ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

ماذا ينبغي التأكيد عليه في الدعاية الانتخابية ...

بعد أن استمرت ولعقود طويلة فظاعة معاناة شعبنا وبكل المقاييس، ليسجل فيها اليأس والقنوط والاحباط انتصارات مذهلة على حساب المشاعرالانسانية من خلال ضياع الأمل وفقدان الامان والحياة المتفائلة، الى درجة، أن الانسان العراقي استنزف خلالها جميع سبل ووسائل دفاعه المحض عن وجوده ضد واقع الظلم والقهر والهوان، استمرار بذلك النهج البائس حتى بزوغ فجر الحرية في 2003، الذي أحيا فيه الامال وبعث في ذاته نوعا من تفاؤل، ليبدأ من خلاله جمع شتات ما بقي له من ايامه المرعوبة تحت ظروف القهر والبؤس وظلام السنين. إلا أن تلك الامال، والتي تم نقشها في ذاكرة شعبنا كمهرجان لميلاد جماعي جديد لملايين العراقيين، لم تكن سوى حفنة من أيام مسرعات، سرعان ما هوت الى قاع يأس اكثر ظلاما. فبين عشية وضحاها، أصبحت شوارع المدن العراقية تتعمد بالدم العراقي المراق، واتضح أن ألاماني ألمرجوة لحياة حرة كريمة، مجرد أوهام وأحلام عابرة، بعد ان تجلى موقف الفشل الذريع في انتكاسة التجربة الديمقراطية الجديدة وتدشين شعبنا لارادته في الانتخابات البرلمانية لاول مرة في تأريخه الصاخب. فلدورتين على التوالي، عاد الظلم والهوان واليأس محتفيا بنصره من جديد على الحياة، ولكن، بتحد أكثر قسوة في هذه المرة.  

فمنذ سقوط الصنم في 2003 والى هذه اللحظة، لم يتمكن النظام الجديد من القضاء على معانات العراقيين كما كان مأمولا لينعم شعبنا بالحياة الكريمة التي انتظرها طويلا. الامر الذي اضطرت معه الجماهير وفي حيرة من أمرها، للانسحاب والنأي بنفسها عن كل ما يمكن ان يسجل لها موقفا وطنيا امام ما يجري من فوضى سياسية واجتماعية في المجتمع العراقي . ومع استمرار صمت الجماهير، كانت النتيجة، أن تم الطلاق بينها وبين مسؤولياتها ازاء النظام الجديد. وكانت من نتائج ذلك الطلاق مردودات كبيرة النفع لتلك الكتل المارقة في داخل البرلمان والحكومة على الرغم من عدم تطابق الايدولوجيات فيما بينها، ولكن تحالفاتها الشريرة مع بعضها ظلت تمثل مواقف تحدي علنية لدعم كل ما من شأنه الابقاء على حيادية شعبنا وصمته على ما كان يجري. وهكذا، استمراستفرادها بالاوضاع الشاذة وفرضها اراداتها على ما كانت تعتبره فوزا ساحقا على النظام الجديد.

فباعتقادنا، أن الانتخابات البرلمانية القادمة هي ربما الفرصة الاخيرة أمام شعبنا لوقف تداعيات الفوضى السائدة في الوطن العراقي، ومن يعترض على هذا الطرح من الاخوة الكتاب، ويحاول المغالطة ليبدوا أكثر (تفاؤلا)، انما باعتقادنا، هو الاكثر تشائما وسلبية . فلا ندري ان كانت ثماني سنوات ليست بكافية لهؤلاء، ازاء ما نراه من هذا الانفلات الرهيب في الدعم الذي تمارسه كتل برلمانية للارهاب والفساد وتخريب الذات العراقية، لكي يأمل هؤلاء بدورات انتخابية اخرى في المستقبل" ربما" ستكون قادرة على تحقيق الحياة الكريمة لشعبنا ؟! ولا ندري أيضا، هل ذلك يعني بالنسبة لهم، أننا لسنا على "عجلة" للبدأ بتغيير الواقع المزري لكي نجدهم يحاولون (التثقيف) على فرص (اخرى) في المستقبل إن فشلنا هذه المرة أيضا؟! فلكم تمنينا أن هؤلاء اخوتنا الكتاب قد قدموا لشعبنا شرحا وافيا عن أرائهم تلك لكي ندرك متى وكيف ستتوفر هذه الفرص بنظرهم، إذا كانت ظروف ثمان سنوات مضت غير قادرة على توفير وعيا كافيا لشعبنا لمحاربة الظلم والهوان المستشري؟

فلقد برهنت الانتخابات بدورتيها على انها كانت وبالا على شعبنا بعد ان جلبت معها واقعا خطرا لقوى مهووسة من نماذج من ساسة لا انتماء لهم مع شعبنا والوطن. حيث سعت هذه الكتل السياسية من خلال نظام المحاصصات وفي عملية سياسية ولدت ميته، الى تعميق النعرات الطائفية والفساد الاداري واللصوصية وتفجير الازمات السياسية وامعنت في تشجيع ارهاب القتل وتدمير الممتلكات وبث الرعب والقلق وعدم الاستقرار، بهدف الاجهاز على القيم الاخلاقية والدينية والاسائة الى العدالة السماوية ومحاولات القضاء على تطلعات نحو التحضر والحداثة وقيم العدل والمساوات بين فئات شعبنا. كما وحاولت هذه الكتل السياسية وبدعم خارجي من نشر ايديولوجية الفكر الارهابي بهدف تمزيق المجتمع من خلال ارتباطاتها باجندات خارجية لدعم الارهاب وفي تحالفاتها مع فلول البعثيين وارهابي القاعدة وداعش وزمر الوهابيين والسلفيين لخلق أوضاع تدميرية ونشرالرعب والفساد والفوضى في البلاد، ليصبح الاطاحة بالنظام الجديد، هو الهدف الاوحد لهم من اجل اعادة النظام البعثي المقبور .

إن الانتخابات القادمة باعتقادنا، سوف لن تستطيع ان تحل هذه المشاكل الكبيرة والتي عاشها شعبنا على مدى اكثرمن عشر سنوات ماضية من هيمنة كتل سياسية منحرفة، ان لم يكن بوسع الناخب من التصدي لها وعدم اعادة انتخاب المجرمين والمفسدين. فالغالبية من الكتل السياسية البعثية وكتل الاسلام السياسي والكثير من الوجوه الانتهازية والسياسية، تمتلك القدرة على التخفي والتلون، وربما لديها القدرة على العودة ثانية لاحتلال المشهد السياسي ان لم يكن لشعبنا النباهة والحزم المطلوبين.

والمهمة المطلوبة في هذه الانتخابات تحتم على كل من الناخب والمرشح معا تطابقا في الاهداف الوطنية، وتعاملا بموضوعية مع الواقع القائم . فعلى كل منها تقع المسؤولية المباشرة في التغيير المطلوب لواقع شديد الفساد. فامتلاك الناخب الوعي السياسي المطلوب من خلال فهمه لطبيعة أسباب سلبيات تجربة عشر سنوات اوصلت شعبنا الى طريق مسدود، وبما ينبغي عليه الوقوف بوجه استمرارتلك التحديات من خلال المبادرة الى دعم الخيرين من الساسة ممن أثبتوا سعيهم وتفانيهم من اجل استقرارالواقع العراقي، ورفض اعادة انتخاب ممن كانوا سببا في تفاقم المصائب والمشاكل والازمات والادمان على امتهان شعبنا .

أما ما يخص الرسالة المطلوبة التي على المرشح حملها في مسيرة صحيحة لخدمة شعبنا والوطن العراقي وتحقيق النجاح المأمول، فينبغي عليه امتلاك خصائص وسمات ايجابية تتسم بالحماس من اجل اصلاح المجتمع والتفاني في توفير الخدمات المطلوبة وتعزيز مواقف التغيير الايجابي والابتعاد في الاهداف تماما عن مسيرة من سبقوه. ونعني بهذا الاختلاف، التأكيد في البرامج الانتخابية على طرح السبل والوسائل بصيغها العملية والواقعية لمواجهة ما يعانيه شعبنا والوطن العراقي من مشاكل وازمات قائمة، من شأنها اعطاء كشفا ملخصا لما يمكن ان يتوقعه شعبنا على مستوى النتائج العملية للمرشح الجديد في المستقبل المنظور.

فالتأكيد على طرح صيغ التعامل وطنيا مع الاحداث من قبل المرشح، كعراقي حقيقي في التفكير والسلوك والانتماء والتطلع الوطني والاخلاص في اداء المسؤوليات النيابية من اجل الجميع، بغض النظر عن الدين والمذهب والجنس والعرق واللون والمعتقد السياسي، يمكن ان تمثل نهجا للارادة الحرة الجديدة لتساهم في تعميق الانتماء الوطني المطلوب والتأثير على تراجعات المواقف في التعامل مع مفهوم المواطنة والانتماء الوطني وبعيدا عن التجربة اللاأخلاقية للاسلاف من كتل برلمانية.

كما وعلى المرشح أيضا ألتأكيد على وضع قضية خدمة شعبنا والوطن العراقي في اولويات مسؤولياته من خلال تعهده امام شعبنا، في السعي لتبني جميع الفرص الممكنة لبناء عراق حر مستقر.

والمرشح للانتخابات القادمة ينبغي ان يتمتع بخلفية أخلاقية عالية وسمعة حسنة تتسم بالنزاهة والوطنية وحسن السيرة والماضي المشرف والقدرة على التفاني الصميمي المخلص لخدمة عراقنا، فضلا عن مواقفه السياسية والوطنية والاجتماعية والاخلاقية، والتي من شأنها ان تعكس صورة لضمير نقي نشأ على مخافة الله تعالى وتقواه، ورضع من در زكي مبارك لامهاتنا العراقيات النجيبات . والتأكيد في الحملة الانتخابية على احتفائه بقيم التراث العراقي والشعبي، وامتلاكه نزعة وتعاطفا تلقائيا مع خدمة المصلحة العامة مع قدركبيرمن الاحترام والتقدير لشعبنا والوطن.

كما ينبغي ان يقدم المرشح ما من شأنه التأكيد على خبراته الوظيفية والحياتية، والكشف عن مؤهلاته وسيرته العلمية ونشاطاته الاجتماعية وكل ما يخص ماضيه السياسي وانتمائه الحالي . كما وعليه التأكيد على توضيح برنامج اهدافه السياسية بصورة واقعية وجلية وبصدق وثقة وارادة وتعامل موضوعي وتفكيرسليم مع المسؤوليات لمواجهة نتائج التجارب الكارثية لعشر سنوات مضت، والتعامل معها بحكمة وموضوعية بعيدا عن المزايدات السياسية. وبعكسه، فان التأكيد على المزايدات والمبالغات في الطروحات وتبني صيغ التهريج والعواطف، والتأكيد على اهداف برنامج طوباوي لحل المشاكل القائمة، أواطلاق العنان للاوهام والاحلام المستحيلة، وطرح المرشح نفسه كبديل "أفضل" من سواه، أوكمن يمتلك عصا سحرية لتغيير الواقع ومشاكله الكبيرة بين ليلة وضحاها، انما هو افتراء على النفس والشعب وجريمة أخلاقية وضحك على الذقون.

كما ما ينبغي تأكيد المرشح في اهداف منهجه الانتخابي، التركيز على فهم، ان السلطة ليست استحقاقا ثابتا لمن يستطع الوصول اليها وبأي طريقة ممكنة، بل عليه محاولة الغاء صورة ذلك المفهوم الهدام، والاجهازعلى الواقع الخطير والمتنافي مع اهداف الخدمة العامة والتي يجب ان تكون مصدرا لشعورالنائب بالفخر والشرف الكبير تجاه شعبه. فالمرشح يجب ان يعمل ومن خلال اهدافه المعلنة، على تغيير هذه المفاهيم الشريرة وغيرها وخصوصا، أن تجارب الماضي أوضحت، تبجح النائب بفوزه حتى من خلال تحالفات رخيصة مع أعداء شعبنا ممن أثبتوا ارتباطهم بالانظمة الخارجية . وبعد ان وجدنا أن النائب لا يبالي وبشكل علني، بحزم حقائبه متنقلا في دول الجوار ومستجيرا بهم لاسقاط النظام المنتخب، وحاطا من سمعته وقيمه وشرفه الوطني كسياسي عراقي!!

فامتلاك المرشح وعيا مسؤولا لما تعنيه نتائج وتداعيات الغضب والرفض الشعبي عند خيانة النائب لمبادئه الوطنية أوالسياسية أو الاخلاقية، وتعامله مع خيانة العهد كأمر محرم أمام الله تعالى والشرائع والقوانين والمباديئ وقيم الضمير الانساني، من شأنه أن يوضح منطلقات المرشح الوطنية والتزامه الاخلاقي أمام شعبه.

وتأكيد المرشح في منهجه الدعائي على ادراكه لمهمته واعترافه بالصعوبات المتوقعة، ولكن، ومع ذلك، فهو على استعداد تام وتفاني لمهام مسؤولياته القادمة من اجل تغير الواقع العراقي نحو الافضل، وخلق حياة كريمة لشعبه، يجب أن يكون أيضا من بين اولوياته.

الموقف الاخلاقي والمبدئي من الانتخابات القادمة يفرض على الوطنيين من شعبنا وقوفهم، وباقصى قدرممكن، مع الخيرين ممن يعيشون صراعا مريرا في دفاعهم عن المواقف الوطنية ضد ممارسات كتل سياسية من شتى صنوف الابتذال والاسفاف والهوان . إذ لا يزال أمامنا الكثير من التحديات ولا ندري ما يمكن ان يكون عليه الواقع السياسي والاجتماعي والاخلاقي بعد الانتخابات القادمة، مع اننا نأمل خيرا إن شاء الله تعالى.

وفي الختام، أمام الواقع المؤلم لما تم فرضه على شعبنا ليعيش صاغرا، لا حل سوى الاحتكام الى شعبنا لاعادة تأكيد دوره ومسؤولياته في الانتخابات القادمة وقدرته على الفرزالسياسي والوطني للمواقف والسلوكيات التي تتسم بالخيانة من قبل كتل سياسية باغية، وبما يؤشر حرصه على بناء مستقبل عراق حر ديمقراطي جديد، بشرط عدم استمرار شعبنا بلامبالاته وصمته ازاء ما يعيشه المجتمع العراقي من انهيار اخلاقي وافتراق مع الوطن والمواطنة في رفضه تحمل مسؤولياته امام الواقع الجديد.

كما وأننا نعتقد بضرورة مساهمة الكتاب والمثقفون في المشاركة لتعميق الوعي لدى الناخب من خلال توفير صورة عملية من البحث والتقصي عن تأريخ المرشحين للانتخابات . وليكن الشعارهو "تحشيد الاحاسيس الوطنية والمبادئ والاخلاق" لمنح الناخب العراقي صورة واقعية لانتخاب الشخصيات التي تتسم بالنزاهة والوطنية وحسن السيرة والماضي المشرف والقدرة على التفاني لخدمة عراقنا.

ومن المهم ان نؤكد هنا، ان ليس لدينا ذرة شك أو ريبة أبدا في ان عراقنا الغالي مكتظ بالكثيرين من الاخيارالوطنيين ممن لا يزالوا يمتلكون الاستعداد والتفاني لتغيير الواقع المزري، ووضع المصالح العليا فوق المصالح الشخصية من اجل عراق جديد. عراق يسود فيه الامن والامان والاستقرار واستعادة الكرامة والحقوق المضيعة. وفي عراقنا الكثير من هؤلاء الشرفاء ممن يحيون من اجل قيمهم العليا، والتفاني لخلق علاقات من الثقة والمحبة بين شعبنا، من اجل عودة الخير والوئام لتعود الابتسامة والفرح على الوجوه العراقية التي صبرت طويلا.

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2763 المصادف: 2014-03-30 10:18:36