ملف - الانتخابات ودور الشعب في تقرير مستقبل العراق

الإنتخابات العراقية بين إرادات الداخل وأجندات الخارج

الأعظم منها يرتبط بشكل أو بآخر بأجندات ونوايا وإرشادات خارجية. فرغم النفي المطلق لهذه الأحزاب لهذا التوجه إعلاميا ،فأن الحقيقة تشير وبشكل واقعي وصريح الى هذه الظاهرة. لا يخفى على المراقب السياسي حتمية تأثر السياسيين العراقيين بتأثيرات الخارج، حيث أن العراق محاط بدول إقليمية تختلف في نظرتها وتوجهاتها وسياساتها فيما بينها الى حد الصراع . وجود الديمقراطية في العراق سوف يسمح لكل طرف من هذه الأطراف المتنازعة بجمع الحلفاء والمؤيدين له من خلال شتى الوسائل والطرق. الولاءات الطائفية أو القومية أو الحزبية أو حتى المادية، كانت ولا تزال تلعبت أدوارا هامة في ميكانيكية الإصطفافات السياسية وفقا لرؤى وأجندات الخارج.

ليس فقط دول المحيط العراقي تحاول أن تؤثر على القرار السياسي العراقي وعلى نتائج الإنتخابات فحسب، إنما حتى دول أخرى بعيدة جغرافيا عن العراق أو دول بعيدة قريبة منه كالولايات المتحدة الأمريكية التي تتاخم قواتها في قلب العراق وينتشر نفوذها في شراينه، تحاول أيضا أن تؤثر على الناخب والسياسي العراقي على حد سواء. أمريكا هي في طليعة الدول التي تحاول أن تفرض أجندتها في عملية الإنتخابات القادمة، وهذا أمر لا يختلف عليه المراقبون. الأمريكيون الذين بذلوا الكثير من الجهد والمال والرجال والسمعة، لا يمكن أن يخرجوا من العراق بكفي حنين، ولا يمكن أن يعطوا العراق فريسة جاهزة للغريم الإيراني. هذا من جانب، ومن جانب آخر فأن إيران التي عانت الأمريين من حربها مع العراق لسنين عجاف لا يمكن أن تسمح بحكومة جديدة يقودها من يرفع شعارات الفرس المجوس التي آلت في السابق الى دمار الطرفين بحرب ضروس دامت ثمان سنوات.

 

هذا الصراع الستراتيجي القطبي الكامن بين الأطراف، خصوصا بين الأمريكان والأيرانيين والذي يجب أن تحدد مساره نتائج الإنتخابات، يجعل المراقب في حالة من الوجل والترقب. لا يمكن لأي طرف من هذين الطرفين أن يسلم بنتيجة خسارته أمام الآخر عندما تخسر الجهات السياسية الموالية له في عملية الإنتخابات القادمة. خسارة أي طرف يعني  التسليم بإنتصار الطرف الآخر، وهذه حقيقة لا يمكن تصورها أو هضمها من قبل الطرف الخاسر لأن هذا يعني خسارة ستراتيجية  قد تكون مدمرة له. إذن ما هو الحل وكيف ستستقر الأمور في ظل هكذا صراع!؟ هذا هو السؤال المهم الذي يجب التحقيق فيه والوقوف عنده. الحقيقة التي يجب إدراكها وفهمها من قبل جميع الأطراف المتنازعة وكذلك السياسيين العراقيين هو التسليم والأخذ بالحلول الوسطية التي هي الأنسب والأنجع والأسلم عاقبة في مثل هذا الإشكال. على الجميع أن يدرك بأن العراق هو موزائيك ذو ألوان وأشكال مختلفة لا يمكن تغييره أو تبديله أو إعادة صناعته من جديد، فما على الأطراف إلاّ التسليم بهذه الحقيقة والتصرف بروح الأخذ والعطاء والمساهمة. مشاركة الجميع وإحترام رأي الآخر وعدم سلب حقوقه أو تهميشه هو الهدف الذي يجب أن يتشبث به السياسيون الجدد،  فمن يريد أن يكسب كلّ العراق سيفقد كلّ العراق ولا طريق غير المشاركة.

 

العراق لكل العراقيين، فهو ليس أبا لأحد دون أحد ولا حكرا لأحد دون أحد. العراق ملك الجميع ومن يتصرف بغير هذا المفهوم فأنه يخل بمفهوم الديمقراطية الحقيقية ويعمل على غدرها وقبرها الى الأبد. أن صكوك الغفران لم تسقط على فئة دون فئة ولا على حزب دون حزب ولا على طائفة دون أخرى ولا على شخص دون غيره، فلا أحد يستطيع المزايدة على حساب الآخر. فالنظام السابق أسقطته الدبابة الأمريكية ولولاها ما سقط! والجميع يدرك ذلك. فالسياسي العراقي لا يستطيع أن يحمل فضله على رؤوس العراقيين، فالكل جاء ليأكل من مائدة محضرة مسبقا. فعلى السياسي العراقي أن يفقه بأن وجوده في الساحة السياسية العراقية لا يتعدى مهمة يؤديها وهي خدمة الوطن وتلبية حوائج المواطنين. البرلماني الجديد عليه أن يعلم بأن الشعب حينما أختاره فهو ليس من أجل أن يتنعم ويعيش حياة الرفاه والرغد ويكسب ويتبطر بقوت الشعب المسكين.

 

 من خلال هذا المفهوم  يستطيع السياسي العراقي الواعي أن يتقاسم ويشارك لا أن يحتكر ويهمش، فمن خلال هذه الرؤيا فقط يستطيع أن يلمّ النسيج  الوطني العراقي المشتت ويجنبه المزيد من التمزق والويلات. كما إنه من خلال ذلك أيضا سوف يتم إقناع جميع الجهات الخارجية التي يهمها الشأن العراقي والتي تعتبر جزءا متداخلا فيه، في أن تحترم إرادة العراقيين في خلق جو التعايش السلمي فيما بينهم. بهذا التصور ستغلق أبواب التدخلات الخارجية في الشأن العراقي التي إن إنفتحت  فستنفتح معها أبواب جهنم والعياذ بالله.

 

تقاسم السلطة بين الأحزاب بشكل عادل وصحيح وعلى أساس الكفاءة والقدرة وليس على أساس الطائفة والعنصر أو العشيرة أو صلة القربى، هو السبيل الأمثل للإستقرار والتوافق في البلاد، ومن دون ذلك لا يستطيع المراقب أن يرى البديل غير الإضطرابات والتناحر والرجوع الى الوراء. هذه حقائق قد أدركها الناس قبل السياسيين وآمن بها الجاهل قبل المثقف وعرفها القاصي قبل الداني. إنطلاقا من روحية المشاركة وإبتعادا عن دوافع الأنا وتماشيا مع فهم وإدراك الواقع العراقي يستطيع السياسي أن يجنب بلده الآهات والحسرات والمصائب، فدور السياسي العراقي الحريص على وطنه سيتبين بعيد صدور  نتائج الإنتخابات.

 

إذا ما حصلت الإنتخابات بشكل طبيعي وصحيح ومن دون إضطرابات وإرباكات أو تزوير وفبركة فأن المحلل  السياسي لا يتوقع فوز كتلة أو إئتلاف مهما كانت شعبيته ونفوذه في الأغلبية البرلمانية عشية الإنتخابات القادمة. إنما ستحصل الكتل الكبيرة على نسب متوازية في الأصوات لا تمكّنها حكم البلاد دون التحالف مع بعضها. بالتشجيع والحث الأمريكي ربما ستتحالف الكتل الكردية مع الكتل الشيعية العلمانية وعلى رأسها القائمة العراقية بقيادة رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي، إضافة الى كتل عربية سنية متآلفة أو غير متآلفة مع قائمة علاوي. هذا التجمع إن حصل ربما سيحصل على الأغلبية البرلمانية وهو ما تسعى أمريكا لتحقيقه، من أجل جر البساط من تحت أقدام الإئتلاف الوطني العراقي وهو إئتلاف ديني شيعي تعتبره أمريكا مواليا لإيران. أما ورقة رئيس وزراء العراق الحالي السيد نوري المالكي، فهي ورقة " الجوكر" التي سيعرف دورها الدقيق بعد  الإنتخابات. إنها ورقة صالحة للقطبين المتصارعين وقد يكون لها دورا أكبر إن حصل التعادل والموازنة في نتائج الإنتخابات بين الأطراف المستقطبة. أمريكا وإيران يغازلان المالكي، لأن كسبه يعني ترجيح لأحد أطراف المعادلة، فهو يلعب الآن على الحبلين منتظرا نتائج الإنتخابات التي يأمل من خلالها أن يبقى متربعا على كرسي رئاسة الوزراء ولا يهمه طبيعة الربّان الأكبر.

 

إن تولى أمور الشعب نخبة سياسية واعية ومدركة لتفاصيل الأمور ومتجردة عن حب ذاتها ومصالحها الفئوية والشخصية الضيقة وناذرة نفسها لحب الوطن والمصلحة العامة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. سوف يقوم هؤلاء الساسة بالتفتيش والتنقيب عن مواقع الخلل في العملية السياسية ويحاولون إصلاحها. ستتفق الكتل المتباينة مع بعضها وتتشارك في حكم العراق ولا تبقي مجالا لإرادات الخارج وأجنداته. وهكذا سيأخذ كل طرف دوره المناط به ويعمل بأحسن ما يرام، وستنتعش الحالة العامة المتردية الحاصلة نتيجة لصراع السياسيين مع أنفسهم من جانب والناتجة عن الفساد الإداري والمادي والمعنوي الذي إرتكبه بعض سياسي المرحلة السابقة.

 

أما إذا بقيت الشخصيات السياسية المتناطحة والمتطاحنة فيما بينها تمسك بزمام الأمور، فقد يتعلق قيام الحكومة الجديدة لعدم التوافق بين الأطراف وتتوسع الطامة وتكبر الهوة وتجد الأطراف الخارجية المتنازعة حجتها في التدخل بالشأن العراقي بشكل مباشر أو غير مباشر وقد يصبح العراق ساحة لتصفية حسابات الأقطاب.  بل قد يتجزأ الى أوصال وأجزاء غير متلاقية يصعب إعادتها ولملمتها، وينتشر حينها الإرهاب المنظم وغير المنظم وتعم الفوضى ويحدث الإنهيار. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن بعض المحللين السياسيين قد تخوفوا من فشل هذه الإنتخابات قبل وقوعها، بسبب الصراع المتزايد بين هذه الأقطاب!

 

د.محمد مسلم الحسيني

بروكسل

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تذكر قبل ان تنتخب .. دور الشعب في تقرير مستقبل العراق 03 - 05/03/2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1275 المصادف: 2010-03-03 05:06:13