ملف - الانتخابات ودور الشعب في تقرير مستقبل العراق

حملة الشعب الإنتخابية تبدأ حين تنتهي حملتكم

فترة سلطتهما وتبدآن عملهما الفعلي في تنفيذ الوعود، وتنتهي ببدء حملتهم الإنتخابية، لأنهم عندها يصبحون في أكثر حالاتهم كذباً وتزييفاً. من لم يتمكن من تقييم المرشحين في السنوات الماضية من خلال أعمالهم، لن يتمكن من تقييمهم خلال أسابيع التملق الكلامي الرخيص، المسمى حملة الإنتخابات، والتي يصرف فيها المرشحون الملايين من أجل خداع ناخبيهم، ويستدعون مئات الخبراء في الكذب من الدول المتقدمة في تقنيات خداع الشعوب، ويدفعون لهم بكرم خرافي.....كل ذلك من أجل أن يحصلوا على فرصة لخدمة هذا الشعب!!

ومع ذلك لا بأس من قراءة ما يقوله المرشحون وإلقاء نظرة على برامجهم. ولا بأس من التحذير من بعض النقاط. أولها أن "محاربة الإرهاب" و"محاربة الطائفية" ليست سوى كلام فارغ في أحسن الأحوال وأحتيال رخيص في أسوأها. فليس هناك أية طريقة لحزب ما ، لـ "محاربة الإرهاب"!

وبدلاً من قراءة حماس جهة ما لـ "محاربة الإرهاب" دعونا نقرأ ما فعلت تلك الجهات خلال السنوات الماضية حين كان لها أن تفعل شيئاً. فما الذي فعلته؟ هناك صدفة سعيدة على ألمها، هي افتضاح الحقيقة المذهلة في أن اجهزة كشف المتفجرات مجرد عصي فارغة. هذه الفضيحة كشفت الكثير من الحقائق المخيفة، وأحدها هي حقيقة أن ليس هناك من هو مهتم حقيقة بالإرهاب!!: لا الحكومة التي لم تكشف حتى اليوم عن تحقيقاتها العجيبة في العصي التي لا تستحق أكثر من نصف ساعة من التحقيق، ولا الأحزاب التي لم نسمع آراء معظمها في الموضوع، وكأنه ليس مهماً، ولا حتى الأمريكان الذي صمتوا عن هذه الحقيقة سنيناً حتى افتضحت، فطالت السنتهم ليبرئوا انفسهم، ولا معظم كتل البرلمان التي لم تكلف نفسها حتى استغلال هذه الحقيقة الخطيرة، ولو لمصلحتها الإنتخابية! أن من يهتم بالإرهاب كان يجب أن يقفز ذعرا ًأو فرحاً لذلك الإكتشاف، لكننا لم نر الكثير من القافزين.

أما محاربة الطائفية، فرغم أنها هدف شرعي، إلا انني لم أعرف حزباً وضع هذه النقطة كأحد أولوياته العملية، وعمل عليها بشكل منهجي. وإن كانت بعض الأحزاب قد اتخذت مواقف إيجابية أحياناً، فإن أغلبها اتخذ مواقف سلبية في أحيان أخرى. أما الأحزاب التي ليس لها من القوة ما يتيح لها أن تقدم شيئاً عملياً في محاربة الطائفية، فإنها لم تقدم حتى دراسات نظرية في كيفية القيام بتلك "المحاربة": لم تقم بأية إحصائيات، ولم تؤشر الأمور التي تزيد من الطائفية ولا الأعمال أو التصريحات التي تهدئ التطرف الطائفي...لم تفعل أي شيء من ذلك خلال سنوات تواجدها في البرلمان و (\ أو) الحكومة، لكنها تعدنا أنها ستفعل في الجولة القادمة!

ربما أسبب لكم مفاجأة مزعجة بالقول أن مشكلة الطائفية تعطى اليوم أهمية أكبر مما تستحق، فقد عبرت البلاد خطر الطائفية الأعلى، وإن لم يزل تماماً. إن التركيز على الطائفية من قبل البعض وليس الكل، وخاصة وسائل الإعلام، إنما يهدف إلى إزالة مشكلة الإحتلال من أذهان الناس وإبعادها عن النقاش. وبنفس الطريقة فهناك تركيز كبير على "عدم السماح لإيران" أو دول الجوار، بالتدخل في شؤون العراق، وليس الدول الأجنبية عامة، لأن ذلك قد يفهم منه أنه يشمل أميركا وبريطانيا، لاسامح الله.

نلاحظ أيضاً أن حملات المثقفين المتملقين أو المتحمسين بلا بأمانة، للإمتداح البالغ، عادت إلى نشاطها الصدامي، والتي ستنتج بلا شك "قادة" مجانين يرون أنفسهم "قادة ضرورة"، والظاهر أن الأرض العراقية خصبة لها، واستعداد القادة للجنون متوفر والحمد لله، ولا يحتاج إلى الكثير من الجهد المتملق لكي ينمو الدكتاتوريون أو المرشحون للدكتاتورية كالفطر بعد المطر، والبعض بدأ بالفعل بالتصرف كدكتاتور والتحدث كدكتاتور وأخذ الصور كدكتاتور حتى قبل أن يستلم أية سلطة!

ما لم يأتنا المالكي بمفاجأة مؤلمة، وقد فعل ذلك أكثر من مرة في الماضي، وهو ما يجعلنا شديدي الحذر في الثقة به، فأنه قد وقف في موضوع البعث، ولأول مرة على حد علمي، بالضد من الإرادة الأمريكية. وهو يستحق لذلك المساندة ممن يرى ضرورة التقدم نحو الإستقلال. في الماضي كانت مواقف المالكي مساندة للموقف الأمريكي بشكل مزعج، كما بالنسبة لتوقيع المعاهدة وبشكل مشبوه وسري، بعد أن وقع مع الإدارة "ورقة التفاهم" وهي حيلة أمريكية معروفة لتجنب تدخل ممثلي الشعب في الأمر. ووقع اتفاقاً مع بريطانيا (رغم أنه رفضها بشكل قاطع قبل ذلك) وبشكل لم يكن للشعب فيه اي رأي وكذلك اتفاقات مع حلف شمال الأطلسي، وكلها إتفاقات في غاية الخطورة، والأساليب التي اتبعت في توقيعها تعتبر سوابق تلحق أشد الأذى بالديمقراطية. وتجاهل المالكي الدستور في تجديد إعلان الطوارئ وفي الطريقة العنيفة غير المبررة التي عامل بها الصدريين دون محاولات كافية لحل المشكلة بالطرق القانونية السلمية، وكان يبدو سعيداً وفخوراً بطريقته التي تذكر بأساليب اياد علاوي في التعامل مع الإنتفاضات بقصف المدن، دون وجود مبررات حالة أياد علاوي. كذلك لم يكن المالكي مسانداً للقانون على الإطلاق في ولايته، وتجاهل شكاوي الصدريين القانونية وتجاهل كذلك الشكوى الصريحة وبالأسماء لمن عذب منتظر الزيدي في الوقت الذي كان المالكي يدعي فيه أنه لم ينم قبل أن يتأكد من راحته!!

هناك ملفات عديدة مازالت جراحاً مفتوحة لحكومة المالكي، خاصة في الفساد. ورغم تكرار وعوده لم نعرف بشكل واضح نتائج اللجان التحقيقية في العديد من القضايا، آخرها فضيحة أجهزة فحص المتفجرات الوهمية، التي يبدو من التقارير أن الحكومة تحاول طمطمة الفضيحة وتخفيف فضاعتها. وهناك أيضاً موضوع توزيع المسدسات كدعاية إنتخابية لشيوخ العشائر، وهو ما يذكر تماماً بصدام حسين.

على أية حال، فإن لم يكن اصطدامه بالسفارة الأمريكية في موضوع إعادة البعث إلى السلطة، تمثيلية أخرى، فأن المالكي يستحق التقدير لما أقدم عليه، وأقترح عليه أن يسعى سريعاً لتحديد سلطة الإحتلال وعملائه، لأن الإحتلال لن يسامحه على أية حال، وسيستعمل كل طاقاته لضربه في كل مناسبة، لذا من الواجب استلام المبادرة وتقديم المفاجآت المزعجة له مسبقاً. أن وقوف المالكي بوضوح بالضد من الإحتلال هو أفضل حماية للمالكي حيث ستكون أية محاولة لقتله أو عزله مفضوحة الأسباب، أما أن ترك الأمر مبهماً فإنه يعرض نفسه لخطر أكبر. مثلاً كان بإمكانه أن يصدر قانوناً يمنع السفراء من دخول البرلمان أو غيره من المؤسسات الهامة، أو أن يفعل البرلمان ذلك. لكن الضجة والإحتجاجات توقفت عند الحادثة ولم تتحول إلى قانون يمنع مثل ذلك التدخل مستقبلاً، فهل كانت ضجة حقيقية أم إنتخابية؟ كذلك أضع علامات استفهام كبيرة على قراره بإعادة 20 الف ضابط سابق إلى الجيش فجأة!!

لا أعرف أحداً ممن رشح نفسه كممثل لـ "السنة" يستحق الإهتمام (مع الإعتذار لأنني لا اعرف الجميع)، ومن الأفضل كثيراً للسنة أن لا يصعد سنة سيئون، لأنهم لن يسببوا فقط ضرراً عاماً، وإنما سوف يسيئون إلى سمعة السنة. ويجب تجنب فضيحة، او فضائح انتخابات لبنان حيث ينتخب السنة مرشحين تافهين بدلاً من أبطال حقيقيين، لمجرد تجنب انتخاب ممثلين من الشيعة، رغم أنهم من جنس افتخر جميع اللبنانيين بهم من مسيحيين ومن مسلمين. لقد سجل السنة اللبنانيون موقفاً تاريخياً مخجلاً اتمنى على سنة العراق أن يكونوا أرفع منه، ليسجلوا نقطة تاريخية جميلة وليمنحوا الأخيار منهم فرصة أفضل في المستقبل، وليكن مفهوماً أن السنة لن ينتخبوا سنةً، ما لم يكن هؤلاء يستحقون الإنتخاب فعلاً، وليس لأنهم سنّة.

أياد علاوي، شخصية مثيرة للقرف بالنسبة لي، ليس فقط لإستنكافه من التواجد في العراق، وإنما لتاريخه الخطير، ولأعماله حين كان رئيساً للوزراء من حشو الأمن ببقايا الصداميين، إلى قصف للمدن، إلى التسبب في استمرار العراق تحت الفصل السابع (الذي حاول أن يستغله بكل صفاقة لدعوة الأمريكان الصريحة للتدخل ومنع تنفيذ الدستور في موضوع منع بعثيين من الترشيح، وتبرير ذلك التدخل بأن العراق مازال تحت الفصل السابع!!). أياد علاوي في رأيي شخصية شديدة الخطر على البلاد، وهو من الجماعة التي اصنفها كـ "بايع ومخلص"، ليس له أية أخلاق تمنعه من فعل أي شيء. ونذكر له مما نذكر، توقيعه مع التحالف الكردستاني على اعتبار عدد الأكراد أكبر بمرة ونصف من عددهم حسب آخر الإحصاءات، ليحصل بذلك كل كردي على حق عربي ونصف من الميزانية ومن المقاعد. وليس من تفسير لتلك الحركة القرعاء سوى أن الرجل تمت رشوته مقابل دفع تكاليف اللوبي الأمريكي الذي كلفه علاوي بمهمة تشويه سمعة منافسيه لرئاسة الحكومة من أجل أن تفرض الحكومة الأمريكية رئاسته للحكومة بغض النظر عن رأي الشعب. وهناك قصص كثيرة مخيفة لم يتم التحقيق فيها بالنسبة لهذا الرجل، الذي استحق لقب "ابو الفضائح".

أياد علاوي كان أحمقاً، حين سمح للأمريكان باستغلاله بهذا الشكل المكشوف، فحرقوا أوراقه بشكل يصعب إصلاحه في وقت مبكر، وكان يمكن أن يصل إلى رئاسة الوزارة بالإنتخاب لولا ذلك. وبنفس الطريقة كان مثال الآلوسي أبلهاً، إضافة إلى انحطاطه الأخلاقي في الترويج لإسرائيل في العراق، بالرغم من أن كل السياسيين في العالم، عدا عدد متناقص من أمثال مثال، يحرصون أن لا يرتبط إسمهم بأي شكل بتلك الدولة الإعتدائية الوحشية، الصريحة العنصرية والتطرف الديني. وليس في هذا الأمر أية علاقة بالفلسطينيين أو التضحية من أجلهم، كما يحاول البعض الترويج له، بل هي عملية دفاع عن النفس وعن قيم إنسانية. لقد سمعت أن عائلة مثال تبرأت منه، وليس ذلك غريباً، لكن الغريب أن يتجاهل البعض تلك الحقائق الكبيرة عند اتخاذهم قرارهم بانتخاب ممثليهم. ليس لتقييمي هذا علاقة بأية مشاعر قومية أو دينية، فأنا أنظر باحترام إلى الكثير من اليهود وأجل شجاعة وإنسانية بعضهم وجرأتهم الرائعة وعبقريتهم، وأحتقر التبلد في الإحساس الإنساني لمثال الآلوسي الذي لا يصادق ولا يزور أمثال هؤلاء في إسرائيل، بل يسعى إلى العلاقة مع اشد حكامهم إجراماً، من قادة الجيش والأمن! إن صورة كل ضحية من ضحايا غزة قادرة على إثارة التقزز لدى أي إنسان فيه بقية شعور، فكيف يسعى إلى صداقة هذه الوحوش البشرية والتقرب منها.

عدا الموقف الأخلاقي الضعيف من إسرائيل، فموقف السيد مثال من قضايا مثل قانون النفط كان إحتيالياً بامتياز، وكان يتلاعب بالكلمات كالبهلوان ليصل إلى أنه من الضروري تسليم النفط إلى الشركات الكبرى لأنها نظمت نفسها في "مؤسسة" (أو شيء من هذا القبيل) لإنقاذ النفط العراقي من إيران، وعلينا أن نساعدها على ذلك! وقد كتبت حينها مقالة عن تصريحه السريالي هذا. أخيراً يصل الهبوط الأخلاقي لهذا الرجل إلى تأجيل توجيه الإتهام لمن يتهمهم بالتستر على قتلة ولديه، حتى تبدأ حملته الإنتخابية!

العلمانيون، بعضهم أشخاص في قمة الأمانة، إلا أنهم سلبيون خجولون لا أثر لهم ولا خطاب مفهوم، مثل الشيوعيين، الذين لا يدري أحد ما موقفهم من الكثير من القضايا الأساسية ومنها الإحتلال، الذي نادراً ما يتم الإحتجاج على أعماله السيئة وجرائمه من قبلهم. كذلك لم أر أي انتقاد لأي من المواقف السلبية التي اتخذتها الأحزاب المختلفة سواء العربية او الكردية، وكلها لديه ثروة مما يجب الإحتجاج عليه. إن انتخاب شيوعي يضمن انتخاب شخص لن يسرقك، لكنك ستتساءل دون جواب، عن مواقفه في الكثير من القضايا الكبيرة، وكثيراً ما يتخذ مواقفاً يصعب فهمها، ولن يفسرها لك، لا أستناداً إلى مبادئه الشيوعيه او اليسارية، ولا حتى مبادئ الأمانة التي يطبقها على نفسه. المرشح الشيوعي سيبدوا أكثر حرصاً على علاقاته الطيبة مع الكتل الأخرى، من حرصه على صلابة المواقف المناسبة لمبادئه. لن يكون انتخاب الشيوعيين، خياراً سيئاً، إلا أنه ربما يكون سيئاً للشيوعيين أنفسهم ويعرقل وعيهم بالخطأ الكبير الذي هم فيه، والذي يتصورون أنه بالإمكان أن يقوموا بواجبهم دون أن يزعجوا أحد.

أما البعض الآخر من العلمانيين فخليط كبير، يجب معرفة كل مرشح على حده، فكون الإنسان علمانياً لا يعني الكثير بحد ذاته، فأسوأ الدكتاتوريات الوحشية قادها علمانيون. والعديد من العلمانيين من المحتالين والباحثين عن الإثراء والمؤمنين بعدالة حرية السوق التي تصب في جيوبهم البركة. مثلاً العلماني المعمم أياد جمال الدين، هو في تقديري المحتال رقم واحد في البلاد والورقة الأمريكية الجديدة القادمة. إنه قادر على الكذب بصلافة وهدوء لا يستطيع أن ينافسه فيها أي مرشح آخر، ويبدو أن خير ما يفتخر به هو أنه سيحارب النفوذ الإيراني ويدعم منظمة مجاهدي خلق الذي قال في مقابلة تلفزيونية أنه لا يوجد دليل على تورطها في مقاتلة العراقيين، رغم أنه يحمل شخصياً رصاصة منها باعترافه لاحقاً في نفس المقابلة! إنني أصنفه ضمن "البايعين ومخلصين" الأنيقين والذين لا يترددون بالقيام بأي شيء من أجل من يدفع لهم، وهو يحصل على مئات المستشارين الأمريكان حسب قوله، أحدهم مدير حملة أوباما.

شابة رقيقة الوجه والإبتسامة، اعلنت ترشيحها لحملة أياد، يكتب لها أحد المعلقين القلقين من تركيز قائمة أياد على الصراع مع إيران، وأن يكون أياد بطلاً للقادسية الثالثة، تجيبه: "نعم السيد أياد جمال الدين هو بطل كل قادسية في العراق ولم لا؟ نحن اثبتنا بطولة في الخطاب السلمي والحوار المتمدن وإذا احببت ان ترى أننا ابطال في الحرب فعليك وعلى برمج خطابك هذا أن تجرب صولاتنا..." (كما جاءت)...أفترض أن الآنسة لم تكن تمزح!

أياد هذا "متخصص" بالكذب، وهذا الحرص الأمريكي على إيصاله إلى البرلمان مع فريقه، والحماس للإشتباك مع إيران، و"صولاتهم" قبل أن يصلوا حكومة دولة لا تمتلك جيشاً يكفي لحمايتها! وسواء كان الحديث عن قناعة أو بهدف دفع ثمن تسهيل انتخابهم للولايات المتحدة، عوامل يكفي أي منها بالنسبة لي لإعتبار أياد جمال الدين وفريقه خطراً على العراق. لكني أدرك أن هناك البعض ممن يرى في ذلك بالذات، سبباً وجيهاً لإنتخابه، و"لكل امرئ من دهره ما تعودا".

الصدريون كانوا من المرشحين الممتازين لدي، وأكن إعجاباً خاصاً بجرأة نسائهم ووضوح منطقهن المباشر. ومواقف الصدريين في البرلمان هي الأعظم والأكثر مبدئية ويصعب أن تجد لهم شبيهاً من الكتل الأخرى، وفي جميع القضايا الأساسية: رفضهم الشديد والفعال للمعاهدة الأمريكية، والمعاهدة البريطانية والمعاهدة مع الأطلسي، وكلها معاهدات تمت بشكل مشبوه وسري أو شبه سري، وفي بعض الحالات دون توفر الموافقة البرلمانية أو النصاب، ولم يحتج على تلك المخالفات البرلمانية الخطيرة، وبشكل منهجي ثابت، غير الصدريين حسب علمي. وكان للصدريين شرف إسقاط مشروع بايدن سيء الصيت لتقسيم الجنوب ووقفوا سداً بوجه الحرب الأهلية في مأزق تفجير مرقد الإمام العسكري في سامراء، وكانوا سباقين بلا منازع لفضح المخالفات البرلمانية والحكومية وغيرها وكانت نساؤهم من أشد البرلمانيين فعالية ونشاطاً، وكانوا فعالين على مستوى تنظيم التظاهرات في الشارع بأفضل من أية جهة أخرى، ولم ينقصهم الإبداع السياسي في بعض المبادرات الديمقراطية الملفتة للنظر في تعاملهم مع ناخبيهم. لقد قدموا للعراق الكثير خلال الفترة الماضية ودرأوا عنه العديد من المخاطر العملاقة. وكل هذا تسبب في أن يكلفهم غضب الأمريكان وقتل الكثير منهم وتعرضهم للسجن والتعذيب أمام نظر الحكومة التي كانت سعيدة بذلك على ما يبدو.

لكن الحكومة لم تكن هي الوحيدة السعيدة بمصائب الصدريين، فلهؤلاء نقاط ضعفهم التي تسببت في ابتعاد الناس عنهم، وعدم مساندتهم في محنهم، واهم تلك النقاط فشلهم في اتخاذ مواقف سليمة في الشارع، وتعمد الكثير منهم إزعاج الناس وتصرف آخر بطائفية شديدة وكانوا سبباً في هجرة الكثير من الناس بيوتهم. وبالرغم من نفي الصدريين لتلك التهم، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يكتشفوا من يتسبب بها في داخلهم ويسيء إلى سمعتهم.

إضافة إلى ذلك ينقص الصدريين الخبرة السياسية والحياتية اللازمة لإتخاذ القرارات السليمة في بعض المواقف، ولا يجدون ضيراً من كسب كره الناس لهم بسبب الضغط على حرياتهم في مأكلهم ومشربهم وملبسهم، وهو سوء تقدير قاتل من الناحية السياسية لا يدركون حجمه، وهو أمر مؤسف للغاية، حيث أن هذه النقاط تستهلك قيمة مواقفهم البرلمانية الرائعة وتضحياتهم الكبيرة التي يحتاج العراق إليها أشد الحاجة. من المؤسف ألا يدرك الصدريون أهمية موقفهم التاريخي، وخطورة أخطائهم القاتلة. وفي تقديري أن هناك أيضاً نقص في الشفافية وفي تحمل النقد، ربما أكثر من الكيانات الأخرى المشابهة لهم، رغم سلامة مبادئ مواقفهم.

المجلس الأعلى مجموعة تعتمد تماماً على الولاء الطائفي والمال، لحصولها على الأصوات، وليس بينهم من يستحق الإهتمام في شخصه أو موقفه، (مع الإعتذار في حالة الخطأ لنقص المعرفة بالجميع، كما هو الأمر مع مرشحي السنة). فعادل عبد المهدي، لا تلاحقه فضيحة الزوية فقط، وإنما فضائح أخرى أيضاً مثل تخليه عن حارسه الذي قتلته عصابة "بلاك واتر" دون أي احتجاج من قبله، إضافة إلى موقفه المقزز من الإعتراض على قانون انتخابات المحافظات والذي تنازل عنه حالما أمره بذلك ديك تشيني في زيارة قصيرة للعراق، وكما قال عادل عبد المهدي بنفسه لمحمود عثمان، والذي لم يحفظ في فمه سراً، لحسن الحظ. كذلك خارج المرشحين للبرلمان، فأن قيادة الحزب لا تحضى بأية ثقة، فعمار الحكيم بطل مشروع فدرالية الجنوب الخطير لصاحبه بايدن، والذي أسال لعابه له، رؤيته للإثراء الهائل للصوص إقليم كردستان وحرية حركتهم في "عملهم". كان بإمكان مشروع الجنوب أن يقضي على العراق تماماً حين يتبع النموذج الكردي، وكان التعاون بينهم وبين عمار قوياً جداً في بعض المراحل. ومثلما لم يكن مصير العراق يهم لصوص كردستان، لم يكن هذا المصير موضع اهتمام عمار. وعمار حاول أن يساير المشروع الأمريكي لإعادة البعثيين إلى السلطة بعد لقاءات مكثفة بالأمريكان، لكنه عاد وغير رأيه وانقلبت تصريحاته رأساً على عقب حين اكتشف أن الموضوع ميئوس منه، تماماً كما فعل جلال طالباني.

و لم يتردد عمار الحكيم في استغلال فاتحة والده لفرض رئاسته على الحزب الذي لم يكن فيه من يرفع اصبعاً إعتراضاً على الطريقة التي انتخب بها عمار، طريقة التصفيق، ولذا فالحزب وقيادته كلها لا تستحق في تقديري أي اهتمام، ووجودها قيمة سلبية في السياسة العراقية، إضافة إلى شبهة نوعية علاقتة الحزب بإيران والتي عبر عنها وزير الخارجية الإيراني في تمنيه لعمار بلعب دوراً أكبر في السياسة العراقية. ببساطة، هي مجموعة لا تتمتع بالحد الأدنى من الثقة لقيادة البلاد، حتى في هذا الشح الشديد من السياسيين المناسبين.

كتبت عن الجعفري يوماً أنه ربما يكون المرشح الأنسب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الوضع الذي يمر به العراق، شرط أن يتفق الإتلاف الوطني على ترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء مسبقاً، لإزالة قلق الناخبين من أن تتسبب أصواتهم للإئتلاف بحصول أشخاص مثل عادل عبد المهدي على رئاسة الوزارة، لكن هذا الترشيح المسبق لم يحدث للأسف، وكان يمكن أن يجتذب بما يقدمه من وضوح واطمئان للناخب، العديد من المقاعد إلى الإئتلاف.

كان للجعفري أخطاؤه الجدية في ولايته القصيرة، كذلك حصلت حكومته بحق أو بغير حق على سمعة "طائفية" وليس لدي ما يؤهلني للحكم على دقة هذا الإتهام، لكن في تصوري أن إحساس الجعفري بالوطنية والمسؤولية أكبر منها بكثير. لم يعجب الإحتلال بالجعفري فجاءت كونداليزا في الأول من نيسان 2006 لإزالته عن الحكم، وليس ذلك غريباً بالنسبة لمن يقول: "المواطن الذي يستحي أن يقول أنا أرفض المحتل، في تقديري يرتكب خطأ ، بل يرتكب خطيئة...."، مشيراً ليس إلى كثرة من السياسيين المتملقة للإحتلال، وإنما أيضاً إلى أحزاب ترفض استعمال الكلمة، إلا اللهم بعد الإلحاح والإنتقاد الشديد! وفي محاربة الفساد قام ببعض الإجراءات مثل تحديد صلاحيات الوزراء بالصرف لغاية ثلاثة ملايين دولار.

يحسب للجعفري أيضاً موقفه المشرف من المعاهدة الأمريكية ورفضه التوقيع عليها، وكذلك احتجاجه ومحاولاته حل المشكلة بين الحكومة والصدريين بطرق غير قصف المدن بالطائرات الأمريكية والمدفعية، وموقفه السليم من مختلف القضايا الكبيرة التي مر بها القطر في هذه الفترة، ولم يكن يتملق الزوار الأمريكان "الكبار"، ولم يكن من صفاته السعادة باللجوء إلى السلاح. لكن أحداثاً إرهابية أخذت صفة طائفية، حدثت في فترة حكمه، وفي تقديري أنها كانت بسبب عدم تمكنه في تلك الفترة القصيرة والمضطربة من السيطرة على الأمن، ولا يستبعد أن تكون من تدبير وإدارة الإحتلال، ففي تلك الفترة تم القبض على البريطانيين متلبسين بتنفيذ مخطط تفجير إرهابي في البصرة، لكن الجعفري لم يستطع أن يستغلها للأسف، فأضاع فرصة لم تتكرر لمواجهة الإرهاب الحقيقي وقد أمسك متلبساً.

ليس لدي ما احكم به بوضوح على الدكتور الشهرستاني، فهو قد وقف بصلابة رائعة بوجه الضغوط من لصوص النفط العراقي، من عراقيين (وبشكل خاص من الكرد، فأنقذ للكرد بعض نفطهم، ولو كنت كردياً لأنتخبته بدلاً من اللصوص) وكذلك الكثير من الضغط من الشركات الأجنبية الكبيرة وعلاقاتها العراقية. المالكي لم يقف علنياً بقوة، لا معه ولا ضده. لكن ما ليس مفهوماً هو العقود الأخيرة والسياسة النفطية التي تبدو وكأنها موجهة لخدمة الشركات وليس العراق، فهي تهدف على ما يبدو لتحقيق أقصى كم من الإنتاج، وليس الحد الأنسب من الإنتاج. كما أن هناك مؤشرات يخشى أنها تعني أن يستعمل النفط العراقي هراوة لتحطيم الأوبك وروسيا، والتحطم معها، لصالح الشركات الكبرى والدول الغربية، وبالتأكيد ليس لصالح العراق. ليس واضحاً ما هو موقف الشهرستاني من كل ذلك وما هو دوره وما يتعرض له من ضغوط وما هي خياراته الممكنة.

البولاني رجل يجب أن يودع أما السجن أو مصحة عقلية! فهو مايزال يدافع عن أجهزة كشف المتفجرات الوهمية ويحاول أن يعطي نسباً "ناجحة" منها، وهي عبارة عن عصي فارغة لا يمر فيها أي تيار كهربائي ولا يوجد ما يشغلها سوى السحر والجن وقراءة الكف، ورغم ذلك يتحدث البولاني عن 54% و 70% منها على أنها تعمل بشكل صحيح. فأما أن يكون البولاني متورطاً في جريمة شراء واستعمال هذه العصي ومسؤولاً عن الضحايا التي سقطت بسببها، ويجب أن يفقد رأسه لذلك، أو أنه يعتقد فعلاً بما يقول، ويجب في هذه الحالة نقله إلى الشماعية وليس إلى البرلمان. وينطبق هذا الحكم على عدد من مرشحي دولة القانون وغيرهم من الذين حاولوا الإستمرار بتضليل الناس في تلك الفضيحة العارمة، التي سنكتب عنها المزيد بلا شك.

هناك أيضاً الكثير من المرشحين الجدد من المثقفين وغيرهم، والذين يستحقون الإهتمام. لكن هؤلاء أنضموا إلى الكتل القديمة، فليس هناك فرصة لهم للفوز بدون ذلك، فليس لديهم الملايين اللازمة لطباعة الملصقات ولصقها وإيجار الشوارع، كما تفضل لنا محافظ بغداد بتشريعه المؤسف، من أجل عرضها، أو إيجار وقت الفضائيات من أجل إجراء مقابلات لهم. لاصدقاء الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة أكبر للإعلان لأن وسائل الإعلام العراقية والعربية مملوكة بشكل كبير من هاتين الجهتين.

هؤلاء الجدد قد يكونوا فرصاً، لكن اغلبهم سيستيقضون على الحقائق المرة من اضطرارهم إلى الدوران مع عجلة السياسة الكبيرة لكتلهم أو مموليها، خاصة وأنهم يفتقدون إلى الخبرة السياسية الضرورية لحماية استقلال قراراتهم ومقاومة تأثير القوى الكبرى.

أما بالنسبة للقيادات الكردية، خاصة الحزبين الكبيرين، فهي في تقديري، وأعتذر لمن سيجد في تقديري هذا خشونة بالغة، تقديري أنهم عصابة لصوص تكاد تكون خالية من "الشوائب" النظيفة. فالمجموعة التي تتحمل كل تلك الفضائح وتبقى متراصة موحدة لا يسمع فيها صوت "نشاز" يحتج على ثقافة اللصوصية، وفضائح أشتي هورامي وحدها تكفي لهز حكومات كاملة، هي عصابة لصوص بكل معنى الكلمة، حتى إن كان إسمها حزباً. وعلى أية حال فالإنتخابات الكردية معزولة تماماً عن انتخابات بقية العراقيين رغم أنها تجري في نفس الوقت وتحت نفس النظام، فلا نعرف عرباً ينتخبون كرداً أو العكس.

أخيراً ستكون هناك تزويرات كبيرة بلا شك. هناك سبعة ملايين بطاقة إضافية مطبوعة لسبب لا يعلم إلا الله به (ما يقولونه إنها تعويض عن التالف! يعني انهم يتوقعون أن يتلف أكثر من ثلث عدد البطاقات، وأن يشارك 100% من الناخبين!) العديدين اشتكوا من ذلك من كتلة الصدريين والفضيلة وعدنان الباججي، دون جدوى طبعاً. هذه الملايين الإضافية المعلنة، ولا أحد يدري كم بطاقة طبعت بشكل خفي، ولا يستبعد أن طباعة هذه الملايين السبعة يقصد منها إبعاد النظر عما يمكن أنه طبع سراً، فإذا اتخذت إجراءات مناسبة لتأمين تلك البطاقات العلنية، شعر المواطن بأمان زائف يبعده عن التفكير باحتمال طباعة بطاقات أخرى سراً.

الحبر، اخبرتنا المفوضية أنه "سيصنع في الصين" ولا أستطيع تفسير محاولة طمأنة الناخبين بأنها ستصنع في الصين! فماذا يعني أنها ستصنع في الصين؟ أنا لي تجربة شبه مباشرة في الشهادة على تزوير في روتردام  في الإنتخابات الأولى، اعترف فيها أحدهم بأنه صوت عدة مرات مع أصدقائه وأن إزالة الحبر لم تكن مشكلة. ومثلما لا تكون إزالة الحبر مشكلة، فأن "إزالة" اي إجراء احترازي آخر لن تكون مشكلة أيضاً، خاصة إن تعاونت اللجنة المشرفة على الإنتخابات مع المزورين.

اللجان المشرفة التي تقتصر غالباً على وجود ممثلين من الكتل الكبرى كحقيقة موضوعية، ستكون لديها دوافع إضافية للتزوير في نظام الإنتخابات الجديد والذي يتيح للكتل الكبيرة الحصول على المقاعد الناقصة الأصوات للكتل الصغيرة، يشجع تلك الكتل على تزوير البطاقات وإخفاء عدد منها يكفي لإفشال حصول الكتل الصغيرة على مقاعد، لتذهب إليهم.

الجميع يعدون بالتغيير ويدعون للتصويت لهم من أجل التغيير، لكن الحقيقة أن التغيير المتوقع أكثر من غيره، هو تغيير نحو الأسوأ! هذا الإستماع لرأي الشعب واتخاذ مواقف جميلة ليس إلا بفضل حمى الإنتخابات. ما أخشاه هو تسجيل هزائم في مستوى قانون النفط ومفاجآت وربما فشل في تنفيذ سحب القوات الأمريكية أو تنفيذ سحب تافه يتم تصويره وكأنه خروج للقوات، مع احتمال أن يكون مصحوباً بأعمال إرهابية كبرى لإقناع الناس بضرورة بقاء الأمريكان. كذلك أخشى توقيع المزيد من الإتفاقيات الإقتصادية السيئة التي تكبل العراق مع صندوق النقد الدولي، وتتيح للشركات أن تتصرف بحرية في أرض العراق وعماله وبيئته، وأتوقع حملة خصخة كبرى. وهناك احتمال سيطرة أكبر لتعاون السفارة الأمريكية مع عملائها من رجال أمن صداميين سابقين وغيرهم، واستمرار نجاح الفريق الأمريكي في عرقلة قرارات البرلمان بشكل خاص، وإبراز إشكالات قانونية تستغل بشكل موجه لتنفيذ أجندة أمريكية، ومن المحتمل جداً محاولة دخول إسرائيل بصراحة أكبر إلى العراق كله وليس في كردستان فقط. ويتوقع استمرار وربما زيادة توتر العلاقة مع خصوم إسرائيل في المنطقة مثل سوريا وإيران، خاصة إن فاز أمثال أياد جمال الدين أو أياد علاوي أو مثال الآلوسي أو عادل عبد المهدي فهؤلاء سيربطون علاقتنا بهذه الدول بعلاقة أميركا بهم. ستستمر الإعتقالات والتعذيب خارج القانون مادامت الحكومة القادمة تعلم أن ذلك لن يثير مشكلة لها، كما تبين تجربة الحكومة الحالية، خاصة إن كانت على علاقة جيدة مع أميركا،. كذلك ليس مستبعداً أبداً أن تستمر حرية الصحافة بالإنخفاض في الوقت الذي تتزايد فيه بوضوح وبلا خجل، مظاهر الدكتاتورية التي عرفها العراقيون أيام صدام حسين.

لا شك أن مقالتي تبدو نشازاً عن الأجواء الإنتخابية التي يشيع فيها تفاؤل كبير، لكنه تفاؤل غير مبرر ولا تدعمه الحقائق. بالمقابل فهذه مخاوف لها ما يبررها، فالشعب العراقي، ولنقل الحقيقة، لم يبرهن بأن لديه الوعي اللازم لإدامة الديمقراطية، والديمقراطية مادة سريعة الفساد وبحاجة لرعاية وعناية مستمرة وأن يحبها أهلها ويحترمونها لذاتها، ولم ينم في العراق مثل هذا الوعي بعد. وبشكل عام كان المواطن كسولاً نفعياً قصير النظر في تعامله مع حقوقه السياسية. كذلك فأن المواطن كان مهتماً بقرارات البرلمان، لكنه لم يكن يهتم بالتمييز بين من صوت ضد قرار ما ومن صوت معه، ولم تثر المشاريع المشبوهة مثل التصويت السري في البرلمان أية ردود فعل تستحق الذكر. المواطن يريد النتيجة فقط ولا يهمه من جاء بها، وبالتالي فهو يفقد أهم مصدر يساعده في القرارات الإنتخابية اليوم. هذا الإهمال كان يكافئ المرتشين والعملاء، ويبخس الشرفاء قيمة تضحياتهم ويدفعهم الى الإنكفاء.

لا شك أنها صورة مخيفة محزنة، ربما تتنافى مع ما يأمله القارئ حين بدأ قراءة المقالة، لكنها حصيلة مراقبة "فترة حملة الشعب الإنتخابية"، ومختصر تنقصه الدقة بلا شك، لسنوات من المتابعة وليس بضعة أسابيع من قراءة الوعود الإنتخابية الوردية المدروسة بعناية، لتمرير الأكاذيب، ويتم فيها تأجير مواهب الكذب الأجنبية المتمرسة ويشحنون الفضائيات بالإعلانات المكشوفة والمخفية، من أجل التأثير على الناخب وجعله ويتذكر ويكبر الحقائق والأكاذيب المناسبة التي تقال له اليوم، وينسى الحقائق غير المناسبة التي اختزنها في ذاكرته عن سنوات جرب فيها عملياً كل من هؤلاء، في الحكومة وفي البرلمان. خاصة أن هذه الحملة الإنتخابية ينقصها الجدل الإنتخابي الذي يقام عادة ليس في الدول الغربية العريقة الديمقراطية فقط، وإنما في دول حديثة الديمقراطية نسبياً مثل إيران، يكشف فيها كل من المرشحين الأساسيين أخطاء ونقاط ضعف الآخر بلا مجاملة، وتكون مصدراً هاماً للقرار الإنتخابي للمواطن.

ليس الشعب راض عن سياسيه، ومع ذلك يجب أن لا ندع الإنتقام يشوه الحقائق أكثر من اللازم. فكثيراً ما اندفعت الشعوب بتأثير كرهها لنظامها السابق، إلى انتخاب من هو أسوأ منه بكثير، وفي تقديري أن الإحتلال حاول ذلك، حين قدم بدائله من حثالات كبديل من المجموعات التي قادت البلاد بشكل سيء. لقد سقط الشعب الهولندي في الفخ حين دفعه غضبه من حكومة بالكنندة الأولى إلى انتخاب حكومة حثالات بيم فورتان، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار. وما يستطيع أن يوقع الشعب الهولندي وغيره من الشعوب الأوروبية في فخ، لا يستحيل عليه أن يوقع في نفس الفخ، الشعب العراقي الأقل تجربة في السياسة والممارسة الديمقراطية.

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تذكر قبل ان تنتخب .. دور الشعب في تقرير مستقبل العراق 03 - 05/03/2010)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1275 المصادف: 2010-03-03 04:57:12