ملف - المبدع محمد خضير بين رؤيتين ..

ملف: المبدع محمد خضير بين رؤيتين (3) .. القصاص اللاعب من التحول إلى القطيعة

أقول لحسن النواب البعيد: عندما تعرض "جان بول سارتر" للمفكر السياسي والمناضل الفيلسوف "جان كانابا" عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الفرنسي، عبر أعنف احتدامات

الفكر والثقافة التي شهدتها فرنسا في ستينيات القرن الماضي، جابهه "سارتر" بـ (اللعب) فلسفيا - وهو الروائي والقاص والفيلسوف والناقد والمسرحي والسينارسيت والصحفي وعالم النفس - لقد جابهه "سارتر" في كتابه ذائع الصيت" شبح ستالين" عبر عملية (اللعب) ولم يتعرض لشخصه بحرف واحد قط، إذ راح يفكك تشكل الظاهرة الستالينية - كان "كانابا" مؤدلجا ستالينيا وصارما حد النخاع - وتوصل "سارتر" الى نتيجة فذة، وهي إن الظاهرة الستالينية لم تأت من فراغ إنما هي موجودة في قلب اللينينية ذاتها ..

أقول للشاعر "حسن النواب":إننا نتعرض للظاهرة الثقافية - للفرد المبدع - كيانيا وللمنظومة الأبداعية جماليا، لاللشخصانية والشخصنة. إننا كيانات حّية لاتنتمي لثقافة السكون والثبات، إنما تنتمي لثقافة التحولات ألصعبة، في علوها وهبوطها، لا (ثقافة) البذاءات الرخيصة والشتائم المضحكة..!!

نحن في العراق الصعب، بلد الكدح الثقافي والقراءات المنتجة، الخلاقة والعين الموضوعية الفاحصة، لافي منافي ألاعانات والأكل والبراز..!! أقول، يوم كنت انا في الزنزانات الاشد شراسة مع مجموعة من المثقفين وشارفنا على الموت، فأنا (أتشرف) بموقفك - حسبما تقول !- بتحشيد جمع من الادباء لمناصرتنا والمطالبة للأفراج عنا...ولكن...المواقف شيء، والابداع شيء آخر...- كان "سلفادور دالي" محسوبا على الدكتاتور" فرانكو" و"عزرا باوند" كان محسوبا على فاشية "موسوليني" و"مارتن هايدجر" كان محسوبا على نازية "هتلر" و"بابلو بيكاسو" كان محسوبا على الشيوعية الفرنسية و"إليوت" كان محسوبا على ألكنيسة اليمينية الكاثوليكية و..و..و..! فكل أولئك ألعباقرة، الا يحق الاتفاق أو الاختلاف معهم ..؟؟

ثم ألم تقرا الكتاب المهم والمثير: "نجاح بيكاسو وإخفاقه" والقاص "محمد خضير" ألم ينجح ويخفق كأديب و إنسان ..؟ فأي عقل راكد عقلنا ألشرقي يا"حسن النواب"..؟ إذا عليك أن تفصل بين طيبة "محمد خضير" وبين كيمياء إبداعه وجدليات علوه وهبوطه..- لاتوجد مشكاة ولا صورة " ألله" في وجهه - إنك لم تناقش طروحاتي فنيا ومعرفيا حول ذلك القصاص ألذي دخلت عليه "أنا" وناقشت منجزه الابداعي على المستويين التأريخي والفني والتحولات التي مّر بها، بينما أنت لاتمتلك سوى شتائم الاميين المضحكة..!!

إنك تدعي إنني كتبت "شررا مخيفا " فلا يوجد في الثقافة شرر مخيف، بل توجد قراءات وتفحصات، لاثقافة شائعات وأصنام وتقزمات . ولعلك تتذكرالقول :"كن رجلا ولا تتبع خطوات الأخرين ".

إننا نرصد حركات الاديب الفنان خطوة بعد خطوة ونقرأ منجزه سطرا بعد سطر، ونتحاور معه بجدلية فعالة، نبني ونهدم، نحتدم معه من أجل ثقافة حّية، نظيفة ومشاكسة بآن واحد، تترك لنا روعة الجمال الانساني.

كلامك الذي قرأته والمنشور في جريدة (الصباح) الغراء، في عددها ألصادر بتأريخ 9/29 يذكرني بمثقف (يساري) غادر العراق منذ ربع قرن وجاءنا الان ليعيش في العراق . لقد عاش ذلك (المثقف) في فرنسا وحدها خمسة عشر عاما ولم يتعلم اللغة الفرنسية، بل فوجئنا به يقول لنا :" عند عودتي الى العراق تعرفت على اسم " امبرتو ايكو"..!!يؤسفني ياأستاذ حسن أن أقول لك، أن وعيك الثقافي لاينتمي الى الثقافة العراقية الجديدة، إنما ينتمي الى (ثقافة) الشتائم والامية، ويبدو إنك لاتعيش في عمق الغابة الاسترالية، إنما تعيش على ألحافات القصية فوق قشور الموز...!؟

نحن نصارع لكي نحّرك الثقافة العراقية من ركودها البائس، وشتان بين وعيك ووعي الراحل "كامل شياع" لقد ترك الراحل منفاه في بلجيكا وعاد الى حطام العراق ليساهم في ترميم وبناء ثقافة دمرتها الفاشية، وحين سألوه عن سبب عودته الى العراق وفي هذه الظروف السيئة للغاية، أجابهم مثل مسيح جديد قائلا: إذا لم أخدم بلادي الان فمتى أخدمها..؟؟ كذلك ينطبق المثال على كثيرين من المثقفين العراقيين العائدين الى وطنهم، فالشاعر والاعلامي "أحمد عبد الحسين" ترك كندا وتطوع كجندي للعمل في جريدة "الصباح" وفي أحلك الظروف وأخطرها، مضطرا للمبيت في الجريدة أسابيع كاملة، ليزحزح ويخلخل بنية الثقافة العراقية السائدة، كذلك عاد الشاعر والناقد "عبدالخالق كيطان" الى بغداد وهويقول: تركت المنافي لأنها أشاخت موهبتي.

تمنيت يا حسن النواب أن تتصدى بسمو معرفي عال وانت (تدافع) عن الاديب "محمد خضير" ..!؟

إن "محمد خضير" أديب وفنان كبير له أنداده الكثيرون، وأنا واحد من اولئك الانداد المحبين

 نحن نعترك مع أنفسنا ومبدعينا وزمننا . وتذكر إن أجمل صفحات التاريخ الثقافي المصري، هي التي شهدت معارك "طه حسين" و"علي عبد الرازق" مع الأزهر والجامعة المصرية، ومن منا ينسى معارك" سلامة موسى" مع "العقاد" وجماعة الديوان مع "شوقي" ومعارك أبولو مع الديوان ومعارك "محمود أمين العالم" و"عبد العظيم أنيس" مع الدكتور "زكي نجيب محمود" ..ففي الوقت الذي كان المبدعون الخلاقون يكدحون ويقرؤون ثقافة الاستنساخ السرية، كنت تنام مخمورا تحت طاولات اتحاد الادباء الليلية، ثملا ليلا ونهارا، وارجو ان تسمح لي بطرح السؤال التالي عليك ولو متأخرا: إذا كان سلوكك اليومي في عراق التسعينيات هكذا، فمتى تقرأ ومتى تكتب؟!

إن الخمرة وجدت للفلاسفة والمفكرين والشعراء الكبار، لتؤجج فيهم روح النبل والسمو، لا للجهلة والكسولين امثالك ..

لوكان هناك مناخ ثقافي جدلي وحاضنة مشاكسة عنيدة، لكتب "محمد خضير" عشرات الروايات والقصص الفذة.

إن ثلاثة كتّاب مصريين هم :صنع الله ابراهيم وإدوارد الخراط وجمال الغيطاني، لدى كل واحد منهم الان أكثر من عشرين رواية، بينما محمد خضيرلديه رواية واحدة اسمها " كراسة كانون" ..!!  

فالذي يحب فن" محمد خضير" القصصي،عليه أن يختلف معه ويحاوره. لقد انتهت وولت ثقافة المجاملات . إن اولئك الكتاب الثلاثة الذين ذكرتهم لايقل عنهم محمد خضير موهبة بل يفوق بعضهم، ولكن ثقافة الاختلاف المعرفي الخلاق والتصادم الفكري مع المبدعين الكبار والصغار. أما احتماؤك بمنجز محمود عبد الوهاب وكاظم الحجاج وحسب الشيخ جعفرواخرين، هو دليل آخر على ضآلة وعيك الثقافي، فهم أسسوا تأريخهم ومنجزهم، فأين منجزك وصوتك الخاص..؟ الفنان الكبير هو لاعب كبير واللعب هي نظرية شامخة نظّر لها الشاعر والفيلسوف "فريدريك شيللر"والفيلسوف الجمالي "بنديتو كروتشة" و"هربرت ماركوز"و" إمبرتو إيكو" .

وإذ تذكرني ألمراحل التي خاضها "محمد خضير" فنيا، بمراحل "بيكاسو"، لذا فأن القاص "محمد خضير" يختلف عن الستينين بتحولاته المميزة . كان "بيكاسو" قد تجاوز المرحلة الزرقاء نحو المرحلة الوردية ثم العبور الى المرحلة التكعيبية والزنجية والوحشية . كذلك كانت تحولات القاص "محمد خضير" من المرحلة الواقعية الفنية "المملكة السوداء" مرورا بالمرحلة التجريبية في "درجة 45 مئوي الى ألمرحلة الرؤيوية في " رؤيا خريف" . إنه فنان لاعب مثلما كان "بيكاسو" فنانا له نجاحاته واخفاقاته، ومن حق كل مبدع أن يتصدى لأخفاقات ألقصاص ألأخيرة، حيث أحدث قطيعة ضخمة مع منجزه ألكبير...

هنالك محطة مهمة لم يتوقف عندها "محمد خضير" ولم يتأملها جيدا، وبالتالي لم يحرث أرضه ألفنية هي: المحطة التي مّر بها مرورا سريعا "ظهيرة القرطة" انها واحدة من روائع ألقصص الصميمة، فهي تذكرك بالجنة المفقودة، فيها البراءة والجمال الأخاذ ورائحة الأنسان والمكان تمثله في الصميم، وبالتالى هنالك انجاز آخر مهم يحسب لذلك أللاعب، "منزل النساء" إنها قصة "لقاحية"- على حد تعبيرالراحل هادي العلوي - الجزء السفلي منها وبطلته "عواشة" هو عراقي جنوبي بكل إمتياز، بينما الجزء العلوي منها فهو شيئي حداثوي ينتمي للواقعية الفرنسية الجديدة، لقد زاوج ومزج المحلي العراقوي بالحداثوي فدفع بالقصة العربية الى أعلى مراتب ألحداثة . ياحسن النواب على القارئ الجديد أن يلعب بمنظومته القرائية التخيلية مع الكاتب اللاعب لا أن يشتم ويكون اضحوكة للناس..!! وتذكّر إننا نكتب بصحيفة لها مكانتها العراقية والعربية وعلينا أن نراقب أنفسنا حين نكتب لانسفه أنفسنا أمام القراء،فقبل سبعين عاما أو أكثر تهجم "العقاد"على "سلامة موسى" يوم طالب الاخير ببناء (مراحيض) للفلاحين، فسماه "العقاد " (سلامة موسى المراحيضي) رغم تعرض "العقاد" للفلسفة الماركسية وسماها (مذهب ذوي العاهات) وهذه الشتائم ظلت وصمة عار في تأريخ "العقاد" رغم مكانته الكبيرة .

وقبل عام تقريبا ظهر الناقد الاستاذ "فاضل ثامر"على فضائية "الحرة" وقال كلاما مفاده، نحن أيادينا ممدوة وصدورنا مفتوحة لاي أديب يعود ألى العراق، فقد عاد مؤخراالشاعر "حسن النواب بعد ان قدم إعتذارا للناس، ثم قدمناه في جلسة من جلسات اتحاد الادباء المنتظمة، ولأنك ياحسن النواب أدرى بتأريخك القديم لذا قدمت للناس اعتذارا بنفسك عن تأريخ مشين يمتد من مسح أكتاف المخابرات الى كتابة التقارير عن الأدباء..!!

لقد سألوا "مكسيم غوركي" يوما عن "صوفيا " زوجة الروائي الكبير "ليو تولستوي" عن رأيه فيها - كانت "صوفيا " تطرد أغلب أصدقاء "تولستوي "من البيت أو تغلق الباب في وجوههم - أجاب "غوركي" : " كان بفضلها قد تخلص تولستوي من الكثير من ركلات الحمير..." وأنا أقول لمنظمة حقوق اللاجئين: بفضل منحك حق اللجوء الآنساني لبعض أدباء العراق الجهلة، فقد تنظفت الساحة الثقافية العراقية من الكثير من النفايات

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1197 الاربعاء 14/10/2009)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1135 المصادف: 2009-10-14 01:03:50