ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

هل يمكن ان يكون العراق ديمقراطياً؟

مقدمة:يتساءل البعض ان كان العراق قادراً على الانتقال السلس من الديكتاتورية الى الديمقراطية. كبار المسؤولين الامريكيين يشعرون بالاحباط من نتائج الجهود التي بذلوها لتأسيس ديمقراطية ليبرالية مستقرة في العراق او اي بلد غالبيته السكانية من المسلمين او العرب على الاقل في المدى القصير او المتوسط. عملياً، يُعتبر الدعم الشعبي للديمقراطية شرطاً ضرورياً، لكنه غير كاف لبروز مؤسسات ديمقراطية. هناك عوامل اخرى ضرورية. غياب الدعم الملموس للقيم والافكار السياسية الليبرالية وعدم وجود اساس للمجتمع المدني التعددي، ووجود تأييد افتراضي او غير حقيقي لحكومة ممثلة، سوف يجعل من الصعب تهيئة الحوافز الضرورية لترسيخ دعائم الديمقراطية. هذه الحقيقة تأكدت في العديد من البلدان خلال العقود الماضية بعد استبدال انظمتها السلطوية باخرى ديمقراطية لكن عملية الدمقرطة فشلت بسبب هشاشة وضحالة الاسس القائمة.

ان بناء أساس لثقافة سياسية ديمقراطية حديثة هو بطبيعته ليس عملاً مؤسسياً. بناء الاساس هو ليس بالانتخابات او الاحزاب او بالتشريعات. وانما بالقيم الثقافية الساندة، لأن البقاء الطويل الأجل للمؤسسات الديمقراطية يتطلب ثقافة سياسية معينة.

هناك اربعة عوامل ثقافية اساسية تلعب دوراً اساسيا وجمعياً في تحفيز وتعزيز نظام سياسي ديمقراطي مستقر. هذه العوامل هي:

1- الثقة السياسية (وتعني ان المعارضة تقبل قواعد العملية الديمقراطية وتسلم السلطة حين تخسر الانتخابات)

2- التسامح الاجتماعي مع الفئات او الجماعات الاثنية التي ليس لها ثقل تقليدي حيث يجب احترام حقوق جميع فئات الشعب بلا استثناء.

3- الاعتراف الواسع باهمية الحريات السياسية الاساسية مثل حرية الكلام والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات.

4- اخيراً الدعم الشعبي للمساواة بين الجنسين وهي المسألة الاكثر اشكاليةً في المجتمعات الشرقية.

 

الثقافة السياسية في العراق

لسوء الحظ، في العراق، كما في العديد من جيرانه، معظم المتطلبات الاساسية لنشوء مجتمع مدني، مثل الديمقراطية، السوق، ومؤسسات تعددية، هي اما غائبة كلياً او انحسرت عبر عقود طويلة من القمع والتجاهل المتعمد. ترى الايكونومست البريطانية ان "العراقيين وقادتهم سيأخذون وقتا طويلاً ليتعلموا التسامح المتبادل والانضباط الذاتي للحكومة الديمقراطية (1)، اما (Diamond) فيرى ان "العراق يفتقر عمليا لكل الشروط المسبقة الممكنة للديمقراطية" (2). المجتمع العراقي عانى من فترات الحكم الاستعماري، الملكي، القومية العربية، والانظمة الفاشية. في مجتمع كهذا تكون فيه المستويات السائدة من الثقة السياسية والتسامح الاجتماعي والدعم المطلوب للحريات السياسية ومساواة الجنسين متدنية جدا قياسا بما موجود في جميع ديمقراطيات العالم. الاحزاب السياسية العراقية ليست مستعدة لقبول الهزيمة في النقاشات السياسية. وبشكل عام، دمقرطة العراق سوف تُشل بالعوامل الثقافية والدينية التي لا تحفز ولا تسرّع السير نحو الحرية السياسية. هذه العوامل ستجعل العملية التطورية للدمقرطة بطيئة جدا. وهي مسألة لن تقتصر على العراق وحده.

ومع استمرارية نماذج التفكير المميزة للمجتمعات القبلية التي تهيمن فيها التصورات الاسطورية عن العالم، فان خصائص ثقافية معينة ستجعل عملية دمقرطة العراق اكثر صعوبة. على سبيل المثال، اكثر من 75% من العراقيين ينتمون الى 150 قبيلة ويمارسون ما يسميه المؤرخ عباس الكليدار بـ "الولاءات البدائية" (3). فمثلا معظم العراقيين يعتبرون المحاباة السياسية للاقارب واجبا اخلاقيا وليست مشكلة مدنية. الروابط العائلية القوية جدا وشيوع زواج الاقارب يشكلان عقبة رئيسية امام الديمقراطية الليبرالية. (4) وطبقا للانثربولوجي روبن فوكس مؤلف كتاب Kinship and Marriage" الامريكيون لا يفهمون اي عالم يعيش فيه العراقيون بسبب نماذج زواج الاقارب الشديدة الغرابة". يذكر فوكس ان "الديمقراطية الليبرالية ترتكز على الفكرة الغربية للافراد المستقلين الملتزمين بالصالح العام، وهذا يختلف عن الطريقة التي ينظر بها افراد الجماعات المترابطة بالنسب للعالم. عالمهم منقسم الى مجموعتين : الاقارب والغرباء" (5).

الثقافة السياسية العراقية تبقى خاضعة لـ "سياسة الهوية" المتمثلة بتقديس وتمجيد التضامن الديني والاثني فوق جميع القيم والاعتبارات الاخرى، بما في ذلك الحرية الفردية. في هذه الثقافة السياسية الابوية العميقة، عادة يُنظر للقادة السياسيين كشخصيات بطولية قادرة على انقاذ الجماهير من الخطر واليأس. في بيئة كهذه، معظم الناس يتبنّون السلبية والانفعالية السياسية التي تعمل ككوابح امام تطوير المبادئ – مثل المسؤولية الشخصية ومساعدة الذات – والتي هي اساسية لتطوير الحريات السياسية والاقتصادية. وعليه فان الحرية السياسية هي مفهوم غريب لمعظم العراقيين (6).

من المفارقة، ان العراق الأكثر ديمقراطية هو ربما ايضا عراق قمعي (7). يذكر العالم السياسي Michael McFaul "في حالة التحولات الديمقراطية الفاشلة، تؤدي الانتخابات السابقة لآوانها الى زعزعة استقرار النظام السياسي الهش سلفا وتوفر للراديكاليين الفرصة للتوغل في مفاصل الدولة، حيث سيقومون بتحطيم الممارسات الديمقراطية" (8) . في الديموقراطيات الجديدة، الجماهير تكون عادة متقلبة، والاحزاب السياسية هي ايضا متقلبة وقدرتها على بناء الرأي العام تكون محدودة ... وهذا يعني ان السياسين لديهم حوافز قوية للّعب على مشاعر الناس، خاصة مع عدم وجود عوائق امام دخول احزاب جديدة. وفي ضوء عدم الوضوح في تحول النظام، ستؤدي النواقص في المجتمع المدني ورأس المال الاجتماعي الى توفير بيئة خصبة لبروز الحركات الشعبية. ان تبنّي ديمقراطية شكلية شيء وتحقيق ديمقراطية مستقرة شيء آخر. الديمقراطية الناجحة لا تأتي عبر تشريع القوانين. البيت الابيض راهن كثيرا على ان تكوين مؤسسات ديمقراطية في العراق سيشجع بناء ثقافة سياسية ديمقراطية. على عكس ذلك، الثقافة السياسية هي التي تحدد الديمقراطية وليس العكس. الديمقراطية هي تنمية تطورية بدلاً من ان تكون ظاهرة مفاجئة بين يوم وليلة.

يمكن للعراق ان يكون ديمقراطيا في المدى البعيد حين تتمكن الحداثة من إحداث التحول المطلوب في المجتمع العراقي، ولكن من المستبعد ان يتم ذلك في المدى القصير او المتوسط. العالم السياسي Jason M. Wells يؤكد "البلد يمكن اعتباره بلداً ديمقراطياً حقيقياً فقط عندما يدعم المواطنون الممارسات الديمقراطية ويقبلون بشرعية الحكومة المنتخبة ديمقراطيا"(9).

 

صورة الانتخابات العراقية

ولو جئنا للانتخابات العراقية التي جرت في الاعوام 2004 و2009 يمكن القول انها ناجحة وفق الظروف التي جرت في ظلها. لم تجر اية انتخابات في مثل هذه الظروف الصعبة، حيث العنف يجبر الدولة لإغلاق وتعطيل بعض الخدمات لعدة ايام لكي يجري التصويت. الانتخابات كانت انتصاراً للخدمات اللوجستية للامم المتحدة، ولمفوضية الانتخابات العراقية ولقوات الأمن والشرطة. لكن تلك الانتخابات لم تكن نصراً للديمقراطية.

نعم، العراقيون صوتوا في الانتخابات الماضية وما قبلها وتحملوا المخاطر للوصول الى صناديق الاقتراع. ولكن دائما اولى الانتخابات التي تأتي بعد فترة من القمع ستحقق مستوى عالي من المشاركة بالتصويت، وبعدها سيكون التصويت امراً روتينياً لدى الناس. وبصرف النظر عن المقدار الذي يرغب به الافراد في بناء عملية سياسية هادئة، نجد في الدول التي ترزح تحت العنف يكون صوت الرصاص أعلى من صناديق الاقتراع، ونتائج الانتخابات يمكن ان تُهمل جانبا، كما في هاييتي بعد انتخابات عام 1990، وانغولا عام 1992، وكمبوديا عام 1993. او ان نتائج الانتخابات تصبح ليست لها علاقة ابداً بالسياق السياسي الأوسع، كما في جنوب فيتنام عام 1967 حين شارك المواطنون بأعداد كبيرة في الانتخابات الرئاسية، دفعت ادارة الرئيس جونسون للاستنتاج ان الحكومة الجديدة ستكون لديها الشرعية الكاملة لتغيير مسار الحرب.

لسوء الحظ ان امكانية ان تكون نتائج الانتخابات ليست مرتبطةً بسياق سياسي واسع هي متحققة في العراق اليوم. الارهابيون المسلحون لم يُهزموا بعد والعنف مستمر، لكن هذه لن تكون هي المشكلة الخطيرة في المدى البعيد، رغم انها ماثلة للعيان وبشكل دراماتيكي في الوقت الحاضر. ان التحدي الاكبر لتوحيد العملية السياسية الديمقراطية التي ابتدأت بها الانتخابات هو طبيعة التصويت. المواطنون العراقيون صوتوا على هويتهم في هذه الانتخابات . الكرد صوتوا للاحزاب الكردية، والشيعة للاحزاب الشيعية، والسنة صوتوا قليلا في الدورة الاولى ثم كثيراً في الدورة الثانية. وهناك قلة صوتوا للاحزاب المنفتحة غير المقيدة بخلفيات دينية . يجب ان لا نندهش لو صوّت العراقيون بهذه الطريقة. هذا يحدث بانتظام في البلدان المنقسمة وحيث تصبح الهويات الاثنية مسيسة بدرجة عالية، فتزيد من حدة التوترات وربما تُضعف الدولة. ان تفكك يوغسلافيا السابقة بدأ بانتخابات ناجحة في سلوفانيا وكرواتيا حيث تمكنت الاحزاب القومية من الوصول الى السلطة، فرفضت الانتماء الى يوغسلافيا القديمة المتعددة ثقافيا مفضلةً دولاً جديدة تحمل طابع جماعة معينة. الانتخابات التي جرت تحت إشراف دولي في البوسنة عام 1996 اكدت قوة الاحزاب القومية المتعصبة، التي اعاقت جميع محاولات وضع البلاد مجدداً كدولة موحدة . يجب عدم التقليل من قوة التصويت العام وامكاناته المدمرة، انه يعمّق الصراعات ويمزق الدول . إعادة بناء الدول التي اضعفتها الصراعات الطائفية تبقى ملتبسةً حتى عندما تخصص المجموعة الدولية موارد كبيرة لها، كما فعلت في البوسنة. ليس فقط يوغسلافيا والاتحاد السوفيتي اختفيا الى الابد، وانما العديد من الدول الجديدة التي قامت على أنقاضهما لا تزال تصارع وتغرق في انقساماتها المستمرة.

 

الدولة هي المشكلة

التحدي المباشر الكبير للعراق اذاً هو كيفية ايجاد الوسائل لإستيعاب تنوعه السكاني، المركّب من هويات جرى دمجها وتسييسها اعتباطاً وبدرجة عالية في الدولة الجديدة . السنة، الشيعة، الكرد، والعديد من الجماعات الصغيرة الاخرى لها مختلف المطالب والمخاوف والاجندة. في الدولة القديمة، منذ تاسيس العراق من جانب بريطانيا عام 1920 وحتى الاطاحة بصدام حسين بالغزو الامريكي، كانت جماعات سكان العراق ببساطة مجبره للبقاء مع بعضها. اولاً، كانت هناك بريطانيا العظمى التي اوجدت العراق الجديد بسرعة ودون تأني لأنه جاء منسجماً مع تصميمها للشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الاولى وتفكك الدولة العثمانية. بعد ذلك جاءت سلسلة من الانظمة السلطوية القوية، كان آخرها نظام صدام حسين القمعي. وحتى وقت قريب (عام 2011) كان هناك ما يقرب من 150 ألف جندي من القوات الامريكية هم الذين يمسكون بالبلاد .

ان الخيار في توحيد العراق بالقوة لم يعد قائما، لكنه من غير المؤكد ان الدولة يمكن ان تبقى متماسكة، بشكل ديمقراطي وهادئ. الولايات المتحدة ربما تنجح لو كانت السياستان الامريكية والعراقية سمحتا للاحتلال بالاستمرار بما يكفي، لبناء قوات أمن عراقية جديدة قادرة على مقاتلة العصابات والجماعات المسلحة . لكن الولايات المتحدة سوف لن ترغب وهي ليست قادرة على بناء قوات عراقية تستطيع ابقاء كل الجماعات السكانية في العراق موحدة ضد رغباتهم، فالبلاد ممتلئة بمختلف الجماعات المسلحة المتباينة بالقوة. وما لم ينجح العراقيون في خلق دولة جديدة على اساس من الإجماع بدلاً من الإكراه، سوف لن يكون هناك سبب للحديث عن الديمقراطية. ان إعادة بناء الدول المنقسمة بعمق على طول الخطوط المشتركة ثبت انه مشروع مضلل في كل انحاء العالم. ومن المحزن، ان تجربة العديد من الدول تبيّن ان الديمقراطية ليست دائما هي الحل الامثل وقد تصبح جزءاً من المشكلة.

ان عملية اعادة بناء دولة عراقية مرتكزة على الإجماع لم يبدأ حتى الان وبعد مرورعدة سنوات على الاطاحة بالنظام السابق. الادارة الامريكية وبالذات مسؤولو سلطة التحالف المؤقت (CPA) تعاملت مع انقسامات الشعب العراقي بمحاولة، اختيار مرشح مقبول وفق الطراز الامريكي في جميع الهيئات الحكومية التي أسستها. مجلس الحكم العراقي، الحكومة المؤقتة، والمجالس المحلية ومجالس المحافظات ( خارج كردستان) ضمت ممثلين عن جميع المكونات السكانية ومن ضمنها المرأة. كان هذا اكبر عرض رغب مسؤولو الادارة الامريكية تقديمه لبلد منقسم، غير انهم أساءوا كثيراً تقدير عمق المشكلة . الدستور المؤقت الذي سُن من قبل الخبراء الامريكيين والعراقيين تحت اشراف الولايات المتحدة، والذي بُني على افتراض انه يوفر حماية قوية لحقوق الافراد، واقتسام السلطة، والفصل بين السلطات داخل المؤسسات، والذي تكلل باضافة الفيدرالية وفق الاسلوب الامريكي، سوف يناسب حاجات العراق، كما يناسب حاجات اي بلد اخر. وبإلحاح من الاعضاء الاكراد في مجلس الحكم بانهم سوف لن يوقعوا على الدستور المؤقت، ما لم يتم ادراج فقرة تسمح لأي ثلاث محافظات لرفض الدستور الدائم اذا رُفض من ثلثي المصوتين في تلك المحافظات، مع ذلك لم تجر اي محاولة اخرى لمعالجة واقع الانقسامات في البلاد.

وهكذا يكون الدستور قد تجاهل اكثر القضايا صعوبةً التي تحبط محاولات جلب الديمقراطية للبلدان المتعددة اثنياً: حماية حقوق الفرد لا تحقق رغبات الجماعات بالحماية والاحتفاظ بالسلطة وبهوية منفصلة. حماية حقوق الفرد لم تستطع اقناع الصرب والكروات والمسلمين للتعايش في البوسنة بدون البناء المعقد للدولة الفيدرالية المنطوية على فيدرالية اخرى ضمن ذاتها. حتى مع ذلك البناء المعقد، وبعد تسع سنوات من الجهود الدولية لبناء الدولة، مختلف الجماعات لا تزال غير متأكدة انها تريد ان تكون جزءاً من نفس البلد. الجماعات السكانية في العراق لم تكن منقسمة بفعل الأعمال الوحشية للحرب الاهلية كتلك التي وقعت في البوسنة. مع ذلك، حماية حقوق الافراد هي من غير المحتمل ان تشبع رغبة الاكراد في الاستقلال، او تُرضي الشيعة الذين يرون انفسهم الآن مؤهلين لادارة البلاد، او تطمئن السنة من التهميش. ويجب ان لا يكون هناك وهماً بان تكوين مجلس وزراء تُمثل فيه جميع الجماعات سيكون كافيا لردم الاختلافات في المصالح والرؤى بين الجماعات. الحرب الاهلية الامريكية ما كان بالامكان منعها لو لم يختر الرئيس لنكولن نائبه من ولاية جنوبية بدلاً من ولاية في الشمال الشرقي للولايات المتحدة.

 

غياب العملية السياسية

ولهذا من المهم ان لا يجري التعويل كثيرا على نتائج الانتخابات في العراق. هناك مشاكل كبيرة تلوح في الافق. التصويت لم يأت كذروة لعملية سياسية في توحيد الدولة العراقية وصياغة نظام سياسي جديد. تلك العملية وُضعت في حالة من عدم الوضوح من قبل الادارة الامريكية المسيطرة على العراق، مدعومةً بالافتقار للرغبة لدى كل من الشيعة والاكراد في التفاوض الاّ بعد ان تكشف الانتخابات عن حجم قوتهم . العملية السياسية بدأت الان ولكن من غير المؤكد الاستنتاج بان العراقيين سينجحون بصياغة طريقة لا قسرية لإبقاء بلدهم موحداً. الولايات المتحدة والمجموعة الدولية لا تستطيع تقديم المزيد من المساعدة كونها جوبهت بنجاح محدود في محاولة إعادة بناء الدول المجزئة الاخرى. نبقى بحاجة لنرى ما اذا كان العراقيون سيلتقون وبنجاح كبير، ولكن حتى ذلك الوقت لا معنى لمناقشة مستقبل الديمقراطية.

بعد سقوط نظام صدام حسين وحتى انسحاب القوات الامريكية عام 2011، كانت الاحداث في العراق خاضعة لسيطرة القوات العسكرية والسلطة السياسية للولايات المتحدة، مع لعب دور ثانوي للعراقيين. لا توجد هناك عملية سياسية بقيادة عراقية. العراقيون لم يشاركوا في اسقاط صدام حسين. الوحدات العسكرية لم تنقلب ضده. الشعب لم ينتفض. المسؤولون الكبار في النظام اختفوا. وهذا خلق فراغ في السلطة، والذي تفاقم بقرار الـ CPA بحل قوات الامن واجتثاث الموظفين من اعضاء حزب البعث. سلطة التحالف المؤقت ملأت فراغ السلطة وقررت من سيدخل ضمن مجلس الحكم العراقي. انها تفاوضت مع معارضيها على عملية التحول واختارت الخبراء لكتابة الدستور المؤقت (سابقا قانون الادارة الانتقالية)، ومن ثم ناقشوها فقط مع اعضاء من مجلس الحكم العراقي – وهي عملية ضيقة غير مالوفة في صنع الدساتير حتى بمستويات الشرق الاوسط. مجالس المحافظات والمجالس المحلية اُسست للمساعدة في ادارة البلاد، لكن اعضائها اختيروا تحت اشراف صارم من الولايات المتحدة.

وحتى بعد تأسيس الحكومة المؤقتة، فشلت سلطة التحالف المؤقت في تشجيع عملية سياسية واسعة من المشاورات والمفاوضات بين العراقيين. المؤتمر الوطني الذي اقترحه الممثل الخاص للجمعية العامة للامم المتحدة (لاقدار براهيمي) كوسيلة لتوسيع العملية السياسية، اختُزل الى اجتماع سطحي ونسي بسرعة بعد ان عُقد لثلاثة ايام فيه لم يستطع المفاوضون انتخاب اعضاء المجلس الاستشاري لقانون الادارة الانتقالية. تركيز النشاط السياسي منذ ذلك الاجتماع كان منصباً على الإعداد للانتخابات، والذي يعني بناء تكتل انتخابي منافس بدلاً من بناء إجماع حول مستقبل العراق.

وبالمقارنة مع افغانستان، الافغان التقوا في بون في ديسمبر 2001، حتى قبل هزيمة طالبان، ليقرروا كيفية التحرك الى الامام. هم نظموا اللويا جرغا وهما تجمعان كبيران واستشاروا كثيرا حول الدستور قبل اجراء الانتخابات. لا يجب للمرء ان يكون رومانسيا كثيرا او يُضلل حول مستقبل الديمقراطية هناك. هذه ليست عملية ديمقراطية نموذجية. هم كانوا يجتمعون مع الفصائل السياسية وامراء الحرب والحكام المحليين – الذين يسيطر العديد منهم على مسلحيهم، والعديد منخرطون بعمق في تجارة المخدرات. لكن الاجتماعات كانت جزءاً من عملية تسوية سياسية فيها أخذ اللاعبون الرئيسيون بمخاوف ومعايير بعضهم الآخر وتعلموا ان يعيشوا مع بعضهم قبل وقت طويل من عقد الانتخابات.

ان غياب عملية سياسية حقيقية خلق موقفا شاذاً في العراق في ظل رفض ادارة بوش الافصاح عن نواياها البعيدة، وكوسيلة للبدأ بتغيير العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق وللاشارة الى ان الاحتلال يقترب من نهايته، اُعلن عن موعد الانتخابات التي اصبح تاريخها هو العلامة المرئية الوحيدة للتقدم. ومن وجهة نظر المواطنين العراقيين، الانتخابات كانت شيئا سابقا لأوانه. انها عُقدت قبل ان يصل اللاعبون الرئيسيون لمناقشة أي اتفاقية حول المبادئ التي يجب ان ترسم مستقبل النظام السياسي في العراق. وحين تجري الانتخابات دون اتفاقية واسعة حول القضايا الاساسية، كما تبيّن التجارب، ستكون نتائجها خطيرة. انها تعمق الصدع وتخلق رابحين وخاسرين، تجعل الرابحين اكثر تغطرسا والخاسرين اكثر استياءاً. وبهذا فانها تخلق بيئة يصعب فيها إجراء مفاوضات لأجل الوصول لحلول وتسوية سياسية.

 

إعادة تعريف الدولة العراقية

ان مشكلة إعادة تعريف الدولة العراقية برزت في كتابة الدستور. هذه العملية هي التي طغت فيها المطالب المتضادة لمختلف شرائح الشعب والتي يجب تسويتها. وبالتالي، فان تكوين الدستور في العراق هو اكثر شبهاً بالمفاوضات التي قادت الى اتفاقية دايتون في البوسنة عام 1995 منه الى عملية كتابة الدستور في الولايات المتحدة. وبينما الكثير من الخبرة قُدمت للدستور الذي يحتاجه العراق، لكن الدستور سيكون له معنى فقط اذا كان يمثل حلا مقبولاً، للمكونات الرئيسية الثلاثة.

الكرد يريدون درجة عالية من الحرية الاقليمية، والعديد منهم يريد الاستقلال والسيطرة على حقول نفط كركوك. الاستفتاء اللارسمي على استقلال كردستان الذي اجري خلال انتخابات 30 كانون الثاني 2005 أزال كل الشكوك حول هذه المسألة. الكرد نصبوا صناديق الاقتراع خارج الصناديق الرسمية للاستفتاء على الاستقلال. هم متفقون بقوة بانهم يريدون درجة عالية من الحكم الذاتي بما في ذلك حقول نفط كركوك، او انهم سيختارون الاستقلال. مقترحاتهم الدستورية – دستور لكردستان واخر للعراق – يوضح حقيقة ان الديمقراطية كشكل لحماية الحقوق السياسية والمدنية للفرد وللفصل بين السلطات هي ليست الجواب لمطالب الاكراد. ولن تكون الفيدرالية كذلك ما لم ترتكز على الاثنية، ضمن عراق منقسم الى اقليمين، اقليم كردي واقليم عربي منفصلان جيدا عن بعضهما.

نظرياً، الحكم الذاتي ربما يخفف من مخاوف السنة ايضا. ولكن من الناحية العملية، هناك عدة مشاكل تلوح في الافق. الاولى هي توزيع عوائد النفط – لا توجد هناك حقول نفط في المناطق السنية. الثانية هي الافتقار الى القيادة المنسجمة والى التنظيم بعد حل حزب البعث، والذي يجعل من الصعب عليهم الاستفادة القصوى من مزايا الحكم الذاتي. الثالثة، والاكثر اهمية هي ان السنة، باعتبارهم المجموعة المسيطرة سابقا، هم عراقيين بدلاً من ان يكونوا سنة. كما في حالة الصرب بيوغسلافيا، الذين هم ايضا كانوا اقلية مسيطرة، جرى ربط هويتهم تقليديا بكامل البلد. وبالتالي، من الصعب معرفة اي نوع من الدولة يقبله السنة. من السهل معرفة ان ما يرفضونه هو ان لا يصبحوا اقلية مقهورة بعد ان كانوا هم المهيمنين. والسنة يرون ايضا، الديمقراطية مفيدة لهم اذا كانت تشكل حماية للحقوق الفردية وللرقابة على الحكومة، لكنها لا توفر الجواب الكافي. 20% من السكان هم من الاقلية السنية بما يجعل من غير المحتمل ان يكون صوتهم عاليا كجماعة.

اما الشيعة، وبفضل اكثريتهم العددية سيكون لهم حضور كبير في اي حكومة منتخبة ديمقراطيا في العراق. الحكم الاقليمي ليست له جاذبية كبيرة لديهم، ورجال الدين الشيعة عبّروا باستمرار عن رفضهم لفقرة في الدستور المؤقت التي تعطي سلطة رفض الدستور الدائم لاي من المحافظات الثلاث – عمليا، لكل من الكرد والسنة. الشيعة يرغبون في النهاية السيطرة على البلاد حيث انهم الغالبية وبهذا يحكمون بالضد من رغبات الكرد ومخاوف السنة . علاوة على ذلك، الشيعة العلمانيون ربما مقتنعون بنظام ديمقراطي يعطيهم السيطرة على معظم مقاعد البرلمان، لكن الشيعة الاسلاميين ايضا لديهم هوية مشتركة تتطلب الحماية الامر الذي يتطلب ليس فقط غالبية الاصوات وانما ايضا فرض نظام سياسي فيه يلعب الاسلام دورا رئيسيا. وهذا يخيف العناصر العلمانية من كل المجموعات بالاضافة الى الكرد والعرب السنة. وعلى الرغم من عمق الانقسامات، فان العوامل التي تجلب المجموعات الى بعضها هي الان ضعيفة. في الماضي، أثبت العراقيون درجة من الانسجام القومي حينما يتهددهم خطر خارجي. وخلال الحرب العراقية الايرانية، لم ينقسم البلد، والعراقيون الشيعة لم يخلقوا قضية مشتركة مع الايرانيين الشيعة او العراقيين الكرد مع الكرد الايرانيين. لكن ذلك حصل حينما كان صدام حسين قويا والدولة كانت مركزية. انه كان ايضا قبل ان يمارس الكرد الحكم الذاتي وقبل ان يرى الشيعة امكانية رفع مزاياهم العددية الى سيطرة على الدولة. كذلك، لا يوجد حاليا عدو مشترك يمثل تهديداً لكل الجماعات في العراق. ايران – واكثر تحديدا امكانية العلاقة القوية بين الاحزاب الدينية الشيعية في العراق وايران – يُنظر اليها كتهديد من جانب السنة، ولكن ليس من جانب جميع الشيعة. بالنسبة لبعض السنة، يرون ان دول مثل الاردن والسعودية وسوريا هي ثقل موازن لايران. اما تركيا فهي تشكل تهديداً للكرد، ولكن ليس للجماعات الاخرى. بمعنى اخر، ان اللاعبين الخارجيين في هذه المسألة هم ليسوا تهديد مشترك يقف جميع العراقيون ضده، وانما هو عامل اخر يلعب دوره في سياسة الانقسامات والتجاذبات داخل البلاد.

 

مواجهة المشكلة

ان الانتخابات العراقية اكّدت عمق الانقسامات في البلاد. هناك جماعتان خرجتا منتصرتان – هما الشيعة بسبب العدد الكلي للمصوتين والكرد بسبب قبضتهم الحديدية على اقليمهم. استفتاء موازي غير رسمي اجري في كردستان اوضح ان السكان هناك يؤيدون باغلبية ساحقة الاستقلال عن العراق. النتائج كانت متوقعة سلفا . قادة الاكراد دائماً يصدرون التصريحات على انهم يسيطرون على ميزان القوى في العراق وانهم سوف يساعدون الحكومة الجديدة فقط اذا اعترفت بان العراق مكون من قومية عربية وقومية كردية اخرى منفصلة، وان الكرد يجب ان يتمتعوا باستقلال تام، وسيطرة على كركوك وحقول النفط المجاورة ولديهم قوة الفيتو على الدستور الدائم. قادة الشيعة في الاحزاب الدينية حاولوا طمأنة الاخرين بانهم لن يشرعوا الثيوقراطية، لكنهم ايضا اوضحوا علنا انهم يريدون حكم البلاد. كذلك، اصدرت السلطة الدينية بياناً يتعارض بشكل واضح مع رسائل الاطمئنان. حيث اعلنت فيه ان الشريعة يجب ان تكون المصدر الوحيد للدستور ولجميع القوانين في العراق وحذرت من "خطر تغيير هوية العراق بفصل الدين عن السياسة، وهي الفكرة التي رُفضت من جانب الجماهير وجميع علماء الدين". المستشارون حذّروا معلنين ان "الجماهير القت بصوتها، ولذلك لم يعد قانون الادارة الانتقالية ملزما.

و لكي يتحرك العراق الى الامام، لا خيار امامه في النهاية الا مواجهة تلك الخلافات الداخلية. المناورات السياسية لإخفاء المشكلة خلف واجهة العملية الديمقراطية سوف تنجح فقط لفترة قصيرة، لتنفجر لاحقا وبقوة اكبر. مثل هذه المناورات السياسية بدأت مباشرة بعد انتخابات عام 2005 وهي الان مستمرة، مع محاولة الاحزاب العلمانية ايجاد طرق لتقليل دور الاحزاب الدينية رغم نصرها الانتخابي.

ان تكوين حكومة علمانية هي بالتاكيد اكثر طمئنةً للولايات المتحدة من حكومة تسيطر عليها الاحزاب الشيعية الدينية. وكذلك عملية كتابة الدستور التي تأثرت بقوة بالمستشارين الاجانب كانت مرتكزة على افتراض ان العملية الديمقراطية يمكنها تسوية جميع الخلافات. اي من ذلك سوف لن يعالج مشكلة العراق الجوهرية. الخلافات التي كشفت عنها الانتخابات هي حقيقية ولا يمكن طمسها بالحسابات البرلمانية العددية او ببناء تحالفات بناءة. العراقيون يحتاجون الى مواجهة تلك الانقسامات مباشرة. هم ربما قادرين على وضع حل، كأن يكون عبر بناء فيدرالية اثنية، او باعتماد ترتيبات اخرى معقدة. او انهم سيفشلون، حين تتصلب كل الاطراف في مواقفها.

 

للاطلاع

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

 

......................................

المصادر:

   Uncharted journey: promoting democracy in the Middle -East, Thomas Carothers and Marina Ottaway, eds. (Washingon, D.C Carnegie Endowment, 2005).

- المهمة الخطيرة: مقالة في تعزيز الديمقراطية، توماس كارذر (واشنطن، Carnegie Endowment, 2004).

- الاصلاح السياسي في الشرق الاوسط: هل بإمكان الولايات المتحدة واوربا العمل المشترك؟مارينا اوتاي وعامر حمزاوي، المشهد السياسي (Carnegie Endowment, December 2004).

- فرص التحول الديمقراطي في العراق، باتريك باشام، نشرة تحليل السياسة، عدد جنوري 2004.

...................

الهوامش

(1) سؤال واجوبة، وول ستريت جيرنول، ابريل، 2003، صفحة 14.

(2) إعادة بناء العراق، الايكونوميست ابريل 19- 2003، صفحة 9.

(3) مقتبس من جيمي سترينغولد، "حماقة خطط الديمقراطية في العراق"، سان فرانسيسكو شرونكل، عدد ابريل 2003.

(4) Joh Tiernely,، "روابط العائلة في العراق تعقّد الجهود الامريكية في التغيير"، نيويورك تايمز، سبتمبر28، 2003، صفحة 1.

(5) عباس كليدار، "يجب ان لا يُسمح للعراق بالانفصال وفق خطوط الشيعة والسنة"، ديلي تلغراف، شهر مايو 2003.

(6) مقتبس من Tierney, p. 1.

(7) Gunes Murat Tezcur، "التصويت من وسط الجوع: وصف لآخر الانتخابات التركية"، مجلة المعهد الدولي، عدد 10، 2003.

(8) Wells and Krieckhaus,p.4.

(9) Kristof,’cover your hair’, p. A31.

(10) Michael McFaul, ‘Tinderbox’, Hoover Digest, no 2 (2003)

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2763 المصادف: 2014-03-30 10:25:05