ملف - الفساد في العراق .. مقاربات في تشخيص الاسباب ومقترحات لعلاج الازمة

ملف: الفساد الأداري والسياسي توأم الأحتلال والديكتاتورية / نزار رهك

أثيرت في الأيام القليلة الماضية وتزداد باضطراد الأحتجاجات الجماهيرية العراقية ضد الفساد ومن أجل المطالبة بالخدمات وتحسين ظروف المعيشة ..

وتزداد معها عملية إبعاد التظاهرات عن توجيه هدفها الأساسي وهو الأحتلال بأعبار إن الفساد هو حالة عراقية محضة، وقد نسي هؤلاء وغيرهم إن رواتب السياسيي كان قد حددها لهم الأحتلال ليشجع الناس الى الركض نحو الأرتزاق والربح السريع عبر العمل السياسي وخلق إطارا سياسيا عراقيا للأحتلال .

إن الفساد الأداري والسياسي هو ليس حالة عراقية فقط بل حالة مرادفة لجميع الأنظمة الكولونيالية والديكتاتورية التابعة و العميلة حيث يبتعد المفسدين في طموحاتها عن واقع وطموحات جماهير الشعب وحيث تكون الثروات بوابة للسيطرة والنفوذ والأستمرار في السلطة بل قد تكون بوابتهم الوحيدة عندما تتكشف زيف شعاراتهم التي كانت ترتفع في تصريحاتهم ما قبل توليهم المسؤولية . الفساد هو إيرادات مالية تعتبر ثمنا لبيع المواقف في السياسة والأقتصاد .

وهو حالة عالمية لأن السارق والمفسد لا يستطيع إلا أن يودع سرقاته في البنوك والعقارات والبورصات الغربية وتكون رهن بسلوكيته السياسية المستقبلية لأختيار طريق لا رجعة فيه .

والفساد حالة مرتبطة إرتباطا مباشرا بالأقتصاد الوطني وطبيعته الأستثمارية والتخصيصات المالية لهذه الأستثمارات وسمسرتها حيث تدخل الرشاوي كعنصرا أساسيا في عملية توقيع العقود التي غالبا ماتكون شكلية أو وهمية أو غير كفوءة وهي الجزء الغالب منها، أي إن مؤثرات هذه الحالة تكون مباشرة على التنمية الأقتصادية ومستقبل التطور الأقتصادي والزيادة الهائلة في نسبة التمايز الطبقي وهو أحد الشروط الأساسية لأقتصاديات السوق التي أدرجها الأحتلال في الدستور العراقي، هذا التمايز الطبقي يتبلور بصورة إثراء نخبة من السراق والمفسدين والسياسيين الموالين أو الراضخين للأحتلال . ومن هذا المنطلق فأن محاربة الفساد يستلزم شرطه الأساسي بمحاربة الأحتلال وطرده من الأرض والسماء والمياه العراقية قبل محاربة أعوانه .

و يحاول البعض تسيير تظاهرات ضد الفساد وكأنه بعبع مستقل عن مجمل  الأوضاع التي صنعته والقوى الدولية التي تقف وراءه وإنه سوف يهرب أو يستسلم لمجرد رؤية المتظاهرين أو المحتجين مع إحترامي وتضامني مع من يعلن إحتجاجه ضد ظواهر الفساد والمفسدين ولكن السهام يجب تصويبها بدقة لمن صنع ويصنع الفساد والمفسدين أولا ويعتمده طريقة للسيطرة الأستراتيجية الأقتصادية والسياسية .

إن الفساد هو خطر كبير على الديمقراطية ومستقبلها ويهدد الثقة بين الناخب والمرشح وبين الشعب والحكومة المنتخبة وما تم الكشف عنه وإعلانه من فضائح الفساد في العراق وإدراجه في المراتب الدنيا من قائمة الشفافية العالمية ما هو إلا قمة في جبل من المفاسد والسرقات ويحاول أن يكوّن سلوكا إجتماعيا وعلاقات وظيفية مبنية على المصالح الأقتصادية والمنافع الشخصية والمحسوبية وقد تحول مع بقاء الأحتلال وعمليته السياسية الى وباء يحيط بالدولة والمجتمع والأحزاب السياسية والأقتصاد الوطني وسوف يلحق أفدح الأضرار بعملية إعادة البناء التي كانت ولم تزل مجرد شعار جميل يزين شعارات الكتل السياسية الحاكمة، وهو بالضبط مايريده ويطمح اليه الأستعمار لترسيخه في دول الأحتلال التابعة حيث ستجد الأموال المسروقة طريقها في النهاية لخدمة رأس المال العالمي وإستثماراته وما يتبقى داخل الوطن سيكون بحوزة السوق الداخلي المفتوح والمحتل .

إن الفساد هو إمتداد طبيعي لفساد الدولة المصنعة على أنقاض الدولة العراقية المنحلة وسياسيي حكوماتها المتعاقبة .

ولمحاربة الفساد علينا دراسة جوانبه العلمية والأدارية والثقافية (الأعلامية) وهذه كلها تصطدم بالعقبة الأولى والأساسية وهو وجود الأحتلال بجوانبه العسكرية والسياسية والجاسوسية وربط كافة مؤسسات الدولة بسلطة الأحتلال عبر المستشارين الأوائل في بداية التأسيس البريمري وقد وضعوا أسسا محددة في طبيعة الوضائف الأدارية وتوزيعها حسب الطوائف والأحزاب المشاركة في العملية السياسية المساندة للأحتلال وجعل عملية التوزيع الشبكي للأدارات وفقا لمحسوبية العاملين لهذه الجهة أو الطائفة أو القومية لضمان سير السرقات والرشى بدءا من التعيين وإنتهاءا بالعقود الأستثمارية ولو تناولنا الجوانب الأساسية الواجب مراعاتها في محاربة الفساد فأننا سندور في دائرة مغلقة لا خلاص منها إلا بهدم كافة البناء الأداري المصنع بثورة شعبية ضد الأحتلال وتنهي العمل بالدستور وتعيد الشخص المناسب للمكان المناسب وفق الشروط الأدارية العلمية والخبرة والكفاءة ومقاييس دائرة الخدمة المدنية وقوانينها الوطنية .

 

وهذه الجوانب هي:

العلمية :

 إشراك عدّة علوم إختصاصية في تحليل ظواهر الفساد ووضع الدراسات لمعالجتها ومن هذه العلوم : العلوم القانونية والعلوم الأقتصادية والأدارية والعلوم السياسية والأدارية والأجتماعية.

وقد كانت هذه العلوم وأساتذته بعد الأحتلال عرضة للأغتيال والهجرة والتقاعد .. وتعرضت الجامعات ومؤسساتها الى التدمير والتخريب وبعضها تحول الى حسينيات وجوامع ومرتعا لميليشيات هذا الحزب أو ذاك وفقدت دورها العلمي والبحثي ولم ترفد بما هو جديد من التطورات الفكرية والأكاديمية وتخلوا العديد من فروعها من المصادر والكتب وقلة في الكادر الأكاديمي . أي إن أحد أهم جوانب المعالجة يراد إفساده بالكامل إن لم يكن قد تم إفساده .

 

الأدارية :

دائرة الرقابة المالية، أو هيئة النزاهة المستقلة وغيرها وهي مايجب بناءها بشكل مستقل .

وذلك من خلال نص نظام قانوني خاص بها ولا تخضع لقيادة الرئاسات التنفيذية والتشريعية

بل هي فوق هذه السلطات أو الى جانبها وتقدم تقريرها السنوي دوريا أو عندما تقتضي الحاجة (دون الأسرار الداخلية الخاصة ) الى البرلمان أو الرئاسة . ولكنها تمتلك إتخاذ القرار الأقتصادي المستقل (كالبنك المركزي ) أو إتخاذ التدابير الرقابية المطلوبة على كافة الهيئات القيادية الأخرى والمسؤولين  دون إستشارتها وهنا تتجسد إستقلاليتها .

ويتم تشكيل هذه الهيئات بشكل مشترك من قبل الهيئتين التنفيذية والتشريعية، التنفيذية (رئاسة الوزراء ) ترشح الرئيس ونائبه وشخص ثالث والتشريعية (البرلمان) ترشح ثلاثة أعضاء إضافيين لتشكيل الهيئة أو اللجنة التي تستمر لدورة إنتخابية واحدة (بعض الدول تحددها بين خمس الى ثماني سنوات دون تغييرها بمتغيرات الدورات الأنتخابية  لأن غالبية أعضاء هذه اللجان هم من ذوي الأختصاصات العلمية العالية ( ليست مزورة !!) ويتمتعون بمهنية ومصداقية علمية كبيرة .

أما في العراق فهذه الهيئات لا تمتلك  قانون خاص بها وليس لها تعريف واضح وكأن كتبة الدستور قد إستنسخوا النصوص دون التمعن في كيفية إكتمال البناء الأداري والقانوني لهذه الهيئات والبعض قد تم تعيينهم من الحاكم المدني للأحتلال بريمر (مثل الهيئة الوطنية المستقلة للأنتخابات ) وما زالوا في مواقعهم الأدارية هذه وكأنها ملك (طابو) لهم .

إن مراجعة سطحية لتجارب الدول في هذا المجال كافية لحل هذه المعضلة التي يدور حولها النزاع بين أطراف العملية السياسية في العراق . والمثير للغرابة إن هذه الكتل تثير الجدل حول تبعية هذه المؤسسات دون أن يهيئوا الكادر العلمي المناسب لها سواء كان من هذا الفريق أو ذاك . ولكن هذه هي طبيعة اللصوص حيث يهمهم فقط المنافع الممكنة في هذا الموقع الأداري .

 

الثقافية (الأعلامية):

محاربة الظواهر والقوانين الأجتماعية والأقتصادية والأدارية التي تقود الى الفساد عبر الصوت والصورة والمطبوع وكشف أسرار العمليات اللصوصية والرشا والأختلاس وماشابه ذلك .

وهو ما تطلب حرية صحافة وأعلام حر وحماية أمنية للعاملين في هذا المجال وهو ماكان ولم يزل مفقودا منذ إحتلال العراق حيث إبتدأتها الدبابات الأمريكية بالتصويب الى الغرف الأعلامية في الفنادق وقتل المئات من الصحفيين . والآن أصبحت الصحافة تنطق بلسان واحد و تم إحتكار العديد من الوسائل الأعلامية لخدمة الحكومة أو الأحزاب السياسية في السلطة .

 

مفهوم الفساد

مصطلح الفساد يحمل مضامين متعددة حسب الشخوص المعنية به والمكان الذي يقع فيه .. وللسهولة نحاول تسمية ثلاث مفاهيم للفساد والفرق بينهما :

1-   الفساد المدان جنائيا وفق مواد قانونية مشرعة في القانون الجزائي العراقي وفي هذه الحالة على السلطة القضائية تحديدها مع وضع الضوابط القانونية والأجرائية بشكل واضح خاصة ما يتعلق بجرائم الرشا والمحسوبية وتزوير الأنتخابات وغيرها . والأجابة عن تساؤلات الشعب العراقي في قضية محاكمات الفاسدين ليبرأ  ذمته من المشاركة فيه .

2-   الفساد المدان سياسيا وإجتماعيا ويفهم منه  بشكل عام الأساءة الى الثقة بالسلطة السياسية وبرامج الأحزاب وشعاراتها وتبديل وجوهها ووجهتها بعد كسب أصوات الناخبين وبشكل مخادع للأستفادة منها من أجل المنافع الشخصية أو الحزبية أو الطائفية الضيقة والتخلي السريع عن الوعود والتعهدات السابقة للأنتخابات .. ويدخل ضمنها التعيين على أساس العلاقات الشخصية دون الكفاءة والأستحواذ على المناصب الحكومية بمختلف درجاتها وإعادة الثقة بمن فقد الشعب ثقته بهم . وتعتبر هذه النقطة أكثر النقاط حيوية في تحريك الشارع العراقي الآن ضد حكومة جرى إنتخابها بتزوير أو بدونه منذ أمد قصير وهو ما يهدد عملية بناء الدولة الحاضنة للجميع ويضع مبدأ الفساد مع عملية إعادة الدولة بخط واحد متوازي وبقيادات المفسدين يكون كامل البناء الحكومي والأداري مبني على الفساد .

3-   الفساد المشرعن، والقانون الراعي للفساد والمفسدين كقرارات الحصانة القانونية للوزراء والمسؤولين، والرواتب التقاعدية والأمتيازات لنواب البرلمان السابقون واللاحقون .. والرواتب الخيالية التي ترهق أكثر من 20% من ميزانية الدولة، عدا السرقات والرشاوي وسمسرة العقود التجارية والنفطية وغيرها . 

4-   نفوذ الفساد الحزبي الى الدولة عبر الأجراءات التوضيفية من المنطلقات الحزبية والطائفية أو لصالح المسؤول الحكومي الذي وضع هذا الشخص أو ذاك في إدارات المؤسسات الحيوية .. وهذا النوع ينطبق أيضا على الصحفيين والأعلاميين والأستشاريين .. أي إعطاء رجل السلطة أو صاحب المنصب الحكومي كامل التحكم في القناعات والمحاججات وتكريس المناهج الدراسية لهذا الغرض وهو ما يسيء الى الحقيقة والديمقراطية والتعددية الفكرية وحرية البحث العلمي وحرية التعبير ..  وهذه الصبغة من الفساد العلمي والأعلامي لا يستطيع القضاء سن أي قانون جزائي ضدها .. فالجزاء يأتي من القاريء أو المستمع أو المتلقي وقراره هو الموقف الأنتخابي  .. وهو ما يتم التحايل عليه بتحول المجاميع الحزبية من الحزب الى التكتل وتغيير بعض الوجوه من حملة إنتخابية الى أخرى ( من حزب الدعوة الى حزب الدعوة وجماعة الجعفري و دولة القانون .. وهكذا ) وإستغلال قلة خبرة الناخب العراقي في ألاعيب الساسة  الذين يتلقون أساليبهم وعلومهم أو ألاعيبهم السياسية في الدوائر الأمريكية أو الأيرانية المختصة وإستنساخ تجارب الفساد العالمية وإعادة تطبيقاتها مستغلة غياب الثقافة الأنتخابية وإنقطاع الشعب العراقي عن التطورات السياسية والفكرية طيلة سنوات الحكم الديكتاتوري البائد.

وقد أفرز الأحتلال أعداد لا يستهان بها من الكتاب والأعلاميين المرتزقة، وأصبح الأرتزاق في الموقف الفكري والوطني وتحليل الأحداث والحقائق وفق الصيغ الأمريكية بضاعة رائجة . لتحول العمل الثقافي والصحفي الى تجارة مربحة يدفع تكلفتها المحتل وحكومة الأحتلال .

الفساد الأداري والسياسي توأم الأحتلال والديكتاتورية

 

الفساد السياسي والفساد الأداري

يجب التفريق بين الفساد السياسي والأداري، الفساد الأداري يعني الرشاوي التي يفرضها المعنيين في دوائر الخدمات العامة والتشغيل هدفها الأستفادة والمنفعة الشخصية مقابل إنجاز المعاملات أو منح العقود لأنجاز الخدمات العامة الى الشركات أو المقاولين والسماسرة  لا بسبب الكفاءة وجودة أو سرعة الأنجاز وإنما للرشا الغير قانونية التي تدفعها هذه الشركات للحصول على هذه العقود وتشمل هذه الرشا أيضا بعض القضاة والقانونيين أيضا في مؤسسات الدولة . وبعد إحتلال العراق عام 2003 تحولت الأحزاب التي كانت معارضة للنظام السابق الى مافيات من السماسرة والمستثمرين واصحاب عقارات في الدول الغربية وأميركا ودول الجوار العراقي .

وهناك أشكال عديدة من هذه الرشا ويتم تصنيفها حسب حجمها وخطورتها .. بعض الخبراء (1) يقسمها الى أربعة أصناف:

1-   ممارسة وخروقات فردية، حالة فساد صغيرة (مثل موظف ينجز معاملة لشخص قبل غيره في التسلسل لقاء مبلغ معين).

2-   علاقات فساد متنامية، متطورة عبر فترات زمنية طويلة وتعتبر أرضية ثابتة لتكرار دائم للفساد (المفسدون من موظفي النظام السابق وسيطرتهم على المفاصل الحيوية في الدائرة التي يعرفون أسرار الفساد فيها أكثر من الآخرين)

3-   علاقات فساد شبكية، ترتبط مباشرة بالشركات الأحتكارية العالمية أو شركات متعددة الجنسية، وهذه هي الأكثر شيوعا في دول الغرب الرأسمالي، وبدأ إنتشاره في العراق بعد الأحتلال عام 2003 م عبر مستشاري الأحتلال في الوزارات العراقية والوكالات الأستشارية الأقتصادية العراقية الخاصة وأول البادئين بأنشاءها أحمد الجلبي وإبن أخته.

4-   الفساد في إطار الجريمة المنظمة، وهي ربط العمليات الأقتصادية والعقود التجارية مباشرة مع قوى السيطرة الميليشياوية ومراكز القوى العسكرية والجنائية (البيشمركة الكردية مثلا) .. ومخاطر هذا النوع الواسع الأنتشار في العراق المحتل أن تكون عمليات الفساد والأرباح الخيالية التي تدرها على أصحاب القرار تدفعهم الى المزيد من إثارة النزاعات الطائفية والأثنية والعمليات الأرهابية لتبرير تواجدها وتوسعها العسكري ..

و شركة بلاك ووتر التي غيرت إسمها بعد الجرائم في العراق هي ليست لحماية الأشخاص والمنشآت بل هي تقود أيضا عمليات الفساد الأقتصادي وتمارس الأرهاب وترتكب الجرائم من أجل تمديد عقود بقائها في العراق وأفغانستان وغيرها .

 

الفساد السياسي

أما الفساد السياسي فيعني فساد السياسيين (الرئاسات الحكومية، الوزراء، نواب البرلمان ..الخ) وتتجسد بشكل بسيط في إستغلال المنصب الحكومي  أو السياسي لأغراض حزبية وشخصية وهذا يشمل موظفي مجالس المحافظات والأقاليم .

وفي الواقع العملي يقوم المسؤول بتسخير قدرات الدولة لأسناد الحملات الأنتخابية، وإستغلال المنصب للفوز بالعقود الأقتصادية لصالحه أو لعائلته أو مقربيه . ويمارس المحسوبية ويتلقى الرشا ويتقبل السرقات بالضد من المصالح الأقتصادية للشعب .

إن عدم شمول نائب البرلمان أو الوزير بالأجراءات القانونية الجزائية يجنب أيضا الموظف الفاسد الأقل درجة من الجزاء أيضا وأغلب العمليات تكون مشتركة أي إن الفساد يكمل سلسلته بين الدوائر الوظيفية والحكومة أو قسما منها وهو مايدفع بمسؤولي الحكومة بالدفاع عن الفاسدين وتجنيبهم من المسائلة القانونية، وفي العراق المحتل دخلت الدوائر القانونية المكلفة بالرقابة  (النزاهة) كجزء من عملية الفساد ومكملا آخر للسلسلة التي تمتد من صغار الموظفين مرورا بكبار الوزراء وإنتهاءا بالأحتلال وشركاته وإحتكاراته الرأسمالية التي تهيمن على إستراتيجية تواجده الغير مشروع في العراق.

إن الحصانة من المسائلة القانونية هذه ورغم الحملات التشهيرية الأعلامية والصراعات البرلمانية للأطراف السياسية المتنافسة، يضع الفساد في المكان والمكانة التي تمكنه من السيطرة على مجمل الحياة الأقتصادية والسياسية في البلد وتوقف عجلة الأنتاج والتنمية .

ومراجعة بسيطة لأسماء وزراء عراقيين أفتضحت سرقاتهم ورشاهم وإختلاساتهم يكفي للدلالة على إن حكومات الأحتلال غير جادة في وضع حد للفساد رغم تشدقها بالمسميات الكبيرة كدولة القانون التي تقود الحكومة الحالية .

إن الحزب السياسي الذي يرتضي الفساد منهجا و سلوكية أطبعت قادته عليه يعيش حالة الفساد في تركيبته التنظيمية أيضا وفي تدرج قيادته وسيطرة النخبة العليا  وعزل جماهيره عن صنع قراره السياسي والتوجه الأستراتيجي له وبالتالي يجعل الأبواب مغلقة أمام محاربة الفساد وتتحول قياداته الحزبية الى مافيات ولصوص، وتتشكل التحالفات السياسية على أساس تقسيم الغنائم (شيلني وشيلك) وليس على أساس حماية المصلحة الوطنية وخدمة الشعب والتنمية المستدامة للأقتصاد الوطني .

 

أوجه الفساد السياسي المالية :

1-   تزويد الحملات الأنتخابية من المال العام . وهو ليس غريبا عن الوضع العراقي الذي يتم إستخدام المعدات العسكرية للداخلية والدفاع لتنفيذ أعمال أرهابية يكون من السهل إستخدام كامل قدرات الدولة لأغراض حزبية كالدعاية الأنتخابية وقد أضيفت لها الجوامع والحسينيات والجامعات وغيرها .

2-   تمويل الحملات الأنتخابية من مصادر أجنبية لقاء مواقف سياسية وأقتصادية مسبقة لصالح الممول .

3-   في الغرب الرأسمالي تكون بشكل هدايا وتبرعات معفية من الضرائب لصالح الأحزاب السياسية ولصالح حملاتها الأنتخابية لقاء عقود إستثمارية لصالح الممول .

4-   توزيع ثروات وميزانية البلد بين المسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان بشكل رواتب خيالية ومخصصات وأمتيازات، وكنا قد أشرنا اليها في الجزء الأول .

5-   العقود التجارية والنفطية التي لا تخلو من سمسرة ورشا وخاصة عقود نفط الشمال . أو العقود النفطية للآبار المستكشفة أو المنتجة التي يتم منحها بقيمة الآبار الغير مستكشفة أو الغير منتجة بقيادة عصابات مافياوية بأطار سياسي عبر وزارة النفط أو إقليم كردستان .

 

القطاع العام والخصخصة:

 إن الخصخصة والتوجه نحو إقتصاد السوق هو الواجهة الدستورية للسرقة والفساد، إذ يتميز دستور العراق المحتل أو كما يسميه البعض بدستور بريمر بخاصية تميزه عن جميع دساتير العالم وهو تأكيده على إعتماد سياسة السوق الرأسمالي بدلا من إعطاء الحرية للشعب العراقي في إختيار شكل النظام الأقتصادي – الأجتماعي الذي يناسبه ويتناسب وطبيعة ملكية الثروة الوطنية وخاصة النفطية منها التي تعتبر عماد إقتصاده وقدراته التنموية وكان حتى لحظة إحتلال العراق ملكية إجتماعية عامة للشعب .

وكان من الطبيعي أن تزداد في العراق نسبة البطالة بشكل ينذر بكارثة إقتصادية وتنموية كبيرة ولا يمكن معالجتها حتى وإن إستغنى المسؤولين عن جميع رواتبهم ومخصصاتهم المليارية لأن العلة تكمن في تدمير الدولة وقطاعها العام الذي كان الوعاء التشغيلي لملايين القوى القادرة على العمل وقد تم بعد الأحتلال تدمير كامل وإنهاء العمل أو تعطيله في أغلب منشآت الدولة الأنتاجية والخدمية دون وضع البدائل الأقتصادية لعملية التشغيل والتوضيف وإعادة دورة الحياة الأنتاجية وتخوض الماكنة الأعلامية لسلطة الأحتلال النقاشات والحوارات التلفزيزنية والصحفية حول مشكلة البطالة وتتم صياغة الأستنتاجات النهائية للحلول عن طريق مايسمى بتنمية الأستثمارات الأجنبية وتنمية القطاع الخاص  وخصخصة القطاع العام دون طرح المبررات المنطقية لهذه الطروحات الأستعمارية التي يراد منها تجريد الشعب من ملكيته الأجتماعية .. ومثل هذه الحوارات تغض النظر عن إن البطالة هي صفة مميزة للنظام الرأسمالي أكثر من كونه صفة للنظام الأشتراكي أو نظام إقتصاد الدولة .

البعض كان يربط القطاع العام بالديكتاتورية تما كما ربط قادة الأحزاب الكردية بين مركزية الدولة حتى وإن كانت ديمقراطية بالديكتاتورية والفيدرالية سمة ديمقراطية .

إن الفساد في حالة الخصخصة يأخذ طابع إستراتيجي (شبيها بسياسة الأنفتاح المصرية في زمن السادات ومبارك) لضمان ديمومته المستقبلية من جهة ومن جهة أخرى لتقديم الثروات العامة وثروة الأجيال القادمة للراعي الغربي والأمريكي وشركاتهم المتعددة الجنسية على طبق من ذهب والتي ستفرض لا شروطها الأقتصادية فحسب بل والسياسية والتكتيكية المناسبة لهذا التطور .

لم يكن الأحتلال الأمريكي للعراق مجرد قوات عسكرية تحرز النصر على الجيش العراقي وتدنس أرضه  .. وبعدها تنسحب وفق شروط وتعهدات ومواثيق .. بل إنه توجه إستراتيجي إقتصادي وسياسي كان ومازال هدفه تدمير العراق كدولة ومنشآت وسرقة وحرق وتفجير جميع المؤسسات الخدمية والأنتاجية لغرض إعادة بناءها ثانية ولكن بملكيات خاصة .. وواهم من يعتقد إن النهب والسرقة والحرائق كانت مجرد خطأ من القوات المحتلة .. لأن الذي قام بتدمير وحرق دائرة الأتصالات وأبراجها (على سبيل المثال) هي نفس شركات الموبايل الكويتية والمصرية (الأسرائيلية) ومن مصلحتها تدمير أي منافسة ممكنة تقلل من عقودها وأرباحها إضافة الى دورها التجسسي والمخابراتي من خلال السيطرة على خطوط الأتصالات  .

العراق وبعد ثماني سنوات من الأحتلال ما زال يخلو من خطوط الهاتف المنزلية وكذلك الأمر لدوائر البريد والنقل العام وشبكات المجاري والصرف الصحي ... وكل الخدمات الأنسانية الضرورية .

أليس غريبا ويثير التساؤل لماذا تعيد بعض المحافظات عائدا ماليا من تخصيصاتها المالية الى خزينة الدولة دون تشغيلها ؟ لأنها ببساطة غير مخولة لأستثمارها في إعادة بناء قطاعات الدولة ولأنها غير كافية للأستثمارات الأجنبية، وإن مجالس هذه المحافظات غير جديرة بخدمة الشعب في المحافظة .. ومن هنا يكتسب الشعب الحق بالأحتجاج والتظاهر ضدها والمطالبة بأنتخابات محلية جديدة .

مجلس محافظة بغداد مثلا يبحث عن مشاريع مجانية من شركات عالمية ولكنها أكثر كارثية من المشاريع ذات الكلفة والتي تعود للعراقيين ملكيتها . فقد تم الأتفاق على مشروع خط النقل المعلق (قطارات داخلية) لشركة فرنسية وبتكلفة (مجانية !!) ولكن الشركة تشترط إستيفاء الأرباح خلال أيراداتها لمدة عشرين سنة قادمة وهو مشروع حيوي وإستراتيجي، ويقلل من أزمة النقل ولكنه سيكلف الأقتصاد الوطني خسائر كبيرة تمتد عبر عشرين سنة قادمة من مداخيل ساكني بغداد التي تتعدى عشرات المليارات والتي تفوق تكلفة المشروع بعشرات الأضعاف ولن نحصل في النتيجة سوى سكراب، أي ماكنة مستهلكة لأكثر من عشرين عاما . وليست له قيمة إستثمارية على المدى البعيد .

والسؤال هو : ما الذي يدفع مجلس محافظة بغداد لعقد مثل هذا المشروع الأستراتيجي الخاسر ؟

ودون دراسة جدوى إقتصادية ودون إشراك خبراء التخطيط والتنمية الأقتصادية . وليس هناك جوابا سوى الفساد المرتبط بعلاقات شبكية مع الأحتكارات العالمية (الصنف الثالث).

 

أنواع أخرى من أصناف الفساد الغير مرئية ويغفل عنها القانون:

- تخصيص وصرف مبالغ كبيرة لمشاريع غير منتجة وغير مفيدة .

- منح عقود خدمة لشركات أجنبية ممكن إنجازها من قبل شركات عراقية أو تخصيصها لتشغيل قوى عاملة تنجز هذه المشاريع (تم منح شركات تركية لتشجير الشوارع)

- شراء أسلحة والعراق تحت الأحتلال .

- قروض غير مجدية وغير ضرورية من صندوق النقد الدولي والحكومة تسرق المليارات من خزينة الدولة .

- الدخول في السوق العالمية الرأسمالية دون توفر شروط المنافسة ( وهي الشرط الأساسي لقانون إقتصاديات السوق الحر الذي تم حشره في الدستور من قبل بريمر .

- إستثمارات إقتصادية تستثمر أيادي عاملة أجنبية .

- إستثمارات تعتمد على الصيانة وقطع الغيار بشكل دائم من البلد الأجنبي المستثمر .

- سمسرة العقود لأشخاص أقارب المسؤول يعيش في الخارج ويمتلك شركة وهمية أو إسمية ليتم تحويل مبالغ بأعتبارها ضمن شروط العقد .

- المتعاقدون من الطرف العراقي يفرضون على الشركة الأجنبية المستثمرة دفع سمسرة لهم للفوز بالعقد دون تسجيلها في العقد وتسجل في حساباتهم خارج العراق أو لحساب معارفهم هناك أو إستثمارها في شراء العقارات (وهي الغالبة والمعروفة للجميع).

- الأستيلاء على مبالغ الرعاية الأجتماعية من أصحابها ( وهي الحالة التي يعاني منها أغلب المستحقين ولا يمتلكوا القدرة على الأعتراض أو الشكوى)

- سرقة رواتب لموظفين أو مستخدمين لا وجود لهم وخاصة في الجيش والشرطة والحمايات .

 

فهم الدولة كمؤسسة لرعاية المصلحة العامة

الفساد هو الكسب الشخصي والحزبي من خلال الموقع الرسمي العام . ومن يحتل الموقع الوظيفي العام فهو يتقاضى راتبه من ميزانية الدولة لقاء تنفيذه الأجراءات اللازمة للخدمة العامة والطبيعية للدولة .. وهذه الوظيفة تكون على الغالب محمية من قبل الدولة (عبر الشرطة، القانون، الوزارة ..الخ) ويمتلك من خلال موقعه السلطة الكافية لأتخاذ القرار الأداري المناسب وهو خاضع أيضا للرقابة والمحاسبة من قبل الهيئات الأدارية العليا . وهذا هو التنظيم التراتيبي لعمل هيئات الدولة الطبيعية .

وبعكس هذا الأتجاه فأن الأداري المفسد هو من يدير دفة التنفيذ لمسؤولياته وواجباته الوظيفية نحو التبادل التجاري وإستحصال الرشوة الغير شرعية .

إن الربح الغير مشروع وإستحواذ فئة محدودة من المجتمع من هذه الأرباح هو هدف إستراتيجي إستعماري لبناء التمايز الطبقي داخل أجهزة الدولة والمجتمع وتسهل عليه السيطرة عبر هؤلاء على كامل الجهاز الأداري، خاصة إن كانوا قادة سياسيين أو إمتدادات لقيادات سياسية ترتبط مباشرة أو غير مباشر بالأحتلال مهما كانت أشكالها وعناوينها وعمائمها .

وهدفها هو تحويل الأقتصاد العراقي نحو الخصخصة بما في ذلك مؤسسات الدولة الخدمية وهذا لا يتم إلا عبر إداريين وسياسيين مرتشين يمنحون الشركات الأحتكارية العالمية جميع الأستثمارات الأقتصادية بما فيها الحدائق العامة وتشجير الأرصفة .. بحجة إن القطاع الخاص العراقي غير مؤهل وغير كفوء لأنجاز هذه المشاريع دون التطرق الى قطاع الدولة بأمكاناته المالية الكبيرة وجيش البطالة الذي يفوق عدديا ونوعيا العديد من دول العالم .

إن إلغاء مؤسسات الدولة من قبل الأحتلال لم يجد ما يقابله من بدائل إقتصادية سوى تسليم كامل مقدرات العراق الى الشركات متعددة الجنسية وحصريا الى الدول الموالية سياسيا للأحتلال بل وحتى لبعض دول الجوار (تركيا، إيران، الأردن، الكويت، الأمارات ..وغيرها) وهي بمجموعها ودون إستثناء تمتلك أسوء الشركات من الناحية التقنية وجودة الأداء .

وهنا يكمن الفساد السياسي في العلاقات الدولية .. فالدول التي تعترف بالأحتلال وتفتح سفاراتها في بغداد وأربيل تجد فرصة أوفر من تلك الدول التي تتمسك بعدم شرعية أي حكومة عراقية في ظل الأحتلال وتحترم موقفها الدولي المعارض للوجود العسكري الأمبريالي على أرض العراق .

الفساد السياسي هو الحالة المكملة لمنح الشرعية السياسية لكيان سياسي لا شرعية له، وتطمح الحكومة العراقية الى شراء هذه الشرعية عبر عقد الصفقات لمشاريع وهمية (كمشاريع الطاقة الكهربائية والأسكان ..) وضاعت الميزانية العامة وتخصيصات الخدمات بين وزير سارق هارب وشركات لا وجود لها ورواتب خيالية ومخصصات الى المسؤولين وقوانين جنائية لا تمس الجناة وحكومة عاجزة عن محاسبة أي مفسد .

 

الفساد السياسي والأداري هو الشكل الظاهري لقضية أكثر حيوية وتخفي أسرارا تدور في محور إستراتيجية الأحتلال في حرمان الشعب العراقي من الكهرباء والمواصلات والأتصالات والتجمعات العمالية في المنشآت الحيوية الأقتصادية وأيضا في التطور العلمي أو تضميد الجرح الثقافي والمعرفي عبر هذه المنشآت.. وعلى شعبنا أن يدرك الحقيقة إنه سوف لن يحصل على الكهرباء في ظل الأحتلال وسوف لن يرن هاتفه المنزلي طالما كانت رقابة الأحتلال المخابراتية تتم عبر إتصالات شركات الموبايل الأسرائيلية (كويتية كانت أم مصريّة) .. وإن الأضرار الأقتصادية من عمليات الفساد لا تؤثر سلبيا في جيب الأحتلال بل في جيوب العراقيين وتعرقل سير حياتهم الطبيعية والأنتعاش الأقتصادي .

إن عملية مكافحة الفساد لا يمكنها النجاح بوجود جهتين أو أكثر من أوجه السلطة .. كالأحتلال والحكومة والكتل والأحزاب والمرجعيات والأقاليم والميليشيات وغيرها من مراكز القوى .. لأن أبواب كل منهما مغلقة بوجه الرقابة أو الأجراءات الرقابية وكل منها تحيطها قوات مسلحة ويتمتع الكثير من شخصياتها بالحصانة والتبعية وفوق كل ذلك فقدان القانون التي يوحدها.

 

المفسدون هم أشخاص أم عصابات مافيا؟

كل إنسان بطبيعته الفسيولوجية يعتبر ضعيف أمام مغريات  الرشاوي والمحسوبية والعديد من أشكال الفساد .

ولا يمكن إتباع النصائح الأعلامية أو ترهيبه بمخافة الله أو المواعض الأخلاقية .. رغم جانبها الجميل والتربوي لأطفال المدارس والتربية العائلية .. لكن ذلك غير كاف لمواجهة الفساد في العراق المحتل الذي صيغ له القانون الأول الجديد على أنقاض قانون الدولة العراقية المؤقت بدلا من إصلاحه أو تغيير جوانبه الديكتاتورية .

وسياسيا تم توزيع الحصص على العصابات المافيوية التي باشرت بالأستحواذ على الوزارات والدوائر الرسمية والمراكز الأعلامية والمؤسسات الأقتصادية والمالية .

هذه المافيات كانت أحزابا سياسية (والأصح مجاميع سياسية تقودها النخبة ) ..

تخلت بعد الأحتلال عن مجمل مواقفها الوطنية والفكرية التي كانت معلنة ووضع في طياته مقومات الفوضى والتجزئة وفرض عليهم إقتصاد السوق الحر والذي لا يعني سوى تسليم كامل مقدرات البلد الى السراق الجدد والشركات المتعددة الجنسيات ولم ولن يكون في الحسبان والتخطيط إعادة دورة الحياة الأنتاجية أو إعادة مصادر القوة الى الأقتصاد الوطني ولا تأهيل العاملين ومعالجة البطالة .

وقد كان وما زال أكثر مظاهر الفساد في العراق هو الأنهاء المبرمج للقطاع العام وإبعاده من دوره الأستراتيجي في عملية إعادة الأعمار، وهو ما أدى ويؤدي الى حرمان حتى القطاع الخاص الوطني من قوة إقتصادية وتقنية وقاعدة تحتية تسند مشاريعه، لأنه كان القوة الوحيدة التي تمتلك التقنيات والمكننة ذات الأستخدام الأقتصادي الأستراتيجي .

وقد إبتدأت هذه العصابات منذ بدء الأحتلال بنهب وسرقة أغلب موجوداته (بأستثناء وزارة النفط) وتعطيل كامل قدراته وتسريح مئات الألاف من العاملين فيه . فالكهرباء الوطنية هي بضاعة أيضا وهذه البضاعة في المنظور الأمريكي يجب أن لا تنتج في العراق كما السيارات أو الماكنات بل علينا فقط إستيرادها وقد جرى الحديث مرارا عن تزويد العراق بالكهرباء عبر البوارج الأمريكية المتمركزة في الخليج العربي والعاملة على الطاقة الذرية .

إن مواجهة مثل هذا الفساد يرتبط مباشرة في تجزئة القوى المولدة له .. وبدءا في العمل السياسي السلمي والعنفي لطرد الأحتلال من العراق وغلق سفارته التي أعدت خصيصا لقيادة وتوجيه شبكات التجسس والتخريب والهيمنة .

العراق ليس دولة حرّة ولا مستقلة وأركان العملية السياسية هي مخاضات وغطاء سياسي للأحتلال والذي وضع ميزانية البلد في صندوق رواتبهم الرئاسية والبرلمانية والحكومية والسرقات المليارية .. وتحولت القوى المعارضة للديكتاتورية بالأمس الى متاجرين بالأمتيازات الجديدة وأصبح العمل السياسي جزءا من صراع مافيا اللصوص للوصول الى السلطة دون برامج سياسية ولا رؤية مستقبلية ولا موقف وطني، بعملية سياسية تخلو من قانون للأنتخابات ولا قانون للأحزاب إضافة الى الدستور الملغم بمبررات التقسيم والحرب الطائفية والأهلية .

 

في البلدان الحرّة والمستقلة تتركز الخطط لمواجهة الفساد بالأجابة على الأسئلة المهمة قبل الدخول في صلب المعركة وهي :

1-   كيف يمكننا تنظيم قوات الأمن الوطني وكذلك الجهاز القانوني ومحاكم الجنايات العامة أو أمن الدولة، وكيف يمكن حماية هذا الجهاز من طغيان وعنف الكتل السياسية وميليشياتها الخاصة ؟، وهل تستطيع هذه الجهات محاسبة القيادات السياسية والحكومية النافذة ؟ مثل قادة الأحزاب الكردية ؟

2-   كيف يمكن تفعيل أجهزة الرقابة المالية والقانونية وهيئة النزاهة وماهي ضمانة إستقلاليتها وما هي قوانينها الخاصة وكيف يتم تعيينها ونفس الشيء بالنسبة الى الدوائر الرقابية في جميع مؤسسات الدولة ووزاراتها .

3-   ما هي الأجراءات الرقابية على الشركات الأجنبية والشركات الخاصة، فيما يتعلق بالحسابات التفصيلية لعملها التجاري والضريبي  للكشف عن الفساد في تعاملها مع الهيئات المانحة للعقود الأقتصادية في العراق ومطابقتها مع الجهة المانحة .؟

4-   كيف يمكن تفعيل الرقابة الشعبية (صحافة، نقابات ..) والبلد تحكمه مسدسات كاتمة للصوت ونقابات مجردة من سلاحها النقابي بعد إعتماد حكومة (الديمقراطية الجديدة) على نصوص قانون إلغاء النقابات الصادر في عهد الديكتاتورية البائد .؟

5-   كيف يمكن للشفافية أن تبرز صحة الفساد السوداء، إن كانت الشفافية مجرد مفردة المافيات الحاكمة في خطاباتهم الدعائية .. والشعب العراقي يعرفها ليست على أرض الواقع بل فقط من أفواه هؤلاء القادة .؟ وأين تختفي الميزانيات الختامية لمؤسسات الدولة ووزاراتها؟

 

إن حجم الفساد الأداري والسياسي في العراق ترتبط مسبباته بمجمل العملية السياسية الأحتلالية وكامل قوانينها وتشكيلاتها وما قيل من ضرورة الأحتفاظ بما أنجز فهو خاطيء

لأن الأساس الفاسد سيكون السبب في تهديم البناء فوق رؤوس الشعب العراقي .

 

نزار رهك

المانيا

Rahak@t-online.de

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1767 الثلاثاء 24 /05  /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1721 المصادف: 2011-05-23 23:46:17