ملف: مصداقية المرأة في العمل السياسي

المرأة والتغيير الاجتماعي .. ملاحظات أولية

تعيش الأمة الإسلامية اليوم مرحلة حاسمة في تاريخها، حيث صحوة بعد جمود، واجتهاد بعد تقليد، وعودة إلى الدين بعد هجره. ويسعى مختلف العاملين في الحقل الإسلامي إلى تجديد الدين، كل حسب رؤيته، وتغيير الواقع الموروث عن عصور الانحطاط والجمود والتقليد بواقع يكون فيه الإسلام هاديا ومرشدا وحاكما في قضايا المسلمين المختلفة بعدما غزت المادية والدوابية عقل المسلم وفكره وحركته... لكن هذا التغيير لن يتم إلا بتضافر جهود الأمة كلها، كبيرها وصغيرها، عالمها وعاملها، نسائها ورجالها. وقد لا أبالغ إن قلت إن مسؤولية المرأة في هذا الأمر أكبر وأعظم وأخطر. بل بكلمة واحدة: إن المرأة ركن أساس للتغيير الاجتماعي.

في هذه المقالة سأتحدث عن وظيفة المرأة العظمى في التغيير الاجتماعي عبر ملاحظات أضمنها انشغالات الفكر الإسلامي المعاصر، نظريا وعمليا، والتي تشكل أهم المنطلقات في التغيير.

 

الملاحظة الأولى

انشغل الفكر الإسلامي بالدفاع عن قضية المرأة وبيان حقوقها ومكانتها في الإسلام عن بناء شخصيتها واستيعاب وظيفتها واستشراف مستقبلها الذي ينتظرها و"القدرة على استلهام قيم الوحي واستيعاب الواقع لتوليد الفقه المناسب لحركتها وممارستها الشرعية"، إذ هناك قصور مهول لدى الحركة الإسلامية في فهم وظيفة المرأة ومدى إسهامها في إعداد القوة الإسلامية.

وإذا كان الفكر الإسلامي المعاصر، في وقت سابق، قد انهمك في مناقشة قضايا فرضها الضغط العلماني كمكانة المرأة وقضية الحجاب... فإن الوقت لا يسمح بإعادة النقاش نفسه، وإنما يدعو إلى تقدم في البحث عن كيفية بناء شخصية المرأة المسلمة الفاعلة في التغيير والإجابة عن أسئلة "كيف" وتجاوز أسئلة "لماذا" التي ربما أجيب عنها بقدر كاف.

هذا، وإننا لنتوق اليوم أن تجيب عن هذه الأسئلة المرأة نفسها، لا الرجل، حتى لا يتكرر الانحطاط نفسه فتتقلص وظيفة المرأة بفعل رؤية أو نزعة رجل. والذي تحدثنا عنه بيبليوغرافيا الدراسات عن المرأة أن النصيب الأوفر منها كان من كتابة الرجل.

 

الملاحظة الثانية

إن انحطاط المرأة في عصرنا مرتبط بانحطاط الأمة، وانحباس مجال حركتها مرتبط بانحباس الفقه... ساد فقه سد الذرائع فانكمشت المرأة وانحبس مجال حركتها خوفا من الفتنة والفساد، وغاب فقه المقاصد. وساد لدى بعضهم أن تعليم المرأة يفسد أخلاقها ويفتح عليها أبواب الشيطان، فلا يجوز للمرأة أن تتعلم حتى لا تراسل العشاق.

ونجد أنموذجا لهذا الفقه المنحبس عند القاضي أبي بكر بن العربي الذي يقول: "ولقد دخلت نيفا على قرية من برية فما رأيت أصون عيالا ولا أعف نساء من نساء نابلس التي رُمي فيها الخليل عليه السلام في النار، فإني أقمت فيها أشهرا، فما رأيت امرأة في طريق، نهارا، إلا يوم الجمعة، فإنهن يخرجن عليها حتى يمتلئ المسجد بهن، فإذا قضيت الصلاة وأقبلن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى، وسائر القرى تُرى نساؤها متبرجات بزينة وعطلة، منصرفات في كل فتن وعضلة. وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه".

يعلق الأستاذ عبد السلام ياسين على هذا الكلام قائلا: "إن الواقع السائب لا يرى له الفقيه المشاهد علاجا إلا إغلاق الأبواب من الجمعة إلى الجمعة... واقع القرى المتبرجة أفزع الفقيه فلم يجد في الإمكان صلاحا للمرأة إلا في سَجن المرأة، ولا ضمانا لعفتها إلا بتغييبها عن الأنظار، وهكذا لا حاجة لغض البصر ولا مدخل بين الرجال والنساء لرسل الشيطان" .

 

الملاحظة الثالثة

في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي بدأ فكر منحل يغزو العالم الإسلامي، فكر ولد في الغرب وصادم الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها. تبنى العقل الوضعي الذي حددت وظيفته فيما هو حسي. ومن يتبنى العقل الوضعي لا يفرق بين ما هو ثابت من الدين وما هو متغير، بل هل يعتبر الدين ؟ وهو العقل الذي يعتمد المسلمة الدوابية الداروينية القائلة إن الإنسان ليس سوى حيوان متطور خلق من عدم؟

انبهر المسلمون بهذا الفكر وافتتنوا به، خصوصا أولئك الذين ذهبوا في بعثات علمية إلى أوربا وعادوا ممتلئين إعجابا وفخرا بالغرب. ويحضرني هنا مثال رفاعة رافع الطهطاوي الذي أعجب بمراقصة الرجال للنساء وقال عن الرقص في مصر: "إنه من خصوصيات النساء لأنه تهييج للشهوات، وأما في باريس فإنه نط مخصوص لا تشم منه رائحة العهر أبدا" .

ونلمس تبني العرب والمسلمين للفكر الغربي المنحل بوضوح في تلقف بعض توصيات المؤتمرات الدولية بدءا من مؤتمر المكسيك (1975) إلى مؤتمر كوبنهاغن (1980) مرورا ببنيروبي (1985) إلى بكين (1995)... التي كانت تبرز جانبا من مشاكل المرأة الغربية وظروفها. تلك المؤتمرات التي كشفت عن بعض مظاهر الانحطاط في مجتمعات الغرب. ومن هنا، لم يكن غريبا أن يخرج مؤتمر بكين بدعوة ملحة لتقنين الإباحية والإجهاض والشذوذ، ولا غريبا أن يقر المؤتمر الأنماط "الجديدة" الغريبة للأسرة، والتي تعني أن الأسرة لا تتكون من رجل وامرأة فقط، بل يمكن أن تتكون من رجل ورجل ومن امرأة وامرأة.

وحسب تقرير نشر بجريدة لوموند الفرنسية منذ أكثر من ست سنوات فإن 53 بالمائة من النساء في فرنسا يضعن أول مولود لهن خارج مؤسسة الزواج، و40 بالمائة من مجموع الولادات المسجلة هي ولادات خارج الزواج، فكيف يكون مآل الأسرة في مجتمع كهذا ؟

لكن الغريب أن نرى في مجتمعنا من يتكلم عن المرأة وعن الدفاع عنها ويريدها عنصرا أساسيا في التنمية والتغيير وهو لا ينفك عن ترديد توصيات وقرارات المؤتمرات السابقة، ويضع الغرب نموذجا يحتذى به...

 

الملاحظة الرابعة

إن منهاج التغيير كما نتصوره يقوم على الآتي: الأسرة القوية قوامها الأم المربية المصلحة، إذ لا يمكن أن ننشد تغييرا من دونها. وإذا ما عدنا إلى مفهوم التغيير في القرآن الكريم سنجده يقوم على أساس تغيير ما بالنفس أولا، يقول الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (سورة الرعد: 11). ولعل من الإجحاف أن نقصر (ما بقوم= على الرجال فقط. فهذا تعسف في التفسير وتحريف لكلام الله عز وجل.

وتغيير ما بالنفس يقوم على أساسين، تربوي وتعليمي:

1 - أساس تربوي إيماني:

يجسده حديث جبريل عليه السلام الذي يروي الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلا: " بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه،ووضع كفيه على فخذيه، وقال : يا محمد، أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فقال: صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان.قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. قال : فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال أن تلد الأمة ربتها، وأن تلد الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق، فلبث مليا ثم قال لي يا عمر، أتدري من السائل ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" .

هذا الحديث هو أول العلم، يبين لنا أن الدين ثلاثة مدارج: إسلام، إيمان، إحسان. وتغيير ما بالنفس يبدأ ضرورة بتصحيح معنى الدين وتخليصه من الشوائب.

ولا يفوتنا أن ننبه هنا إلى إن سلوك طر يق الإيمان والإحسان ليس محصورا في الرجال فقط بل المرأة مدعوة إليه أيضا، ولنا في السيدة مريم (عليها السلام) خير مثال، يقول الله تعالى: ((وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)) آل عمران (42 – 43).

 

2 - أساس تعليمي:

إن خطاب الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) لم يكن خاصا به، وإنما كان موجها إلى سائر أمته بدون استثناء أو فصل بين رجل وامرأة، كما لم يكن عبثا منه تعالى أن يجعل هذا الخطاب أول كلامه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

هذا الأمر بالقراءة والتعلم، غاية الدلالة على الله عز وجل وشرعه العظيم، فتحقيقا لهذه الغاية كان لابد للمرأة من تخصيص جزء من يومها لتحصيل العلم الذي يعينها على أداء وظيفتها الاستخلافية والتغييرية، وكانت النساء يحضرن مجالس المسلمين وتجمعاتهم لهذا الغرض.

فهذه أم هشام بنت حارثة بن النعمان تقول: "والله ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب في الناس" .

وعن أبي سعيد الخدري قال: "قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار، فقالت امرأة: واثنين ؟ قال: واثنين" .

ولعل آفة المسلمين في التعليم اليوم أكبر من أية آفة أخرى، بل قد تكون مصدر الآفات، ومن أولويات مجالات التعلم بالنسبة للمرأة، كيفية إقامة الفرائض والعبادات وتتبع فنون التربية الصالحة، فضلا عن تعلم القرآن الكريم والأحاديث الشريفة والمفاهيم الإسلامية الشاملة.

فهذه المجالات تطرق باب المرأة بإلحاح شديد، ولا تستقيم أمة، بل أسرة من دونها... فالعلم بالله وبغيبه، يضاف إليه علم عن كون الله، هو سبيل الخروج من قوقعة الاستخفاف.

إلا أن العلم والتعليم الذي نتكلم عنه لا يعني التخصص الدقيق والتعمق –وهو أمر عظيم إن توفر- كما لا يعني جمع المعلومات والأفكار والقصص، وإنما نقصد ذلك القدر الضروري منه الذي يثمر عملا لا جدلا.

إن العلم الذي تحصله المرأة، تستفيد منه هي في سيرها إلى الله عز وجل وكسب رضائه، وفي توجيه أولادها التوجيه الإسلامي الرشيد وهذا هو الشق الثاني في منهاج التغيير، بعد تغيير النفس .

 

الملاحظة الخامسة

دخلت المرأة مقاصد الشريعة الإسلامية من بابها الواسع، فهي التي تحفظ الفطرة التي يولد عليها الإنسان "فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه... " وهي التي تحفظ زوجها، إن غاب، في نفسها وماله، كما جاء في الحديث الشريف. وهذه الثلاثة مقاصد ضرورية للشرع.

مهمة المرأة الأولى هي حفظ الفطرة من كل ما قد تتعرض له من تشويه أو انحراف. وما الفطرة إلا الإسلام في نقائه وصفائه... ومن الفطرة أيضا حفظ العقل الذي به يميز الإنسان. وما أكثر ما يغير الفطرة ويشوهها وينحرف بها عن الجادة. فالشارع لا تكاد تجد فيه إلا ما يغيرها أو يجدعها، بل حتى المدرسة وهي محضن تربوي تعليمي لا تتورع عن تشويه هذه الفطرة ودس ما يصادمها، ناهيك عن مظاهر الإباحية في وسائل الإعلام المختلفة ودعوات التحلل من الدين. وهذا ما يضاعف من واجبات المرأة ومهامها.

تنمي المرأة هذا الحفظ بغرس محبة الله ورسوله الكريم وصحابته الكرام والرجال الصالحين المجاهدين من هذه الأمة، والمؤمنين عامة في نفوس الأبناء، كما ينمى بالتربية على الصدق و الفضائل النبيلة السامية وأكل الحلال مع التوكل على الله عزوجل في كل وقت وحين فرضا ونفلا.

 

الملاحظة السادسة

تربية الأجيال مهمة جليلة وخطيرة، بعد أن تغير المرأة ما بنفسها، لأمرين:

الأول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جوابا على من سأله: "من أحق الناس بحسن صحبتي ؟" قال: "أمك"، قيل: "ثم من ؟" قال: "أمك"، قيل: "ثم من ؟" قال: "أمك"، قيل: "ثم من ؟" قال: "أبوك".

هذا الحديث يبن المهمة الخطيرة والعظيمة للمرأة، فلم يكن حق الصحبة من نصيب الرجل، فإذا تعاملنا مع الحديث بمنطق رياضي فإن صحبة الولد لأبيه ليست إلا ربع صحبته لوالديه. وهنا يمكن القول: إن مهمة تربية الرجال، رواد التغيير، هي في مجملها مهمة المرأة.

الثاني: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. فالولد الصالح من فعل الإنسان، وعلى وجه التحديد هو من صنع الرجل. فإعداد الولد الصالح أو البنت الصالحة زاد للمرأة المسلمة يوم ينقطع عملها تنتفع بصلاحه كونه عنصرا فاعلا في التغيير.

وكم تكون المرأة ناجحة في التغيير إن هي استطاعت التغلب في محيطها على الغثائية وبعثت في النفوس العزة والهمة؛ تلك الغثائية التي قال عنها رسول الله عليه ووسلم: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها قيل يا رسول الله أمن قلة بنا؟ قال لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل تنزع المهابة من قلوب عدوكم منكم ويوضع في قلوبكم الوهن قالوا يا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت" .

للاطلاع

ملف: مصداقية المرأة في العمل السياسي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2742 المصادف: 2014-03-09 02:46:01