ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

أي تأثير للمثقف في الإنتخابات السياسية؟

hamoda ismaeliفي المجتمع الليبيرالي أو نيوليبيرالي الذي نعيش فيه، حيث الغلبة لنظام السوق: أي سلطة الشركات العملاقة على القرارات السياسية. لم يعد للمثقف من دور إلا بالتصدي "ليس بنقد نظام السوق السياسي" بل بنقد أفكاره ومعايتنها مبدئيا، فكما يقول الكاتب الأمريكي روبرت واترمان ماكشنسي فإنه و"من خلال مجموعة متنوعة من الآليات المؤسساتية يجري إرسال إشارات إلى المثقفين والمتبحرين في العلم والصحفيين تحملهم على رؤية الوضع السائد على أنه أفضل العوالم الممكنة، وتبعدهم عن تحدي أولئك المستفيدين من الوضع القائم"(1). لذلك فإنه يدعو جميع "الذين يعلنون التزامهم بالديموقراطية كي يلقوا نظرة طويلة فاحصة على أنفسهم في المرآة، ويسألوا أنفسهم لصالح من ومن أجل أي قيم يعملون"(2). طالما أن "وسائل الإعلام التابعة للشركات الكبرى وصناعة العلاقات العامة والأيديولوجيون من الأكاديميين والثقافة الرسمية كلها تلعب دورا مركزيا في توفير ـ الوهم الضروري ـ لجعل الوضع الذي لا يطاق يبدو منطقيا وكريما وضروريا"(3). مؤكِّداً إلى أن الأمر قد يحدث دون وعي هذه الأقطاب، وليس عن طريق مؤامرة محبوكة كما يحب أن يفسر البعض.

من هنا ينكشف الدور الكبير الذي يلعبه المثقف (والمبدع بصفة عامة) بتطبيق النقد الذاتي على فكره وإسقاطه (المنهج) على المؤسسات التشريعية لتمحيص الدساتير والقوانين والمشاريع السياسية للأحزاب، وتحفيز الأفراد على القيام بنفس الدور: فالسلطة شراكة وليست وظيفة محتكرة من قبل ممثلين سياسييين أو قلة (من رجال أعمال). ومنه يجب كما بتعبير الصحافي البريطاني بول كوخرن: على "الفنانين والكتاب والمعلمين والمثقفين من عامة الشعب واجب الوقوف وقول الحقيقة في الشرق الأوسط، كما في أي مكان آخر على هذا الكوكب. وكما كتب "زن" بحق عن واجب الناس في التعبير والمشاركة في اتخاد القرار سواء كان ضد الحرب، أو في صنع السياسة بشكل عام : "شأن من إذن؟ المؤرخ يقول إنه ليس من شأني، والمحامي يقول إنه ليس من شأني، والمبدع يقول ليس إنه ليس من شأني، إذا شأن من هذا الأمر؟! وهل يعني هذا أنكم ستتركون أمر حسم أهم القضايا في العالم إلى أولئك الذين يتولون حكم هذا البلد ؟"(4). والمثقف يعتبر هنا المحرك والدينامو الذي يشجع الآخرين على المشاركة السياسية وصنع القرار ومراقبة حكوماتهم : لأنه وكما يقول عنه المؤرخ والناشط السياسي هوارد زن يسمو بحقل اشتغاله ليصبح "بمثابة حكمة عامة للناس ويتجاوز المؤسسات المسيطرة ويخاتل ويذهب إلى الماوراء ليخالف ويفر من ما تفرضه السلطات أو ما يقوله الإعلام السائد"(5). وحسب هوارد زن فإن دور المثقف هو من أعظم الأدوار، طالما أنه يرى أن "نقد الحكومة هو أعظم عمل وطني" : معتمدا في ذلك على مبدأ الصحافي الأمريكي آي إف ستون "الحكومات تكذب".

تكذب الحكومات لأنه وحسب ماكشينسي تدرك هذه الحكومات أن أنظمتها نشأت لتتلاءم "وحاجة الأقلية لا الأكثرية، وبالتالي لا يسمح أبدا للأكثرية بالتشكيك في حكم الشركات الكبرى وتغييره. وحتى في الديموقراطيات المقيدة القائمة، تعمل مجموعة الشركات الكبرى بلا هوادة كي لا تجري مناقشة القضايا الهامة مثل الاتفاقية المتعددة الأطراف الخاصة بالاستثمار علانية"(6). أما النظام الاستبدادي للحاكم الواحد : فالديكتاتور ليس أكثر من شركة حاكمة ترى المواطنين كزبناء وليس كمشاركين.

وبه فإن الشعب مجبر بمختلف أطيافه أن يقف وقفة رجل وامرأة أمام الأحزاب الممثلة للحكومة ومراجعة برامجها السياسية وقراراتها التشريعية حتى تلائم مصالح الأفراد وليس مصالح الشركات الكبرى؛ لأن هذه الأخيرة توظف قواها "للحيلولة دون قيام ديموقراطية سياسية حقيقية" بشراء الإنتخابات ووضع البرامج والقوانين الضامنة لاستمرار إمبرياليتها الإنتاجية. وحينما يسود مفهوم السوق في ركائز المجتمع : فإن العلاقة بين المؤسسات والمواطن تُبنى على الزبونية (المُقابل / التمييز/ الرشوة / التواطؤ) وليس على حقوق المواطنة.

 

.........................

هوامش:

1 و2 و3: روبرت واترمان ماكشنسي ـ تقديم لكتاب الربح فوق الشعب لتشومسكي، ترجمة مازن الحسيني | التنوير.

4: بول كوخرن ـ تقديم لهورد زن، مقالات لهورد زن مترجمة من حمد العيسى | منتدى المعارف.

5: هورد زن ـ المبدعون في أوقات الحرب، المصدر السابق.

6: ماكشنسي ـ المصدر السابق.

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2763 المصادف: 2014-03-30 10:17:01