ملف - الانتخابات ودور الشعب في تقرير مستقبل العراق

المثقفون والأزمات الكبرى

 الفئات الحاكمة في بلاده، التي كانت تضع قدما في السلطة الرسمية وأخرى في مافيات المخدرات، تنبهت الحكومة الكولومبية البائسة آنذاك إلى اهتبال هذه "الظاهرة" اللافتة واستثمارها لصالحها من اجل تجميل صورتها الكالحة أمام العالم. فعرضت - بسذاجتها المعهودة- على الكاتب أن يكون سفيرا لها في أية دولة يشاء تكريما له ولجهوده في رسم صورة كبيرة للكاريبي وريف كولومبيا تعرّف لها العالم كلّه؛ لكن ماركيز بوعيه السياسي الكبير رفض العرض تماما لأنه لا يريد أن يمنح الشرعية لإحدى جمهوريات الموز.

 

ولا شكّ إن المسألة قد تجدد نفسها إذا ما حصل عراقي مبدع – كسعدي يوسف مثلا- على جائزة نوبل، وهو يستحقها منذ زمن طويل، فإن السلطة العراقية التي تضع قدما على الكرسي وأخرى في مافيات الفساد الإداري والمالي قد تجد نفسها محرجة أيضا، وتطلب من الكاتب المفترض فوزه أن يكون وزيرا أو سفيرا لها؛ لكن لو صحّ ذلك الافتراض فإنها بالطبع لن تجد إلا الإعراض من الكاتب.. حتما. فما سبب ذلك؟ المثقفون على العموم والمثقفون الوطنيون خاصة الملتزمون بقضايا شعوبهم يجدون من العار عليهم ممالئة سلطة ما، مهما كانت ادعاءاتها، ولوضعهم في خانة الإعلانات الرخيصة عنها. إنهم بلا مواربة أكبر من ذلك. ولا تبحث عن (الأغوار) في علاقة المثقف بالسلطة فقد سبق لعباس محمود العقاد أن رفض – وهو كاتب يميني- تكريم دولة عبد الناصر الشمولية مثلما رفض منحه شهادة دكتوراه فخرية من جامعة القاهرة : إنه رفض الديكتاتورية من المثقف بكل أشكالها. هاهم المثقفون على أية حال في كلّ عصر لا يرون في نفوسهم إلا دعاة فرديين، ومرايا براقة لعصورهم، وهم أقطاب الثقافة – وربما الحقيقة الغائبة- أيضا : لا تعجبوا إنهم يرون في نفوسهم "أنبياء" زمانهم المرسلين الجدد بعد انقطاع عصر الرسالات الإلهية.

 

وتكتسب مسألة تحديد مفهوم الثقافة إشكالية دائمة على مستوى الهوية، مثلما يختزن معنى المثقف إشكالية أكبر في التشخيص العلمي. يمكن لبعض الباحثين في الثقافة وصف الحالة بالتمييز بين المتعلمين على اختلاف طبقاتهم، والمتثقفين على تنوع توجهاتهم، والمثقفين الفاعلين ممن يزاولون العمل والنتاج الإبداعي المتنوع والفكري المتواصل، فضلا عن فئة العلماء والمكتشفين والباحثين العلميين الذين يجمعون بين أكثر من مهنة ثقافية وعلمية أحيانا:هذه الفئة النخبوية Elite التي يطلق عليها مصطلح (الانتلجنسيا) عموما، لا تجد في نفسها الكفاءة السياسية فحسب لقيادة الدولة المجتمع، بل ترى في نفسها القدرة والقوة على تقديم ما هو أفضل من الطروحات السياسية المعروضة. لكنها تتحجج دائما بعدم منح الفرص الملائمة لها، او فسح المجال قليلا لها، في حين أنها نسيت إن الفرص يمكن انتزاعها انتزاعا، والمجال لا يأتي من الجلوس وراء السيد الكيبورد وحده. المثقفون العراقيون غير قادرين على صنع فرصهم في عصر الميليشيات المسلحة المستيقظة والنائمة، والمكاتب العسكرية المفتوحة والسرّية للأحزاب اليمينية، وطرق التصفية الجسدية المشهودة. مثلما هم كانوا غير قادرين على صنع فرصة – أية فرصة- في ظل النظام الشمولي السابق في العراق. لذلك فقد بقيت ظاهرة المثقفين وعلاقتهم بالسياسة محض نخب مختلفة تجيد تشخيص المشكلات وتحديد المعضلات التي تجتاح الدولة والمجتمع وبخاصة في حالات الأزمات الكبرى، لكنها لا ترغب بالعمل السياسي المباشر بسبب خشيتها الدائمة.

 

ثمة دراسات أولية عن هذه النخب الثقافية تشير إلى أن 90% قد غادرت العراق في ظروف مختلفة ولم تعد إليه إلا في حالات قليلة نادرة. وبغض النظر عن الأسباب الحاضّة على ذلك لكن بلا شك ليس هناك خططا جادة وواضحة من "الدولة" للعمل على عودتهم للمشاركة في بناء بلد خربته أكثر من قوى خارجية وداخلية؛ بل ربما يكون ثمة تخوفا حقيقيا من فئات سياسية بعينها تجد في تلك النخب خطرا من عودتها والعمل معها بسبب الأفكار الليبرالية واليسارية والتقدمية التي اصطبغت بها تلك النخب تقليديا.

 

ومن الغريب إن فئات المثقفين اليمينيين نفسها تجد نفسها في الوقت نفسه مبعدة عن مصادر العمل السياسي أيضا! إذن فالقضية أوسع من كونها تتعلق بالتوجهات السياسية والعقدية. فالإسلام الليبرالي ودعاته ومعتنقيه وتوفيقييه – مع الديمقراطية!- يجدون "تهميشا" متواصلا من مشابهيهم العقديين السياسيين. فهل يعود ذلك إلى الحساسية الشاملة بين المثقف والسياسي التي تكاد تتخذ قطعا عموديا وأفقيا بغض النظر عن تنوع الايديولجيات؟

 

وتعدّ الانتخابات التشريعية المقبلة في العراق حدثا مفصليا وأساسيا إذا ما توافرت فيها شروط العدالة والنزاهة معا. ويبدو أن النخب السياسية المختلفة اليمينية خاصة قد أجهدت نفسها على إبعاد اكبر مقدار ممكن من المثقفين. وإذا ما وجدت بعض الأسماء هنا أو هناك من المتعلمين والمتثقفين فإن ترقيمها البعيد في القائمة سيكون قد وضع في خانة (الماكياج) السياسي للظهور بمظهر العناية بالنخب الثقافية. ترى لم الخشية من هذه النخب؟ هل يعود سبب ذلك إلى شعورها الملازم لها بأنها "قائدة" وهي لا تتلاءم وطبيعة السياسي التي تقتضي في ما تقتضيه حالة القبول والاصطفاف والإتباع؟ فالمشكلة الأساسية بين المثقف والسياسي هي تصادم سلطتين يرى كلّ واحد منهما امتلاك الشرعية والعمق وربما الحقيقة أيضا. وإذا كان السياسيون على اختلاف عقائدهم يجدون دائما أنهم حملة الحقيقة والمشروعات السياسية الصائبة دون غيرها، فإن المثقفين يتربعون على قاعدة معرفية لا تمتلك هذه الخاصية الجامدة. ومن هنا يحاول المثقفون النأي بأنفسهم عن جميع أنواع الهراء من الثوابت المطلقة.

 

ولعلّ أكثر المثقفين – على قلة مساحتهم وعدم وضوحهم النظري- هم ممن يعانون من هذه الثوابت السياسية والأحكام القاطعة، وبخاصة حينما تغلّف – كما في الإسلام السياسي- بطابع الشريعة أو الفقه وتتخذ شكلا نهائيا يصعب مناقشته. ومن هنا يمكننا اكتشاف الضعف الكبير لليمين الديني في اصطناع مثقفين يمكن الاعتماد عليهم. تماما مثلما عجزت الأنظمة الشمولية جميعها في جذب هذه النخب وبوسائلها المختلفة في تكوين ظاهرة ثقافية لصالحها.

 

لكن ظاهرة الشد والجذب التي تنتاب المثقف والسياسي لا يمكن ان تكون مجدية في البلدان التي تعاني من تحديات مصيرية كالعراق حيث يكون الرأي الثقافي الوطني حجر زاوية للإبقاء على الشكل السياسي القائم للبلاد والحيلولة دون تجزئته على النحو الذي يريده (الأعداء داخليا وخارجيا) الذين يجدون في تمزق البلاد مصلحة لهم، وقد تلتقي في الوقت نفسه مصالح سياسيين انتهازيين في الاتجاه نفسه مما يضع المثقف والمتثاقف والمتعلم امام مسؤوليات جسام لا مجال للهروب منها او النكوص عنها.

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تذكر قبل ان تنتخب .. دور الشعب في تقرير مستقبل العراق 03 - 05/03/2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1275 المصادف: 2010-03-03 05:00:51