ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

الديمقراطية أن نعمل سويةً!!

الإختلاف الديمقراطي

الإختلاف طاقة إيجابية، وقوة حضارية، بحاجة لمهارات إستثمارية، وآليات تفاعلية، تستولدها قدرات الصيروة الأقوى.

فلا يمكن للوجود أن يبقى من دون إرادة الإختلاف.

ولا يمكن للحياة أن تتجدد من غير تفاعلات الإختلاف.

والحضارة الإنسانية تعبير خلاق عن عناصر الإختلاف، وقافلة التوافق والصعود الحضاري تسير على سكة الإختلاف.

والجاهلون وحدهم هم الذين ينكرون الإختلاف.

والمغفلون يعادون الإختلاف.

والذين تدب فيهم طاقة الإنقراض والفناء، يقاتلون الإختلاف.

فأنت معي !ذا اختلفتَ معي!!

فالدنيا تكره المعمعي، ولا تسانده، لأنه يتجرد من طاقته ورسالته، ويتحول إلى رقم على يسار ثابت الوجود والحياة.

ومن الواضح أن الإختلاف قوة جذب خلاقة تستقطب العناصر الفوارة المتوهجة الساعية لصناعة المستجدات وبناء عمارة التنوع الزاهية.

فلولا الإختلاف لما تجددت مسيرة الحياة، ولا تحملت قافلتها بالمخترعات والإبداعات والثورات المعرفية والعلمية والمبتكرات.

والإختلاف درجات ومهارات وصياغات بحاجة لعقول نابهة وإرادات راجحة وقيادات صالحة.

وفي حقيقته وجوهره، قدرة فائقة تؤسس لولادة النوابغ والقادة العظماء والملهمين الخالدين، فكل قائد لامع إستطاع أن يستثمر في عناصر الإختلاف، ويصنع منها مزيجا متجانسا متماسكا مقتدرا ومتواصل التفاعلات والمعطيات الإيجابية السامية المؤيدة لإرادة القوة والحياة، والساعية إلى البقاء والتواصل الفياض في ربوع الكون الفسيح.

فهل سنؤمن بضرورة الإختلاف لبقاء المجتمعات ولتوافق العقائد والأديان مع زمنها ومكانها المتجدد.

فلولا الإختلاف، لما بقيت الأديان والأفكار والمعتقدات.

فهل من متبصر وهل من حكيم، وقائدٍ واعٍ عليم؟!!

 

الهوية الوطنية والديمقراطية

الوطنية في قاموسنا السياسي والإجتماعي والثقافي ربما غير واضحة المعالم والدلالات، وإنما هي حالة هلامية مشوشة ومتغيرة وفقا لمقتضيات القوة الفاعلة في البلاد.

فلأكثر من نصف قرن لم تكن عندنا ثقافة وطنية وتعريف بالوطن، لسيادة ثقافة الكرسي والحزب والفرد والصراع والحرب، وكانت ولازالت أبواق القوة والسلطة تلعلع بمفردات سلبية وأفكار لا وطنية.

وقد درجت الأجيال على أن تكون القوة الحاكمة ، فردا أو حزبا، فئة أو غيرها هي التي تحدد معايير ومعاني الوطن والوطنية.

فلم يكن هناك دستور أو عقد إجتماعي راسخ يعرّفهما بدقة ووضوح ويحميهما بمواد دستورية قانونية، كما أن الثقافة الدستورية والقانونية غائبة تماما عن المجتمع أو مجهولة.

ولهذا فأن الوطنية يحددها الحاكم الفرد أو الحزب وتكون مرهونة بالكرسي، ومقياسها وفقا لما تقرره الكراسي الفاعلة في الحياة .

فتراها مرة تعني فردا وأخرى حزبا أو فئة وهكذا.

وحتى الوطن لا يوجد تعريف واضح له، ولا ثقافة مرتبطة بالتعريف.

 

وخلاصة جميع الأنظمة السياسية وبلا إستثناء، أنها تدين بسياسات "فرق تسد"، ولا يمكن تبرئة أي حزب أو حاكم أو كرسي من هذا السلوك الفتاك.

فجميع الأنظمة سعت إلى التفريق والتمزيق لكي تحكم ، ولازلنا في ذات الدوامة الدائمة المفرغة،

ووفقا لذلك، فأن ما أوجدته الأنظمة السياسية المتعاقية لا يخدم الوطن ولا يعبر عن الوطنية بمعانيها القائمة في الدول المعاصرة.

ولا يمكن مقارنة وطنية الصيني والياباني والتركي والإيراني أو الأمريكي والأوربي بوطنيتنا، لأن الثقافة السائدة لا وطنية ، بمعنى تحجيم الوطن وتدميره وتفتيته والتخلي عن دوره وقيمته، والإمعان في الصغائر والمنحدرات والتشعبات وآليات التشظي والبغضاء، وفي هذا تتحقق المطامع والمصالح والأهداف البعيدة المدى.

فالوطنية عندنا لا تتخذ مفهوما معاصرا، أو معنى حضاري بنّاء، وتختلف عن أي تعريف موجود في الأرض لآنها مفقودة.

ومن أخطر التطورات في هذه الثقافة أنها قضت على الفهم والشعور الوطني ، وأزهقت روح الوطنية، وحولت الوطن إلى وجود خيالي لا يتصل بالواقع ، ودعمت ذلك السلوك بالوقائع والأحداث العاطفية ذات الإنفعالية العالية .

وصار واضحا كيف أن الأحداث والتطورات قد رسخت الحالة، ودمرت أسس ومعاني الوطن والوطنية، حتى صار الناس لا يتحدثون إلا بأساليب وتصورات وتفاعلات بعيدة عن الواقع المعاش.

فيقولون حكومة وطنية لكن المقصود غير واضح، وحكم وطني وحزب وطني، لكنها مسميات بلا معنى، لأن الأفعال تخذلها والدلالات تدحضها.

وفي الزمن الديمقراطي، إزدادت الصورة عتمة وضبابية، وصارت الإنتماءات إلى مسميات أخرى، يكون الوطن دونها بكثير.

فهل سمعتم بصيرورة حضارية من غير وطن؟!!

 

الإخلاص الديمقراطي

الديمقراطية تكشف معدن الشعوب، وتضع المجتمعات عارية تحت الشمس.

والإستبداد والطغيان يوفران الأعذار والأسباب والمسوغات لإخفاء وكبت وضغط وإزاحة جوهر الشعوب والمجتمعات، وإظهارها وفقا لرؤية إرادة القوة المتحكمة في الحياة.

وعندما تنتقل المجتمعات من حالة الطغيان إلى الحرية، فأنها تواجه نفسها ومصيرها لوحدها، وتصبح على المحك، ولهذا تظهر حقيقتها ويبدو جوهرها وما فيها.

والإخلاص الوطني عنصر أساسي وعمود فقري للديمقراطية، فإذا غاب أو ضعف، أصابته الأمراض، فلا يمكن الحديث عن الحياة الديمقراطية.

وفي خضم محاولات السعي نحو الديمقراطية، إنكشفت حقائق صعبة أمامنا، وفي مقدمتها الإخلاص الوطني، الذي بدى وكأنه غير موجود، أو ممحوق من الضمير والوجدان، ولا يمكن التعبير عنه بالسلوك لإنعدام مفرداته، وإنتفاء طاقاته وقدراته المحركة لآليات الحياة.

ولذلك وجدنا مجتمعاتنا قد تشظت وتخندقت، وتورطت في تفاعلات مدمرة للوطن المفقود فيها والغائب تماما عن وعيها.

فالطائفية سلوك لا وطني، والمذهبية والفئوية، والتحزبية، وغيرها من التوصيفات التصغيرية والتفريقية والتدميرية، التي صارت القوة الفاعلة على أرض وطن مطعون بحرابها أو صراعاتها وصولاتها على بعضها.

حتى صارت الدمارات اليومية عادة وسلوك روتيني لا يثير ردة فعل حازمة، أو غيرة على البلاد وأرواح العباد، وإنما يكون الرد عليه بدم بارد ولا مبالاة وبسلوك مكرر، وبآليات إسقاط وتبرير معروفة ومملة.

وعلة كل ما يحصل، أن الإخلاص الوطني مريض او ضعيف، وأن المجتمع قد أثبت بأنه ليس مخلصا لوطنه بالدرجة اللازمة لبنائه وتحقيق مناهج الحياة الحرة المعاصرة، وإنما السعي جاد وحثيث بإتجاه تمزيقه وأقلمته، وتفكيك كيانه الحضاري والجغرافي والثقافي والديني والإنساني.

وهذا يعني أن المجتمع ينفي وجود الوطن، ويحسبه حالة لا وجود لها، وأن عليه أن يتوطن في كينونات صغيرة ضعيفة توفر له الشعور الوهمي بالأمان.

وهذا سلوك إنقراضي، إفنائي أكيد، سيأتي أُكُله بتوالي العقود، وعندها سيبكي الجميع على قبر الوطن المفقود!!

 

د-صادق السامرائي

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2763 المصادف: 2014-03-30 05:15:31