badya shikatباتت الدّول العربية تتخبّط في عدّة أزمات مستعصية، منها الظاهر المبين ومنها مايسري كالنّار في الهشيم، ولعلّ أجلّها على الإطلاق هو أزمة البطالة، هاته الأخيرة التي إمتدّت جذورها فصعُب استئصالها، ولأنّه من السّنن الكونية أنّ الشمس لاتبلغ الإشراق إلاّ بعد تدرّجٍ في الآفاق، كان مِن الحكمة إعتماد التدرّج في حلّ كل أزمة، فلاينبغي الإلتفات إلى مانقضيه من أوقات في حلّ الأزمات، بقدر ماينبغي الحرص على مانحقّقه من إنجازات.

فلا زالت سياسة التّشغيل المنتَهَجة من طرف الحكومات العربية سنة2015 هي نفسها المنتهَجة مِن طرف هاته الدّول منذ عقد من الزّمن، رغم كلّ التحوّلات التي شهدتها وتشهدها منطقتنا العربية، ورغم الأزمة الإقتصادية التي تخيّم على العالم منذ خمس سنوات، فبدت على أرض الواقع نتائجها مخيّبة للآمال وغاياتها بعيدة المنال.

فأزمة البطالة وهي بهذا الحجم الكبير لايمكن القضاء عليها جملة واحدة في زمن يسير، فالأمر يحتاج إلى عميق تمحيص وتدبير، إذ أنّ الأزمات هي تماما كالطعام لايسهُل هضمه إلاّ بعد تحويله إلى فُتات، ولأن ّ أزمة البطالة تمُسّ العديد من الفئات كان التدرّج في حلّها يستوجب ترتيب الأولويات، وتخصيص فئةٍ محدّدة بالرعاية والإلتفات، ولأنّ المرأة هي أضعف الفئات وأكثرها تهميشا خاصّةَ بعد الثورات العربية، توجّب العلاجُ المستعجل قبل أن يتفاقم الدّاء ويستفحل. فلا بدّ من إقامة مشروعات تنهض بأوضاع هاته الفئة من المجتمع مع ماتُلقي به من ثمار في مخزون التنمية الإقتصادية، الثقافية، الإجتماعية وحتى البيئية كالحرف التقليديّة

فوﻟﻮج اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻌﺎﻣﺔ هو أﺳﺎس ﺗﺤﺮﻳﺮ اﻟﻤﺮأة، ﻷﻧّﻪ ﻳُﺨﺮﺟﻬﺎ ﻣﻦ ﺑﻮتقة اﻟﺪّور اﻟﺘﻘﻠﻴﺪي اﻟﺬي يقتصرﻋﻠﻰ إﻋﺎدة إﻧﺘﺎج اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ (إﻧﺠﺎب وﺗﻨﺸﺌﺔ اﻷﻃﻔﺎل وﺷﺆون ﻣﻨﺰﻟﻴﺔ).

فرﻏﻢ أهمية ذلك ﻟﻸﺳﺮة واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ إلاّ أنه ﻻ ﻳﺠﻠﺐ أيّ ربحٍ مادي، وهذا ﺑﺨﻼف أدوار اﻹﻧﺘﺎج ﻣﻘﺎﺑﻞ أﺟﺮ أو رﺑﺢ، أو أدوار اﻟﺘﺴﻴﻴﺮ اﻟﺘﻲ ﻳﺼﺤﺒﻬﺎ أجر، نفوذ وتقدير إجتماعي.

فحاجة اﻟﻤﺮأة ﻟﻤﻮرد رزق ذاﺗﻲ ﻳﺤﺘّﻤﻪ اﻟﻌﻮز أﺣﻴﺎﻧﺎ واﻟﺤﺎﻟﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ أﺣﻴﺎﻧﺎ أﺧﺮى، كأن ﺗﺘﺮﻣّﻞ اﻟﻤﺮأة أو ﺗُﻄﻠّﻖ أو ﻻ ﺗﺘﺎح ﻟﻬﺎ ﻓﺮﺻﺔ اﻟﺰّواج، فتكون هي العائل الوحيد لأسرتها، هذا على المستوى الفردي، أمّا على المستوى الإجتماعي فمنطقي أن يُنتظر مساهمة اﻟﻤﺮأة ﻓﻲ اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ، اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻟِﻤﺎ ﻳُﺴﺘﺜﻤَﺮ من أﻣﻮال ﻓﻲ ﺗﻌﻠﻴﻤﻴﻬﺎ ﻓﻲ إﺧﺘﺼﺎﺻﺎت ﻣﺘﻤﻴﺰة ورﻓﻴﻌﺔ اﻟﻤﺴﺘﻮى، ولذلك كان لزاما تكريس ﻤﺸﺎرﻳﻊ إﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ وجعلها موجّهة ﻟﻔﺎﺋﺪة اﻟﻤﺮأة، فنفكّر بشكل جاد فيما يُسهم بفعّاليّة في معالجة الكثير من الطروحات وعلى رأسها: كيف يمكننا الحد من البطالة عامة بالحد من بطالة المرأة خاصة؟

وماأبعاد ذلك الإقتصادية، الثقافية والإجتماعية؟

ولرصد كل هاته المشكلات لابد من التمحيص في بعض الأسباب وعلى رأسها:

الجنسوية في المجتمعات العربية: حيث أنّ هاته الأخيرة تقوم وفق مبدأ المجتمع الأبوي، فتقاليده الصارمة صفة غالبة وإن لم تكن شاملة لجميع الدّول النّامية، الأمر الذي ترتب عليه إضطهادا، إقصاءً وتهميشًا لنشاطات وقدرات إنتاجية يمكنها أن تسهم بشكل كبيرفي إضافات خلّاقة على حركة التّنمية ومعدّلات النّمو الإقتصادي لتلك البلدان. ونتيجة للموروثات الاجتماعية وأنماط سلوكيات المجتمع الأبوي فإنّنا نجد أنّ هنالك نسبة كبيرة من القوى البشرية تمّ إقصاؤها أو حِرمانها من المشاركة الفاعلة في عمليات الانتاج بشكل عام، وترتّبت على ذلك نتائج أقل مايمكن وصفها به أنّها نتائج كارثية على مجمل النشاطات الإقتصادية، حيث شكّلت تلك السّلوكات عبئا كبيرا يرمي بثقله على كاهل التنمية الاقتصادية، الأمر الذي يترتّب عليه إضعافا وتباطؤافي نسب النّمو والتقدم للتنمية الإقتصادية بشكل عام.

ففي الّدول الّنامية نجد أنّ معدّلات حرمان النّساء من التعليم بشكل أو بآخر يصل الى أرقام ونسب كبيرة قياسا ببقية دول العالم المتقدم، حيث أنّ الفجوة الجنوسية مابين الجنسين تساوي الصفر، بينما نجد أنّ هنالك تفاوتا في العديد من الدول النامية.

فالنساء في عموم الدول النامية، والعربية خصوصا، في حالة الشغل وكذا ظروف العمل لايتمتّعن بالمساواة مع الرّجال، إضافة إلى العوائد من ناتج العمل والجهد. ناهيك عن الصعوبات التي تواجهها المرأة في حق التّقدم الى شغل مناصب صنع القرار في القطاعات الإقتصادية والإجتماعية المختلفة.

كما أوضحت بعضا من الدراسات التي أصدرها المعهد العربي للتخطيط، ومنها دراسة تحت عنوان (تحليل البطالة) أنّ أعلى معدلات البطالة سُجّلت عند الأشخاص ذوي المؤهلات المتوسطة وانخفضت لدى الأشخاص الذين لا يحملون أية مؤهلات ولأصحاب المؤهلات العالية، مشيرة الى أنّ معدلات البطالة في الدّول العربية تكون أعلى لدى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15- 34 سنة، وأنّ فئة الإناث أكثر عرضة للبطالة من الذكور.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أنّ النساء يشكلن 40 م%من السكان، وأن 70 % من فقراء العالم نساء، وأنّ هناك حوالي 77.8 مليون إمرأة نصفهن عاطلات، ووفقاً لما جاء في تقرير عام 2004م "أنماط الاستهلاك العالمية للشباب"، فإنَّ بطالة النساء الشباب أكثرمن الرجال.

إنّ أحد أهم الأسباب التي تحرم النّساء من الفرص المتاحة للعمل هو نقص تمثيلهن السّياسي بصورة نسبية، فالغالبية منهنّ لايسهمن في صنع القرار سواء في الأسرة أو المجتمع، ولا حول لهنّ على المستويات الفكرية، المادية والسّياسية. وأنّ سبعاً فقط من دول المنطقة تتجاوز فيها نسبة تمثيل النساء في البرلمان 20%. بينما نجد في نيوزيلندا نسب التّمثيل البرلماني للنساء يتجاوز مانسبته 28%.

أمّا في البلاد العربية فإنّ الحال على مايبدو أسوأ بكثير ممّا عليه الحال في بقية الدّول النّامية، التي ترتفع فيها معدّلات اللّامساواة الجنوسية مابين المرأة والرجل. حيث أنّنا نجد في المملكة العربية السعودية مثلا وإذا ما قارنا مشاركة المرأة في الاقتصاد السعودي بمشاركة المرأة في اقتصاد دولة إسلامية أخرى مثل ماليزيا.

نجد أنّ النسبة في السعودية تبلغ 4.6% بينما تبلغ في ماليزيا 37%. علما بأن المقاييس العالمية لمشاركة المرأة الاقتصادية تمثل40%.

وفي السعودية أيضا وحسب إحصائيات رسمية بلغت قوة العمل النسائية حتى العام الماضي 670 ألف سيدة يمثلن8% من إجمالي قوة العمل. ويصل عدد العاملات السعوديات حاليا إلى 494 ألف عاملة، يمثلن 6.6% من مجموع المشتغلين السعوديين وغير السعوديين، وقد بلغ عدد العاملات السعوديات في القطاع الخاص 32 ألف عاملة فقط، يشكلن أقل من1% من إجمالي العمالة في القطاع الخاص، وبينما تشكل مشاركة المرأة السعودية في القطاع الحكومي نحو14% من إجمالي القوة العاملة بالقطاع، فإنّ مشاركتها في القطاع الخاص لا تتجاوز0.5% من مجموع القوة العاملة السعودية، وحسب رأي الدكتور عبدالواحد الحميد وكيل وزارة العمل السعودية لشؤون التخطيط والتطوير، فقد إرتفع عدد العاطلات السعوديات عن العمل إلى 176 ألف فتاة ووصلت نسبة البطالة النسائية إلى 26%.

وأيضا في سورية بلغت نسبة مساهمة المرأة في قوة العمل لعام 2006م الى 15.6%. وفي حين بلغ معدل النشاط الاقتصادي الخام بين الذكور43.8% فإنه بلغ فقط 9.9% للإناث. ويظهر أحدث تقرير للتنمية الإنسانية العربية أنّ معدل البطالة بين الإناث يساوي ثلاثة أضعاف معدل البطالة بين الذكور.

ويكشف تقرير لمنظمة العمل العربية أنّ معدلات البطالة بين الإناث هي الأعلى مقارنة بالذكور إذ بلغت عام 2006 أربعة أضعاف نصيب الذكور في مصر، وكان نصيب الإناث من التشغيل أفضل في حالات قليلة مثل دولة الإمارات.

وعلى الرّغم من أنّ التقرير يشير إلى أنّ معدّلات البطالة المرتفعة بين المتعلمين هي حالة عامّة ومتفاقمة في جميع البلدان العربية، فإنّه يشير إلى أنّ هاته الظاهرة أكثر بروزا في حالة الإناث. فمعدلات البطالة بين المتعلمات منهن تتجاوز23% في أغلب الحالات، وتبرز أكثر حالات البطالة بين الجامعيات في بلدان الخليج العربية.

من المؤسف أن ترتفع هاته المعدلات لذوي التعليم ا لمتوسط، الثانوي والتعليم الجامعي لتبلغ عشرة أضعاف التعليم الأولي في حالة مصر، وثلاثة أضعاف في حالة الجزائر، وخمسة أضعاف في حالة المغرب، وإن بقيت ضمن المعدل العام في حالة الأردن. فالسعودية تصل نسبة العاطلات من خريجات مرحلة البكالوريوس الى 29%.

وفي غياب إحصائيات عربية دقيقة عن حجم الخسائر التي تتكبدها إقتصادات الدول العربية بسبب الغياب الكبير للإناث عن ميادين العمل، يستخلص التقرير أنّ الخسائر السنوية لستة دول آسيوية هي إندونيسيا، كازاخستان، باكستان، سيريلانكا، بنغلادش وسنغافورة، تتراوح بين 42 و47 مليار دولار.

إلاّأنّ مستوى نمو دخل الفرد في الوطن العربي خلال العشرين عاما الماضية يأتي في المرتبة ما قبل الأخيرة عالميا، أي فقط قبل بلدان إفريقيا ما وراء الصحراء. وفي حال إستمرار وتيرة النمو على وضعها الراهن فإنّ المواطن العربي سيحتاج إلى 140 عاما حتى يضاعف دخله، في حين لا يحتاج فيه سكّان المناطق الأخرى المتقدمة إلى أكثر من عشرة أعوام.

أثرالتهجيرعلى المرأة بعد الثّورات العربية:

لقد أثّر التهجير الذي تتعرض له الأسر بعد الثورات العربية على الواقع الاجتماعي والاقتصادي لها.حيث أجرى المركزالعربي للأبحاث فرع لبنان في أكثر من 12دولة عربية إستطلاعا خلص حسب الدكتورمحمد المصري إلى أنّ الأوضاع العامة للدول العربية بعد الربيع العربي تشير إلى أنّ 37% من الأسر محتاجة ومعوزة، وأنّ أغلبية المستجوبين يعتمدون على الإستدانة من الأقارب والأصدقاء أو المصارف لسد العجز في تلبية حاجياتهم، مشيرين الى فاعلية المعونات التقليدية، وضعف المعونات من المؤسسات الإجتماعية، وتدني نسبة العمل التطوعي في الجمعيات الأهلية.

ولفهم ذلك، لا بدّ من التّعرض إلى نبذة من المتغيرات الإجتماعية التي رافقت عملية التهجير، وأثرها على واقع المرأة الاجتماعي والإقتصادي.

فالذي لا يمكن تجاهله، هو أنّ ظروف المرأة تباينت تبعاً لمكان وحالة اللّجوء. والتي ولا ريب لن تكون قساوتها أقل من قساوة الظروف الصّحية، الإجتماعية، أوالإقتصادية الصّعبة التي تعاني منها النساء الفلسطينيات في المخيمات، خاصّة في لبنان إبّان الحرب الأهلية، التي خلّفت وراءها المزيد من النّساء الفقيرات والمعيلات لأسرهن. والذي امتدّ أثره حتى اليوم.

ولفهم واقع المرأة الإقتصادي في المهجر، ينبغي التركيز على واقع قوى العمل والبطالة للأسر المهاجرة، وكمثال اللاجئات الفلسطينيات في المخيمات، واللواتي حسب وكالة غوث فاق عددهنّ في قطاع الخدمات، النساء العاملات في البلد المضيف.

وقد يعود ذلك إلى توظيف النساء في قطاعات محددة ضمن الخدمات العامة كالصحة والتعليم في داخل المخيمات؛ فلا يسمح لهن بالعمل خارج حدود المخيم. وهذا يفسّرإرتفاع معدّلات البطالة بين النّساء اللاّجئات على وجه الخصوص. ولا عجب إذا علمنا أنّ معدلات البطالة الخاصة بين الأجيال الشابة في المخيمات تفوق معدلاتها في خارج المخيمات، فعلى سبيل المثال: تبلغ معدلات البطالة بين الفئات الشابة داخل مخيمات اللاجئين في الأردن 16%، في حين تبلغ البطالة بين النساء لهاته الفئة 30%، بينما تبلغ معدلات البطالة بين النساء في سوريا 37%. وبشكل عام تشكل ربّات البيوت داخل المخيمات ما نسبته 70% ما يستثنيهن من القوى العاملة؛ لهذا كانت الأكثر فقراً وبطالة من النساء هنّ اللواتي من المهاجرات

وهكذا نجد بأنّ وضعية المرأة المهاجرة في الشّتات إختلفت وتنوعت حسب حالة اللّجوء. ولكنّ المعاناة بدت واحدة، إذ لا تزال المرأة تُعد في واجهة المجتمع الأضعف والأدنى. ولا تزال تبعيتها للرّجل مستمرّة، فرغم الجهود التي بذلت للتغيير إلّا أّنّ القيم الاجتماعية لا تزال هي الأقوى.

ففي الدّول التي شهدت تغيّرات سياسية أو ماعُرف بالرّبيع العربي كمصر، تونس، اليمن وسوريا نلاحظ هزّة عنيفة في سوق العمل، حيث إرتفعت معدّلات البطالة بشكل لافت نتيجةً لتأثّر الإقتصاد وعمليّات الإنتاج، وكثير من المؤسّسات الإنتاجية حسب مدير مكتب منظّمة العمل الدّولية في مصر وشمال إفريقيا"يوسف القريوتي"، وكمثال على ذلك القطاع السّياحي في مصر وتونس الذي يواجه مصاعب حقيقيّة بسبب الظّروف الأمنيّة وعدم الإستقرار، في حين أنّ هذا القطاع توقّف كلّيا بسوريا، كما أنّ لهاته التّغيرات تأثيراتها الغير مباشرة أيضًا على بقيّة الدّول العربية كالأردن ولبنان، حيث أنّ فرص الإستثمار ونمو القطاعات الأخرى يواجه مصاعب تؤدّي إلى فقدان بعض فرص العمل ودفع المزيد من الباحثين عن فرص عمل إلى البطالة.

ولأنّ المرأة ليست بمنأى عن هاته التّغيّرات التي طالت تلك الدّول، فلقد واجهت تحدّيات غياب رؤية واضحة من القيادات الجديدة التي حلّت محل الأنظمة القديمة، ففي تونس التي تُعدّ رائدة حقوق المرأة في الوطن العربي، فإنّ عدد من النّاشطات عبّرن عن مخاوفهنّ مِن خسارة المكاسب التي حقّقتها المرأة منذ عقود، وأصبح شغلهنّ الشّاغل هو كيفيّة المحافظة على تلك المكاسب بدل المطالبة بحقوق جديدة. وفي مصرتشير أحدث البيانات الصّادرة عن مكتب منظّمة العمل الدّولية بشمال إفريقيا إلى أنّ نسبة البطالة بين النّساء تصل إلى أربعة أضعاف الرّجال.

ولقد أعرب عدد كبير من الباحثين عن قلقهم من إستمرارإرتفاع معدّلات البطالة بين النّساء لِما يترتّب عليه من إختلال في أسس العدالة الإجتماعية، ولِما يوفّره من بيئة ملائمة للصّراع الإجتماعي وعدم الإستقرار السّياسي، حيث صدرت دراسة عن "منظّمة الإغاثة العالمية" أوضحت أنّ العصابات الإجراميّة والمجموعات الإرهابيّة كثيرا ماتحاول تجنيد الأرامل واليتيمات البائسات من المهاجرات، وأنّ تجاهل معاناتهنّ حتما سيئودّي إلى السقوط في براثن المخدرات، وكثيرٍمن الإنحرافات.

ولقد عُقدت عدّة ورشات عمل كإلتفاتة لهاته القضية، منها ورشة عمل إقليميّة نظمتها "مجموعة الأبحاث والتّدريب للعمل التّنموي" بحضور ناشطات نسويّات من مصر، الأردن، لبنان، تونس والمغرب، يعملن في مجال بناء القدرات والتّمكين والمشاركة الإقتصادية للمرأة.تقول الناشطة سجيعة بلحاج رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات: "إنّ المرأة التي كانت تعاني التّهميش الإقتصادي في ظل الديكتاتوريات، باتت اليوم تناضل من أجل التمسّك بالحد الأدنى من المكتسبات، وسط تفاقم الإتجاهات اللّيبرالية والإتّجاه نحو الخصخصة"

وحال مصر ليس عنهم ببعيد حسب "إيناس إبراهيم" من مؤسسة باحثة البادية للتّنمية، إذ ترى أنّه لايمكن حدوث تغيير سياسي من دون أن تترتّب عليه تغييرات في البنى الإقتصاديّة.

وبدورها تؤكّد "لينا أبو حبيب" من لبنان ضرورة أن لايغيب الإهتمام بالمشاركة الإقتصاديّة المستدامة للنّساء

ولهذا وحتى لانبق نغرّد خارج السّرب نريد مشاريع حقيقية ترفع الغبن عن هاته الفئة المهمّشة من المجتمع، وتحقّق مرامي تنموية حقيقيّة.

 

بـــــــــادية شكاط

الجزائر

 

لا يزال ينظر الى المرأة ناقصة عقل لا تزال تعتبر المرأة سلعة تسخدم وفق الحاجة لا تملك عقل ولا مشاعر ولا عواطف ولا رأي

واذا حاول البعض الاعتناء والاهتمام بها ليس من باب انها انسان لها عقل ولها روح وتحب وتكره وتفرح وتحزن وتحلم وتتمنى وانما من باب حماية اي شي سيارة موبايل اي اثاث او سلعة اخرى

المعروف جيدا ان الانسان سواء كان رجلا او امرأة مهمته وواجبه المساهمة في بناء الحياة في تطورها وفي تقدمها من اجل سعادة وراحة الانسان

والانسان لا يكون انسان الا بالعلم والعمل ولا يمكن بناء الحياة وسعادة الانسان الا بالعلم والعمل

فمنع الانسان من العلم والعمل يعني الغاء انسانية الانسان وتحويله الى حيوان متوحش مخرب مدمر

لهذا على المرأة ان ترتفع الى درجة الانسانية من خلال ما يلي

التمسك والالتزام بالعلم والعمل وترى قيمتها واهميتها وتحقيق انسانيتها بالعلم والعمل

اولا ان الانسان قيمته سواء كان رجل او امرأة بعمله بما يقدمه من خير للاخرين قال الامام علي قيمة المرء ما يحسنه

ثانيا على المرأة ان تنظم وضعها وتجمع شملها وتؤسس تجمع تيار حزب خاص بها وفق خطة برنامج واضح وتتحرك بقوة وعزيمة واصرار من اجل تطبيقه وتنفيذه

ثالثا على المرأة ان تكون شجاعة ومتحدية ومتقدمة في المطالبة بحقوقها الانسانية فالحقوق لا تؤخذ بالاستجداء من الاخرين وانما تؤخذ بالتحدي والاصرار بالتضحية والصبر على التضحية

رابعا على المرأة ان ترفض اي موقف يجعلها تابعة الى الرجل مهما كانت دعوة الرجل بل عليها ان تتقدم الصفوف ومن يؤيدها ان يكون تابع لها

اياها ان تسير خلف اي تجمع اي تيار اي حزب مهما كانت وعود ذلك التجمع وذلك الحزب والتيار وشعارته المنقمة اعلموا انه سيجعل من المرأة مجرد وسيلة لتحقيق اهداف خاصة به ثم يجعل من المرأة مجرد ديكور ليس الا

وهذا ما شاهدناه في وصول المرأة الى عضوية البرلمانات في الدول العربية ومنها العراق رغم وجود اكثر من 83 امرأة في البرلمان الا انهن لم يخدمن المرأة ولم يحققن للمرأة احلامها وينهين معاناتها والامها بل العكس تماما

على المرأة وخاصة المثقفة الواعية التي تعمل من اجل نهضة المرأة ان تنزل الى المرأة الى مستوى المرأة الامية فالمرأة الامية تشكل نسبة كبيرة من النساء والتي تتجاوز ال 65 بالمائة وربما اكثر من ذلك

فالتغيير في مستوى هذه المرأة اي المرأة الامية العاطلة عن العمل ورفعه الى الاعلى يعني التغيير في مستوى العراقيين جميعا وبالذات الرجل ورفع مستواه

وهذا يتطلب من المرأة المثقفة النشطة اي التيار التجمع الحزب الخاص بالمرأة النزول الى مستوى المرأة ومشاركتها في افراحها واحزانها في الحقل في البيت في السوق في المناسبات الدينية المختلفة والانطلاق من مستواها ثم رفع مستواها تدريجيا واياك الاصطدام معها

فالمرأة المثقفة النشطة التي تستهدف رفع مستوى المرأة الامية العاطلة من خلال تعليمها وايجاد العمل لها والابتعاد عن بعض التصرفات الخاصة التي هي نتيجة لسبب الذي هو عدم العلم وعدم العمل

المعروف ان عدم العلم وعدم العمل يجعل من الانسان سواء كان رجل او امرأة يجعل منه ضعيف خاضع لكل الاوامر

لكن عندما تتعلم المرأة وتعمل تصبح شجاعة وقادرة على الدفاع عن نفسها وعن كرامتها ولها القدرة على عدم الخضوع مهما كانت تقاليد المجتمع وقيمه المتخلفة

على المرأة الانسانة والتي تريد ان ترفع مستوى المرأة في العراق الى مستوى الانسان

ان تنزل الى مستوى المرأة الامية العاطلة وتذهب اليها وتنطلق من ذلك المستوى

كما عليها ان تعي ان المرأة الامية العاطلة لا تصعد اليها ولا تقترب منها وبهذا كل كلامها وعملها لا قيمة له ولا ترغب في سماعه

 

مهدي المولى

goma abdulahاتعس الاشياء في العصر الجاهلي، حين يرزق احدهم بمولود الانثى، يعتبرونها فاتحة لباب الشؤوم والحظ النحس والتعيس. فقد كانت مكانة المرأة في اسفل السلم، بصيغة منحطة ومتوحشة من التعامل والسلوك، وان مولود الانثى يعني العار والشنار، وعضو معيب ومدنس يدخل العائلة، ان هذه النظرة السوداوية المتشائمة، بالكراهية الشديدة والمتعصبة بحق جنس الاناث. هو الخوف المستطير من المستقبل المجهول، اضافة ان العادات والتقاليد السائدة آنذاك، لاتعترف بادنى حقوق للمرأة، لا في حفظ كرامتها وانسانيتها، او لايسمح لها حرية الرأي وحرية الحركة، اي انها تعيش في خوف وقلق على الدوام. والخوف الجدي من وقوعها في الاسر والسبي والعار، لذلك انها انسانة مسلوبة من كل شيء، ومحرومة من كل شيء، في اسلوب التعامل الحياتي، اضافة ان العصر الجاهلي المشبع في ثقافة الانحطاط تجاه المرأة، وهذه الثقافة لها جذور عميقة ومترسخة، في مجابهة المرأة بالحرمان والظلم والاضطهاد. لذا ينظر الى المرأة نظرة ناقصة ومعيبة، بانها متعة الامتاع، ضمن القيم البدوية، وصهيل الخيل بالغزوات المتبادلة والمستمرة بين القبائل، ومن نتائجها الضارة والمعيبة، وقوع المرأة في الاسر، فتكون غنيمة الغزوات، وتتعرض الى شتى وسائل الامتهان، بما فيها السبي والتجارة والمتعة. هذه العادات منتشرة على نطاق واسع، وهي احدى المظاهر الاساسية في العصر الجاهلي. ومفهوم السبي، يعني الاغتصاب والعبودية، بان تكون المرأة سلعة يتزاحم عليها، الراغبون في الشراء، لتكون متعة لاشباع الغرائز الجنسية، وهي مسلوبة الحرية والارادة، سوى الانصياع الى سيدها، ولايحق لها ادنى مخالفة، فيكون مصيرها مشؤوم بخطر التهديد بالقتل والتشويه والسجن، بدون رادع او وازع يحمي المرأة. ولا توجد ضوابط او نظام يدافع عنها، سوى الوقوع في مهالك العبودية وعذاب الحياة، لذا من البساطة في العصر الجاهلي، ان تتعرض المرأة الى انتهاك الاعراض والشرف ومسخ انسانيتها.. وحين جاء الاسلام وتوسع نفوذه، لم يحرم صراحة عادة السبي وامتلاك الجواري، رغم ان هناك بعض النصوص الدينية، لكنها لا تشبع الجوعان ولا تروي العطشان، لهذا السبب استمرت عبودية المرأة، واصبحت اكثر بشاعة مع الفتوحات الاسلامية، فتحولت عبودية المرأة الى زينة الرجال للتباهي، اذ استمرت ثقافة الانحلال تجاه المرأة، بل تعمقت اكثر، وخاصة بعض الوعاظ في الشؤون الدينية، اباحوا كل شيء للسلطان وامراء الجيش واهل النعمة والجاه ان يتنعموا دون حدود بالسبي والجواري ومتعة المرأة. لذلك ان الجماعات الدينية بكل اشكالها السلفية والمتطرفة والمتشددة والتكفيرية والارهابية. اتخذت من هذه النصوص الدينية شماعة ، والاسلام براء منهم، حجة وذريعة، لتوسيع ثقافة الانحلال الى الانحطاط الكلي، في ابشع سلوكية تجاه المرأة، في انتهاك الحقوق والاعراض والانسانية، وحرمان المرأة من ابسط حقوقها، بل تحولت عند هؤلاء العصابات الارهابية من داعش ومن يؤمن بثقافتها، من الجماعات الدينية المتشددة، بان تكون المرأة سلعة لاتختلف عن السلع المعروضة في الاسواق، وداعش اضاف الى اليها، البغاء العلني (جهاد النكاح) حتى صار البغاء تجارة رابحة لهذه العصابات الارهابية، بسلوكياتها الشاذة تجاه المرأة، كأن عقرب الساعة يعود الى الوراء قرون طويلة الى عصور الظلام والجاهلية. ببشاعة الظلم والتعسف والاضطهاد بحق المرأة، ويتخذ صفة العداوة المتأصلة والمتجذرة عند هؤلاء اعداء الحياة والانسانية، وبشكل وحشي مخالفة للاعراف والمواثيق الدولية، وقانون حقوق الانسان. ان تعامل عصابات داعش، او الجماعات الدينية المتشددة، او رجال الدين الذين يتخذون من الاسلام شماعة لهم، او بعض المعتوهين اصحاب الفتاوى بالسادية المجنونة والشاذة بحق كيان المرأة، في وجهات نظرهم المنحرفة والمنحطة، بانهم يحاولون ابقاء عبودية المرأة كقدر ومصير لا يمكن الفكاك منه، لذا لايمكن تمزيق عباءة العبودية السوداء، وان يظل صوت المرأة مخنوق وغير مسموح به، وتحت رحمة الانتهاكات البشعة. وهذا يدل بانه لا يمكن تحرير المرأة من العبودية، ورفع الاضطهاد والحرمان عنها، إلا بتوسيع بذور الثقافة الانسانية وقيمها المتسامحة، التي تجعل من المرأة شريك فعال، لايمكن الاستغناء عنه، ان تكون المرأة شريك الرجل في بناء الحياة الجديدة.

 

جمعة عبدالله

 

mohamad shwaribالبيت السليم الصحيح العافي المتعافي، هو الذي يُبنى على السكينة أي الاستقرار، فالزوجة هى قرة عين زوجها والعكس، وهى المودة أي الشعور المتبادل المتفاهم بينها وبين زوجها المبني على الحب وإرضاء النفس على أن تكون العلاقة هى أساس من الرضا والسعادة، أيضاً التراحم أي الأخلاق العظيمة، هى منبع ونبع الرقة المتوفرة ودماثة الخلق وشرف السيرة بينهما.

فالعلاقة بين الزوجة وزوجها ليست هى نزوة عابرة، ولكنها علاقة وصحبة ومصاحبة موثوقة دائمة وميثاق رفيع وغليظ وشركة وشراكة حياة لا تتحمل الهزل ولا العبث، فالبيوت تُبنى على الاستقرار والود المتأصل والتراحم. تجهاد الزوجة مع زوجها من أجل بناء أسرة في المجتمع، وتسعى هى الأخرى في العمل كي تساعد زوجها وتعينه على ظروف المعيشة، فلها الحق أيضاً أن تتعلم وتدرس وتعمل في الأعمال التي تناسب أنوثتها، ولكن عملها الأول والأهم هو أن تكون ربة بيت وحاضنة لأسرتها جاهدة ومجتهدة في حياتها لبناء أسرة مستقرة، وهذا كله يتطلب جهد وثروة من الأدب والعلم والأخلاق لا حصر لها. يقول الله تعالى (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).

.. والمرأة هى الحضانة والحاضنة لأجيال جديدة تربي وتعلم وتنصح وتهدي وتلملم شمل بيتها، وتقوم بمساعدة زوجها، فإذاً هى التي تنبت النبات الحسّن.

ولا ننسى إحترام الرجل لزوجته والعكس، قد ينبت ثمرة نضج مصحوبة بالذكورة، وعرفان المرأة لبيتها ووظيفتها الصحيح، فالمرأة إما أن تكون زوج حانية أم أماً مربية فاضلة، وكليهما يؤدي ويسلك الطريق والمصير الصحيح والنبيل، فوظيفة المرأة في بيتها من أشرف الوظائف في الوجود.

ويحضرني قول الأستاذ/ محمود عباس العقاد، حينما قال في المرأة: إذا كانت المرأة الجميلة جوهرة، فالمرأة الفاضلة كنز. إذاً فالمرأة هنا هى أهل الثقة والفضل، وهى دائماً عند حُسن الظن بزوجها وأولادها، وهى الأمن والأمان لبيتها.

.. فنظرة الإسلام للمرأة قد وضعها في صورة من أحسن الطراز الرفيع، وقمة من الثقافة والاستقامة الاجتماعية، فهى تنهض ببيتها، بل بمجتمعها وأمتها وتنتصر لكل هذا وذاك.

فتجد في المجتمع صور لزوجات تقوم بواجبها بأكمل وجه، فتجدها المدبرة، والعقل الناصح لزوجها وأولادها، فهى مهاد وثير لهذا الامتداد.

ويقول أيضاً المتنبي فيها: ولو كان النساء كمن فقدنا، لفضلت النساء على الرجال!، وهنا يقصد بالنساء اللواتي رحلت عن دنيانا أمثال نساء الإسلام رضى الله عنهم.

فالمجتمع بناه صاحب رسالة وهو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، هو وأصحابه الأخيار الأشراف، فلماذا لا نتدارسه ونتداوله ونتأسى به، ونحاول أن نضع المرأة في مكانها الصحيح، كما وضعها فيها القرآن ورعاها رسولنا العظيم.

فكل هذه الصور الجميلة للمرأة والمشرفة في سجلها الحياتي. يجعلني أن أقول أن البيت الذي تبنى قاعدته إمرأة صاحبة عقل ودين وتدين، فيكون بيتها بمثابة رفيع القدر، بل هو بيت أثمن الكنوز وأرفعها.

محمد شوارب

inaam hashimiترجمة للإنجليزية لنص الباحث الأديب

ماجد الغرباوي

 


 

Rebellion / إنعام الهاشمي

 

توطئة: سبق وأن ترجمت للأديب الباحث ماجد الغرباوي نصاً بعنوان"شظايا" نشر في المثقف وسيحتويه كتابي القادم والذي على وشك الصدور والذي يحتوي على ترجماتي للإنجليزية لنصوص مختارة لعدد من الأدباء والشعراء العراقيين كتبت اصلاً بالعربية... ومن عادتي ان ابحث عن نص مغاير للكاتب كي يأخذ القارئ فكرة أوضح عن اسلوب الكاتب وكي يضيف قطعة جمالية أخرى للمنسوجة التي أردت عرضها له، فكان اختياري لهذا النص السردي الذي يختلف كثيراً عما احتواه الكتاب وترجماتي الأخرى... لو كان بيدي لأعطيت النص عنواناً آخر يشي أو يوحي أكثر بمحتواه "الكابوس".

قد يستغرب القارئ غير العربي اختياري لهذا النص بما فيه من الوحشة التي لا يتوقعها في المزيج الشعري الذي يأمل فيه الجمالية والبهجة ... ولكنها المنسوجة العراقية بما فيها من أسى و وحشة انتجتها وخلفتها الحروب والكوارث في النفس العراقية .. فالأشلاء والتمزق لدى العراقي منظر مألوف رغم كابوسيته، فإنه جزء من حقبة ليست قصيرة من حياتهن وهو تصوير للتمزق النسيجي الذي يعتري العراق والعراقيين وهم لا يعون ان التمزيق يعم حياتهم. ورغم تناسيهم له ودفنه ضمن الذكريات التي لا تكاد تجرهم في حلقاتها المفرغة الى متاهاتها وممراتها المظلمة حتى يصحو فيهم الصوت ويعي ان الأشلاء التي تبدو غريبة عنهم هي أشلاؤهم لا غير...

 

Rebellion

Translation into English By:Inaam Al-Hashimi*

)Gold_N_Silk(

Narrative Written in Arabic by: Majed Al-Gharbawi**

 

My memory rebelled. So, idiotic suspicions found their way to my mind, and laid down my dreams.. At night I resolved to creep stealthily roving around, browsing through the bygone days until I found body parts covered with reddish spots, or remnants of bloody spots. Body shreds topped with a dull smile, while their shadows rippled over soft ground embracing angry rain.

 

As if, I knew them, or met them on the side roads of life, but do not know where.. I tried very hard to remember what might lead me to the story. Have I really met those body parts? When? And how?

 

Approaching carefully while overwhelmed by earthshaking horror, as if I were on the edge of a nightmare taking me by surprise when in a trance of a crazy dream. I tried to touch these body parts, but they turned into ashes scattering between my withered hands, to form seven circles revolving around each other.   The seventh caught my attention, making me wondering.

Why is it floating around slowly?

It was taking me along about strange worlds, and then leading me to an unknown tunnel, where remnants of memories were roaming and motioning towards the distant horizon where the sun rises.

I turn my head trying to remember where I met them.

Oh, what grief lied in their eyes?

And how did that faint smile freeze on their cold lips?

What misfortune had befallen them?

What losses have these torn-apart pieces suffered?

 

Darkness of the night prevented me from knowing the details, and the seven circles remained a mystery to me. I was getting closer to solving the puzzle one moment, then back to being lost in the significance of their indications another moment. As I got closer to the seventh circle, I felt the weight of my body teetering on its levees, till my tolerance ran out, my strength was sapped, and my energy dissipated.

I cried my misfortune, hoping someone would rescue me out of my misery.

 

But, where have I met these body parts?

 

I sobered a bit, or almost..

 

Then I remembered and cried in the depth of the night:

 

 

They are my body parts!

 

……………

* Inaam Al-Hashimi is an Emeritus Professor, SUNY-Brockport USA

** Majed Al-Gharbawi is an Iraqi writer residing in Australia. He is the editor of an electronic journal “AlMothaqaf” and founder of Almothaqaf Foundation in Sydney, Australia.

 

النص الأصلي:

 

تمرّد / ماجد الغرباوي

majedalgarbawi5

تمرّدت ذاكرتي، فساورتني شكوك بلهاء، أناخت بأحلامي المتعبة .. ليلا عقدتُ العزمَ وتسللتُ خلسة أطوف في أرجائها .. أتصفح عوادي الأيام حتى عثرت على أشلاءٍ موشّاة بحمرةٍ، أو بقايا بقع دمويةٍ .. أشلاء تعلوها ابتسامةٌ بليدة، بينما تَمَوَّجَ ظلُها فوق أرض رخوة، تصافح مطرا غاضبا.

كأني أعرفها، او التقيتها على قارعة الحياة. لا أدري أين؟ .. حاولت جاهدا لعلي أتذكر أطراف الحكاية.. هل قابلت تلك الأشلاء حقا؟ متى وكيف؟

دنوت حذرا يستبد بي رعبٌ مزلزلٌ، كأني على مشارف كابوس باغتني وأنا في نشوة حلم جنوني. حاولت ألمس تلك الأشلاء، تناثرت رمادا بين أناملي الذابلة، ثم رَسَمَتْ سبعَ دوائر تدور حول بعضها .. شغلتني السابعة .. لماذا راحت تطوف ببطء، تأخذني نحو عوالم غريبة، ثم تقودني الى نفق مجهول، تسرح فيه بقايا ذكريات، تُومئ نحو أفق بعيد حيث مطلع الشمس، فاستدير برأسي لعلي أتذكر أين التقيتها .. أي حزن يراود عينيها؟ كيف تجمّدت فوق شفتيها الباردتين ابتسامة باهتة؟ أي خطب ألمّ بها؟ أي فقدٍ أصاب أوصالها الممزقة.

حالت ظلمة الليل دون معرفة تفاصيلها، وظلت دوائرها السبع لغزا محيرا، أقترب في حلها تارة وأخرى أتيه في دلالاتها. وكلما دَنوتُ من السابعة شعرتُ بثقل جسدي يترنح على أرصفتها، حتى نفد صبري، وخارت قواي، وتبددت طاقتي، فرحتُ أندب حظي، لعل أحدا ينتشلني .. لكن أين التقيت تلك الأشلاء؟.

فقت قليلا ، أو كدت ..

ثم تذكرت فصرخت في عمق الليل

.

.

.

إنها أشلائي.

 

bushra albustaniمع المحبة

لكل الرجال النبلاء

 


 

هذا العصر لا يتسع لحبي / بشرى البستاني

 

هذا العالم لا يتسع لحبي

حرائقه ابتلعت أنهاري

لصوصه داهمت أيامي

مستلة ً آخر قطرات الضوء منها..

هذا العصر ناعورٌ صدئ...

في كل اتجاه يتأرجح..

في كفه خنجرٌ مسمّم ْ.

كلما هممتُ بالابتسام وخزني

 

تركني مخنوقة في ممر ضيق....

أخاف الدخول إلى بيتي

وأُمنَع من المغادرة هربا للفضاء

حتى أيقنت ألا فضاء في هذا العصر ...

فالخليل بن أحمد وابن منظور وباختين

كلهم كذبوا علينا....

لا فضاء في هذا الكون ...

بل دهليز يؤدي إلى دهليز تلو دهليز .

.......................

داخل البيت رجل ٌ يكمم فمي...

يلقي بقبعته الحديدية فوق وجهي ...

يمتشق حزامه النحاسيّ ويجلد ظهري

أفتح أزرارَ حزني لأغريه بعبير القرنفل ْ..

لكنه يزداد عنفا حتى يتدفق دمي ...

يجزّ بأصابعه الشوكية حرير شعري

يدفع رأسي لبركة ماء كبريتي

أختنق ...أصرخ،

يكوي بلفافة تبغه لساني

ويقول لا مفرّ مني...

في الخارج يقف جنرالات حاملون بنادقْ

على أوجههم أقنعةٌ سوداءُ وصفراء ْ

في أحزمتهم تتكدس صفوف الرصاصِ ِ

ورمانات العلقم ْ ...

أتلقت مذعورة فلا أجد غير الرجال

مدججين بخرائط الحروب ِ ..

وأصابع اللبلاب ْ...

أغمض عينيّ فأبصر الأطفال مكدسين على الأرصفة ِ

وتحت الأنقاضْ..

جثثا من ورود بيضاءَ....ورديةْ....

مفتحةً عيونهم ومفردي السواعدْ...

لا نعوشَ تحملهمْ...

لا قبورَ تواريهم ْ...

وتحت أنقاض البيوت حجرٌ يصرخ ْ

تحت أنقاض البيوت أنينٌ يتدلى

وعلى أجنحة الريح عالقٌ دمع ُالنساء بتراب الأماني

أخضرَ، مخضبا بالحكمة ْ...

لكنْ من يقطف الحكمة َ من شجر امرأة ٍ

في عصر الرجال ْ....

يا الهي..

أما من عمل للرجال غير إشعال الحروبْ ..

وهل من عاقل يعطي امرأة واحدة دفة حكم العالمْ

كي تضمَّ إلى صدرها أنهاره وأشجانه وروابيهْ

وتمسح بأصابع الحنان أوزارهْ

يومٌ واحدٌ...يكفي

نهارٌ واحدٌ...أو حتى ساعة واحدة ...

ساعة حبٍّ لإنعاش العالم...

وحدها تكفي لإبادة أزرار الصواريخ التي

شحنها بالقسوة الرجال ...

 

samar mahfodوأنت أنا أول المارين

مني إلى ظلك علّني أحتمي به

 


 

صوتك سرب عصافير../ سمر محفوض

 

صوتك ذاكرتي..

أيامك المتعبة تلك الهتافات

كوكب من النحل الصباحي

بحرُ مفتوحُ على سماء..

غربة   أشتهيها

غلاف كتاب لرائحة مرتعشة

كثافة تشف عن سابق التباس

ينطق بك وحدك

انحني وينحني الظن فيّ..

يهيئ الطقس الغريب،

لنوبة حمقاء تالية.

...

وأنت أنا أول المارين

مني إلى ظلك علّني أحتمي به،

قل افتحي حضنك يا رياح واخفقي

كثفيني أو مهديني قليلا

بالأغنيات قبل أن أوزع جهاتي

ليستْ ثمة معجزةً

فلطالما كان الأمرُ هكذا..

هل تذكر..؟!!.

...........

كانوا على ضفة الوقت،

ظلال أحلام أرددها بوقع مهلك ..

ذات الخواء ..

ذات القبلة بنكهة الطحالب..

كانوا دقات متوالية على باب الماء ..

نفس الأفكار ونفس الأمنيات العتيقة

بوقع موزون. يمضون

وبوقع موزون

أعد ظلالهم

وأخطئ..

شاخت ذاكرتي

لم انتبه.

أن نوايا القدر..

ليست بريئة تماما.

أن تكون بشريا

وتلقي بأحلامك الإلهية،

على أعتاب عصر

مضرج بالهيجان..

يا لها من قسوة

......

تماديت يا لليل

وليس لي ..

إلا كأس مترعة الوهم

وفجيعتي الناضجة فيك

اللغة لا تسعفني

لاقتنص..

أحلامك المحلقة..

من خيط اللعنة الكبرى

جسر مابين قلبي وقلبي

سيأتون جميعاً..

كعاصفة وديعة ..

كموج غزير.

من يجزم ب لا ..؟

لعلني غيمة من دخان

وروحي ما تزال هناك

على كتف صيحة.

لا مجيب ..

لا تناد....

إني أزف إليك دمعتي. والرمل والشجر

وكونا تعرى من جانحه الأخير

حسنا. اصلب روحك

في انتظار

أقسى ....يتحضر

إلى غير ما أشتهي

 

majeda gathban1الى الخطى الاولى.. الى البداية..

و حيث ينتهون، ستظلين البداية.....

 


 

عقب ليلة مع أمير داعش / ماجدة غضبان المشلب

 

سأنثر الأروراق فأنت غير معني بها..

الخريف سيهدهدها بالريح..

و المطر سيمحو كل حبرها..

انت لك ان تمضي دون ان تلتفت..

الجميع يغادر دون ان تتريث نظراتهم ابدا عند هزيل المكان، أو فوق قطيرات الزمان المخاتلة امام فحيح الخلاء..

و قبل المغادرة كانوا قد باعوا حصتهم في كل هذا للنسيان، او للاهمال، و لعلهم قد اهدوها لطريق ما تدوسها كل قدم دون ان يعرفوا لماذا..

الأوراق سيتولاها عبث التأريخ..

فالتأريخ الذي يضع العمامة وقارا ليس سوى ذاك الذئب الذي حصد الشياه التائهة حصدا..

ليس بحاجة لارتداء جلد حمل..

فهو شجاع بما يكفي ليقول كلمته الاخيرة التي لا يشهد عليها احد ممن عاصر اكاذيبه..

هل سمعت بتأريخ وقف طويلا عند دموع الاطفال في حرب ما؟..

هل همس يوما سرا : ان الملك قد داس على شرف نساء البلاد التي اضافها ماس نصر يتوهج على تاجه؟؟

هل سمعت ان امرأة استطاعت يوما ان تختلي بالتأريخ، لتخبره شيئا مما حدث لها قبل ان ترتفع اهازيج المنتصرين؟؟؟

ها انت كما هو لا تخلد سوى انتصارك..

و لا تنسى سوى شقوق السيل على محيا الماضي..

الاوراق ليست من شأن اناملك الملوثة بدعاء مزيف..

كما رأيتك دوما ترفع كفيك نحو سماء لا اله فيها..

ترفعها رغم انه قد قال انه اقرب من حبل وريدك..

فكلم وريدك، هو من يعرف اين يقيم خالقه..

و دع الاوراق.. ان هي تناثرت فحسبي انني كتبتها يوما..

و انني عوضا عن الصراخ في صحراء بدو لا يوقنون فيه بسراب، قد اودعت دمعي كما السراب...

كل الآمال التي تحرق بذبولها بتلات الفؤاد..

كل القبلات التي تساقطت من اغصان ثغر هوى، فهوى معه العشق حتى قعر محيط لا نجاة فيه لغريق..

دعها..

أكانت هي كل صباك؟ كل ما يقلقك لسنين طوال؟؟..

ام انك لا تعلم ان ضياعها، قد سبقه ضياع زاوية كنت احشد الكون فيها، و اهتف ملء ارض و سماء:

عراااااق..؟؟..

و سبق هذا بزمن طويل فقدان بكارة الطمأنينة من وسادة لم تعانق سوى أرق الخذلان..

قد ضاع امان نهار لا تلوح فيه شمس الله..

ضاع هدوء ليل يبرق بعيني وحوش تبحث عن فرائسها فحسب..

دعها..

انها تطير كما تشاء لها الجاذبية.. وفق عناد الريح..

ان كلماتها الأيزيدية تتساقط كما تساقطت كلمات الحلاج و السهروردي.. دون ان يعني بها أحد..

ككل الرؤوس التي تحز، و لا يستغرق سقوطها من زمن المجرات ما يذكر.. رغم انها خرجت من ارحامها في لحظة لا طاقة للمجرات بها، و بوجع من وضع حملها بعد عناء...

انك تحتضن اوراقي.. و مزق جسدي توشم مخالبك بلحم قد نبض في جسدك قلبا، قبل ان يصبح قلبي فيه...

قد صاح النخيل فيك انه منك براء..

و رمى الفراتان بزبد الجثث حيث تظن ان الكنوز كلها قد اورثت لاحفادك...

سأنثر الأوراق فأنت غير معني بها..

فالخريف سيهدهدها بالريح..

و المطر سيكون سعيدا بحبرها الذي يتماهى مع أبجدية آذار....

_______________________________________________

مومس واحدة تعني ان الجميع دفعها لتكون بنت ليل..

تهمة احتياز دعارة

 

لم أعد بعدها الى هذا المكان أبدا، لكنها بالتأكيد قد عادت مرارا..

جلست الى جوارها، كانت تمتلك علبة سجائر، و لم تتردد كثيرا في إعطائي واحدة.

كما توقعت لي أمي..

انتهى بي الأمر أن أكون أنا، و ممتهنات الدعارة في مكان واحد..

الحرب لم تضع أوزارها بعد، و معظم العاهرات كن يساومن على أجسادهن، ليعاودن العمل، بعضهن يعيل أسرا كثيرة العدد، و الإقامة في السجن تعني نفاذ القوت في البيوت، و جوع الأطفال..

_هذه المرة لن أساوم..

_لم لا تخرجين بهذه الطريقة، في النهاية سيأخذون ما يريدون دون مقابل..

_لا يبدو انك مومس..

_نعم، أمتهن دعارة من نوع ثاني..

_انها أوضاع يختارها الزبون..

_لست أعني ذلك..

_أهناك دعارة لا أعرفها؟..

_الكثير.. ، معظم من دخلن التوقيف معي تم إخلاء سبيلهن سوانا..

_تضعين نظارة؟..

_كي أرى جيدا..

_هل ترين أكثر مني؟..

_لا ، لا أظن ذلك، انت قد شهدت ما لم أشهده..

_هل تعلمين لم أنت هنا؟

_نعم...

_ملابسك رسمية جدا، هل زبائنك من علية القوم؟..

_نعم..

_لدي خمسة أولاد من زوج فقد في الحرب..

_أية حرب تعنين؟

_تلك التي لم تزل تحرق الأخضر و اليابس..

_لدي ولد واحد، كانت ليلة عرس فقط، و غادرني عند الصباح دون عودة..

_أعثرتم على جثته؟

_دفنت واحدة تفتقر الى ملامح البشر، محترقة تماما.. كي أحصل على تقاعد، و بيت..

_أها؟، تزورين قبر رجل مجهول؟..

_ما الفرق؟، هل ترين فرقا؟..

ضحكت بضجيج متوقع من بائعة هوى..

_لا فرق بينهم، ذوقهم واحد، يشتمونك، و يسجدون امامك كل ليلة..

_أردت ان يكون لأمه قبر تزوره..

_أين وجدوك، مع من؟

_بعد إكمالي لإذاعة نشرة الأخبار، كنت وحيدة، حتى المخرج قد غادر، رغم ذلك أنا معك موقوفة..

_هل بعت الهوى على الهواء مثلا؟

ضحكت من جديد بصخب..

_لا، ربما لأنني لم أفعل..

_دعيه يحصل في الخفاء، هذا أفضل بكثير..

_هل فعلت ذلك يوما؟

_بلى، و كنت غبية حين رفضت ان يختلي حبيبي بي، و أمنحه ما أراد حقا.. ، فقد اضطررت بعدها الى الاختلاء بمئات غيره.. ، انتهى زمن الهوى ككل شيء آخر..

_إن لم يفعلها الشرطي، سيفعلها المدير..

_لدي خمسة ينتظرون..

_لدي واحد مصاب بالتخلف العقلي، هو مع جدته..

_لنخرج اذن من هنا..

_انت للشارع، و أنا نحو غرفة المدير؟..

_ليس لنا سوى ذلك..

_اعطيني سيجارة أخرى..

_كان التدخين يوما ما عصيا..

_كان........

_الشرطي قادم..

_المدير أيضا..

يقترب الشرطي و معه المدير..

غرفة التوقيف تغادر آخر نسائها..

______________________________________

صراخ في الزنزانات.. صمت خارجها.. هكذا لن تستوي المعادلة.. و سيصرخ من هو فيها، و من هو عليها..

 

زهراء

 

ولجتْ بابا قديما شديد الحياء، ضيق بمصراعين ليسا بواسعين ابدا..

لاحقتها عيناي حتى الدهليز الذي توارت في انعطافته..

قبعة نسائية تشبه غيرها..

أكانت هي؟..

عدت الى السوق مرة اخرى ابحث عن امرأة تشبهها..

لا ترتدي النساء العربيات قبعة عادة في هذه المدينة..

قادتني ظنوني الى العودة حيث البيت الذي اختفت فيه..

زقاق ضيق كجزء من حارة شرقية.. الباب متناغم مع غيره من مظاهر الشرق التي تلف المكان..

عند النافذة تعلقت عيناي بطيف يتحرك ببطء..

لعلها هي؟

_أيتها المرأة ، أهذا بيت زهراء؟

هكذا سألت باللغة العربية، و بالذات باللهجة العراقية..

_نعم هو ذاك..

أجابت المرأة بعفوية بالغة متابعة سيرها دون ان تنظر الي.. كأنها تعلم حقا كيف التقيت انا بها؟..

في زنزانة جمعتني بها وقوفا كانت انفاسها المتلاحقة تشعرني بالخوف

_زهراء عبد الرضا..

بعدها تختفي خلف صراخها في مكان قريب جدا..

في باحة سجن لمحتها مرة خرى بعد بضعة أشهر، و بطنها يتقدمها..

اليوم تبدو لي مختلفة، الا انها تحمل الكثير من اليافعة زهراء..

طرقت الباب بجرأة كبيرة..

وقف رجل عند الباب..

رأيت جرأتي تتحول الى وقاحة:

_اني ابحث عن امرأة شاركتني زنزانتي ..

_أية نزانة؟

أنت مخطيء ايها الرجل، لا يسكن احد هنا سواي..

عدت الى السوق تكاد خطاي ان تلذع الدروب الخاوية منها.. بدت لي بين شعاع الشمس، و بين عيني تتوهج كقطرة دمع تتوارى في مقلة نزحت قوافل انتظارها نحو غروبها دون عودة..

آه.. كم تؤلمني اليوم بوقاحتها هذه الشمس المستبدة..

فقد اشرقت بعد ذاك الظلام الذي احتوى مزق الثياب على جسد زهراء!!!!!!!......

_______________________________________________________

 

الطاعة لا تستحق تصفيق أحد ، انها تسحق وجودك فحسب..

يوم تمردت

 

أأنا الذي لم ارها ابدا ، ام هي التي اخفت وجهها خلف نقاب او قناع؟..

الشاي الذي تعده صباحا ، و تضعه امامي دون ان تنطق بشيء، سيرها الحذر، و الطريقة التي تنقر بها على الباب.. صمتها المستمر.. طاعتها.. كل هذا دفعني الى نسيانها حين لم تحضر ذات يوم..

جاءت اخرى.. لابد من الشاي و الفطور و الطعام بأوقاته..

توقفت و انا اضرب على لوحة مفاتيح الحاسوب.. و نظرت نحو المكان الذي اعتادت تناول غدائها فيه.. ركن من زاوية المطبخ يقابل غرفة المكتب التي لا اغادرها حتى موعد نومي..

_لم تجلسين هنا؟

_لعلك تحتاج شيئا ان ابتعدت؟.

حاولت تذكر ملامحها..

في روايتي وصفت الخادمة بدقة، لم اغفل حتى ردفيها و اهتزازهما اثناء الرواح و المجيء..

_ما اسمك؟

_خديجة..

_كم عمرك؟

_25 عاما

_متزوجة؟

_نعم، و لدي خمسة ايتام..

_خديجة انا لا اعرف اسم التي سبقتك في العمل هنا، و الآن لم استطع ان اتذكر شكلها.. هي ايضا كانت أما لايتام حرب..

_استاذ انت مشغول..

عيناها اطلتا من مرايا الخزانة.. التصقتا بالباب.. اتسعتا عند الجدار.. تجنبت النظر الى الاثاث، و انشغلت بالبحث عن مصدر المياه التي تبلل وجهي، و فراشي..

قطرات كبيرة تكفي لأغراق سريري الواسع، و افساد اثاث الغرفة كله..

رفعت عيني متتبعا مصدر القطرات..

عيناها السوداوان تفيضان بنظرات لوم.. تشغلان كل مساحة سقف غرفتي.. تمطران بسخاء.. تحوطان جسدي برموش كثيفة كأذرع اخطبوط..

تسحباني نحوهما..؟؟

_ أأنا الذي لم ارها ابدا ، ام هي التي اخفت وجهها خلف نقاب او قناع؟.. أم انني كنت مرتحلا مع قلمي، و لا أدري من تلك التي حملت ناقتي على رأسها، و اكتوت قدماها بكلمات رواياتي دون ان تفلح في رسم عينيها ابدا؟؟؟؟؟؟؟..

 

النص غير مشمول بالتعليقات، يرجى مرعاة ذلك مع الاحترام والتقدير

adnan aldhahirوبعدكِ تمضي الليالي

وهيهاتَ بعدكِ يأتي القَمَرْ

 


 

مرثيةُ أم / عدنان الظاهر

(الخامس من حزيران 1972 في بغداد)

 

أَتستسلمينَ؟

أَتستسلمينَ لقبضةِ روحٍ أُضيّعُ فيها بقايا العُمُرْ؟

أوَترحلينَ وبيتيَ فوقَ الهمومِ يعومُ

تَقاذفهُ الريحُ أنّى تشاءُ كبيتِ الشَعَرْ

سألتُكِ أُمّاهُ أنْ لا تغيبي

سألتُ لماذا التسرّعُ في السَفَرِ المُنتَظرْ؟

أَترحلُ والدةٌ عن بنيها وما حانَ آنُ القضا والقَدَرْ

أَتتركُ أُمٌّ رضيعاً لها

قُبيلَ الفِطامِ على صدرِها جائِعاً يُحتَضَرْ؟

أَسيدتي كيف هانَ عليكِ الرحيلُ …

وهل مِنْ حياةٍ خِلافَ غيابكِ هل مِنْ سرورٍ وهل مِن سَفَرْ؟

أَتستسلمينَ لداعي الفناءِ كآلهةٍ من تُرابٍ

وتمضينَ عجلى كباقي البَشَرْ؟

أَأُمّاهُ ليتكِ ما غبتِ عنّي

فبعدكِ تأتي الليالي

وبعدكِ تمضي الليالي

وهيهاتَ بعدكِ يأتي القَمَرْ.

 

صلاةُ الوالدة

 

قيامُكِ في الفجرِ قبلَ إنبلاجِ النهارِ

وهَمسُكِ إذْ تصبَغينَ الوضوءَ يُقرِّبُ منّي الشذى

والمُنى وهديلَ الحمائمِ فوقَ الشَجَرْ

صلاتُكِ ها لم تزلْ حيّةً في رؤايَ

تمدّينَ قامتَكِ بعد السجودِ كمدِّ وجَزْرِ مياهِ البَحَرْ

ومثلِ صلاةِ المسيحِ حلولاً

دمٌ يتساقطُ من وجههِ والعذابُ

كما

يتساقطُ

صخْرٌ

على

مُنحَدَرْ

تُدحرِّجهُ قُدرةٌ في الخفاءِ.

 

يوم الدفن

 

أُسائلُ نِسوةَ جيراننا

إذْ يَعُدنَ مع الليلِ من مجلسٍ للعزاءِ

أَوالدتي وحدَها لم تَعُدْ

معَكُنَّ، أما رجعتْ بعدُ والدتي يا نساءُ؟

أَفما شقّقتْ ساعةَ الحُزنِ أثوابَها

أَفما لَطَمتْ وجهَها، رأسَها عارياً والصَدِرْ؟

 

أَموكبَها والجلالُ المهيبُ على أرؤس الحزنِ مدَّ البَصَرْ

أُشيّعهُ والدموعُ جوارٍ على إثرها

فهلْ أُصدِّقُ ـ يا ناسُ ـ شؤمَ الخَبَرْ؟

 

يؤوبُ المُشيِّعُ إلاّ أنا …

أظلُّ

على

قبرِها

واقفاً

أنتظرْ!!

 

abdulfatah almutalibiإليهنّ

في عيدهنّ

 


 

هُنّ / عبد الفتاح المطلبي

 

بأسماِئهنّ وألوانِهنّ بسمرائِهنّ وشقرائِهنّ بما قدْ رَبحْنَ وما قدْ خسِرنَ بماهُنّ منْ واهباتٍ وما قدْ أخذنَ، بكل جنونٍ لهنّ وأوهامهنّ بكل سذاجتهنّ وحكمتهنّ بهفواتهنّ وإخفاقهنّ بأمجادهنّ بما ينجحَنّ، بإسرارِهنّ وإعلانهنّ بكل الذي قلتُ عن حالهنّ أرَاهنَّ من أجملِ الكائناتِ فهنّ الحنوناتُ هنّ العطوفاتُ هنّ الشغوفاتُ هنّ الرؤوفات هنّ الودوداتُ والصاحباتُ وهنّ البناتُ الكريماتُ، هنّ الرفيقاتُ والأمهاتُ والأخواتُ، هنّ العناوينُ واليافطاتُ وهنّ السَنا والمُنى والغُنى وزهورُالحدائقِ ، عطرُ الحياةِ وهنّ الطريقُ إلى اللهِ من حيث أنّ الجِنانَ على وسعِها تحت أقدامهنّ فمنْ نحنُ من دونهنّ؟ يا أيها الجلفُ أنتَ الذي تتوارى وراءَ الفحولةِ تأخذُ منهنّ لمْ تعطِهنّ وتحسَبُ أنّ الرجولةَ حِرمانهنّ وإنّ البطولةَ إيذائهنّ و إنّ الشهامةَ في عذلهنّ خسئتَ خسئتَ ماهنّ إلا الصَبا والنسيم العليل إذا ما همسنَ وهنّ السكينةُ في صمتِهنَّ وشدو البلابل في حكيهنّ وإن المنازلَ من دونهنَّ كما الإسطبلِّ وهنّ الشموسُ إذا غبنَ حلّ الدُجى في النفوس وهن الحناتمَ يسقيننا الحب، لسنا سوى شجرٍ يابسٍ دون أمطارهنَّ ففي أي آلائهنّ تماري وتبخسُ أحلامهنّ، ملائكةٌ هنّ لو أحسن المرء إكرامهن كفاهنّ فخرًا بأن الإله رأى أن آدم من دونهنّ حزينٌ كئيبٌ فأعطاهُ حوّاءَ غيثاً ومنِّةْ سلامٌ لهنّ وهنّ السلامُ يرفّ ضياءً يضيئ الدُجنّة.    

 

احفظوها عنِّي... كلمة لله ثم للتاريخ..*

قبل الشُّروع في الصلاة على أرواح وأجساد "السبايا" سأصف لكم الألم الذي تواطأ مع قلمي فقام بتطهيري من كل لوثة كونية. منحدرة في السهول وملوِّحة لصفائح الموت التي شوى عليها الظلاميون جثة النهر وشال العذراء وصرخة الحرية..

هل حان وقت الصلاة؟!

لقد فاتني أن أخبركم بأن مثل هذه الصلوات لا يؤَّذن لها. بل يقال بصوت مسموع: الصلاة جامعة!

استجمعت قواي. حرَّكت شفتي بنيَّة رفعتها للسماء. هي اللحظة التي شعرت فيها بعبوديتي لله، ذاتها أحالتني إلى شمعة خجلت من لهب "إذلالهن لعبوديتهم" فماعت وانتهى بكائي لكن النشيج استمر.. حتى جرى على لساني أسماء "السبايا" التي بالطبع لن أكتبها لكم. لن أفشي وجع الحمَّى الذي سرى في دمي رغم محاولتي تطويع هذا الزمن اللئيم وإعادته إلى رشده. نكاية بكل ما أهدروه من دم وكرامة وشرف. بعقولهم العجاف. بديانتهم "ببغيِّهم" التي يؤمنون بها. وبوحوشهم التي يلاعبونها فيبتكرون لها شكل "امرأة جميلة" تُسبى لتكون حطبا لجهنمهم..

نكاية بصمت الإنسان، وببقايا الشرانق المعلقة في الأشجار.

ببيوت العناكب التالفة وهدير الجدول في رأس الحياة

بقصائد الغزل المتفحِّمة وهي تنبش الرماد بحثا عن إصبع مجهولة

نكاية بالدموع التي يبست في صدري

فراحت تنقر باب الليل، تستجدي منه عتمة مخيفة أو وحشة خرساء أو سياطا تجحظ منها أنفاسي وتشهق..

نكاية بي!

وأنا أكتب الآن تحت سقف آمن وعلى سرير دافئ مبلل بماء معّطَّر.. بالموسيقى التي أنهكت البيانو الحزين فراحت تمزِّق فيَّ كل وريد.

أقولها لله:

يداي امتلأت بالدموع.. والأرض صارت تنبت ملحاً! فهل ستترك هذه الوحوش تحكي عنك قصصا تُخثِّر الدِّماء وتُفتي بطهارة حيضة الخنازير؟!

لا تتركهم أرجوك..

لا تتركهن في كمد

أشجارهن غدت صولجان أصفر

وتنُّورهن يفور بالماء!

كنَّ يتنفَّسن..

يغنِّين داخل بيوتهن المسيَّجة بالبرتقال

ينشرن مواعيدهن على حبل الانتظار

يحكمن تغطية القدور

ويتدفأن بأغاني الوطن المقهور.

يا الله

كنَّ وحدهن.. حتى شمَّت السماء رائحة شواء أجسادهن

ومع ذلك تأخر المطر!

ومات الراعي من العطش

مات بزهرة تعثَّر بها نهاية الوادي!

يا الله

هل سننتهي من الصلاة ونحن نقشِّر الكلام؟

.

.

للتاريخ بعثت بمخطوط قد ينتهي الناشر – الذي يكذب دائما - من طباعته العام الحالي ..

ولأني طيبة جدا صدقته

واكتفيت بصرختي البيضاء التي أنشرها هنا:

اسمعوني يا أحفادي الذين يطاردون ظل الشمس في حقول الله

أرجو أن ترجموا صفحات التاريخ الملطَّخة بفضلاتهم..

بفداحة الاضطهاد

والانتهاك

والتكفير

والقتل

والعبودية

والسبي

والتعذيب

أيها التاريخ الذي ستكتبه الأرض والفلاح والغراب والذئاب والأفكار المتمردة على الجاهلية والأغاني المنغمسة في لذة الحزن ونشوة القتل والسحل والسبي على حدٍ سواء ..!

سجِّل بأننا نسخر من هذه الصفحات وندعكها في وجه الظلام الغاشم.

احفظ لنا ما تضوَّرناه من وجع

وما تحمَّلته نصف الدنيا من مهانة وإذلال

احفظ عنَّا

كل وردة

وقبلة

وصبر

ومناصرة

وانحناء للمرأة – مسلوبة الحقوق –

احفظها عن ظهر حق في وجه الباطل:

بأن الإشراق والنهوض من سيكونا درب الإنسان القادم

....

*بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يصادف الثامن من شهر مارس. وقد سلطت مؤسسة المثقف العربي في أستراليا الضوء في هذا العام على مجتمعاتنا القائمة على هذا الاستلاب الديني - العرفي للمرأة- هذه الممارسات للأسف ليست فكراً مستورداً بل بعضها كامن فينا! ناصبا فخاخه التاريخية لتصيّد المرأة، فكرياً ونفسياً وجنسياً. نحن هنا لرفع الغبن والجور والعبوديّة عن جسد المرأة وروحها المتمثل في "السبي" و "الأسر في زمن العبودية المعاصرة" الذي اقترفته بعض الجماعات التكفيرية. الجدير بالذكر أن المثقف يشيد بالنساء اللاتي يمتلكن الشجاعة دون سند صلب، في مقابل نساء منمَّطات ضد تحرر المرأة. كما أنه يناشد بدوره ضمائر العالم للإفراج عمن تبقى من النساء في أسر قوى الظلام.

 

بلقيس الملحم/ شاعرة وقاصة من السعودية

سفيرة الثقافة بالمجان في الخليج العربي

 

mohamad benjelaliيفْقِدُ نِصْفاً من جَمالِه

إذا أُخْرِجَ من غلافِه الكتابْ

 


 

جُعِلَتِ العربيَّةُ أنثى!

إنَّ العربيَّة هي اللغة الوحيدة – أو من القليلات حتى لا نقطع بالحكم- التي تؤنِّث المثنَّى الدالَّ على امرأتين، بحكم أنَّ التَّعدادَ في العربيَّة يُميِّز المعدود المؤنَّث من المعدود المذكَّر. وما ذلك إلاَّ لأنَّ المرأة فيها تتبوَّأ المقام الأوَّل، على غير ما نُصادفه في اللغات الأخرى، الغربيَّة والشرقيَّة، التي تُهْمل حقَّ المرأة من الوجود اللُّغويِّ فيها فتُغيَّب منها احتقاراً لها، وإهمالاً! وكذلك نرَى!

- الدكتور عبد الملك مرْتاض-

 

إلى أُمِّ فرْدوْس.. إلى نساءِ (المثقَّف) الحبيب؛ الكاتباتِ والقارئات..

إلى كلِّ نساء العالَم..

أُهْدي هذا البلَّوْرَ الشِّعْريَّ المتناثِر

Jeux de lumière

 

أنتِ قافيَةُ القصيدة / مُحمَّد عدلان بن جيلالي

 

للشِّعْر قافيَةٌ .. إنْ كنتِ حاضرةً

فلوْ تَغيبِينَ، ماتَ الشِّعْرُ والوزْنُ

فنَّانةٌ أنتِ .. فِي عينيْكِ ظاهرةٌ

ما عاشَها شاعرٌ   أو قالَها فَنُّ

فآلةُ العُود   لنْ   تَبْقى   لعازِفها

إذا درَتْ أنَّكِ   القيثارُ واللَّحْنُ

 

عيْناكِ بِرِيشَةٍ مُتصَوِّفَة

عيْناكِ .. يا لُؤلُؤتِي ..

تُخبِّئانِ مَعْبداً ..

ومُلْحِداً ..

ناراً وفرْدَوْساَ

عيْناكِ .. يا لُؤلُؤتيْنِ

تُدْهِشانِ الجنَّ والإنْساَ

بعيدتانِ ..

مثْلَ عصْفورٍ منَ البلَّوْرِ

لا يشْدو، ولا يأسَى

قريبتانِ ..

مثْلَ زوْرقٍ خُرافِيٍّ ..

غَفا على يدِ المرْسَى

واسِعتان مثْلَ ذكْرى تثْقبُ النَّفْساَ ..

ضيِّقتانِ مثْلَ يومٍ لا غداً لهُ .. ولا أمْساَ ..

كِلْتاهُما .. يَرْمُقُنِي كالسَّيفِ ..

كالحقيقةِ الأقْسَى

أيُّهُما أذْكُرُ يا لُؤلُؤتِي ..

أيُّهُما أنْسَى؟

عيْناكِ .. ما ينْفَعُ فِي وصْفِهما؟

أصارَ أمْ أضْحى؟ أباتَ أمْ غَدا؟

أكانَ أمْ ليْساَ؟

أشْرقتِ الشَّمسُ فغطَّتْ جبْهتِي

لكنَّنِي رأيْتُ عيْنيْكِ ..

وما رأيْتُ يا حبيبتِي الشَّمْساَ

 

قُبْلةٌ سِينِمَائيَّة

قبَّلْتُها عُنْفاً

وفِي تَقْبيلِها عُنْفانْ

فأصْبحتْ بلا فَمٍ

وصارَ لِي فَمَانْ

 

إشْرَبْ من فَمِي ..

قبِّلْ   فمي   بفَمٍ عَطوفٍ   لا فمٍ

مثْلَ الصَّقيعِ   مُحنَّطِ   الإحساسِ

واشْرَبْ كعصْفورٍ طرُوبٍ من فمي

لا فرْقَ بين فمي وبيْنَ الكاسِ

 

أصْفعُكِ لأسْمَعَ أغْنية

لا .. لا تظُنِّي إنْ صفَعْتُكِ بغْتةً

أنِّي عنيفٌ .. أو أُصِبْتُ   بِداءْ

فأنا أحبُّ سماعَ صَوتِكِ باكياً

بعْضُ النساءِ   بُكاؤهنَّ   غِناءْ

 

قُبْلَتِي على خدِّكَ ..

أجْمَلُ مِنْ زوْرقٍ على البحر

حدَّثْتَنِي مُتَشَوِّقاَ ..

وسألْتَنِي مُتَشَهِّقا..

عن زوْرقٍ يلْهو بنا فِي البحْر حتَّى نغْرَقاَ

أنسيْتَ أنَّكَ منْ إذا قبَّلْتُهُ ..

قبَّلْتُه فِي الخدِّ أصْبَحَ زوْرقاَ؟

 

لا تتَعرَّيْ ..

حُسْنُكِ يا حسْناءُ .. واللهِ يَضيعُ

إنْ تَعَرَّيْتِ منَ الثيابْ

فلا تظنِّي أنَّنِي أفضِّل التحْديقَ فيكِ عارِيَهْ

وأنَّنِي طفْلٌ ..

وجسْمُكِ النَّسِيقُ فِي يدَيَّ لُعْبةٌ مُسَلِّيَهْ

...

يفْقِدُ نِصْفاً من جَمالِه

إذا أُخْرِجَ من غلافِه الكتابْ

 

(أسْرارُ البلاغة) لِلَيْلى العامرِيَّة!

عليكِ يا سيِّدتِي السَّلامْ ..

وبَعْدُ؛

هذا طلَبِي منكِ بأنْ لا تَضْحكي

خوفاً على كرامة الثلْجِ ..

على زقْزقةِ العصفورِ ..

أنغامِ البِيَانو .. شُقْرةِ المُدامْ

لا تَضحكي سيِّدتِي ..

خوفاً على بلاغةِ الشِّعْرِ ..

على فصاحةِ الكلامْ

 

مُوناليزَايْ ..

لا تُطْفِئي – أرجوكِ –

بسْمتَكِ النَّضيدَهْ

حتَّى تظلَّ الشَّمسُ مُشْرِقةً ..

وحتَّى لا يَجفَّ على فمي

ماءُ القصيدَهْ

 

نظريَّةُ الفنِّ الثَّامِن

أحِبَّنِي

أحِبَّنِي

بِمُنتهى الجنونِ

حارِبْ جيوشَ العُرْفِ ..

واحْرِقْ صنَمَ العاداتِ ..

واسْتشهدْ على جبينِي

إنْ شئتَ حقّاً أن يصيرَ حبُّنا

نوعاً من الفُنونِ

 

الحضارةُ .. فِي مَشْهدٍ طبيعيّ

أحِبُّها

بروْعةِ الغروبْ

تُحِبُّنِي

بروْعةِ الشُّروق

وهكذا ..

تزْدَهِرُ الشُّعوبْ

 

syrawan yamalkiوكلَّ فِكرةٍ وكِلمةٍ

عنكِ إلى انتفاضةٍ وثورةْ

 


 

في عيدها / سيروان ياملكي

 

ماذا أقولُ يا حبيبتي

لكي أُحيلَ وجهَكِ الجميلْ

وشعرَكِ الطويلْ

لدوحةٍ وغابةٍ

تُعانقُ الصّفصافَ والنخيلْ

ترتاحُ في أفيائها قوافلُ الأصيلْ

هذا كلامٌ كلُهُ

حبيبتي مُعادٌ

(مُفَبرَكٌ) مُصنَّعٌ مُحنَّطٌ

مُبَنِّجٌ قديمْ

مُكرّرٌ مُبهرَجٌ (مُدبلَجٌ)

مستهلَكٌ عقيمْ

بل لا يكادُ الحرفُ فيهِ

يرتقي نعليكِ

رائحةً غاديةْ

ماذا أقولُ يا حبيبتي

في هذهِ القصيدةْ

في عيدكِ البهيّْ

لكي أُحيلَ..

كلَّ نبضةٍ ونظرةٍ

وكلَّ فِكرةٍ وكِلمةٍ

عنكِ إلى انتفاضةٍ وثورةْ

لكي يرى من لا يرى

من منكُما المِسخُ

ومن هو العورةْ؟!

 

(*) أُلقيت بتاريخ 10-3-2012 في الأمسية التي اقامتها رابطة المرأة العراقية في مدينة لاهاي الهولندية بمناسبة يوم المرأة العالمي 8 أذار والذكرى الستينية لتأسيس رابطة المرأة العراقية.

من ديوان (وعينيك)

 

dikra laybieلم أتعلم كيف اقرأ آيات

النور في حضرة الظلام

 


 

المدى شاسعٌ بيننا / ذكرى لعيبي

 

معذرةً يا قلبي

لم تبق على أرصفة الكلمات

سوى أحرفٍ دامعة

الغيم ينقر انكسارَ النوافذ

الماء هجر الغيم

فلم يأت المطر

والرحيل إليه

بقاءٌ في سراب

***

معذرةً يا قلبي

أدمنتَ فراقَـه

والمدى شاسع بيننا

***

أسقيك الحزنَ

لم أتعلم كيف أشاطرُك الفرح

لم أتعلم كيف اقرأ آيات

النور في حضرة الظلام.

***

معذرةً يا قلبي

قرأتُ خطوطَ كـّفِ يدي

ولم اقرأ شقوقَ الوهم

***

عبـّأتُ جسدي بعبير

النارنج

ونسيت أن أرتقَ جروحي

***

لا وقتَ الآن لأرصد

أحزاني

أو ألملم ما تساقط

من أفراحي

لا وقتَ سوى أن

أشيّعَ أحلامي..

وأدفنَها في غاب روحي

***

في المهجر

أبحَرَ الليلُ بي

وما تكسرت أشرعتي

فاض الدمع بدربي

وما غرقت قدماي

معذرةً يا قلبي

خلف أسوارك حكاية

تعوزني الشجاعة

لأرويها

***

عند حدود المحبوب بداية

تلزمني دروبٌ عذراء

وخطواتٌ بلا أثر

حتى أصلَ إليه

***

أفكاري تغتسل بفنجان قهوتي

تتبعثر

تتكوّم

ثم تقف فارعةً أمام الهزيمة.

 

hyam qabalanاصطحبها الى غرفته .. وحيدا كان يطارح غربته، بعد أن نقلته الشركة التي يعمل فيها الى مكان بعيد . عائلته المكونة من خمسة أنفار تهوي على ظهره بسياط الجوع فيزداد انحناء، راتبه لا يكفي لدفع فاتورة الكهرباء، والضرائب وحاجيات الأولاد .

لم يعرف غصنه النديّ وعوده الفارع غير جسدها البضّ ووجهها المدور كرغيف خبز مقمّر، لم يشغل باله سوى صراخ أولاده وهم يتشيطنون في ساحة البيت والشارع الممتد أمامه دون نهاية.. ينشر ازدحامه على الجانبين، العمارات تتعانق كأشباح تهاجسه في مساءات الصيف الحارة، رائحة الأسماك وصوت الباعة في الصباحات، زمرة الكلاب الشاردة والقطط المتسكّعة بشهوة غريزتها الحيوانية ...

انّها المرة الأولى التي يرى أمامه أنثى تخلع ملابسها، حافية تدعوه بعينيها، تشده ليبحث فيها عن شيء ما حرم منه،، لم ير جسدا بهذا الجمال، نهداها بلون الكرز يستفزانه، خصرها النحيل، ساقاها،، كل شيء فيها يثير ذكورته الجائعة .

يسحبها الى السرير،، يركل الباب برجله،، يتهاوى بجسده النابح،، يحترق رنين الهاتف من الغرفة المجاورة،، لعابه ينزلق الى حيث يروي ظمأ وحدته بعطرها وعرقها الأنثويّ، تتلوى كأفعى راقصة تحت لزوجة لذته الشيطانية المشتهاة، يفرد الليل فخذيه متراخيا على سرير يئن ويئن، وصرير الفجر المصحوب بضجيج الهاتف المستمر يعلن عن هدوء عاصفة ليلية .

-لا بد أنه عادل صديقي،، يبدو أن جيبه فرغت من النقود،، وينتظرني على عتبة عزلته مع بنات الهوى لأدفع ثمن الخمرة والمتعة ..

-هالو ..نعم ..ماذا ؟!!! يلهث بصوته المتهدّج،، تسقط سماعة الهاتف من يده،، يرتمي على الكنبة صارخا

-لا يا ولدي،، لا يا صابر،، وعدتك بتحقيق أحلامك،، ليس الآن يا بني،، يا الله ارفق بي ...

ازداد نحيبه،، دموعه بلّلت وسادتين من ندم،، والسرير أمامه يتمطّى، على شرشفه جسد بلون وطعم النبيذ المعتّق.

دسّ في حقيبتها مئة دولار،، غادرت وهي تقهقه،،وتتلوى،،صفق الباب مصعوقا،، هرول يتعثّر بخطواته ليلحق بأقرب قطار يوصله الى بلدته النائية،، ليدفن ابنه بيديه ....!

 

hamed-fadilلون الصبح وجه الهور بلون شفيف. ولامست السماء هامات البردي، وهي تنحني لتطبع قبلة الصباح علي جبين الأفق.. شرقا جلست الشمس في محفتها محمولة على أكتاف الموج، وبدت لعيني المرأة الساعية إلي حافة الهور، رغيف خبز محمص: (الثريا) كلمة انسلت من بين شفتيها بصمت لا يسمعه غير قلبها الراكض قبل قدميها نحو بؤرة الرؤيا في أقصى الهور الطافح على أديم لا نهائي مترع بالسماء، الظل، والضياء. يمتد في مخيلة المرأة المسرعة على جادة الرؤيا، لسانا خرافيا يلحس جلد الأرض مزدردا الحي والجامد في مخاض مستمر. يُولد النقيض من النقيض، منهيا الحياة بالموت، وباعثا الحياة من الموت.. والثريا امرأة يصعب تحديد ملامحها المتناسلة في صندوق الطفولة الموصد على حكايات الجدات، حيث تتلفع (السعلاة) شعرها الأسود الكثيف، قابعة في قعر الصندوق الموشوم بأقدام (عبد الشط) الضاج بصراخ (فريج الأكرع) النحيف الطويل الذي لا ينبت الشعر على يقطينة رأسه.. أفزعت المرأة التي اقتربت من الجرف، سرب إوز وحشي مختبئ في أجمة القصب، فأفزعها وهو يتخلى عن مخبئه خابطا الماء بقوادمه فارا إلي أعماق الهور.. تزنرت بذيل عباءتها، وتفقدت عصابة رأسها وشيلتها، ثم قفزت إلى بطن المشحوف.. أشرعت (المردي) وطعنت برأسه صدر الجرف، فانساب المشحوف على قارعة الهور، ممزقا صفحة الماء الصقيل، راسما خلفه موجتين متلازمتين سرعان ما تلاشتا قبل وصولهما إلى الجرف الذي لم تعد المرأة تُرى لعين الناظر منه بعد أن غيبتها قامات البردي.. جلست المرأة في مؤخرة المشحوف والمجداف يتحرك بين يديها ـــ دون أن تشعر به ـــ يمينا ويسارا، نازحا الماء باتجاه معاكس لمسير المشحوف الذي يشق طريقه بتلقائية في دروب الهور المؤطرة بالبردي والقصب. وهي إذ تقتحم بعينيها المدى الواسع باحثة عن بؤرة الرؤيا حيث أبصرت جسد زوجها منفوخا مزرقا مبقور البطن، يطفو علي ظهره، مفتوح الفم علي صرخة استغاثة كتمتها كف الماء، موشوم الوجه بلحظات الخوف التي حفرتها أصابع الثريا وقد تخلت عيناه عن محجريهما وسكنتا بطن سلحفاة كبيرة، مخلفتين ثقبين معتمين أسفل جبهته فإنها تستعيذ بالله كلما عاودتها رؤية الجثة الطافية وهي تحتك بسيقان أشباح البردي النابت في عتمة الهور، وقد تجمعت عليها السلاحف الكبيرة ناهشة لحمها المتهرئ.. لعنت الثريا وضرة الثريا تلك الغادرة الخائنة التي غدرت بالثريا في زمن قحط غابر بعد ما اتفقتا علي ذبح أولادهما وأكلهم كي تعيشا حتى عودة زوجهما من سفره. وكان لكل منهما سبعة أولاد، فبادرت الثريا إلي ذبح أول أولادها وأعطت نصفه إلي ضرتها التي خبأت اللحم الغض، ثم أعادته مدعية أنها ذبحت واحدا من أولادها، وذبحت الثريا ولدها الثاني، واستلمت ضرتها حصتها من لحمه وخبأتها، ثم أعادتها إلى الثريا، وكذلك فعلت عندما ذبحت الثريا بقية أولادها تباعاً حتى الولد السابع الذي استلمت نصفه الثاني وقلبها يتقطع حزنا على أولادها. إلا أن عزاءها لنفسها كان إحساسها بأنها ليست الوحيدة التي فعلت ذلك، حتى إذا عاد زوجهما من سفره. أخرجت ضرتها أولادها من مخبئهم، وكستهم بأحسن الثياب، وطيبتهم بأطيب الطيب، وهرعوا لاستقبال أبيهم أمام عيني الثريا المصدومتين المدهوشتين التي أصابها الخبال، فكسرت قيود الصبر التي قيدت أحزانها، وصاحت صيحة عظيمة، سمعتها ملائكة السماء، وشياطين الأرض.. لطمت خديها، وأدمت وجهها، نثرت شعرها واقتلعته من جذوره.. شقت زيقها، واعتصرت قلبها وطحنته بين كفيها، وصعدت روحها إلى السماء شاكية، باكية، نادمة مثقلة بالويل، الحزن، والثبور. فصار الرعد من صراخها، والمطر من دموعها، والبرق من نارها، والعواصف من لهاثها.. غسق الأمس وبينما كانت المرأة تساعد زوجها في حمل الشباك إلى البلم صرخت: (يمه فطيمة)!

- ما بك؟

- خدي يحكني.

- يا ساتر استر.

أمسكت بيده:

- لا تذهب الليلة.

سحب يده:

- دعي المقادير لصاحب المقادير.

ذكرته:

-إنها الثريا

دفع الرجل البلم وقفز إلي داخله.

توسلت إليه:

- إنها الثريا!

ضحك وهو يبتعد عنها. وجاءها صوته صافيا عذبا يصب في قلبها قبل أذنيها، ويتغلغل في مساماتها بأبوذيته المعهودة التي يغنيها كلما ضمه الهور في أحضانه.

(آ يا ويلي.. آ يا ويلي

يصير أتعب وأذب تعباي بالماي

أنا واحد ولي عدوان بالماي

من دون البلامة غرك بالماي

يسيرني الحبيب اشلون بِيَهْ)

وكانت تشيعه واقفة علي حافة الجرف حتى غيبه آخر أفق يمكن لعينيها أن تبصره. فاستدارت عائدة إلي كوخها وهي تحدث نفسها: (إنها الثريا) لم تنم ليلتها تلك. فما أن تلفعت قرية الصيادين بردة الليل، وانطفأت ذبالة آخر فانوس في كوخ السمار حتى تمترست داخل كلتها الرابضة علي سرير من جريد النخل متحصنة من البق الحائم في فضاءات القرية.. لامست فراشها البارد وأغمضت عينيها فأبصرت الهور ينبسط أمامها باسطاً يديه نحو الآفاق، غامراً تلك الآماد اللا محدودة بذلك السائل المقدس الذي خلق منه كل شئ. مبتدأ من نقطة تلاشي النظر، ومنتهيا بنقطة تلاشي النظر، جالباً الخوف والطمع للناس والطيور، والأسماك، والسلاحف، والخنازير، والسعالى.. خالعا ثيابه الشفافة والداكنة علي أجساد الجروف والجزر، والأجمات، متغلغلاً في المسامات، دافقاً ماء الحياة في رحم الأرض، نافثاً الروح في الجذور والأنساغ، واشماً جلده اللامع الصقيل بالقمر والنجوم والسماء، مرتدياً غلالة من أزاهير البط، والسعد والشمبلان، عاكساً النور السماوي، راسماً فنارات للصيادين المنتشرين في دروبه وأجماته.. رأت المرأة زوجها وقد انتهي من نصب شباكه. يفرش الطين الحري علي (ركمة) البلم، ويشعل النار ثم يرفع بين يديه سمكة شبوط تلبط محاولة التخلص من قبضته.. ثبتها الرجل بين قدميه وشق بطنها (بباذورته) ورأت المرأة اللحم الوردي يرف بآخر نبض من حياة الهور. رشَّ زوجها الملح والبهارات على السمكة وتركها لتجف قليلاً. ثم شجها بقصبتين وعلقها قريبا من النار، ودس ( قوري) الشاي في الجمر الملتهب، وابتعد ليجلس في مؤخرة البلم.. يدخن لفافة ويتفرج على القمر السابح في الماء بين ثلة من النجوم.. ثم رأت سماء الهور صافية تساقط الأمان والسكينة، وخيول الهواء صافنة، وكف الأفق تمسّد رؤوس البردي، والهور غطي جسده بغلالة مطرزة بمصابيح السماء واسترخي يتنفس بهدوء، والسمك حتى السمك كان يفترش قاع الرؤيا وسناناً يحرك زعانفه بإيقاع بطيء.. لكنها الثريا تلك الجريحة الحزينة النادبة الثكلى التي خبأ الأسلاف صورتها في صندوق الطفولة.. الثريا التي تثأر لأولادها كل عام.. وبرغم أن هذه الليلة، ليلة هادئة فقد أوجس منها قلب المرأة خيفةً. إنها ليلة من ليالي الثريا، وهل لغضب الثريا ميقات معلوم. وتحقق ظن المرأة إذ ظهرت في الأفق الشرقي غمامة سوداء ــ ثوب الثريا ــ وبدأت ترتفع من قوس الأفق معلقة بين الماء والسماء، مستعيرة أجنحة الرياح منتشرة في الفضاء العالي، غامة القمر والنجوم. ثم ساقطة بكل ثقلها لتحط علي الهور.. بدأت الثريا تحث التراب علي رأسها ناثرة الغبار الأحمر، ونفخت غمها حسرات مستفزة الأمواج، مطلقة صراخ الثبور، شاقة زيقها، ناثرة شعرها، لاطمة خديها، باكية بحرقة، جاعلة دموعها تخب علي سطح الهور، واخزة وجه الماء.. صار نواحها يسمع في الجزر، والجروف، والأجمات. البردي الذي كان يتمايل وسناناً صار يرتعش بشدة صارخاً بجذوره لا تخذليني. وثنت الأزهار الحكيمة سيقانها الرفيعة، وأحنت رؤوسها أمام جبروت العاصفة، بينما تكسرت رماح القصب التي أشرعها الهور بوجه الثريا.. فزعت الطيور والحيوانات اللابدة في الأجمات والحفر، وتناثرت النوارس كالقطن المندوف، وتدحرج الإوز البني السمين فوق الموج مطلقا صرخات الفزع. تقطعت شباك الصيادين، وتمزقت أشرعتهم، وتكسرت الصواري، وأطلقت المشاحيف والأبلام إيقاعات مختلفة وهي تتلقي قصف (الحالوب) وطفت الطيور الجريحة، والحيوانات النافقة فوق الماء الفائر المزبد.. ورأت المرأة زوجها يصارع الثريا واقفا وسط البلم مدخلاً دشداشته في حزامه كاشفاً عن ساقيه عاري الرأس، واقفاً بوجه الريح والمطر، ملوحا بمجدافه، ضاربا الأمواج الرعناء.. ورأت البلم يرتفع عن سطح الهور إلى أعلي من سطح الكوخ، ثم يهبط إلي الماء، ليعاود الارتفاع والهبوط، وكأنه خشبة صغيرة قذفت في خضم الهور الكبير الواسع.. وكلما لطمت الثريا على وجهها، وناحت علي أولادها، سُمع الرعد، وشوهد البرق، وصب المطر.. وكلما نفخت الثريا، اشتدت الريح، وارتفعت الأمواج، وأسرع الهور في عدوه هرباً من لطمات الرياح.. وكان زوجها يتشبث بالبلم يعانقه صاعداً هابطاً وإياه، وقد التصقت دشداشته المبللة بجلده، وغطي شعره الناضح بالماء عينيه.. ثم سمعت صرخة الثريا الأخيرة تأتي علي متن موجة عالية، مرعدة، مزبدة، سريعة، تنقض علي البلم وترفعه كقشة تبن وتلقي به نحو إحدى الأجمات. ورأت المرأة زوجها يطير في الفضاء المكفهر، ويسقط في أعماق الموج، وهو يكافح بيديه ورجليه لاوياً أذرع الثريا. ثم رأته يعب الماء غصباً وهو يلهث وقد خارت قواه، وتباطأت حركته، ثم غاص نحو القاع المعتم غارقاً أمام عيني الثريا التي شفت غليلها من أبن أدم، وانسحبت تاركة الهور المقهور يلعق جراحه.. سحراً قفزت المرأة مرعوبة من الرؤيا، وأسرعت نحو الحِبْ، أطفأت لهيب قلبها بطاسة ماء بارد، وها هي تضرب المياه بمجدافها مقتحمة دروب الهور بمشحوفها، باحثة عن زوجها في الهور الواسع الذي امتص غضب الثريا، وعاد يواصل حياته وعطاءه.. ظللت المرأة عينيها بكفها وهي تقتحم آفاق الهور ببصرها، فرأت بلماً يشبه بلم الرؤيا، غارقا قرب أجمة من القصب، نابتا على مؤخرته في الطين، مخرجا رأسه من الماء.. قفز قلبها بين يديها، وعلى وجل قادت المشحوف باتجاه البلم، ولم تر أحداً، اقتربت من الأجمة، فأبصرت دوامات الماء وهي تنبثق وتتلاشي، والفقاعات تنفجر صاعدة من الأعماق، ورأت السلاحف الكبيرة متجمعة وهي تسبح بدأب غاطسة إلي الأعماق صاعدة إلي السطح: (تلك السلاحف وهذه الأجمة وذلك البلم.. كل شيء يشف بصدق الرؤيا.. الثريا كانت هنا وهذه آثارها).. انبجست الدموع من عينيها، لكن صوتا جنوبياً، عذباً، رقيقاً ألغى صرخة الثبور التي كادت تطلقها.. ظلت تستمع إليه وهو يقترب مترنما بأبوذيته المعهودة.. ورأت بلماً يطلع من خلف أجمة القصب ماسحاً آثار الثريا، مشتتا شمل السلاحف.

 

حامد فاضل

 

houeida nassifوضلل مواكب الرجوع

في ارتباكي...

 


 

تعبٌ انا / هويدا ناصيف

 

تعبٌ أنا

من سرج القوافي

مهترىء الصبر

حيث أجثو

على أهْدابِك باكي

إقترب وإنهمر

من مخيلة الحزن

دمعة دمعة

وافترش مطر الروح

ولوعة الضجر

في عذابي ...

تمحور على خيبة العمر

يا عمري ...

وضلل مواكب الرجوع

في ارتباكي...

مزّق نسيج بعدك

في حدّة الصمت

ومدد في الآفاق

إنحسارك وإبتعادي

لا تدع جمرنا

في الرماد غافيا

ولا البحر في أوان

الشوق ينادي...

كم من حلمٍ دغدغ

أوجاعنا ...

والتحف الظلال

من خمرة الخوابي

كم عانقنا الوصل

ترحالا وأرقا

وتوارت الاحداق

في عسر انقيادي ......

 

abuyousf almounshidفعقدتنا هي الأنثى

وذا كابوسنا الخطرُ

 


 

 

اعتذار للمرأة في يومها العالمي / أبو يوسف المنشد

 

أمامك أنت ِ سيّدتي

هيَ الأبعاد تنكسرُ

وباسمي واسم أزمنتي

أنا أجثو وأعتذرُ

فلم نعرفك سيّدتي

وفينا الجهل ينتشرُ

لأنّك بيننا أنثى

يدبّ الخوف والحذرُ

فعقدتنا هي الأنثى

وذا كابوسنا الخطرُ

ومّن إلّاك سيّدتي

به الأخطاء تُغتفرُ

ومّن إلّاك هذا الماس

والياقوت والدُرَرُ

وفي عينيك يلتقيان

هذا الجمر والمطرُ

لسرّك وهو لا يُخفى

أولوا الألباب ما عبروا

فموج البحر سيّدتي

إلى قدميك ينشطرُ

و (أهل الكهف) إن ناموا

سيوقظهم لك القدرُ

وحقّك أنتِ سيّدتي

أنا أجثو وأعتذرُ

وحقّ القهر في عينيك

بالقضبان ينفجرُ

وحقّ ثيابك البيضاء

يشهق عندها القمرُ

سيبقى كلّ ذي خجلٍ

لصفحك عنه ينتظرُ

 

العراق

 

wejdan alkashabواستيقظتُ في تلك الليلة الرهيبة..كان هاجس ما يعتمل في لا شعوري... لا أدري ما الذي أيقظني... كنتُ متعبة البال... متعبة الروح والجسد... أُفكِّر إلى متى سأبقى هكذا؟ متى سيزهر عطش الصحراء... أما آن للصحراء أن تحيا...

أُسائل نفسي... كيف أتيتُ إلى هنا؟

أيَّة ظلمة أوصلتني هنا؟

بل أيَّة أكذوبة؟

أُكذوبة الوعد بسعادة... وجنَّة!! وما كنتُ لأدخل هذه الجنَّة!

كانت أفكاري حرَّة تسافر حيثُ تشاء... كنتُ فراشة ربيعية... تنتقل من حديقة لأُخرى، لا يعكِّر صفو رحلتها شيء... كنتُ طيفاً شمسياً باسماً، هادئاً، حلواً، فكيف؟ كيف دخلتُ جحيماً مغلقاً؟

كيف دخلتُ جنَّة سوداء قاحلة؟

أتراهم كانوا يدفعون بي إلى الجحيم انتقاماً مني؟

يرونني سبيّة تُباع في سوق الجواري؟

يبيعون... فمن يشتري؟

ويرسمون الشراء رحلة مُزوَّقة ببياض مُلوَّن؟

سؤال! وليس من جواب؟

أخذ الحزن يتسرَّب إلى نفسي... والكآبة لم تعُد تفارق وجهي... عيناي تبحثان عن حلم وردي منشود، لكنَّها الآن تصطدم بواقع بائس... ورحلة تعيسة! عوالم مجهولة ورحلة لم تكن إلاَّ فشلاً ذريعاً، لم تخلِّف سوى حزن ذليل وكآبة مريرة في نفسي...

للحظات تمنيتُ أن تحرِّك الرحلة فيَّ احساساً ما... أن تسافر بي إلى أُفق مضيئ، وعوالم ممدودة، كم تمنيتُ أن تزرع الفرح في أعماقي ... وتحولني إلى كتلة من وهج مضاء، ترتفع بي إلى عنان السماء... إلى الأثير، حيث الأُفق لا حدود له... وحيث العوالم الخضراء المشرقة... أُمنيات هتفت بها روحي وتاقت لها نفسي.. سعيتُ إليها بكل جزءٍ مني... فماذا فعلتُ؟

لن أنسى أبداً، تلك الليلة الرهيبة... ياقسوة الذكرى حيث تستيقظ في النفس فتمزِّق القلب... هاتف ما هتف بي، لأستيقظ في ظلمة تلك الليلة المطيرة فأجده وهو يرتعش كورقة خريفية، يهمم بأصوات لم أفهمها الغرفة تظلم، لا بل تضيء.. تظلم.. من أين تنبع الأضواء؟ كل شيء لم يعد هادئاً، أصوات، همهمات، روائح غريبة مقيتة، أشياء تتحرك وتهيم أمام عيني، تكاد تلمسني ولا أراها، أشياء تفث روائح وأصوات كريهة.. اندفعتُ خارج الغرفة وأنا أصرخ.. أركض لا أعي شيئاً.. لا أشعر بشيء.. سوى الرغبة بالهرب.. بالصراخ.. الصراخ حتى يصل صوتي عنان السماء...

تسرَّب إلى نفسي ذلك الشعور المجهول، استقر وتنامى كشجرة شيطانية، وتمرُّ الليالي وهو كتلة رماد احترق وانتهى، وأنا خليط عجيب من كره وحقد...

وتسرَّب الذبول إلى وجهي، غاصت نفسي في أعماق سحيقة، مؤلمة، يرافقني هذيان حتى كدتُ أُصدِّق أنني بدأتُ اتحوَّل إلى الجنون، شرودي أصبح حالة لا تفارقني، وعيناي تحبس دموعها خلف ستار كثيف من الصمت والتمزِّق.

في لحظة صحوٍ من ذهولي، أحسستُ بصفاء فكري ورأيتُ الحياة القاتمة من حولي، وأيامي التي تحوَّلت إلى جحيم، وشبابي الذي ضاع في مجاهل بؤسي!

فماذا بعد؟

ما المصير الذي سيؤول إليه حالي؟

العذاب والألم اليومي انتحار بطئ قاتل؟

هل أبقى سبيّة رجل مجنون يعيش شعوذته المجنونة؟

وقررتُ أن أهرب..

أن انجو بنفسي وأيامي من ظلمة وهلوسات وشعوذة، أجل لا بُدَّ من هرب إلى ضوء الشمس إلى الهواء النقي، إلى حيث أستعيد ذاتي، ابتسامتي، وأنسى قتامة أيامي...

كنتُ وحيدة أُحارب قدري المظلم، أُحارب ما أرادوني أن أكون، سبيّة، أُحارب رعباً قاتلاً لأبدو في النهاية مخلوقة بائسة، حاقدة، حزينة، لا تفارقها كوابيسها وأحلامها المرعبة... بقايا رحلة عذاب أعيشها الآن وحدي، لقد تسرَّب احتقاري إلى أعمق أعماقي ولم يفارقني...

هكذا حدثتني عن رحلة عذابها وسرَّ أحزانها، وها أنا أراها من جديد تجلس إلى النافذة ونظراتها تسرح حائرة، وكأنَّها تبحث عن أُفق آخر... لكنَّ وجهها لم يزل منقبضاً، وقلبها مليئ بدموع حزينة...

 

د. وجدان الخشاب

العراق

 

jafar almuhajirأنتن النسغ الذي يسري في العروق..

وأنتن الشعاع الذي يكشف عتمة الطريق

 


 

سلاما نخيلات العراق الشامخات / جعفر المهاجر

 

ألى أمي الغالية التي صهرتها قسوة الحياة ..

ألى كل أم وأخت عراقية ذاقت مواجع المعاناة..

ألى أمهات الصبر المهجرات ظلما وعدوانا..

 

يامن انتشر أريج عطرك ..

في كل ذرة من تراب الوطن..

يامن صارعت بصبرك الأسطوري..

كل الليالي الظلماء الطويلة ..

يامن أطفأت دموعك المقدسة ..

كل الحرائق التي أشعلها الطغاة .

يا أم وأخت الشهداء..

الذين كرمهم الله في ذرى المجد..

رغم المحن والعواصف الهوجاء..

لم يتساقط زهرك عن غصنك الطري ..

أيتها الشامخة أبدا ..

في سهول العراق الشاسعة..

وفي أهواره المفعمة برائحة البردي ..

والآس والجوري والقرنفل..

وفي صحاريه المترامية عبر الزمن..

وفي ذرى كردستان السامقة..

يا أم المآثر والتضحيات الكبرى ..

التي تحدت الفناء..

ياسليلات الزهراء البتول..

وسمية أم عمار..

ومريم العذراء..

وخولة والخنساء..

يا ندى الربيع الزاهي ..

وإكليل الورد في فجر بلادي..

وعنفوان بهاء العالم ..

وإشعاعات شمسه..

وخضرة عشبه.

وصفاء مطره.

وعطاء بحاره ومحيطاته.

الحاملات وقرا..

المفعمات مهابة وقدرا..

أيتها الضفاف المجبولة..

بشذى الزعفران والحناء..

والهيل والياسمين والنرجس..

وأريج أشجارالسنديان الشامخة.

الثابتة في أعماق الأرض..

أيتها النخيلات الباسقات ..

التي لاتركع للريح العاتية السوداء..

وبرابرة العصر اللقطاء ..

أنتن شريان الحياة..

ونبضه الأزلي..

وصومعة العطاء المقدسة ..

أنتن منهل الحب النقي..

الذي يطفئ ظمأ الجراح..

في مواسم الأحزان..

وأيام القتل الرهيبة المريرة ..

سنبقى نستمد العزم..

من وهج أعينكن الطاهرة المتوهجة ..

المفعمة بالأمل..

من طيبتكن يولد الغبش.

الزاخر بأطيب الأزهار..

مهما جنت دمى الظلام..

ونصبت من نفوسها المريضة الحاقدة..

دمى مستبدة..

للحد من عطائكن الخلاق..

وتحويلكن إلى قطعة أثاث عمياء صماء..

راقدات في دهاليز الظلمة دون حراك..

وأزهار ذابلة تدوسها الأقدام الهمجية ..

ألا تبا لأفاعي الظلام..

ومجدا لقلوبكن النابضة بالحب..

التي تسع الكون ..

يانخيلات العراق الباسقات..

أنتن خمائل الوطن ..

التي تهفو إليها الفراشات الملونة..

لتنهل من رحيقكن العطر ..

الذي هو من رحيق الجنة..

أنتن فجر الوطن الندي ..

ولولاه لما شدا طير..

ولما تفتحت زهرة..

ولما تفجر نبع..

أمي الغالية..

البعد عنك شتتني وأدمى قلبي..

الشوق يعصف بي إلى وجهك المتألق..

ويجعلني أعيش في غربة قاتلة ..

صباحاتي داجية هنا ياأمي..

أنا ظامئ إلى دفء قلبك الحاني..

وصفاء روحك النقية..

وحلاوة صوتك العذب..

ونقاء جمالك المتفرد..

وقدسية بركاتك النورانية..

وانهمار عطرك الفواح..

الخالي من كل أدران العصر..

كيف أخفي جراح قلبي؟

وكيف أحبس الدموع في عيني؟

وأنت بعيدة عني؟

شقي أنا والدمع ليس بمسعف..

وهل كان لي غير الحبيب مواسيا؟

سلاما أيتها الأم الحبيبة الطاهرة..

سلاما أيتها الأخت النقية الرائعة..

سلاما ياشريكة الحياة البهية..

سلاما أيتها الأبنة الغالية..

سلاما يانخيلات العراق الشامخات..

أنتن النسغ الذي يسري في العروق..

وأنتن الشعاع الذي يكشف عتمة الطريق..

الدنيا تنحني أجلالا..

لشموخكن وصبركن الأسطوري..

الذي لايدانيه شموخ ..

ولا يطاوله صبر..

أيتها الأم البهية..

والمدرسة الأخلاقية الكبرى..

مباركة أنت أينما رقد جسدك الطاهر ..

والجنة تحت أقدامك..

ورحمة السماء تضمك..

روحي ترفرف على قبرك في كل لحظة ..

يا أمي الحبيبة الجليلة..

 

السويد

26/2/2015