ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

المثقف وإمكانية التغيير

khadom almosawiما هي امكانية المثقف على التغيير في التحولات العراقية؟ وما هو المطلوب منه في هذه المرحلة، مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال؟ ماذا قدم المثقف وكيف تعامل فيها؟. هل هناك مثقف عضوي؟ من وكيف يحدد اداءه؟. وما هي اهميته في الواقع اليوم؟

اسئلة كثيرة يمكن اطلاقها، والأجوبة عليها تختصر في/ حسب زمانها ومكانها. اكثر من عقد من الزمان مر والمثقفون او اغلبية منهم في العراق مازالوا محاصرين بين ضفتي الداخل والخارج، بين السياسي والإداري، بين الهامش وخارج الهامش، بين الموظف والمتفرج، بين المصالح والمبادئ. لم يستطع في الاغلب الاعم ان ينتج المثقف دوره ويبين موقعه ويرسم او يؤشر لأهميته في الساحة الثقافية والمشهد السياسي العام في العراق.

بعيدا عن الخوض في التعاريف وحصر الموضوع في عقد من الزمان، من الاحتلال الاجنبي، من الخراب والدمار وما سبقه في كل المفاصل والجهات وما اورثه منها فيما تلاه من عصف وتشوه وخلط اوراق يمكن القول ان الثقافة والمثقف في ازمة وربما في وضع لا يحسد عليه..

التفاتة سريعة لا تفي الغرض ولا تجيب بإقناع ولكن حيز المقال يشفع للقول بما يعوض عن التفاصيل. ان ما بعد الغزو والاحتلال افرز بقسوته ادوارا للمثقف المعني بهذا التعريف. وشريحة المثقف التي اطرها حكم الدكتاتور الفرد والحزب الواحد واللون القائد بكل ما تعنيه المفردات لم تخرج مثقفا عضويا يعول عليه لما بعد ذلك العهد ولمواجهة عهد امتداد الدكتاتورية بملابس اخرى وعينات ملتبسة شكلا ومضمونا. فنقل القلم من جيب الى اخر عمق في المأساة التي عاشها مثقف العراق بعد الاحتلال. وطبيعته المعروفة بالغلو، تشي بتقمصه دور "الملكي اكثر من الملك نفسه" ولا تؤشر الى عميق وعي بحصيلة الموقف والدور والمسؤولية. خصوصا بعد ان خط حذاء المارينز والسفير/ المندوب السامي الامريكي اشارة عهده الجديد ورسم الملامح التي ادخلت القلم في حفلة انكار فوهة البندقية ومسدس الاغتيال وظلال الاباتشي وجدران العزل. اما المثقف القادم معها فاكتفى في ترجمة البريد الالكتروني لموظفي البنتاغون في المنطقة الخضراء او الاشراف على مؤسسات الثقافة المجردة من عناصرها. وقام اخر باستمرار دوره فيما عهد اليه من مهام في التفتيت والتقسيم وتكريس مفاهيم الاحتلال في حذف هوية الشعب والبلاد والعزف على مكونات مطلوب منه ان تكون بشكل طائفي او عرقي. وانتقل بعضه سريعا من خنادق المعارضة الى فنادق السلطة او قصورها والتفرغ الى مهرجانات التلفيق والإرضاء للمسؤول الجديد والحاكم المتنفذ، او القفز من الحداثة الى التطييف والتخادم مع مستجدات مرفوضة ووقائع مستنكرة. متناسيا مكانته الفعلية وقاعدته الشعبية. انتقل المثقف في هذه المرحلة او اكثريته من سلطة الثقافة الى ثقافة السلطة، كما كان قبل الاحتلال وكما اصبح باختيار او بإذلال. وتسلم مواقعه المحروم منها، مديرا او نقيبا او عميدا او مستشارا او مهرجا...، راضيا ومتنكرا لمهمته ودوره وفاعليته.

تحول صراع الثقافة بين متضرر من تغير الاحوال ومنتفع منها وغاب الوضوح والوعي النقدي واختبار العقل وانتشر الحفاظ على البقاء بأي شكل ودون أي اعتبار للوظيفة الثقافية وللموقف الوطني ولحمل صليب الكلمة والرأي الشجاع. وصار المثقف حائرا بين المكان والزمان، بين تحمل بغض محيطه وخداع صورته، متقلبا بين لوني الزيتوني والمرقط، او بين اغراء الثروة واقتناص الفرصة واغتنام المكاسب على حساب الثقافة ومهماتها ومتطلباتها. فمنهم من تجاذب مع صيغة الاحتلال والاختلال مع تماه مبطن او تعال معلن على رافضي الاحتلال ومقاومي وجوده العلني وامتداده الاخطبوطي. في وقت اعلن الاحتلال نفسه شرعا ضد خيارات الشعب وإرادته الوطنية، رافعا شعارات مخادعة. انعكست مباشرة في صف المثقف مثل غيره وتفاعلت مع الحدث كغيرها من الافعال. وفي العموم غاب المثقف المبدع وراج المثقف الموظف. ابتعد المثقف الشعبي وصعد المثقف الطائفي او الاثني او المتخادم من بينهما مع ثقافة السلطة المتحكمة بقوة السلاح الاجنبي.

عقد من الزمان ليس عمرا طويلا ولكن حصيلته كبيرة. كشفت كثيرا من المساحات وغيبت ما بينها من رمادية منكرة. هي سنوات عجاف في المحصلة ولكنها غامرة بما يتطلب من مثقف اليوم ان يعطي ويقدم ويقسم من جديد قسم البناء لوطن جديد فعلا بعد كل ما حصل ومر. مثقف من الخارج وصف يوما اقرانه بمثقفي المكاتب الجديدة التي نصبها المحتل، مستذكرا تسمية عراقية مترجمة من التركية للكتبة في ادارات بداية القرن الماضي في العراق. ومثقف من الداخل وزع زميله في الخارج، بين قادم على دبابة القوة المحتلة او متفرج بطران. وكلاهما لهما من الاسباب ما يكفي وما يدفع الى الصمت اعتبارا او الغضب ردا. وبين هذه الاصناف وتلك ضاع مؤشر الثقافة وحاملها في عقد من الزمن. الحصيلة المتبناة ان كل ما جرى ويجري دفاع بأي شكل عن حق الحياة واغتنام فرصته بما ينفع يومه ويقضي نهاره ويتنكر لشهادته وثوابت الثقافة الوطنية.

دور المثقف في هذه المرحلة خطير وحساس وأشبه بالواقف على حبل وسط جبلين. او هو حامل الجمر بيديه، من اجل ايقاد شعلة النور التي يحملها في ظلام الواقع وأركانه وظروفه ومسبباته. والتي تعرفه وتميزه وتفتح افاق الدور والمكانة والموقف منها.

واكتفي بذكر هذه السمات دون تفاصيل في وقائع كثيرة وخطيرة تفضح الادوار المعاكسة وتكشف احوال من رفعوا الاسم تباهيا وتظاهروا كذبا او مثلوا الدور دون عقبى ضمير.

الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الانسان.. مفاهيم الثقافة الحديثة ومصطلحات الصراع الثقافي والسياسي قبل وبعد الغزو والاحتلال.. كانت شعارا ووظيفة معارضة وصارت اشارة وتعبيرا عن صفة المثقف الذي تبناها حداثة ولغة للتغيير والتجديد والتحولات. هي المحك الان في زمن العقد الثاني بعد الاحتلال وهي معيار المثقف المبدع النقدي الذي يريد رد الاعتبار للثقافة وجدوى الموقف وفاعلية الرأي وحجة العقل.

المثقف وإمكانية التغيير، ليس سؤالا وحسب وإنما مسار عمل وخط واضح بالدرس والعبرة. وكشف وظيفة المثقف الرئيسية ودوره في المجتمع، لاسيما في تأصيل الوعي وتطوير القدرات وتجديد الامكانات واثبات قدرة على المواجهة والمكاشفة والنقد البناء. بلا شك ان المهمة غالبة ومطلوبة والأساس فيها الوعي والضمير ويبقى الدليل في الممارسة والتطبيق وفي الثمار الجنية في اخضرار الحياة.

 

كاظم الموسوي

لندن 24/3/2014

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير
مقالة رائعة , تكشف زيف احزاب السلطة , التي تشجع وتدعم المثقف الموظف , وتبعد المثقف الشعبي , وتحاصر المثقف ذو التوجهات الوطنية , وتقرب وتعلو شأن المثقف الطائفي والانتهازي

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2763 المصادف: 2014-03-30 10:01:12