ملف - ظاهرة الكتابة الايروسية عند المرأة

الشعر النسوي ... توسل بأدوات السرد وانصهار أنوات الكتابة

sawsan_alsodaniAالمؤلف والشخصية والسارد... و مقاومة الاكراهات الاجتماعية

من غرائب سوسيولوجيا الأدب ان تنطلق الثورة النصية في الأدب العربي الحديث  من خلال الكتابات النسوية العربية،

وليس من خلال كتابات الرجال، فقد تجرأت المرأة العربية على "المحرم" الجنسي أكثر بكثير من تجرؤ الرجل العربي، وربما باستثناء حالات قليلة تجرأ فيها الروائي العربي على تناول الجنس بكل هذا الإسهاب والتفاصيل، فكان ذلك نشاطا ثقافيا ضخما تمثل ذلك كما يقول  شاكر النابلسي بكتابات "تفضح ما يدور في المجتمع العربي في الخفاء، وتهتك أستار الثالوث العربي المُحرّم (الجنس، الدين، الصراع الطبقي) وتتحدى به المؤسسات الدينية التي درجت على التضييق والتنكيد على المرأة وجعل حياتها في بعض البلدان العربية، أشبه ما تكون بالجحيم المقيم"، وقد تحققت هذه الثورة النصية بتجليات مختلفة للكتابة العربية، والثقافة المختلفة خلال الأعوام الأخيرة التي فيها "تجرأت" المرأة العربية على تابوهات المقدس والمحرم في العقل العربي، واستطاعت هتك أستارها، وان كان الجنس هو أكثر التابوهات التي تجرأت عليها المرأة العربية، ليس فقط في الأدب، وإنما في السينما، حيث شهدت دور العرض العربية خلال السنوات الأخيرة أعمالا سينمائية جريئة على أيدي مخرجات أمثال كاملة أبو ذكرى التي ناقشت "الخيانة الزوجية" في فيلمها "ملك وكتابة"، والشهيرة المصرية إيناس الدغيدي وزميلتها التي لا تقل عنها شهرة ساندرا نشأت، وفي فيلم "دنيا" للبنانية مي المصري، ومن السعودية ظهرت المخرجة هيفاء المنصور التي قدمت للسينما أول أفلامها الروائية بعنوان "نساء بلا ظلال"، وفي الأغاني حيث كانت ظاهرة الفيديو كليب في الوطن العربي، وهو فن، وان لم يكن يرضي الغيورين على "الثقافة العربية"، فكانت النساء العربيات فيه، وكما هو حالهن في الأدب والسينما الأكثر جرأة في استخدام الجنس والإيحاءات الجنسية في هذا الفن الجديد وحسبنا التذكير بهيفاء وهبي ونانسي عجرم وروبي وبوسي سمير ونيلي مقدسي ومروى ونجلا ودانا وغيرهن الكثيرات. ولكن تجدر الإشارة إلى المخرجة اللبنانية نادين لبكي التي باتت الأشهر في هذا الفن ولا تخلو أشرطتها أيضا من استخدام الجنس بشكل مكثف. 

ونحن نتفق مع الكاتب شاكر النابلسي في ان "بركان الرواية النسوية السعودية، انفجر في السنوات الماضية لعام 2008" إلا أننا لا نتفق معه ان "الشاعرات القليلات في الشعر العربي القديم والحديث، لم يستطعن نقل تجربتهنَّ الحياتية بتفاصيلها، وظلالها، وأسرارها، ووضوحها، وتحدياتها، كما تمَّ قبل سنوات خلت، في الرواية العربية، التي أصبحت التاريخ الموازي، وصفحة علم الاجتماع الحديث لحال المرأة العربية"، ولكننا نعتقد ان ندرة المدونات الشعرية النسوية العربية التي بقيت عبر التاريخ كانت بسبب الهيمنة الذكورية التي شكلت سلطة الذائقة العربية، كما  نعتقد ان الشعر قد تلقى دفعا قويا من خلال شبكة الانترنت الأمر الذي رفع عنه جزءا من سلطة الذائقة المهيمنة في الكتابة العربية، وفي استيعاب تجارب مهمة للنساء، إلا ان تحولات ذائقة القراءة العربية والعالمية باتجاه الرواية والسرد جاء منسجما مع حاجات الأدب النسوي الذي يتجه نحو السرد الذاتي وأدب اليوميات والذي سحب الشعر بقوة إلى هذه المنطقة.

ان ما هو ملفت للنظر، في انفجار الأدب الإيروتيكي النسوي، هو صدوره عن مناطق عُرفت ولا تزال، بأنها الأكثر محافظة في المجتمعات العربية، فقد أتت البشارة أساساً من السعودية تحديداً، والتي تشهد طفرة في الأدب النسوي المتمرد على ثقافة هذا المجتمع المغلق. فقد خطَّ أدب المرأة في السعودية نهجاً في الكتابة المقتربة إلى حد كبير من الإباحية، في تناول الموضوع الجنسي، بما في ذلك التناول الصريح للعلاقة "المثلية" أو "السحاقية"، ليس فقط بوصفها ظاهرة منتشرة، إنما أيضاً في الإسهاب في وصف الممارسة الجنسية المثلية، دون أي خوف من اتهام، أو ملاحقة المجتمع المحافظ ونحن لا نملك تفسيرا لكل هذه الظاهرة، فكيف يمكن لامرأة عربية تعاني القهر والاضطهاد والتمييز ان تنتج "ثقافة" بكل هذا الأفق المنفتح، ظاهرة بحاجة للتفكير والتدبير؟.

ان انتشار أدب النساء العربيات بات يلاقى رواجاً وترحيباً وتشجيعاً، ليس فقط نتيجة لشبق القراء العرب الجنسي، والحرمان الجنسي المؤلم الذي يعيشونه، ولكن أيضا بسبب كونه شكل تعبيرا عن حاجات إنسانية ونفسية تخص المرأة، وشؤونها، وشجونها، هو ما تركز عليه رد فعل الأصولية الدينية في المجتمع العربي، بحيث أصبح شغلها الشاغل وعملها الشامل، وتقوم بالتكتم والتستر عليه. وفي هذه المرّة، جاءت المرأة العربية بكل شجاعة وإقدام، وفضحته عبر هذه الروايات الجديدة، والنصوص الشعرية التي بدأت تغزو شبكة الانترنت بشكل غير مسبوق، وشكل انفجاري، فشكلت رأس الحربة في التحدي الكبير للأصولية الدينية في الوطن العربي، وثأراً منها، ومن نظرتها المتخلفة للمرأة، وتصويرها الكاذب للمرأة بأنها "اللؤلؤة المكنونة والجوهرة المصونة". فما لم تقدر أن تفعله السياسة العربية لتحرير المرأة والكشف عن مجتمعها الخلفي فعلته – ولو جزئياً - الرواية النسوية الإيروتيكية. وما أسكتته وكتمته المؤسسات الدينية الأصولية في العالم العربي، فضحته وكشفت عنه الرواية النسوية الإيروتيكية، التي دفعت بكتابات نساء عربيات معروفات أمثال غادة السمان ونوال السعدواي وأحلام مستغانمي وفاطمة المرنيسي على الرف وأصبحت أعمال هؤلاء النسوة "محافظات" قياسا إلى الأدب الجديد، كما صار الأدب الذكوري العربي "محافظا" جدا قياسا إلى أدب المرأة العربية الآن.. تقول بطلة راوية "برهان العسل" لسلوى النعيمي "يبدو أنهم لا يتابعون ما ينشر الآن في العالم العربي. كأنهم لم يكتشفوا بعد انه لم يبق من الثلاثي المحرم إلا اثنان.. الدين والسياسة المباشرة بالأسماء الصريحة. سقط الجنس من منخل الرقابة أو لنقل.. انه اتسعت فتحاته". وان الأدب العربي النسائي الايروتيكي، أو بالدقة الأدب المكتوب بأيدي نسائية، قائم من ناحية البنية المهيمنة والمولدة على استحضار الأجساد، حيث تصرح بطلة إحدى الروايات بأنها لا تعرف روحها ولا أرواح الآخرين، وإنها تعرف فقط جسدها وأجساد الآخرين.

إنها المعركة اليومية مع الممنوعات والقوانين الاعتباطية؟"، وتدخلات لجان الأمر بالمعروف في السعودية أو تدخّل "الحرس الثوري" في الحياة اليومية  في إيران التي لم تسلم منها الحياة الجامعية: الأساتذة والطلاب بدءاً من بوابة الجامعة حيث تخضع الطالبات للتفتيش على أيدي "الحارسات" علّ في حقائبهن الصغيرة أدوات تزيين كأحمر الشفتين وسواه... وانتهاء بالآراء التي كان يبديها طلاب "ملتزمون" في قاعة الدرس، ناهيك بما يدور حول الجامعة من أحداث.

أما مقاربتنا للشعر النسوي فستدخل من باب هيمنة البوح كمولد نصي، يضع الشعر كنمط أدبي يعيد هيمنة الذات في النصّ الشعري، ويضعه في منزلة مابين منزلتي السيرة الذاتية و اليوميات، وهو توسيع لأدب البوح وتداخل الأنواع ضمن هذا الجنس الأدبي من خلال " (العبور من السيرة الذاتية إلى اليوميات الشخصية) في إشارة إلى استيعاب كتابات الناس العاديين، وتوسيع قناة التوصيل لهذا النوع الكتابي، كي لا تنحصر في الكتابة فقط، بل تمتد إلى وسائط إعلامية مثل: شبكة الانترنيت، والرسوم المتحركة التي يرى إنها ستخدم بكونها رسم صورة شخصية أو رسم حصيلة واصفة لها" كما يؤكد الناقد حاتم الصكر.

فكانت السيرة الذاتية من أكثر الأجناس الأدبية بلبلة ومرونة، وأصبح من المعاد المكرر قولنا بأنها جنس غير مستقر، وغير متعين بشكل نهائي،  حتى لتوصف أحياناً بأنها (جنس مراوغ) استطاع تلبس إمكانات الشعر بسهولة، مما سمح بدخول أعرافه وحضور شعريته في نصوص مختلفة، ومن خلال ظهور السمات السردية حيث تحولات الزمن ثلاثي الأبعاد للسيرة الذاتية: ماض مستعاد هو زمن الأحداث، وحاضر هو زمن الكتابة، وزمن غير متعين يلقيه وعي القارئ أثناء إنجاز فعل القراءة فيتم الاسترجاع والاستعادة بواسطة الذاكرة في الحاضر، ذهاباً إلى الماضي، ومن خلال هيمنة ضمير المتكلم للسارد السير – ذاتي غير الملزم بأي تحفظ بإزاء ذاته، والتحدث باسمه الخاص، بسبب تطابق السارد مع البطل، وستنصهر الانوات الثلاثة في هذه الكتابة: المؤلف والشخصية والسارد، من خلال إسقاط حياة الكاتب الفعلية على المتخيل السردي، بشكل يؤدي إلى انصهار الانوات الثلاث الذي يعد السمة الأكثر أهمية التي تعطي شرعية اجناسية للكتابات النسوية، وهو ما انتهت إليه البحوث والمناقشات التي جرت في ندوة (الحرية في الأدب النسائي) التي جرت مؤخرا في طرابلس العاصمة الليبية باتسام الأدب النسوي  في تحديد أهم سمات الكتابة النسوية "بالانكباب على الذات والعناية بالتفاصيل الصغيرة... والنبش في الطبيعة السايكولوجية والجنسية... والعري والفضح والتلصص... ونقد الذات وتخطي الحرام الجنسي إلى الحرام السياسي" وكان وعي المرأة بالجسد، كحضور ثقافي يخضع لاكراهات المجتمع، باعتبارها مذخرا أموميا للولادة والتناسل، وكذلك لأداء الأعباء اليومية في المنزل حتى يصح وصفها بأنها حارسة الهيكل المنزلي بالإضافة إلى وطأة الزمن الذي تسجل فيه المرأة وجودها عبر تكرار دوري للحمل والأمومة بجانب الأعباء البيولوجية التي تخلق وجوداً خاصاً بالمرأة يفرض تمايزها عن الرجل، وسوف ينبني على ما سبق محاولة المرأة وسعيها لإيجاد لغة للخبرات الجسدية الخاصة بها، لغة تعمل على (تبديل وتكييف) لما تسميه فرجينيا وولف (الجملة السائدة) ولتصوغ من بعد جملة تأخذ الشكل الطبيعي لأفكارها ( ).حيث تحاول المرأة أن تؤكد وجودها كائناً سيرياً بتحويل ذاتها إلى موضوع، وتستخدم الأنا للتمحور على الذات وتأكيد الوظيفة التعبيرية لعناصر الرسالة الأدبية مما يجعل المرأة عرضة لان تؤخذ بجريرة ما تكتبه، فللمرأة حضور (خاص) ينعكس في خصوصية تجربتها ذاتها، حيث تكتب المرأة في المجتمع الذكوري ذاته، كصوت هامشي مضغوط أو مقموع، مما يلون سيرتها الذاتية بالمزيد من المحذورات والمحظورات والإكراهات التي تعاني منها السيرة الذاتية عامة، وان القارئ  المقيد باكراهات التابوات الدينية سيحاول ترميم فعل القراءة وتفعيل مشاركته في ملء فراغات النص أو (المسكوت عنه) وبذلك سيكون هذا الأدب نمطا من النصوص المناهضة لهذه التابوات، وتدخل هذه النصوص ضمن نسيج النصوص المقاومة للتابوات الثلاثة: في الجنس والدين والسياسة، فإن غياب الحرية قد حوّل كتابات المرأة إلى وسائل دفاعية.

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: ظاهرة الكتابة الايروسية عند المرأة، الثلاثاء 16 - 20/02/2010)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1260 المصادف: 2010-02-16 08:50:15