ملف - الانتخابات ودور الشعب في تقرير مستقبل العراق

سيناريو التحالفات إلتفاف على حقيقة الصراع

 أو التي تشكّل ثقلاً تشريعياً في مجلس النوّاب، تيقّنت أن الأنتخابات القادمة ستشهد تغيّراً ملموساً في عقلية الناخب الذي بدأت تتضّح لديه أسرار اللعبة السياسية القائمة وتنجلي أمامه صورة أهدافها الحقيقة التي تتركّز في عملية  تقسيم وتوزيع المغانم والمصالح والأمتيازات، والذي قرّر أن يتخلّى عن إصطفافاته العاطفية السابقة، ويتبنّى جديّاً فكرة اللجوء الى العقل ليحدّد وحده القوى المخلصة والنظيفة التي ستكون البديل الأفضل للقيام بمهمام مسؤولية قيادة الدولة ورسم وتنفيذ سياساتها الأصلاحية لعموم مرافقها التي تآكلت بفعل التناحر القومي والطائفي والأثني، وبفعل الأهمال والسرقة وحجب دور الآخرين في صنع القرارات المصيرية .

لذا عمدت هذه القوى الى تطعيم كياناتها بكتل وشخصيات لم تكن سابقاً على توافق معها في الرؤيا والمنهج، وذلك لحصد اكبر عدد من الأصوات يتيح لها البقاء في المواقع القيادية سواء في السلطة التنفيذية وفي السلطة التشريعية، وللنأي عن تهمة الطائفية  أو القومية التي فقدت بريقها ورصيدها لدى الناس، وبالتالي الألتفاف على حقيقة الصراع المذهبي الذي برز كظاهرة خطيرة بعد التغيير في 2003 هددّت النسيج المجتمعي السلمي الذي كان ينعم بأفيائه العراقيون جميعاً رغم التهميش المستتر المتوارث منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى اليوم لقطّاع واسع من العراقيين.

إن الصراع الطائفي والقومي الذي رافق إنتخابات 2006 سينحسر تدريجياً وإبتداءاً من الأنتخابات التي نحيا عرسها التنافسي هذه الأيام، والتي ستشهد بروز صراع جديد بين القوى التي تتبنّى الفكر الديني الذي يعتمد الشريعة وقوانينها أساساً لفلسفته السياسية وهي رغم مرجعيتها ذات القدسية الألوهية، لكنّها تبقى حالة غير منسجمة مع التطورّات الهائلة والسريعة في قوانين الحياة، خاصة بعد الثورة المعلوماتية التي بدأت تنعكسُ على طبيعة العلاقات الأنسانية وبالتالي ستؤثّر حتى على العقلية التشريعية والدستورية في الزمن القريب القادم، وبين القوى التقدميّة والعلمانية والليبرالية ذات الرؤى العصرية التي تتوافق والمنهج السياسي الحديث في إدارة الدولة خاصّة بعد أن غطّت العولمة بظلالها كل مساحات النشاط الأنساني، وأصبحت طرائقها في ممارسة الحياة ذات جذب حضاري يهدّد بقاء الثوابت على حالها .

صحيح إن هذه القوى تحتاج الى مناخ ثقافي وسياسي منفتح على العالم كي تتحرّك وتنمو فيه، وهذا غير متحقّق الآن كليّاً بسبب الردّة الحضارية التي  عمّت المنطقة العربية عامة والعراقية خاصة منذ ثمانينات القرن الماضي وحتّى اليوم لأسباب كثيرة لسنا بصددها الآن، و لكنّها ستنجح في قابل الأيام في فرض قناعاتها على عقلية الشارع وتسحب البساط من تحت القوى التي تمثّل الضد الفكري والنقيض الآيديولوجي التي فشلت وستفشل في تحقيق ما يصبو إليه المواطنون من حياة  مدنيّة عصرية ينعمون بظلالها بالحريّة ويتنفسّون خلالها هواءاً نقيّاً يجدّد خلاياها التي كاد يخنقها عطن التأريخ وحكاياه القديمة، وستكون إنتخابات 2010 هي بداية التحوّل خاصة بعد أن فطن المواطن العراقي الى حقيقة غاية في الأهميّة وهي أن القوى التقدميّة العلمانية تنصهر في داخلها كل الطوائف والأديان والقوميات، ويبرز فيها فقط دور الأنسان مهما كانت صبغته ولونه وأصله ليمارس مصداقيته وكفاءته في العمل لأنتشال البلد من مغبّة السقوط في متاهات التناحر والتخندق والسير به على طريق البناء الحقيقي وليعوّض سنين التخلّف والتراجع والأنكفاء .

إن الصراع الأنتخابي الذي ستبدو ملامحه تظهر بوضوح في الأنتخابات القريبة القادمة بين القوى التقدمية والعلمانية والقوى الدينية بمختلف تلاوينها، هو الذي سيرسم شكل التنافس السياسي المستقبلي للعراق، وستتخلّص الحكومات التي ستفرزها إنتخابات الدورات القادمة من التوافقيات بين الكتل سيئة الصيت التي شغلت الحقائب الوزارية كما حصل في إنتخابات عام 2006 والتي أذاقت الأرادة العراقية السياسية المخلصة مرارة التعثّر والتلكّؤ، بعد أن تسنّمت النماذج غير الكفؤة والمتحزّبة، المناصب القيادية في وزارات ومؤسسات الدولة .

وسوف يتم الصراع الأنتخابي السلمي بين العلمانية ورؤاها المعاصرة لشكل الحياة وبين الدين وقواه اللاهوتية ذات الآيديولوجيا الماضوية، تحت خيمة الديمقراطية التي نأمل ان توفّرالحريّة للجميع، وفي أجواء آمنة يتكفّل الدستور وسلطة القانون حمايتها من أية محاولة للخرق والتلاعب بالأرادات .. كما ستقتصر التحالفات في مستقبل العراق السياسي على الكتل والأحزاب العلمانية المختلفة من جهة والتحالفات بين الأحزاب الدينية والطائفية بتنوعاتها من جهة أخرى، وعندها سيكون التنافس حقيقي والتحالف واضح المعالم وغير هجيني، وسيجد الناخب العراقي سهولة في وضع علامة ال (صح) على القائمة وأسم المرشّح، بعد ان تتوضّح أمامه خيارات الأقتراع بين قوى واضحة الرؤيا وواضحة المنهج .

 

وائل المرعب

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تذكر قبل ان تنتخب .. دور الشعب في تقرير مستقبل العراق 03 - 05/03/2010)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1275 المصادف: 2010-03-03 04:52:29