكرية مع رفض أي دعوة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مترافقة معها في الضفة والقطاع كحل لما أدت إليه عمليتهم الانقلابية من تقسيم الأراضي الفلسطينية لكيانين وسلطتين .

حدث تطور في برامجهم في أوائل القرن وخاصة في مصر وسوريا بحيث دعوا لدول مدنية تعددية تداولية فضلوا الابتعاد عن تسميتها "ديمقراطية"، فسموها "حديثة" و"إسلامية"، فيها بعض مواصفات الدولة الديمقراطية المأخوذة من التجربة الغربية ولكن مع البحث لها عن سند من التراث الإسلامي، فيما الديمقراطية نهج متكامل لا يمكن الادعاء بأنه كان موجوداً في التراث، فأمام إشكالية أن تطبيق الديمقراطية في مجتمع إسلامي يتم بشكل صحيح بفصل الدين عن الدولة، فضل "الإخوان" إثبات أن الديمقراطية موجودة في التراث بعمومياتها فقط لرفض جوانبها التي يرون أنها تتعارض مع النصوص.

حقق "الإخوان" نقلة للأمام من شعار "دستورنا القرآن والسنة" إلى دستور يعتمد على الشريعة في محاولة للموائمة بين الديمقراطية والإسلام، إلا أن ذلك لم يخرجهم من إطار المرجعية المسبقة ولم يدخلهم بشكل حاسم في إطار الدولة الحديثة حسب مفهومها المتعارف عليه في العالم. ما يجعل الدولة الديمقراطية ذات المرجعية الدينية مختلفة عما هو متعارف عليه للدولة الحديثة، فهي مقيده بالشرع وبالمختصين بتفسيره وينصب الغسلام السياسي نفسه لذلك.

الدولة بهذه المواصفات تقارب النظام الإسلامي "الجمهوري" في إيران الذي يستعير المفاهيم الديمقراطية الغربية ليقيم نظاماً انتخابياً برلمانياً من جهة، وإلى جانبه نظام إسلامي يقف على رأسه المرشد والمؤسسات التابعة له وخاصة مجلس صيانة الدستور المعين، الذي يمرر أو يمنع القوانين الصادرة عن مجلس الشورى المنتخب، بذريعة توافقها أم لا مع المرجعية الإسلامية، فيمارس فيتو على حكم الشعب وممثليه الذين من حقهم وضع القوانين التي تتوافق مع مصلحة منتخبيهم، مما حول مجلس الشورى المنتخب إلى مؤسسة شكلية تقترح مشاريع قوانين دون إقرارها. فالازدواج في السلطة بين "الإسلامية" غير المنتخبة و"الجمهورية" المنتخبة راجح لصالح الأولى.

 رضوخهم للديمقراطية هو شكلي لأنها أصبحت قوة عالمية لا يمكن رفضها كلياً فيكتفون منها بأنها وسيلة انتخابية للوصول للحكم، فإذا وصلوا فإنهم سيعيقون الديمقراطية حسب المفهوم المتعارف عليه ليقيموا "ديمقراطيتهم" المعتمدة ان التشريع لله وليس من صنع البشر فالبشر يفسرون فقط ما يقوله الله وما يقوله الرسول.

أما عن أن الربيع العربي أنجب ديمقراطية عرجاء، فأظن أن الديمقراطية لا يمكن تطبيقها في مجتمعات لم تعرفها سابقاً بكبسة زر، بل هي عملية متدرجة وطويلة استغرقت في بلدانها الاصلية قرون إلى ان وصلت إلى ما هي عليه الآن، وهي لم تكتمل ولن تكتمل في أي وقت بل تبقى في تطور دائم للأفضل. ما فعلته ثورات الربيع العربي وقبلها إزالة حكم الدكتاتور العراقي هي أنها فتحت الباب الذي كان موصداً، للديمقراطية، أما تطويرها فعملية طويلة تحتاج لجهد ومثابرة وتجارب وتبديل وتغيير وتحسين وإضافة وإلغاء .. إلى ان تتقن العملية وتقترب مما هو قائم في العالم.      

نعم برأيي أن هزيمة الإسلاميين في مصر بعد الثورة الشعبية الثانية، فشل للمشروع الديني الذي يأخذ من الديمقراطية بعض جوانبها التي لا تغير من جوهر منهجه المتعارض مع ما وصلت إليه البشرية من تطور، كما يتعارض مع مصالح الناس في طموحهم لحياة عصرية مشابهة لما يشاهدونه يوميا على الشاشات وفي وسائل الاتصال الحديثة، يضيق على حرياتهم باسم شريعة، حتى لو صلحت في وقت صدورها فقد أصبحت في الكثير من نصوصها التي تحدد علاقات الناس فيما بينهم، متعارضة مع الحياة الحديثة. هزيمتهم ستكون لها آثار كبيرة في المنطقة كلها ولن يقتصر تأثيرها على مصر. وهو فشل للنظرية نفسها التي يتبناها الإسلاميون وليس لتطبيقها أو لمن يطبقها.

ولا ننسى ان النظام الإسلامي الإيراني فشل بالاستمرار بالتمسك بالحكم إلا باستخدام القمع والعنف كما حدث ضد الثورة الخضراء منذ 4 سنوات، التي لم تكن احتجاجا على تزوير الانتخابات الرئاسية ولكن بشكل أساسي ضد سلطة المرشد الولي الفقيه، التي لم تعد تحظى باحترام الشعب، ولا يستبعد ان تتجدد الثورة التي لم تنجز أهدافها بعد، ومن المؤكد ان النصر النهائي سيكون للشعب ضد دولة الإسلام السياسي التي تسير عكس التاريخ. ويمكننا ان نشير هنا إلى أن إسلاميي حزب العدالة والتنمية في تركيا وحدهم فهموا ان فصل الدين عن الدولة هو امر لا يمكن تجنبه وهو مكمل للديمقراطية التي تكون منقوصة بدونه، الوحيدون من تيارات الإسلام السياسي الذين لا يسعون لتطبيق اية شريعة وقبلوا أن يحكموا في ظل نظام علماني في حين إسلاميين في بلدان أخرى يعتبرون العلمانية كفراً.        

 

جورج كتن

صحيفة المثقف

8-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2499 المصادف: 2013-07-09 02:51:13