ملف: مستقبل الديمقراطية

مصر .. سقوط يافطة أمريكية أخرى

adil ridhaتصريحات الرئيس السوري د.بشار الأسد بأنه أنتهي الإسلام السياسي لا أتصور أنها تصريحات دقيقة، فالإسلام أستمر بالعودة إلي واجهة الإحداث فهو الرسالة الجامعة المطبوعة في روح الإنسان الشرقي وهو في نفس الوقت ثقافة النهضة المظلومة الغائبة عن الواقع بالجاهلية المعاصرة التي يعيشها الإنسان العربي إلي يومنا هذا.

 بعد الانقلاب العسكري الثاني المكرر ضد حكم الإخوان المسلمين الذي جاء لإنهاء حالة الغضب الشعبي المصري الكبيرة والعارمة ضد حكم الإخوان المسلمين، أصبح من الواجب محاولة قراءة ما وراء اللعبة والتفكير بصوت عالي بما حدث ولماذا حدث؟

كاتب هذه السطور لا يتصور أن الإسلام كحالة صانعة للنهضة قد  انتهت من الوجود بنهاية جماعة الإخوان المسلمين من الحكم بمصر، لأن الواقع التحليلي يختلف لدي كاتب هذه السطور حيث أنظر أي المسألة علي أنها نهاية لموقع من مواقع الإسلام الأمريكي بالمنطقة العربية والذي هو علي سبيل المفارقة المدهشة نفس الإسلام الأمريكي الذي حذر منه المرحوم سيد قطب بكتاباته، والذي يمر الزمن لتقع فيه جماعته الحزبية، وقبلها وقع فيه الإسلاميون بالعراق الجريح عندما رمي لهم الأمريكان "العظمة" إذا صح التعبير كما رموها للإخوان في تونس ومصر.

لعل أن الشعب المصري قد قام بما فاجئ الجميع في يوم الثلاثين من يونيو بحركة تمرد الشبابية ولعلها عودة إلي أساسيات الثورة الحقيقية التي قامت قبل عامين، والتي هي بالأساس منتوج خروج آليات الثورات الناعمة عن السيطرة واستفادة الشباب المصري منها في قلب نظام يتحرك بخط خدمة مصالح الاستكبار العالمي وهو نظام حسني مبارك كما هو معروف وموثق.

أن حزب جماعة الإخوان المسلمين كانوا يعتمدون علي بقائهم علي مسألتين وهي شرعية حكمهم ديمقراطيا من ناحية ومن ناحية أخري مساندة الجيش المصري والقوي الأمنية لهم ضد أي تجمعات مليونية تتحرك ضد حكمهم، والتي كانوا يراهنون علي تجاهلها لتأخذ زخمها العاطفي ويقل تأثيرها مع مرور الزمن، وهذا ما حدث مع مليونيات كثيرة، ولكن خروج ثلاثة وثلاثين مليونا من المصريين إلي الشوارع بمساندة إعلامية واسعة تم سحب ورقة الجيش الضامنة فتكرر بسيناريو مبارك مرة أخري مع الدكتور مرسي.

لدي كاتب هذه السطور وجهة نظر تقول أن الأمريكان يخافون من المجهول في مصر لذلك يعيشون التخبط ودليل التخبط هو تدخل الجيش مرتين ضد حلفاء الأمريكان مرتين الأولي ضد مبارك والثانية ضد مرسي وهم لا يريدون اكتمال الدورة الثورية ليدخل الأمريكان إلي المجهول وتسترد مصر كدولة قرارها المستقل الذاتي الحر بعيدا عن المشاريع الأمريكية.

من كل هذا يتضح إن ليس للأمريكان صديق ولا حليف وهم تخلوا عن الإخوان المسلمين بسرعة بعد الملايين الثلاثة والثلاثين الذين خرجوا للشارع  لذلك أتصور أن تحرك الجيش المصري لم يأتي  إلا بكرت أخضر أمريكي، وهو نفس الجيش الذي أمن ومنع سقوط وانهيار نظام الإخوان المسلمين وحماه من تظاهرات اقل عددا وأخف كثافة ولكنها مظاهرات أيضا قوية وذات زخم، فلماذا دفاع هنا وإسقاط من هناك بفترة زمنية قصيرة؟

أن العقلية المصرية طيبة وهي تعشق وتعبد الفرعون الطيب دائما والرحيم دائما وإن قتلهم وعذبهم واستغلهم؟!

 

 والفرعون الطيب في العقلية المصرية حاليا هو الجيش المصري والذي لا أتصور أنه خالي من اختراقات أستخباراتية وخاصة بعد انكشاف مصر منذ أكثر من ثلاثين عاما كملعب للاستخبارات الدولية عموما الاستكبارية خصوصا .

علينا أن نفكر عند قراءتنا الواقع المصري وأي واقع بمقولة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر :أذا رضت عنا أمريكا فأعلموا أن هناك شيئا خاطي، من هذه المقولة انطلق لأقول أن قبول الأمريكان بما يسمي أسلام "أمريكي" يتحرك في تركيا والعراق وتونس وألان في مصر يثير علامات الاستفهام عن هذا القبول والموافقة علي التواجد، لأن الأمريكان حسب تاريخهم  لا يريدون ويرفضون أي حالة تسعي للحرية والاستقلال الحقيقي بغض النظر عن ماركسيتها، قوميتها أو أسلاميتها .

أن الأمريكان يحاربون أي تيار أو فكر ساعي للحرية تتحرك ضد مصالحها وهم أصدقاء مع أي يافطات ماركسية وقومية أو أسلامية تؤمن لها مصالحها، من هذا كله ننطلق ونقول:

  أن هناك أسلام أمريكي يتحرك في فلك المصالح الامبريالية الأميركية.

أن الخوف من هكذا أسلام"أمريكي" أنه قد يتحرك خارج نطاق بلدان الإسلام "الأمريكي" ليتحرك في الخليج وباقي دول المنطقة لتقسيمها طائفيا، كما هو منشور ومعلن في مشروع آيتان شارون وما تم ذكره من خرائط لشرق أوسط جديد.

وهو ما تم تثبيته بمقررات المؤتمر الصهيوني الدولي الأخير بخلق حالة من الكراهية الإسلامية بين المسلمين السنة والشيعة وخلق حاجز نفسي بين المنطقة العربية والنظام الإسلامي المقام علي أرض إيران، هذه المقررات التي ينفذها عملاء الصهيونية من فضائيات للفتنة والكراهية مرورا بشخصيات دينية بعمامة أو من دون عمامة تحاول نشر الفتنة بين المسلمين، لذلك نقول دائما أن أي موقع ديني أو شخصية علمائية تسعي للكراهية بين المسلمين من أي مذهب كان هو خادم للصهيونية العالمية وعميل لها بالمجان من خلال عقده الذاتية أو بالدفع المالي المباشر.

ماذا حدث قبل حركة "تمرد"المصرية التي قامت بالثلاثين من يونيو؟

قام حزب جماعة الإخوان المسلمين بمحاولة فرض أمر واقع علي مجمل الحالة الثورية الحقيقية التي أسقطت نظام مبارك.

واعتماد الإخوان علي الجيش كضمانة أدي إلي محاولات  لجر الجيش المصري إلي التصادم مع الشعب ومجمل الحالة الثورية الشعبية المصرية وهي حالة غير مؤدلجة بأي فكر أو أيديولوجية ماركسية قومية أو أسلامية وهذه الحالة الفاقدة للأدلجة هي التي أسقطت نظام مبارك، نقول أن محاولة جر الجيش المصري إلي التصادم مع مثل تلك الحالة الثورية كان سيضرب السلم الأهلي المصري من أجل الحفاظ علي السلطة الاخوانية.

لذلك ما قام بها الإخوان المسلمين وما كانوا يؤملون بتحقيقه علي أرض الواقع كان مجازفة خطرة، وهو بمثابة محاولة سرقة ثورة شعب،  تسويقها لمصالح جماعة حزبية تتسلق علي الثوار الحقيقيين

 من كل هذا ننطلق لنسأل أسئلة مهمة؟

لماذا محاولات التجاوز علي الحالة الشعبية المصرية الحقيقية؟

لماذا محاولات فرض أمر واقع علي مجمل الشعب المصري من خلال فرض دستور غير توافقي خدم مصالح فئة حزبية واحدة؟

أن محاولة فرض دستور غير توافقي علي شعب كامل هو محاولة سرقة الثورة وتضحيات الشهداء.

نحن نقول أنه كان علي الإخوان المسلمين محاولة فرض حوار "حقيقي" وليس حوار "تمطيطي" مع القوي الثورية الحقيقية التي صنعت الثورة.

 

ماذا حدث بعد ثورة"تمرد" المصرية؟

 سقط حكم الإخوان المسلمين بثورة شعبية هي الأضخم من حيث أعداد المشاركين من الثورة ضد حكم مبارك، واللافت بالنظر إن الجيش تدخل فأقال مرسي كما أقال حسني مبارك والاثنان يقولان بشرعيتهما ويرفضان التنحي من باب شرعيتهما الدستورية!

إذن  نفس طريقة الإسقاط ونفس حجة الامتناع عن السقوط.

لا شك أن د.محمد مرسي لديه شرعية الانتخاب الديمقراطي هذه صحيح ولكن هو جاء ضمن قاعدة شعبية اجتماعية مساندة لم تصوت له حبا ب"علي" بل كرها ل"معاوية".

ضمن قاعدة اجتماعية مهزوزة وشرعية انتخاب ديمقراطية جاء أداء الرئيس مرسي كما تابعه العالم كتابع منفذ لأوامر المرشد الحزبي أكثر من كونه قائد حقيقي.

كان د.محمد مرسي إنسان يحاول أن يكون رئيس ولم يكن الرئيس الفعلي ولم يكن صاحب قرار بل منفذ لأوامر، علي الأقل هذا ما أحس به الناس وشعر به المصريين.

ولعل المحلل السياسي يستطيع قراءة أسباب سقوط الإخوان المسلمين من باب ثلاثة منطلقات صنعت السقوط.

الأول  الاقتصاد.

الثاني الاستفراد بالسلطة(أخونة الدولة).

الثالث الجانب الدولي وخاصة القطيعة مع سوريا  .

بالاقتصاد تم الابتعاد عن البرامج لحل الأزمات حيث شعر الشعب بفقدان لمشروع نهضة قادم وجديد مع الرئيس المنتخب وظهر اهتمام مقدم علي الاقتصاد وعلي برامج النهضة المفقودة وهو أخونة الدولة ولست أقول أسلمة الدولة، حيث حتي المشروع الفكري بالاسلمة لم يتم تطبيقه ولا حتي التنظير الثقافي له لفقدانه كثقافة حركية لدي الجماعة أو من باب أرضاء الأمريكان، فتم الاهتمام بأخونة الدولة من حيث الولاء مقدم علي البرامج المفقودة، وأصبح الانتماء الحزبي المطيع له الأولوية بالمواقع الحكومية عن الكفاءة المنتجة.

أذن السيطرة أصبحت البرنامج وأصبحت الاخونة هي الأولوية علي كل شيء.

هذا الهوس بالاخونة أدي إلي الانفراد بكتابة دستور من دون توافق وطني،ضمن قاعدة شعبية لا تحب"الإخوان"ولكنها تكره"نظام مبارك"!

حين نقارن إسلاميين بإسلاميين آخرين أذا صح التعبير نجد أن الإسلاميين علي أرض إيران استندوا علي قاعدة ثقافية قوية عالمية ممتدة عابرة للطوائف والأديان ركيزتها أفكار الدكتور علي شريعتي وبقاعدة اجتماعية راسخة وتنظيمات تحرك الجماهير وبقيادة واضحة لها قرار ضمن واقع شفاف للجميع وقيادة تعيش كأفقر فقير.

ولكن فيما يخص الاقتصاد نجح الإسلاميين علي ارض إيران ببداية الثورة بمشاريع مهمة ومنها كهربة كافة القرى وإيصال المياه والغاز والانتهاء من كافة البني التحتية للقرى في ظل ظروف حرب مفروضة علي النظام الإسلامي الوليد آنذاك.

ما أريد قوله أن الناس علي أرض إيران أحسوا أن هناك من يبني ويعمل لهم بشفافية في ظل ظروف صعبة بغض النظر عن الأوضاع المعيشية الصعبة جدا الآن علي ارض إيران التي لها ظروفها والتي ناقشناها بمكان أخر  ولكننا هنا نتحدث عن البدايات وهي أسست لارتياح ضمنت استمرار مساندة شعبية وبقاء قاعدة اجتماعية مساندة.

نجد العكس في القطر المصري حيث كما أسلفنا غياب للنظرية الإسلامية  وحتى عن محاولة التطبيق واستبدال ذلك بالاخونة ولست أقول الاسلمة، وأيضا غياب مشروع للنهضة وأحساس المواطن البسيط أن فقره أزداد وأن ليس هناك من يعمل له ولصالح تحسين ظروفه المعيشية التي كانت مخنوقة بالأساس وازدادت سوءا.

في ظل سقوط اقتصادي وأخونة ظهر العامل الثالث في السقوط وهو الجانب الدولي والعلاقة مع سوريا:

حدث بعد حكم الإخوان المسلمين فقدان كامل لدور إقليمي وظهور مصر كدولة تابعة لما تريده دولة صغيرة أخري، وتبين انعدام النفوذ المصري بأفريقيا بما يخص سد النهضة بإثيوبيا.

ضمن الابتعاد عن الاسلمة ظهر الاستمرار بالعلاقة مع الكيان الصهيوني والمصيبة هي الكلام عن استمرار بيع الغاز المصري للصهاينة بأقل من السعر الأصلي، ضمن كم كبير من الاتهامات بالانخراط والاشتراك بالمشاريع الأمريكية الصهيونية بالمنطقة العربية وظهر الكلام عن لقاءات المرشد بالسفيرة الأمريكية ونائب الرئيس الأمريكي بإيدن، ناهيك عن لقائهم مع وفد الحزب الجمهوري الأمريكي وتصريح الوفد عن الإخوان بأنهم "مدهشون".

حيث تمت قراءة كلمة"مدهشون" علي أنها مفاجأة من كم البراغماتية والتنازل إلي قدمه الإخوان المسلمين بارتباطهم مشاريع أمريكية صهيونية مضادة للشعوب العربية  وتحركهم مع المشروع الأمريكي.

هو نفس السقوط الذي سقطته أحزاب ثورية أسلامية كحزب الدعوة في العراق الجريح وما يفترض أنه حالة ثورية كالمجلس الاعلي للثورة الإسلامية الذين ارتموا إلي الحضن الأمريكي واسقطوا أيديولوجيتهم من باب الواقعية السياسية التي هي الشماعة التي يتم تعليق أي سقوط عليها.

ولعل قطع العلاقات مع الجمهورية العربية السورية الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة لعلها أثارت الغضب الشعبي والتركيز أنها استمرار تلبية مطالب المشاريع الأمريكية الصهيونية بالمنطقة رغم أن قطع العلاقات تمت قرائته علي أنه هروب من أزمة داخلية ستعصف بكل النظام وهي بالفعل اقتلعت النظام كله بيومين بأداة الجيش والخروج المليوني للناس.

رغم أن قراءة كتلك صحيحة ولكن هناك من قرأ الموضوع علي أنه جزء من التأمر الغربي علي الدولة السورية وهناك من قال أذا كان الدم السوري حجة لقطع العلاقات فالأولي تطبيق ذلك علي الصهاينة الذين قتلوا ما قتلوا من الأبرياء بكل مكان، والفضيحة أنه تم قطع العلاقات مع سوريا ولكن تم إرسال سفير مصري جديد للكيان الصهيوني؟!  ناهيك علي تجاوز ما قيل عن سبب لقطع العلاقات عن حقيقة الصراع وهو أن الحرب بسوريا دولية بامتياز ومن يحاول مذهبتها هم خدم الصهاينة ومنفذين مشروع آيتان شارون علي الأرض العربية  .

وكما يعرف الجميع الحرب بسوريا انتهت من كونها مطالب شعبية بإصلاح نظام إلي صراع مشاريع دولية متداخلة ومتشابكة.

قطع العلاقات جاء بالتزامن مع انشقاقات للمجتمع المصري وظهور مسألة الذبح الطائفي المباشر بعد انتهاء الاجتماع الذي أقامه الرئيس مرسي والذي أعلن به قطع العلاقات بشكل استعراضي ، هذا الذبح الطائفي المباشر لمسلمين ضد مسلمين أحدث الصدمة بمجتمع معروف عنه طيبته الشديدة وتسامحه الديني وهو نفس البلد التي اعتبرت اكبر سلطة دينية فيه المذهب الإسلامي الجعفري مذهبا سنيا ضمن مذاهب أهل السنة والجماعة.

والمعيب كذلك إن يعلن من يفترض انه إسلامي الحرب الطائفية ضد مسلمين آخرين وينسي إن يعلنه ضد الكيان الصهيوني؟

وهو واقعا اشتراك مباشر بمخططات آيتان شارون بنشر الفتنة المذهبية بين المسلمين وتقسيم ما هو مقسم خدمة للصهاينة، وتزوير لحقيقة ما يجري بسوريا.

في مصر أنا سعيد بسقوط الإسلام الأمريكي وعلي أن أقول إن ثورة" تمرد" تم إيقافها بإسقاط مرسي وحكم الإخوان كما تم إيقاف ثورة 25 يناير بإسقاط نظام حسني مبارك وحكم رجال الإعمال، ولكن لا زالت مصر لم تكتمل دورتها الثورية ولا زال الأمريكان سادة الموقف والقرار وإن سقطت يافطتهم الإسلامية لمرسي والإخوان بعد إسقاط يافطتهم الديكتاتورية لمبارك ولرجال الإعمال.

 

الدكتور عادل رضا

صحيفة المثقف

8-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2499 المصادف: 2013-07-09 02:53:44