ملف - ظاهرة الكتابة الايروسية عند المرأة

"إيروس" بين سطوة واو الجماعة وتمرّد نون النسوة

asma_gheribنزّه الفكر عن محلّ الــفنـاء إنّما الفكــر سلّــم للبقــاء

حيث فكّرت أنت ذلك فـافقـه ما الذي فيه فكرة الفــضلاء

(ابن عربي) 

جئتَ كاملا أيها الإنسان، سجد لك الملَك ودار لك الفلك، ولم يفرّق الخالق لك في ذلك بين ذكر وأنثى، لكنّك أنت فرّقت، وعن دقة وكمال الخلق حدت وانحرفت. وحينما تفرْعنَ بداخلك وتمكن منك سلطان الشهوة والسلطة والملكية، تجبّرتْ بداخلك ذكورتك، فخلطْتَ بين الحق وبين الواجب وبين ما هو لك وماهو لله، ولم ترْحمْ الأمّ التي أرضعتك ولا الأخت التي كبرت معك ولا الابنة التي خرجت من صلبك، واخترت من النساء، أجسادا للحلال وأُخرَ للحرام وبعضا منها للمتعة واللذة وأخرى للفسق والفجور وحرّمتَ وجلدْتَ وصُلتَ وجلُت، ومَن رزقها الله الفكرَ والعقلَ وملكة الإبداع، وهبتها عطفا منك ورأفة، بعضا من المساحات علّها تخربش فوقها ما تجود به قريحتها وتُنفسُ به عن مكروبها وتشغل به نفسها، ولكنّك حتى هنا وضعتَ وجَغْرَفت حدود الكتابة ومواضيعها. هكذا كنت يابن آدم مذ سفك قابيل دم هابيل ومات الفتى الصالح وبقي قابيل وخرجتْ منه ذرية وأمما ملأت بقاع الأرض وفيافيها البعيدة والقريبة، ونسيتَ أن الله جعلك خليفة له، لكمال صفة الإنسانية التي تجمع الذكر والأنثى وأن الذكورية والأنوثية عرضان ليستا من حقائق هذه الإنسانية لمشاركة الحيوان لها في ذلك، وليس ذلك فحسب، بل نسيتَ أو تناسيت بأنه قد شُهد بالكمال لنساء كثيرات منهن من نعرف أسمائهن وخبّرتنا عنهن الكتب المقدسة ومنهن من لانعرف عنهن شيئا، فهذه مريم القديسة وتلك آسية زوجة الفرعون وهذه فاطمة الزهراء ابنة خير خلق الله محمد النبي عليه ألف صلاة وسلام.

 

و ما أشبه اليوم بالأمس، فأنت تجعل في ملكة الإبداع تمييزا وتقول هذا لك يا امرأة وهذا لي أنا الرجل والذكر، وهذه كتابة ذكورية وتلك أنوثية، وغفلت عن الحيف والظلم الذي تعرّض له نصف السماء ونصفك الآخر، والنتيجة كانت أن بدأت تظهر كتابات منحرفة وأخرى مكبوتة وأخرى محمومة وكثيرُُ ُ مما أصبحت تكتبه المرأة مريض ومعلول ومكروب، وظهرت أقلام نسائية في جميع بقاع الأرض تكتب أشياء تعاف منها النفس الطيبة، وتتطرق بعنف وسادية لما كان عنها وحتى سنين قريبة محرّما، وهاهي اليوم تخوض وبدون وعي ولا سلاح ولا حنكة أدبية مجال الكتابة الإيروتكية، فتضرب أخماسا في أسداس وتخلط الجنس بالإيروس، والأخلاق بالخلاعة، دون أن يكون عليها رقيب الذوق والإحساس المرهف والفن والجمال، فسقط بسقوطها ما كان عليه أن يكون من أسمى ما تكتب عنه المرأة: الإيروس، الحب والجمال والأخلاق، لأنها هي وحدها الرحم الذي تنفجر فيه الحياة والأمومة، ووحدها مركز المعرفة والتربية والعطاء. فلم كل هذا الخلل ولم كل هذا السقوط؟

 

"3كالتُّفَّاحةِ في أشجارِ الغابةِ حبيبي بَينَ البَنين.

في ظِلِّهِ اَشْتَهَيتُ فجلَستُ، وثمَرُهُ حُلوٌ في حَلْقي.

4 أدخلَني بَيتَ خمرِهِ، ورايَتُهُ علَيَ المحبَّةُ.

5أسنِدُوني بأقراصِ الزَّبيبِ. أعينُوني بِعصيرِ التُّفَّاحِ،

فأنا مريضةٌ مِنَ الحُبِّ. لَيتَ شِمالَهُ تَحتَ رأسي ويَمينَهُ تُعانقُني."

نشيد الأنشاد: الكتاب المقدس: العهد القديم/ فصل رقم2

 

عندما ألّه الإغريق الحُبّ أسموه "إيروس" وعن صفاته وسلطانه حدّثنا "أفلاطون" في محاورتيه الشهيرتين "المأدبة" و"فيدرو" موضّحا لنا الدور العظيم الذي يقوم به "إيروس" في حياة المرء، من حيث رقيه بالنفس والوصول بها إلى جوهر الجمال المتجسد في كل موجودات العالم المحسوس. والحبُّ عند هذا الفيلسوف الكبير لم يتعارض أبدا مع المعرفة بل على العكس من ذلك فهو بالنسبة له شكل من أشكال هذه المعرفة ووسيط بين الجهل بالأشياء وكمال المعرفة الذي تمثله الفلسفة.

عند كبار متصوفة الإسلام والمسيحية واليهودية، الحب أو الإيروس لا يكتمل إلا إذا قاد الإنسان نحو الله، أي نحو الحب الأكبر. أما الجنسانية عندهم فهي غير مجرّمة ولامحرّمة طالما أنها لاتحصر الإنسان ولاتسجنه داخل عالم الحب الدنيوي معيقة بذلك معرفته وتواصله بالله.

اليوم غير الأمس طبعا، حدث شرخ كبير بين الحب والجنسانية، والناس بفصلها بين هذين العنصرين، سقطت في الجهل، فهذا "كيوبيد" طفل أعمى يرمي بسهامه العشوائية ويصيب بها من يشاء، والويل لمن يقع في الحب أو لمن تصيبه سهام هذا الطفل، فالعمي سيكون مصيره، هذا العمي ماهو إلا رمز للجهل ونفي وحجب للمعرفة عن المحبين ، فكان مصيرهم أن أصبحوا يظنون أن الجنس هو الجانب الأكثر انحطاطا في الحب ونسووا أن التاريخ يشهد لنا بمفكرين كبار وأدباء وفلاسفة كتبوا في الإيروس دون السقوط في الخلاعة، فهذا فاتستيايانا صاحب" الكاماسوتر" اوذاك ابن عربي صاحب "النكاح الساري في الأرواح والذراري" وهو جزء لايتجزأ من الفتوحات المكية، وهذا "فن الحب" للشاعر الإيطالي "أوفيديوس" إلى غير ذلك من الأسماء والكتب. ،لكن أينها كتابات المرأة من كل هذا؟ إنها قليلة جدا، فقديما كانت الشاعرة الإغريقية سافو، وأُم الضحّاك المحاربية، والشاعرة حفصة الركوني، وولادة بنت المستكفي وأخريات غيرهن وكلهن شُهد لهن بشفيف البوح وأنيقه وعاليه، أما اليوم فثمة كتابات أخرى أكثرها وصفا للمعاشرة الجنسية وليته وصف في شكله التقني فحسب ولكنه يتعدى ذلك ليصل إلى حدود الغثيان وكأن المرأة العربية تنتقم من تهميش التاريخ لها بحضور هو أقرب إلى الوقاحة والابتذال منه إلى التحليل والإبداع، فكتبت ولاتزال برداءة عن الشذوذ الجنسي وعن الفحش، وعن كل شيء وتركت جانبا الحب أو الإيروس الحقيقي، فضرب الحابل بالنابل في كتاباتها عما تعتقده "حبا" وأصبحت رواياتها، ولوحاتها، وأفلامها، وأغانيها، معرضا للّحم والشّحم والشبقية السائلة وكأن الانسان العربي ينقصه كل هذا الدهن الجاثم على عقله، هذا الدهن الذي أدى به إلى الاعتقاد بأن الخلاص كامن في تحرير جسده عبر تفكيك الأرضية اللاهوتية والأخلاقية، ظنّا منه بأن هذا سوف يؤدي لامحالة إلى تحرير المجتمعات العربية، ناسيا بأنه هكذا بدلا أن يداوي جراح هذا الجسد فإنه لن يزيده إلا اهتراء وتعفنا. ليس جرما أن نكتب عن الحب والجنسانية ، وليس جرما أن نعالج أمراضنا وأمراض جسدنا العربي، عبر وضع اليد على مناطق الدمل فيه، ولافرق في هذا بين امرأة ورجل، كل حسب طريقته، لكن الجرم هو أن تتحول حريتنا في القيام بذلك إلى تخلف ومرض.

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: ظاهرة الكتابة الايروسية عند المرأة، الثلاثاء 16 - 20/02/2010)

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1260 المصادف: 2010-02-16 08:45:46