حوار مفتــوح

majed algharbawi5sara falihaldaboniخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الكاتبة والفنانة التشكيلية سارة فالح الدبوني.

 

 س63: سارة فالح الدبوني: نعلم جميعاً بأن المرأة العراقية تحديداً كانت الضحية الأولى جراء الحروب المتتالية التي انهالت على البلد إبان النظام السابق وما تلاها من أحداث وحروب، تركتها ضحية التعب والضياع والقهر والألم مما ضيق دورها الفاعل الذي كان لابد لها أن تلعبه الى جانب الرجل في بناء البلد. فكيف يمكنها بنظركم تتجاوز هذه المحن لتعود المرأة العراقية عضواً فاعلاً في بناء العراق الجديد؟!

ج63: ماجد الغرباوي: حقيقة مرة، فالمرأة العراقية تحمّلت وما زالت القسط الأكبر من تداعيات الحروب والأحداث المأساوية التي اجتاحت البلد، وتركت آثارا نفسية واجتماعية وأخلاقية وثقافية واقتصادية، غيبّت دورها في بناء البلد، لتنشغل بآلامها ومعاناتها ومحنتها. فالحروب تركت المرأة تواجه الحياة لوحدها، فوجدت نفسها أمام حزمة مسؤوليات عليها القيام بها بمفردها، في ظل انعدام الأمن والضمان الاجتماعي، وضمور الخدمات، والعوز المادي، والفقر الاقتصادي، وفقدان الزوج والأبن والأهل، مع انتشار مروّع للجريمة والفساد، وانهيار الدولة العراقية ومؤسساتها. فكيف يمكنها القيام بواجبها إلى جانب الرجل في بناء بلدها، وهي مثقلة بهموم وآهات لا تتوقف؟. فعودتها مشروطة باستعادة وضعها الطبيعي بعد التخلّص من مسؤوليات طارئة لكنها ظلت تلاحقها حدَّ الإرهاق، وتسوية مشاكلها والتخفيف من أعباء التزاماتها الاجتماعية والأسرية. وهنا يأتي دور الدولة في تخفيف معاناتها المادية والأمنية، من خلال دوائر الضمان الاجتماعي والصحي، وتوفير الخدمات. وإعطاء الأولية في الوظائف العامة للمرأة الكفوءة، وتأهيل القطاع النسوي تعليميا، وثقافيا، عبر مراكز مهنية وفنية.

فالمرأة العراقية منكوبة، ولا يمكن معالجة مشاكل هذا العدد الكبير من النسوة بمعزل عن الدولة وخدماتها. كذلك ينبغي للمجتمع القيام بمسؤولياته تجاه المرأة من خلال جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، بل كافة أبناء الشعب، كلا حسب قدرته وطاقته. فتخلي المجتمع عن مسؤولياته الإنسانية محنة ثانية للمرأة المنكوبة، خاصة مع هذا العدد الكبير من الأيتام، والنساء العوانس. وينبغي إبعاد المرأة عن الخطاب الديني، التراثي الذي يحط من كرامتها باسم الإسلام وشريعته، لاستعادة وعيها، وتنمية ثقافتها، كي تتأهل لمستوى حضاري أرقى. فالمسؤولية أولا عليها في تجاوز مِحَنها وعذاباتها، كي تستعيد حضورها وتساهم في بناء بلدها.

وبالتالي، فعودة المرأة اجتماعيا، ومشاركتها للرجل في بناء بلدها يتوقف على أطراف ثلاثة: الدولة، المجتمع، المرأة. فمشكلتها ليست شخصية يمكن تسويتها وتجاوز تحدياتها بمعزل عن بيئتها الاجتماعية، فهي تعيش وضعا عاما محكوما بظروف البلد، وانهيار الأمن والدولة، مع استمرار العنف، وضمور الخدمات والأمن.

 

س64: سارة فالح الدبوني: في ظل الطروحات التي تصدر من بعض السياسيين المُتأسلمين للحد من دور المرأة وللحط من قدرها والتقليل من شأنها وإرساء مفاهيم خاطئة عنها واصفين إياها بشكلٍ غير مُباشر بالضعف وبأنها مسلوبة الإرادة وغير جديرة بالثقة..! ماهي الحلول التي يمكن من خلالها قلع تلك الأفكار المسمومة التي تحط من قدر المرأة في وقت يكون فيه العراق أحوج ما يكون إلى جميع الأيادي الفاعلة بنسائه ورجاله؟؟!

ج64: ماجد الغرباوي: ليست معاناة المرأة مقتصرة على موقف المتأسلمين فقط، بل تعاني المرأة من قيم اجتماعية، قبلية، ذكورية، سلطوية، قابعة في أعماق العقل العراقي، وهي قيم متوارثة تاريخيا. فلا يمكن تصحيح نظرة الرجل للمرأة ما لم تفكك تلك القيم ويعاد بناء العقل العربي عامة والعراقي خاصة وفق قيم إنسانية، بعيدا عن ثقافة الذكورة والعنف والتسلط. فمثلا الملازمة بين المرأة والقصور الذاتي واضحة في نظرة الفرد والمجتمع، وطريقة تعاملهما، وأسلوبهما في مخاطبتها. فتجد النظرة الدونية تتقافز عبر كلماتهم ونظراتهم لا شعوريا. فالرجل لا يحتاج ما يفسر خطأها، لأنه ملازم لكينونتها. وهي نظرة عامة، يعي دلالتها المتلقي. ولا يمكن التخلّص منها، ما لم يتخلى المجتمع عن ثقافته وقبلياته وأحكامه الجاهزة عن المرأة، عبر نقد متواصل ينهض به المثقفون المستنيرون، من السيدات والسادة، من خلال كل الوسائل المتاحة: (الكتابة، الأدب، الفن، السينما، المسرح، وسائل التثقيف العامة). كما ينبغي للدولة نقد تلك الثقافة واستنبات ثقافة أخرى عبر المناهج الدراسية، ووسائل الاتصال الحديثة. وهذا يحتاج إلى وعي متقدم بالمرأة وأهمية مكانتها الاجتماعية. فتجد نصف المجتمع معطّلا أو مشوّها بسبب ثقافة سقيمة لا تغادر وعي الفرد والمجتمع..

 

س65: سارة فالح الدبونيِ:ِ مارأيكم باقتراح برلماني يدعو للتعدد رغماً عن الزوجه الأولى وإقصاء رأيها تماماً، ويطالب بعودة أحكام النشوز، بعد طمرها منذُ عقود، ونحن اليوم في العام السابع عشر للقرن الواحد والعشرين؟؟!!!!

وتحيةٌ وتقديرٌ واحترام لشخصكم الموقر استاذنا الفاضل الكبير ماجد الغرباوي..

ج65: ماجد الغرباوي: في السؤال أكثر من نقطة، ينبغي مقاربتها:

 أما بالنسبة لمقترح تعدد الزوجات، فهي دعوى لرفع الحظر عن تعدد الزوجات، الذي تم بموجب تشريع برلماني مسبق. فالأصل هو التعدد ضمن القانون العراقي قبل حظره. وسيرفع لوجود من يؤمن بتعدد الزوجات، وهم الأغلبية. فكل شيء يتحرك قانونيا في ضوء الشريعة الإسلامية، لأنها أحد مصادر التشريع في الدستور الحالي. مع وجود بند يمنع أي تشريع يتعارض مع أحكام الإسلام. ويقصد بالشريعة خصوص الآراء الفقهية. وهي منحازة للتعدد مطلقا. ولا يشترطون إذن الزوجة الأولى وإرضائها إلا من باب الإحسان. والأمر ذاته ينطبق على أحكام النشوز.

أجد الأجواء التشريعية تتجه صوب فرض أحكام فقهاء المذاهب الإسلامية على القوانين العراقية. فقد طالبت بعض الجهات قبل فترة تطبيق: "قانون الأحوال الشخصية الجعفرية". و"قانون القضاء الجعفري الشرعي". وستتواصل المطالب حتى يطمئن الإسلاميون من أداء رسالتهم الدينية بفرض أحكام الشريعة الإسلامية. فهم أساسا لا يؤمنون بالديمقراطية وما يتمخض في ظلها من قرارات، ويرفضون أي تشريع وضعي، ويحصرون التشريع في منطقة الفراغ بالفقيه. ينسب لأحد مراجع الشيعة، وهو الشيخ اليعقوبي، كلاما صريحا عن موقفهم من الديمقراطية، إذ يقول: (حينما نطالب بالانتخابات لادارة العملية السياسية فلا بد ان نلتفت الى هذه الحقيقة المهمة بأن هذه الطريقة ليست هي القاعدة في حكم الأمة المسلمة وإنما هي الاستثناء الذي نلجأ إليه عند وجود المانع من اجراء القاعدة كأكل الميتة الذي يحل عند الضرورة). فهم مضطرون حتى حين.

نعود لتعدد الزوجات، بحثا عن مبرراته. فهل التعدد مشكلة أم حل من وجهة نظر إسلامية وقرآنية؟.

 الدين لم يفرض تعدد الزوجات، وآياته تسعة للحد من إسراف الرجل على حساب المرأة والبيت والعائلة. فينبغي قراءة الآيات في ضمن سياقها التاريخي، وفي ضوء خلفيتها الاجتماعية مقارنة بما قبل الإسلام. فتحديد عدد الزوجات ليس مشكلة، مادام التعدد هو الأصل، بل وجزء من أعراف وتقاليد المجتمع العربي. والعلاقة بين الرجل والمرأة مرت بأدوار مختلفة عبر التاريخ، فكان التعدد نصيب الرجل، والمرأة تحتفظ بعدد من الأزواج، تارة يكونون أخوة، كما في الملحمة الهندية الشهيرة " بمهابهاراتا". وأيضا هناك تعدد الزوجات وهو الأصل في جميع الشعوب، ثم اختص الرجل بزوجة واحدة، ضمن سياقات التطور الاجتماعي، في بعض المجتمعا التي تلتزم التعاليم المسيحية.

لا ريب أن السعادة تتحقق مع امرأة واحدة يحبها الرجل وتحبه. ولا شك أن المرأة لا تطيق أي شريك، سواء امرأة أخرى أو جارية. والشريكة تفسد الود والحب وتنغّص حياتها. غير أن نظرة الإسلام تمتد لتشمل المجتمع بكل تفاصيله، وما دام تصدى لتقديم نظام يعالج مشاكل الإنسان وحاجته، فحري به أن يقدّم معالجة كاملة وللجميع على السواء.

الإسلام لا يتنظر للطبيعة البشرية، ويسعى لتهذيبها وضبطها، وهو بصدد معالجة حالات تعتري الرجل، من أجل مجتمع نظيف، عفيف، حينما لا يرتوي جنسيا، أو يواجه منغصات في معاشرته، أو زوجته مريضة، قد تعاني برودا جنسيا، أو بلغت سن اليأس، خاصة المبكر. وهي حالات كثيرة. كما هناك مشاكل اجتماعية، تطالب بحلول منصفة، كالعنوسة، وشحة الرجال بسبب الحروب، أو الأرامل في ريعان الشباب. وهناك جشع الرجل وعينه التي تمتد لكثيرات. كل هذه الأمور تحتاج إلى معالجات جذرية، كي يحافظ الرجل على عفته وصلاحه واستقامته، فالتشريع يقرأ في إطار الهدف الكلي للدين، ويبدو مشوها عندما يقرآ بمعزل عنه، وعن خلفيته الاجتماعية والثقافية. فلماذا نرتضي السبل المنحرفة، ونرفض الطرق السليمة لحل الأزمات؟. صحيح ما من حل إلا وفيه تبعات، وجور، لكن التشريع ينحى باتجاه العدالة وليست المساواة لتعذرها في هذه الحالات.

يطمح الذكرعادة إلى إباحية جنسية، يعاشر من يشاء ويهجر من يشاء من النساء .. بينما الإسلام يكافح من أجل مجتمع نظيف، مجتمع عفيف، مجتمع خالٍ من الفساد والإباحية لتفادي مفاسد أخلاقية واجتماعية وصحية جمة. إذا لابد من حل متوازن، يحفظ سلامة المجتمع، ويلبي حاجات الاضطرار، فتعدد الزوجات تفرضه الضرورة أحيانا، لكن بشروط أشبه ما تكون تعجيزية. وعندما تدفع الضرورة الرجل للزواج بثانية، لا شك أن زوجته الأولى تتفهم موقفه وحاجاته، فهي لا تحقد عليه، خاصة إذا كانت تحبه حقيقة.

أما في حالات الترف، وعدم الحاجة سوى الدافع الجسدي، فهذا اللون من الزواج اضطهاد على حساب الزوجة الأولى ومشاعرها، ويتعذر معه شرط العدالة في التثنية. ولا نجازف إذا قلنا بحرمته، ولو بعنوان ثانوي، في ضوء الآية الكريمة. ووفقا لمبادئ القرآن الكريم في العدل والإحسان، وحرمة الاضطهاد والاعتداء.

ثمة قضية أخرى، صحيح أن الغرب لا يسمح بتعدد الزوجات لكن يسمح للرجل ريادة دور الدعارة، ولا يحق للزوجة إقامة دعوى قضائية بتهمة الخيانة الزوجية. فتفشت الرذيلة بشكل رسمي، وتفككت العائلة، وعاشت المرأة حرمانا عاطفيا، يضطرها التلفت يمينا ويسارا، بينما الإسلام وضع حلولا مقيّدة عندما رفض السلوك المنحرف. فالغرب يعترف بحاجة الرجل للجنس، ويعترف أن الزوجة قد لا تشبع رغباته الجنسية، لذا غض الطرف عن ممارسته للجنس خارج إطار الزوجية.

ما أريد قوله، إن التعدد موجود في كل العالم بصور شتى. غير أن الإسلام قننه وضبطه في حالات الضرورة، وليس مطلقا. قال تعالى: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً". وفي آية أخرى: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا". فالعدل كما جاء في السؤال قد يكون شبه مستحيل، لذا استفاد من هذا الشرط من أفتى بعدم جواز الزواج بأكثر من واحدة. ولعله حكم صائب لولا الآية التالية التي رتبت حكما آخر مع عدم تحقق العدل وهو أن لا تترك الأخرى كالمعلقة، فتهمل إهمالا كليا، لتفادي السلوك العدواني. وتعود الآية تحث على الصلح مما يوحي ان القرآن مع زوجة واحدة في كل الأحوال. وليس الصلح سوى تجنب التورط بزواج ثانٍ. وهذا يؤكد شرط الضرورة فيه.

فالتشريع إذاً قنن سلوك الرجل بعدد من الزوجات، للحد من تماديه، بعد أن كان قبل الاسلام ينكح ويتزوج ما يشاء بلا رادع شرعي أو أخلاقي، وطالما يكون التعدد على حساب باقي الزوجات ومختلف حقوقهن. فجاءت الاية: (َانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) لكن بشرط صارم كما تقدم، أن تتحقق العدالة. وكلمة "ما طاب" هنا ليست للتعدد فلا يستفاد منها الحث على التعدد، وإنما للنساء. أي ما طاب من النساء، فهي صفة لنوع المرأة. فالمحصلة النهائية زوجة واحدة، وشرط التعدد تعجيزي، وقد يذهب الفقيه المنصف لحرمة التعدد لولا آيات أخرى تؤكد جواز التعدد، كآية عدم جواز الجمع بين الأختين: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ). وآية: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَ‌صْتُمْ). إضافة إلى سيرة الرسول، الذي تزوج أكثر من واحدة في وقت واحد. وخصويته في العدد لا في أصل التعدد، فإنه عام، شامل، له ولغيره.

الإسلام لا يريد  أن يكون كالديانات التي تحرّم تعدد الزوجات فتجد الرجل مسكونا بالخيانة، والتعدد اللامشروع كما تقدم، بل أن نسبة الخيانة الزوجية بوتيرة تصاعدية خاصة بعد تطور وسائل الاتصال الحديث وسهولة الالتقاء عبر الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، أو التواصل عبر الهواتف النقالة، والمحادثات عبر الميسنجرات، ودور الدعارة، والعلاقات المنفتحه بالشارع والعمل والدراسة. لكن لا أحد ينتقد هذا التعدد، ويعتبرونه حقا طبيعيا، بينما ينتقد الاسلام لأنه اعترف بهذه الحالة وقننها، واعترف بضعف الرجل، وحاجته في بعض الظروف لامرأة ثانية، فبدلا من الإباحية المطلقة والتمادي، وما يترتب عليهما من مفاسد اجتماعية وصحية واقتصادية قنن علاقته بالمرأة. لكن للاسف المقاييس الاخلاقية تغيرت.

صحيح أن شراهة الرجل لا حدود لها، والمتمادي لا تحده الحدود، ولا تؤثر به الأخلاق. لكن الأمر يختلف من إنسان إلى أخر. والحلول لا تعني عدم الاستثناء.

ثمة سؤال: هل نجح تعدد الزوجات في الحد من إباحية الجنس قبل الإسلام؟ وماذا عن حرية التمتع بملك اليمين والإماء بلا قيد ولا شرط من حيث أعدادها؟ وكيف نفهم عقود الزواج المختلفة التي ظهرت فيما بعد، كالمسيار والمتعة ؟ أليست هذه إباحية واضحة، وخروج صريح على التعدد المحدود بأربعة؟

ثمة فرق بين الزواج والجنس كحاجة غريزية، فطرية لدى البشر جميعا. وعندما ندقق في سياق الآيات، نجد الشريعة اهتمت بخصوص الزواج، كمنظومة علاقات اجتماعية، تترتب عليها حقوق والتزامات. ولم تهتم بالجنس باعتباره متحققا تلقائيا. فالزواج أكثر من الجنس وعدم ممارسته لأي سبب، لا يفقد العلاقة الحميمة، والترابط الأسري مصداقيته. فهو مجموعة حقوق وواجبات، والتقنين ضمان لهما. وهو نوع من الحماية عندما ألزمت الشريعة الزوج بالإنفاق، وتوفير ظروف العيش الكريم لنسائه وعياله. فالتشريع كان ناظرا للحقوق والواجبات، لحماية النساء وذات الكيان الاجتماعي، وليس ناطرا لخصوص الجنس. لذا يستطيع الرجل ممارسته مع زوجاته ومع ملك يمينه "الجواري" في آنٍ واحد. وهذا اعتراف صريح بحاجة الرجل للجنس، لأسباب تتعلق برغبته وطبيعته وشبقه، وطاقته الجنسية، وتنوع الإثارة، وغير ذلك. إضافة لابتذال الجنس في مجتمع العبيد آنذاك. فالإسلام نجح من خلال تشريعاته في تقنين الزواج، وتوفير الحماية اللازمة للزوجة، كي لا تخسر حقوقها.

إن اباحة الجنس خارج إطار العلاقات الزوجية كان محصورا بملك اليمين "الجواري"، كواقع اجتماعي كان سائدا قبل الإسلام. والعاجز عن الزواج مطالب بالعفة والصبر، (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله). وللزاني المتمرد على شروط الزواج عقوبة الرجم. فلا اباحية مطلقة، لولا زواج المتعة، الذي جاء بعد اندثار مجتمع العبودية، ليشرعن اباحية متعة جنسية، ضمن شروط سهلة متهاودة تبيح ممارسة الجنس بأقصى مدياته.

فالجنس حاجة فطرية، تؤثر سلبا على سلوك الإنسان حينما تغلق بوجه جميع الأبواب، خاصة في الظروف الاستثنائية، فيلجأ لأساليب منحرفة، وينزلق في متاهات الرذيلة، ويبقى مرهقا نفسيا، يلاحق فريسته، وهي تنتظره. فلماذا يسكت المجتمع عن ممارسة الحرام والرذيلة ويرفض تقنين العلاقة بين الذكور والأناث، فتبدو علاقات طبيعية، اجتماعية مفعمة بالحب والوداد، تمتص الكبت، وتبعث الطمأنينة والاستقرار النفسي عند الشباب من كلا الجنسين؟. فالفقهاء مطالبون باعادة النظر في العلاقات الاجتماعية بين الشباب، وعدم الجمود على حرفية النصوص، ما دام في التشريع متسع لصياغة علاقات عفيفة. فكم من عقدة شخصية وراءها جوع جنسي. وكم من توتر نفسي سببه كبت مرير.

إذاً، فتعدد الزوجات، حل لمشاكل شخصية واجتماعية، من أجل مجتمع متوازن يحفظ حقوق الجميع، ولم يفرض الدين الزواج بثانية وثالثة ورابعة. ويمكن للرجل الاكتفاء بزوجة واحدة يبقى سعيدا معها، مع إمكانية ممارسة الجنس بطرق شرعية، عندما تحاصره ظروفا استثنائية، فيتمتع بامراة وفق شروط فقهية صحيحة، كالمتعة. فهو زواج يشترط فيه العقد مع بيان المهر والمدة، ولا يؤثر على تعدد الزوجات، ولا يشترط مكوث الزوجة معه في داره. فليست هناك التزامات وحقوق واسعة كالزوجة، سوى ممارسة الجنس. فيحافظ على زوجته وبيته، ويخفف من حدة شبقه الذي تعذر اشباعه لأي سبب كان. فالتمتع طارئ، لا يؤثر على علاقة الزوج بزوجته، وقد تقدم أن الزواج كيان أسري اجتماعي، أوسع من ممارسة الجنس، لذا تجد الرجل يبحث عن امرأة تفرض احترامها، وتكون له زوجة وسكنا وحرثا، وأمّاً لأطفاله، وراعية لبيته، وشريكته في حياته، تستوطن قلبه، وتكون موضع سره وتقديره.

والرجل السعيد من اكتفى بزوجته، وحافظ على عفته وعفافه، وعدم الانزلاق في مزالق الجنس التي لا تخلو من رذائل، ويمكنه افراغ شهوته في بيته، حينما يتخلى عن مراهقته، وشغفه. وما تقدم هي حلول للاستثناء.

وتبقى السعادة مع زوجة واحدة، يلتقيان على الحب، وعذوبة الشوق ترسم ملامح الغياب. المهم أن لا يتحول الجنس إلى مشكلة تشل حركة الفرد، وتعيق تطوره.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9sara falihaldaboniخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الكاتبة والفنانة التشكيلية سارة فالح الدبوني.

 

س60: سارة فالح الدبوني – كاتبة وفنانة تشكيلية / العراق: شرفٌ كبيرٌ أن أتوجه بأسئلتي للأستاذ الاديب ماجد الغرباوي المحترم.. وهي أسئلة تدور حول المرأة وحقوقها، ونحنُ في عام ٢٠١٧م.

- ألا تعتقد أن المجتمع وقوانين الدولة تراوغ في تبني حق المرأة صراحة وبشكل مباشر؟! بل وقد غير البرلمان العراقي بعض فقرات الدستور، بما يُناقض حريتها وحقوها الإنسانية.. كحقها في الوصاية مثلاً..!؟

ج60: ماجد الغرباوي: مرحبا بالكاتبة الأديبة والفنانة التشكيلية الأستاذة سارة فالح الدبوني، وشكرا لمشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها المهمة عن معاناة المرأة، خاصة المرأة العراقية.

أجد أن الدستور العراقي كان متسرعا أو مضطرا أو مجبرا في تبنى قضايا المرأة وحقوقها، فالغالبية العظمى من أعضاء لجنة كتابة الدستور والمجلس النيابي الذي أقرها، لا تؤمن بحقوق المرأة خارج المدونات الفقهية، وضمن ضوابط وأعراف العادات والتقاليد الاجتماعية. فالمراوغة وعدم الصراحة أمر طبيعي. مخافة تحدي تلك المدونات والأعراف. بعد هيمنة الإسلام السياسي، حيث ضاعت فرص تنفيذ ما أقره الدستور كاملا.

حقوق المرأة أقرها الدستور ضمن نظام ديمقراطي، تعددي، والإسلاميون، (من جميع المذاهب) لا يؤمنون بالديمقراطية، ولا يقرون للمرأة أية حقوق خارج رأي الفقهاء، القائم على حرفية النصوص، وعدم الخروج على شروطها، مهما كانت الضرورات الاجتماعية والتاريخية. وبقت النظرة ذاتها عن المرأة، ما دامت مرويات التراث تكرّس دونيتها، وسلب إنسانيتها. تارة بأسلوب لطيف وأخر شقي، يحمّلها وزر خطيئة الرجل منذ آدم، ويرميها بعدم الحكمة، وقصور العقل. فأحكام المرأة تأثرت بعد عصر الوحي بتلك المرويات. وهي نظرة ذكورية لا تختص بالمسلمين والعرب، بل كانت الشعوب الأوربية أشد قسوة عليها، ولم يعترفوا بإنسانيتها قبل مئتي عام تقريبا. فكانت المرأة مصنّفة ضمن فصيلة الجن أو المخلوقات الغريبة. أو هدية الرحمن، خُلقت لخدمة الرجل وشؤونه، وجسد يروي شهوته وشبقه. لكنها حررت وعي الرجل في سياق التطور الحضاري، ونافسته في مختلف مجالات الحياة، وبرهنت على جدارتها وإنسانيتها، مما يؤكد سطوة التراث والعادات والتقاليد في تشكيل عقل المرأة ونظرة المجتمع لها. وهي نظرة قاصرة تتهاوى مع كل انهيار معرفي لمنظومة القيم الاجتماعية. وبالتالي فالنظرة الإنسانية للمرأة تتوقف على تفكيك تلك العادات والتقاليد والتراث، ونقدها.

لا يتخلى الإسلاميون في السلطة عن متبنياتهم الفكرية والعقيدية والفقهية، وهدفهم الأساس قيام دولة دينية، تتولى تطبيق الشريعة الإسلامية حرفيا وفقا لفتاوى فقهائهم، وفرض ولايتهم وقيمومتهم على الشعب. فلا يعون دور الدين في الحياة، ويكرّسون روح الانغلاق والتعصب. ويسعى الإسلاميون إلى تحقيق أهدافهم من خلال تعديل القوانين السابقة، وسن أخرى تتدارك ما تم تشريعه في ظل ظروف خارج إرادتهم. فلا مستقبل حقيقي للديمقراطية وحقوق المرأة، وحرية الرأي والعقيدة، وسيبقى الإسلامي يناور بانتظار فرصه قانونية ليقتض عليها، مادامت تتقاطع مع متبنياتهم.

السياسي الإسلامي لا يعترف بشِرعة حقوق الإنسان، ويكتفي بالمدونات الفقهية وفتاوى الفقهاء لتحديد الأحكام. فطبيعي أن تواجه حقوق المرأة تراجعا، وعدم تبني حقيقي لها من قبل المسؤولين وأعضاء البرلمان. بل سيعاد النظر بأغلب قوانين المرأة السابقة، كي تقترب في صياغتها من شريعة الفقهاء.

 

س61: سارة فالح الدبوني: وعن الدين ومراجعه، المنادون بحقوق المرأة ووجوب مساواتها بالرجل في كثير من القضايا، ألا تلحظ أنها نداءات خجولة؟. فما زال رجال الدين يتحدثون عن دور المرأة العاملة في المجتمع بينما يطالبونها بشكل وبآخر بالتزام بيتها، وأن تعكف على مداراة زوجها، والاهتمام بأولادها، وأن تخفض صوتها لانه عورة و و و و...! فماهو رأيكم بهذا الخصوص؟

ج61: ماجد الغرباوي: الفقيه أشد التزاما بالتراث، وأدواته الإجتهادية قادرة على تبني مروياته السلبية في موقفها من المرأة، فيُسقط من حيث لا يشعر، قبلياته العرفية والسياسية والنفسية والجنسية، في مجال الإفتاء حول قضاياها، فيطاردها بخمسة أحكام تُحصي أنفاسها، وتسلبها حريتها، ويقنن حركاتها. ومن يتصفح كتب رجال الدين حول المرأة، خارج المدونات الفقهية، يقرأ فاجعة الإنسانية، فهي في نظرهم: (عورة، ناقصة، قاصرة، شيطانة، كن من خيرهن على حذر، شاوروهن وخالفوهن). وأشياء كثيرة معروفة. في مقابل صلاحيات واسعة للرجل. فكيف يقر لها بحقوق خارج آرائه وقبلياته؟.

الفقيه يسعى من خلال النصوص الدينية، والمرويات التراثية والتاريخية  لقمع المرأة داخل منزلها، ليتخلص الرجال من إغراءاتها، ولا يدخلون النار بسببها!!. فهم لا يدخلون النار بسبب تصرفاتهم المشينة، وسلوكهم المنحرف، بل يدخلونها بسبب إغراءها. فالمرأة أساسا لا حقوق لها، خارج المدونة الفقهية، ويرتكب حرمة الافتاء بغير علم، أو الاعتداء على حدود الشريعة كل من يشرّع لها حقوقا إضافية من وحي إنسانيتها، حتى في مجالات الفراغ التشريعي!!. بل أفرزت المرويات الدينية والتاريخية وقبليات الفقيه، منظومة قيم أخلاقية، تكرّس سلطة الرجل وتبعية المرأة، فألبست روح التبعية المطلقة لباسا شرعيا، وضمنت لها مقابل عملها أجرا وثوابا لا يحصى!!. فحببت لها طاعته مطلقا، والتقحب له ليلا، وعدم صده، ولو كانت مريضة، أو منزعجة، أو لا تطيقه، ولا تطيق قذارته. وتسمح له كيفما يرغب ويحب، أو تنتظرها أحكام النشوز. فهي مطالبة بكسب وده وعطفه، والتملق له، وعدم الخروج إلا بإذنه، وعدم التحدث مع غيره. إضافة إلى جملة مكروهات ومحرمات ما أنزل الله بها من سلطان، سوى إرضاء لروح الفحولة القامعة في أعماق الفقيه. أضف لذلك الأعراف والتقاليد والعادات القبلية. فتجد نارا حامية تتلطى، بانتظار زلة المرأة، حينما تفرّط بحقوقه التعسفية. 

يجب دائما التشكيك في نُظم الأخلاق لتحري حقيقتها وأهدافها، فما من قوانين وأحكام قمعية تكرّس روح العبودية والطاقة والانقياد إلا وتجد بجانبها نظاما أخلاقيا يشرعنها، ويقايض روح العبودية والانقياد والتبعية بإغراءات أخلاقية نابعة من مصالح شخصية. الأخلاق كما تقوّم سلوك الإنسان تقتل وعيه أحيانا، وتقمع روح التمرّد والمطالبة بحريته وحقوقه. فعندما يصف خطاب الأخلاق المرأة بأنها "ريحانة وليست قهرمانه". فوصفه لمشاعرها صحيح، لكنه يكرّس ضعفها وعدم قدرتها على تحدي الرجل وإرادته، فيزعزع ثقتها بنفسها لا شعوريا.

لقد تأثرت الأحكام الفقهية حول المرأة، الأعم من الوجوب والحرمة، بواقع المسلمين، وعادتهم وتقاليدهم، فتصور أن خروج السيدة عائشة زوجة النبي الكريم لمحاربة الإمام علي، عمقت النظرة السلبية للمرأة حداً انعكست تلك النظرة على واقع الفقه الشيعي في مجال الآداب والفضائل، التي شكلت بنية الأخلاق في أدب المرأة. كـ"شاوروهن وخالفوهن"، "كن من خيرهن على حذر"، "النساء ناقصات العقول".

فلا انصاف للمرأة وحقوقها في ظل مدونات فقهية جامدة لم تجدد من مناهجها وأصولها، وفهمها لدور الموضوع في فعلية أحكامها. المرأة قابعة تحت خطاب فقهي قمعي يستمد شرعيته من قبليات الفقيه، وطيف من مرويات دينية وتاريخية بعيدة كل البعد عن روح الكتاب الكريم، وإنسانية حقوقها.

يتعالى الخطاب الإسلامي، حينما يتحدث بنبرة التفضّل، ويتباهى بإنجازاته التشريعية، قياسا بقيم المجتمع. وهي مقارنة خاطئة. تسلب المرأة حقوقها الإنسانية. فينبغي للكاتب المنصف المقارنة بين الثقافة الدينية وحقوق المرأة كإنسانة بعيدا عن المجتمع وتقاليده. المرأة أنسان، يتمتع بكامل حقوقه الإنسانية (وكرمنا بني أدم). والنظرة القاصرة تسلبها حيثيتها من أي جهة صدرت. فالخطاب الأخلاقي ينحاز لا شعوريا للرجل وروحه الذكورية المتسلطة، ويتستر على إقصائه لحقوقها، عندما يعتبر الأصالة للقيم الاجتماعية وليست الإنسانية.

 

س62: سارة فالح الدبوني: بعض رجال الدين لمحوا كذلك لإمكانية المرأة الدفاع عن حقها تجاه ظلم الرجل بصورة عامة وتعنيفه لها عن طريق إلمامها بحقها الإنساني والإلهي دون إعطاء إجابات عن ماهية وحقيقة هذا الحق بشكله ومضمونه.. فماهو رأيكم بشأن الحق الإلهي الذي يمكن لها من خلاله أن تدافع عن نفسها وحقها..؟؟!

ج62: ماجد الغرباوي: عندما أتحدث عن حقوق المرأة قرآنيا، أضع في حسابي واقع المرأة قبل الإسلام كي تصدق المقارنة، فبعضها يعد تخلفا قياسا بحقوق الإنسان راهنا، لكنها تعتبر قفزة حضارية وإنسانية قياسا بما سبقها. فرجل الصحراء قد شيّء المرأة، وسلبها كامل حقوقها الشخصية، فكانت جزءا من متاعه، لا تستقل بحقوق خارج حقوقه. وهذا واقع تاريخي لا يمكن إنكاره. فهي تشريعات مرحلية، تتغير أحكامها بتغير موضوعاتها، حتى تتحقق القيم الإنسانية التي هي قيم دينية. فلها الأصالة، وهي هدف الدين النهائي، كي تستعيد المرأة مكانتها، وتتحمل مسؤولياتها. وأصالة القيم الإنسانية تؤكدها آيات تكريم الإنسان بما هو إنسان، والمسؤوليات الدينية والأخلاقية والاجتماعية المشتركة قرآنيا. والأحكام القرآنية لا علاقة لها بأحكام الفقه الإسلامي، فهو فكر بشري يتأثر بقبلياته وبيئته الثقافية، وقد اضطهدها تشريعيا، إستنادا لمرويات تاريخية، تأثرت بظروفها السياسية والاجتماعية.

فالمرأة في وعي الرجل قبل الإسلام: قاصرة في إدراكها وعقلها وإنسانيتها. مسلوبة الإرادة والحقوق الشخصية. فالأنوثة مكمّل بايولوجي للذكر، وليس شريكا له في الحياة. عكسا للكتاب الكريم الذي اعترف بأنوثتها واستقلاليتها وشراكتها للرجل في الحياة. فخاطبها كأنثى تشاركه في تكوين المجتمع. أنثى لم يهدر إنسانيتها:  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). فالذكر والأنثى نواة النسيج الاجتماعي برمته. وجاء بلفظ الذكر والأنثى لأنهما الأساس في تكوين الشعوب والقبائل. وعندما رتّب الأحكام في نهاية الآية رتّبها على كليهما من غير تمايز: "التعارف" في الحياة الدنيا، و"الجزاء" في الآخرة على أساس التقوى. وهذا اللون من التعامل أوضح مصاديق المفهوم الانساني للذكر والأنثى. وتعضّد هذا المعنى مجموعة آخرى من الايات القرآنية: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ). فبعضكم من بعض تعني ألا أفضلية في الخلق بدءاً ، وهذا هو الأساس في التكافؤ الإنساني التام. وايضا قوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا. (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

كما أكد القرآن على إنسانية المرأة في: جميع الآيات التي خاطبت الإنسان بما هو إنسان فتشمل باطلاقها الرجل والمرأة، ولا تخصيص له دونها، وهي الآيات التي تحدثت عن مطلق الانسان.  وكذلك الآيات التي تخاطب الناس، وليس الناس سوى الرجال والنساء، بدليل الآية المتقدمة، إنا جعلناكم شعوبا وقبائل. وكل الآيات التي تنص عليها كمؤمنة. فليس هناك آية تسلب المرأة إنسانيتها. والتفاوت في بعض آيات التشريع لا يعني نقصا في إنسانيتها إطلاقا، خاصة عندما تقرأ الآيات ضمن سياقها وخلفيتها التاريخية والاجتماعية، بل ربما تعد ميزة وانصافا وتكريما لها. ولا أقصد (بهذا الكلام) التبرير، ولكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات ضمن خلفياتها وما اكتنفها من ظروف، وليس منقطعة عنها كما هو المنهج السائد لدى الفقهاء للأسف الشديد.

كما خاطبها باعتبارها شريكا للذكر كما تقدم في تكوين النسيج الاجتماعي، عندما قال: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى. والشراكة بين الذكر والأنثى واضحة في هذا الخطاب القرآني.

وأيضا خاطبها عندما نسب خلقهما له، ليؤكد استقلالية الخلق لكليهما: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى)، وليس كما يشاع بأن المرأة خُلقت من ضلع الرجل مثلا، وإنما هي كيان إنساني مثلها مثل الذكر خلقها الله تعالى. لها حقوق وعليها واجبات، ودليلنا الآيات الآمرة والناهية، فهي شاملة بإطلاقها للذكر والأنثى، للمرأة والرجل معا، كما إن العقاب والثواب في الآخرة شامل لهما.

وأيضا خاطبها بشكل مستقل في الحالات التي تخصها دون الذكر، أو لتأكيد وجودها واستقلاليتها، كما في الآيات التي تشتمل على كلمة مؤمنات، أو نساء، أو امرأة.

هذه المقدمة أجدها ضرورية لمنح المرأة قدرة على رفض كل ما يمس إنسانيتها بأي شكل من الأشكال إرتكازا للكتاب الحكيم. وبإمكانها المطالبة بكل حق من حقوقها. فالأصل إنسانيتها، ولا شرعية لأي قانون يتقاطع معها أو يختزلها. بل يجب على الفقيه فهم أحكام المرأة في ضوء إنسانيتها وحقوقها الدينية المشروعة. فهي على قدم المساواة مع الرجل في كل شيء، باستنثاء ما تفرضه طبيعتها الأنثوية وقابلياتها الجسدية، ودورها في الحياة، كحضانة الأطفال ورعايتهم في السنين الأولى. أو ماتفرضه الطبيعة البيولوجية في علاقتها مع الرجل.

أما الحقوق المالية، فليس في المال تشريف، وتمايز بين الذكر والأنثى، إنما هي حقوق تمنح لهما، بشكل عادل وفقا لاستحقاقهما. فتتوقف فعلية أحكامها على فعلية موضوعاتها، لتوقف فعلية أي حكم شرعي على فعلية موضوعه. فالمرأة منحت نصف حصة الرجل آنذاك، كانت بوضع أجتماعي مختلف، حيث كان الرجل يتولى الشأن المالي للعائلة، بمفرده، فهناك واجبات تفرض أن يتمتع بحصة أكبر. بينما المرأة اليوم، تجدها أكثر مسؤولية من الرجل في هذا الجانب. إضافة إلى تطور وعيها وفهمهما لذاتها وللآخر وللحياة والمسؤليات. فالمرأة اليوم غيرها في الماضي. والأحكام الشرعية لم تنظر للمرأة مجرد جسد أنثوي عندما فرضت لها نصف ما للرجل في الميراث، بل كانت ناظرة لوعيها وقدراتها ودورها الحياتي. وأيضا بالنسبة للأحكام التي تخص الرجل، فهي ناظرة لوعية ودوره ومسؤولياته الحياتية تجاه العائلة، وليست ناظرة له كسجد ذكوري. وإلا ما الفرق بين المؤمن والكافر كي تترب أحكام مختلف عليهما؟ وما الفرق بين المرأة الحرة والمرأة الأمّة، سوى حرية الأولى وعبودية الثانية. فلو كانت الأحكام ناظرة للجسد البشري، فلا تمايز بين رجل وآخر، ولا بين امرأة وأخرى. من هنا أجد ضرورة تقديم فهم جديد للأحكام الشرعية وفقا لفعلية موضوعاتها كي لا يطاح بالشريعة وأحكامها بسبب جمود الفقيه على حرفية النص ودلالاته.

فبامكان المرأة اليوم المطالبة بالمساواة بناء على عدم فعلية موضوعات الأحكام السابقة فنعود للأصل وهو إنسانية المرأة التي تفرض ذات الحقوق الإنسانية للرجل.

الحل يكمن في تخلي الفقيه عن التراث، وإعادة النظر بفقه المرأة، على جميع المستويات لنتوفر على فقه جديد، يرقى بها إلى مستوى المسؤولية الدينية والاجتماعية. من خلال اكتشاف مقاصد الشريعة وغاياتها حينما شرعت للمرأة حقوقا قياس لما قبل البعث النبوية. وهذا شرط بقاء ولاء الناس والمجتمع للفقه الإسلامي وهم يشاهدون تمتع المرأة في الحضارة الغربية بكامل حقوقها الإنسانية التي ارتقت بها سلم المعرفة والتطور. والحقوق الإنسانية لا تعني التهور والانحلال ومطلق الحريات بما يتناقض مع مجتمع الفضيلة الذي نطمح له دائما.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س59: سلام كاظم: يقول الشاعر والمفكر السوري أدونيس. إن الإسلام قد انتهى كدين رسالي لحظة وفاة الرسول الكريم، وتحول إلى دين مصلحة قابل للتوظيف سلطويا.. وقد لاحظت في إضاءتكم القيمة هنا ميلا لتوكيد هذا الرأي من خلال صراع الصحابة على النفوذ لحظة وفاة الرسول.. ما مدى صحة مقاربتي بين رأيكم ورأي أدونيس؟ وهل تتفقون معه ان الواجب يقتضي أن نطوي كل صحف التأريخ تماما.. ونبقي الدين كقضية شخصية ونتوجه لبناء منظومة معرفية جديدة خالية من جدل التأريخ الديني؟ تقبلوا احترامي العالي..

ج59: ماجد الغرباوي: لا شك أن الدين قد تأثر بالوضع السياسي، وراح تأويل النص يخدم المصالح الشخصية والسياسية، بفعل إطلاقاتها ومرونتها وقوة رمزيتها، وعدم ضبط السنة النبوية وتدوينها، فنُسبت للنبي روايات موضوعة تخدم مختلف التوجهات السياسية والطائفية. وتم تفسير الصحيح منها بشكل يخدم ذات الأهداف.

الدين في عصر النبي كان رسالة سماوية، ووحيا إلهيا، لا يجرأ أحد على استغلاله أو توظيفه أو تأويل آياته بعيدا عن أقواله، ومحكماتها. فالنص الديني كان منضبطا، يتحرك في أفق الرسالة وأهدافها. وذات الأمر بالنسبة لأقوال الرسول وأحاديثه، فلم يتقوّل عليه أحد علنا،  صراحة، وعلى رؤوس الأشهاد، رغم ثمة من كذب عليه في حياته كما في رواية عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده). وبالفعل تضاعفت الروايات الموضوعة بعد وفاته، يشهد لذلك ما ضمته الموسوعات الحديثية بين تضاعيفها من روايات، يجافي بعضها الكتاب الحكيم والعقل، وينسب للرسول ما يحط من مكانته، ويستخف بشخصه.

فوضع الأحاديث، ونسبتها للنبي الكريم بعد وفاته، كان إيذانا بتوظيف النص الديني لغايات سياسية وأهداف مذهبية وطائفية، وقد ازداد وضعها طرديا كلما ابتعدوا عن زمن الوحي، فصارت الروايات الموضوعة عبأ على الدين. ثم تأتي محنة أخبار الآحاد التي غالبا ما يكون الراوي واحدا، وليس ثمة ما يدل على صحة صدورها سوى ثقة الرجاليين به. والوثاقة بمعنى صدق النقل لا تكفي ما لم يكن الراوي ضابطا، واعيا، مدركا لكلام الرسول، لا سيما أن أغلب النقل نقل بالمعنى والمضمون، فكيف نتحرى الصحيح عن الموضوع بين كم كبير من روايات اختلط فيها الصحيح والضعيف؟. علما أن الرجالي هو الآخر متحيّز لطائفته وتوجهه السياسي، فكيف نضمن عدالة توثيقاته، جرحا وتعديلا.

يمكن الاستشهاد بأول حديث وظف سياسيا، ما رواه أبو بكر منفردا، يوم السقيفة، وقد اجتمع الأنصار والمهاجرون لحسم الخلافة، قال: سمعت رسول الله يقول: "الأئمة من قريش". فحسم بهذا الحديث معركة الخلافة لصالح قريش تحديدا،  بعد أن أخرج الأنصار من دائرة التنافس، رغم مكانتهم، واهتمام النبي الكريم بهم. فلم يوصِ بأحد كما أوصى بهم، تكريما لتضحياتهم، وصدق نواياهم، وثقلهم الإيماني والعلمي. لكن النص الديني سلطة هائلة، صفعهم جانبا، عندما قلب موازين القوى لصالح قريش بعد مبايعة عمر بن الخطاب لأبي بكر. ثم عبأ الخليفة الأول المسلمين في حروب الردة، إستنادا لروايات، اعتبرت منكر الزكاة مرتدا، فقتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وبعضهم كان يصلي، حينما احتزوا رأسه. والقوم لم ينكروا الزكاة بل رفضوا تسليمها لهن ربما تحفظا على خلافته شخصيا، ووزعوها بين فقرائهم كما تقول الأخبار. فأراد أبو بكر بهذا الإجراء تثبيت سلطته السياسية، وانتزاع اعتراف عام بخلافته من قبل جميع المسلمين، فلجأ للروايات لشرعنة خطوته، وإلا فعقوبة المرتد عقوبة أخروية وليست دنيوية: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). بل في الآية التالية نفي واضح للعقوبة الدنيوية، حيث تكررت الردة. وينبغي عدم وقوعها ثانية مع وجود عقوبة دنيوية: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا).

 لكن أخطر توظيف للدين لصالح السياسة، ما قاله الخليفة الثالث عثمان بن عفان، إبان الفتنة: (ما كنت لأخلع رداء سربلنيه الله). حيث اعتبر الخلافة والحكم أمرا إلهيا، ورداء سربله الله تعالى إياه، فيكون المعترض عليه معترضا على الله تعالى، وهذا قمة التزوير الديني، وأوضح مصاديق توظيف الدين لصالح السياسة. فعثمان جاءت به الشورى، وليست خلافته أمرا إلهيا. فلم يعبأ بكلامه الثوار، ورفضوا منطقه الثيوقراطي، وفيهم صحابة رسول الله، فانتهت الثورة بقتله.

وهكذا مارست الروايات سلطتها في شرعنة سلوك الخلفاء، وقمع المعارضة في عهد الدولتين الأموية والعباسية. فتحولت مهمتها من مضامين رسالية ودينية إلى نصوص سياسية بلباس ديني. ثم استمر النص يلعب دورا خطيرا في تزوير الوعي، وتضليل الرأي العام. وإزداد تشبث الطرفين بالروايات لتعضيد موقفهما، كلما صعّدت السلطة من لهجتها ضد المعارضة. خاصة بعد معركة صفين وتولي معاوية الخلافة، حيث شن حملة عدائية لتشويه سمعة الإمام علي بمساعدة بعض رواة الحديث للطعن بصدقيته. وإدانة موقفه من خلافة أبي بكر، التي تمت بإجماع الصحابة. فمعاوية بن أبي سفيان هو أول من وظّف الدين لخدمة السياسية علنا وبشكل رسمي، من خلال التنظير الكلامي والفقهي وترويض العقل، بمساعدة التأويل والروايات الموضوعة التي انتشرت في عهده.

ثم اشتدت الحرب الكلامية، فيما بعد حول حزمة مفاهيم ترتبط بالعقيدة الإسلامية، كالجبر والتفويض، والإرجاء، والعدل، والإمامة التي احتلت الأولوية، فتناولوا جميع شؤونها، شروطها، شرعيتها، في محاولة لتأسيس نظرية إسلامية في السلطة والحكم. فاستدعوا الخلاف الأول لتحري الحقيقة وكيفية تأصيل مبدأ ديني لحماية شرعيتها، بعد موجة شك عنيفة اتهمت الخلفاء الراشدين باغتصاب الخلافة. فاعتبر الاتجاه السني الإجماع حجة شرعية ملزمة بموجب رواية عن الرسول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، ولازمه: "الخروج على اجماع الأمة خروج على الدين". وهو توظيف آخر للدين لصالح السياسة. فليس كالنص سلطة قادرة على حماية شرعية الخلافة وقمع المعارضة. وذهب الشيعة إلى تأسيس نظرية في الحكم تقوم على النص والتعيين في مقابل نظريتي الشورى وإجماع الأمة. فلا ولاية لأحد، وفق المنطق السياسي الشيعي، لم ينص الباري تعالى عليه بكامل مشخصاته، بواسطة الرسول الكريم. وكان دليلهم مجموعة روايات عن الرسول، وهو أيضا توظيف واضح للدين لصالح السياسة. فكلا المذهبين السني والشيعي، تأسيس سياسي، قام ابتداء واستمرارا على تأويل الآيات، ورصيد روائي تراثي، لا يمكن الجزم بصحته.

وبهذا يتضح أن التأصيل النظري لشرعية الخلافة والإمامة كان تراكميا، عبر القرون الأربعة الأولى. لعدم وجود مرجعية (آية أو رواية) تحسم النزاع آنذاك. ولم يحتج أحد بنص صريح من كتاب أو سنة على شرعية خلافته. وارتكز الطرفان لمبدأ القربى من رسول الله. فاحتج الإمام علي على المهاجرين بنفس المبدأ الذي احتجوا به على الأنصار، باعتباره الأقرب إلى النبي، فضلا عن مكانته، وسابقته في الإسلام، وجهوده المتواصلة لخدمة الرسالة. فكان الطرفان بأمس الحاجة لأي دليل يدعم شرعيتهما، وعدم الاحتاج بآية أو رواية صريحة دليل عدم وجودهما. بل الثابت تاريخيا لدى الشيعة والسنة أن الرسول مات ولم يكتب كتابا صريحا بشأن الخلافة. ودخل عليه عمه العباس وعلي بن أبي طالب في مرضه، ولم يؤكد لهما شيئا حول مستقبلهما السياسي. فالنزاع حولها كان سياسيا، وكان موقف الإمام علي من خلافة أبي بكر سياسيا أيضا. ثم جاءت النصوص فيما بعد لتدعم شرعية هذا الطرف وذاك. فالخلافة لم تتأسس على أدلة دينية وعقدية، بل جاءت في مرحلة لاحقة لتعزيز شرعيتها، فكانت استجابة سياسية بلباس ديني وشرعي.

فلما استدعوا الخلاف الأول فيما بعد لتحري شرعيته، كانت هذه الحقيقة شاخصة أمامهم، فتداركوا الأمر، ونشب سباق محموم لمراكمة شواهد وتأويلات لدعم شرعية أحدهما والطعن بالآخر، لعدم وجود نصوص صريح. فبدأ صراع مرير حول مصاديق الآيات، لذا تعددت أسباب النزول للتماهى مع الهدف السياسي. وهذا أحد مصاديق توظيف القرآن لصالح السياسة. ثم لجأوا للروايات، بعد أن خيب الكتاب الكريم آمالهم في الحصول على دليل قطعي جازم صريح. فاستدلوا بما هو صريح من روايات الفضائل، وتأويل ما هو ظاهر بشكل يحسم النزاع. إلا أن الروايات أيضا لم تحقق كامل أهدافهم، لعدم وجود روايات صريحة معترف بها من قبل الطرفين، فجاء دور وضع أحاديث الفضائل والمثالب، فبدأ المأزق الديني، وتهاوت القيم الرسالية، وكّرس النص الديني لخدمة التوجهات السياسية، فانتشرت مختلف أحاديث الكرامات والفضائل، كحديث: لا تجتمع أمتي على ضلالة، وحديث العشرة المبشرين بالجنة، وحديث خير القرون قرني ثم ما يليه... وحديث الفرقة الناجية، وأحاديث الفضائل التي ظهرت فجأة بعد ولاية معاوية، ثم تصاعدت وتيرة الوضع ابتداء من القرن الأول الهجري. فضج التراث بالأكاذيب والوضع. وراح النص يلعب دورا سلبيا، ويشرعن سياسات منحرفة، وسلوكا خاطئا.

في ظل هذا الوضع وجد الشيعة أنفسهم أمام مسؤوليتين، الأولى: تحصين الذات، وتعميق الإيمان بعقائدهم، كالإمامة، ووجوب النص على الإمام من قبل النبي. والثانية: رد شبهات السلطة، وتفكيك أدلتهم حول شرعية الخلافة. فوظفوا مختلف الروايات لدعم آرائهم ونظرياتهم، أسوة بخصومهم السياسيين. فكلا الطرفين كان متورطا في حمى السباق لمراكمة ما يعزز شرعية أحد أطراف الصراع الأول. بل لم يكتفوا بالروايات ودخلت على الخط كل وسائل التضليل وتزوير الوعي. فتجد الخرافات والكرامات والأحلام حاضرة ضمن مراكمة الشواهد، لتعميق إيمان الناس البسطاء بعقيدتهم.

وفي خطوة لتعزيز شرعية الإمام علي بالخلافة ذهب الشيعة إلى تأسيس نظرية كاملة حول الإمامة وشروطها ومواصفاتها، وظفوا لتأصيلها مقولات ومفاهيم دينية وكلامية، كما نظّروا لمنظومة مفاهيم تعززها، كالعصمة، والولاية، وعلم الإمام، وامتداد عصر النص، والغيبة. فتجمعت لديهم أدلة عقلية ونقلية تدعم شرعية الإمامة. وكان طبيعيا في ظل سباق محموم على شرعية الإمامة في مقابل الخلافة، لكنه ولد انقسامات حادة بين الشيعة أنفسهم، فتعددت الفِرَق الشيعية عبر التاريخ، وذهب غلاتهم إلى أسطرة رموزهم في خطوة لتعزيز عقيدة الشيعة بهم. وتعميق روح الأمل عندهم، وتعويض نفسي للخسائر السياسية. وضمان النجاة يوم القيامة، دون غيرهم.

بهذا يتضح حجم تأثر الدين بالسياسة، وصحة ما نقلته أنت عن الشاعر والمفكر السوري أدونيس. "إن الإسلام قد انتهى كدين رسالي لحظة وفاة الرسول الكريم، وتحوّل الى دين مصلحة، قابل للتوظيف سلطويا". فالطابع العبادي والروحي للدين تشبع بالبعد السياسي، وتماهى مع توجهات الأطراف المتصارعة على السلطة، بعد محاصرة فهم وتفسير الكتاب الكريم، ومنع التعامل مع آياته مباشرة، فتحكم النص الثاني (روايات، أقوال المفسرين والمؤرخين، آراء الفقهاء) بفهم وتأويل النص الأول (الآيات). وحجب النص الثاني النص الأول من خلال تفسيره وإعادة كتابته.

وما زال التوظيف السياسي للدين، يتجلى عبر صيغ مختلفة، كالحركات الإسلامية، بما فيها الحركات التكفيرية، وولاية الفقيه. إضافة للتنظير الفقهي، والفكر الإسلامي الحركي. وسبقه الأحكام السلطانية، وتبادل الشرعية بين السلطان والفقيه في عهد الدولتين العثمانية والصفوية.

إن سبب الصراعات الطائفية والتراشق العقيدي اليوم، روايات وكتب ظهرت بعد حقبة الخلفاء الراشدين، واستمرت بالتراكم خلال القرون الأربعة الأولى ... روايات أعادت تصوير الخلاف الأول بشكل يخدم مصالحها الطائفية والمذهبية. ولم يبق أمامنا طريق لنقد التراث ومعرفة الحقيقة سوى القرآن، والصحيح المتفق عليه بين الجميع من سنة النبي، والعقل.

ينبغي التمييز بين توظيف الدين لصالح السياسية، والفهم الديني المتجدد. توظيف الدين، يستغل النص الديني لتزوير الوعي، خدمة لأهدافه وغاياته. فيلجأ لتأويل الآيات أو الاستعانة بقرائن خارجية وروايات نبوية لتكريس النص القرآني. خاصة الآيات المطلقة حينما يحتكر مصاديقها. كما في آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). فيفّسر الولاية بالسلطة رغم تعدد معانيها لغويا، فهو تفسير لغوي انتقائي. ويتحيز حينما يقتصر مصاديق الذين آمنوا بشخص أو عدة أشخاص. ويقصي ما عداهم، رغم إطلاق الآية، وبهذا يتوفر على دليل قرآني يخدم هدفه السياسي، خاصة عندما يكون هو (الفقيه مثلا) الوريث الوحيد لتلك المصاديق بعد وفاتهم. كما بالنسبة للفقيه وأئمة أهل البيت. أو كشرط القرشية بالنسبة لأهل السنة. فلا يحق لأحد التصدي للسلطة وفقا لكلا المذهبين ما لم تتوفر فيه الشروط المتقدمة. وهذا أحد مصاديق التوظيف السياسي، خارج أطاره الديني.

ومثلها آية: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، التي كرست طاعة مطلق أولي الأمر وفقا للمذاهب السنية. وخصوص الأئمة ومن ينوب عنهم من الفقهاء عند الشيعة. بينما الآية الكريمة مطلقة لم تذكر أي مصداق.

وهكذا يجري تزوير الوعي واللعب على مشاعر الناس من خلال تأويل الآيات المطلقة، فتجد الصراع على أشده حول مصاديقها، وهنا يأتي دور الروايات الموضوعة كقرائن تصرف الإطلاق لمصاديق محددة. لكن لماذا يبقى الناس في دوامة التأويل إذا كانت الآية تقصد شخصا أو أشخاصا محددين؟ أليس هذا خلاف لحكمة الله تعالى؟.

وأما الفهم الديني المتجدد، فيختلف جوهريا عن التوظيف السياسي للدين. وهو يعني: فهم الدين وفق مقاصده وغاياته وأهدافه، فيتأثر فهمه بالظروف الزمانية والمكانية كي يواكب تطورات العصر وحاجات الزمان. فآليات الفهم الديني تختلف، فلا تزوير ولا تمويه، بل دراسة مواضيع الأحكام الشرعية للتأكد من استمرار فعليتها التي يتوقف عليها فعلية ذات الحكم الشرعي. والتمييز بين المواضيع المطلقة والمقيدة أو المحددة، لمعرفة فعلية أحكامها. أو ما يسمى اصطلاحا: التمييز بين القضايا الحقيقية والخارجية. كما بالنسبة لمحاربة أهل الكتاب، حيث الحكم ناظر إلى مجموعة المشركين المحاربين في زمن الرسالة. وليس له إطلاق خارج تلك الفترة. فشرطه الحرابة، وحرابة الدين والرسالة حصرا. فالمائز بينهما كبير جدا. أو إعادة النظر في أحكام الميراث، أو العقوبات، وطرق تنفيذ الحدود والقصاص.

فمقاربتك بين هذا الرأي ورأي أدونيس، موفقة جدا. ولا نحتاج سوى بصيرة نافذة لاكتشاف الحقيقة. وهل يعقل أن يهمل الكتاب الكريم عصبي الحياة، السياسة والاقتصاد، سوى مبادئ عامة؟  فهو لم يهملهما، وتركهما لتطورات الحياة وحاجة المجتمعات وفق مبادئ الدين الحنيف. الدولة ضرورة اجتماعية، تتطلب نصوصا تواكب تطورها، والدين صيغ ثابتة يعيق حركتها. وهذا لا يتنافى مع تصدي المسلمين لتأسيس دولتهم، وفق مبادئ الدين الحكيم وتشريعاته. لكن الفرق واضح.

الدين لا يفرض أحدا ولا يتبنى شخصا، ويكتفي بشروط إيمانية محددة. والأنبياء رسول الله لنا، لذا توفى النبي الكريم، ولم يوصِ بشكل صريح واضح لا لبس فيه لأحد من بعده، وهذا متفق عليه بين الشيعة والسنة. وكل ما موجوة هي روايات الفضائل. ولا شك أنها بوصلة لاختيار الأصلح والأكفأ لإدارة الدولة والمجتمع المسلم.

وبالتالي أنا أتفق معك: (أن الواجب يقتضي أن نطوي كل صحف التأريخ تماما.. ونبقي الدين كقضية شخصية ونتوجه لبناء منظومة معرفية جديدة خالية من جدل التأريخ الديني؟).

أما التراث، فقد مزقنا، ولم نرث سوى الجهل والأمية، وتكريس الخرافات، وأسطرة الرموز، واقصاء العقل. فلا تكتب لنا نهضة حضارية ما دمنا نلوذ بالتراث والتاريخ، ونستفتي الموتى لتسوية مشاكلنا، وتقرير مصيرنا ورسم مستقبلنا.

الدين عقيدة وشريعة. أما العقيدة فهي محددة في الكتاب الكريم لا يمكن تجاوزها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). وأما الشريعة، فهي قسمان، عبادات، تكون ثابة في أحكامها، وللاضطرار ورفع الحرج فيها مجال كبير. وأما التشريعات المدنية والاجتماعية والحقوقية، فلا تكون فعلية ما لم تكن موضوعاتها فعلية. والحياة بعد 1450 عاما تقريبا تطورت تطورا هائلا، فيجب أن يؤخذ كل هذا بنظر الاعتبار.

الدين تجربة روحية، وإيمان فعلي بالله تعالى، وضرورة من أجل مجتمع فاضل، تختفي فيه الرذائل، وتسوده قيم الدين والإنسانية. فليس الدين أداة للسلطة وتزييف الوعي واستغلال الناس. وليس كهنوة وطقوسا بالية. هو شعور عميق بالوجود وعلاقة بين الخالق والكون والإنسان. وترابط إنساني عندما يقوّم سلوك الفرد وأخلاقه، ويبعث الطمأنية والاستقرار النفسي. فالدين علاقة فردية بين الخالق والمخلوق، لكنها علاقة حضور، وشروق روحي مفعم بالحب والإيمان. فالسلوك القويم دليل على صدق الدين. ومشاعر الحب آياته ودلالاته.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س58: سلام كاظم فرج: تجربة مانديلا في التسامح .. هل يمكن أن تجد أرضا خصبة في مجتمعنا العربي؟.. جدل الجلاد والضحية كيف يمكن حلها وفق إطروحة التسامح؟ حقوق الضحية؟

ج58: ماجد الغرباوي: يتوقف نجاح تجربة مانديلا في المجتمعات العربية على إمكانية العفو والتسامح، بدلا من الانتقام والثأر. وهي قضية ثقافية، نفسية، اجتماعية، ترتبط بقيم المجتمع وقبلياته، وحقوق الفرد وكرامته، ومدى حاجة البلد للأمن والسلام، خاصة بعد انهيار الأنظمة الشمولية، التعسفية، وتفكك تشكيلاتها الأمنية. حيث تُطيح الفوضى وأعمال الانتقام بالأمن، حدا تُرتكب فيه أبشع الجرائم حينما تُهتك الحرمات، وتُستباح الدماء، ويطال القتل نفوسا بريئة، ويعيش المجتمع حالة من القلق والتوجس والخوف والشك تربك العملية السياسية، وتشل الحركة الاقتصادية. فالفوضى أخطر التحديات عندما تستبد روح الانتقام، وتتلاشى قيم العفو والتسامح.

التمييز العنصري في جنوب أفريقيا كان مجرما، مقرفا، لا إنسانيا، وقد عانى السود شتى أنواع الاضطهاد والحرمان والقتل والتعذيب بشكل لا يمكن التسامح مع الأقلية البيض التي ارتكبت بحقهم أبشع الجرائم والتمييز العنصري. لكن نيلسون مانديلا شخصية تاريخية، بموازاة أبراهام لنكولن الذي خاض حربا أهلية لتحرير السود في أمريكا. بل وامتاز عليه بالقضاءعلى التمييز العنصري سلميا، بعد أن بذل جهودا جبارة لتحقيق المصالحة بين مختلف المواطنين في بلاده. وما كان يكتب له النجاح في مهمته العسيرة لولا قدرة الشعب على التسامح والعفو والغفران ونسيان الماضي، وهي قدرة ذاتية نابعة من ثقافتهم وقبلياتهم وأخلاقهم وروح التسامح المغروسة في أعماقهم. بينما تعاني شعوبنا خللا ثقافيا ونفسيا، يتطلب تنقية العقل من قيم الثأر، وروح الانتقام. لتدارك انهيار مشاعر المحبة والوئام والسلام التي هي أساس التسامح والعفو والتجاوز. أو تندثر احتمالات التسوية، وتتواصل أعمال الفوضى، وقد تتخذ شكلا آخر من العنف والإرهاب باسم القيم والدين والأخلاق.

فلا نجاح لخطوة مانديلا التصالحية في بلد فيه من يرتهن مصالحه الشخصية والأيديولوجية على بقاء روح الثأر والانتقام. وتحكمه قيم تستبد بإرادة الإنسان وتدفعه بهذا الاتجاه. فلا بد من خطوة تسبق المصالح، تهيّئ لقبولها بقناعة ذاتية تامة. خطوة ترتبط بالثقافة والعقل لاعادة تشكيلهما بعيدا عن قيم الثأر والانتقام، بما يخدم سلامة وأمن المجتمع. وهذا يتطلب عودة نقدية، لمنظومة القيم بشكل عام، وروح الثأر بشكل خاص، بحثا عن جذرها الثقافي والنفسي، وتحديد مقوماتها وروافدها، ومدى تأثّرها بمنظومة القيم والعقل الجمعي، وأسباب استفزازها وانفعالها. فهي قيمة أخلاقية نسبية ترتبط بكرامة الإنسان وحقوقه. قد يتخلى عنه، وقد يراه حقا مشروعا يتوقف عليه أمنه وسلامته وحيثيته، مع تهاون السلطات القضائية، وتواطؤ الأعراف الاجتماعية. فحمى الانتقام تتفاوت حسب طبيعة الفرد، ومزاجه وموقعه الاجتماعي وشجاعته وتهوره وظروفه النفسية وسلامته البدنية. لكن المظلوم لا يُطفئ غليله سوى الثأر، عندما تُراق دماء زكية وتزهق نفوس بريئة. فكيف يتخلى عنه، وقيم العشيرة لا ترحمه، حينما تدين المتقاعس، وتعتبره جبانا، متخاذلا، ضعيفا. لا مكان له في مجتمع قبلي تقوم علاقاته على القوة والعنف في استرداد الحقوق. فصاحب الثأر بين خيارين. إما الموت تفاديا لعار الضعف والجبن، أو الحياة مع الثأر وإراقة الدماء ثمنا لحيثيته وكرامته. فيعيش توترا يتفجر مع كل نظرة توجّس وريبة، خوفا من شماتة الصديق قبل الغريب. فمعالجة روح الثأر صعبة في ظل قيم قاسية، تُؤثِر سفك الدماء مهما تمادت على الاحتكام لمنطق العقل والمنطق والقانون؟.

وهنا نحتاج إلى تفكيك منظومة قيم المجتمع، القائمة على العنف والإرهاب والثأر، وإعادة تشكيلها وفق قيم إنسانية، دينية تضفي معنى جديدا للعفو والتسامح. قيم تركن للعقل قبل الغضب، وتقدّم العفو على الثأر. كقوله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله)، فالآية الكريمة تقلب موازين العفو، من كونه ضعفا وجبنا وفق المنطق القبلي، إلى كونه إصلاحا وأجرا عند الله، وهو غاية مقدسة وفق المنطق الديني. فبدلا من رعب الشماتة وتداعياتها، يعفو ويحتكم للعقل والثانون مرضاة الله تعالى. وهذا أسلوب تربوي وأخلاقي لتفكيك مفهوم الثأر وإعادة تشكيله. والعفو مبدأ ديني عام يشمل حتى القصاص: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان). فاستعاض عن القصاص بديّة تطيّب خاطر أولاياء الدم، وتهدّئ نفوسهم الثائرة. فالقرآن لا يتنكر لأولياء الدم وأهل الضحية، ويعترف بحقوقهم كاملة، لكنه يعالج الثأر معالجة أخلاقية دينية تتراوح بين العفو مع ضمان مرضاة الله، والديّة المالية. وبالتالي انقلبت المعادلة من ثأر دموي تتبعه دماء غزيره إلى عفو وتسامح تقربا لله تعالى. 

لا شك أن الثأر ظاهرة خطيرة عصفت بالمجتمع العربي قبل الإسلام، فأطاحت بأنفس بريئة وسالت دماء غزيرة، وكانت حروب الثأر والانتقام تمتد سنين طويلة. كحرب البسوس المعروفة تاريخيا، التي هي ثأر للبسوس خالة الجساس بن مرة، لكنها تواصلت لأربعين سنة. وغيره كثير من الغارات والغزوات. وأخطر ما في الثأر حينما يتحول بالتدريج إلى قيمة أخلاقية عظمى، وموقف استراتيجي، لرد الاعتبار، وتحصين الذات، فيكون مطلوبا بذاته مهما بلغت تداعياته. فتصدى القرآن الكريم لمعالجة روح الانتقام، من خلال تعاليمه التربوية، وإجراءاته الحازمة، لتبديد خطرها وتداعياتها على المجتمع:

وقد تجلت خطواته التربوية من خلال آيات الكتاب الحكيم، وتعاليم النبي الكريم، التي نجحت في تفكيك القيم القبلية وإعادة تشكيلها ضمن أطر ثقافية دينية إنسانية، حتى بات من السهل على أولياء الدم التسامح في قضايا القصاص فضلا عن غيره. وهذا لا يمنع بقاء روح الثأر عند المسلمين، لأنها فورة عصبية، وردة فعل نفسية، لا إرادية، ترتبط بفطرة الإنسان ومشاعره، غير أن الدين نجح في إطفاء نار الغضب، ونزع روح الانتقام من الثأر، حينما شرّع القصاص (النفس بالنفس) وحرّم التمادي بالقتل. وأدان سفك الدماء خارج حدود القصاص، واعتبرها ظلما وجورا يُقتص من فاعلها. بينما لا يُعد التجاوز اعتداء وفق المنطق القبلي، بل شجاعة وإمعانا في تأديب المعتدي، وإطفاء روح الغليان والتشفي الجمعي، خاصة الثأر من شخصية لها حضورها ومكانتها الاجتماعية، فيتحول الثأر إلى إذلال وتركيع، وفرض الاعتراف بالمنتصر ومكانته، فيخرج من كونه عنفا قد يكون مبررا إلى إرهاب وعدوان صريح. وبالتالي، فالثأر لا يتلاشى نهائيا لتعدد مستويات ارتباطه بالنفس والمجتمع، فتارة لا يرغب ولي الدم بسفك الدماء، ويود تسوية الأمور سلميا، لولا سطوة العرف وتقاليده القاهرة. فروح الثأر لا تنطفئ تماما لأكثر من سبب لكن يمكن ترويضها، وهذا ما فعله الدين، حينما كافح روح الانتقام داخل النفس البشرية، ووضع أحكاما صارمة لتنظيم علاقات المجتمع، بعد أن فكك قيمها وأعاد تشكيل وعيها. فكانت له معالجات تربوية وأخلاقية مختلفة، فمثلا:

- حثت الآيات على كظم الغيظ والتحلي بالحكمة وروح الإحسان، وشجعت على العفو والتسامح في مقابل ضمان المغفرة والثواب: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

- أكد الرسول الكريم في وصاياه على كظم الغيظ كإجراء احترازي لتفادي الغضب وتداعياته، للحيلوله دون سفك الدماء البريئة. كما في قصة الصحابي الذي سأل النبي النصيحة فقال له ثلاث مرات: "لا تغضب". وعندما فرض عليه المنطق العشائري الاصطفاف مقاتلا مع عشيرته من أجل قضية لا تستحق القتال، تذكر قول النبي الكريم: "لا تغضب". فتراجع عن قراره، وأطفأ نار الفتنة. فكانت هناك تربية مستمرة، تقوم على الترغيب والترهيب، تكشف حجم تداعيات الثأر آنذاك، ومدى انتشاره، وضرورة معالجته.

- قايضت بعض الآيات العفو والصلح بالأجر في اليوم الآخر: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله). فأطفأت روح الثأر بالثواب. وخلقت قيمة جديدة لعفو، حلت محل القيم القبلية.

- كما سارعت الأديان لتحريم قتل النفس البريئة: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً)، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). وشرّعت القصاص: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا). لإطفاء روح الثأر: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون).

وأما على الصعيد العملي، فكانت الإجراءات صارمة، (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).

فالثأر شعور نفسي يتفاقم بوتيرة تصاعدية، مع كل احتكاك واستفزاز، بفعل قيم أخلاقية تشجّع عليه، فيحتاج المجتمع القبلي لتدفق ثقافي مستمر يعيد تشكيل منظومة القيم القائمة على العنف والانتقام. لكن جهود تفكيك روح الثأر وثقافة الانتقام، تلاشت بفعل موقف خلفاء الدولتين الأموية والعباسية من المعارضة، وحجم الدماء التي سفكت باسم الدين والفتوحات الإسلامية، فعاد الثأر قبليا، يطارد روح السلام والاستقرار، ويقضي على منابع المحبة والوئام بين أبناء الدين الواحد.

إن الاقصاء المستمر للمعارضة بطبيعته يؤجج روح الكراهية، ويهيئ للثأر والانتقام، ويخلق ردود فعل معاكسة، لا تخدم التصالح والتعايش الاجتماعي الآمن. فالدولتان الأموية والعباسية عمقتا روح الانتقام عندما تمادتا في سفك الدماء، وهتك الحرمات، بشكل يندى لبشاعتها جبين الإنسانية. وهذا ما حصل للتوابين بعد مقتل الإمام الحسين بن علي في واقعة كربلاء مع أهل بيته على يد الخليفة يزيد بن معاوية الأموي، حيث تأججت روح الثأر لدى شيعة الإمام الحسين وأتباعه بشكل هستيري لقداسته، فهو إبن بنت رسول الله. وسمو هدفه، فخرجوا احتجاجا على يزيد وسلوكه الدموي. فرفعت حركة التوابين شعار: "يا لثارات الحسين"، وطالبت بالثأر، وبالفعل اقتصوا من قتلته على يد المختار الثقفي. لكن الثأر بعد حركة المختار صار سُنة وممارسة أيديولوجية، رفضت الحركات الثورية والانتفاضات الشيعية اللاحقة التخلي عنه، أو التراجع عن رفع شعاره: "يا لثارات الحسين". بل تمادىوا حينما شرعنوا الثأر بروايات موضوعة، واعتبروا القصاص من قتلة الإمام الحسين أول مهام المهدي المنتظر بعد ظهوره.!!. وهناك روايات تقول يُحييهم الله (أي قتلة الإمام الحسين) فيقتلهم الرسول (الذي سيعود مع أهل بيته وفقا لعقيدة الرجعة الشيعية)، ثم يحييهم فيقتلهم الإمام علي، ثم تقتلهم الزهراء إلى آخر الأئمة الإثني عشر، ثم جميع الشيعة!!!!!!. لكن الروايات لم تبيّن سبب ذلك التمادي في القتل؟ ولماذا يتجاوز الله عزو جل موازين العدل والقسط بحق قتلة الإمام الحسين؟. وهذا دليل واضح على أنها روايات موضوعة ترتكز لعقيدة الرجعة عند الشيعة، والتي تعني عودة بعض الأموات للحياة، خاصة الشخصيات والرموز التاريخية، للاقتصاص منهم في محكمة العدل التي سيقيمها الإمام المهدي بعد ظهوره. وهذا كلام خطير، يعكس رغبة عميقة بالانتقام، تتصاعد مع كل خطاب طائفي، وسط بيئة لا تفهم سوى لغة الدم والانتقام والقصاص. لا تقنع بعدل الله وجزائه، ما لم يقتص المهدي ويشفي قلوب شيعته بالانتقام من قتلة الحسين!. لكن بساطة الوعي ساعد على تصديقها وانتشارها. بينما هي روايات موضوعة راحت تبرر الثأر عبر مقطع تمثيلي، أبطاله الرسول الكريم وأهل بيته الأبرار، بعد أن عجزت في الحصول على دليل شرعي، يبرر روح الانتقام والثأر القابعة في نفوسهم.

ربما الإخفاقات السياسية المتلاحقة عبر التاريخ كانت وراء هذا الشعور الذي يغذيه التراث الملغوم كراهية وحقدا على الآخر. فعملية الفبركة واضحة في هذه الروايات، فتداركت ضعفها سندا ومضمونا حينما أسندت فعل الثأر للرسول وأهل البيت. وهذا يكفي لتأجيج نار الغضب والحقد. ثم تأتي نصوص زيارة المراقد المقدسة لدى الشيعة التي تكرّس اللعن وروح الانتقام اللاشعوري من أعداء أهل البيت السياسيين. وهذا خلاف قيم الدين بل خلاف تعاليم الرسول الكريم وأهل بيته.

لكن لماذا يستقيل العقل الشيعي أمام هذا النوع المحرّض من الروايات؟ هل حقا رغبة جامحة بالانتقام من الآخر؟ أم هي رثاثة الوعي واستكانة العقل لدى بعض الناس؟؟. للأسف الشديد العقل الشيعي ضحية تراث ملغوم بالكراهية، وما لم يتخلوا عن هذا التراث بالذات لا أمل يتراءى في أفق حضاري قريبا. وسيبقى التشيّع في دوامة الماضي وأحداثه، تستهلكه روايات ضعيفة موضوعة. فلا تستغرب حينما تسمع: "أين الطالب بدم المقتول في كربلاء"!! حتى بعد مرور الف واربعمئة عام أو يزيد!!.

إن تاريخا طويلا من الإقصاء والإخفاقات السياسية ولّد شعورا مريرا لدى الشيعة بالخيبة، والعجز أمام مناوئيهم، ولم يجدوا سوى المهدى ليقتص من أعدائهم ويثأر لدمائهم، ويحقق تطلعاتهم وأمنياتهم التاريخية. فالمشروع الحضاري الشيعي مؤجل في نظر غلاة الشيعة إلى ما بعد ظهور المهدي، حيث سيملأ الأرض قسطا وعدلا. لكن تداعيات هذا النمط من التفكير خطيرة على مستقبل الإسلام بشكل عام، وقد أدركه الواعون من فقهائهم ومفكريهم ومثقفيهم، فكان لهم رأي آخر.

نعود للسؤال: فنجاح خطوة مانديلا في بلادنا، تتوقف على وجود ثقافة جديدة، وعقلانية شاملة تتحكم بسلوك ومشاعر الناس، عقلانية تؤصّل سلطة القانون، وتستأصل روح الانتقام والثأر، ليتولى القضاء تحري الجرائم والبت بها قانونيا. أي استعادة هيبة القضاء، كسلطة عليا. وتجريم من يتجاوز القانون أو يرتكب جريمة باسم الثأر والانتقام. فخواء القضاء وتواطؤ أجهزة الأمن والشرطة سبب آخر في تأجيج روح الانتقام. فيجب إقصاء قيم العشيرة، ليبقى ولاء الشعب للدستور والقانون، وعدم تقديم ولاء رجلي الدين والسياسة وشيخ العشيرة. فلا نظام مع تعدد مراكز القوى والقرار.

وبالتالي فزمام الأمور ومفتاح التصالح بيد الحكومة، والجهات المرتبطة بها، وإلا فإن قيم العشيرة الحاكمة على تفكير الناس لا تسمح بالعفو والتنازل، بل تتمادى بالثأر، وتطيح بنفوس بريئة لا علاقة لها بالموضوع. فهيجان الثأر هيجان قبلي لا إنساني رغم الاعتراف بوجود حقوق قانونية، لكن هذا لا يسمح بتمادي العنف باسم الثأر والانتقام.

وأما عن حقوق الضحايا، فينبغي للحكومة التحلي بالحكمة والجرأة، وإعلان عفو عام، مع ضمان حقوق الضحايا، والاقتصاص من مرتكبي الجرائم الكبرى، باعتبارها حقا قانونيا وشرعيا وأخلاقيا. فلا يستقيم العفو مع وجود مجرمين أحياء، وضحايا تطالب بالثأر، وهو حق قانوني وشرعي. فيقتصر العفو على مرتكبي الجرائم من أتباع النظام السابق، أو من استغل الظروف السياسية وقام بعمل اجرامي بدوافع شتى، خاصة أعمال العنف الطائفي، والهجوم على القوات الدولية، ولم يحاكم أو لم ينفذ به حكم الإعدام خوفا من تبعات القصاص على المستويين السياسي والاجتماعي. بمعنى آخر أن يشمل من تكون تداعيات تنفيذ الأحكام به أخطر من عدم تنفيذه بسبب مختلف الظروف التي يعانيها البلد. فهناك من يشكك في انطباق صفة الإجرام على العاملين بالاجهزة الأمنية وقيادات الجيش والشرطة، في زمن النظام السابق. وهناك من يتهم القضاء بالتحيز الطائفي، ويؤكد وجود دعاوى كيدية. وبالتالي فهؤلاء: بعضهم مجرم غير مشخّص في جريمته، كقوى الأمن والإجرام من أتباع النظام السابق. ومجرم مشخص في جريمته. ومجرمون ارتكبوا جرائمة عشوائية. أو بدافع وطني ضد الغزاة. أو غررت بهم تنظيمات سياسية ودينية وإرهابية. أو انساقوا مع مؤامرات من خارج البلاد لأهداف سياسية ومصالح خاصة بها. وقد يكون شخصا عدوانيا بطبيعته.

فالحل الأمثل لتسوية جميع هذه الحالات أن تتولى الدولة القصاص باعتبارها المسؤول عنه، وتتولى حقوق الضحايا والخسائر المادية، فتكون ولي الدم بالنيابة العامة عن جميع ضحايا المجتمع. ومن حق ولي الدم العفو عن القاتل. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). فتعفو عفوا عاما بتفويض من الشعب، وتتولى حقوق الضحايا، فتقدم لهم تعويضات. لتقطع دابر الفوضى والقتل العشوائي: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِإِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا). فالدولة مطالبة أولا بإجراء مسح ودراسات مفصلة، تدرس حالات الإجرام، وأسبابها، وظروفها، وفائدة العفو قياسا بالقصاص. ومدى تأثيره على مستقبل العلاقات الاجتماعية والوضع الأمني. كي يتمتع العفو العامة برصانة علمية، قانونية، حقوقية. وماذا يترتب على العفو والقصاص من تداعيات، واعادة النظر بالدعاوى الكيدية. وعدم شمول العفو للجرائم الشخصية المشخصة، وجرائم التفجيرات والقتل العام والتآمر على أمن المواطنين.

وأما عن جدل الجلاد والضحية كيف يمكن حلها وفق أطروحة التسامح؟. فليس أمامنا سوى تجفيف منابع العنف والاستبداد السياسي، لاجتثاث ظاهر الجلاد من خلال ديمقراطية حقيقية، تضمن تداول سلمي للسلطة، وحق مشاركة الجميع بالسلطة، فلا ضحية بانتفاء الجلاد.

مما تقدم يتضح أن التسامح السلوكي لا يكون فاعلا إلا في إطار منظومته القيمية وبيئته الثقافية – الاجتماعية. وأقصد بفاعلية التسامح السلوكي أن يكون مثاليا في تجلياته. وأما خارج بيئته، فيكون نسبيا وفقا لظروفه، فيوظف كل المفاهيم المتاحة ضمن ثقافة ذلك المجتمع من أجل تسامح سلوكي يضمن أمن واستقرار البلاد. وهذا لا يعني التنازل التام عن حقوق الفرد والمجتمع، أو زرع روح الانقياد والتبعية، حد التنازل عن الحقوق وعدم التمرد على سياسة الجلاد. فلا يعد هذا تسامحا، بل عبودية وذلا واستكانة. فهناك فرق في التعامل مع الجلاد في حياته وبعد مماته. ولا معنى للتسامح في ظل حكومته وممارسته العنف والقتل والاضطهاد وقمع المعارضة، وسلب الشعب حقوقهم المشروعة.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi7salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س57: سلام كاظم فرج: ثمة أسئلة كثيرة.. التسامح مع التأريخ.. والعرب كما تعرفون يسقطون جدل التأريخ على الحاضر دائما.. كيف يمكن ان نجد سبيلا للخروج من مأزق التأريخ.. الصحيح منه والمزيف؟

 ج57: ماجد الغرباوي: هذه الإشكالية ربما هي الأخطر بين الإشكاليات المتقدمة، لقوة حضورها، وسلطتها على الوعي. فما زال التاريخ بكل تفاصيله حاضرا يفرض نفسه، على علاقتنا وأحكامنا، وفهمنا للأحداث التاريخية بل والمستقبلية. فليس التاريخ أحداثا متعاقبة أو توالي مقاطع زمنية فقط، بل هو تجليات لبنى فكرية، وتوجهات سياسية، وخطابات آيديولوجية، ضمن سياقات الحدث وحتميات حركة التاريخ. وهو كالنص في أدائه ومخاتلاته ومراوغاته، يخفي أكثر مما يعطي، ويستر أكثر مما يبوح، يستدرج قارئه، ويتآمر على وعيه من خلال سرده للحدث بشكل تتوارى تناقضاته، عندما يركّز على مقطع زمني دون آخر، أو يفضح طرفا دون غيره. فيبتر ويضيف ما يخدم هدف الكتابة. فالتاريخ ليس أمينا، رغم جهود النقد والمقارنات التاريخية بين نسخه وأحداثه. وتارة خيانة التاريخ أكبر عندما يزوّر الحقائق ويترك تداعياتها تتفاعل، وتؤثر سلبا على المتلقي. فيتعذر التصالح مع تاريخ مفخخ، يلتف على وعي القارئ، يضعه في مدارات قصية. فما نشاهده ونسمعه من صراعات حول التاريخ هي صراعات حول واقع مزوّر لا يمت للحقيقة في تفصيلاته، فيخلق أجواء موتورة، مشحونة بالبغضاء والكراهية والعنف.

إن نزاع الصحابة على السلطة بعد النبي الكريم كان وراء أغلب التوترات السياسية والعقيدية والاجتماعية تاريخيا، وما يزال يتفاعل مع كل أزمة دينية ومذهبية، بسبب تراكمات تراثية حجبت الحقيقة، وتبوأت مكانها، فصرنا نقرأ الحدث من خلال نصوص ثانية، هي عبارة عن تفسيرات، وتأويلات، وإضافات، وقناعات شخصية وطائفية وسياسية ومذهبية وعقيدية، فتمادى الجدل. وهي نصوص لا قيمة لها علميا لأنها ظهرت بعد وقوع الحدث بسنين طويلة، بل بعضها ينتمي للقرنين الثالث والرابع الهجريين. فالحقية لا تتجلى إلا عبر منهج علمي نقدي، مقارن، يقرأ ذات الحدث وظروفه وملابساته، وهذا بات أشبه بالمستحيل، فلماذا التنازع حول أوهام ومختلقات تاريخية مغرضة، مهما تعددت مصادرها؟.  

ثم جاء مقتل الإمام الحسن بن علي، ومن بعده مقتل أخيه الحسين مع أصحابه وأهل بيته الكرام، فتعمقت الإشكالية، لتحل محل الفهم الديني قاطبة، فعمدت الطوائف لتحصين نفسها والطعن بعدوها، إلى تأويل القرآن المجيد، والكذب والافتراء على الله ورسوله، فاكتسبت الاشكالية شرعية دينية، بفضل التنظير الكلامي، المخترق سياسيا، بل هو تعبأة سياسية بأسلوب كلامي. وأجد التنافر الطائفي اليوم على أشده، مع انتشار وسائل الاتصال الحديث، التي وظفت هي الأخرى لتعميق هوة الخلاف، ومنحه بعدا دينيا وعقديا. وعندما تطور الفكر الكلامي أرسى فواصل فولاذية لا تسمح بتسرّب نسيم التسامح، خوفا من زعزعة إيمان أتباعها الأيديولوجيين. فلا معنى للتسامح في ظل قطيعة معرفية تامة بين الأطراف المتنازعة حول الحقيقة ما لم تفكك البنى المعرفية من خلال نقد عقلي وفلسفي يستبعد النصوص كمصدر وحيد للمعرفة، والارتكاز للعقل والمنطق. فإشكالية إيمان المسلمين اعتمادهم مصادر معرفية تقع خارج المنطق والعقل والمحاكمات الفلسفية. وتكتفي بالنصوص وتلقينها لاستلهام إيمانها وتحصينها من الشبهات بالطقوس والممارسات العبادية. فإيمان الفرد صورة ترسمها نصوص وحكايات موضوعة. ويقينه يلوذ بخرافات وأوهام، تستمد روحها من سرديات التراث، ومفتريات الغلو .. وشعور نفسي وعاطفي، يهرب من الشك إلى القداسة، وممارسة الطقوس لحمايته. فسذاجة الإيمان باتت سلطة توجه وعي الفرد وتحول دون تطور المجتمع في علاقاته وتطلعاته. سلطة استطاعت أن تطوّر نفسها، مع كل ممارسة عبادية أو سلوكية. فقراءة المراثي لدى الشيعة، ونصوص الزيارات، وطقوس الطواف حول الأضرحة المقدسة، تأسس لا شعوريا لقيم الثأر والانتقام، وتعمّق روح الكراهية للآخر، مع تنزيه الذات، وتبرئتها. او لدى التكفيريين والسنة، حينما يمارسون الإقصاء والإرهاب والقتل، وبث روح الرعب والتوحش في نفوس الناس، وضد خصومهم، فإنهم يكرّسون قيم الانتقام، تحت شعار الإيمان، وقتل المرتد، والكافر، والمخالف. إِنها ثقافة تكرر نفسها مع كل ممارسة قولية أو فعلية.

لسنا أطراف القضية، كي يسامح أحدنا الآخر، أو يتنازل عن حقه المزعوم منّة وتكرّما من أجل استتباب السلم الأهلي، فلا معنى للتسامح التاريخي. نحن مسكونون بتاريخ كتبته أيدي طائفية وأخرى سياسية، ونريد الثأر والاقتصاص من غاصبي حقوق شخصية لا علاقة لها بالدين، لكنها صارت دينا وعقيدة. بل الثأر التاريخي قضية غير قابلة للنسيان مع استمرار الشحن الطائفي، ودوام الجهل والأمية.

الخطوة الصحيحة في هذه الحالة الإجهاز على الفكر المنغلق، وعقيدة الغلو، والشعور الطائفي، وتفكيك بنيته، وأنساقه، من داخل التراث. فلم يكن التسامح مع الخصوم غريبا على بيئتنا وثقافتنا وتراثنا وديينا، وتدعمه بعض آيات الكتاب الكريم، كقوله تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، أو (لا إكراه في الدين)، ومصفوفة أخرى، ذكرتها في نهاية كتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح فرص التعايش بين الأديان والثقافات، بحدود 60 آية. وقد لخّص الشافعي التسامح بقوله: (رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصحيح).

فالتصالح مع التاريخ بحاجة لنقد صارم، يبدد ما راكمته الأقلام الطائفية، المغالية، المغرضة، لمعرفة الحقيقة، ومدى شرعيتها، خاصة بالنسبة للرموز التاريخية، التي اندفع الاتجاه الطائفي لأسطرتها وتحصينها، كمصادر معرفية مقدسة ومحصّنة، ينسب لها ما يود من روايات مفترات، موضوعة، مكذوبة، تخدم أهدافه الطائفية والسياسية. فتكتسب قدسيتها من قدسية تلك الرموز التاريخية.

لدينا مشكلة، أننا شعوب مسكونة بالتاريخ، وما زالت أحداثه تفرض نفسها على مواقفنا ومشاعرنا وسلوكنا، وتتحكم بثقافتنا وطقوسنا. وما زالت الدماء التي أريقت ساخنة تجري في عروقنا، بل ليس لدينا قضية أخرى سوى القضايا التاريخية، وهمنا الأكبر استعادة التاريخ ورموزه الاسطورية. لذا تجد التصالح مع التاريخ يمثل إشكالية كبيرة، تنتظر تسوية من خلال نقد التاريخ، واعادة كتابته. كما يحتاج التصالح الاجتماعي إلى ثقافة واعية، وشعور إيماني، يرتكز للكتاب الكريم في مواقفه من التاريخ وأحداثه: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم). فلا ولي لدم الضحايا، ولسنا ملزمين بالثأر من أحد. لكن رجل الدين لا يخاف الله ولا يرعى حرماته، خاصة في الدماء، حتى قرأت تصريحا لرجل دين كان يخطب بشباب الحشد الشعبي في العراق المتأهبين لقتال داعش والتكفيريين في مدينة الموصل، يقول ما مضمونه: سننتقم لأولئك من هؤلاء!!!. هكذا يعمّق رجل الدين بخطاباته روح الثأر والانتقام فيمزق نسيج الوحدة بين أبناء البلد الواحد. وإلا ما علاقة هؤلاء بأولئك، سوى دوافع طائفية، وروح الثار المتأصل في النفوس؟. فيريد من ربط الحاضر بالماضي أن يمنح قتال داعش أكبر قدر من الشرعية والقدسية. لأنه يعلم أن الماضي يستوطن نفوس هؤلاء الشباب الأبرياء فراح يعزف على وتر الحس الطائفي البغيض.

لا مانع أن يمارس رجل الدين دوره الاجتماعي والديني بعيدا عن الهيمنة والتسلط، لكن الخطر يتفاقم عندما يفرض ولايته وقيمومته وثقافته. يمارس الإقصاء والقمع والترهيب ضد الآخر، فيجب تجريد الثقافة والسياسة والوعظ الديني والحياة العامة من هيمنته وتسلطه، كشرط لتطور المجتمع حضاريا. والمقصود بهيمنة رجل الدين: هيمنة نمط ثقافي، يعتمد النص الديني والتراثي مصدرا وحيدا للمعرفة، يتولى تفسير مختلف الظواهر الحياتية، وتقديم أجوبة جاهزة لكل حدث بعيدا عن العقل ومعطيات العلم، فيؤسس للتبعية والانقياد، ويقمع روح الابداع والتطور.

وليس ثمة موقف عدائي من رجل الدين شخصيا، غير أن قبلياته وتركيبته الفكرية والثقافية ومشاعره الآيديلوجية تكرّس التعصب والانكفاء، عندما تستبعد العقل والمنطق لصالح نصوص تراثية وليدة صراعات سياسية وطائفية. فيقتصر عمله على تقديس التراث والرموز التاريخية، وربط الحاضر بالماضي، مع تعويم المستقبل وفق فرضيات مستحيلة، كظهور مخلّص يقلب الحياة سعادة بقدرات سحرية، وقوى غيبية. ويبتغي إلى مرضاة الله طريقا يجافي الكتاب الكريم وتعاليمه السماوية، ليبقى الفرد رهن معتقداته وثقافته التي صاغتها أهدافه الأيدولوجية والطائفية والمذهبية. فالتطور الحضاري لا يتوقف على وجود رجل الدين، بل يتوقف على وجود ثقافة ترتكز للعقل والمنطق بدلا من الأوهام والخرافات واللامعقول والتفسيرات الغيبية والطلاسم والتمويهات. وبالتالي فإن التحرر من هيمنة رجل الدين تحرر من دوامة التاريخ والتراث إلى روح العصر والحضارة.

إن النزاعات التاريخية والطائفية التي تفرض نفسها على خطب المنابر والوعظ الديني، لا تعكس الواقع التاريخي، بل هي صور مختلقة، راكمها مخيال شعبي شغوف، وفقا لتصوراته ورغباته، واندفاعاته الأيديولوجية بمساعدة تراث يكتظ بالروايات الموضوعة والأكاذيب والحقد. فالتصالح مع التاريخ يتطب نقده وتجريده، كي تتضح الحقيقة، حينئذٍ سيكون من السهل معرفتها، واكتشاف الواقع، وطريقة التعامل معه.

ولعل أوضح مثال تاريخي في قوة حضوره يحول دون التصالح مع التاريخ، هو النزاع على السلطة بعد وفاة الرسول، وما أعقبه من روايات وأخبار تاريخية. فما زال طرفا الخلاف في صراع مستمر لحسم شرعية الخلافة، وما زالت الكتابات حوله تترى، فلم يكتب عن أية قضية تاريخية كما كتب عنها. أغلبها خطابات طائفية، تعمّق الخلاف وتؤصّله دينيا وفق نصوص ورويات بعضها موضوع، وبعضها تم تأويله بطريقة تخدم أحد طرفي النزاع. فكيف يتصالح المسلمون مع قضية غير قابلة للحسم، بل وثمة أحداث مستقبلية تترتب عليها، كالاقتصاص ممن اغتصب الخلافة، والتنكيل بمن ارتكب جرائم قتل أصحابها. فهذا الاتجاه يرفض ترحيل الخلاف لليوم الآخر. ويصر على الثأر في الدنيا. وبعض يعوّل في القصاص على المهدي عند ظهوره. فهناك صراع محتدم تجده في جميع وسائل الاتصال، وفي كافة الباحات الدينية والتاريخية. بلا كلل ولا ملل، ويحسبون أنه واجب شرعي لا يمكن التخلي عنه.

فاتضح مما تقدم لا تصالح مع التاريخ إلا بشروط، منها:

أولا: اعادة قراءة التاريخ وفق منهج نقدي، موضوعي، بعيدا عن قبليات الفرد الثقافية والطائفية والمذهبية، لتحري الواقع ومعرفة حقائقه، فقد اختلط الحق بالباطل، وانتشرت أخبار كاذبة وموضوعة إلى جانب الروايات والأحاديث الصحيحة. فأصل النزاع بين الصحابة كان نزاعا سياسية على السلطة، وقد احتكم الكل في تسويته للقيم العشائرية، وهذا ما أكدته جميع المصادر، ولم يحتج أيا من الطرفين بحديث أو رواية عن النبي الكريم تدعم حقه في الخلافة. ومات الرسول ولم يوصٍ صراحة لأحد باسمه. وكل ما فعله الإمام علي عندما سمع بالخبر أنه احتج عليهم بما احتجوا به على الأنصار، وهو مبدأ القربة من رسول الله، فقال: إذا كانت القربى هي المبدأ في اختيار الخليفة، فنحن أولى به. ولو كان هناك نص لاحتج به، وهو في أمس الحاجة له. لكن التاريخ اليوم يروي لنا كما هائلا من الروايات والأحاديث الموضوعة، والتأويلات القصرية لكتاب الله من أجل نصرة أحد طرفي النزاع. فالنقد الموضوعي سيكشف عن الحقيقة، وحينئذٍ سيعرف الجميع ملابسات الواقع التاريخي، وتخمد روح الثأر، وتتهيأ النفوس للمصالحة والسلم.

ثانيا: رقي وعي الفرد والمجتمع، في تعاملهم مع الأحداث التاريخية وفق رؤية قرآنية: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). وهذا يقتضي فك الارتباط بين الحاضر والماضي، وعزل هيمنة رجل الدين عن الخطاب الديني. وعدم ربط المستقبل والحاضر بالماضي وأحداثه، بعد تجريد الخلاف من أبعاده الدينية التي لحقت به بدوافع أيديولوجية، وطائفية، ومذهبية.

 فتفكيك الصورة الذهنية الراسخة في المخيال الشعبي، وردم روافدها التراثية، من خلال النقد والمراجعة، سيساعد على تصالح حقيقي مع التاريخ، ويجسّر الهوة النفسية تجاه الآخر، بعد إبعاد رجل الدين الذي دأب على إدانته، وتحميله وزر ما حصل تاريخيا خدمة لمصالحه الطائفية والشخصية. للأسف الشديد بات منبر الوعظ والخطابة عبئا على وحدة المسلمين، ومصدر قلق دائم للمجتمع، يؤجج روح الكراهية، ويكرر خطاب التنابذ والاقصاء فيحول دون التصالح مع التاريخ.

نعود للسؤال: (كيف يمكن ان نجد سبيلا للخروج من مأزق التأريخ.. الصحيح منه والمزيف؟):

اولا: يمكن التصالح مع التاريخ المزيف من خلال مراجعته ونقده وفق مناهج علمية، ومصادر تتسم بقدر أكبر من الموضوعية، وحينما نكتشف تزويره تنهار سلطته تلقائيا، ويبقى مهملا كتراث، يعبّر عن ظرفه، ومستوى ثقافته، وعوامل بلورته، ومدى تغلغل العامل الطائفي والسياسي في صياغته. خاصة ونحن نعلم حجم الوضع والتزوير في التاريخ من خلال قرائن خارجية، ونصوص صرّحت أو وشت بذلك. فالنقد والمراجعة أداة ماضية لتفكيك التاريخ وإعادة بنائه، وفق معلومات صحيحة، يمكن تحريها بمنهج مقارن، وقرائن تاريخية، عبر تحليل الوضع الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي آنذاك. فثمة عوامل كثيرة تلعب دورا سلبيا في كتابة التاريخ، فينبغي ملاحقة المهمل والمهمش والهامشي من الأخبار، ودراسة الشخصيات الثانوية، والقابعة داخل الدولة العميقة، والأشخاص الذين لعبوا في الظل دورا خطيرا، وهم حاشية السلطة، وحواشي قيادات المعارضة. وعدم تغافل الدور العقيدي والمذهبي والطائفي، الذي ضخ عددا كبيرا من الأخبار الموضوعة، خدمة لعقيدته، وانتصارا لمذهبه.

ثانيا: يتوقف التصالح مع التاريخ الصحيح على:

- إعادة كتابة التاريخ بشكل عام، وفرز الصحيح من الخطأ. والكشف عن حجم الزيف والوضع في الروايات التاريخية، والجهود التي بذلت من أجل أدلجة الأحداث والمواقف، مع الفصل بين الديني والسياسي، فالخلط المتعمد بينهما زور الوعي، وطمس الحقائق.

- تنمية وعي الفرد والمجتمع والعقل الجمعي تجاه الأحداث التاريخية، مع التأكيد على فصل الماضي عن الحاضر.

- اعتماد ثقافة جديدة، لا تنتمي للماضي سوى أنه تجربة بشرية يمكن الاستفادة من مقوماتها الإيجابية. وفك الارتباط العقائدي والروحي والنفسي والشعوري مع الأحداث التاريخية.

بهذا الشكل يمكن التصالح مع التاريخ، ليعش الفرد والمجتمع حاضره، ويفكر بمستقبله بدلا من دوامة الماضي، واستمرار جدل عقيم لا يجدي نفعا، سوى المكوث داخل التاريخ.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi6salam kadomfarajخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأديب والكاتب الأستاذ سلام كاظم فرج.

 

س56: سلام كاظم فرج: أديب وكاتب / العراق: نسبية مفهوم التسامح .. (نظرة على ضفاف الحوار مع الأستاذ ماجد الغرباوي).. 

بالرغم من متاعب صحية عابرة أمر بها، كان لي شرف الاستمتاع بالحوار المعرفي المفتوح مع الأستاذ ماجد الغرباوي حول مفهوم التسامح كمصطلح اجتماعي، سياسي، وسايكولوجي، وقد سبق لي أن قرأت كتابكم القيم التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات. وكتابكم الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني. وانتبهت الى أطروحة مهمة في ثنايا الكتابين: (إن التسامح ليس منة نمن بها على الآخر بل هي حق إنساني مكتسب نحقق بها إنسانيتنا ونؤكد من خلاله هذه الإنسانية..).. وقد أعدتم صياغة هذه الأطروحة في ردكم على سؤال الشاعر سامي العامري.. وقد شحذ سؤال الشاعر العامري وجواب الباحث الغرباوي.. أسئلة راودتني وأنا أتصفح ردودكم القيمة على أسئلة الأخوة المحاورين، وجدت من المفيد أن أتوجه بها إلى جنابكم الكريم:

عن نسبية مفهوم التسامح.. رغم ما قد يخطر في البال عنه بأنه قيمة مطلقة.. أطروحة الأستاذ الغرباوي تتجه صوب حتمية التسامح وضرورته إنسانيا..

 سؤالي: كيف يمكن أن نحل إشكالية النسبية في مصطلح اتفقنا على إطلاقه؟.. بمعنى أن ما هو متاح في عالم ما، ربما لا يكون متاحا في مكان أو زمن مختلف.. نسبية الزمان والمكان والأعراف.. نسبية صحة التقاليد .. وأنواع الايمان .. ومدى تحمل الآخر . ناهيك عن التسامح معه.. على سبيل المثال. في المزارات الدينية.. حيث يفرض نوع من الحجاب على السيدات.. هل المطلوب هنا أن تتسامح السيدة مع العرف السائد فترتدي الحجاب أم المطلوب من القائمين على العرف أن يتسامحوا مع سيدة اعتادت على أن تسفر عن وجهها وشعرها؟

 

ج56: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأديب والكاتب الأستاذ القدير سلام كاظم فرج. أسأل الله تعالى أن يمن عليك بالعافية وطول العمر بصحة وسلامة، كي تواصل مشاريعك، فنحن بحاجة لمثلك من المثقفين المستنيرين. شكرا لأسئلتك المهمة.

الجواب يتطلب عودة لتعريف التسامح ومستوياته وشروط أدائه، لتحري مديات شموله لأمثلة السؤال، ومعرفة ما هو مطلق ونسبي في أبعاده.

يقصد بالتسامح إصطلاحا: (الاعتراف بالآخر، شريكا بالحقيقة، مهما كانت نسبتها). فهو تسامح حقيقي، ونسق قيمي، معرفي يصدر عنه موقف إيجابي متفهم من حرية العقيدة والفكر والرأي، يسمح بتعايش مختلف الرؤى والاتجاهات بعيدا عن الاحتراب والاقصاء، على أساس شرعية الآخر دينيا وسياسيا وضمان حريته في التعبير عن آرائه ومعتقداته.

فالتسامح الحقيقي ينفي احتكار الحقيقة والاستئثار بالنجاة لطرف دون آخر. على الضد من المذاهب والفِرق الكلامية التي تحتكر الحقيقة، وتحكم بردة الآخر وكفره وحرمانه من النجاة، لكنها تتسامح معه شكليا لضرورات أخلاقية أو اجتماعية وأمنية بل وحتى دينيا. لذا يتوقف قيام المجتمع المدني واستتباب الأمن الأهلي على التسامح الحقيقي. ولا يراهن على تسامح شكلي يرفض مقوماته، كالمواطنة والتعددية وحرية الاعتقاد والرأي. فهو تسامح قلق، ينهار في أول احتكاك ديني أو مذهبي أو طائفي.

فالتسامح الشكلي يكرّس منطق الفِرقة الناجية، ويسمح بإقصاء ونبذ وإلغاء الآخر، ما دام قائما على المنّة والتكرّم. وكل من يتسامح أخلاقيا أو دينيا، يضمر احتكاره للحقيقة والنجاة، وينفي الآخر في أعماقه.

التسامح الحقيقي وليد بيئة أخرى، نشأ وترعرع في ظل تنظير مستمر على يد فلاسفة ومفكري النهضة الأوربية، كالفرنسي فولتير (1694 –1778م)، كاتب وفيلسوف عصر التنوير. فهو مصطلح ضمن منظومة قيم ومبادئ وأفكار المجتمع المدني. فالتسامح لا يكون فاعلا خارج بيئته وأنساقه المعرفية، كالمجتمعات الطائفية. فمن يحتكر الحقيقة يستبطن نبذ الآخر، ورميه بالردة والكفر والخسران يوم الحساب. فيتنافى مع قيم التسامح الحقيقي.

وهكذا بالنسبة للمفاهيم الأخرى التي تتوقف عليها فعلية التسامح كالتعددية، وحرية الاعتقاد، والرأي، فجميعها لا يعمل خارج بيئته. وحينما أكتب عن التسامح لا أتجاهل شروطه. وأعلم جيدا لا فاعلية له خارج منظومة القيم الحضارية الغربية، وما يرتبط بها من مفاهيم: (مجتمع مدني، حرية، تسامح، ديمقراطية، ليبرالية، علمانية، تسامح، تعددية، سياسية ودينية). فبيئته تضمن شروط فعليته. لذا أدعو دائما إلى عقلانية شاملة، تُعيد تشكيل العقل، وتتولى تبيئة القيم الحضارية الحديثة، معززة بما يجود به التراث من قيم دينية تحتضن التسامح الحقيقي الذي بات ضرورة قصوى بعد موجات العنف الطائفي وحجم الخسائر والتداعيات الكبيرة، وحياة الرعب التي عاشتها شعوبنا. ولا تسامح ما لم تكتمل شروطه، وهي سهلة في ظل انتشار شامل للعقلانية، والارتكاز للعقل والمنطق في فهم الدين ودوره في الحياة. لا سيما في تراثنا عناصر يمكن توظيفها في تحديث وعي المجتمع واعادة تشكيل عقله ومشاعره. غير أن هذه المهمة تبقى عسيرة ما دامت الأصنام ثاوية في أعماق العقل، وما زالت الأوثان سلطة توجه وعي الناس. فيبقى الرهان على النقد لتحطيم القوالب الفكرية والعقيدية، وسلطتهما المعرفية العتيدة، كخطوة تمهيدية لتسامح فاعل في ساحتنا العربية والإسلامية. وبالتالي فمن الخطأ استنبات قيم داخل بيئة خارج بيئتها، ما لم تكتمل جميع شروطها. لذا تجد تشوهات فكرية في مفاهيم راحت تتبناها بعض الأنظمة السياسية، كالديمقراطية أو التعددية أوالتسامح، سببها عدم وجود بيئة ملائمة، واستخدام خاطئ لأدواتها. إن عمليات التلفيق لا تنجح في تطويع مفاهيم الحضارة الغربية، لذا فشلت مشاريع الأسلمة في العالم الإسلامي، لاختلاف الثقافات والبيئات، وحاجة المفهوم إلى بيئة وثقافة مناسبة لعمله. فتبيئة المفاهم خارج مناخها الثقافي تحتاج أرضية ملائمة، وهي مفقودة، ما لم يُعد تشكيل الثقافة والعقل الاسلامي، بعد تجريده من سلطة التراث والموروث وتقديم فهم مغاير للدين ودوره في الحياة.

إن التسامح الحقيقي نسق قيمي وأخلاقي يراد إحلاله محل النسق الذي ما زال يدير حركة المجتمع ويحدد اتجاهاته، وهو نسق وليد منظومة قيم موروثة تشكّلت عبر ماضٍ سحيق، ظل الشعب يتوارثها ويتعهدها ويلتزم بها ويحافظ عليها. قيم تنابذية تتقاطع مع قيم التسامح، وتكرّس العصبية والرفض والاقصاء. فلا يكون التسامح فاعلا مؤثرا في مجتمع ما زال يتعهد تلك القيم الموروثة ويلتزم بها. أي ما زال يتمثلها قيما أخلاقية يستمد منها وجوده ومكانته داخل الوسط الذي يعيش فيه. ولا يمكنه التخلي عنها او التنكر لها، لأن في ذلك – كما يعتقد - مصادرة لموقعه وقيمته ورمزيته التي هي رأس ماله الاجتماعي، وعلى أساسها يقيم علاقاته ويتخذ مواقفه من جميع القضايا، بل ويعتقد أنها أساس وجوده وهويته.

اليوم ذات المسلم لا يمكنه التحرش بطقوس موضوعة، يعتقد بقدسيتها عموم الناس، فكيف نستدعي قيما أخرى تقع على الضد من ثقافتنا؟. بل حتى الحكومات تجامل العرف ورجال الدين في سن قوانين تحمي طقوسهم ومعتقداتهم الخاطئة. أو تغض الطرف عن ملاحقتها وتفتيتها. نعم يمكن توظيف عناصر القوة في تراثنا في عملية التحديث الحضاري. فقيم التسامح مثلا ليست غريبة تماما على بيئتنا، وقد أشرت لبعض جذورها العقيدية. فيمكن تأسيس ثقافة تسامحية ترتكز إلى فهم آخر للدين، والمقدّس والتراث. وتبقى مثاليته متوقفة على فعلية شروطه.

فقلق السؤال مشروع جدا. فما لم يُعد النظر في فهم الدين، والعادات والتقاليد والثقافة والفكر لا يمكن تطبيق مفاهيم حضارية وليدة بيئة أخرى. ويتعذر إعادة تشكيلها وفق مقاسات بيئتنا. فإما أن تتبناها وفقا لشروطها، وتعمل على تمهيد مناسب لاحتضانها، أو عدم التورط معها.

إن ما كتبته حول التسامح كان ضرورة تنظيرية في إطار محاربة العنف للتخلّص من لغة الاقصاء والتنابذ والتكفير، وحديث الفِرقة الناجية، واحتكار الحقيقة. وأما الجانب التطبيقي فيتوقف على تفاعل المجتمع مع ثقافته وقيمه، ليتجسد التسامح مشاعر وسلوكا فرديا واجتماعيا. فالبعد التنظيري للتسامح الحقيقي كان ضرورة لمحاربة العنف القائم على مفاهيم دينية خاطئة. خاصة ونحن نحتاج لتأهيل ثقافي، يمهّد لقيم حضارية جديدة. ثقافة تتوخى شرعيتها من إعادة فهم الدين، وفق متطلبات العصر والزمان، وضمن منطق الكتاب الكريم، ومقاصد الشريعة وغاياتها.

وبكلمة مكثفة: التسامح الحقيقي، مفهوم يعمل ضمن منظومة فكرية متكاملة، يرتبط بعضها بالآخر. يمكن توظيف بُعده المعرفي المطلق خارج إطار بيئته، لتفتيت عقيدة الفِرقة الناجية. وتتوقف فعلية تجلياته  السلوكية على كامل شروطها. فالتسامح الحقيقي قادر على تفكيك بنية العقل الطائفي وإعادة تشكيل وعيه للحقيقة وطرق الوصول إليها، لكنه لا يتجلى ثقافة وسلوكا إلا ضمن بيئته ومنظومته المفاهيمية.

فالتسامح، وفقا لما تقدم، ينقسم إلى قسمين:

الأول: تسامح حقيقي: يشتمل على بعدين:

- بُعد معرفي، يرتكز إلى: نسبية الحقيقة، ونسبية المعرفة الدينية، والتلازم الضروري بينه وبين الحرية الشخصية. فيتجرد تلقائيا من مشاعر الكراهية والتنابذ، ليكون مطلقا لا يُخصص، ولا يصدق إلا بصدق قيمه المعرفية التي هي أساس حقيقته.

- بُعد سلوكي، تتوقف فعليته على فعلية منظومة قيم المجتمع المدني. فهو نسبي تتوقف مصداقيته على مستوى فعلية ما يرتبط به من قيم حضارية، ولا يصدق حقيقة إلا بفعليتها واقعا.

الثاني: التسامح الشكلي، تسامح أخلاقي قائم على المنّة والتكرّم، يكرّس قيم التفاضل على أسس دينية أو طائفية أو مذهبية أو عنصرية. يكرّس لا شعوريا مشاعر الكراهية والتنابذ. ويخلق شخصية منافقة، تستبطن غير ما تظهر، فهو تسامح قلق، لا يساعد على قيام مجتمع متسامح حقيقة. بل ويهدد سلامة المجتمع في الأزمات السياسية والاجتماعية والدينية والمذهبية.

فأمثلة السؤال تنتمي للجانب السلوكي من التسامح الحقيقي، الذي تتوقف فعليته على فعلية منظومته المفاهيمية. فلا سلوك تسامحي بمعزل عن ثقافته وبيئته، وفعلية مفاهيم منظومته، كالمواطنة، والتعددية، وحرية العقيدة والرأي. فيكون التسامح حقيقيا متجسدا ثقافة وسلوكا حينما تكون عناصر المجتمع المدني الأخرى فعلية أيضا. فالتسامح مع تقاليد وأعراف ثقافات وديانات أخرى، يتوقف على إيمان المجتمع بقيم المجتمع المدني. فالإطلاق في التسامح ناظر لبعده المعرفي، وهو تسامح حقيقي يرتكز لمبادئه المعرفية. وأما التسامح في بعده السلوكي فيكون حقيقيا عندما يعمل ضمن منظومته المفاهيمية في إطار مجتمع مدني. وشكليا خارج أسوار المجتمع الحضاري.

فعندما يكون التسامح حقيقا، فاعلا، كما في الغرب، يستوعب حاجة الآخر لممارسة طقوسه وعاداته وتقاليده، وديانته، وعباداته. فتجد تجاور دور العبادات في كل مكان. وتلمس حرية العقيدة بطيفها العريض، وحرية الرأي والتعبير كيف تؤدي رسالتها في النقد والتقويم والمحاسبة. والجدل الفكري والعقيدي والفلسفي كيف يتطور في أحضان التسامح الحقيقي. بل الأجمل شعور التسامح نحو الآخر، فالجميع مواطنون يتمتعون بكامل حقوقهم، ويؤدون جميع واجباتهم. تطفح في لقاءاتهم روح المودة. وهذا لا ينفي وجود متطرفين وعنصريين، لكن السياسة العامة، وثقافة المجتمع تقوم على التسامح الحقيقي في كل شيء. أما في مجمعاتنا فلا يصدق سوى التسامح الشكلي، تسامح المنّة والتكرّم والتفضل. يَدٌ عليا تَمُن وتعفو، وأخرى سفلى تتلقى وتشكر. يتسامح معك ظاهرا، ويضمر في أعماقه نفيك وكراهيتك.

وعودة للسؤال: يبقى التسامح مطلقا في بعده المعرفي، ويتجلى سلوكا في إطار بيئته، واكتمال شروطه، فلا نسبية في بعده المعرفي، وتتراوح تجلياته بين التسامح الحقيقي والشكلي. وما كتبته عن التسامح في بعده المعرفي، تمهيدا لثقافة التسامح، استهدف اللامفكر فيه، والمقدّس، لنقده وزعزعته، خاصة ما يتعلق باحتكار الحقيقة، واحتكار الوصول لها، التي هي أساس التباغض، والاقتتال الطائفي، وهذا القدر يمكن للتسامح أن ينشط فيه حتى خارج بيئته، لكنه ينتكس حينما يقارب البعد السلوكي لتلك الأفكار، فهدف التسامح هو تفكيك العقل وإعادة تشكيله، وفق فهم متجدد للدين ودوره في الحياة. فالتسامح كقيمة حضارية معرفية مطلق، وقد تصدق نسبيته في الجانب السلوكي. فلا يجامل في نسبية الحقيقة وتعدد الطرق إليها. ولا يؤمن بوجودها خارج خيال الإنسان، وتختلف باختلاف قدرته على تصورها ورسم ملامحها. فالتسامح الحقيقي يعتمد العقل في فهم الحقيقة وطرق الوصول إليها، ويرفض الاستسلام لأي معرفة لا تخضع لمنهجه. فيستبعد اللامعقول والخرافة والأوهام وكل ما لا يتعقله.

بينما المعرفة الدينية معرفة جاهزة تستبعد العقل والتفكير العقلي على خلفية وجود عقول كاملة ومعصومة، تفكر بالنيابة عنا، فتكون معرفتها مطلقة، تقتصر دورنا على الانقياد والتبعية وعدم التمرد والاكتفاء بالتفسير والتأويل لأقوالها ونصوصها!!. وهذا فهم مبتسر، فالمعرفة الدينية معرفة نسبية، ويكفي طيف الاختلاف بين المجتهدين والمفكرين والمفسرين حول نفس القضايا. فينبغي اعادة النظر في مصادر المعرفة، ليكون العقل فوق النص، به نفهم النص وغاياته ومقاصده. وعلينا الكف عن أسطرة الرموز، وصناعة الإنسان الكامل.

شخصيا لا أذهب لنسبية الحقيقة مطلقا، فكما هناك حقائق نسبية، لا تطابق الواقع، بل مختلقة وفق مقاسات طائفية ومذهبية ودينية، لكن لي أدلتي على وحدة الحقيقة (الكبرى) مع تعدد الطرق إليها بالنسبة لله تعالى. فحقيقة الخالق تعالى بالنسبة لي خارجية، ثابتة، سواء أدركها الإنسان أم لم يدركها، مع تعدد الطرق إليها، ولا أتعصب لطريق واحد دون غيره. بل (الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق). ولكل شخص تجربته الروحية مع الله ومع الحقيقة، ولكل فرد مشاعره في التفاعل معها، وهذا معنى تعدد الطرق إليها، ولا يوجد من يحتكرها ويحتكر الوصول إليها. وجميع الاجتهادات صحيحة شريطة صحة مقدماتها علميا. فلا إشكال في جواز التعبد بالمذاهب الإسلامية.

ثم الإيمان بالله كحقيقة مطلقة لا يتنافى مع فلسفة التسامح القائمة على نسبية الحقيقة، بل يبقى احتمالها ثابتا، بالقوة لا بالفعل، مهما كانت ضآلة الاحتمال، ما دام الوصول إليها ممكنا عندما يتحرر العقل من قبلياته. فشرط إطلاق الحقيقة، إمكانية الوصول إليها عبر مختلف الأدلة، مباشرة أو بصورة غير مباشرة. فيتحقق الاحتمال، شرط صدقية التسامح الحقيقي.

لا يوجد مذهب حق مطلقا وآخر باطل مطلقا، ويبقى الإنسان رهن عمله وسلوكه وإيمانه، وعلاقات التنابذ بين المذاهب الدينية تدور حول حقائق مختلقة ليس لها رصيد واقعي، سوى روايات مكذوبة. فلا عقاب في الآخرة سوى للمتمرد على الحقيقة، العارف بها، وبتفاصيلها، مَن يشمله قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا). فأعمال الناس تقع صحيحة إذا توفرت على شروط صحتها، كما أن القطع واليقين والجزم في العقائد حجة، بل حتى اليقين التراكمي حجة، منجّزة ومعذّرة. فلا مبرر لتكفير الآخرين مهما اختلفنا معهم عقيديا أو فقهيا. وطالما تمنى أتباع الديانات الاستئثار بالنجاة يوم القيامة، فردهم الكتاب الكريم: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير).

ثم مقتضى الحرية الشخصية لجميع الأفراد وبشكل متساوٍ، الاعتراف بنسبية الحقيقة، وعدم احتكارها لفرد أو طرف دون آخر. فعموم الحرية يعني تعدد وجهات النظر، وتعدد الآراء والعقائد والأفكار، لتعدد مصادرها وقبلياتها وقراءاتها وفهمها، ولازمها نسبية الحقيقة. والتعدد أمر واقع لا مراء فيه، مما يؤكد نسبيتها.

وتجد في القرآن الكريم ما يشعر بنسبية الحقيقة، مهما كان قدرها، وعدم احتكار النجاة في الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فهذه الآية تصرّح بشمول الآخر المختلف دينيا برحمة الله، شريطة الإيمان والعمل الصالح. فلم تسلب الآية منه هويته الدينية على أساس بطلانها بل أكدتها. فرغم اختلاف الأديان أو اختلاف الحقيقة، لكنهم ليسوا باطلا مطلقا، وفرص النجاة متاحة لهم ضمن هويتهم الدينية، دون الانسلاخ من دياناتهم.

وفي قوله تعالى ما يؤكد هذا المعنى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، والاسلام مفهوم يشمل جميع أتباع الديانات الثلاثة، (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ). بل يشمل المفهوم كل من أسلم وجهه لله (|فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ). فالتسليم لله تعالى، يحقق بنفسه شرط التسامح الحقيقي.

بل أن احتمال الحقيقة ممكن لدى مطلق من يؤمن بوجود خالق مهما اختلفت صورة الإله في مخيلته. فالخالقية ستحقق احتمال الحقيقة مهما كانت ضآلته، وحينئذٍ يصدق التسامح الحقيقي وفق فلسفته القائمة على الاعتراف بالآخر شريكا بالحقيقة، مهما كانت نسبتها. وهذا ما بينته في كتاب (التسامح ومنابع اللاتسامح، فرص التعايش بين الأديان والثقافات): وبالتالي فالاعتراف ينفي المنة والتكرم في التسامح (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).

ثم تأتي آية: (لا إكراه في الدين) لتؤكد حرية الإنسان في الاختيار (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). وأجد في الآية التالية اعترفا صريحا بالآخر، ما يؤكد شرعيته من حيث ارتكازه لعقيدته القائمة على الدليل والبرهان، رغم عدم إيمان الإسلام بها. فهي مشروعة لشرعية العملية الفكرية، لذا قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). فهذه الآية تعترف بحرية العقيدة، لأن قوة العقيدة في الاختيار لا بالتلقين والإملاء. الثانية تخلق لنا عبيدا، وأداوات يوظفها المستبد والطاغية ورجلا السلطة والدين لتحقيق أهدافهم.

وأما ما ذكرته في سؤالك حول غطاء الرأس أو اللباس الشرعي الديني، فيخضع لقوانين دينية وبروتكولات متعارفة في جميع أنحاء العالم، فمن تُقابل بابا الفاتيكان تلتزم بغطاء الرأس، تعبيرا عن احترامها وتقديسها. فهذه قضية إجرائية رغم ارتباطها بالتسامح الديني. فغطاء الرأس في إيران قانون، يشمل كل امرأة داخل إيران، فمن تأتي لزيارة البلد تتقيد بقوانينه. فلا معنى للتسامح ما دامت القضية قانونية، فنحتاج إلى إعادة النظر في أصل القانون. وأيضا عندما تدخل المرأة المشارف المقدسة عند الناس، يجب عليها احترام أعرافهم، كقانون متفق عليه ضمنا بين الشعوب، والأماكن المقدّسة، رغم الاستثناءات.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الواحد والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

 

 

س54: سعد جاسم: تعاني المثقفة العربية من عدّة مشاكل وإشكاليات جوهرية، فما هي برأيك أبرز هذه المشاكل والإشكاليات؟

ج54: ماجد الغرباوي: أهم إشكالية تواجه المثقفة العربية تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لاعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفه ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللا شعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم (رئيسة دولة أو رئيسة وزراء)، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية.

تعود النظرة النمطية الراسخة في العقل الجمعي إلى سببين:

 الأول ذاتي، يرتبط بنظرة المرأة لنفسها، وكيفية تعاملها مع القيم والعادات والتقاليد ونمط الترهيب الذكوري. فتارة تخطئ المرأة المثقفة في تشخيص أولوياتها، فتنحاز مثلا لقيم المساواة أو التحرر المطلق، كخيار لفرض نفسها، فتنسى تكوينها البايولوجي، وقدراتها الجسدية، التي تفرض أحكامه، فليست المساواة دائما هي الحل، بل في العدالة ضمان لحقوق الطرفين. فلا مصادرة لحريتها وإرادتها، في عدم إناطتها بأعمال شاقة تفوق قدراتها، بل مقتضى العدالة مراعاة تكوينها البايلوجي، وقدراتها الجسدية.

فعليها المثابرة، وتعميق ثقتها بنفسها، وبدورها للحياة، كي تكون منضبطة في أدائها الثقافي والاجتماعي، فبعض المثقفات يخذلهن الوعي في تقدير الأوضاع، وتحديد سقف مطالبهن وأهدافهن، فمثلا الحرية المطلقة في مجتمع محافظ، يعد أمرا تعجيزيا، ينبغي عدم إدراجه ضمن قائمة اهتماماتهن راهنا. خاصة أن تطور المرأة وإستعادة إنسانيتها كاملة لا يتوقف على مطلق حريتها، بل يتوقف على مدى تفهمها لدورها في الحياة، وكيفية تعاملها مع الرجل والعقل الجمعي، بشكل تدفعه لاعادة النظر في نظرته النمطية عن المرأة، بشكل عام والمرأة المثقفة بشكل خاص. وقيمة المرأة المثقفة، بوعيها وثقافتها، وما تحمله من قيم ومبادئ واستنارة، تُدرك بها حقائق الأمور التي يمكن أن  تتخذ في ضوئها موقفا صائبا. فالرهان دائما على الثقافة والوعي، رغم أهمية التربية والبيئة والمجتمع. فليس الانفلات دليلا على تطورها، ولا يكشف الإلتزام عن تخلفها. وتبقى مصدافيتها رهن وعيها، خاصة المرأة المثقفة. لقد كانت المرأة مقدسة في ظل مجتمع إنساني طواه التاريخ، وكانت تُعبد من دون الله باعتبارها أصل النوع البشري، فهي خير وعطاء وحرمة وانجاب. بل أن جميع المؤنث لكلمة إله يدل على قوة حضور الإله الأنثى.

وبالتالي كما أن الرجل مطالب بنظرة أكثر إنسانية وإيجابية للمرأة، وتقييم منجزها وفقا لضوابط الإبداع، والقيمة الحقيقية لمضمونه، فالمرأة أيضا مطالبة بالتركيز على ذات المنجز، وعدم الاصرار على هويتها الأنثوية، كي لا ينقلب الإصرار إلى تحريض ضدها. فتحتاج المرأة المثقفة إلى تجاوز عقدة الأنوثة، والحد من الهيمنة النفسية للذكورة، وتضخّم صورة الرجل في مخيالها. وبحاجة إلى إعادة تقييم، والتخلّص من رهاب الفحولة، بعد أن قطعت البشرية شوطا على طريق تحرير المرأة وحقوق الإنسان. ورغم كثافة البؤر الاجتماعية المتخلفة في بلداننا، لكن ثمة أمل بقدرة وسائل الاتصال الحديثة والانفتاح الثقافي بين الشعوب. أحيانا عقدة الذكورة تخلق نرجسية مضادة لدى المرأة المثقفة، بشكل تتلاشى فيه أجواء التفاهم بين الجنسين، خاصة حينما تستغرق في شكوكها وعدم ثقتها.

المرأة المثقفة لا تواجه جسدا رجوليا، بل منظومة قيم معقدة، نسجتها ظروف اجتماعية وسياسية ونفسية أفضت إلى تمادي الرجل في استغلال تكوينها البيولوجي لينفرد بالقرار وحق تقرير المصير. وحينما تؤسس القيم داخل البنى الفكرية، وتعشعش في تلافيف المهيمن الثقافي، وتستوطن مساحة واسعة من اللاشعور، تتجلى في تفكيرهما وسلوكهما. فثمة أنساق غاطسة تتدخل في تشكيل العقل، وتمارس سلطتها على المشاعر والأحاسيس، والإنفعالات. وتظهر بقوة في حالات العصبية والمواجهات الساخنة بين الطرفين. فنحن بحاجة إلى إعادة تشكيل العقل العربي، وفق قيم حقوق الإنسان، ومبادئ الحرية والتسامح، ووحدة الجنس البشري. بمعزل عن التراث والقراءات المبتسرة للنص الديني المقدس. بطريقة ينقلب الفهم الديني الجديد من ضد إلى مع مبدأي المساواة والعدالة الاجتماعية.

والمجتمع مطالب بتنقية مفهوم المرأة من شوائب النظرة القاصرة، وتجريده من قيم الاستعباد والاستغلال والقمع والفحولة، لزرع الثقة في نفوس الأجيال التي تتولى المرأة تربيتها. فاستعادة إنسانيتها يعود بالنفع على عموم المجتمع. كما ينبغي للمرأة المثقفة إشعار الرجل بدورها الذي يتقصد الرجل تجاهله والاعتراف به، بدافع أناني مقيت.

 والثاني موضوعي، تكرّسه مختلف الظروف المحيطة بها، فما زال الوسط النسوي المثقف، باعتباره جزأ من الوسط النسوي العالمي، يعاني الاضطهاد والتمييز والقمع في أغلب الدول العربية، وما زالت هناك قوانين تقمع حركاتها وتألقها. سببها قبليات المجتمع ورؤيته للمرأة ودورها الاجتماعي، وهي نظرة شاملة لم تستثنٍ المرأة المثقفة. لأنها رؤية مؤسسة على ثقافة، تختزل المرأة في إنسانيتها. وتسيء الظن بعقلها وقدراتها، بل وتعتبرها قاصرة تفتقر للرعاية والقيمومة والتدبير، فلا يسمح لها ممارسة حرياتها خارج أسوار البيت وأسيجة الزوجية وقيود الأمومة. وهذا ما تعانيه المرأة المتطلعة لأفق التحرر والحرية كي تمارس دورها في الحياة، وتقوم بمسوؤلياتها، إنطلاقا من مبادئها ورسالتها.

لكن ماذا تفعل، ولم تشاهد تغييرا في رؤية المجتمع للمرأة، بل ورؤية المرأة لنفسها، حيث انكفأت، في بعض الأوساط، تعين الرجل على قمعها وتحجيمها، وتبديد حقوقها، بدوافع اجتماعية وأخرى دينية، حتى انقلب تذمرها إلى قناعة راسخة ترفض التمرد والخروج على سلطة الرجل والمجتمع. وهذا لم يأت من فراغ، فإضافة إلى ثقافة المجتمع والعقل الجمعي الذكوري، جاء دور الخطاب الفقهي، الديني، التراثي، وجاء دور الحركات الإسلامية التي تبنته حركيا، فلا نُخطئ إذا قلنا: إن الفكر الحركي كان بالنسبة للمرأة أفيونا حقيقيا فاقم مشاعر النقص والتضاؤل أمام سلطة الرجل، بعد أن أسست تلك الحركات لسلطته، وأكّدت وجود فارق نوعي بينها في ظلّ فهم خاص للآيات والروايات. فكانت تلك النصوص سلاحا ماضيا أغرت الرجل في طغيانه واستبداده. فما زالت أدبيات الحركات الإسلامية تلهج بتساوي المرأة والرجل في العبادات والواجبات في الدنيا، والمساواة بينهما يوم الجزاء، بينما تقوم بتأويل حقوقها بطريقة تسلبها إنسانيتها، وبالفعل انطلى الزيف الفكري عليها وبقيت المرأة قابعة في إتون الأعراف والتقاليىد، وما زالت بعض النساء تأنس كونها: ناقصة، نصف إنسان، عورة، منبوذة في أيام عادتها، شيطانا مغريا، تحتاج إلى مدبّر، وصغيرة تروم قيـّما عليها، لا يجوز لها الحديث مع الرجال خوفا من إغرائهم أو فسادها، لا يحق لها مخالطة الآخرين مخافة أن تفقد شرفها وعفتها، لا يسمح لها بمجالسة الناس لأنه خلاف الأعراف والتقالىيد، لا تؤتمن على دين، ولا تؤتمن على شرف، دائما في دائرة الشك والريبة، ودائما عليها أن تُثبت نقاءها وعذريتها. لا ثقة بها في أداء عمل سوى عمل البيت وحُسن تبعلها، ولا يُطمأن لها على سرّ لعدم الثقة بها. يجب أن تسير خلف زوجها، وتتعهد بتربية أطفاله وتدبير بيته، والصبر على نزقه والسكوت على فعاله. ومشاركته أحزانه دون أفراحه وملذاته. ليس لها حق مساءلته، وله حق التحقيق معها في كل شيء، لا تعرف شيئا عن سلوكه، لكن ليس لها حق الخروج من الدار إلا بإذنه. نظرتها ريبة، وابتسامتها شبهة، وضحكتها خيانة!، وتودّدها لزوجها وحبها له ضعف، لذا ليس للمرأة سوى بيتها ومن ثم قبرها، حتى أن بعض الأوساط الشعبية ما زالت تتباهى بالمرأة المخدّرة، وتعتبرها فضيلة لا تدانيها فضيلة، فالمرأة لا تخرج من بيتها إلا مرتين، واحدة إلى بيت زوجها وأخرى إلى قبرها. هكذا تؤسس قيمنا الاجتماعية للتخلف وتعطيل طاقات المجتمع، وتشيع الكآبة والبؤس والجهل والأمية والكبت والانحراف المستتر، وتحمل المرأة مسؤولية الخطيئة التاريخية للرجل. وليست الأعراف والتقاليد بل الفقه الإسلامي ساهم بقوة في تكريس نظرة الاختزال للمرأة، عندما يرفض إعادة النظر في بعض الأحكام التي تخص المرأة وفقا لفعلية موضوعاتها. بل الأبعد من الفقه هي نظرة الشعوب السابقة، لا فرق بين دين وأخر، ولا فرق بين حضارة وأخرى. فكان العربي يبادر لدفن الأنثى تخلصا من عارها.

هذه الثقافة تؤثر سلبا على المرأة المثقفة، وتجعل علاقتها بوسطها علاقة إشكالية، فكيف تقنعه بكمالها، وإنسانيتها، وخطأ الانطباع النمطي حول قدراتها العقلية؟. أجد الأمر صعبا لكنه ليس مستحيلا على المدى البعيد، خاصة عندما يتعاطف معها الوسط المثقف، وتساعد وسائل الإعلام الحديثة في تأسيس ثقافة، تستعيد بموجبها المرأة مكانتها وإنسانيتها.

لا أبالغ أن القراءة المتجددة للنصوص الدينية، مع استبعاد النصوص التراثية، ستساهم بشكل فعال في تغيير نظرة المجتمع للمرأة، ويبقى الرهان على مواصلة نقد القيم السائدة حولها. فدور القيم الاجتماعية تارة تكون أخطر من دور النصوص الدينية والمرويات التاريخية.

فالخطوة الأولى التي تحتاجها المرأة المثقفة أن يعيد الوسط الذكوري تشكيل ثقافته وفق نظرة عصرية تقوم على مبادئ حقوق الإنسان، والعدالة، بعيدا عن الاضطهاد والقمع وسطوة الذكورة القابعة في نفس الرجل. ثم يأتي حضورها الحقيقي من خلال منجزاتها، ووعيها ومواقفها، ليؤكد صدقيتها. وهذه هي الإشكالية التي تواجه المرأة المثقفة كما جاء في السؤال.

 

س55: سعد جاسم: كيف تنظر الى مستقبل الثقافة العربية في عصر المعلوماتية والسوشيال ميديا؟

ج55: ماجد الغرباوي: كان تدشين الأنترنيت انعطافة تاريخية في حياة البشرية، ونقطة تحول، نقلت الحياة من واقعها الحقيقي، إلى واقع افتراضي استوعب كل شيء، فمهّدت الشبكة العنكبوتية لمختلف أنواع التواصل: الثقافي والفكري والعلمي والاقتصادي والسياسي، والحكومي والعاطفي، والأكاديمي، كما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي "والسوشيال ميديا" في خلق علاقات اجتماعية غير نمطية، تتكيف مع كافة الظروف. وراح تدفق المعلومات يفوق الخيال، حتى بات اقتناء المعلومة يكفيك عناء البحث والتنقيب الآرشيفي من خلال محركات البحث الألكترونية، وبفترة قياسية، قد لا تتجاوز الدقائق أحيانا. وبات التلاقح الثقافي، وتبادل المعلومات، ونقل الأخبار والتقارير يفوق الخيال. فالعالم بين يديك، تتأثر به، ويمكنك التأثير فيه، إذا كنت خبيرا، تتمتع بلياقات إعلامية وقدرات ثقافية وعلمية، وتخطيط استراتيجي، يواكب آخر التطورات العلمية والعلوم الإنسانية كي تتوفر على خبرة في استثمار العالم الافتراضي. وهذا يعني ثمة وجه آخر للأنترنيت يخدم الأهداف الاستراتيجية للحكومات والمؤسسات، ويساهم في تسويق نمط خاص من الثقافة تخدم ذات الأهداف. فما هو مستقبل الثقافة العربية في عصر المعلوماتية والسوشيال ميديا، كما جاء في السؤال؟ وهو سؤال استراتيجي يتعلق بثقافتنا وهويتنا ومستقبلنا وأصالتنا وموقعنا عالميا.

ولكي يكون الجواب موضوعيا، نستعيد صورة العرب في الوعي الغربي القائم على مركزية الرجل الأوربي أو الغربي وهامشية الأطراف، الذين هم نحن. فصورة العربي في وعي الغرب، تعكس صورة الهامش في وعي المركز. فيضفي عليه جميع صفات التخلّف والتوحش، ويرميه بالنقص التكويني، وبؤس الثقافة، وسذاجة العقل. فتقوم العلاقة بين مركز يصدّر المعرفة والعلم والثقافة والتكنلوجية والفنون والحب والجمال والأخلاق، وهامش عاجز، متلقٍ، مستسلم، بسبب خلل معرفي وعقلي وثقافي، يرتبط بقبلياته ومرجعياته العقيدية والفكرية، وطبيعة عاداته وتقاليده وقيمه. فالغرب يصدّر كل شيء، والعرب وغيرهم من الشعوب الأخرى، تستكين وتتوارى وراء تخلفها وتقاعسها. الغرب يصر على رداءة الأطراف، وما زلنا نعاني من عجز ذاتي يقاوم نظرة التحدي، المتعالية، بنرجسية وغطرسة مقيته. خاصة بعد مرحلة داعش التي كرّست صورة وحشية العرب في الوعي الغربي. الغرب يمارس معنا سياسة الإقصاء ونحن فقط نتذمر، عندما نعجز عن إعادة تشكيل الوعي الغربي بنا.

وأيضا صورة الغرب في الوعي العربي قائمة على نموذجية الغرب، رغم عجرفته وتعاليه، بل لا ينسى العربي دور الاستعمار الغربي في تحطيم بنيته المعرفية، واستعماره، وسلب خيراته، لكنه رغم ذلك بات الغرب في وعي العرب هو النموذج والتحدي. هو نموذج إنساني في ثقافته وتقدمه وحياة الاستقرار السياسي والامني التي ينعم بها، ويطمح كل عربي باللجوء لدول الغرب الديمقراطي الآمن. بينما تعيش الدول العربية في دوامة صراع على السلطة، وبؤس ثقافي عيال على المنجز الغربي إلا القليل من الإبداع.

فالمواطن العربي عندما دخل عالم الأنترنيت دخل مبهورا بالغرب وتطوره، مأخوذا بما يشاهده من عالم جديد، فتفاعل معه بثقافة بدائية راحت تتأثر بالثقافة الجديدة، بل راحت تتراجع، وأصابها النكوص المعرفي. بينما كان ينبغي للمواطن العربي أن يعي جيدا طبيعة التعامل مع العالم الافتراضي، فيسعى لتحصين ذاته وثقافته، والحفاظ على هويته وخصوصيته، كي يقاوم تحديات الثقافة الجديدة، وتدفق المعلومات المرعب أحيانا. وهذا هو الحد الأدني، لكنه لم يحصل بشكل كافٍ، وما زال الحضور العربي بحاجة لرفد ثقافي ومعلوماتي واعٍ، يعيد تشكيل الوعي لدى الطرفين. خاصة وعي الغرب بالعرب، بعد كارثة داعش وأخواتها.

 لكن ما حصل أن بعض الأوساط العربية راح يغامر بهويته وثقافته حتى أفرغ محتواها وانساق مأخوذا بثقافة الغرب .. بثقافة من خارج بيئته وتراثه، فأصيب بالتشوه المعرفي والثقافي، وهذا ما تعكسه اهتمامات العرب في مواقع التواصل الاجتماعي، عندما كرّست حضورا ساذجا في ثقافته ووعيه، بين انفتاح حد القطيعة مع التراث وقيمه، أو انكفاء مروّع. الأول لم ينفتح على ثقافة الغرب أو يدرس تاريخ تطوره، ولم يتعلم منهم طرق التطور الحضاري، على صعيد الدولة والمجتمع والثقافة والفكر، مكتفيا باشباع غرائزه، وتحرير كبته الجنسي. والثاني راح يستعرض أنواع التوحش والإرهاب، يتعمد إقصاء الآخر. فكلا الطرفين فشل في خلق وسط مشترك يسمح باعادة تشكيل الوعي الغربي وتصوره عن العرب وتراثه وثقافته. ناهيك عن الجدل العقيم، والتنابذ، والتراشق بالألفاظ، والفضائح السياسية والأخلاقية، وأشياء كثيرة لا ترقى لمستوى أي طموح حضاري.

وأما الطرف الثالث وهو الطرف المثقف، المعني بثقافته وهويته، وكيفية الاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي لتطويرها وتحصينها، وإثرائها فما زال محدودا، إن لم يكن متواضعا قياسا بالآخر، لم يحقق خطوات مهمة، رغم كثرة الصفحات الثقافية. فهامش الحرية الكبير لم يفرز ثقافة مؤثرة، بل وتوارت بفعل قوة حضور الخطاب السياسي، القائم على التنابذ والصراع، وتكريس قيم الاستبداد. وهذا لا ينفي التطور المشهود، لكنه محدود. فالثقافة العربية تغامر بهويتها إذا لم يتدارك المثقفون العرب أمرهم، ويعتمدوا الطرق العلمية في استخدام مواقع التواصل الاجتماعية، لتعميق الثقة بالأوساط الاجتماعية من خلال منجزها وقدراته الابداعية وطبيعة الموضوعات التي يطرحها ويتبناها.

إن تمادي قيم العنف والتنابذ والاستبداد في الانتشار والتبني، سؤدي إلى تآكل الثقافة العربية، ما لم تجدد خطابها ومناهجها ومصادرها المعرفية، وتضع استراتيجية تحقق أهدافها، خاصة ونحن نعيش تحديات الهوية والثقافة والدين، ونعاني من سطوة العولمة في جانبها الثقافي، وإعادة تشكيل المهيمن الثقافي الامبريالي وتعميمه خدمة لمصالح الدول الكبرى ومصالحها، التي وظفت الشبكة العنكبوتية لتحقيق ما تعجز عن تحقيقه مباشرة.

وبالتالي الثقافة العربية معنية بإعادة تشكيل مفاهيمها، وترسيخ قيم الهوية والأصالة، والانفتاح على كل ما هو مفيد، يرفد ثقافتنا بحيوية، كي تتطور لمصاف الثقافات العالمية. فمستقبل الثقافة العربية بات في مهب الريح ما لم تتدارك وضعها وسقمها، ولعل في حجم الإقبال على المنجز الغربي قياسا بالمنجز العربي، على جميع الأصعدة الثقافية شاهد على ما أقول.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10saad jasemخاص بالمثقف: الحلقة العشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

  

س52: سعد جاسم: هناك ثمّة الكثير من الإشكاليات في ثقافتنا العربية، ومنها تبعية المثقف للسياسي في عالمنا العربي، ترى ماهي أسباب هذه التبعية التي تصل الى حد الذيلية أحياناً؟

ج52: ماجد الغرباوي: لا شك أن وقوف المثقف إلى جانب السياسي، في السلطة أو خارجها، يمنحه قدرا كبيرا من الشرعية، في مجتمعات تحترم المثقف، وتدرك قدرته على تحريك الرأي العام عندما يكون مبدئيا، نزيها، رصينا. ويسقط اعتباره ويُتهم بخيانة قيمه ومبادئه وثقة الناس في اصطفافه مع السياسي الفاسد. وهي ظاهرة سلبية عانت منها الشعوب، وصدرت بها كتب رصدت خيانة المثقفين، وتخاذلهم، واصطفافاتهم، ككتاب إدوارد سعيد: "خيانة المثقفين.. النصوص الأخيرة". فموقف المثقف مسؤول، يتوقف عليه أحيانا مستقبل الوطن، ومصالح المواطنين. فينبغي له ترك مسافة، تحفظ استقلاليته وحريته في النقد والمراقبة والرصد المستمر في علاقته مع السياسي.

إن علاقة المثقف بالسياسي ليست مدانة دائما، بل ضرورية أحيانا لترشيد موقف السياسي النزيه، المخلص لشعبه ووطنه ومبادئه، مع ضمان عدم هيمنة السياسي على المثقف، كي لا يخسر الأخير حريته واستقلاليته في النقد والتقويم، ويحتفظ بقدرته على اعتزال السياسي عندما يكتشف خيانته وعدم وفائه لمبادئه. المثقف المستنير شخصية حرة، مستقلة، يتمتع بموقف ذاتي من الكون والحياة، فيجب عليه صيانة استقلاليته وحريته، وعدم السماح لهيمنة السياسي على مواقفه وقراراته ورؤيته. فكم نفرح عندما يتصدى مثقف نزيه للسلطة لأننا نثق به، وبقدراته على النقد والرصد. بل ينبغي للمثقف المستنير، الكفوء التصدي، فليس ثمة ما يمنع، إذا كانت السياسة قائمة على العدل ومبادئ حقوق الإنسان. فلا توجد قطيعة تامة بينهما، ولا تبعية مطلقة، وطبيعة العلاقة تخضع لمستوى وعي المثقف وسلوك السياسي. لذا تحترم حكومات الغرب الفيلسوف والمنظّر والمفكر، وتهتم بآراء ووجهات نظر المثقفين في التخطيط واتخاذ القرارات. وتحرص على حماية المثقف المستنير ليبقى نبض الشعب في مواقفه وآرائه. ويبقى بوصلته في معرفة الحقيقة وتشخيص الأخطاء. بينما اتسمت علاقة المثقف بالسياسي في العالم العربي بالتبعية والانقياد، حد التواطؤ على الفساد وتبرير السرقات، إلا ما ندر.

 وهذه علاقة مرفوضة، تحط من قيمة المثقف، لكنها ظاهرة قديمة، تعود لزمن الخلافة، وبلاط الخليفة، حيث تكتظ حاشية السلطة بالمثقفين، من شعراء وأدباء وكتّاب وخطباء، تقتصر مهمتهم على التمجيد والثناء، وطمس الحقائق، والتستر على الأخطاء والجرائم. والتنكيل بالمعارضة، وتشويه سمعة الخصوم السياسيين. وتبرير تصرفات الخليفة والحاكم العام، والإشادة به رغم انحطاطه وفساده. مثلهم مثل فقهاء السلطان، حينما يشرعنون سلوك الخليفة على حساب قيم الدين ومبادئه. فأحسب أن تبعية المثقف للسلطة، في عالمنا العربي، حالة طبيعية، موروثة، وإرث تاريخي متجذّر، يتناسل، كرّسته قيم الاستبداد، وتعامل المجتمع مع السلطة بمنطق الغنيمة. إضافة إلى سياسة الترهيب والترغيب، التي تقمع المثقف غالبا، فهو بشر كغيره، لا يملك حصانة ذاتية، أو مثالية مطلقة لمقاومتها، ما لم يتسلح بإرادة حديدية تقاوم التحديات.

 أحيانا نبالغ حينما نتوقع من المثقف مثالية بمستوى العصمة، في وعيه ومواقفه. ونتفاجأ حد الصدمة حينما نكتشف بشريته، وسلبياته. وهذا خطأ، فالمثقف بشر، يطرأ عليه الضعف، وتسرقه الأضواء، وتستدرجه الإغراءات، وتقمعه القوة والعنف، وينهار أمام التحديات الكبيرة والظروف القاسية، والحالات النفسية، والظروف الاجتماعية والسياسية إلا نادرا. خاصة مع عدم وجود غطاء شعبي يدعم موقفه، وأحيانا ينقلب أقرب الناس ضده ليبقى مكشوف الظهر تحت سياط الجلاد والسلطة التعسفية. ويبقى الرهان على مبدئيته وقدرته على الصمود والتصدي، ولا يثبت سوى المبدئي، العصامي، وهم عملة نادرة على مر السنين، ومختلف الظروف.

هذه المقدمة كانت ضرورية لتحديد الموقف من علاقة المثقف بالسياسي، كي لا تلتبس الأمور، وتعم الفوضى في تقييمها. فالعلاقة غير مدانة حينما يحافظ المثقف على مبدئيته ومواقفه، ويمارس دوره في الفعل الحضاري بكل حرية واستقلالية بعيدا عن هيمنة السياسي. وهذا هو الأصل في العلاقة. وحينما يرتهن ارادته للسياسي الفاسد، فهناك أسباب وراء انهيار موقفه وتبعيته. بعضها ذاتي، يتعلق بتكوينه، المعرفي ومستوى وعيه، وآخر موضوعي يرتبط بالظروف السياسية والاجتماعية والنفسية.

 

أما الأسباب الذاتية، وراء تبعية المثقف للسياسي الفاسد، فهناك:

- المثقف المنقاد: شخص يعاني من تشوّهات في شعوره ووعيه وتكوينه المعرفي، القائم على قيم التبعية والانقياد والعبودية، وهي قيم ثاوية في بنية العقل العربي، تبعا لتقاليده القائمة على ثنائية السيد والعبد. بل هي بنية المجتمعات الشرقية منذ قديم الزمان، يتوارثها لا شعوريا جيل بعد جيل، فتتجلى في سلوكهم ومواقفهم، حينما تتلاشى في أحضان السلطة مخاوفهم، وتهدأ في تبعية السياسي أرواحهم. بل بعضهم ينشط حينما يتحول إلى عصا، يهش بها السياسي مناوئيه، وإن كان فاسدا. فدافع التبعية لدى المثقف المنقاد دافع ذاتي، نابع من صميم ثقافته، وتبعيته، وتقديسه للقوة والسلطة. فهذا جيل بشري لم يتحرر من العبودية حقيقة، رغم انعتاقه منها شكليا. مما يعني أن الحرية والعبودية ثقافة ثاوية في أعماق اللاوعي، تتجلى عبر سلوك الفرد ومواقفه وطريقة تفكيره وأسلوب تعامله. فالمثقف المنقاد لا يميّز بين السياسي الفاسد وغيره، فكلاهما في نظره سلطة، تتمتع بذات الهيبة والنرجسية، فهو غير معني بسلوكها وتصرفاتها، فسدت أم لم تفسد. المهم أن السياسي سيتولى تدبيره وقيادته وتوجيهه، وهو مستعد لمهنة العبودية. فهو بحاجة مستمرة لوجود قيّم يتولى شأنه. وهذا النمط من الناس يخرج عن كونه مثقفا ليصبح شرطيا ومهرّجا وعبدا ذليلا.

 

- المثقف الأيديولوجي: شخص يعتبر تبعيته للسياسي واجبا أخلاقيا نابعا من صميم أيديولوجيته. يجب احتضانه، وحمايته، والتستّر عليه، لتعضيد سلطته. فمشكلة الأيديولوجي في تعصبه، وانشغاله بتنزيه الذات، وتبرير الأخطاء، واقتصار النقد على الآخر، الخصم والمناوئ. فالعمى الأيديولوجي يقلب الموازين، فيغض طرفه عن فساد السياسي، ويجد في دعمه دعما لسلطة حزبه السياسي. وهذا يفسر لنا جملة ظواهر خاطئة في سلوك ومواقف المثقفين، يمكن تشخصيها مقارنة بموقف المثقف المستنير.

تعلم أن المثقفين يتفاوتون في تكوينهم المعرفي، وثمة اختلاف جوهري بين مرجعياتهم الفكرية والثقافية، تتجلى في مواقفهم وفهمهم للأحداث والظواهر الاجتماعية. فما لم تؤمن به من أفكار قد يؤمن  بها آخر. وما ترفضه من سلوك يستسيغه غيرك بمذاقه الأيديولوجي، وإلا كيف تبرر وجود جيش من المثقفين مع كل سلطة رغم استبدادها، خاصة من ينتمي لفكر السلطة وحزبها وأيديولوجيتها؟. ولماذا لم يتظاهر أو يحتج جمهور المثقفين ضد سلطاتهم الفاسدة؟. فهذا النمط من التبعية قد يعبّر عن قناعة حقيقية، ذات جذر أيديولوجي، لكنها تبعية سلبية، تتقاطع مع المبادئ الإنسانية. ومواقف هذا النمط من المثقفين هي السبب في التباس وتشويش الوعي، حينما تعتبره الجماهير بوصلة الموقف الصحيح. فمن الضروري وجود مبدأ لتحديد مصداقية المثقف عندما تلتبس الأمور كما في هذه الحالة بالذات. أو حينما يقع تزاحم بين الأيديولوجيا ومبدئية المثقف. ولا أجد مبدأ يضع حدا للالتباس سوى القيم الإنسانية، التي يتبناها المثقف المستنير بعيدا عن الأيديولوجيا، وهي ذات القيم الدينية الحقيقية: العدل، والحق، والإنصاف. وعدم مداهنة الباطل والظلم والاضطهاد والتعسف وقمع الحريات. وهذا مقياس عادل ينبغي للمثقف اعتماده حينما تلتبس الأمور، كشرط لمصداقيته. وإلا سيعتبر مدانا حينما يقدم أيديولجيته على مبدئيته، ويتواطأ مع السلطات الظالمة والسياسي الفاسد ضد شعبه. وبالتالي الأيديولوجيا لا تبرر تعضيد موقف الفاسدين من السياسيين. فالفساد فساد من أي شخص أو جهة صدرت. وتبقى الأصالة للمبادئ دون الأيديولوجيا.

 

- المثقف المعقّد: شخص يريد، من خلال تبعيته للسياسي رغم فساده، تعويض شعوره المرير بالنقص، مهما كان سبب ذلك النقص: نسبه، فقره، لونه، قوميته، دينه، مذهبه، شهادته، عمله.  فالمثقف كأي إنسان، حينما يعاني طويلا ولم يستطع التغلّب على عقدته، إما أن ينطوي، ويهجر الحياة، أو يتمرد على قيمه ومبادئه، ويتمادى في تبعيته للسياسي وإن كان فاسدا. فالمثقف المعقّد يختلف عن المثقف المنقاد، الذي ينطلق في تبعيته من روح العبودية والانقياد الثاوية في أعماقه. فهو ضد العبودي، لولا شعوره المرير بالنقص وفشل ثقته بنفسه التغلّب على عقدة نقصه.

 

المثقف البراغماتي: شخص أناني، نفعي، يضع مصالحه الشخصية فوق مبادئه، ويرهن مستوى تبعيته للسياسي بحجم مكاسبه، فتتعمق بزيادتها حد الذيلية. فهو منسلخ عن مبادئه وقيمه، غير معني بمسؤوليات المثقف المستنير.

 والمثقف البراغماتي ظاهرة واسعة في مجتمع يتعامل مع السلطة بمنطق الغنيمة، فيكرّس قيم التبعية والذيلية. بل ربما أشد ما تعاني منه الشعوب هو المثقف البراغماتي، شريك السياسي في سرقاته وفساده.

 

المثقف المُحبط: شخص يعاني قلقا نفسيا، وشؤما مستطيرا، فينسلخ فجأة عن مبادئه وقيمه، ومواقفه، ويرتمي في أحضان السياسي رغم فساده، لتدارك حالة الاحباط والتشاؤم المرير، حينما تتوحد مواقفهما بعيدا عن المبادئ. وقد ينقلب المثقف المحبط وحشا ضاريا، لينتقم من ماضيه، وقيمه، ويثأر لنفسه وأقرانه، خاصة مع تفاقم حالة الإحباط والتشاؤم لديه. وهؤلاء لم تصقلهم المبادئ أساسا، وربما كانوا يعانون من حالات نفسية غامضة وارتباك لاشعوري. فانهار الوعي، وتبخرت المبادئ بل وانقلب ضدها. وهذه ليست حالة عامة فبعض المحبطين يعتزل الحياة، وينزوي يائسا منها ومن المستقبل، ومن وكل فعل ثقافي، فيعش اللاجدوى، والإحباط، بل واللامعنى. فيبتعد عن المشهدين السياسي والثقافي حفاظا على نزاهته وحيثيته وكرامته، ولا يلتاث بالتبعية المقيتة لرجل السياسة الفاسد.

وجميع هذه الاصناف الثلاثة لا يصدق عليهم مفهوم المثقف إلا مجازا، فالمثقف الحقيقي هو المثقف المستنير كما تقدم في حلقة سابقة من هذا الحوار.

وأما السبب الموضوعي، وراء تبعية المثقف للسياسي الفاسد:

 

المثقف المضطهد: مثقف حاصرته قساوة الظروف، وضاقت به الدنيا، وسئمته المعتقلات والسجون . لا يجد ملاذا يحتمي به، في ظل انعدام الأمن، والحرية والضمان الاجتماعي الذي يحمي مواقفه. فهو بين خياري الموت والحياة، أو الارتماء في أحضان سياسي فاسد. إنها محنة شطر كبير من المثقفين في سجون الدكتاتور.

فالمثقف المضطهد، تارة يريد الاحتماء بالسياسي رغم فساده، هروبا من الموت، فتكون التبعية مبررة شريطة أن لا ينحدر للعبودية والذيلية، وأن يضع مسافة تحفظ استقلاليته وتصون حيثيته. فالمثقف بشر، طاقته على التحمل محدودة، وهذا ما حصل لكثير من المثقفين في دول الاستبداد. فهم ضحية واقع مرير، فلا يمكن إدانة الجميع، باستثناء من أصبح أداة لقمع الناس، وتزوير الحقائق، والدفاع عن الدكتاتور، وتبرير سلوكه الدموي ضد شعبه. وبالتالي، لا تنس الواقع الذي عاشه ويعيشه بعض المثقفين في ظل أنظمة دكتاتورية، تُقصي المثقف، فيندحر منبوذا، محروما من أبسط حقوقه، خاصة حريته التي يعوّل عليها في نشر مبادئه ومواقفه، وقد تضيق به الدنيا. وتطبق عليه  الظروف أنيابها، وقد عشنا ردحا منها، لولا هجرتنا المبكرة جدا عن بلداننا. فماذا يفعل المثقف عندما يعيش محاصرا ماديا وسياسيا واجتماعيا. وهي حالة صعبة جدا لا يصمد معها إلا مبدئي عنيد، وهم عملة نادرة؟.

وتارة يلجأ المثقف للسياسي مستسلما بعد معاناة قاسية، فيعش حالة من الذل والتبعية المقيتة. وهذا هو الانكسار والتخاذل، مع امكانية اتخاذ موقف أكثر كرامة وعزة.

هذه هي الأسباب الرئيسية في تبعية المثقف للسياسي في عالمنا العربي، وكما ترى لا يمكن اطلاق مفهوم المثقف على هؤلاء إلا مجازا. لكن قبل الانتقال لسؤال آخر، آرى من الانصاف والوفاء الاشادة بنوع آخر من المثقفين، وهو:

المثقف العصامي: هؤلاء الذين تحدوا الموت، والتعذيب، وقساوة الظروف، وعاشوا لمبادئهم، حتى ملت المشانق، وضاقت بهم أقبية الإجرام. وواجهوا الموت بابتسامة المنتصر، هؤلاء الذين طرزوا التاريخ بتضحياتهم، وفضحوا الطغاة بصمودهم، وصاروا مثلا أعلى بدمائهم. هم شهداء العقيدة والمبدأ، هم المثقف المستنير، الذي يواصل دربه الرسالي بيقين وإيمان. هؤلاء المثقفون، المبدئيون، والعصاميون، هم الذين عبّدوا طرق الحرية والكرامة، فيجب على الشعوب تخليدهم والتأسي بهم.

 

س53: سعد جاسم: هل المواطن العربي أكثر ميلاً للخطاب السياسي أَمْ للخطاب الثقافي؟

ج53: ماجد الغرباوي: الخطاب إبستوملوجيا، بنية وأنساق معرفية مؤسسة على مقولات ومفاهيم، فثمة تفاوت بين الخطابين السياسي والثقافي من حيث المضمون والأداء والأدوات والأسلوب والتأثير، أي هناك تغاير في بنيتهما وأنساقهما المعرفية. والمواطن العربي أكثر ميلا للخطاب السياسي، لخصوصيته التي تنسجم مع مشاعره، التي هي وليد بيئة أدبية بيانية، وأجواء مفعمة بالعاطفة والحماس، ينقاد فيه الفرد لا شعوريا للعقل الجمعي والتحريض الجماهيري. فثمة انسجام بين العقل العربي والخطاب السياسي، الذي هو خطاب أيديولوجي، يعزف على أوتار الخيال والعاطفة، ليؤجج روح الثورة والاندفاع. فالمواطن العربي يتفاعل لا شعوريا مع الخطاب السياسي. بينما الخطاب الثقافي يميل للعقل والتفكير والنقد والإدراك والتأمل والاستنتاج والبرهان والفلسفة، فمستوى التفاعل معه محدود.

العقل العربي عقل كسول، "مستقيل" كما يصفه محمد عابد الجابري، لا يستهويه البرهان والاستدلال، ويعتمد النصوص والمعارف الباطنية مصدرا لمعارفه. عقل ينفر من الدليل والاستنتاج، يبحث عن عقل ينوب عنه في التفكير والقيادة، مستعد للتبعية والطاعة، بدلا من تحمّل مسؤولية التفكير العقلي ونتائجها. وهي صفة غالبة رغم الاستثناء.

العقل العربي أدمن الاستبداد وقيم البداوة، والعنف. يقدّس الشيخ والقائد القوي .. يستكين لسطوة السلطان .. يخشع لهيبة الحكم والسلطة ومظاهر الجبروت والقوة .. ينقاد تلقائيا للخطاب السياسي. ولعل في الشعب العراقي اليوم خير مثال في انقياده للخطاب السياسي رغم كل تحفظاته على سلوك السلطة ورجالاتها وفسادها وخرابها. فالخطاب السياسي يجد أصداءه في نفوس الشعوب العربية، على العكس من الخطاب الثقافي الذي لا تتفاعل معه سوى النخب المثقفة. فحاليا لا يمكنك قيادة الشعوب العربية من خلال خطاب ثقافي عقلاني، لكن بإمكان تثويرهم بخطاب سياسي، خاصة حينما يصدر من قائد ملهم، يتصف بشخصية كارزمية. وخير مثال، الربيع العربي الذي ساقه خطاب عاطفي – سياسي، لم تُحسب تداعياته بعد حلول الفوضى محل النظام.

وعليه فالعقل العربي عقل منقاد، يقدّس القوة والقيادة، يحب السلطة، ويتعامل معها بمنطق الغنيمة. ويجد في الخطاب السياسي تطلعاته، فيتفاعل معه حد التضحية. ومناشئ هذا الاهتمام بالسلطة يعود لقيم ومفاهيم موروثة كرستها طبيعة العلاقات الاجتماعية، والخلافات التاريخية حول السلطة بين المسلمين الأوائل، واستبداد دولة الخلافة. فتجد النزاع التاريخي حول السلطة ما زال حاضرا بكل ثقله في ثقافة ومشاعر شعوبنا، رغم مرور ما يقارب قرن ونصف القرن من الزمن. ليعكس مدى هيمنة الخطاب السياسي على العقل العربي.

ثم الخطاب السياسي العربي خطاب ماكر، يجيد توظيف قيم النَخوَة والكرامة والمشاعر الدينية والعشائرية والوطنية. بارع في استبعاد العقل والتفكير، وترحيل مشاكله الداخلية خارج الحدود. رهيب في الالتفاف على مشاعر الجماهير. داهية في خداعهم وسرقتهم. يعرف متى يمتص غضبهم ونقمتهم وطاقتهم وعنفوانهم. لا يتورع في نشر خرافاتهم وطقوسهم. ولا يخشى الله حينما يشغلهم بأعداء وخصوم وهميين. وهذا هو هدف الخطاب السياسي من شعب مقموع تحت سقف عاطفي يتلاشى فيه الوعي، ويتوارى العقل خلف نوبات طائفية.

كل هذه الأسباب وغيرها ساهمت في تشكيل العقل السياسي العربي، والتنظير له فكريا وثقافيا وأخلاقيا وفقهيا، وما زال الفقه السلطاني مؤثرا في فتاوى الفقهاء. والأخلاق السلطانية ما فتئت تضبط أداء الرعية. فالخطاب السياسي يجد أصداءه في أعماق الفرد العربي، والمواطن العربي يجد ذاته في الخطاب السياسي. على العكس من الخطاب الثقافي، فلا يجد أصداء كافية ليتطور وينمو. وهنا مكمن الخطر حينما يتوارى العقل وينساق مع الخطاب السياسي، حدا ينسى كل أخطاء السياسي وعثراته وفساده. فكيف نُرسي مجتمعا مدنيا قوامه العقلانية الشاملة، مع شعب يقوده الخطاب السياسي القائم على أسس أيدولوجية ومصالح شخصية وحزبية وفئوية، ويتشبث بالسلطة ولو على حساب مصالح الشعب والوطن؟.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10saad jasemخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

 

س51: سعد جاسم: هل المثقف كائن عملي؟ أَمْ أنه كائن رومانسي؟ أَمْ هو كائن براغماتي؟

ج51: ماجد الغرباوي: ينبغي أولا تحديد المثقف، الذي سنقاربه في أمثلة السؤال؟ وهل ثمة من يحتكر المفهوم دون غيره؟.

يميّز المفكر الماركسي الإيطالي، أنطونيو غرامشي، بين "المثقف التقليدي"، الذي يرابط في برجه، متعاليا على الناس. و"المثقف العضوي"، ممن يعيش هموم المجتمع ويتبنى قضاياهم. والأخير، رغم أهميته، لا يخلو من سلبية عندما يُنيط به غرامشي مهمة استبدال المهيمن الثقافي الامبريالي الحاكم بمهيمن ثقافي تتولى طبقة المثقفين الجدد بناءه، كضرورة لحمايته وفرض سلطته. وهذه المهمة قد تستدرج المثقف لفعل أيديولوجي، يغلق منافذ التجديد والاستنارة العقلية، وتسجنه في أقبية الأيديولوجيا، فيفقد صدقيته في نقد الذات. ويركز نقده على الآخر دون الـ"أنا"، فتتراكم الأخطاء داخل ذات المهيمن الجديد حينما لا تطاله المراجعة والنقد، ويخسر صدقيته على المدى البعيد. المثقف داخل أسيجة الأيديولوجيا يمارس تنزيه الذات فلا يرى أخطاءه. وبالتالي فالمثقف العضوي لا ينجو من شراك الأيدولوجيا دائما.

من هنا سأعتمد، لتحاشي فخاخها ومطباتها، مفهوم "المثقف المستنير" بدلا من "المثقف العضوي" كمصداق حقيقي لمكوناته ومرجعياته، فيكون إطلاق المفهوم على المثقف التقليدي وما شابهه من أوصاف مجازا. وقد نوهت سابقا أن صدق المفهوم يتوقف على مدى تمثّل المثقف لجميع عناصر تكوينه: (معرفة، وعي، موقف)، وهذا هو معنى الاستنارة، فيختص المفهوم بالمثقف المستنير، دون غيره.

ينبغي التنبيه، ثمة تطابق بين مفهومي المثقف العضوي والمستنير، يكاد يكون تاما، لولا تداعيات الأيديولوجيا التي ربما تستدرج المثقف العضوي لا شعوريا، فيتعطل النقد الذي هو جوهر المثقف. أما الاستنارة فكفاح مستمر ضد الجمود والعمى الأيديولوجي، وتنزيه الذات، والتحيز التام. ونقد متواصل لمرجعيات المثقف ومواقفه ووعيه.

وأقصد بالموقف: الفعل الثقافي الذي يؤكد مصداقية المثقف، فيشمل: النقد والمراجعة والتثقيف وترشيد الوعي، وبيان الخطأ، وكشف الحقائق، وفضح التزوير والخداع باسم الحقيقة مهما كان مصدرها، عبر جميع الوسائل المتاحة. فالمثقف المستنير ملتزم بمبادئه وقيمه، ومواقفه، وفق عقلانية شاملة، لا تنحدر به إلى منطق الأيديولوجيا، فيكون مسددا بفعل النقد المستنير، الذي هو مران متجدد، متواصل، يستمد حيويته من مرجعياته المعرفية، ومبادئه الإنسانية، العامة، الشاملة، المتماهية مع قيم السماء وجميع الأديان. فهي مقياس حقيقي لنقد الذات والآخر، وركيزة أساسية لفهم الظواهر الاجتماعية. وملهمة لتبني هموم الناس وقضاياهم المصيرية.  

وبينما ينيط غرامشي بالحزب الثوري مهمة تكوين طبقة المثقفين العضويين، الذين تنحصر بهم مهمة تكوين هيمنة بديلة عن الهيمنة الرأسمالية. فإن المثقف المستنير ينبثق بعد اكتمال عناصر تكوينه، بشكل تدريجي ذاتي، من داخل ثقافته، وبيئته والتحديات المحيطة به.

كما أن طبقة المثقفين المتكونة بواسطة الحزب الثوري، ستخضع لا إراديا لأيديولوجيته، وهذا يعمقق شكوكنا المتقدمة حول احتمال خضوع المثقف العضوي لسطوة الأيديولوجيا، فنعتمد مفهوم المثقف المستنير ضمانا لحرية المثقف.

أعني بالاستنارة: قدرة المثقف على وعي الذات، وإدراك الحقيقة، وفهم الواقع. فهو شخص مستنير في معرفته ووعيه ومواقفه، يتمتع بهداية ذاتية، ويسير على هدى من أمره. راسخ في إيمانه، وفيُّ لمبادئه. مجدد في رؤيته للدين والمقدس والتراث والحياة. يتبنى عقلانية تحفظ توازنه، بين الهبوط الأيديولوجي والطوباوية المفرطة. فالاستنارة، تجديد مستمر ومواكبة حضارية، ورسالة إنسانية. فأجد في مفهومها شيئا من الروحانية، والتصوف، والطيبة، والصدق، والنزاهة، والعفاف، والترفع عن الأنانية والرذائل والمال الحرام والسلطة الفاسدة، والانشغال بهموم الناس والمحرومين والمستضعفين. فالاستنارة هداية نابعة من صفاء روح المثقف وصدقه وإخلاصه، فلا يمارس الخداع والتزوير والتضليل والاستغلال والتعسف والاضطهاد. ينتصر للحق والمبادئ، والقيم الرفيعة، ويبتعد عن الباطل والفساد. ينطلق في موقفه من فلسفة ومنهج ورؤية للكون والحياة. يعي الحاضر وضروراته، ويخطط للمستقبل بعلمية وموضوعية.

وبالتالي يمكن تعريف المثقف، تعريفا جامعا، مانعا، بأنه: "شخص مستنير في معرفته ووعيه ومواقفه".

ومصاديق الاستنارة كثيرة عبر التاريخ، تتجلى في سلوك بعض الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم،  ولعل ثورة المدينة كانت مجسا حقيقيا لمستوى وعي واستنارة الصحابة، كأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، عندما تصدوا لكشف الحقائق وفضح التزوير المقدس. وتجلت بشكل أوضح في انقسام وجوه الصحابة بين علي ومعاوية. وذات الأمر ينطبق على أصحاب الحسين بن علي رغم إغراءات السلطة والحياة الناعمة. وهناك من المثقفين من تعرض للموت والاقصاء بسبب وعيه واستنارته. وتجلت الاستنارة بشكل أكبر في شخصية ابن رشد في مقابل أبي حامد الغزالي، صاحب كتاب تهافت الفلاسفة. وأيضا تجدها واضحة في التراث الإنساني لأبي حيان التوحيدي. وأجد في عمليات الاقصاء التي تطال مثقفي البلاط بين حين وآخر، نوع من اختبار الوعي والاستنارة، وأمثالها متعددة، كعبد الله بن المقفع الذي قتل بتهمة الزندقة وغيره!!.

 

نعود للسؤال: فبعض الأمثلة تستبطنها مكونات المثقف (معرفة، وعي، موقف)، وبعضها الآخر تتقاطع معها، أو تقع ضدها.

فالمثقف كائن عملي، عندما ينأى عن الاستغراق في الخيال والمثالية والجدل، ويفي برسالته، ويمارس فعل التثقيف بحرية، وترشيد الوعي، وبيان الحقيقة،  متميزا بمواقفه ومبدئيته، وسعة أفقه، وإدراكه. يترصد مراوغات السياسي، وخداع رجل الدين .. يقاوم إغراءات المال والسلطة، وحب الظهور .. يتصف بتواضعه، وفهمه للواقع وملابساته .. لا يتخلى عن مسؤولياته والتزاماته، يتحاشى فخاخ الأيديولوجيا، وتداعيات التبشير، وهموم الداعية. وبعبارة مكثفة، أن يقرن المثقف أقواله بخطوات عملية، تؤكد صدقيته. لأن الثقافة بالنسبة للمثقف موقف تاريخي ينبثق من صميم رسالته ومبدئيته. وقد أُرِخ لهذا المفهوم من خلال حادثة تاريخية معروفة، اتخذ فيها مجموعة من المشتغلين بالفكر والثقافة موقفا تاريخيا سجلوا فيه نقطة انعطاف كبيرة، واكتسبوا عنوانا جديدا اسمه (المثقفون) . فجرأة المثقف وشجاعة مواقفه، شرط لانطباق المفهوم عليه، بغض النظر عن عمله وشهادته وسعة علمه ومعرفته. فلا قيمة للمعرفة والوعي إنْ لم يتجسدا موقفا عمليا شجاعا يُعلن على رؤوس الأشهاد، ويساهم في إصلاح الأوضاع؟. لذا لا يمكن إطلاق مصطلح المثقف على شخص تخونه الشجاعة في بيان آرائه. ويخشى النقد إلّا همساً أو في خلواته. فالمثقف العملي مصداق حقيقي للمثقف المستنير، حينما يمارس نقد الذات قبل غيرها، لتقويم خطواته العملية لتي تتطلب مواصلة النقد والمراجعة، ورفض أدلجة الإلتزام العملي، كي لا يتعالى المثقف على النقد. وليس للنقد صيغة محددة بل يمكن لكل مثقف ممارسته من خلال مهنته، وحقل اشتغاله، سواء كان معرفيا، أو أدبيا، أو فنيا، أو غير ذلك. فمفهوم المثقف ليس حكرا على فئة دون أخرى، أو شخص دون غيره. ويصدق على كل شخص تمثّل مكونات المثقف.

من هنا تجد المثقف العملي يقتصر متبنياته الفكرية على الآراء الممكنة عملا، ليكون مصداقا حقيقيا لمفهومه. وينأى،  عندما يقرن أقواله بخطوات عملية، عن أوهام النخبة، وأسيجة النرجسية وأحلام المتسكعين، حتى بات من السهل تمييز المثقفين على أساس ممارسة النقد، بين متصدٍ ومنزوٍ، جبان. هذا كله من حيث الفرض.

أما واقعا، فإن حضور المثقف محدود، مغيّب، وتكاد لا تعثر على مواقفه في النقد والتثقيف وترشيد الوعي وكشف الحقائق وفضح التزوير، حتى انفرد السياسي في الساحة، وهيمن خطاب السلطة، وانتشرت قيم الاستبداد، والتبعية والانقياد، وانحسر الوعي، وتلاشى الشعور بالمسؤولية، وطغى خطاب طائفي، ديني، تكفيري، قائم على  الاقصاء والتنابذ، ورفض الآخر المختلف، حتى توارى العقل وتراجعت العقلانية. فغياب المثقف العملي، أحد أسباب تدهور الأوضاع في بلداننا وهي بأمس الحاجة لوعي المثقف وشجاعة مواقفه، لكشف الحقيقة وفضح التزوير. وهذا لا يعني عدم وجود أسباب قاهرة وراء مواقفه وعزلته، لكنه أخفق في كسب ثقة الشعب فتآمر ضده رجلا السياسة والدين. بل ورماه الأخير بالعمالة للغرب والتمهيد لغزو بلاد المسلمين فكريا وثقافيا وسياسيا. والتآمر ضد قيمه ومبادئه الدينية.

ولعل المفارقة الغريبة في شخصية المثقف أنه شخصية خاملة، كسولة، براغماتيه، رغم وعيه وقدرته على تشخيص الأخطاء، وبيان الحقيقة، وكشف الخداع، لكنه انطوائي خارج وسطه الثقافي، يتذرع لفشله وأخطائه، فلا مصداقية لسلوكه في الغالب، بل بعضهم ينحاز ضد قيمه، ويغيب في أحلك الظروف وأصعبها. وبعض المثقفين يكتفي بمنجزه النظري، سواء كان فكرا أو ثقافة أو أدبا أو فنا، لكنه يكره المواجهة، ويتوارى خلال الأحداث، فيفقد مصداقيته. مما يعكس خللا جوهريا في مكوناته.

من هنا يتضح أن مفهوم المثقف المستنير يستبطن مفهوم المثقف العملي، ويلتقيان في المواقف، والخطوات العملية. فبينهما عموم وخصوص مطلق، حسب المنطق الشكلي. فكل مثقف مستنير هو مثقف عملي بالضرورة، وليس كل مثقف عملي مثقف مستنير بالضرورة.

ربما كان مضمون سؤالك عن التلازم بين صدق مفهوم المثقف ومواقفه العملية؟ وهل يكفي في صدق مصطلح المثقف معرفته ووعيه، وقدرته على تشخيص الحقيقة وكشف التزوير أم أن الموقف العملي شرط لصدقه؟

سبق أن ذكرت أن المفهوم ينتفي بانتفاء ذاتياته. والموقف مقوّم ذاتي لمفهوم المثقف، إسوة بالمعرفة والوعي. فهو من صميم المصطلح المنتزع تاريخيا من موقف عملي لمجموعة من المثقفين المشتغلين بالثقافة والفكر. ثم راح يطلق على كل شخص يتمتع بثقافة عريضة ووعي مبدئي، وموقف عملي، يتجلى بالنقد والمراجعة وكشف الحقائق ورصد التزوير والخداع، وترشيد وعي الشعب.

ربما ثمة مثالية فيما أقول، لكنها وجهة نظري. سيفقد المثقف مصداقيته ما لم يمارس النقد بجرأة وكفاءة عالية. فهناك كم هائل من الناس تراكمت في عقولهم أطنان الكتب لكنها لم تضئ فضاءهم المعرفي، ولم يتولد عنها وعي حقيقي، يفرز موقفا عمليا شجاعا.

فالبعد العملي ملازم لصدق مفهوم المثقف المستنير، ما لم تعيقه تحديات قاهرة، رغم علمي بعدم قناعة الآخرين بهذا الشرط، بسبب طبيعة المثقف الميّالة للدعة والراحة، والمرابطة في عالمه الإبداعي، لا يتحمل أي مسؤولية تاريخية. لذا لا تجد حضورا حقيقيا للمثقف المستنير في بلادنا. على العكس من المجتمعات الغربية فحضور المثقف واضح ومشهود ومؤثر في الأحداث، ولهم الفضل في قيام النهضة الأوربية، فكان المثقف يوظف كل طاقاته وانجازاته وابداعاته لصالح النهضة، وقد تحمل المثقف الغربي ويلات الإقصاء، ومحاكم التفتيش والملاحقات لكنه انتصر في نهاية المطاف، وحقق كامل أهدافه. وبالتالي ثمة التباس في مفهوم المثقف بشكل عام، دون المثقف المستنير، وهذا ما أفهمه من المفهوم والمصطلح، كما أدركته تاريخيا، وكتبت عنه مرات عدة.

 

والمثقف كائن رومانسي، عندما يتخلى عن أنانيته، وينزع عن قلبه روح الغل والحقد، ويتمتع بعاطفة صادقة، ومشاعر نبيلة، وأحاسيس جياشة، يتدفق حبا وحنانا ورحمة، يتحسس الجمال وتجلياته. مبدأه الحب، والحب فقط، في ضوئه يقيم علاقاته، وعلى أساسه يتواصل مع مجتمعه، يحب الناس جميعا، يقاسمهم همومهم وأفراحهم. يزخر بإنسانيته، يتعاطف مع المرأة ومعاناتها، يقيم أفضل العلاقات مع عائلته وأصدقائه ومحيطه الاجتماعي، يستأثر الجميع بحنانه واهتمامه خاصة أهل بيته، يقبل الآخر المختلف، ويحاوره بود ووداد. وبالتالي فمصداقية المثقف تتناسب طرديا مع مستوى إنسانيته، وحبه للناس والآخر المختلف.

الرومانسية هي الإنسانية في أصدق تجلياتها، والمثقف الإنساني، المستنير، المرهف الحس، الحالم، أفضل مصاديقها. فينبغي للمثقف أن يكون رقيقا في مشاعره، وأحاسيسه، مفعما بالحب. غير أن المؤسف ليست الرومانسية صفة عامة لجميع المثقفين، بل تجد بعضهم قاسيا، غليظا، فظا، طافحا بالكراهية والحقد، مبدأه التنابذ والاقصاء مع الآخر. فالرومانسية إذاً قضية نسبية لا يتصف بها سوى المثقف الإنساني المستنير.

وأذا كان السؤال عن الملازمة بين الرومانسية وصدق مفهوم المثقف، فلا شك أن القيم الإنسانية هي مقياس المثقف المستنير في نقده للواقع ومحاكمته للأنساق الثقافية والواقع الاجتماعي والسياسي. وما لم يتمثّل القيم الإنسانية لا يمكنه الدفاع عنها، أو مطالبة أحد بها، فمشاعر الحب الإنساني شرط في صدق مفهوم المثقف المستنير.

 

والمثقف كائن براغماتي، عندما يؤثر مصالحه على مبدئيته، فيمارس التزوير والخداع، والتستر على الحقائق ، فهو كائن منسلخ عن ثقافته، انتهازي مرير، متقلّب في مواقفه ومشاعره، ينحدر في وضاعته وانحطاطه. فتجده رخيصا، ذيليا، منسحقا، يهدر كرامته وحيثيته، وقد يهبط لمستوى التهريج للمستبد والسلطوي دون وازع من ضميره. وهي أسوأ حالات المثقف حينما ينحدر في انحطاطه.

وإذا كان السؤال عن حق المثقف في مراعاة مصالحه؟ نعم هو إنسان ومن حقه مراعاة مصالحه، وحماية مكتسباته شريطة الحفاظ على مصالح الشعب والوطن، ولا يُؤثر مصالحه على مبدئيته، أو يتنازل عن موقفه خدمة لمكاسبه. وليس فيما أقول مثالية، وهذا القدر متوفر لدى طيف واسع جدا من المثقفين، رغم وجود الاستثناء المخجل.

وبالتالي عودة للسؤال: لا يمكن تعميم الحكم، ولكل صنف خصائصه وميزاته، ويبقى المثقف العملي مصداقا حقيقيا للمثقف الرسالي المستنير، الأمين على مبادئه. ويبقى الرهان عليه في تحقيق طموحات المجتمع في التحرر والرقي. لذا يتناسب تطور المجتمع طرديا مع حضور المثقف المستنير، ولا يمكن لمجتمع يروم التطور ما لم يمارس المثقف دوره في ترشيد الوعي، وكشف الحقيقة. فوراء التقدم الحضاري في أوربا كان هناك تيار ثقافي يقوده المثقف بوعيه ومعرفته ومواقفه.

وبالتالي، مصداقية المثقف تتوقف على مدى استنارته، ومشاعره الإنسانية، ومدى تخليه عن أنانيته، ومصالحه الشخصية حينما تتقاطع مع مبدئيته. وهذا ملخّص لجواب السؤال.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

majed algharbawi9saad jasemخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الشاعر والكاتب الأستاذ سعد جاسم.

 

 س50: سعد جاسم: شاعر وكاتب / كندا: - ماهو فهمك للنقد الثقافي؟

- وهل هناك نقد ثقافي عربي وعراقي؟

- ومن هم أبرز النقاد الثقافيين العراقيين والعرب؟

ج50: ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الشاعر سعد جاسم مشاركته القيمة في الحوار، من خلال أسئلة اتسمت بأهمية خاصة.

أفهم النقد الثقافي، بأنه: تحري الأنساق المضمرة في النص الأدبي، والتعرف على مرجعياتها وبيئتها وسلطتها المعرفية، ودورها في بناء النص وتشكيله وأسلوبه. أو مصطلح يراد به: الكشف عن الأنساق المضمرة في النص الأدبي بما فيها النسق الثقافي المهيمن، ومستوى معاناة المجتمع من إكراهاته وسلطته. فالنقد الثقافي يعمل بمنهج نقدي إركيولوجي، مستفيدا من معطيات العلوم الإنسانية، على تقصي تلك الأنساق ضمن المنسي واللامفكر فيه، والمهمّش، والمهمل، والمحرّم، والممنوع، وما ترسب في أخاديد الوعي، وصولا للكشف عن كيفية تشكل مفاهيمها ومقولاتها المؤسسة، ومدى تأثيرها في بناء النسق الدلالي للنص.

النص الأدبي وفقا للنقد الثقافي، وثيقة غير مرئية، تتضمن أنساقا يتجلى فيها العمق التاريخي، والبعد الاجتماعي والأنثربولوجي والنفسي والسياسي والفكري. فالنص ليس مجرد فيض من المشاعر، والصور الشعرية الجميلة بل تجلٍ لأنساق ثقافية مضمرة، تتحكم في توظيف مختلف الأنواع البلاغية من مجاز واستعارة وكناية وبديع وجناس وطباق وترادف، في بناء النص، وأسلوب الخطاب، وطبيعة المتلقي. فالثقافة الغائرة وقبليات الكاتب تفرض سلطتها على نسق النص وبنائه، لتخفي وتظهر ما يتلاءم معها. يعي الكاتب ذلك أم لا، بل بعضها عصي على الإدراك لولا مناهج النقد وقدرتها على التنقيب في حقول النص ومساراته.

فعندما يتناول الشاعر المرأة وهمومها في نصوصه، تشاركه فعل الكتابة قبلياته، وما اختزنت ذاكرته من مقولات ومفاهيم وأنساق تتعلق بها، وبالمجتمع والتاريخ والاجتماع البشري، وعلاقتها بالثقافة والبيئة والمقدس والممنوع والمحرم والعادات والتقاليد.. قد يعي الكاتب بعضها خلال فعل الكتابة، لكن إيقاع اللاوعي أقوى تأثيرا. وهنا يأتي دور النقد الثقافي حينما يوظف منهج التفكيك والحفر وينقب في أخاديد المضمر والمنسي والمهمش، داخل النص وخلفياته ومرجعياته، فربما يكتشف ما هو ضد النص، فيكتشف مثلا ذكورية غاطسة في أعماق الكاتب وهو يكتب دفاعا عن المرأة وحقوقها. وهذا ما اتهم به الناقد الثقافي السعودي عبد الله محمد الغذامي في كتابه: النقد الثقافي، نصوص أدونيس، رغم حداثتها. فيعتقد كما جاء في كتابه أن نصوص أدونيس لا تنتمي للحداثة قدر انتمائها لثقافة ذكورية أو فحولية، سلطوية. وهي ثقافة تاريخية ضاربة في أعماق البنى المعرفية والثقافية للمجتمع العربي. أو حينما يكتب الشاعر عن قيم الحرية والوطنية، وينسى ضعفه أمام إغراءات المال والسلطة وحب الظهور والتفاخر.

الناقد الأدبي لا يهتم دائما بخلفية الشاعر قدر اهتمامه بالصور الجمالية في نصه، فهي موضوعه وحقل اهتمامه، من خلالها يستكشف حجم الإبداع في النص، ومستواه مقارنة بنصوص أخرى، فتقتصر أدوات النقد الأدبي ومناهجه على الصور الأدبية، الجمالية، البلاغية في النص وكيفية تركيبها، وثراء مفرداتها. أو أسلوب السرد، وطريقة توظيف الحدث، وحركة الأشخاص في القصة والرواية. فتركيز الناقد منصب على ذات ظاهر النص، لا يتجاوزه إلا بمناهج نقدية أخرى. فالنص الأدبي نص أدبي من أي شخص صدر، ومهما كان إنتماؤه وخلفيته الفكرية والثقافية والعقدية. بينما تستمد قيمة النص في النقد الثقافي من قبليات الكاتب وما يتجلى من مبادئ وقيم يشي بها النص.

من هنا يتضح أن النقد الثقافي يغاير النقد الأدبي، رغم وحدة موضوع اشتغالهما على النص الأدبي. فالنقد الأدبي مهمته تفسيرية بيانية، لكشف أوجه الجمال والإبداع، وأسلوب بناء النص، وطريقة توظيف الأنواع البلاغية، وقراءة نقدية لدلالته ونسقه الجمالي الظاهري، فلا يبتعد الناقد الأدبي عن ظاهر النص وأنساقه الواعية، ولا يتوغل بعيدا عن الوعي غالبا. عكس النقد الثقافي الذي يتجاوز النقد الأدبي ويغور في أعماق النص لتفكيك أنساقه الثقافية والمعرفية بحثا عن حقيقته. فيكون النص طريقا لأنساقه المضمرة في متاهات مترامية أبعد من الوعي.

وإذ كان النقد الأدبي ينتمى لما يعرف بالنظرية الأدبية، فإن النقد الثقافي يستمد قدرته النقدية من العلوم الإنسانية، ومناهج النقد والتفكيك والإركيولوجيا والفلسفة والمنطق، ويستفيد من مختلف علوم اللغة والألسنيات، والتأويل، إضافة للأنثربولوجيا وعلم النفس وطرق التفكير وأسلوب الخطاب.

وكما يختلف النقد الثقافي عن النقد الأدبي فأيضا يختلف عن الدراسات الثقافية التي تهتم بدراسة الظواهر الثقافية، وتاريخها، ومصاديقها وتأثيراتها. فمهمة النقد الثقافي مهمة مركبة، تختلف في مرجعياتها ومناهجها، وتستقل عن غيرها من العلوم والمناهج رغم استفادتها منها. فالنقد الثقافي صار علما مستقلا ضمن علوم اللغة أو أبعد منها.

هذا ما أفهمه من النقد الثقافي كما جاء في السؤال. وهذا القدر صحيح بشكل عام بعيدا عن تداعياته. فالنص، أي نص، ليس بريئا، بل يراوغ ويخفي أكثر مما يظهر، ويضمر أكثر مما يقول، وليس النص الأدبي فيضا من المشاعر والصور الشعرية بل يكتسب ديناميته من أنساقه وثقافته اللامرئية، التي تعكس مرجعيات فكرية وعقيدية وثقافية وسياسية ودينية. والنص الأدبي، كأي نص، عبارة عن صور شعرية وشفرات جمالية ومجازات شكلية تستبطن أنساقا ثقافية يشتغل عليها النقد الثقافي. من هنا تطورت القراءات التأويلية، مستفيدة من التراكم الدلالي للنصوص، خلال تفكيكها، وفقا لمنهج التفكيك الذي يحفر داخل طبقات النص ومخاتلاته، في رحلة لاستكشاف أنساقه التي تتداخل تارة وتتعارض أخرى، أو تتكامل، وقد تشكل دوائر داخلية فتنتج معرفة جديدة. حتى باتت المعرفة التأويلية واستنطاق النصوص أهم حينما تكتشف مرجعياتها، وطريقة أدائها داخل النص. إن ما يمارسه النص، أي نص، من استغفال للقارئ يكتشفه المنهج التفكيكي، ويكتشف دوافعه وغاياته، عندما يتمادى في تفكيك النص أكثر. وكلما زادت مراوغات النص كلما تراكمت دلالاته. فثراء النص يعرف بمقاومة التأويل وقدرته على المراوغة، واستجابته المخادعة لأداة النقد، فكلما عوّل الناقد على إحدى دلالات النص، تبدد يقينه مع مواصلته التفكيك. فالنص القوي لا يعطي نفسه بسهولة، ولا يبوح بأسراره وشبكة دلالاته، حتى أجد النص أكثر خيانة عندما يمارس غوايته ويتستر على الممنوع والمحرّم والمسكوت عنه.

وهذا ينطبق أيضا على النص الأدبي الذي هو موضوع النقد الثقافي، فالنص الأدبي بجميع أجناسه ليس بريئا، بل أكثر قدرة على المراوغة متسترا بالشكل الجمالي، أو بجاذبية السرد كما في القصة والرواية، أو يتوارى خلف الأحدث، فكم أخفى الكاتب على قارئة والمتلقي قضايا، يتوقف عليها فهم أحداث النص ودلالاته، لا يمكن كشفها لولا النقد الثقافي. ولعل أبسط مثال حينما يوظف الشاعر نصا يستدر به تعاطف المتلقي، ليخفي جنايته. أو يراكم ما يخفي دوافعه الجنسية، ويتحدث عن كبت المرأة وحريتها في ممارستها. فعندما تتمتع المرأة بحرية مفتوحة، سيكون الرجل / الشاعر / الكاتب، شريكها. فالدفاع عن مطلق حرية المرأة دفاعا عن جشع جنسي يتوقف إشباعه على مدى حريتها. أو نصوص التصوف والعرفان حينما تتستر على إيروتيكية الكاتب، فترى الناقد الأدبي يحلّق بعيدا مع صورها، مأسورا بصوفيتها ومعانيها ودلالاتها العرفانية، بينما تكشف ذات النصوص عن رغبات جنسية مكبوتة، حينما يتناولها النقد الثقافي، ليفضح دوافعها اللامرئية والغائبة عن ظاهرها. وهذا هو الفارق التطبيقي بين كلا النقدين.

ولا أجد تعارضا بين القراءتين، لكي تصادر إحداهما لصالح الأخرى. فلكل من النقد الأدبي والنقد الثقافي أدواته ومناهجه وغاياته وطرقه في تناول النص الأدبي. لكن الغريب أن الغذامي أعلن بتدشينه النقد الثقافي موت النقد الأدبي بعد استنفاد أغراضه وتآكل المعايير البلاغية، كما يقول. وبات عديم الجدوى، لا يخدم أهداف الحداثة، والاستقلال والتحرر والنهضة، حينما يتلبس الأديب بالوطنية متسترا على تعاطفه مع الاستعمار أو تبرير وجوده مثلا. فقيمة النص ليس بشكله الجمالي وابداعه الفني بل بما يضمر من قيم ومبادئ. فتارة يتستر الشاعر على قيم البداوة والفحولة وهو متلبس بها، شعر بذلك أم لم يشعر. فنصوص أدونيس ونزار قباني مثلا لا تصنف ضمن نصوص الحداثة، كما يرى الغذامي، ولو كتبت بلغتها، ما دام المطمور في أعماقهما قيما ذكورية، سلطوية، وحب التسلط والسيطرة والمال. وهي قيم عاجزة عن تبني قضايا المرأة تبنيا حقيقيا، بل تتستر هذه النصوص على ذكورة غائرة في أعمق اللاوعي. وبالتالي تهاوت القيمة الجمالية للنص تحت مطرقة النقد الثقافي وسلبت النقد الأدبي شرعيته.

بتقديري أن هذه الرؤية لا تبرر موت النقد الأدبي، ويبقى حقلا معرفيا، له موضوعه، واختصاصه، ووظيفته، من خلال دراسة ظاهر النص ودلالالته، وصور البلاغة والجمال، وطرق التعبير، وكيفية بناء النص، وتركيب الجملة، واجتراح الصورة الشعرية، وأسلوب توظيف المفردة الشعرية من حيث ثرائها، ومناسباتها، وموقعها داخل النص. وطبيعة الظواهر الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يعبّر عنها. أو ما يسجله من معاناة على صعيد الفرد والجماعة. فالنص الأدبي تجربة شعورية يعيشها الكاتب، ويتمثلها في خياله حينما يكتب النص، فيعبر عن مشاعره أو موقفه أو استعراضه لقضية ما، أو استشراف للمستقبل أو نبوءة. وهذا ما ينتظره المتلقي ويتفاعل مع إيقاعه ولحنه. فنتائج النقد الثقافي نخبوية، عكس نتائج النقد الأدبي، فلماذا يموت الأخير لصالح الأول؟.

الناقد الثقافي يريد فرض إملاءاته على النص الأدبي، وهذا ما يتستر عليه بشكل لا شعوري، فهو ليس شخصا مجردا، موضوعيا، بل متحيز لقبلياته لا شعوريا، وخاضع لسلطة أنساقه الثاوية بعيدا عن الوعي في قراءاته وفهمه وأحكامه، فلا يمكنه مصادرة النقد الأدبي الذي تبقى مهمته، في دراسة ظواهر النصوص وملاحقة الإبداع والصور الجميلة مشروعة، يتوقف عليها كشف ميزات النص ومستوى أدائه البلاغي والجمالي. النقد الأدبي يرصد نقاط القوة والضعف في النص وفقا لمناهجه: الفنية، البلاغية، البنائية، التاريخية، النفسية، الظاهراتية، الأسلوبية وغير ذلك. وهو  مشغول بالوعي، ولا ينسى اللاوعي والعمق النفسي والأيديولوجي للكاتب حينما يوظف مناهج أخرى، فتجد أغلب النقاد يواصل مسار النقد لتحديد علاقة النص بعمقه النفسي والثقافي، ومدى علاقته بمرجعياته، وواقعه وبيئته وظروفه. فهو أيضا يمارس النقد الثقافي ولو بحدود. وعليه، لا تنتهي مهمة النقد الأدبي بالنقد الثقافي، فلكل واحد وظائفه، ولا يوجد ما يبرر التخلي عن أحدهما لصالح الآخر، خاصة أن النقد الثقافي لم يمر دون مؤآخذات، وبحاجة إلى مزيد من التنظير والمراجعة كي تستتب أسسه، ويرسو على نظرية ومنهج يختص به، فثمة تمادٍ واسقاطات تضر بالنقد الثقافي ومشاغله، ينبغي التخلص منها للتوفر على قراءات موضوعية.

ثمة ملاحظة، إن تمادي النقد الثقافي في التفكيك سيدخل النص وكاتبه والناقد في دوامة الحفر والتنقيب، وبعثرة الأنساق، وتفكيك بناه ونصوصه الداخلية. فعندما يتقصى الناقد الثقافي بنية النص التحتية، وصولا لمقالاتها التأسيسية ومفاهيمها الأولية، ستواجهه علاقة الجدل القائمة بين مقولات البنية الواحده، وبينها وبين البنى والأنساق الأخرى، فلا يقف التفكيك عند حد، وربما يصبح التفكيك لأجل التفكيك، وينقلب النقد إلى فوضى تضر بالنص ومهمة الناقد الثقافي، فلا بد من مبدأ وغاية تعطي للنقد قيمة ومعنى، وتحد من تهوره في التفكيك لأجل التفكيك.

ثم الناقد الثقافي ينسى قبلياته، ومرجعياته وأنساقه، وما تفرضه من سلطة في مسار التفكيك، فالناقد، يحسب نفسه موضوعيا،غير متحيز، لكن الواقع شيء آخر، فهو يحاكم أنساق النص الأدبي وفقا لأنساقه الغائرة، بعيدا عن الوعي. فيُسقط من حيث يشعر أم لا قناعاته الشخصية المتولدة عن بنية معرفية، ومهيمن ثقافي يخصه. وبالتالي هو الآخر يطاله التفكيك ليدخل الناقد في دوامة جديدة من تفكيك الأنساق المضمورة. وهكذا سيتعقد الأمر إذا أخذنا بنظر الاعتبار حال المتلقي وقبلياته، فستتعقد وظيفة الناقد، ويبقى في دوامة التفكيك. من هنا ينبغي للنقد الثقافي تحديد منهج النقد، وعدم الاستغراق في التفكيك، للتخلص من متاهته مع عدم وجود مرجعية ومبدأ ينطلق منه. وربما الاكتفاء بمنهج الحفر الإركيولوجي في بنى وأنساق النص المضمرة يكفي في استظهار ما تستبطنه، ويخدم النقد الثقافي. كما سنتعرف من خلال هذا المنهج على المعرفة وسلطتها، والعلاقة الجدلية بينهما، وحجم تأثر النص بهما.

فالنقد الثقافي معني بتحديد سقف للتفكيك والتنقيب داخل حقل النص الأدبي بما يخدم هدف النقد الثقافي، وهو الكشف عن خلفيات النص الفكرية والثقافية، كما فعل د. علي الوردي، الذي توصل إلى  نتائج مبهرة، حينما فضح الأدب العربي ودوره في تكريس قيم الاستبداد، والبداوة، والظلم. فقد أثبت الوردي في كتابه: أسطورة الأدب الرفيع، أن الأدب العربي أدب مجون وخمرة وتكريس لقيم السلطة والاستبداد والعشيرة. وهذا القدر من النقد الثقافي ضروري لفهم النص في سياق خلفياته، وعدم الاكتفاء بإبداعه وشكله الجمالي، وسياقات النص البلاغية. فهناك حاجة ماسة لتكريس قيم الفضيلة، وفضح قيم الرذيلة والخيانة التي تتستر بالنص الأدبي وجماله.

لا أحد يجادل في شاعرية الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، وبراعته الأدبية في نصوصه وقصائده، حتى استمات بعض النقاد في الدفاع عن مواقفه انتصارا لإبداعاته، واستدعى كل شعراء السلطة عبر التاريخ لتبرير موقفه الممالئ لصدام حسين. لكن الناقد الثقافي يفهمه بشكل آخر، ويحمله مسؤولية تزوير الحقيقة، وتضليل الشعب من خلال نصوصه الخلابه، عندما اعتبر استبداد الحاكم عدلا، وجريمته بحق شعبه شهامة، وهدر الثروات كرماً، وسلطويته هيبة، وعدوانه شجاعة، وسحقه لانتفاضة العراقيين رجولة، وإذلالهم حكمة، وسحقهم سياسة، وقمعهم ومصادرة حرياتهم ضرورة. فحوّل صدام حسين المثقل بإثم الضحايا، الذي لا تغادر جسده رائحة الدماء البريئة، حوله إلى ملاك يزخر بالفضيلة والفروسية والنبل والكرم والشهامة والمروءة، فأي جريمة أكبر مما ارتكب شاعر السلطة والبلاط؟. خاصة إن قوة نصوصه ستجعلها خالدة، تضيع في طياتها الحقيقة لولا ترصد النقد الثقافي الذي كشف زيفها، وفضح قيم البداوة التي تمجد الظلم والعدوان، تلك القيم الثاوية في أعماقه. بل ويكشف النقد الثقافي عن ذيليته حد الانسحاق، وخضوعه الطوعي لهيمنة السلطة والمال وحب الظهور، لمعالجة نواقص نفسيه في أعماقه.

إن صفة التملق والتبعية وتزوير الحقائق، لا تخص عصرا دون آخر، ولا شاعرا دون غيره، بل أن أجمل النصوص الأدبية أكثرها خيانة، حينما تتستر على بشاعة الواقع، لتطمس الحقيقة، وتزور الوعي. فالأدب العربي متهم بتخلف المجتمع أيضا، حينما ساند الاستبداد والدكتاتور، والقائد الضرورة. ودافع عن شرعية الظلمة وسلطاتهم المفتوحة، وتمجيده لقيم البداوة والعشيرة والعبودية، والتبعية والانقياد، وثقافة القوة والعنف والإرهاب والقتل والسلب. فثناء الشاعر على حروب الخليفة، الخالية من أي مبدأ أخلاقي، يُعد تزويرا للحقيقة، وتسترا على الظلم والعدوان، وإرساء قيّم وضيعه، تبرر وتشرعن سلوك السلطة، مهما تمادت في ظلمها وتعسفها ضد الآخر أو ضد شعبها. وأيضا عندما يتغنى الشاعر بالجواري والأنس والليالي الحمراء والبذخ والإسراف، يتخفي على واقع الظلم والعبودية واستغلال الجواري من قبل السلطان وحاشيته. فيركز على شاعرية الجمال، ويخفي بؤس العبيد والغلمان والجواري وما يتعرضن له من إهانة، وطعن بشرفهن وحيثياتهن. فبدلا من إدانة العبودية وسلوك الخليفة والسلطان يتغنى بجمال الجواري وصوتهن وفتنتهن. فارتكب الشاعر من حيث يدري أو لا يدري جريمة تكريس عبودية الإنسان خدمة لشهوات السلطان. فالأدب من وجهة نظر النقد الثقافي مدان، وشريك في جرائم التاريخ لتزويره الحقائق عندما يتعمد التستر عليها، ويضفي على الجريمة طابعا جماليا. لذا فالنقد الثقافي غامر بالقيمة الجمالية للأدب، ليعضّد جهود النهضة عبر نقد المرجعيات الفكرية والثقافية والفكرية والعقدية المسؤولة عن تخلف المجتمع.

 

وأما سؤالك: وهل هناك نقد ثقافي عربي وعراقي؟. الجواب يعتمد على زاوية النظر، فإذا كان المقصود بلحاظ أدوات النقد الثقافي من إطر فكرية وفلسفية ومناهج نقدية، فأغلبها تنتمي لبيئة أخرى، ولن يبقى سوى الإضافات التي جرت على يد أصحاب هذا الفن. لأنه نشأ وترعرع وتطور منذ ثمانينات القرن المنصرم في أحضان البيئة الثقافية الأمريكية.

وإذا كانت زاوية النظر أبعد من أدوات النقد الثقافي فلا شك بوجود منجز مهم، عربي وعراقي، راح يتصاعد وتراكم بمرور الأيام بفعل التنظير والكتابة، وما صدر من كتب ودراسات منشورة، التي منها:

عبد الله محمد الغذامي في كتبه الثلاثة: النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية الغربية. وكتاب: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف، وكتاب: نقد ثقافي أم نقد أدبي. إدوار سعيد في كتابه الإمبريالية والثقافة. وكتاب: النظرية والنقد الثقافي، للناقد العراقي محسن جاسم الموسوي.  مدخل إلى نظرية النقد الثقافي المقارن، للباحث الجزائري حفناوي بعلي. تمارين في النقد الثقافي للدكتور صلاح قنصوة. وكتب وأعمال د. عزالدين مناصرة في النقد الثقافي المقارن. وكتاب: النقد الثقافي: ريادة وتنظير وتطبيق "العراق رائدا"، تأليف حسين القاصد. وآخرين.

 

ثم تسأل: ومن هم أبرز النقاد الثقافيين العراقيين والعرب؟. أما بالنسبة للنقاد الثقافيين العرب فيقع على رأسهم أدورد سعيد، وعبد الله محمد الغذامي، حفناوي بعلي، عز الدين المناصرة، صلاح قنصوه، بل العنوان يشمل كل من كتب في هذا المجال.

 

وأما بالنسبة للنقاد العراقيين، نذكر د. محسن جاسم الموسوي. وحسين القاصد. حيث أكد من خلال الأدلة في الفصل الأول من كتابه: (النقد الثقافي: ريادة وتنظير وتطبيق "العراق رائدا")، على ريادة العراق متمثلة بالجهود التنظيرية للنقد الثقافي، أمثال: د. علي الوردي، د. علي جواد الطاهر، د. محمد حسين الأعرجي. وآخرين، بل وخطّأ بعض ما توصل  له الناقد السعودي الغذامي، حول العراق، وأدان تغافله المتعمد لجهود الوردي وغيره من النقاد الثقافيين العراقيين وريادتهم، مع استفادته منهم. كما أدانه في التستر عن قبلياته وثقافته الغائرة في لاوعيه، والتي في ضوئها مارس نقده الثقافي.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 .

 

majed algharbawi3ali mohamadalyousifخاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ علي محمد اليوسف.

  

س48: علي محمد اليوسف: طرحتم في منهجكم التنويري مبدأ (العقلانية الشاملة)، للتخفيف من سلبية واقعة طرح العلمانية طوق نجاة في إمكانية التحديث، وما تحمله من محمولات تأويلية استفزازية، ألا تجدون تعذّر العقلانية أن تلعب دورا تحديثيا، وهي تحاول إيجاد صيغ المهادنة مع الفهم السكوني للدين في حياة مجتمعاتنا، وهيمنته، عوضا عن العلمانية؟

ج48: ماجد الغرباوي: عندما شكك الفلاسفة الأوربيون بقدرة الدين على مواكبة تطور الدولة الحديثة، طالبوا بعزل مدوناته العقائدية والتشريعية عن الحياة العامة، وعدم الاكتفاء بعزل هيمنة رجل الدين والإكليروس عن السلطة والحكم، فتطور مفهوم العلمانية من مجرد موقف تاريخي من الكنيسة والنظام الكهنوتي إلى موقف من الدين ونصوصه المقدسة. فغدت العلمانية في ذاكرة بعض الشعوب ومنها الإسلامية تعني الخصم اللدود للدين، وأصبح المصطلح مثقلا بدلالاته السلبية، يرعب الوسط الاجتماعي بايقاعه، بل صار تبني العلمانية دستوريا إعلان حرب ضد الدين والمؤسسة الدينية. من هنا أتحفظ على تبني العلمانية دستوريا في دول ما زالت شعوبها مرتهنة لرجل الدين وفتاواه ومواقفه وقراراته، وأطمح لتحقيق أهدافها الإيجابية من خلال عقلانية شاملة، تمهد لعزل هيمنة رجال الدين والمؤسسات الدينية على السلطة والحكم، وهذا هو جوهر العلمانية. فمواجهة الشعب بمصطلحات استفزازية لا تخدم هدفنا في إرساء مجتمع مدني، ما لم يسبق طرحها تمهيد ثقافي يستوعب دلالالتها، خاصة أن العلمانية اليوم ليست موقفا سلبيا من الأديان بل حماية حقيقية للأديان، وهذا ما نلمسه خلال وجودنا في الغرب، حيث يتمتع الشعب بحقوقه الدينية كاملة رغم اختلافها. فالتثقيف ضرورة لا بد منها قبل تبنى مفاهيم الحضارة الجديدة، ونحن ما زلنا في بداية نهضتنا رغم مرور قرنين على الصدمة الحضارية. ولنا بالغرب أسوة، فالعلمانية لم تستطع تثبيت أقدامها في أوربا لولا ثقافة النقد وزعزعة اليقينيات المغروسة في أعماق وعي الفرد والجماعة. فكان هناك جهد فلسفي وفكري وثقافي قبل وبموازاة طرح العلمانية كأسلوب في الحكم. حيث عملت تلك الجهود على صعيدين، الاول فضح الكنيسة والكهنوت، وتسلطهما وفسادهما وعدم قدسيتهما، والثاني ترسيخ قيم العقل ومبادئ حقوق الإنسان ومفاهيم الحداثة، حتى ترسّخ المنحى العقلي، وأصبح العقل مصدرا أساسا للمعرفة بدلا من التراث الديني، وبات الشعب يتقبل مفاهيم النهضة، ونجحت أوربا فعلا في إرساء مجتمع مدني.

غير أن الأمر بالنسبة لنا أكثر تعقيدا، يتطلب جهودا مضاعفة ما دام التراث الديني راسخا، ومكونا أساسا لقبليات ويقينيات مجتمعنا، تتلبس به ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، وله في نفوسنا قدسية. خاصة الإسلام الذي يحيل للعقل والمعرفة والعلم والعدل والإحسان، ولم يصرح لرجل الدين بأي سلطة أو ولاية أو قيمومة. ولم تحكم المؤسسة الدينية طوال التاريخ منذ بداية الدولة الأموية عندما انفصلت السلطة السياسية عن السلطة الدينية، فلا يوجد نموذج للسلطة الدينية يعزز مخاوف الشعب من تماديها، عكس سلطة الكنيسة التي حكمت أوربا قرونا، عانت خلالها شعوبها من تسلط مرير باسم الدين والقداسة. لكن هذا لا يعني عدم وجود مساعٍ حثيثة لرجل الدين ومؤسساته لاحتكار القرار السياسي مباشرة أو غير مباشرة، خاصة مع ارتهان ارادة الشعب له، وتطلع بعض الأحزاب الإسلامية كما في العراق لاستنساخ تجربة ولاية الفقيه في إيران، وتشبث السياسي بالديني لتعضيد شعبيته وموقعه في السلطة. فهناك محاولات جادة لفرض ولاية لرجل الدين باسم الشرعية والدستور ولو على المدى البعقيد. لا مانع في مشاركة رجل الدين في السياسة والحكم باسمه الشخصي، لكن الخطر في دعوى القيمومة والولاية باسم الدين والسماء، مما يشرعن الاستبداد والتسلط وسلب الحريات.

 يمكن تبني جوهر العلمانية من خلال عقلانية شاملة، أي تحرير السياسة والحكم من هيمنة رجل الدين ومؤسساته. باعتباره ضرورة  لمجتمع يطمح بدولة مدنية، تذوب فيها فوارق التمييز الطائفي والقومي والديني، تراعي حقوق الإنسان، وتعمل بمبدأ المواطنة والتسامح الحقيقي بين الأديان والثقافات، والتداول السلمي للسطلة وعدم احتكار القرار السياسي. وهذا القدر لا يمكن لشعب طموح التخلي عنه، غير أن المشكلة في قبليات المجتمع، وقيمه الدينية الحساسة جدا أزاء أي موقف يشي بعدائه للدين ومؤسساته ومراجعه، لذا تجدهم يتلبسون مفاهيم الحضارة الحديثة ويتحسسون من سماع المصطلح!!. فمثلا بعض الدول لا تسمح بتدخل المؤسسة الدينية في السلطة عملا، لكنها تتهيب من تبني العلمانية دستوريا. من هنا دعوت لعقلانية شاملة، تمهد لقيام دولة تتبنى قيم حقوق الإنسان، وتحافظ على قدسية الأديان، وعدم زجها في معترك السياسة والحكم، فيتحقق هدف العلمانية، عزل هيمنة رجل الدين عن السلطة والحكم.

أقصد بالعقلانية الشاملة، بُعديها الفلسفي والاجتماعي:

فتعني العقلانية في بعدها الفلسفي، منهجا يعتمد العقل والمنطق مصدرا للمعرفة، في ضوئه تتم محاكمة الأنساق المرجعية للعقائد والفكر ، ونقد جميع المقولات والمفاهيم المعرفية، وتفكيك سلطة المهيمن الثقافي. مع مراجعة جميع المفاهيم المرتكزة ليقينيات وقبليات غاطسة في أعماق الفرد والمجتمع، واستدعاءها لنقدها وتقييمها ثم بناء منظومة معرفية ترتكز للعقل كمصدر للمعرفة، يتولى فهم النص الديني، بشكل يتناسب مع مقاصد الدين وغاياته وأهدافه، ويعيد قراءة التاريخ، والتراث، والماضي، والرموز المقدسة، بعد تفكيك ما أحاط بها من تراكمات أيديولوجية ومتبنيات طائفية، كي ندرس ظروف نشأتها ومسار تطورها، ومن ثم اكتشاف كل ما هو بشري ودنيوي دعت مختلف الضرورات لتقديسه، ومنحه وخطاباته حصانة تـأبى النقد والمراجعة، وقد ترتقي به لدرجة العصمة ذات الحصانة الذاتية، فيقتصر دور المتلقي حينئذٍ على شرح وبيان وتأويل وتفسير نصوصه، لحرمة نقدها أو رفضها، لأنها صادرة عن عقل مطلق معصوم يحيط بكل شيء معرفة وعلما. فالعقلانية تدرس طرق تفكير العقل، وأساليبه المرتكزة إلى قبليات غائرة، تستمد وجودها من فهم الدين، وفلسفة وجود الرموز التاريخية ودور المقدس في حياة الفرد والمجتمع.

إن هدف العقلانية في بعدها الفلسفي البحث عن حقائق الأشياء وفهم الجهد البشري في تطوّر مفاهيمها ودلالالتها، بعد تفكيك ما نسجت حولها الأيديولوجيات والفِرَق الكلامية، والمذاهب الفقهية، وما فرضته السياسة والأهداف الطائفية. وحينما نكتشف حقائقها من خلال الغوص والتنقيب في طبقات اللاوعي ستنهار كثير من المرجعيات العقائدية والفكرية، وسنربح حرية الفرد والمجتمع، كي يمارسوا دورهم في النقد والمراجعة وعدم الخضوع لمقولات دينية أو تراثية، لا يعرفون عن حقيقتها شيئا. بل ستتلاشى كثير من الأحداث والوقائع التاريخية التي ما زالت حاضرة في ضمائر الناس عندما نكتشف حقائقها، وهذا ما نعول فيه على العقلانية في بعدها الفلسفي. فعندما تتسلح بالعقل والمنطق سنفهم النص الديني بشكل مغاير للفهم التراثي، سنميز حينئذٍ بين النص والقراءة والفهم والفكر الديني. فكم من آية قرآنية تم تأويلها لصالح هذا الصحابي أو ذاك وتسببت في تعميق شقة الخلاف بين المسلمين، عندما تراجعها بعقلية نقدية، وتزيح عنها تراكمات التراث وتفسيرات السلف ستنكشف لك حقيقة أخرى. فالعقلانية الشاملة تمد الإنسان بوعي عقلي نقدي، يرفض الاستسلام المطلق، ويتحرر من فخ الأيديولوجيا والاندفاع العاطفي، ويفهم التراث وما اشتمل عليه من علوم ومعارف، في إطاره التاريخي. فالعقلانية منهج معرفة الحقيقة، ورهان التطور الحضاري. بها نتخلص من الانبهار والاصغاء، ونكف عن الانقياد والتبعية، فكم من صورة ذهنية مقدسة ستنهار عندما يطال نشأتها المنهج العقلي، ويكتشف بشريتها، وعدم إمكان وقوعها. وبالتالي ستقوم العقلانية الشاملة بتفتيت اليقين السلبي، أي، ما يُعيق الفعل الحضاري من جزميات وقناعات راسخة، كما تحدثت عنه في كتبي. ويقع على الضد من اليقين الايجابي. وأقصد به: حزمة الجزميات والقناعات الراسخة، التي توجّه وعي الإنسان سلبا، فتضبط سلوكه وحركاته ومشاعره في إطار هذا اليقين.

وتعني العقلانية في بعدها الاجتماعي: اعتماد العقل مصدرا أساسا لنقد الواقع الاجتماعي وركائزه المعرفية، لتنقيته من أسباب التخلف في علاقاته ووشائجه وعاداته وتقاليده وطقوسه ومناسباته وسلوكه، ومن ثم تطوير النسق القيمي للفرد والمجتمع عبر انتقال مفاهيمي، من منظومة قيمية ترتكز لقيم البداوة والعشيرة والسحر والشعوذة، والتعصب الطائفي، والخرافة والأوهام التاريخية والتراث واللامعقول، إلى منظومة قيمية تعتمد العقل مصدرا معرفيا لتشخيص الأولويات، وترشيد الوعي والعقل الجمعي، ودراسة المقدس والظواهر الدينية، والرموز التاريخية، والطقوس المؤثرة في سلوك الفرد والمجتمع والعقل الجمعي، وفق سياقاتها وحواضنها وبيئتها وتحدياتها وإكراهاتها، ودور الأيديولوجيا والحس الطائفي، والتعصب الديني. أي الكشف عن عللها وأسبابها بأداة العقل والمعرفة العقلية، لإقصاء اللامعقول الديني والاجتماعي. وحينئذٍ ستختفي ثقافة الفرز التام بين أفراد الشعب على أساس انتمائهم الديني أو الطائفي أو القومي، كما هي لغة التنابذ والتكفير والإقصاء. وستحل قيم الإنسان والمواطنة، والنظرة الموحّدة لجميع أبناء المجتمع، وهذا  يتطلب حسا نقديا يحاكم ما راكمه الفرز من مفاهيم ومشاعر لا إنسانية، وسيكتشف أن الفكر الديني لا يختلف عن الفكر الإنساني، لولا ارتهانه لتراكمات فهم طائفي أو سياسي، أو أيديولوجي.

 بهذا ستساهم العقلانية في إعادة تشكيل مجتمع تقوم فيه العلاقات الاجتماعية على أسس مغايرة. فتتبنى إضافة للعقل، قيما أخلاقية تحفظ توازن المجتمع، لتخفيف وطأة العقل، والتعامل المادي، في العلاقات الاجتماعية، ليحتفظ المجتمع بحيويته الإنسانية، النابعة من قيمنا وأخلاقنا. فتارة يكون حكم العقل قاسيا اجتماعيا لولا وازع الخير الفطري عند الناس، والقيم الأخلاقية الدينية. من هنا تأتي أهمية الأخلاق إلى جانب العقل في العقلانية الاجتماعية.

فالعقلانية اجتماعيا، مجسّ عقلي - أخلاقي لتعضيد نقاط القوة في ثقافة الفرد والمجتمع بعد اكتشافها. ونبذ اللامعقول والخرافة والوهم والتقديس والأسطرة في مرجعياتها الفكرية والعقائدية. وتقويم ما هو ملتبس من المفاهيم، بعد تحديد دلالاته، وتنقيته من التراكمات والأوهام واليقين السلبي.

وكما لا يمكن التعويل على العقل مفردا في العلاقات الاجتماعية، لا نعوّل على الأخلاق منفردة في استعادة وعي العقل الجمعي، لأن قسما من الأخلاق (البراغماتية خاصة) منتج بشري، فرضته حاجة المجتمع للسلم الأهلي، وقيم العشيرة، والثروات، وضرورات السلطة والحكم، وسطوة المؤسسات الدينية، فهي قديمة قدم الاجتماع البشري وقبل نزول الأديان لتوفر دواعيها الاجتماعية. فاقتصر دور الأديان على تعزيز الأخلاق الإنسانية، ودعمها بقيم أخلاقية جديدة، إضافة إلى إضفاء معنى للقيم الأخلاقية تقاوم النزعات البشرية وجموح حب الذات، فتكبح النزعات الشريرة، وتخفف من وطأة العقل وأحكامه حينما تكون جافة، مادية، مجردة، من أجل قيام مجتمع الفضيلة المفعم بعقلانية شاملة. لكن العقل بدوره يضبط أداءها عندما تسترخي وتجافي إنسانيتها، المتمثلة بحب الخير والعطاء والتراحم والأخوة والصدق، ورفض الظلم والعدوان والاعتداء وسرقة حقوق الناس. وبالتالي لا يمكن تسرب الشك لقيم العقل حينما يكون محايدا، بينما يتسرب الشك لمنظومة قيم الأخلاق التي أفرزتها السلطة الاجتماعية أو السياسية أو الدينية. فكل سلطة تنتج منظومتها الأخلاقية التي توطئ لها، وتضمن بقاءها وشرعيتها، وقوة حضورها. وبذات الوقت تتقوّم بها القيم الأخلاقية، فتنشأ بينهما علاقة جدلية. الأخلاق تشرعن السلطة، وتضفي عليها صفة قدسية. والسلطة تعزز مكانتها والتمسك بها. ومثالها البسيط، أن شيخ القبيلة لا يمكنه السيطرة على أبناء قبيلته بالقوة وحدها، ما لم تكن هناك منظومة قيم تفرض طاعة الجميع لشيخ القبيلة في أطار فلسفة أخلاقية ترهن أمن الفرد والجماعة بأمن الشيخ وطاعته، فيندفع لطاعته ذاتيا، غير آبه بتداعياتها على المدى البعيد. لذا لا يعوّل على هذا النمط من الأخلاق بمفردها في ترشيد الوعي الجمعي، ما دامت تكرّس التبعية والاستبداد، فتحتاج لعقل يضبط أداءها، وعقل يحرر الوعي الجمعي من سجونها الغائرة، ومغاراتها التي تطمس تشوهاتها، وسلبياتها، فوراء أخلاق العشيرة وطاعة الشيخ مثلا إدمان الاستبداد والتبعية والانقياد حد التمرد على القيم الخير والصلاح، فيفكر بمنطق العشيرة، لا بمنطق الضمير والدين.

نعود للعقلانية وقيم الحضارة، فلا يمكن استنبات قيم ومبادئ في مجتمع غير مؤهل لها أساسا، سيرفضها أو يشوهها، فتفقد دورها في  في تطور المجتمع. من هنا يأتي دور العقلانية كمصدر معرفي ينافس سلطة التراث والخرافة، والعلوم الباطنية والسحر والكهانة. بل وحتى ينافس أوهام الأيديولوجيا والفهم الديني الخاطئ، من خلال فهم عقلاني لنصوص الكتاب الحكيم، وكشف بشرية الرموز التاريخية، وأسباب تطور الأحدث.

إن العقلانية ضرورة تفرضها ثقافة القطيع والانقياد اللاشعوري لرجل الدين والسياسة وشيخ العشيرة، وكل ثقافة منغلقة، ترفض العقل والاستدلال العقلي، وتقدم النص، مهما كانت مصادره ودلالاته على العقل. ثقافة تحتمي بالعاطفة والطقوس والتراث، وتستجير بالرموز التاريخية وتتوخى عودتهم. ثقافة تنقاد، تتنازل عن العقل لصالح الفتوى في كل حركات الإنسان وسكناته. ثقافة تحتمي بمقدسات خلقتها بنفسها ثم غدت سلطة توجه وعي الفرد، وأصبح التحرش بها كفرا وردة وإلحادا رغم بشريتها. ثقافة تهجر معطيات العلوم الطبيعية والإنسانية لصالح علوم تراثية لا تملك أي دليل علمي على صحتها، وتستدل على صدقيتها بأدلة نفسية وعاطفية.

لا يمكن انتشال العقل الجمعي من ثقافة القطيع، ما لم تنشط العقلانية في قدراتها النقدية، لتمهّد المجتمع ثقافيا وعقليا، فالعقلانية الشاملة تعد ضرورة للمجتمعات الصاعدة حضاريا. وهذا ما حصل لأوربا من قبل. فكل المفاهيم التي طرحت إبان النهضة كانت مفاهيم غريبة على المجتمع لولا سيادة العقلانية والمنطق العقلي الذي ساعد على قبولها وترسيخها حتى صارت جزءا من ثقافتهم. لذا تحتاج الشعوب المنغلقة على النص الديني والتراث، إلى عقلانية تهز أعماق الفرد والمجتمع، وتعيد تشكيل العقل والوعي، وفق منهج عقلي يعتمد المنطق والفلسفة والعقل للكشف عن أسباب الظواهر الخطأ، فتفضح تناقضاتها، وتقاطعاتها مع العقل، وترفض الاقتصار على التفسير والتأويل ارتكازا لقدسية مصادر ومفاهيم وقيم المجتمع، ولا تكتفي بالتفسير والتبرير، بل تمارس نقدا جذريا للتراث والتاريخ والكشف عن أسباب الظواهر، وقيمة الرمز والشخصية التاريخية ومدى قدسيتها وبشريتها، بعد هدم كل التراكمات الأيديولوجية والطائفية، وما راكمته الصراعات السياسية والمذهبية.

نحن نعوّل على عقلانية تقلص بالنقد والمراجعة مساحات المقدّس الذي غزا حياتنا، وتضع العقل فوق كل شيء. إنه هبة الله للإنسان، وركيزته عند وقوفه بين يديه يوم يلقاه، لذا تجد القرآن يرجع الناس للعقل والتعقل، ويحترم مآلاته ومنطقه وأحكامه. لذا يضع الكتاب الحكيم العقل فوق النص (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، فلماذا نتشبث بنصوص ليس لدينا دليل على صدقيتها، بل ومخالفتها للعقل أحيانا؟. وبالتالي فالعقلانية لا تهادن العقل السكوني، بل تستفزه، وتجرده من التعصب والجهل والأمية، وتعزز فيه قيم الخير والصلاح في منظومته العقائدية – الفكرية.

إذاً هناك مبرر للعقلانية الشاملة كتمهيد للتطور الحضاري، لأنها، ستنقلنا من إدمان تلقي المعرفة الجاهزة من خلال النصوص والتراث، إلى استخدام العقل والمنطق والتجربة والاستدلال لاكتسابها. وتنقلنا من التلقين إلى التعليل، ومن الانقياد إلى الاختيار، ومن العبودية إلى الحرية. وبهذا ستتولى العقلانية الشاملة، إعادة بناء الهوية، وتشكيل العقل، وترشيد السلوك الاجتماعي بمختلف تجلياته وعلاقاته، كالعادات والتقاليد والطقوس والمناسبات. وضبط إيقاع المشاعر والانفعالات.

عود للسؤال: فأنا أتوسم في العقلانية الشاملة، وأتفاءل بأمكانية سيادتها مستقبلا، لأنها ثقافة ووعي، سيساهم العمل الجاد المتواصل بمساعدة وسائل الاتصال الحديثة على انتشارها. وأجد في تبني العلمانية دستوريا تحديا، يؤلب الشعب ضد المشروع الحضاري.

ويبقى الرهان على عقلانية شاملة لتحرير العقل السلبي من أوهامه في التفوق، وأوهام الفرقة الناجية وأوهام قدسية التراث والموروث الفكري والعقيدي، وأوهام أسطرة الرموز التاريخية، وأوهام النجاة في اليوم الآخر، لا لعمله الصالح بل لموالاته مذهبا ما، أو شخصا ما. ذلك العقل المغيّب، الكسول، الذي يبتكر عقولا مطلقة تنوب عنه في التفكير، يضفي عليها كمالا بلا حدود، يجعلها قيّمة عليه، تفكر بالنيابة عنه، تستشرف له المستقبل، ترسم له حياته، يستمد من نصوصها التراثية كل ما يحتاجه في حياته، فتقتصر مهمته على التلقي والانقياد. وكلما داهمه الشك، يضفي علىيها مزيدا من القداسة يطرد بها شكوكه، ويهرب من الشك إلى التقديس. وكلما عجز عن الإتيان بدليل قرآني صريح يؤيد قداستها، يلوذ بالتأويل وباستدعاء روايات مكذوبة، أو يتشبث باللامعقول من أحلام وحكايات خرافية، أو يبتكر مزيدا من الطقوس لتعمّق إيمانه، وتغيّب وعيه. فمن هنا تبدأ الخطوة الأولى، من تفكيك العقل السلبي وإعادة تشكيله في ضوء عقلانية منتجة، كي يستعيد وعيه، ويتحمل مسؤوليته في الدنيا والآخرة.

 

س49: علي محمد اليوسف: ما قيمة وفاعلية الأفكار التنويرية في مجتمعاتنا، حينما جاءت في غالبيتها، فلسفات ومنهجيات ورقية معزولة عن واقع التأثير في حياتنا، وضعت رؤاها في بطون الكتب وحبيستها، هل السبب هو في كوابح الفهم الساكن للدين مجتمعيا ومخرجاته المنغلقة، أو الأسباب غير ذلك؟

ج: ماجد الغرباوي: هذه إحدى الإشكاليات المعقدة، سببها مجتمع يرفض التخلي عن قبلياته ويقينياته ومصادر معرفته حتى وهو يعيش عصر المجتمعات المدنية الحديثة ويشاهد عن قرب صدقيتها. فأحد الأسباب ما ذكرته في السؤال، هو كوابح الفهم السكوني للدين، أو كوابح المعرفة الدينية.

 لا أقصد التخلي عن قيم الخير والصلاح، بل التخلي عن مصادر المعرفة المتوارثة والتي يحصرها الناس بالمقدس بغض النظر عن صدقية قداسته وعصمته، خاصة أن دوافع التقديس ليست ذاتية كما بالنسبة للخالق وملائكته ورسوله، بل حاجة آيديولوجية أو مذهبية أو طائفية بل وحتى نفسية، بسبب الجهل والأمية. فمصادر المعرفة تنحصر عندهم بالنص، والروايات التراثية والتاريخية، وما يقدمه الوهم والشعوذة والسحر من حلول.

 فالمقدس (الأعم من المقدس الذاتي) بالنسبة لمجتمعاتنا مصدر العلوم، بما فيها العلوم المستقبلية. قد لا أبالغ مع كل حادثة كبرى أقرأ نصوصا تاريخية قد تنبأت بها، تتناقلها وسائل الاتصال الحديث بكل ثقة. أما لماذا لم تظهر هذه النصوص قبل وقوع الحدث؟ فهذا مسكوت عنه. وأغرب ما في الأمر التمسك بها على حساب الحقيقة أحيانا. وبالتالي لا رهان على مفاهيم وأفكار في مجتمع يقدم النص على العقل مهما كانت قيمة النص معرفيا، رواية تاريخية أو دينية أو فتوى اجتهادية. لكن الرهان سيكون ناجحا على المدى البعيد، مع استمرار ثقافة النقد بشجاعة تتحدى الموروث وتزويرات الخطاب الديني التي يتشبث بها رجل الدين لتمويه الحقيقة خدمة لأهدافه الأيديولوجية والطائفية. كما ستساهم ومختلف وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والأكاديمية في تسريع عجلة النهوض، وانتشال العقل الجمعي بعد تفكيك مصادره المعرفية من خلال العقل والنقد العقلي. وسيكون للحكومات الدور الحاسم حينما تتبنى التجديد والنهوض الحضاري، وهذا يتوقف على مدى صدقيتها في خدمة الشعب ولو على حساب مصالحها الانتخابية.

لا تنسَ أن مجتمعاتنا ضحية سياسات استبدادية تراهن في بقائها على الجهل والأمية كما تراهن على القوة والعنف، فتكرّس الخرافة والوهم والموروثات التاريخية حتى أصبحت ثقافة القطيع والانقياد والتبعية صفة غالبة له. ثم استكان العقل وخمد توهجه، فهو بحاجة إلى تأهيل يتخلى به تدريجا عن ثقافته ومصادر معرفته، ويستعد لقبول ثقافة ومفاهيم أخرى. فما علينا سوى مواصلة الطريق بحزم وشجاعة، وسيساهم الانفتاح الواسع على العالم الغربي وتجربة المجتمعات المدنية في تطوير ثقافة مجتمعاتنا، وكأني آراها حتمية ويبقي الرهان على الوقت وجهود المفكرين والمثقفين.

وبالتالي ينبغي، من أجل فتح الطريق أمام الإصلاح والتغيير، الوقوف بوجه رجل الدين والحكم والعشيرة ممن يراهنون في بقاء سلطتهم وتعزيز مكانتهم على الجهل والأمية والانقياد والتبعية وعدم الانفتاح على أفاق العلم والمعرفة والحضارة والرأي الآخر، خوفا من استفاقة العقل والتمرد على سلطاتهم. وإلا سيبقى الفكر والثقافة حبيسة الورق والكتاب، لا تؤثر في الواقع، فالنقد ثم النقد من أجل فتح آفاق الوعي.

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi7ali mohamadalyousifخاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ علي محمد اليوسف.

 

س47: علي محمد اليوسف: المعاصرة والتراث إشكالية تضرب العمق الوجودي لمجتمعاتنا، نوقشت باسهاب تنظيري لعقود طويلة، وبقيت تلك الفلسفات تدور حول الإشكالية، وعجز تلك الاسهامات، أخذ حيز التنفيذ في تغيير، أو تخفيف صرامة المهيمن اللاهوتي- الديني في قيادة مجتمعاتنا، والعجز من إيجاد حلول شافية لهذه الاشكالية.

ماذا تقولون بذلك؟

ج47: ماجد الغرباوي: إشكالية التراث والمعاصرة، من أكثر الإشكاليات تداولا في الفكر العربي، إلا أنها بقيت مستعصية، رغم عدم استحالتها حينما تتوفّر على منهج قادر على تفكيكها، والتعامل بواقعية مع طرفيها.

تبلورت هذه الإشكالية في خضم الجدل الدائر حول سؤال النهضة بعد الصدمة الحضارية، الذي أطلقه شكيب أرسلان: "لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟"، حيث أَذهَلَ العربَ والمسلمين والشرق عموما حجمُ الفارق الحضاري بين الغرب وبينهم، فراحوا يتحرون أسباب التخلف وكيفية معالجتها من داخل التراث والثقافة، تمهيدا لقفزة حضارية يستعيدون بها أمجاد الحضارة الإسلامية، فتبلورت في سياق الوعي إشكالية التراث والمعاصرة في ظل انقسام حاد حول مفهوميهما وشروطهما وإكراهاتهما. وبقي سؤال النهضة يبحث عن إجابة تخرج به من نفق الإشكالية إلى رحاب نظرية تقدّم قراءة جديدة للتراث نتجاوز بها عقدة الأصالة والخوف على الهوية، في مقابل تشاؤم مرير من المعاصرة، مرده ذات الخوف على الأصالة والتراث. فانقسم الموقف من التراث بين التمسك به، والتحرر مطلقا منه، وثالث يسعى لموقف متوازن، فكانت ثلاثة اتجاهات أزاء التراث ودوره في تكريس التخلف:

الأول: كان منبهراً بالغرب حد الانسحاق والتبعية المطلقة، والتخلي عن كل ما يمت إلى الأمة من صلة، فدعا (وهم المتغرّبون) إلى نبذ التراث وانشاء قطيعة معرفية معه باعتباره المسؤول الأول عن التخلّف، ليحل النموذج الغربي محل النموذج السائد في حضارتنا بكل حمولته الثقافية. فجاء حلاً مبتسراً للمشكلة ساهم في تعميقها من خلال تبنّي مفاهيم جديدة تكوّنت في فضاءات ثقافية غريبة عن بيئتنا. جاءت لتطمس هوية الأمة ومعالمها الحضارية، وتُفقدها أصالتها وانتماءها. وهنا سيكون استدعاء النموذج الغربي بجميع حمولته الثقافية معيقا للتطور المنشود، لذا فشل هذا الاتجاه في تسوية الإشكالية، وتصدى له محافظو المجتمع، رغم أصدائه لدى طيف واسع من المثقفين.

الاتجاه الثاني: ارتد سلفياً رافضاً معطيات الحضارة الحديثة، منكباً على التراث لا يغادره. يصر على استنساخ النموذج الحضاري الإسلامي رغم تاريخيته. وقد غامر هذا الاتجاه في تجربته العملية بنفس أدوات الماضي، فكانت داعش والحركات الإسلامية المتطرفة، قد بسطت روح الرعب والعنف والإرهاب في أرجاء العالم لتثبت للبشرية جميعا فشل المشروع التراثي الديني. ويعتقد هؤلاء أن الخطأ في التطبيق دائما، ويرفضون أي اتهام يمس التراث والعقيدة والفكر والثقافة لانتمائها للمقدس الديني. فالسبب برأيهم في المسلم ذاته ومنهج التطبيق، لا بفكره وعقيدته ودينه، ويراهنون على طبقة مثالية في تدينها والتزامها واعتقادها ستعيد للتراث حيويته وقدرته على بناء دولة تنتشل المسلمين من التخلّف المرير. فلا نهضة إلا من داخل التراث، ولا مستقبل إلا من خلاله. فهؤلاء يعتقدون بقدسية التراث وإطلاقه وصلاحيته لكل زمان ومكان، رغم تاريخيته. لذا يهربون إلى واقع افتراضي يتمثلون فيه الماضي بكل وقائعه وشخوصه، ويسقطون عليه كل رغباتهم، وأوهامهم، فيختلط الواقع بالخيال بالطموح، ويتهمون الناس بالردة بل والكفر، وتنفيذ الحدود بهم، قياسا على الماضي وما يحملونه من صور عنه.

الاتجاه الثالث: عاد إلى التراث، يستنطقه، يبحث عن مصادر قوته، ليؤسس من عناصره القادرة على البقاء قاعدة تستوعب معطيات الحضارة الحديثة في إطار الإسلام وقيمه ومبادئه. فلا يلتصق بالتراث ولا يرفضه، بل ينقده ويقوّمه ليستلهم منهجا في الرقي الحضاري. ثم لا يرتمي في أحضان الغرب ولا يرفض معطياته الحضارية، مادام جزءا كبيرا منها نتاجاً بشريا، يمكن لأية حضارة استيعابه ضمن أطرها الدينية والحضارية. غير أن الاتجاه الثالث لم يتغلغل في أعماق الوسط الاجتماعي ليستنقذه من التردي الثقافي بل ظل همّاً محدود التأثير، يتعهده روّاد الإصلاح الواحد تلو الآخر، ولم يتحول بعد إلى تيار عارم، متمرد، يهز ضمير الأمة ويوقظ شعورها بالمسؤولية تجاه مستقبلها، ودعوتها إلى رفض السكونية الناتجة عن عدم وعي  الأزمات، أو الناتجة عن عدم إدراك خطورة التراكمات التاريخية والفكرية والسلوكية، على مستقبل الدين، لذا ظلت الدعوة إلى مراجعة الفكر والثقافة والإلحاح على دراسة الواقع ومكوّناته الثقافية دعوة مريبة، تستفز مشاعر فئة تكرّس خرافات وطقوس خالية من أي محتوى ديني. فيزعجهم الوعي، وتصدمهم الحقيقة، ويربكهم تعرية البدع المختلطة بالدين.

إن طموح إشكالية التراث والمعاصرة الخروج بمشروع ينتشل الواقعين العربي والإسلامي من حالة التراجع والتخلف والإنكفاء إلى أفق الحضارة والتقدم والتطور في جميع مناحي الحياة. غير أن نجاح هذه  الاتجاهات في تسوية الإشكالية تراوح بين الفشل والنهوض المحدود، لأنها إشكالية معقدة، مردها إلى إشكاليات أعمق تتطلب تسويتها في مرحلة سابقة، تتعلق بفهم الدين وسعة الشريعة، وقدسية التراث، وكيفية تراكمه، وحدوده وعلاقة الفرد والمجتمع والثقافة به، وتأثير الاستبداد، والاستعمار، والأيديولوجيا، والصراع الطائفي.

إن مقاربة الإشكالية تستوجب تحديد المفاهيم أولا، لتدارك التباس التداخل بين المقدّس وغير المقدس، وبين الديني وغير الديني. فثمة اختلاف حول مفهوم: الدين، السنّة النبوية، المقدّس، التراث، شرعية الاجتهادات الفقهية ومدى سلطتها وحجتها على الآخرين، وغير ذلك.

يقصد بالتراث: ما أنجزه السلف من دراسات وبحوث، فكرية وعقدية وثقافية وفقهية ما زالت تفرض نفسها مرجعيات تؤثر في وعينا وتفكيرنا وفهمنا، وتحتفظ بقدر كبير من الاحترام والقداسة، خاصة في الأوساط الدينية والتراثية المحافظة.

ومهما بالغوا بقدسية التراث لكنه يبقى منجزا بشريا في إطار ظرفه الزماني والمكاني، فيحتفظ بتاريخيته، وعدم تعاليه على النقد. ويبقى مرتهنا في إطلاقه وتأثيره لمتانة مبانيه ومبادئه وأسسه، بما في ذلك الفقه الإسلامي الذي يشتغل على نصوص الكتاب والسنة. رغم أن الفقه وفتاوى الفقهاء غدت سلطة مقدسة، يترتب على مخالفتها عقوبات دنيوية فضلا عن العقوبات الأخروية، وهي قدسية مريبة لا أساس لها سوى فهم خاطئ لفهم الدين في الحياة، ودور الإنسان فيها، ورغبة الفقيه في تحصين سلطته بالمقدّس، وتوظيف الفتوى لصالح مكانته الاجتماعية والسياسية، وتلبية لطموحاته المذهبية والطائفية. يؤكد ذلك موقف كل فقيه من الآخر المختلف مذهبيا، رغم وحدة مصادر التشريع، واتفاق فقهاء المسلمين على أكثر من 90 بالمئة من أحكام الشريعة.

لقد خسر الإنسان حريته، بسبب إصرار الفقيه على احتكار رمزية رجل الدين وقدسية سلطته الروحية، من خلال قواعد إصولية ابتدعها ثم صارت سلطة معرفية، لتدفق فتاوى راحت تطارد الفرد والمجتمع في في كل مكان، فأنتجت شعبا معاقا لا يهزه الشعور الإنساني لكنه ينقاد للنص والفتوى، حتى تضاءلت حريته وتخلى عن عقله، حدا صارت الفتوى تقوده حيث تطلبت أهدافها السياسية والطائفية، وتمادى بعضهم ففرض ولاية وقيمومة للفقيه على الإنسان ومصيره، بعد ضمان روح الإنقياد والتبعية في أعماق الفرد والمجتمع.

وعندما قاربوا التراث، للتخلّص من هيمنته كشرط أساس للمعاصرة ودخول الحداثة، باعتباره منجزا بشريا، اصطدموا بالمقدّس (الكتاب والسنة) ومدى شمول التراث لهما أو لأحدهما. أم تبقى مطلق النصوص المؤسسة (القرآن والسنة) سلطة فوقيه، تتعالى على النقد والمراجعة؟. فيختفي النقد ويقتصر عمل المسلمين على التفسير والتأويل والطاعة المطلقة؟.

بعض عمد إلى أنسنة النص الديني مطلقا بما في ذلك الكتاب الكريم، لنزع قدسيته، واعتباره منجزا بشريا، يقرأ ضمن تاريخيته (أغلب المستشرقين ومحمد إركون مثالا)، وسياقاته فيمكن التخلّص من سلطته. وهذه القراءة ممكنة في إطار ثقافة أخرى، ومناهج من خارج النص وفضائه المعرفي ومنطقه ودلالاته. لكنه غير ممكن بالنسبة لمجتمع يؤمن إيمانا قاطعا بقدسية القرآن الكريم، وانتسابه لله تعالى، ومستعد للتضحية دفاعا عنه.

إن الخطأ في فهم الواقع العربي – الإسلامي وعلاقته بالدين والمقدّس والتراث، من جهة. وعدم تشخيص مقاصد وغايات المنظومة العقيدية والفكرية من جهة ثانية، هي  جوهر الإشكالية. فيفشل من يراهن على شطب الدين واللاهوت والتراث والمقدّس والماضي بأسره، شرطا للمعاصرة ودخول الحداثة من أوسع أبوابها. وأيضا سيفشل من ينكفئ يراهن على قابليات التراث في التطور الحضاري، وينظر بريبة للمعاصرة ومناشئها. ويبقى الوسط محاصرا بين الخوف والإيمان. فالانقسام يختزل احتمالات التسوية في حل الإشكالية. فعلينا اعتماد رؤية أخرى تقارب التراث والحداثة من داخل فضائهما، كي تكون المقاربة منتجة، من خلال منهج تحليلي، يعود بالتراث إلى عناصره الأولية ودراسة سياقات التطور ضمن مسارها التاريخي، لتحديد دور الزمان والمكان ومختلف الظروف والعوامل المؤثرة. ولا مانع أن يطال المنهج مساحات المقدّس بحثا عن فعلية أحكامه وإطلاقات نصوصه. وفي غير هذه الحالة يبقى التراث يفرض نفسه بقوة تتحدى السياقات الثقافية للمعاصرة التي هي جزء لا يتجزأ منها. فتقديم قراءة مغايرة للتراث من داخله ستساعد على اكتشاف بشريته، أما القراءات من خارج التراث فتفرض شروطها التي تخل في فهمه. فحدود قدسية الكتاب والسنة، ومدى فعلية أحكام الشريعة الإسلامية تعد إشكالية أولى ضمن إشكالية التراث والمعاصرة، وتسويتها تمهد لفهم المنجز الفكري للمسلمين باعتباره منجزا بشريا لا تشمله قداسة الكتاب والسنة النبوية، فيمكن نقده والتخلي عنه كمرجعية نهائية، كما تفعل الاتجاهات السلفية وأهل الحديث.

ثم تأتي إشكالية أكثر تعقيدا عندما عمد المسلمون بدوافع سياسية وأخرى أيديولوجية إلى تقديس منجز القرون الأولى حد التعالي على النقد، حيث ذهب السنة إلى عدالة الصحابة مطلقا، لتحصينهم سياسيا وعقيديا. فأصبح قول الصحابي وفعله وتقريره حجة، وتحصّن الصحابة بحصون مقدسة، يستمد منها الفقيه شرعية بعض الأحكام. ثم تعمقت روح التقديس بمرور الأيام وتراكم أحاديث الفضائل والأخبار عن النبي الكريم في الثناء عليهم، ثم شاع حديث العشرة المبشرين بالجنة، ليمنحهم حصانة مطلقة، جعلت من نقدهم، مهما كان سلوكهم، تكذيبا لرسول الله، بل ومحاربة لله ولنبيه المرسل. وبهذا اتسعت رقعة المقدّس، ليمارس دوره السلطوي في توجيه وعي المسلمين خاصة في أجواء الصراع المذهبي.

في مقابل السنة راح الشيعة يُنظّرون ما بعد سنة 150 هـ إلى عصمة أئمتهم، حتى أمتد عصر النص عندهم إلى نهاية ما يعرف بالغيبة الصغرى. فتراكم لديهم تراث معصوم من الخطأ كما يعتقدون، أقتصرت فيه مهمة الفقيه، كما هو الفقيه السني بالنسبة لعدالة الصحابة، على التأويل والتفسير، وتسوية التعارض بين الأحاديث المتعارضة. وبهذا تضاعفت رقعة المقدّس لدى المسلمين من جهة، وتعددت مصادره مما سهل الكذب والافتراء والتلفيق في مجال العقيدة، والموقف من الند السياسي والمذهبي، بل وتعدى ذلك إلى مصادرة العقل وقدرته الابداعية خارج حدود التفسير والتأويل والاستنباط بعد أسلمة الحياة برمتها، وشمول الفقه لجميع حركات الإنسان والمجتمع، بشكل خسر الفرد حريته، وصار يدور داخل المدونة الفقهية، ويبقى في سجن الفقيه ما دام حيا.

فمقاربة الإشكالية تبدأ من هنا، لتحديد ما هو المقدّس؟ وما هي مصادر قدسية التراث خارج إطار الكتاب والسنة؟ بل ويمكن المناقشة في إطلاق حجية السنة النبوية، وكذا بالإمكان تقديم فهم أخر للدين وأحكام الشريعة.

إن خطورة التقديس في تلبّسه قداسة الخالق تعالى، عندما جعل الفقهاء حجية قول الصحابي وقول الإمام المعصوم بموازاة حجية السنة النبوية والكتاب الحكيم، فالرواية عندهم تقيّد وتخصص الآية، بشكل تتساوى قيمة كلا النصين من حيث حجيتهما. فرغم أن الرواية من خارج النص المقدّس لكنها تخصصه وتقيده. بينما اقتصرت مهمة الرسول قرآنيا على التبليغ والبيان والتفصيل، ولم يسند له دور تشريعي، فضلا عن غيره، فبأي دليل قرآني صريح استدلوا على مبانيهم الأصولية؟.

 

نعود لنسأل: ما الذي جعل العلاقة بين التراث والمعاصرة علاقة إشكالية؟ وأين هي المشكلة؟

المعاصرة نموذج حضاري لتطور الإنسان والمجتمع، أثبت جدارته على أرض الواقع، ونقل أوربا من مستنقع التخلّف إلى عالم الحضارة. فجاءت تتحدى النماذج الأخرى ومنها النموذج الديني والتراثي، فهي نظام وضعي في مقابل نظام ديني مفترض، يجد مقوماته داخل التراث والنصوص المقدسة. لذا كان ردة الفعل صارمة تجاه الحداثة، لا باعتبارها معطى علمي وتكنلوجي بل لأنها منظومة فكرية ثقافية كاملة. فجوهر الإشكالية في التضاد بين الإلهي والبشري. الديني واللاديني، المقدّس واللامقدس، السماوي والأرضي. الديني والوضعي. فكيف يمكن للبشري أن يتحدى الإلهي؟ وكيف يكون السماوي سببا لتخلّف المسلمين؟ خاصة مع عدم وجود نموذج تاريخي للسلطة يدين مقوماتها الفكرية والعقيدية من خلال سلوكها السلطوي، كما بالنسبة لسلطة الكنيسة وتعسفها إبان القرون الوسطى. فالسلطة الدينية انفصلت عن السلطة السياسية في بداية الدولة الأموية، فركزت الإشكالية على نقاط محسومة ابتداء، فلا يعقل التخلي عن الإلهي لصالح البشري، مهما كانت مصداقيته ونجاحه. لكن المقارنة استنبطنت مغالطتين معرفيتين كان يجب حلهما أولا، لرفع التضاد بين الإلهي والبشري:

الأولى: ينبغي التمييز بين الدين والفكر الديني. بين النص وفهم وقراءة وتأويل النص، فثمة مساحة واسعة من الفكر الديني اكتسبت قداسة بمرور الإيام أو من خلال أسطرة الرموز التاريخية. فلا تضاد كبير بين الدين والمعاصرة حينئذٍ إذا فرزنا الدين عن الفكر الديني، والنص المقدس عن فهمه. لأن الفكر الديني مجرد وجهة نظر اجتهادية في فهم النص المقدس، فلماذا تكون مقدسة تحول دون تحديث الفكر الديني لمستوى ضرورات العصر والزمان؟.

الثانية: ينبغي فهم الدين ومقاصد التشريع، وما هي إطلاقاته وعموماته، وتحديد مساحات الأحكام الفعلية. فلا تضاد بين الإلهي والوضعي حينئذٍ مع عدم ثبوت الإطلاق الزماني والأحولي لجميع الأحكام الشرعية. بل هي منطقة فراغ يمكن للمنجز البشري ملأها إذا لم تتقاطع مع مبادئ وقيم الدين الحنيف. ولا دليل على اختصاص الفقيه بملأ الفراغ التشريعي كما ذهب لذلك السيد محمد باقر الصدر، لعدم وجود دليل على ضرورة وجود حكم شرعي لكل حادثة وواقعة. كما أن أحكام الشريعة واضحة بينة في الكتاب الكريم. ولم يسند الباري تعالى تشريع الأحكام لأحد، حيث اقتصر مهمة الرسول الكريم على التبليع والبيان والتفصيل، وهذا ما اتفق عليه جميع المسلمين لكنهم استدلوا على حجية السنة بأدلة تأويلية - اجتهادية.

وأما في جانبها العلمي فباتت المعاصرة أمرا واقعا يتلبسنا ويفرض إرادته. وغدت المعطيات العلمية والتكنلوجية والمعلوماتية تتدفق من جميع الجهات، ولا خيار للإنسان والمجتمع سوى قبولها، بل أصبحت مناحي الحياة مرتهنة لمعطياتهم العلمية، فهذا الجانب لا جدال فيه، ولم يعترض عليه أحد بما فيهم السلفيون والتكفيريون. بل أكثر من ذلك،  تجد الوسط الثقافي والإعلامي والسياسي يلهج بمفاهيم الحضارة الغربية، كالديمقراطية، والتعددية، والتسامح الديني، والعلمانية والتداول السلمي للسلطة. فأي تناقض يعيشه المجتمع الإسلامي، يعيش المعاصرة عملا ويرفضها نظريا؟. إنها قبليات الإنسان والصورة الذهنية المثالية للتراث والفكر الديني، تجعله يرفض عجز التراث على التحديث، ويرفض التحدي وهو يتلبسه ويعيشه في جميع تفاصيله.

المشكلة أن التيارات المتقدمة فشلت في تسوية الإشكالية في بعدها الفكري - العقائدي. أما الأول فعمد إلى أنسنة الدين، ومصادرة قدسيته، داخل مجتمع مسكون بالتقديس، يستميت دفاعا عن مقدساته، ويضحي من أجل عقيدته. والسلفي شطب على المعطى البشري مطلقا، واعتبره كفرا عندما تصدى لسن قوانين وأنظمة في مقابل قوانين وأنظمة دينية. والثالث لم ينجح في توافقه. فالمجتمع لا يدخل الحداثة الحضارية بمجرد الاستفادة من المعطيات العلمية أو أسلمة العلوم، ما لم يعتمد نمطا ثقافيا يساعد على التفاعل معها. والآلة لوحدها لم توازن المجتمع الأوربي بل رافق تطورها تطورا فكريا وثقافيا من داخل بيئتها، وما زالت العلوم الانسانية تعضّد التقدم الحضاري في جميع المجالات، تلك العلوم التي لعبت دورا كبيرا في تحديث المجتمع الأوربي، بعد تجردها من موروثاتها الدينية القائمة على مفاهيم ومقولات تراثية ودينية تضر بالاجتماع البشري، وتخلق تمايزا لا يمت للإنسانية بصلة. واعتمادها مبادئ العقل والفلسفة في فهم مختلف مظاهر الحياة. وأي جهد في أسلمة العلوم لا يساهم في تسوية الإشكالية، ما لم تتم تسويتها من داخل ثقافتنا وتراثنا وبيئتنا، لذا لم تحقق جهود المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أسلمة العلوم والمناهج، تقدما حقيقيا على هذا المستوى، رغم الجهود الكبيرة لعدد من لعلماء والمفكرين والمثقفين. ونقطة ضعف هذه الجهود أنها تريد استنبات قيم من خارج بيئتها، فتتجاهل شروطها ومقدماتها، فتفشل الإسلمة. الفكر الغربي انبثق من بيئته وظروفه، وما لم تتوفر نفس الظروف لا تؤدي المفاهيم دورها، ولا تحقق تقدما ملموسا. وكم حاولت إيران أسلمة النظام المصرفي لكنها بعد جهد 9 سنوات عادت للنظام المصرفي العالمي الربوي، بعد إعادة النظر في مفهوم الربا. الذي كان ينبغي لها إعادة النظر فيه من اليوم الأول. فالحل ليس في الأسلمة بل باعادة النظر في المفاهيم ومدى فعلية الأحكام. فهناك خصوبة في تراثنا تجاهلتها قوى الإصلاح يمكن توظيفها لبناء نهضة فكرية وحضارية حقيقية، إزالة التراكمات التراثية من حولها.

من هنا باتت تسوية الإشكالية واضحا، فالمشكلة الأساس تكمن في:

- قدسية التراث وعدم التمييز بين الدين والفكر الديني. وبين النص والتفسير أو الاجتهاد في إطار النص.

- الخلاف حول حجية السنّة النبوية خارج حدود الوحي القرآني.

- مدى فعلية الأحكام الشرعية، مع عدم فعلية موضوعاتها؟.

هذه النقاط الثلاثة ستفتح نافذة واسعة نلج من خلالها عالم الحداثة الحقيقية، شريطة التوفر على أدوات ومناهج علمية قادرة على تفكيك قدسية التراث، وفهم الدين، فليس الأمر سهلا لغير الاختصاص في هذه المجالات. وعندما نباشر النقد العلمي الموضوعي سنكتشف حجم المساحات المشتركة بين المقدّس ومنظومة القيم الحضارية الجديدة. تلك المساحات هي مفاهيم وقيم تراكمت فوقها رؤى تنتمي للتطرف الطائفي والديني، وعدم فهم الشروط التاريخية، وضروراتها، فحجبت مداليلها الحضارية كما بالنسبة لموقف الدين من الآخر المختلف، عندما نعي ضرورات الجهاد وآياته، فستكون العلاقة إنسانية وفقا لآيات الكتاب الكريم، ويكون الإقصاء لضرورات آنية، تنتفي بانتفاء العنف وضرورات الجهاد. ومبدأ المواطنة الذي يصطدم بالخطاب الديني القائم على ثنائية: مسلم / كافر. مؤمن / مرتد، سيكون مقبولا مع فهم جديد للدين بعيدا عن تراكمات الدوافع السياسية والآيديولوجية والتفسيرات الخاطئة للنص الديني، وفرز القضايا الحقيقية عن القضايا الخارجية في موضوعات أحكام الجهاد والقتال. فالكتاب الكريم مكتنز بمادئ الإنسان وحق المواطنة، وحرية الاعتقاد، وهي الأصل تشريعا، أما أحكام الردة والقتال فكانت ضرورة تاريخية تنتفي بانتفاء موضوعها، وقد انتصرت الرسالة فعلا: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) .

المهم في الإشكالية فهم ملابساتها، وطريقة معالجتها، وليس تسويتها نهائيا، لتجذر الاختلاف حد القطيعة التامة حول كثير من المفردات خاصة العقائدية وما يخص فهم الدين. فهناك بون كبير بين التنظير الفكري والواقع. فالفكر ليس انعكاسا تاما للواقع، والواقع لا يستجيب للفكر دائما. فما نصل له من رؤى تبقى في دائرتها النظرية بانتظار تفعيلها.

إذاً الخطوة الأولى على طريق تسوية إشكالية التراث والمعاصرة، العودة للتراث لرصد مساحات القداسة فيه، خاصة فترة ما بعد الرسول، فمن السهل جدا تحري الأدلة التي قامت عليها، والأسهل منها تفنيدها بمنهج نقدي عقلي يقوم على تحري الأسباب الحقيقة، وعدم الاكتفاء بالتفسير والتأويل نزولا عند قدسية التراث كما يراه الناس، وذلك للتخلص من ثقله، وسطوته وهيمنته، كي نتفرغ للمرحلة التالية، وهي سيرة النبي الأكرم لفرز المقدس عن البشري، فثمة من جرد السيرة من تاريخيتها، واعتبرها مطلقة في قدسيتها وشرعيتها، واعتبارها وحيا منزلا من السماء، فاختفى محمد الإنسان، وطمست معالمه الاجتماعية، فالرسول الكريم، تارة يكون مخبرا عن الله، فقوله وحي وحجة على المسلمين. وأخرى يتصرف كحاكم له ولاية وفقا لظروفه الزمانية والمكانية، فتنتفي أحكامه بعد مماته. وثالثة هو بشر مثلكم، له خصائصه، ورابع يكون محمد قدوة في أخلاقه، (إنك لعلى خلق عظيم).

اما بالنسبة للقرآن الكريم، فما نحتاجه هو التمييز بين العقيدة والشريعة، فاذا كانت العقيدة واضحة في كتاب الله، فإن الشريعة تحتاج إلى مهارة فقهية أصولية للتعرف على مدى فعلية الأحكام الشرعية، وقد تناولت هذا الموضوع مفصلا في دراسة بعنوان: (دعوة لانقاذ الدين من سطوة الفقهاء). حيث تحدثت عن شروط فعلية الأحكام ودور الزمان والمكان فيها، إضافة الى موجبات وغايات الشريعة ومقاصدها. واستعرضت هناك جملة من موضوعات الأحكام التي دلت الأدلة على عدم فعليتها، فلا تكون أحكامها فعلية لهذا السبب.

المقاربة النقدية للتراث بهذا المنهج، ستختزل المقدّس في حدود العقيدة والعبادات وما هو فعلي من الأحكام الشرعية، مع التمييز بين المقدس واللامقدس في سيرة الرسول الكريم. كما أنها ستكشف عن بشرية الرموز التاريخية، وقراءة التجارب السياسية في سياقها التاريخي، وفقا لظروفها الزمانية والمكانية، فيتعذر استنساخها أو استدعاءها لواقع آخر. كما ستكون الدولة وفقا لهذه القراءة النقدية ضرورة اجتماعية لا دينية، فتخضع لشروط الواقع وحاجته وتطلعاته.

والأهم أننا سنكتشف العناصر الحضارية المتجددة في الثقافة الإسلامية بعد تجريدها من رؤى وآراء قامت على نبذ الآخر واقصائه، وحينئذٍ سنتخلص من جميع التحديات التراثية التي تعيق التحديث. فتكون معاصرتنا من داخل مبادئ وقيم تراثنا، وترتكز عليهما. فندخل الحداثة، بعد التخلّص من سطوة التراث وإكراهاته، واختزال الرموز التاريخية وقدسيتها، ما عدا عناصر القوة التي تساهم في بناء نموج حضاري يمثلنا، ويمثل أصالتنا وهويتنا وانتماءنا.

نعود لنهاية السؤال، حيث يقول: إن المنجز التنظيري لإشكالية التراث والحداثة، لم يؤثر في الواقع ولم يحد من  صرامة المهيمن الديني.

تقدم ثمة فارق بين النظرية والواقع، وما يمكن تسويته نظريا لا يعني استجابة الواقع له، بل ولا يعني أنه مرآة للواقع، لأن الأخير يعمل وفق نظام السنن الاجتماعية والكونية، وما لم يحدث تغيير داخل المنظومة الفكرية والعقيدية للمجتمع يبقى الواقع كما هو خاصة حينما يوظف رجلا الدين والسياسي الدين لمصالحهما الشخصية والطائفية والآيدولوجية داخل مجتمع مسكون بالمقدّس، والغيب، ويعيش رهاب اليوم الآخر، والرهبة من رجل الدين والعشيرة. ويشكو رثاثة الوعي، فينقض على بوادر النهوض الحضاري لصالح أوهامه وخرافاته.

والحل يكمن في أداة التغيير الماضية وهي المؤسسات التعليمية، ومختلف وسائل الإعلام والسلطة حينما تكون جادة في بناء مجتمع مدني، معاصر، فبإمكانها اعادة تشكيل العقل الجمعي بشكل ينسجم مع قيم الحداثة، خاصة وبات لدينا فكر تنظيري يساهم في حلحلة الإشكالية بل وتسويتها، بعد أن ثبت عدم وجود تعارض بين التراث والمعاصر في بعدها الثقافي، الفكري، والعقيدي.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

  

majed algharbawi5ali mohamadalyousifخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ علي محمد اليوسف.

 

 علي محمد اليوسف: المودة والتقدير: أسئلة أحببت طرحها على جنابكم الكريم، للإجابة عنها ضمن مشروعكم الفلسفي – التنويري، إذا ما كانت تشكل اهتماما ومداخلة عندكم، تسهم إجاباتكم عليها تنويرنا.

س46: علي محمد اليوسف: كاتب وباحث / العراق – الموصل: اتخذ الإسلام وجوده التاريخي منذ (المدينة)، دين ودولة، استمر متجليا في تجارب حكم سادت ثم أفلت، هل بالإمكان اليوم من وجهة نظركم، اعتمادنا نموذجا يحتذى من تلك التجارب، يكون معه وبالاسترشاد به، للإسلام دولة معاصرة تمتلك أسباب البقاء في مجتمعاتنا اليوم، أم أن تلك التجارب وليدة مجتمعات مختلفة عنا؟

ج46: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الكاتب والباحث القدير علي محمد اليوسف، وشكرا لمشاركته من خلال أسئلة اتسمت بأهميتها، كما أشكر حسن ظنك وثقتك.

إن اعتماد أي نموذج تاريخي يتوقف على أحد أمرين، إما أن يكون نظاما دينيا مفترضا لا يمكن التخلي عنه باعتباره جزءا من التشريع الإسلامي، كما تعتقد بذلك الحركات الإسلامية. أو أن يكون نظام الحكم بذاته نظاما صالحا لكل زمان ومكان، بلحاظ مقوماته وأطره الفكرية.

أما الأمر الأول: فلا يوجد دليل شرعي صريح بوجوب قيام دولة إسلامية، وكل ما هناك اجتهادات شخصية تقوم على تأويل النصوص وتفسيرها بطريقة تخدم الهدف. فتبقى جميع تجارب الحكم في ظل الإسلام تجاربا بشرية تنسب للمسلمين أنفسهم وليس للإسلام.

فمن الخطأ نسبة دولة الخلافة الراشدة وما بعدها من دول الخلفاء إلى الإسلام، كما جاء في السؤال: (اتخذ الإسلام وجوده التاريخي منذ "المدينة"، دين ودولة، استمر متجليا في تجارب حكم سادت ثم أفلت).

الإسلام دين، محوره وحدانية الله تعالى، ونبذ الكفر .. دين ينظّم علاقة الإنسان بالله والغيب، ويؤكد على دوره في الحياة .. دين لا علاقة له بالسياسة، ولم يدعُ لقيام دولة، رغم وجود بعض التشريعات، إضافة إلى مبادئ وقيم يمكن لنظام الحكم الارتكاز عليها، بل يضبط أداء الفرد والمجتمع من خلال منظومة قيم ومفاهيم أخلاقية. وقد أهمل الكتاب الكريم عصبي الحياة: السياسة والإقتصاد باستثناء مبادئ أولية، ترتكز الى العدل ميزانا للحكم (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). فلم يطرح القرآن الكريم نظرية سياسية في الحكم، وتبقى الشورى خيارا غير ملزم قرآنيا، على خلاف أداء المجالس النيابية. ولم يحدد القرآن المجيد نظاما سياسيا واضح المعالم وفق قواعد قرآنية. ولم يصف النبي الكريم بالملوكية أو الرئاسة، ولم يضع ضابطة لاختيار خليفة للمسلمين بعده. وكل ما صدر من كتابات حول النظام السياسي الإسلامي هي اجتهادات شخصية، ووجهات نظر، بل وأغلبها أسلمة لأنظمة سياسية غربية، هي تراكم لجهود فلسفية وفكرية وقانونية منذ عصر النهضة، فتم استبدالها بمضامين شوهت بعض معالمها، لأنها وليدة بيئة أخرى، وضمن ثقافة ومفاهيم مختلفة، لا يمكن تبيئتها بسهولة أو لمجرد رغبة شخصية أو حزبية.

لا يعقل أن يترك الكتاب العزيز قضية بمستوى السياسة والحكم بلا تشريعات تتناسب مع حجمها وخطورتها، لكنه تركها لمتطلبات المجتمع وحاجته للدولة وللنظام في إطار مبادئ وقيم محددة. فالدولة كيان يواكب تطور عقل الإنسان وثقافته، ويستجيب لضرورات السلطة والحكم، والصيغ الثابتة تعرقل حركته وتطوره، وأمامك تاريخ الدولة لتقف بنفسك على حجم التطور الذي طرأ على مؤسساتها، وصيغها، بل حتى مفهومها وأنظمتها ونظرياتها.

أما دولة الرسول فكانت استجابة إدارية تنظيمة فرضها تطور المجتمع المدني وحاجاته، ولم يتصدَ الرسول الكريم لتأسيسها بدافع ديني أو تشريعي. كما لا دليل قرآني صريح على وجوب الدولة باعتبارها جزءا من التشريع أو يتوقف عليها تطبيق الأحكام الشرعية. فهي ضرورة اجتماعية لا دينية. وهذا ما اعتقد به بعد دراسات مستفيضة دامت سنوات حولها.

واستمرت الدولة بعد وفاة الرسول ضمن ضرورات تطور المجتمع، وحاجة المسلمين للإمامة أو الخلافة، لسد الفراغ القيادي، والاستمرار في نشر الدعوة. فصفة إسلامية الدولة تعبير آخر عن التزامها بقيم الدين وأحكام الشريعة. وهكذا تجارب الحكم عبر التاريخ، فلا قداسة لها من هذه الزاوية، بل تم فصل الديني عن الدنيوي ابتداء من حكم معاوية بن أبي سفيان. فكل دولة تنسب في نجاحاتها وإخفاقاتها لحاكمها أو لعصرها.

من حق المسلمين إقامة دولة وفق قيم الدين وتشريعاته في ضوء رؤيتهم واجتهادهم وفهمهم للدين، فتكون دولة بشرية، غير مقدّسة، يحتمل فيها الخطأ والصواب، تتوقف شرعيتها على مدى التزامها بقيم الدين الحنيف ورعاية مصالح شعوبهم. وفي جميع الأحوال لا قدسية لدولة المسلمين، ولا قيمومة أو ولاية للحاكم المسلم مطلقا، بل ويحق للشعب معارضته، وعزله، ولا دليل صريح من الكتاب والسنة يحول دون محاسبته. ويبقى عقد البيعة ملزما شريطة تمسك الخليفة به. بل حتى الثورة ضده مبررة إذا اقتضت الضرورة، كما حصل مع الخليفة الثالث عثمان بن عفان، عندما قدّم الولاء على الكفاء، وفرّط بثروات المسلمين وآثر عشيرته في وظائف الدولة والعطاء.

غير أن فقهاء السلطان رسّخوا قدسية الحاكم وسلطته في أذهان الناس فأصبح الخليفة خليفة الله في أرضه، والسلطان حاكم باسم الله. واستماتوا في الذب عن شرعية سلطته، عندما حرّموا الخروج عليه، وفرضوا وجوب طاعته مطلقا عند بعضهم. فأصبح سيف الشرع مسلطاً على كل معارض يتهمهم بالفساد أو الجهل، وقد استخدموا (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) على نحو يتضارب مع كل أبعادها المنهجية.

يعتبر عثمان بن عفان أول من أضفى طابع القداسة على خلافته، تشبثا بالسلطة، وقمع المعارضة، وسلب الثورة الشعبية شرعيتها، حينما قال: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله). وهذا تزوير صارخ للحقيقة، فالباري عزوجل لم يتدخل في تنصيب أي شخص، لا عثمان ولا غيره، بل وحتى الرسول لم يصرح لأحد بذلك، ولم يرو أحد نصا صريحا عنه. عثمان بن عفان جاء بالشورى ثم بايعه المسلمون، فهو ملزم بمضمونها شرطا لاستمرار شرعيته، وإلا ستنتفي عندما يتهاون بقيم الدين والعدل والإنصاف. لكن تزوير الحقيقة حقق أهدافه، عبر مفاهيم فضفاضة، تحيل على إرادة الله حينما تبدو مطلقة، كمفهوم (توفيق الله أو إرادة الله أو ميشئة الله)، فينسى الأسباب الطبيعية وراء تنصيب الخليفة، وينسبها لقضاء الله وقدره، وهذا ما حدى بالإمام علي بن أبي طالب أن يشترط البيعة علانية، وفي المسجد العام، كي يبقى المسلم مسؤولا عن بيعته، ويتصدى للحاكم حينما يزيغ عن صوابه. أما إذا كانت السلطة "قميصا من الله" كما ادّعى عثمان، فكيف يتحدى المسلم إرادة الله؟ وهذا هو تزييف الوعي الذي لم ينطل على الصحابة فثاروا ضده حد القتل للأسف الشديد.

لقد أدى التباس الأمر إلى انقسام الموقف الديني تجاه الاستبداد السياسي باسم الدين والسلطة الشرعية (الدولتان الأموية والعباسية)، فمن العلماء من وقف ضد الظاهرة الاستبدادية حتى تعرّض للاضطهاد والتعذيب، وربما الاستشهاد. ومن الفقهاء من كرّس حياته لشرعنة الاستبداد، وأوقف نفسه لتأصيل نظرية في الفقه السلطاني، لذلك ليس من الغريب أن تجد الفقه السياسي الإسلامي فقهاً سلطانياً على مر التاريخ، لأنه ولد في أحضان الاستبداد ووضع أساساً لشرعنة ممارسات الحاكم الجائر.

وقد تمادى بعض الفقهاء في تبرير الاستبداد حتى قبلوا بولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على أوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه. فهذا ابن كثير - مثلاً- أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك إن (الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...) .

وتبقى الآراء حول ضرورة الدولة دينيا مجرد اجتهادات وقناعات شخصية، رسختها شهوة الحكم، وحب السلطة. وكل ما ذكر من أدلة حول هذا الموضوع هي أدلة اجتهادية وتأويلات. بل لو كانت الدولة ضرورة دينية لتصدى الكتاب الحكيم لبيانها، ورسم حدودها، ومعالمها، وكيفية تداولها. لكن كل هذا لم يحصل، ما يؤكد أنها ضرورة اجتماعية وليست دينية.

وهكذا ظلت العلاقة بين الدين والسياسة علاقة اشكالية، ملتبسة، لانعدام النصوص الصريحة، سوى اجتهادات وتأويلات منحازة. فالدولة (بما هي دولة) لم تحظ بتشريعات تجسّد اهتمام الشريعة بها، لا على صعيد النظرية، ولا على صعيد النظام السياسي (إداريا أو اقتصاديا أو سياسيا)، ما عدا تشريعات لا تشكل بمجموعها نظاما متكاملا. وأغلب ما كتب عن النُظم الاسلامية هو تقليد لما كتبه الأكاديميون والمتخصصون مع إضافة رؤية إسلامية إجتهادية، فكل ما كٌتب يمثل وجهات نظر إجتهادية.

وما يؤكد هذا الكلام أن النص الديني لم يسعف أحد المتنازعين على السلطة في تعضيد موقفه السياسي بعد وفاة الرسول الكريم، رغم التشبث بنصوص ثانوية، وأخرى مكذوبة أو مزورة فيما بعد. وبقيت اللعبة السياسية تتحكم بمصير الأمة، حتى شهدت الخلافة ظلما وجورا واقصاء واستبدادا ودكتاتورية متطرفة. ولم تشهد تجربة الحكم تجسيدا لقيم الأسلام الحنيف إلا في فترات محدودة جدا، رغم تبنى الجميع لها.

وصارت السلطة هدفا للحركات الاسلامية الثورية خاصة في العصر الحديث، يتوقف عليها (كما يعتقدون) تطبيق الإسلام، كشعار: "القرآن هو الحل" " أو الاسلام هو الحل" أو "تطبيق الشريعة"، الذي ترفعه أغلب الحركات الاسلامية خاصة "الإخوان المسلمين". فواجهت تلك الحركات في مسيرتها الطويلة والشاقة تحديات خطيرة، أهونها السجون والمعتقلات، وأخطرها الاغتراب عن الأوطان والاعدامات. ولما خاضت بعض الحركات الدينية تجربة الحكم، تركت انطباعا سلبيا، وردة فعل مدهشة، بعد اخفاقات مدوية. إذ لم يكن سلوك المتدينين أفضل ممن سبقهم، بل استشرى الفساد والاقصاء والاستئثار بالسلطة. وتكرّس الاستبداد السياسي والديني، مع اقصاء أية معارضة ولو كانت دينية او سلمية. وهي تجربة تستحق دراسات مستفيضة لفهمها. لماذا الاقصاء باسم الدين؟ لماذا  القتل وسفك الدماء باسم الدين؟ لماذا اغلب الحروب باسم الدين؟

كانت هذه المقدمة رغم طولها ضرورية لفهم إشكالية الدين والدولة كمقدمة للإجابة على السؤال، وقد اتضح أنهم يقصدون بالنموذج الديني في الحكم: أن تكون مقاليد الحكم فيها (تشريعا وتنفيذا وقيادة وقضاء)، بيد الهيئات والمؤسسات الدينية.. وتعتبر قوانين الدولة أحكاما إلهية، ما دامت مشرعة في ضوء الشريعة الإسلامية أو وفقا لفتاوى الفقيه. وتستمد سلطة رجال الدين قدسيتها وشرعيتها من انتسابها لله تعالى، فيكون الحاكم ممثلا أو مجسدا لسلطة الباري تعالى. وبالتالي فثمة مؤاخذة وعقوبة دينية لكل من يخالف قوانينها، على العكس من الدولة المدنية. وعندما تنتسب السلطة لله تعالى تصبح الأحكام مفتوحة، ويكفي في وجوب قتلك شمولك بمفهوم (مفسد في الأرض)، وهي قضية مرنة وفضفاضة بيد الحاكم، الذي هو بشر تتحكم به قبلياته وتوجهاته الطائفية والسياسية. فلا نقد ولا جدال ولا اعتراض على السلطة وقيادتها في الدولة الدينية، وأي اعتراض يعد اعتراضا وحربا وتمردا على إرادة الله، فتشمله أية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

نعود للسؤال، حيث جاء فيه: (هل بالإمكان اليوم من وجهة نظركم، اعتمادنا نموذجا يحتذى من تلك التجارب، يكون معه وبالاسترشاد به، للإسلام دولة معاصرة تمتلك أسباب البقاء في مجتمعاتنا اليوم، أم أن تلك التجارب وليدة مجتمعات مختلفة عنا؟).

أتضح مما تقدم أن جميع تجارب الحكم في التاريخ الإسلامي هي تجارب بشرية منزوعة القدسية، إلا وفق آراء تعمدت تزوير الحقيقة لحماية السلطة وتحصينها ضد المعارضة رغم فساد الحاكم.

والأهم أتضح عدم وجود دليل قرآني أو نبوي صريح، لا لبس فيه، يلزم المسلمين بإقامة دولة دينية. ومع عدم وجود تكليف شرعي تبقى جميع مساعي السلطة، طمعا في الحكم، أو رؤية اجتهادية، فهي وجهة نظر غير ملزمة إلا من يؤمن بها.

 بل توفى رسول الله ولم يوصٍ صراحة لأحد، هكذا اتفق الجميع، رغم اختلاف طفيف بين الروايتين التاريخيتين السنية والشيعية. لكنهم اتفقوا أن الرسول لم يصرح لأحد بالخلافة من بعده، وتعذر عليه كتابة كتاب وهو في أيام مرض (هذا على فرض أنه أراد أن يكتب كتابا بخصوص السلطة وولاية الأمر من بعده، ولا دليل على ذلك إطلاقا). بل لم يهتم النبي الكريم بموضوع الدولة، وكأن الأمر لا يعنيه. والصحيح أن موضوع الدولة خارج مهامه، حيث كان نبيا مرسلا، وقد نجح في تبليغ رسالة السماء، بشهادة الكتاب الكريم: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.

وحتى لو قلنا بشرعية جميع أو بعض التجارب الدينية التاريخية في الحكم، فهي أيضا غير ملزمة لنا، لعدم وجود إلزام شرعي كما تقدم، ولأنها وليدة شروط تاريخية، تختلف زمانا ومكانا، فلا يمكننا استدعاء تلك التجارب والاعتماد عليها، لانها لا تنسلخ عن تاريخيتها. ونحن نعيش الآن ظرفا مختلفا من حيث وعي الناس حول حقوق الإنسان والمرأة، وتطور المعرفة، ومعطيات العلوم، ومختلف الاكتشافات، بل وتطور الأداء السياسي، ونظريات الحكم التي أثبتت نجاحا باهرا، خاصة الحضارة الغربية التي باتت تتحدى بنموذجها الحضاري. الدولة الدينية لا تنسجم مع مجتمع متعدد دينيا ومذهبيا وثقافيا، فلا تسامح حقيقي مع الآخر وفقا لمتبنياتها الفقهية.

ربما يقصد السؤال، أعتماد روح التجربة الدينية التاريخية، باسناد قيادة الدولة للمؤسسة الدينية، والالتزام بأحكام الشريعة. وهذا أيضا لا دليل عليه، فالالتزام بالشريعة لا يتوقف على وجود دولة دينية تنقاد لولاية وسلطة رجل الدين، بل بإمكان أية دولة تبني الشريعة الإسلامية.

 

وأما الأمر الثاني: هل هناك نظام حكم صالحا بنفسه في كل زمان ومكان، يمكن استدعاؤه واعادة تطبيقه ضمن شروطنا وضروراتنا؟.

تقدم أن هذا الأمر يتوقف على مدى صلاحية ذات النظام من حيث مقوماته الذاتية وأطره الفكرية. فعندما نراجع تجارب الحكم عبر التاريخ الإسلامي، نجد أنها تجارب سلطوية، وراثية، باسثناء فترة الخلفاء. أنظمة تكرّس الاستبداد ودكتاتورية الخليفة. وقد استمدت شرعيتها من شرعنة الفقيه لسلوك الحاكم. حيث استمرت لعبة شرعية السلطة بين الفقيه والسلطان، الفقيه يشرعن سلطة السلطان ويفتي بقمع المعارضة وحرمة الخروج على السلطة، والسلطان يعضّد مقام الفقيه وسلطته الدينية بحصر الفتوى به. يشهد لذلك الفقه السلطاني القائم على مصالح السلطان وشرعنة سلوكه، بل وتبرير سفكه للدماء، وقمع المعارضة، وتسلطه على الشعوب المسلمة وثرواتها.

وهذا النوع من الأنظمة لا يصلح لواقع يتطلع إلى دولة مدنية، وإلى شعب يروم الانعتاق من ثقافة القطيع والتبعية المطلقة للحاكم المستبد. فتلك التجارب تقرأ ضمن سياقاتها وظروفها الزمانية والمكانية ولا يمكن تجرديها من تاريخيتها كي يمكن استدعاؤها واعادة الحياة لها.

نحن بحاجة لدولة تحمي الدين من الاستغلال، وعدم اقحامه في الشأن السياسي إلا بقدر قيمه ومبادئة الإنسانية. بحاجة لدولة تستوعب التقاطعات الثقافية والدينية باعتبارنا مجتمع متعدد أشد ما يحتاج إلى التسامح الحقيقي، من أجل إرساء دعائم المجتمع المدني.

وبالتالي لا يمكن تجريد التجارب السياسية التاريخية من تاريخيتها، ولسنا بحاجة لنموذج لا يتناسب مع ظروفنا وحاجاتنا، ويمكننا المحافظة على قيمنا ومبادئنا وديننا ضمن دولة مدنية، تستلهم إيجابيات الدولة الحديثة، التي حققت نجاحا مشهودا في سعادة شعبها وتطورها.

 فهناك مانع ذاتي يحول دون اعتماد أي نموذج تاريخي للدولة، مرتبط بطبيعة النظام الذي يرتهن القرار السياسي وقيادة الدولة إلى رجل الدين والمؤسسات الدينية، في الدولة الدينية، لتحكم باسم الله ثيوقراطيا، وهي صيغ مرفوضة حضاريا، بل ومرفوضة دينيا، بعد أن ثبت افتقارها لأي دليل شرعي، كما هو الحالة بالنسبة لولاية الفقيه في ايران. حيث عجزت هذه النظرية عن الارتكاز لأدلة محكمة تبرر شرعيتها.

وأيضا الدولة غير الدينية، فالخليفة تاريخيا كرجل الدين أو أشد استبدادا ودكتاتورية، خاصة حينما يضفي صفة القداسة على ملكه بمساعدة فقهاء السلطة. وسبب آخر موضوعي يحول دون استدعاء أي نموذج تاريخي، يرتبط بالظرفين الزماني والمكاني، وتطور الحضارة الإنسانية ومعطيات علومها، ومفهوم حقوق الإنسان الذي تحول إلى شرعة عالمية، اثبتت نجاحها.

علينا الاستفادة من تجارب الحكم الناجحة، والاستفادة من منظومة القيم والمبادئ الإنسانية الكفيلة بنجاحها، وتراثنا زاخر بقيمه التاريخية إذا نجحنا بازاحة تراكمات الرؤى الطائفية، والتطرف الديني، والفهم القاصر للدين والكتاب الحكيم عنها. فليس ثمة نموذج مقدس يلزمنا استدعاؤه وتفعيله خارج سياقاته التاريخية. بل لكل مرحلة تاريخية ضروراتها، وتبقى المبادئ والقيم أساس يمكن الإرتكاز إليه في تشييد نموذجنا في السلطة والحكم.

والأخطر في نماذج السلف ولاية الحاكم أو رجل الدين وهو ما يتنافي مع قيم الدين وشرعة حقوق الإنسان راهنا، فلم يجعل الله تعالى ولاية لأحد على الناس، وتبقى الولاية مختصة به. لكن للأسف أجد استعدادا عند طيف واسع من الناس لتقبل ولاية رجل الدين أو ولاية الفقيه، من خلال الانقياد الواسع له بدلا من الانقياد للشعور الوطني والدستور والقانون. بل هناك من يراهن على ولاية الفقيه في تطور البلاد. ومكمن الخطر أن هذا الشعور يخفي تحته روح الانقياد والتبعية البائسة عند الناس، وهي صفة سلبية تهدد استقلال البلد، وسيادة السلطة، وتخلق مجتمعا يرتبك أمام المواقف التاريخية، فيتخبط على حساب الوطن ومصالحه العليا.

وبالتالي فليس للنماذج التاريخية ما يؤهلها، لا من حيث انتسابها للدين، ولا من حيث طبيعة نظامها والأسس التي يرتكز عليها، فلا مبرر لاستدعاء أي نموذج تاريخي مهما كانت درجة قدسيته ومستوى صلاحيته، لانه يبقى تجربة تارخية، تقرأ نجاحاتها وإخفاقاتها ضمن سياقاتها الزمنية والمكانية. فنحتاج لدولة عصرية تتناسب مع حاجاتنا وتطلعاتنا وضروراتنا. نحتاج لنظام ديمقراطي يتبنى تداول السلطة سلميا، عبر صناديق الأقتراع، والترشيح الحر ضمن الضوابط الدستورية. نحتاج لدولة مدنية، لا ولاية فيها لأحد من المسؤولين على الشعب والقوانين. نحتاج لقيم ليبرالية كالتعددية والتسامح الحقيقي، لنحظى بمجتمع مدني، يحافظ على قيمنا ومبادئنا الدينية والإنسانية، ويتوفر على نظام حكم يحفظ الحقوق والواجبات، وينمي الشعور الوطني، بتقديم ولاء الوطن على المصالح الشخصية، ويحصّن الفرد دون التبعية لأي دولة تحت أي عنوان أو ذريعة. نحتاج لدولة تضمن لنا عدالة اجتماعية من خلال قوانين الضمان كي يعيش الفقير الحد الأدنى من العيش الكريم، دون انسحاق أو إذلال.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi6abduljabar noriخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ عبد الجبار نوري.

  

س45: عبد الجبار نوري: إن إنجازاتك الفكرية والبحثية ثرّة، وترقى للموسوعية كما قرأت بطاقتك الشخصية، حيث اشتغل ماجد الغرباوي في مجالات عديدة، خصوصا في نقد الفكر الديني، والحركات الإسلامية، فما هو رأيك:

-  بالاشتراكية العلمية؟

- والحركات اليسارية في التأريخ الإسلامي؟

- والحراك الجماهيري الذي يشارك فيه اليسار الديمقراطي العراقي،

 في معالجة الغث السياسي والتباين الطبقي؟!

ج45: ماجد الغرباوي: السؤال يتحرى قدرة الأمثلة الثلاثة على مكافحة "الغث السياسي والتباين الطبقي" كما جاء في نهايته، فينبغي التفصيل، من أجل إجابة موضوعية، تساهم في معالجة تردي الأوضاع. وقد يشي السؤال أيضا أن الأستاذ الكريم جعل التفاوت الطبقي مطلقا سببا للغث السياسي والفساد، وهذا ما تذهب له الماركسية في تعليلها للمشكلة الاجتماعية.

الغث السياسي سببه دائما فساد السلطة، والاستبداد، وتفشي السرقات وهدر المال العام بتواطؤ قانوني، وانعدام الأمن، وتراجع الشعور الوطني، وترسّخ الطائفية، والمحاصصة، ودستورية الكيانات السياسية على حساب المواطنة، وانتشار المحسوبية والمنسوبية والجهل والأمية.

بينما تختلف أسباب التفاوت الطبقي فتارة يكون سببه، الطبقة الحاكمة والأحزاب السياسية المتنفذة حينما تستأثر بثروات البلد على حساب الطبقات المسحوقة، مع تخلي الدولة عن رعايتها وضمان حقها في العيش الكريم، فتتفشى مختلف الجرائم. وتختفي العدالة الاجتماعية، ويتفاقم التفاوت بين أفراد المجتمع، حدا تتلاشى فيه الطبقة الوسطى. فهو أحد تداعيات فساد الطبقة الحاكمة، وتتوقف معالجته على مكافحة الفساد والجريمة.

وتارة يكون اقتصاد الدولة اقتصادا رأسماليا، يتقوّم بالتفاوت الطبقي، ويتحكم به رأس المال، فيكون التفاوت جزءا من تكوين المجتمع.

 بل حتى في الدول غير الرأسمالية ثمة تفاوت طبقي لكنه معقول عندما توفّر الدولة ضمانا يحفظ للإنسان حيثيته وكرامته. وأنت في السويد وأنا في أستراليا وكلانا يعيش في ظل نظام رأسمالي، يكرّس الصراع أو التنافس أو التفاوت الطبقي الإيجابي، عندما يفتح الباب على مصراعيه للتطور والتنافس الحر، والإرتقاء حضاريا بمساعدة الدولة. فلا يوجد فساد مالي أو إداري ينعكس سلبا على الشعب،  حينما تكون الدولة مسؤولة عن توفير الحد الأدنى من العيش الكريم مع ضمان اجتماعي وصحي لجميع أبناء الشعب. فهذا النوع من التفاوت الطبقي حالة طبيعية، تحصل في جميع الدول. بل هي الأساس في دينامية حركة المجتمع وتطوره، حينما تكون المنافسة شريفة، غير حقودة، وغير فاحشة. لكن المشكلة حينما تنعدم المقاييس الإنسانية لصالح رأس المال على حساب العامل والمستهلك، فيتحول إلى عبء إجتماعي.

 ورغم وجود طبقة فقيرة في الدول الرأسمالية ذات الضمان الاجتماعي، لكنها لا تشكل ظاهرة اجتماعية محسوسة، لأنها مشمولة بالضمان الاجتماعي أسوة بغيرها، غير أنها تتمادى في نفقات كمالية تحتاج لمصادر مالية إضافية، وهي متوفرة مجانا، فتردي أوضاعهم المالية بسوء تصرفهم. فلا يقاس عليهم.

 أما إذا تخلت الدولة عن رعايتهم فلا شك سيتحول التفاوت الطبقي، خاصة عندما يكون فاحشا إلى وبال على الطبقات الفقيرة والمسحوقة. وفي هذه الحالة ينقلب اختلال التوازن إلى مشكلة إنسانية واجتماعية تبحث عن حل.

لقد شغلت مسألة النظام الاجتماعي الأفضل هموم الفلاسفة والمفكرين والمصلحين منذ قديم الزمان، بل أن أحد أهداف بعثة الأنبياء هي تأسيس نظام اجتماعي يحفظ للجميع كرامتهم وعزتهم، من خلال منظومة تشريعات وقيم ومبادئ إنسانية تحد من تراكم الثروة بيد حفنة من الأشخاص، وتضمن للطبقات المحرومة الحد الأدنى من العيش الكريم. فهناك أكثر من اتجاه ورؤية فكرية – فلسفية بشأن النظام الاجتماعي الأفضل.

نعود لأمثلة السؤال، لتقصي مستوى قدرتها ونجاحها في تحجيم التفاوت الطبقي السلبي كما جاء في نهاية السؤال، والبحث عن الأصلح بينها لمعالجة الوضع العراقي الراهن، بل معالجة كل مجتمع يشبهه في ظروفه السياسية والأمنية:

 

أما بالنسبة للاشتراكية العلمية أو النظرية الماركسية، فتعتقد أن التفاوت الطبقي هو أساس المشكلة الاجتماعية، التي ستنتفي بانتفائه.

 والاشتراكية العلمية، رؤية فلسفية للحياة والإنسان والمجتمع، وفهم مادي ديالكتيك له. يرتكز رهانها في إصلاح المجتمع، على اندثار التفاوت الطبقي، بعد خمود التناقض الاجتماعي، فينصهر المجتمع في طبقة واحدة، تتوحد فيها ملكية الفرد بالمجموع، وتتلاشى الدولة حينما تفقد مبرر وجودها. فتنعم البشرية حينئذٍ بالرفاه والسعادة، وتتخلّص من آثار النظام الرِأسمالي ومآسي التفاوت الطبقي. فيكون "من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته".

وبما أن حب الذات، أساس التفاوت الطبقي، شيء فطري مغروز في طبيعة الإنسان، لذا تفترض الاشتراكية العلمية تطور عقل الإنسان ماديا بشكل يندثر فيه حب الذات ويتلاشى التنافس غير الشريف في إطار نظام قيم جديدة، فينصب اهتمام الفرد بالمجموعة دون مصالحه الشخصية. فالنظرية تطمح أن يتخلى الفرد عن جشعه وحبه لذاته تلقائيا حينما يتطور عقله وشعوره الداخلي. وبالتالي فهي لا تحتاج لتشجيع الفرد ماديا أو تكييف مشاعره أخلاقيا، بعد أن تضمحل ذاته في المجموع، فلا تمايز لشخصيته خارج دائرة المجموع. لكن هل حقا يمكن للفرد أن يلغي حب ذاته، ويتنازل عن مصالحه الشخصية حينما يتطور عقله؟.

الاشتراكية العلمية، نظرية لم يحن بعد تطبيقها، وليس ثمة واقع  نحتكم له في تقييمها، فيبقى النقاش نظريا حول مصداقيتها مرهونا بنقد الأسس الفلسفية التي قامت عليها. على العكس من الاشتراكية التي يمكن تطبيق مقاييس النجاح والفشل عليها، من خلال تجربة الحكومات الاشتراكية في عدد من دول الاتحاد السوفيتي سابقا.

الاشتراكية  نظام سياسي - اقتصادي، اجتماعي في إطار فكري -أخلاقي، تتولى الطبقة العاملة (البروليتاريا) مقاليد الحكم، بعد الإطاحة بالرأسمالية. والاشتراكية مرحلة فرضتها ضرورة تعذر تطبيق النظرية الماركسية القائمة على إلغاء الملكية الشخصية مطلقا، فكانت مرحلة توطئة وتمهيد، تحتكر فيه الدولة رؤوس الأموال والصناعات الثقيلة، وتسمح للشعب بقدر من الملكية الشخصية والتفاوت في الأجور والتشجيعات. لكنها فشلت في تحقيق أهدافها، وتم التراجع عن النظام الاشتراكي، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، رغم القبضة الحديدية للسلطة في هذه الدولة، لأنها اصطدمت بواقع الطبيعة البشرية، والنوازع الفطرية عند الإنسان كحب الذات، وحب مصالحه الشخصية التي هي جزء من كينونته، يطمح لتحقيقها بكل الوسائل ما لم تكن هناك كوابح أخلاقية وقانونية. ويبقى تنازله عنها مرهونا لمبادئه الأخلاقية والإنسانية والدينية. وهنا يأتي دور الإغراءات المادية والتشجيعات التنافسية، وأيضا هنا محل اختبار الأخلاق والميتافيزيقيا في ترويض جشع الفرد وطمعه والتنازل عن بعض حقوقه لصالح الآخرين أو المجموع.

فحب الإنسان لذاته، وحرصه على مصالحه الشخصية، وعدم قناعته بتضحيات مجانية،  شكل تحديا أجبر الاشتراكية على التراجع وإعادة النظر في مباني النظرية الماركسية وأسسها الفلسفية. إن قيم الخير كنكران الذات والتضحية لأجل الأخرين قيم إنسانية يتوقف عليها توازن المجتمع، غير أن طريقة معالجتها يتطلب رؤية فلسفية أخرى تضفي معنى لتضحيات الإنسان، تحول دون تكاسله واتكاليته.

فالاشتراكية لم تنجح في تحقيق واقع اجتماعي مثالي يؤهلها للانتقال إلى مرحلة الشيوعية، بل لم تستطع القضاء على الفساد المالي والاداري، وأخفقت في تشجيع العامل على العمل بدوافع ذاتية، خارج منظومة القيم البشرية، القائمة على حب الذات، من خلال التنافس، رغم أن الاشتراكية سمحت بتفاوت الأجور لخلق أجواء تنافسية تشجع على المثابرة والعمل والانتاج، لكنها لم تحقق ما كانت تصبو له.

إن مستقبل بلداننا لا يتوقف على تطبيق الاشتراكية، ولا حاجة لإلغاء الملكية الشخصية مع وفرة خيرات هذه البلدان، وكل ما نحتاجه عدالة اجتماعية، تحد من احتكار السلطة وتراكم الثروات بيد مجموعة من الناس، وتتبنى ضمان الشعب على  جميع المستويات، كما هو المعمول به في الأنظمة الغربية حاليا. إن أحد أهداف المرحلة الاشتراكية كبح التفاوت الطبقي تمهيدا لإلغائه في مرحلة لاحقة، وهذا لا ضرورة له في بلد مثل العراق. ويكفي معالجة التفاوت الطبقي فيه من خلال فرض ضرائب تصاعدية على رؤوس الأموال، ومكافحة الفساد ورعاية الطبقة الفقيرة في المجتمع، مع إشاعة قيم الخير والعطاء الإنساني.

وأيضا سيكون الرهان خاسرا على الاشتراكية العلمية، بعد فشل التجربة الاشتراكية التي هي مرحلة تمهيدية لقيامها، بل وعدم تحقق أيا من رهاناتها ونبوءاتها وحتمياتها، فلم تنهر الرأسمالية بل تطورت بشكل لافت، بينما انهارت الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، ولم تقد البروليتاريا العالم بل قادت العالم حكومات رأسمالية. ولم يحدث أي تطور مادي في عقل الإنسان يؤهله للمرحلة النهائية، كشرط لنجاح الماركسية التي تراهن على تطور دماغ الإنسان تطورا ماديا، يفضي إلى إندثار حب الذات، في إطار قيم الجماعة، فيتلاشى الفرد داخل المجموع. فمشكلة النظرية الماركسية في مقدماتها الفلسفية ورهاناتها حتى بالنسبة لبعض قوانين الديالكتيك. فرهان التطور المادي للدماغ مثلا ينسفه التطور الهائل الذي طرأ على العالم علميا خلال القرون الأربعة الأخيرة، حيث لم يرصد العلماء تطورا ماديا ملحوظا فيه، رغم تطور العلوم، ونظام القيم ومناهج التفكير، بل أن تطور أجهزة الكامبيوتر خلال الخمسين سنة الماضية كانت قفزة علمية مذهلة، كشفت عن طبيعة أخرى لتوالد المعرفة، تقوم على أساس تراكم المعلومات في تطور المعرفة، بقطع النظر عن سعة الأجهزة ماديا، وأدل دليل الأجهزة اللوحية الحديثة التي تضاءلت فيها المادة قياسا لقدراتها الهائلة. بل الأدهى أن عمل الكمبيوتر عبارة عن دوائر كهربائية بسيطة (0 - 1)، ليس أكثر، فجهاز الكمبيوتر لا يتمتع بعقل كعقل الإنسان، بل يشتمل على ملاين الدوائر الكهربائية، لكنه مدهش في عطائه، عبر تراكم المعلومات، التي تعمل ضمن برامج خاصة، هو الآخر تم تنظيمه وفقا لتراكم المعلومات. فعمل العقل داخل فضاء المعلومات عمل إدراكي، يتطور مع كل عملية إركيولوجية داخل طبقات النصوص وتراكم المعلومات، وليست هناك معرفة خارج تراكماتها، بما في ذلك الخيال، فهو جزء من حركة العقل داخل فضاء المعلومات، وكتلها المعرفية، وكيفية إدراك الفرد لها وطريقة توظيفها. ثم أن المعرفة في تراكم مستمر من خلال المشاهدة، والإدراك، والتجربة، والخيال، والتصور المفاهيمي ضمن عملية تركيب النسق المعرفي. لهذا يحتاج المرء دائما لتراكم معرفي معلوماتي لتطوير قابلياته الفكرية والثقافية والابداعية.

وبالتالي تبقى الماركسية نظرية محترمة، ويبقى الجدل حولها نظريا من خلال محاكمة أسسها الفلسفية، وصحة مبادئها في المادية التاريخية، والمادية الديالكتيكية، ومدى صدقية قوانين الديالكتيك خارج حدود الطبيعة، ومدى صدقية تعميمها على عقل الإنسان والمجتمع. وإلا فلا يوجد واقع عملي يمثلها لنقدها وتحديد نجاحاتها وإخفاقاتها، وكل ما موجود نظرية ورؤية فلسفية.

إن ما تمر به بلداننا لا يطيق رهانات الاشتراكية العلمية بعد اخفاقات النظام الاشتراكي الماركسي، ووجود أنظمة حديثة قائمة تتحدى في نموذجيتها. بل وفقا للنموذج الحضاري القائم أن خلل النظام الاجتماعي لا ينحصر بالتفاوت الاجتماعي، إذا لم يكن ضروريا لتطور البلد اقتصاديا، وهناك عوامل متشابكة ترتبط بالفرد والنظام، والثروات، والثقافة، وتطور العلوم، وغير ذلك.

 

وأما بالنسبة للحركات الاشتراكية عبر التاريخ، كما جاء في السؤال، فلا يصدق عليها مصطلح الاشتراكية إلا بحدود شعاراتها التي تدافع فيها عن حقوق المظلومين، ومحاربة الفساد واحتكار الحكام للسلطة والثروات. فهي ثورة أو تحرك شعبي ضد الظلم لصالح المحرومين، يفتقر أغلبها إلى رؤية فلسفية – سياسية للمجتمع والدولة ونظام الحكم، فلم تحدث تغييرا جذريا في أنظمة الحكم التي قادتها تاريخيا، وتلاشت بمرور السنين. وهذه الحركات، بعضها كان عفويا بلا تخطيط، انفجرت تحت ضغط الفقر والحرمان، وأخرى انساقت مع السياسة وخداعها، خاصة الثورات التي رفعت شعارات براقة، حيث التف حولها الناس على أمل حصول تغيير حقيقي لصالح المحرومين، لكنها لم تجنِ سوى خيباتها بعد تهافت الشعارات حينما اصطدمت بمصالح السلطة العليا.

فهذه النماذج الثورية لا تنفع لمكافحة الفساد وترهل السلطة في بلادنا، فلكل ثورة تاريخية ظروفها، وخصائصها، ولا يمكن تجريدها من تاريخيتها، فاستدعاء أي نموذج تاريخي، يتطلب استخدام العنف ضد حكومة منتخبة، وهذا مرفوض دستوريا وأخلاقيا ما دامت أداة التغيير متاحة للشعب. بينما جميع الحركات التي تصفها بالاشتراكية تشبثت بالعنف لتحقيق أهدافها، وتمردت على القانون والسلطة المركزية، وبات هذا مرفوضا في ظل تطور المجتمعات حضاريا.

لكن يبقى جوهر هذه الثورات شعارا حيا، ويبقى الدفاع عن حقوق المظلومين مطلبا إنسانيا وأخلاقيا ودينيا. ولعل إغراءات هذا الشعار وراء شعبية المد الشيوعي في العالم، حينما نادت بالغاء الملكية الشخصية، لصالح الطبقة المسحوقة. فهو تأييد غير واعٍ، تهاوى بانهيار حكومات دول الاتحاد السوفيتي. وتخلى عنه أصحابه بعد اطلاع العالم الشيوعي على تجربة الغرب في نظامه الاجتماعي، حتى بات نموذجا يتحدى، ويطمح له الجميع.

لست ضد الدفاع عن حقوق الفقراء والمحرومين، بل هي جزء لا يتجزأ من مشاعري ومشاريعي، وأطمح إلى صيغ حضارية تضع معالجات ناجحة لأمد بعيد، وتحفظ توازن الفرد والمجتمع، أما الحركات العشوائية فمرفوضة مهما كانت شعاراتها، فالفوضى لا تنتج سوى فوضى وخراب، وضياع حقوق من ثاروا قبل غيرهم.

 

وأما سؤالك عن الحراك الجماهيري الذي يشارك فيه اليسار الديمقراطي العراقي، فمن حيث المبدأ العراق بحاجة إلى حركة وطنية تتبنى اطروحة المجتمع المدني، مجتمع المؤسسات. تدافع عن حقوق الشعب، تكافح الفساد، لكن الأهم أن تكون قادرة على طرح مشروع متكامل.

حاليا لا يمكن تقييم تجربة التيار الديمقراطي ما لم يخض تجربة الحكم فعلا. أما من خلال نشاطه خلال هذه الفترة، منذ تأسيسه، فهناك تحفظات على بعض مواقف التيار، حينما يصطدم بعقائد الناس وتقاليدهم بشكل ارتجالي متسرّع. إضافة إلى وجود ملاحظات حول مرجعية التيار الفكرية. فلا يكتب لأي تيار النجاح ما لم تكن منطلقاته ومرجعياته مدروسة بعناية فائقة، تتخطى تحديات وتقاطعات وحدة القرار عند الأزمات. التيار الديمقراطي في العراق بطبيعته متعدد في مرجعياته الفكرية والعقيدية، رغم غلبة الخلفية اليسارية، وهذا لا يعزز مسيرته ما لم توضع قواسم مشتركة بين الأطراف المشاركة تستوعب الجميع ولا تنفرد به جهة دون أخرى. كما ينبغي للتيار أن يأخذ بنظر الاعتبار خصائص الشعب العراقي وطبيعته، فبعض المواقف جاءت عجولة غير مدروسة فاصطدمت بعقائد الناس، وهذا ليس من صالحهم سياسيا. ثم أن التيار لم يفرز قائدا ملهما للجماهير لحد الآن، ولم يحقق حضورا شعبيا واسعا يؤهله كتيار له ثقل شعبي ينافس الآخرين. وهذه نقاط ضعف كبيرة، يجب معالجتها.

كم أتمنى أن يكون لدينا تيار يراقب ويحاسب وينقد ويسدد، يساهم في خلق وعي جماهيري، يساهم في بناء البلد على أسس قويمة، ويمهد لقيام مجتمع مدني، بعيدا عن الطموحات السياسية. لأن السياسة تفرض شروطها، وهي تقديم المصالح على المبادئ، فتستغل حركة التيار الوطني لصالح مجموعة من السياسيين. فنخسر مصداقيته.

ربما أراد السؤال من خلال الأمثلة التي ذكرها التأكيد على الاتجاه اليساري والاشتراكي في معالجة الوضع الراهن في العراق، فتكون الاشتراكية حلا حينما تحجّم أو تنهي التفاوت الطبقي. مما يعكس تبني الأستاذ القدير الفكر الماركسي الذي يعتبر التفاوت الطبقي أساس الحرمان والفساد. فتأتي الاشتراكية العلمية لتوفر لنا مجتمعا خالٍ من التفاوت الطبقي، الذي هو سبب التناقضات، التي ستختفي باختفائه، وتذوب الملكية الفردية في الملكية العامة. وكما تقدم تبقى هذه مجرد نظرية، وقد اصطدمت الاشتراكية، المرحلة الممهدة لها، بواقع الإنسان ونزعاته البشرية في حب الذات وعدم التخلي عن مصالحه إلا بوازع أخلاقي وديني، لكن الشيوعية أقصت الميتافيزيقيا التي تضفي معنى للتضحيات، مثلها مثل الضمير الحي إن لم تكن أقوى، بفعل الإيمان بوجود عالم آخر يثاب فيه المرء عن أعماله الحسنة وتضحياته الإنسانية.

أما وجهة نظري، فنحن بحاجة إلى عدالة اجتماعية، تمنح كل ذي حق حقه، تراعي الطبيعة البشرية وتوظفها من أجل خلق تنافس شريف، وتطور اجتماعي يصب في مصلحة الشعب والوطن. وأما التفاوت الطبقي فيمكن معالجته بفرض ضرائب تصاعدية على رؤوس الأموال الكبيرة، وسن قوانين رعاية اجتماعية لحفظ توازن المجتمع، كما هو المعمول به حاليا في الدول الرأسمالية ذات الضمان الاجتماعي، من أجل خلق توازن داخل المجتمع الواحد. ولا يمكننا إلغاء النوازع الذاتية عند الإنسان، فينبغي تقديم حلول لتهذيبها، لا قمع نوازعها الفطرية .

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi4abduljabar noriخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ عبد الجبار نوري.

 

س43: عبد الجبار نوري: كاتب وباحث / السويد: كيف حصلت على وسام (الكاريزما) في محبة الجميع وأنت تدير أكبر مؤسسة ثقافية أدبية علمية تحوي خزينا من المتطلبات المشروعة وأحيانا غير مبررة؟.

- وكيف تتحمل أعباء تلك التحديات والتجاوزات لهذا الموقع الألكتروني وأنت تعاني من وخز جسدي مزمن كما نعلم؟

- من هم العاملون المتطوعون الذين يقفون معك في هذا العمل المضني؟.

ج43: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الباحث والكاتب القدير عبد الجبار نوري، وشكرا لمشاركته القيمة في الحوار، ولمشاعره النبيلة التي أخجلت حروفي، فتبعثرت ألحاني، لا أدري بماذا أجيب!!.

يسعدني جدا رضاكم، خاصة الطبقة المثقفة التي تعي ما تقول، لموضوعية مقاييسها غالبا، رغم أن رضا الناس غاية لا تدرك. فشكرا لوسام (الكاريزما) في محبة الجميع، إنها شهادة ووسام سأفتخر به دائما من مثقف وكاتب وباحث جدير. وأتمنى أن أكون مصداقا حقيقيا لشهادته. محبة الجميع كنز ثمين، يعطي لعملك معنى، وقيمة، ودينامية تجعلك تواصل مسيرتك بثقة وحيوية أكبر. وأقصد بالمحبة ما هو أوسع من اختلاف وجهات النظر التي هي أمر طبيعي، فأنا أحب الأصدقاء رغم اختلاف وجهات النظر، وتقاطع الآراء.

أَنْ يُحبك الناس، دليل تفاعلهم الإيجابي مع طروحاتك ومشاريعك بقناعة عالية، وقد يتوسمون في رأيك أفقا جديدا لآمالهم ومستقبلهم. أو يجدون فيها صدى الحقيقة التي غيّبها الجهل وزيف المعتقدات الخاطئة. ولا يخفى ما يلازم هذا الحب من انطباع إيجابي عن إنسانية الإنسان وخُلقه وأسلوب تعامله. من هنا أعتقد أن حب الناس وسام يدعو للفخر والاعتزاز، فشكرا لكل من أحبني، فقد أدمنت حبهم حتى غدا يمازج دمي ومشاعري، أتلمّس ما هو مضيء فيهم، لأهتدي به في تقويم سلوكي، وأفكاري، وانطباعاتي.

أحيانا يود صاحب المشروع أن يعرف صدى مشروعه في نفوس الآخرين. فشكرا لباقات المشاعر التي أغدقتها على أخيك وسلاما لقلبك المفعم بالود والصدق، وأتمنى أن أكون مصدرا لسعادة الآخرين، فمنتهى السعادة أن تكون سببا لسعادتهم.

مبدئي في الحياة وفي عملي: إن الاحترام سيد العلاقة، وحق الآخر أن تحترم رأيه، وتدافع عن حقه رغم اختلاف وجهات النظر، ويمكن للتسامح أن يجمعنا ويقرّب مشاعرنا. هذه السياسة في علاقاتي كانت ومازالت ناجحة ومثمرة، وترى بعينك حجم التنوّع الفكري والثقافي والعقيدي على صفحات المثقف، فهو يعكس صفة حضارية يتسم بها كتّابنا وقرّاؤنا من السيدات والسادة، فتجد حقل التعليقات حقل محبة واحترام، وتبادل وجهات النظر. وهذا مدعاة للافتخار، وأنا سعيد جدا، وأتمنى أن تكون التعليقات أكثر ثراء من أجل بلورة أفكار ومفاهيم ورؤى متجددة.

لقد أفسدت الأيديولوجيات والتعصب والطائفية والفهم الخاطئ للدين العلاقات الاجتماعية، وحل الحقد والتنابذ بدلا من الحب والتسامح. فالمثقف مدعو للتجرد وعدم اسقاط قناعاته الفكرية والعقيدة على علاقته الاجتماعية، والبحث عن مساحة مشتركة للتفاهم من أجل عيش مشترك، يضمن للجميع كامل حقوقهم بأمن وأمان. كم هو مؤلم أن ينحدر المثقف إلى مستوى متخلف على صفحات التواصل الاجتماعي بفعل صراع الإيديولوجيات الدينية والمذهبية والقومية. لكن المثقف كصحيفة ما دامت تحتفظ باحترام الجميع، ما دامت العلاقة قائمة بين أفراد الأسرة الواحدة على الاحترام المتبادل. وهذا لا ينفي اختلاف وجهات النظر، بل أجمل ما في الحوارات اختلاف الآراء حول قضية ما.

كما أشكر شهادتك بحق مؤسسة المثقف كمشروع ثقافي طموح، حينما وصفته: بـ(أكبر مؤسسة ثقافية أدبية علمية). فهي وسام من كاتب وباحث جدير رافق المثقف منذ سنوات ورفدها بتنوع نتاجاته القيمة. بالفعل المثقف كمؤسسة خطت خطوات كبيرة وأثبتت جدارة على الساحة الثقافية العربية، سواء داخل أو خارج الدول العربية. وهذا بجهد كتابنا من السيدات والسادة، خاصة إصدارات المثقف، فربما المثقف المؤسسة الوحيدة أونلاين استطاعت أن تصدر مجموعة كبيرة من الكتب الأدبية والفكرية والثقافية، وما زال عطاؤها مستمرا، وأول من فتح باب حوار مفتوح ثم قلدته مواقع أخرى، وهكذا باقي الأبواب والنشاطات.

أما عن اشتمال المثقف على خزين من المتطلبات المشروعة وأحيانا غير مبررة، كما عبرت في سؤالك، فهو أمر طبيعي، ولعل قوة المثقف كصحيفة حرة في اختلاف وجهات النظر واحترام الآخر. فالمثقف أعدتْ نفسها منذ تأسيسها ساحة لتلاقي مختلف الآراء، وسمحت بهامش كبير من حرية الرأي والتعبير. فخزينها المعرفي تراكم لمنجزات طيف واسع من المفكرين والمثقفين والأدباء والكتاب، وهو جهد كبير وقيّم، حافظنا عليه بعناء وتعب حتى بات ثروة على مستوى المؤسسات الثقافية والفكرية، تجد ذلك واضحا من خلال إرجاعات الكتاب والمؤلفين في كتاباتهم ومؤلفاتهم حينما يشيرون للمثقف كمصدر توثيقي، مما يعطيها كصحيفة وآرشيف مصداقية توثيقية، وهذا مهم جدا بالنسبة لمشروعنا الذي يطغى عليه الجانب الفكري والثقافي، وفي جميع المجالات. لا تنس الجهود المخلصة وراء الحفاظ على الآرشيف، لكن رغم كل جهودنا أحيانا تعرض الآرشفة لمخاطر غير متوقعة. وحينما يتعرض موقعنا لأي خلل أو اختراق، فأول شيء يقلقني هو الآرشيف لأني أعرف مكانته ودوره، فأحرص عندما أتعاقد على تطوير الموقع، على ضبط عمل الآرشيف أولا.

تعرضت المثقف لأكثر من اختراق وكدنا نخسر أرشيفنا مرات عدة. لكن لا أنسى الانتكاسة الكبرى عندما خسرنا باختراق الموقع في 2009 م أرشيفا كبيرا، يمتد لـثلاث سنوات، من 2006م سنة التأسيس إلى 2009م. فكان ضربة موجعة، لم نجد لها حلا رغم كل الجهود المبذولة. ثم استأنفنا العمل بهمة الصديقات والأصدقاء الذين أحبوا المثقف ولم ينقطعوا عن التواصل معها حتى بات الآرشيف راهنا ينوء بحمله، بل ويرهقنا ماديا، مع تواضع إمكانياتنا التي هي ضريبة المشاريع المستقلة. بدأنا بآرشيف بسيط، كانت أجرة السرفر آنذاك ممكنة، أما الآن فندفع أضعافا مضاعفة شهريا من حسابنا الخاص. ولا أدري متى تنهار مقاومة هذا الضغط المادي؟ لكنني واثق بإذنه تعالى أن المثقف سيواصل مشروعه، معي أو مع غيري. فالمشاريع ليست شخصا بل هي تراكم خبرات ومنجزات مشتركة. لذا في جميع المناسبات أنوّه بجميع الكتّاب لأنهم رأس مال مشروع المثقف، بهم نجحت مشاريعه، وبهم يستمر ويواصل طريقه. لكن تواضع الإمكانيات تبقى تحديا خطيرا يهدد المشاريع الشخصية، خاصة حينما تتطور وتتسع مهامها، من هنا فقط يبدو القلق مشروعا، ويبقى حلم التطور أكثر هاجسا.

 

أما قولك: (وكيف تتحمل أعباء تلك التحديات والتجاوزات لهذا الموقع الألكتروني وأنت تعاني من وخز جسدي مزمن كما نعلم؟)..

أعباء الصحيفة والمؤسسة ليست بقليلة، وتارة تحتاج لجهد استثنائي، فهناك قائمة متابعات غير منظورة، وهي كثيرة في تفاصيلها، وتحتاج لوقت طويل على حساب راحتي ووقتي ومشاريعي الخاصة. غير أن قناعتي بالمشروع تدفعني لمواصلة العمل رغم كل الظروف والتحديات. أجد الوقت قصيرا، ومهامنا كبيرة، وتحديات الحياة لا تنتهي.

 كانت أشد فترة حرجة مرت خلال عملي في المثقف في 11 عاما، عندما كنت أرقد في المستشفى 3 أيام إسبوعيا، لخمس سنوات بمعدل 5 ساعات تحت جهاز الغسل الكلوي، ثم أعود مرهقا متعبا، لا أفيق إلا في اليوم الثاني مهموما بمتاعب يوم غد، فشكرا لكل الأصدقاء والصديقات الذين وقفوا معي في محنتي الصحية، حتى واصلت المثقف بجهودهم المباركة عملها ونشاطها اليومي. ولا أتذكر أنها توقفت لهذا السبب. وربما هذا هو الوخز الصحي الذي أشرت له في سؤالك الكريم.

لكن الحمد لله قبل أكثر من سنة امتدت يد الرحمة لتنتشلني من عذاب الغسل الكلوي، بعد عملية زرع كلية، تكللت بالنجاح، أسأل الله تعالى أن تستمر في عملها، وإلا فالعودة للغسل الكلوي أشد من الموت، مع تقدم العمر، وتداعيات الصحة العامة الملازمة له. إن محنة الفشل الكلوي، والعجز الكلوي شبه التام محنة كبيرة لا يعرف عنها الناس إلا القليل، لقد عايشت مختلف المرضى من رجال ونساء، وبمختلف الأعمار، كان الانهيار واضطراب الضغط، وعدم ضبط مستوى الماء والملوحة في الدم صفات ملازمة لهؤلاء المرضى، لكن ما يخفف الألم مستوى الخدمات المفعمة بإنسانية عالية من قبل الممرضين والممرضات، ومستوى النظافة، حتى لم تسجل أي حادثة تلوث في المستشفى على الإطلاق، إضافة للمتابعة الطبية المستمرة، كل هذا يخفف من أعباء المرض، ويمنحهم آملا في الشفاء.

كنت أضطر للعمل على جهاز الكمبيوتر وأنا على سرير المرض ويدي مربوطة لجهاز الغسل الكلوي، حتى أرهق من العمل بإصبع واحد مع انخفاض الضغط وانهيار القوى الجسدية، لكني مضطر لمواصلة عملي، خاصة عندما نحتاج لجهود إضافية، حيث اتسمت تلك الفترة بالذات بخصوبة مشاريع المثقف، على مستوى الملفات، والاستطلاعات، والجوائر والاصدارات، والنقد الأدبي، ومختلف أبواب الحوارات، والجدل السياسي، وباقي الأبواب. فالعمل كان يضغط من أجل مواصلة المثقف نشاطها على جميع المستويات. بل وأنجزت مجموعة من مشاريعي الخاصة وبالفعل أصدرت في تلك الفترة عددا من كتبي، كما قام الأصدقاء بعدد كبير من النشاطات في أكثر من بلد.

لقد تعلمت من محنتي الصحية الصبر ومكافحة اليأس بالتفاؤل والأمل والعمل، رغم هاجس الموت الذي رافقني منذ كنت يافعا، عندما زرت ابنة عمتي التي كانت طبيبة مشرفة على غرفة الغسل الكلوي في مستشفى اليرموك في بغداد في بداية سبعينيات القرن المنصرم، وكان عدد الأجهزة 3، وهي أجهزة قديمة وغريبة في تصميمها ومتعبة، وتختلف كليا عن الأجهزة الحديثة. والمرضى هم: شاب وامرأة وطفل، لكنها صدمتني حينما سألتها عن مستقبلهم، فأخبرتني بتوقعها لموتهم، فقالت هذا سيموت بعد سنتين، وهذا سيموت بعد سنة، وهذا تبقى من عمره ستة أشهرّ!!. لم يفارقني هذا المشهد الصادم طول حياتي، حتى عشته حقيقة، فكنت أشد ما أخشى أن أصاب بفشل كلوي. لكن العلم تطور والدول الحريصة على شعوبها، تسعى جاهدة لخدمتهم من خلال أفضل الأجهزة والرعاية الصحية، مع تعاطف الناس مع مشاريع الخير هنا. فطالما أسأل نفسي لماذا لا نتمتع بثقافة التبرع لمشاريع الخير ما عدا المساجد ودور العبادة؟ عندما كنت صغيرا كنت أرقب رجلا من مدينتنا، كأنه يقطع من جسده عندما يتبرع لفقير مسكين بخمسة فلوس ويداه ترتجفان!!.

عندما ذهبت لإجراء عملية جراحية في مستشفى زراعة الكلية والأعضاء البشرية اندهشت لحداثة الأجهزة واهتمام الكادر الطبي والصحي، لكن لفت انتباهي صورة كبيرة في بداية القاطع لأحد الشخصيات. فسألت أحد الأطباء من الأصدقاء ممن زارني، قال هذه صورة الشخص الذي تبرع ببناء هذا الجناح وبجميع أجهزته الحديثة بعد شفائه من العجز كلوي!!. وكنت أشاهد المرضى كيف يتعافون بعد زراعة الأعضاء البشرية وأتذكر صديقا مات بسبب إهماله للغسل الكلوي. كما قرأت رسائل لأحد الكتاب يحدّث فيها صديقه عن ثقته العالية بأحد الصالحين الذي سيعالج كليته بلا حاجة إلى أية عملية جراحية!! ولكنه ما زال مرابطا في المستشفى منذ سنوات طويلة. هذا هو التخلف، ولا شك عندي أن الأول مات آثما حينما فرط بصحته. للأسف روح الخرافة تستوطن شعوبنا حدا تستغني عن معطيات العلوم الحديثة.

متاعب الحياة لم تنته بحصولي على كلية جديدة، فقبل عام كنت أتابع عملي ومشاريعي بنفسية محطّمة وأنا أرقب زوجتي وهي تنوء بمرضها، وتخطو سريعا نحو عالمها الأبدي، حتى إذا عرجت روحها النقية شعرت بانهيار حقيقي، تلك المرأة التي حرصت على سعادتي بمثالية منقطعة النظير، حتى كانت تحجب عني كل تفاصيل العائلة خوفا على صحتي، وتقوم بجميع الواجباب بلا كلل أو ملل، وبصبرها وحلمها تحقق ما حققته في حياتي، فكانت توفر لي كل ما يساعد على مواصلة عملي ولو على حسابها. رحلت بعد أن ملكت القلوب بأخلاقها، ودعمها سنوات طويلة لمشاريع الخير والمؤسسات التعليمية، خاصة حينما تبنت مجموعة من يتامى العراق الغارق بالمحن والعذابات، والفضل في نجاح مشاريعها ثقة الناس بها. لذا أشرت في الحلقة الأولى من هذا الحوار إلى سبب تأجيله لسنة كاملة، وكان المقرر إجراءه لمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس المثقف.

الحياة متاعب يا سيدي، فينبغي قهرها بالصبر والأمل ومواصلة مسؤولياتنا التاريخية. المثقف شخص مسكون بهمّ الاصلاح والتغيير، والعمل والتطلع إلى مستقبل أفضل، فهو ليس شخصا عاديا كي يتوقف عند متاعب الحياة.

أحيانا تنقصني العبارة حينما أصف الأصدقاء والصديقات ممن تبنى المثقف، حتى واصلت طريقها ولم تتوقف رغم كل التحديات. وهم كثيرون، أذكر أسماءهم في كل عام عندما أتوقف لمناسبة صدور المثقف. وأيضا هنا أتقدم بجزيل الشكر لكل من بذل جهدا أو ساعد المثقف بشكل مباشر أو غير مباشر كي تواصل طريقها. فالمثقف هي مجموع كتابها، وقرائها، وهي جهد مشترك، يتطلع لمستقبل أفضل.

 

س44: عبد الجبار نوري: لقد طرقت أبوابا كثيرة، فهل جربت أبواب الشعر، ونعلم أنه مرآة الروح وترجمة مختصرة في أختزال الأرهاصات السوسيولوجية الجمعية؟

ج44: ماجد الغرباوي: لدي محاولات أدبية في القصة القصيرة وقصيدة النثر أو النص المنثور، ولم أحترف الكتابة الأدبية بعد. فمجموع ما كتبته لا يجعل مني أديبا بالمعنى الاصطلاحي. هي أفكار ومشاعر تنساب فجأة، فأكتبها مدهوشا بخمرتها، أطارد ظلي وهو يتقلب في عوالم ساحرة. كانت أفكارا وتأملات انسابت ترسم ملامحها، وتعبر عن ذاتها، فاستحسنها قراؤها، وأثنى عليها أخرون، فحصدت كثيرا من التعليقات الايجابية، ولا يخلو بعضها من النقد بل حتى النقد السلبي.

بعض ما كتبت تُرجم للغات أخرى، كالإنكليزية والألمانية والفرنسية والكردية. كما صدر عدد من النصوص ضمن كتب اشتملت على نصوص أدبية مترجمة إلى اللغتين الإنكليزية والألمانية. كما في ترجمات الأستاذ الدكتور بهجت عباس إلى الألمانية، وترجمات الأستاذة الدكتورة أنعام الهاشمي إلى الأنكليزية.

كما حظيت مجموعة النصوص بقراءات نقدية، تناولتها من زوايا متعددة، وهذا شيء مفرح، خاصة عندما يكون الناقد جديرا، موضوعيا، لا يجامل، فتقف من خلالها على نقاط قوة وضعف نصوصك، فكل قراءة هي إضافة واكتشاف يهتدي به الكاتب، وكل قراءة هي رحلة ضوء في خلجات النص ومنحنياته، فالناقد الحصيف يسلط الضوء عليها، ويقومها بأسلوبه النقدي، فتكون قراءته إضافة حقيقية للنص.

ولعل ما يبعث على الفخر وصول رسائل وتقييمات من شخصيات نقدية كبيرة، بل رموز في النقد الأدبي، حتى أشار بعضهم إلى وجود بصمة خاصة فيها. لا أحب الإفصاح عن أسمائهم. لأني لم احترف الأدب لأتفاخر بها علنا، وأرفض تصنيفي على الأدباء كي لا تختل موازين التقييم، وتحل فوضى مجانية الألقاب. لكنني أشكرهم شكرا جزيلا حينما اكتشفوا البعد الأدبي أو الإبداعي في نصوصي. الرأي النقدي يقوّم النص، يؤشر على ثغراته، يمنحه مشهدا تأويليا، تارة يتفاجأ الكاتب به فيضعه على المسار الصحيح حينما لا يكابر ويأخذه غرور الكتابة.

لدي رغبة في كتابة رواية، عن أحداث عشتها، وكنت شاهدا عليها، بعضها لم يطلع عليها غيري. لكن هل يسمح الوقت بذلك، وهو كالزئبق يفر من بين أصابعي؟. المشاريع الكتابية لا تنتهي وتبقى طموحات متروكه للزمن وكراهات الظروف الزمانية والمكانية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثانية عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على سؤال الأديب الأستاذ د. أحمد فاضل فرهود.

 

 

س42: د. أحمد فاضل فرهود، شاعر وقاص / العراق: الأستاذ الباحث والمفكر ماجد الغرباوي ... تحية كبيرة لجنابكم ولمنجزكم الفكري... وفائق الشكر لفكرة الحوار المفتوح... التواصل الغير محدد بزمن.

كما تعلمون، الآن لا يحكمنا في العراق حاكم ولا برلمان ...من يحكم هو فكرة... فكرة ولود .. لا تنتهي بنهاية عمر حاكم ما، ولا يداخلها تغيير من استبدال وزير أو مسؤول.. فالفكرة (التي تستمد بقاءها من المقدس) باقية بقاءه في عقول الناس...

السؤال :ماهي أدوات المقاومة والتجديد لدى التنويريين لمجابهة الفكرة الحاكمة؟. 

ج42: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأخ الأستاذ الأديب د. أحمد فرهود، وشكرا لمشاركته عبر سؤال مهم وجدير بالبحث.

قبل الإجابة على السؤال، أتوقف قليلا مع مقدمته القيمة، حيث أشار الأستاذ القدير إلى دور الفكرة التي تستمد بقاءها من المقدّس في أزمة العراق، إذ قال: (من يحكم هو فكرة... فكرة ولود لا تنتهي بنهاية عمر حاكم ما، ولا يداخلها تغيير من استبدال وزير أو مسؤول). وهذا تشخيص دقيق لأسباب الأزمة وملابساتها، يؤكده عدم جدوى الحلول الفوقية، بل وتفاقمها. فتسوية الأزمة، وفقا لهذا التشخيص، تتوقف على نزع فتيل سطوة الفكرة الحاكمة، وتبديد أيديولوجيتها، التي تستمد شرعيتها وبقاءها من انتسابها للمقدس، والتخلّص من هيمنتها. ويقصد بالحاكمة أن الفكرة باتت سلطة فوقية توجه وعي الناس لا شعوريا، وما لم يتم تفكيكها، بعد نقدها وإعادة تشكيلها بشكل تخدم تطلعات الشعب في تقرير مصيره وبناء مجتمع مدني ستبقى تؤثر سلبا، وسيبقى البلد تحت رحمة منظومة أفكار وعقائد تكرّس الجهل والأمية والاستبدادين الديني والسياسي، والطائفية والاحتراب. فالانفراج على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يتوقف على تخلي الشعب عن قبلياته ويقينياته، لصالح ثقافة جديدة، تواكب التطور الحضاري، وتمهد للإصلاح سياسيا واجتماعيا بعد إصلاح العقيدة والفكر. فإشكالية الوضع العراقي في مرجعياته الفكرية التي تتجلى من خلال جميع الأزمات، فثمة فكرة مركزية حاكمة تهيمن على جميع مفاصلها. وتكمن خطورة الفكر في انتسابها للمقدّس الذي يكسبها حصانة، وتعالٍ بفعل خصوبة تأويله بشكل عام، بما يخدم الديني والسياسي حينما يوظفها لصالح أهدافه ومصالحه الشخصية. فقدسيتها تقمع روح التمرد والنقد والمراجعة، وتعمق روح الانقياد والطاعة. وقدرتها التأويلية تمنحها قابلية التمدد في شتى مناحي الحياة السياسية والاجتماعية، عبر ثقافة تستمد مقاومتها من روح المقدّس. وبالتالي فتسوية الأزمة يتوقف على تفكيكها، وإعادة تشكيلها لصالح قيم ومفاهيم تساعد على بناء مجتمع مدني. وما دامت الإشكالية فكرية، لذا جاء السؤال:

 (ماهي أدوات المقاومة والتجديد لدى التنويريين لمجابهة الفكرة الحاكمة..)؟.

إن مسؤولية المستنيرين مسؤولية تاريخية، تستدعي مشروعا تنويريا يحد من سلطة الأفكار والعقائد الحاكمة التي تكرّس الجهل والاستبداد والاستخفاف بالعقل ومعطيات العلوم، بعد نزع قدسيتها والكشف عن زيفها، وبشريتها، وتثقيف الناس على النقد والمراجعة وعدم الانقياد، تمهيدا للتخلي عن قبلياتهم وقبول منطق العقل وشروط الحداثة الشاملة. وهذا يضعنا في مواجهة منظومة فكرية –عقيدية، تختلف في مرجعيتها ونسقها المعرفي .. تحتكر الحقيقة وتفرض سلطتها بانتسابها للمقدس. فما هي أدوات المقاومة والتجديد للتخلص من سطوتها، كما جاء في السؤال؟.

أعني بالتنوير تحرير وعي الإنسان من سلطة قبلياته التي تكرّس التبعية والانقياد والتخلف الحضاري، والخروج من نفق الجهل والخرافة واللامعقول إلى نور المعرفة والعقل والعلم. فلا يصدق التنوير إلا بعقلانية شاملة وخزين معرفي نقدي، ووعي قادر على تشخيص الواقع وملابساته، وموقف شجاع من الفكرة الحاكمة لانتزاع قدسيتها، وتقويض سلطتها المعرفية من خلال النقد، والملاحقة المستمرة لكل تجلياتها، لانتشال الوعي ومن ثم ترشيده باتجاه الحقيقة. من هنا يتضح أن أدوات المقاومة والتجديد لدى التنويريين لمجابهة الفكرة الحاكمة، هو النقد والموقف الشجاع بالكلمة الصادقة، والكتاب النافع، والمقال النقدي، والفن الهادف، والمؤسسات الإعلامية والثقافية الفاعلة. وأي نشاط آخر يخدم الهدف التنويري.

لكن قبل هذا ينبغي الإرتكاز لمقياس حضاري لتحديد مدى تخلف الفكرة الحاكمة، تحاشيا لأي تعميم يضر بالهدف الأساس من وراء التنوير بشكل عام. الشخص المستنير يطمح لرقي مجتمعه حضاريا فيلاحق أسباب التخلف لمعالجتها وفقا لمبادئ إنسانية وحضارية، فيحتاج لرؤية متكاملة وأدوات فاعلة، إضافة لموقف شجاع يتحدى المألوف والمتعارف والسائد من أفكار وعقائد.

الفكرة الحاكمة تكشف عن شروط ذاتية وأخرى موضوعية ساهمت في ترسّخها حدا يصعب معه زعزعتها فضلا عن هزيمتها، خاصة حينما تستخدم أدوات وأساليب تستدرج وعي المجتمع، فينساق معها العقل الجمعي بسهولة، ومثالها الفكر الخرافي في ظل شروط اجتماعية وعلمية متواضعة. أو الفكر الديني بسطوته حينما يستغل بداءة الوعي عند الشعب، فيخضع لسلطة رجل الدين وينقاد له طوعا، على حساب حريته وكرامته أحيانا من خلال شعارات برّاقة كـ"الإسلام هو الحل"، هذا الشعار الفضفاض والمخادع الذي به تمددت الحركات التكفيرية وسفكت دماء الإبرياء، وما زالت أحزاب الإسلام السياسي تضمره، خوفا أو تكتيكا، فعاثت في الإرض فسادا . أو أية فكرة أخرى تنتسب للمقدّس كسلطة متعالية، تستمد منه شرعيتها وبقاءها، وتمارس باسمه سطوتها في احتكار الحقيقة، دون الآخرين .

لكن الأخطر من الفكرة الحاكمة حجم اليقين بها وتبنيها والدفاع عنها، مما يشكل درعا حصينا يساهم في انتشارها والذب عنها. فعلينا نقد وتمحيص هذا اليقين من خلال مرجعياته وتجلياته، ومظاهره وتداعياته، ثم التمييز بين نوعين منه، حيث ينقسم اليقين (كما ذكرت مفصلا في مقدمة الطبع الثالثة من كتابي: إشكاليات التجديد)، إلى قسمين: يقين إيجابي وآخر سلبي.

 واقصد باليقين السلبي: "ما يُعيق الفعل الحضاري من جزميات وقناعات راسخة". ويقع على الضد من اليقين الايجابي. فإيمان الفرد بوجود الخالق ويوم الحساب يعد يقينا إيجابيا مادام يعزز التقوى ويعضّد وازع الخوف، ويحول دون إرتكاب المحرمات والموبقات، ويخلق دافعا للخير والعطاء فيساهم في تنمية المجتمع حضاريا.

أما اليقين السلبي، فهو: "حزمة الجزميات والقناعات الراسخة، التي توجّه وعي الإنسان سلبا، فتضبط سلوكه وحركاته ومشاعره في إطار هذا اليقين. ومثاله البسيط إيمان الفرد بقوى خارقة، يستعين بها لتحقيق مآربه، دون سلوك الطرق العلمية والطبيعية، كتسخير الجن وتحضير الأرواح، فيتقاعس عن العمل وطلب الرزق، بانتظار أن تقوم الجن بعمل خارق تلبي من خلاله جميع طلباته. أو إيمان الشخص بقدرة الأولياء والصالحين على معالجة المرضى وقضاء الحاجات، فيكتفي بأعمال تقربه لهم بدلا من مراجعة الأطباء وسلوك الطرق الطبيعية للتكسب. فهذا اللون من الإيمان واليقين يعيق تطور المجتمع. لذا تعشعش هذه الأفكار في المجتمعات المتخلفة والشعوب البدائية، وللأسف ما زال شطر كبير من شعوبنا يعتقد بكل هذه الخرافات، بينما العالم الغربي يقفز خطوات كبير في عالم السعادة والرفاه.

إن اليقينيات في ثقافتنا تتناسل بشكل مضطرد، لا تنتهي، ولا تقف عند حد، ولعل أخطرها مجال العقيدة والفكر، حينما يعتقد الإنسان أنه على حق مطلقا وغيره على باطل مطلقا، فيضطهده. وتارة الباطل يعني الكفر، مما يسمح بتكفيره، وربما استباحة دمه كما يفعل المتطرفون التكفيريون. أو يتجسد تناسلها من خلال الطقوس والبدع التي ما انفكت تنتشر أرجاء البلاد، وتصبح لها أولوية مطلقة على الأمن، والتنمية، وأداء السلطة.

لقد أفرز لنا اليقين السلبي نمطا من السلوك، أرهق وعي الفرد والمجتمع، وصادر حريته وإرادته، وسخّر كل إمكانياته، من أجل طقوس وتقاليد مزيفة، تنتسب للدين زورا وبهتانا. بل تمادى الخطاب الطقوسي القائم على اليقين السلبي، عندما فضّل الطقس على العمل الصالح، على الضد من الخطاب القرآني (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

اليقين السلبي وراء تناسل الأفكار وترسيخ سلطتها، التي انتجت تشوهات داخل النسيج الاجتماعي، وفرضت نفسها سلطة موجهة لوعي الناس، وتحديد مسار الولاءات السياسية والاجتماعية، وساهم في ظهور مراكز قوى تستمد شرعيتها من ذات اليقين.

نعود للسؤال عن آليات مواجهة الفكرة الحاكمة حينما تتحصن بيقين سلبي. ففي هذه الحالة ليس أمام الفكر المستنير سوى:

أولا - العمل على تفكيك المرجعيات الفكرية والعقائدية للفكرة الحاكمة، ونقد مفاهيمها ومقولاتها الأساسية التي يرتكز لها النسق المعرفي. من خلال مراجعتها والكشف عن تاريخيتها وزيفها، كي يكون المتلقي على بينة بحقيقة المرجعيات التي تنتمي لها الفكرة الحاكمة. مثال ذلك نزع الهالة القدسية عن الرموز التاريخية حينما تتحول بذاتها إلى مرجعية في الموقف والقرار، من خلال الكشف عن بشريتها، وبيان أخطائها، وأخطاء وعي القداسة، عندما يلتبس الديني بالبشري، عبر نقد يغور في أعماق النصوص الدينية والتاريخية، بحثا عن الحقيقة المجردة وما يطرأ عليها تاريخيا من فهم بشري، أو ما تفرضه المصالح الآيديولوجية والسياسية. أو بيان الموقف القرآني من السلطة، كي لا ينطلي شعار الإسلام هو الحل لصالح أهداف أحزاب الإسلام السياسي، حيث أن القرآن قد أهمل عصبي الحياة، السياسة والإقتصاد رغم أهميتهما.

إن نقد المرجعيات العقيدية والفكرية يساهم بشكل فاعل في تصحيح المعرفة وانتشال الوعي، وترشيد العقل الجمعي، خاصة العقل المسكون بالغيب والتاريخ، والخرافة، والتراث والرموز التاريخية. وبالتالي نقد المرجعيات العقيدية والفكرية عمل أساس للفكر التنويري، وهذا يتطلب عدة معرفية يتمكن من خلالها نقد الخطاب الديني والتراث، وموقفا شجاعا يفضح الفكر المخادع، المتستر بالدين والقداسة، ويتحدى ما يترتب على موقفه من تداعيات سلبية. وبالتالي ما لم تكن هناك تضحيات لا يمكن التأثير في العقل الجمعي، وتبقى الجماهير خاضعة لسطوة الفكرة الحاكمة، توجه سلوكها ومشاعرها. فانتشار الفكر النقدي والمراجعات الجادة يعد أداة ماضية في مواجهة الفكرة الحاكمة حينما تكون سلبية في مسار الحضارة الإنسانية.

ثانيا: العمل على تثقيف الشعب بكل الوسائل المتاحة وزرع روح النقد والتمرد ضد الفكرة الحاكمة وغيرها من الأفكار الظلامية، التي تعيق حركة المجتمع، وتكرّس الجهل والأمية والتخلف الحضاري.

ثالثا: وضع حد لالتباس المفاهيم، من خلال التمييز بين المقدّس وغير المقدّس، والفرز بين الديني وغير الديني، كي لا تلتبس المفاهيم حدا تختفي فيه الحدود لصالح رجل الدين وسلطته اللاشرعية عندما يسود المقدس كل خطاباته وسلوكه، فتنتشر الخرافة واللامعقول على حساب العقل والإدراك. خاصة في المجتمعات المسكونة بالغيب والخرافات، حيث يتحول كل شيء إلى مقدّس على حساب كرامة الإنسان ومستقبله.

رابعا: طرح مفاهيم وترشيد أخرى، تساهم في تحديث العقل والفكر من أجل مجتمع مدني تسوده العدالة وقيم الإنسان، ويضبط حركته التسامح، والاعتراف بالآخر، كمفهوم:

- الحرية، بمعنى التحرر من سلطة العقائد والأفكار والمفاهيم التي تعيق تقدم وتطور الإنسان، وليست الحرية سلوكا ينافي قيم الإنسان ومبادئ الدين الحنيف. إضافة إلى تعميق الثقة في النفس لإكتشاف الذات، والتفكير بطريقة حرة، مع التحلي بشجاعة للإعلان عن آرائه بحرية كاملة.

- التعددية، الدينية والثقافية، كحق عام لجميع أبناء الشعب، من أجل ترسيخ قيم المساواة، والتسامح على أساس تعدد الطرق للحقيقة. فليس هناك فرقة ناجية وفرقة هالكة كما يشيع الخطاب الديني البائس على الضد من قيم الدين التي تسمح بالتعددية الدينية: لا إكراه في الدين .. لكم دينكم ولي دين. وغيرها من النصوص والآيات الكريمة.

- حقوق المرأة، في مجالات الحياة التي لا تسلب كرامتها، وحيثيتها، والتعامل معها إنسانيا، بعيدا عن أي تمييز يتسبب في اختزالها.

- تنمية الروح الوطنية والشعور بالمسؤولية تجاه الواجبات والمسؤوليات، واحترام الأنظمة والقوانين، ورفض أي سلطة خارج سلطة القانون.

- التأكيد على التداول السلمي للسلطة، من خلال الآليات الديمقراطية، واستبدال الثقافة القبلية والعنف والإرهاب بثقافة مدنية، وطنية، متحضّرة، تعتمد الأحزاب السياسية والانتخابات طريق للسلطة. والتخلي عن مراكز القوى الموازية لسلطة الدولة، مهما كانت مصادر شرعيتها، دينية أو قبلية.

خامسا: ملاحقة الاستبدادين السياسي والديني، بكل تجلياتهما، وفضح ممارساتهما، وطريقة توظيفهما للمفاهيم الملتبسة للتشويش على وعي الناس. خاصة الاستبداد الديني الذي يعد علامة فارقة في التخلف الحضاري، لأن الدين وفقا للمنطق القرآني يسلب الاستبداد شرعيته.

سادسا: القضاء على روح التسليم التي تتصف بها شعوبنا، فيكرّس التسليم الخرافة واللامعقول، والتخلي عن العقل وبهذا نخسر أهم أدوات التحديث الحضاري وهو النزعة العقلية. ولا يمكن القضاء على روح الاستسلام إلا بسريان نزعة الشك بقوة، بحيث تصبح ملكة لدى جميع أبناء الشعب.

لقد قامت حضارة الغرب على الشك، وكان بداية النهضة شكا اجتاح فضاء المعرفة ومصادرها، وزلزل جميع اليقينيات الموروثة والمكتسبة، ثم اخضعوا كل شي للتجربة والبحث. وبقى الشك يدفعهم باتجاه البحث والتنقيب عن الحقيقة، فلم يحدهم يقين مطلقا. بينما حياتنا حقل ملغّم بيقينيات لا يسمح لك المجتمع بالتشكيك بها، بل ربما يعرّضك الشك إلى القتل من قبل المتزمتين. وهي حالة مرت بها أوربا ثم تجاوزتها، بعد صراع مرير مع الكنيسة.

والغريب حتى الوقائع التاريخية لا يسمح لك عندنا مقاربتها والبحث عن حقيقتها، وإنما عليك التسليم والإيمان بها مطلقا وفقا لعقيدة العوام. وإلّا ستكون خارجا على الدين والمذهب. من هنا تجدنا نتفاخر بأشياء نجهل حقيقتها، ونخشى مقاربتها خوفا من انكشاف زيفها، فتنهار آمالنا في ضمان السعادة الأخروية، ويتزلزل يقيننا باحتكار الحقيقة.

من هذا المنطلق نحن بحاجة ماسة لمراجعة ثوابتنا ومقولاتنا وتراثنا وفكرنا وثقافتنا، بحثا عن مصادر قوتها وتشخيص نقاط ضعفها. ومطالبون بتجديد رؤيتنا للحياة والموت والآخرة، وعلاقة الإنسان بما حوله. والعودة إلى مصادر وعينا وتفكيرنا، في ضوء الواقع، وتحكيم العقل في قراءة التراث ومصادره.

سادسا: الحد من سلطة التراث، واعتباره تجربة تاريخية بشرية، وعدم تجريده من تاريخيته أو بشريته، والأخذ بنظر الاعتبار ظروفه الزمانية والمكانية المغايرة لظروفنا من جميع الجهات، فلا يصح استفتاء الموتى حول قضايا تخصنا، ومن الخطأ اللجوء لهم في معرفة حاضرنا ومستقبلنا، والكف عن فرض أحكام جرت وفق شروط تختلف عن شروطنا. للأسف تجد التراث اليوم حاكما على عقلية الناس، يسترشدون به ويفترضونه سلطة فوقية مقدسة. ولا قدسية لتراث بشري، بل هي معارف تاريخية. إن لجوء الناس للتراث على حساب العقل يعد كارثة حضارية، فالعلوم تطورت تطورا هائلا، وباتت أسباب الظواهر معروفة ومشخصة، والتراث وليد بيئته ومرحلته التاريخية، فكان يهتدي بالغيب كمصدر وحيد للمعرفة، مع قدسية معارفه. لكن الأمر قد تغير بعد معطيات العلوم والكشوفات المعرفية الهائلة، وبات للعقل مركزيته حتى في فهم الدين.

سابعا - إعادة فهم الدين من مصدره الأساس لبيان حدوده، ومدى علاقته بالسياسة والاقتصاد والسلطة والحكم. ومعرفة مدى شرعية سلطة رجل الدين الذي راح يفرض ولايته وقيمومته على الشعب والقانون باسم الدين. فنقد المباني التي تقوم عليها ولاية رجل الدين يمهد لرؤية جديدة للدين، ويضع رجل الدين في نصابه الديني، بعد الحد من تمدده وسلطته، كما ستكون المفاهيم الدينية واضحة، تأبى الاستغلال أو توظيفها لمصالحه الشخصية أو الآيديولوجية.

ثامنا: الكف عن أدلجة الدين، وتفعيل البعد الثوري فيه، واسقاط أحداث الماضي على الحاضر، ومعاقبة الحاضر بجريرة الماضي، (ولا تزر وازرة وزر أخرى). وهذا يتطلب إعادة النظر في طريقة إحياء المناسبات الدينية والتاريخية، وما يصاحبها من شعارات، وخطابات ثقافية ودينية وسياسية. فطريقة إحياء المناسبات وما يرافقها يؤثر لا شعوريا في وعي الفرد، ونظرته للحياة والمستقبل.

بهذا يمكن زعزعة الفكرة الحاكمة وخلخلة أسسها، بعد تعرية قدسيتها، لنضع حدا لسلطتها في توجيه الوعي، وتحديد مساراته، التي طالما تأتي لصالح الخرافة واللامعقول وتكريس سلطة رجل الدين ورجل السياسة وشيخ العشيرة، على الضد من التطور الحضاري.

إن روح الانقياد لدى الفرد العراقي تثير الدهشة والاستغراب، فيبالغ في تقديس قيادة رجل الدين أو العشيرة أو السياسة، عندما يواجه نقدا يطيح بشرعيتها. فيهرب من النقد للتقديس لحماية مرجعياته، لذا يعد العقل الجمعي السلبي معضلة حقيقية تواجه البلد حضاريا. فنقد روح الانقياد لدى الشعب مهمة أساسية للمتنورين، شريطة التوفر على بدائل تكسب رهان التحرر من أي سلطة فوقية. وبالتالي إذا كان النقد المعرفي كفيلا بزعزعة الفكرة الحاكمة، والأقدر على تفكيكها، بعد فضح زيفها وعدم قدسيتها، فإن نقد روح الانقياد الشرط الثاني في عملية تحرير العقل، وإعادة تشكيله بعيدا عن هالة التقديس وتزوير المفاهيم، كي يمارس دوره في إرساء قيم التسامح وبناء مجتمع مدني يلبي طموحات الشعب بعيدا عن تشظيات زيف الأفكار والعقائد المصطنعة.

ويبقى طموح المستنيرين في فرض مناهج دراسية تنهل من معطيات العلوم الانسانية والعلمية الحديثة، وتعتمد مناهج وطرق تدريس حديثة، تمكّن الطالب من محاكمة الأفكار والمفاهيم، وتغليب لغة العقل، مع ممارسة النقد والمراجعة. بهذا يمكن خلق نشئ جديد يتحمل مسؤولية النهضة الحضارية. فالأفكار بحاجة إلى بيئة سليمة، تنمو وتزدهر في أجوائها، فالمؤسسات التعليمية، والأكاديميات العلمية تشجع على تفعيلها، وتنشيطها على جميع المستويات.

وما أجده ضرورة عاجلة الآن تكوين تيار وعي، تتضافر فيه جهود المستنيرين، يفرض وجوده داخل المجتمع العراقي، من خلال وسائل الإعلام المتاحة. تيار يتحلى بالشجاعة والالتزام، يتولى نشر ثقافة العقلانية الشاملة في جميع مناحي الحياة.

وأجد في الفنون وسيلة مؤثّرة، حيث استطاعت أوربا من خلال الفن والمسرح، وما تلاها من أدوات كالسينما والمذياع والتلفاز تفجير ثورة فكرية – ثقافية، ساهمت في بناء حضارتهم.

يكفي معالجة هموم الناس معالجة فوقية أو الإكتفاء باستعراضها، وينبغي توظيف وسائل الاتصال الحديثة، خاصة التمثيلية والمسرحية، لضخ ثقافة تشخّص أسباب التخلف والفساد والانحطاط والتبعية. فربما لقطة تلفزيونية تؤثر في الجمهور أكثر من تأثير أي خطيب أو كتاب. أو شعار ترسمه بطريقة فنية يفعل بالوعي بشكل مؤثر وإيجابي.

يجب الاستفادة من المناهج العلمية المختصة بالدعاية والتربية والتعليم لمعرفة الطرق الناجحة في مهمة التنوير.

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7boutheina bouguerraخاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على سؤالي الأستاذة المحامية بثينة بوقرة.

 

 

س40: بثينة بوقرة: محامية وطالبة دكتوراه / تونس: تحية وتقدير للأستاذ ماجد الغرباوي. لقد قرأت كتابك إشكاليات التجديد، كما اطلعت على الحوار الذي أجرته معك الأستاذة هيام الفرشيشي، وهما ممتعان، لكن أسأل:

لقد تكلمت عن نقد الذات العربية في جميع تجلياتها وتمظهراتها (العقيدة، الثقافة، السياسة، الفكر، العقل، المجتمع، الأسرة ...).

- فهل ترى لخلق مجتمع متسامح هدم كل ما يمثل هويتنا وكينونتنا؟

- ألا ترى أن حل الهدم والزعزعة ضرب من الطوباوية ومن الحلم؟

- أليس من الأجدر التسامح مع ماضينا ومع ذواتنا حتى نتمكن من خلق أرضية للتسامح في المستقبل؟.

ج40: ماجد الغرباوي: شكرا للأستاذة القديرة بثينة بوقرة مشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها القيمة، التي ارتكزت فيها على ما جاء في كتاب إشكاليات التجديد في طبعته الثالثة، وحوار قديم مع الأستاذة الأديبة هيام الفرشيشي. قلت هناك: (عندما تعي الذات العربية سر تخلفها ستضع التسامح في سلم أولوياتها. لأن تعدد الثقافات أمر طبيعي، فتارة تتصارع وأخرى تتحاور أو تتكامل، والثقافة القوية في أنساقها المعرفية تؤثر بالثقافة الضعيفة. فهناك ثقافة فاعلة قادرة على  التأثير وأخرى منهزمة. والأولى لا تؤثر ما لم تكن للثانية قابلية على التأثر. فمهما تكن الثقافة المقابلة قوية وفاعلة، إلا أنها ستنهزم أمامي عندما أكون متماسكا، قويا وفاعلا.). فربما هذه العبارة بالذات أساس السؤال، وهي جزء من إجابة على سؤال للأستاذة هيام الفرشيشي ضمن حوار أجرته معي لصالح صحيفة الحرية التونسية.

ينبغي أن نعرف أولا أن النقد لا يعني الهدم، بل يعني المراجعة والتقويم، للتأكد من صلاحية الأسس والثوابت والمقولات والمفاهيم التي شكلت نسقنا المعرفي ومدى قدرتها على التفاعل الإيجابي والعطاء. وما لم يتم نقدها ومراجعتها وفق منهج حفري، إريكيولوجي، يغور في أخاديدها وأعماقها لا يمكننا مغادرة خندق التخلف. وسنبقى ندور في حلقة مفرغة. فالنقد الفوقي لا ينفع، مع تجذّر قيم ومفاهيم أفضت إلى استباحة دماء الأبرياء، وقتل الآخر المختلف دينيا بل ومذهبيا، وعطّلت عجلة النهوض الحضاري.

هناك ثقافة تراكمت عبر سنين، تستبطن الإقصاء والتنابذ والعنف، ثقافة قابعة في أعماقنا، تتجلى عبر سلوكنا ومشاعرنا ومواقفنا، فعلينا تقصي مداراتها وصولا إلى نشأتها وكيفة تشكّلها لنقدها وتفكيكها، كي لا تؤثر سلبا فنخسر أنفسنا. هذه الثقافة هي مقولات ومفاهيم نشأت في ظرف معين وظلت تؤثر لا شعوريا، فعلينا استدعاؤها، ونقدها نقدا علميا لنبذ ما يعرقل نهضتنا والإبقاء على ما هو حيوي فاعل يدفعا باتجاه التقدم الحضاري. قد تكون هذه المفاهيم ذات جذر ديني، أو خرافي أو طائفي أو اجتماعي متأثر بظرفه الزماني والمكاني، أو غيرها. فالنقد مبدأ أساس لأي نهضة تروم التقدم والتطور حضاريا، وهذا ما فعلته أوربا في عصر النهضة بعد سريان الشك لكل اليقينيات والثوابت.

نعود للسؤال: فهل ترى لخلق مجتمع متسامح هدم كل ما يمثل هويتنا وكينونتنا؟ .

اتضح مما تقدم أن النقد لا يقوّض كل شيء. وبناء مجتمع متسامح لا يلغي مقومات هويتنا وكينونتنا، بل يعني تأسيس مفاهيم تساعد على نهضتنا، والمجتمع المتسامح هو ركيزة المجتمع المتحضر، بل لا يصدق التحضر بلا تسامح حقيقي مع الآخر المختلف، ولا يكفي التسامح الشكلي الذي يعني المنّة والكرم والفضل، لأن الثاني يفترض وجود طرف متفوق يمن بتسامحه على الطرف الآخر. فهو لا يعترف به حقيقة، وله في أعماقه صورة الخصم اللدود، فينبذه ويشعر بكراهيته، لكنه يتسامح معه تحت ضغط الظروف الاجتماعية والسياسية من أجل تهدئة المواقف والتوفر على أجواء تساعد على العيش المشترك. وهذا مكمن الخطر، لأن هذا اللون من التسامح سيتهاوى عند أول احتكاك بين الطرفين، كما حصل في العراق مثالا لا حصرا.

فينبغي التخلي عن معادلة: حق مطلق، في مقابل باطل مطلق. ليبقى كلا المفهومين نسبيا، مهما كان معدل هذه النسبة، ليشعر كل من الطرفين بأن الآخر شريك لنا بالحقيقة، ولا يوجد من يحتكرها كاملة دون الآخر. بهذا الأسلوب يمكن إرساء أسس تسامح حقيقة تمهّد لبناء مجتمع حضاري.

فمثلا يمكن من خلال فهم جديد للدين نقد كل ما يمت للدين من يقينيات راسخة في ثقافتنا حول علاقتنا بالآخر، فحينما نستبدل الفهم القديم بفهم جديد بلا شك سيؤثر في تصوراتنا وانطباعنا عن مجمل القضايا والتي منها التسامح. كما سيتيح لنا الفهم الجديد هامشا واسعا من الحرية، سواء حرية الرأي أو العقيدة. فعقوبة المرتد عن الإسلام، ستتغير عندما يقدّم الفقيه فهما متجددا لها في ضوء القرآن، الذي أكتفى بعقوبة أخروية للمرتد، وأما قتل المرتد، كما هو المتعارف لدى أغلب فقهاء المسلمين فليس له أصل قرآني، بل هي شهوة القتل والفهم المبتسر للدين دفعت فقهاء السلطان لتبريره، تقول الآية الكريمة: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ). وأيضا (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وعندما يتغير فهم الفقيه ستتغير نظرة الناس عن حرية العقيدة، وتبدأ بتقبّل المختلف عقيديا بل والتسامح والتعايش معه. فالفهم الجديد يساعد على إرساء أسس المجتمع المتسامح الذي هو ركيزة المجتمعات الحضارية. ويتيح مجالا للتعددية الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية.

وليس في هذا الكلام دعوة لنبذ الدين بل تقديم فهم جديد للدين، لأن الدين مكون أساس لمجتمعاتنا، بل ويخالط نفوس الناس، ومشاعرهم، وثقافتهم، وسلوكهم، وكل شي في الحياة، فلا يمكن نبذه أو التخلي عنه. لكن بإمكان الفقيه أن يقدّم وبسهولة فهما متجددا للدين ومقولاته، بعد التخلي عن قناعاتهم وقبلياتهم، والانفتاح على الحاضر، وضرورات الزمان والمكان، وفهم الروايات والتراث وفتاوى السلف في سياقاتها التاريخية.

وأما بالنسبة للفرع الثاني من السؤال فبلا شك إن "حل الهدم والزعزعة ضرب من الطوباوية". خاصة بالنسبة لشعوب مسكونة بالماضي والغيب، وقد ورثت ثقافة تقدّس الرموز التاريخية، وتعتبر نصوصهم مرجعيات نهائية، لسلوكهم وتصرفاتهم وفهمهم، مهما اختلفت ظروف الطرفين. فالماضي يبقى مؤثرا جدا في الحاضر، من هنا تصدق الطوباوية. فنحتاج ثقافة بديلة تقدم فهما آخر للماضي ورموزه، وتضع حدا لقياس الحاضر على الماضي، والكف عن البحث عن مثال في الماضي لفهم الحاضر. لكن رغم ذلك تبقى الصدمات الفكرية والعقيدية مؤثرة، خاصة حينما تتحرش بالموروث لزعزعة ثوابته، وتتخطى الخطوط الحمراء، وتتوغل في الممنوع، وتقترب نقديا من المقدّس، والرمز التاريخي. هذه الصدمات تزلزل منظومة الأفكار والعقائد، وتحرّض على المراجعة، مع مراعاة مستويات الوعي ومدى تحمل الناس، واستيعابهم للنقد وضروراته. لأن الحقيقة صادمة .. تخلق خصومة تصل حد النبذ والإقصاء، لكن ماذا نفعل؟ لابد من الكشف عن الحقيقة وتحطيم الستائر والأسيجة الحديدية، مهما كانت تداعياتها، ما دامت ضرورة ملحّة، يتوقف عليها الفعل الحضاري.

نحن الآن نعيش بدايات النهضة الأوربية، حيث بدأ بعض الناس يتقبل نقد المفاهيم الدينية والاجتماعية، يتقبل نقد رجل الدين، يتقبل نقد الرئيس والقائد، بدأ يتخلى عن القائد الضرورة وغيرها، لكن ما زال الطريق طويلا، وربما وسائل الاتصال الحديثة، ووعي الشعوب ستدفع باتجاه الرقي الحضاري بوتيرة أسرع.

يبقى الفرع الأخير: أليس من الأجدر التسامح مع ماضينا ومع ذواتنا حتى نتمكن من خلق أرضية للتسامح في المستقبل؟

أجد الماضي أحد أسباب أزماتنا، والماضي المقدّس بكل حمولاته ونزعاته الطائفية والعدوانية، هو ماضي السلطات الظالمة، والحروب والدماء، والصراعات الطائفية. فإذا كنت تقصدين من التصالح قبول الماضي بكل حمولته؟ فهذا قنبلة موقوتة ستتفجر مع كل احتكاك، أو صراع سياسي، لأننا شعوب ماضوية، تجد فيه القداسة والمثالية ومصدر الحقيقة، في ضوئه يرسم الإنسان حياته ومستقبله، ولا يجد مصداقيته إلا من خلال الماضي، بل أن الصراع الأول بعد وفاة الرسول ما زال ماثلا يحدد علاقاتنا الاجتماعية فكيف نتصالح معه؟.

وأما إذا كنت تقصدين من التصالح نسيان الماضي تماما رغم ما به من ويلات وانتكاسات، فهذه أمنية، كيف تتحقق والماضي يخالط دماء الناس وشعورهم، ويوجه حياتهم ومستقبلهم؟

نحن بحاجة إلى عملين في آن واحد، تفكيك الماضي ونقده نقدا صارما وفق أسس معرفية صحيحة، وفي ضوء مبادئ الدين الحنيف ومبادئ حقوق الإنسان كي نسقط قدسيته وننتزع هالته. يصاحبه تفسير صحيح للأحداث، بعيدا عن المناهج الطائفية وعلم الكلام الذي راح يشوه الخصوم، ويضفي قدسية كبيرة على نفسه. فبالنقد والتفسير الموضوعي لأحداث التاريخ يمكننا تجاوز الماضي، وتفتيت سلطته، بعد اسقاط قدسيته. ثم ننطلق صوب التقدم الحضاري بعيدا عن الماضي واسقاطاته. بمعنى أخر علينا التخلي عن هيمنة الماضي كي نبصر الحاضر على حقيقته. والعامل الثاني هو اعتماد منهج جديد في التعامل مع الآخر، مهما كانت درجة الاختلاف، من خلال غض الطرف عن أخطائه، والتسامح معه في مواقفه، والبحث عن أوجه الجمال بدلا من ملاحقة أخطائهم، وعثراتهم، والكف عن محاسبتهم. بهذا الشكل سنتسامح مع أنفسنا، ومع التاريخ والآخر، ونتوفر على أجواء نقية تساعدنا على إرساء مجتمع متسامح هو الأساس لأي مجتمع طموح حضاريا.

 

س41: بثينة بوقرة: تعرضت في كتابك إلى أهمية المواطنة في التعايش السلمي والاعتراف بالآخر داخل الوطن الواحد، لكن ماذا عن غير المواطنين ممن لا يحملون جنسية البلد، أو (المحرومون من بعض أو كل حقوقهم المدنية والسياسية)، فهل هؤلاء، بناء على نظرية المواطنة، معنيون بالتسامح وهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة؟

ج41: ماجد الغرباوي: لا شك أن بناء النظم الدستورية والقوانين المرعية في البلد على أساس المواطنة ضمان لإرساء مجتمع متسامح، يضع الجميع على قدر المساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية، خاصة الدول المتعددة قوميا أو دينيا أو مذهبيا أو جميعها. والعكس عندما يسن دستور البلد على أساس مكونات المجتمع أو طوائفه وأديانه وقومياته.

في الحالة الثانية سيتحول الدستور الى قنبلة قابلة للإنفجار لأدنى إحتكاك، ما دام هناك شعور بالظلم والحرمان بسبب انتماء الفرد القومي أو الديني. ويكون التذمر أقوى عندما يشعر الفرد بالاقصاء اجتماعيا أو سياسيا، بل لا يشعر بانتماء حقيقي للبلد، وتختفي في نفسه مشاعر الولاء له.

فالتعامل الدستوري على أساس المواطنة يعزز مشاعر الولاء الوطني، بعد إقصاء ما يعمّق التفرقة من خصوصيات. المواطنة لا تلغي الخصوصية بل تحترمها وتحميها، بينما تحطم الخصوصية أواصر الوحدة الوطنية وتقضي على مقومات القوة في البلد، حينما تسود الواقع منفردة. فالمواطنة تضمن لجميع الشعب ذات المستوى من الحريات العامة، والحقوق الدينية والمساواة في الحقوق والواجبات. وبالتالي فالأقليات تتمتع بذات الحقوق في دولة المواطنة، ولا تشعر بالاقصاء، من هنا تجد هذه الدول أكثر استقرارا وأمنا.

نأتي للسؤال: ماذا عن غير المواطنين ممن لا يحملون جنسية البلد، او (المحرومون من بعض أو كل حقوقهم المدنية والسياسية)، فهل هؤلاء، بناء على نظرية المواطنة، معنيون بالتسامح وهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة؟ ...

أما بالنسبة للقسم الأول فمن لا يحمل جنسية البلد فهو ضيف عليه، وبما أنه ضيف يجب عليه الالتزام الكامل بقوانينه كشرط أساس لاقامته فيه. ومن هذه الشروط الالتزام بجميع القوانين التي تخص التعددية الدينية والثقافية، واحترام الحريات، وعدم زعزعة النظام من خلال أي سلوك يخل بموازين التسامح. وبالتالي فهو معني بالتسامح ما دام على أرض هذا البلد. وربما هناك مثال أوضح هو الجاليات المسلمة في الغرب التي اكتسبت جنسيات تلك البلدان عليها الالتزام بجمع القوانين ولا يحق لهم المطالبة بأي حق على أساس عرقي أو ديني يصطدم مع قوانين البلد، بل هو معني بثقافة التسامح والتزام بقيمه كاحترام باقي الاديان والقوميات وعدم اثارة أية نعرات تخل بالنظام العام. وبالفعل اكتسبت هذه الجاليات روح التسامح، واحترام الآخر المختلف ثقافيا ودينيا.

والقسم الثاني، وأعني: "المحرومون من بعض أو كل حقوقهم المدنية والسياسية"، كما جاء في السؤال: هذا الافتراض غير ممكن في بلد المواطنة الذي يتساوى فيه الجميع بالحقوق والواجبات، وتتعهد القوانين بحماية الحريات المتفق عليها دستوريا. فمن أين يأتيه الحرمان كي يتمرد على منطق التسامح؟.

وإذا لم تكن الدولة دولة مواطنة فالظلم والحرمان يحرضان الناس ضد التسامح بنسب متفاوته. وقد يكون الشخص معذورا حينما يشعر بالظلم الشديد والاقصاء بسبب انتمائه الديني أو السياسي. وتبقى ردود الفعل خاضعة لثقافة الفرد ومدى شعوره تجاه بلده ومجتمعه ومستقبله. فالمثقف مثلا معني بالتسامح رغم عدم وجود ما يشجع على ثقافة التسامح، لكنها قيمة أساسية يقع التثقيف عليها ضمن مسؤولياته.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة العاشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على سؤالي الشاعرين: الأستاذ سامي العامري، والأستاذ يحيى السماوي.

 

 

samey alamriس38: سامي العامري، شاعر وكاتب - ألمانيا: سؤال موجه إلى الأستاذ الأديب الباحث الثّر ماجد الغرباوي وهو أقرب إلى الدردشة. وأقول الدردشة حتى أمتص من السؤال ما يبدو صدمة للمتعارف عليه من مفاهيم ودلالاتها. ففي واحدة من الندوات الأخيرة التي حضرها أو شارك بها الشاعر والمفكر العربي المجدد أدونيس سأله من يدير الندوة حول مفهوم التسامح، فكان جوابه مباغتاً بالنسبة لي على الأقل حيث قال:

ليست صائبة مفردة التسامح، فالتسامح يعني أني أَمُنُّ عليك فأتسامحُ مع معتقداتك وقناعاتك. والأصح أن ننادي بالمساواة! ........

إنتهى كلام أدونيس. وإذا جاز لي تقريب المعنى أكثر، المعنى الذي أراده الشاعر والمفكر هنا فهو التالي: إذا كنتُ أنا مسلماً وأنت مسيحياً وكلانا عراقي والأغلبية مسلمة فأنا حين أتسامح معك فهذا يعني أنك (وحاشاك) أدنى منزلةً مني. وأضيف ربما تطويراً أو توسعاً بفكرة أدونيس بأن التسامح قد يصحّ ولكن في حالة واحدة فقط وهي حين أكون أنا مغترباً في بلد أجنبي وأمارس طقوسي وعاداتي التي أعتز بها والتي قد تتقاطع مع تقاليد البلد الذي أعيش فيه أو حتى قد تكون على النقيض من معتقداته ومع هذا فالمجتمع الذي أعيش فيه يدعني أمارس هذه الطقوس بحرية وربما يقوم بمساعدتي في تهيئة الظروف الملائمة لممارستها!

مع التقدير والإعتذار

ج38: ماجد الغرباوي: شكرا لمشاركتك الأخ الشاعر القدير سامي العامري، وشكرا لسؤالك الحساس والمهم.

ما قاله الشاعر الكبير أدونيس حول معنى التسامح صحيح. أي كما نقلت عنه: (أني أَمُنُّ عليك فأتسامحُ مع معتقداتك وقناعاتك). هذا هو الفهم السائد عن التسامح في مجال الأديان، بل هو المعنى اللغوي للكلمة. فالتسامح عندهم تَفضّلٌ، ومنّةٌ وتكرّمٌ.. فهو يزدري عقيدتك ودينك ومذهبك في أعماقه، ويرميك بالانحراف والكفر أو الإلحاد أو الشرك، ولا يعترف بحقوقك العقيدية والفكرية لكنه يتظاهر بالتسامح معك منّة وتكرما، لضرورات سياسية واجتماعية، أو من أجل تعايش سلمي بعيدا عن التنابذ والاحتراب، أو تكون منطلقاته منطلقات دينية وأخلاقية من باب مهادنة الآخر، لكنه في جميع هذه الحالات ليس تسامحا حقيقيا، بل هو تسامح هش، سرعان ما يتفجر عند أول احتكاك بين الأديان أو المذاهب والطوائف، وشواهده كثيرة تاريخيا بل حتى راهنا قد عاصرنا بعضها، كما بالنسبة للصراع في لبنان في ثمانينات القرن المنصرم، وأفغانستان، أو ما حدث في العراق بعد سقوط النظام حيث تفجّرت الأزمة الطائفية بين المذهبين الإسلاميين، الشيعة والسنة، فتلاشى التسامح ركيزة التعايش السلمي داخل الوطن الواحد في أول احتكاك بينهما، وراحت دماء الأبرياء تتناثر في كل حدب وصوب. بل راحوا يثأرون للتاريخ، بعد استدعاء الأحداث، ومحاسبة الحاضر بجريرة الماضي.

وبالتالي فركيزة هذا اللون من التسامح رخوة، لا تقاوم الانفعالات فضلا عن الصراعات، فينهار التسامح، وتتلاشى لغة المودة والرحمة، لتحل محلها لغة التنابذ والاقصاء والتكفير، وتطغى لغة الموت على لغة الحياة.

إذاً فالدلالة اللغوية لمفهوم التسامح تستبطن المنّة والكرم، وتشير الى وجود فارق أخلاقي بين المتسامِح (بالكسر) والمتسامَح معه (بالفتح). فليس هناك مساواة بين الطرفين، بل يد عليا واهبة، ويد سفلى متلقية. وهو مقتضى المنّة والكرم دائما. وهذه هي نقطة الضعف التي أقلقت الفلاسفة والمفكرين الطامحين لمعنى آخر للتسامح، يستتب بموجبه السلم الأهلي، لذا راح المعنى الاصطلاحي للتسامح يأخذ بعدا آخر، يتضح من تاريخ تبلور هذا المفهوم ضمن بيئته الغربية. فمفهوم التسامح (toleration) ظهر في القرن 17- 18م، لتفادي تداعيات الحروب والصراعات بين المذاهب والأديان والاتجاهات الفكرية والعقيدية المختلفة التي شهدتها أوربا إبان القرون الوسطى. وأيضا من أجل التوصّل الى صيغ مناسبة تضمن حقوق الانسان وحرية الرأى والتعبير بشكل متساوٍ لجميع أفراد الشعب، وذلك بعد اقصاء سلطة الكنيسة وانهاء دور رجل الدين في الحياة السياسية. وقد مر تشكيل المفهوم بمرحلتين، الأولى كانت تنتمي الى الأصل اللغوي، بينما اكتسب المفهوم في المرحلة الثانية بعدا آخر.

 التسامح كما أفهمه وادعو له: موقف إيجابي متفهم من العقائد والأفكار، يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة بعيدا عن الاحتراب والإقصاء، على أساس شرعية الآخر المختلف دينيا وسياسيا، وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته، ما دامت الطرق إلى الحقيقة متعددة، وليس لأحد الحق في احتكارها، فيكون التسامح اعترافا حقيقيا بالآخر، لا منّة ولا تكرما، فيسود المجتمع مبدأ المواطنة في المساواة والتكافؤ في جميع الحقوق والواجبات.

كان المفهوم في بداية تشكّله يتضمن قيما أخلاقية اختيارية. فالمتسامح، وفقا لهذه الدلالة، شخص يتنازل عن حقه تكرما ومنّة على الآخرين، يقابله احترام من قبل الناس أو شعور بالمنّة والعطاء، وهي حالة نفسية إيجابية. إلا أن دلالة التسامح تطورت بفعل التنظير الفلسفي ليتحول إلى جزء من واجب تفرضه الحرية الشخصية التي يراد لها أن تكون متساوية بين الجميع. فلكل فرد حقه في الاعتقاد وحقه في التعبير عن رأيه، وليس هناك ما يبرر احتكار هذا الحق لجهة دون أخرى. فقبول الآخر، وفقا لهذا الرأي حينئذٍ، ليس منّة، وإنما واجب تفرضه الحرية الشخصية. وهو حق يرتكز أساسا إلى القول بنسبية الحقيقة وتعدد الطرق لها، التي ترى أن للحقيقة وجودا نسبيا لدى جميع الأفراد، ولا مبرر حينئذٍ لدعوى احتكارها والتفرد بها، ولا مبرر، أيضا، لاعتبار قبول الآخر والتعايش معه منّة وتكرما، أي اعتبار قبوله قيمة أخلاقية، بعد تبدد مفهوم الحقيقة المطلقة وتلاشي دعاوى احتكارها والاستئثار بها. فيكون قبول الآخر على أساس اشتراكه في وجود الحقيقة. أي تبقى الحقيقة محتملة في جميع الأطراف. وبالتالي فمن الواجب قبولك للآخر والتعايش معه. إذ مقتضى نسبية الحقيقة تفرض على كل فرد وجوب الاعتراف بحق الآخر في اختيار عقيدته وحريته في التعبير والدفاع عنها، آي ما يقع ضمن دائرة حريته الشخصية.

والجدير بالذكر أن التسامح بمعناه الاصطلاحي غريب على البيئة العربية والإسلامية، وغائب عن لغتها وانماط تفكيرها ، فهو بحاجة الى مزيد من التنظير والمواءمة، كي يتم (تبيئته) بشكل يحافظ على فاعليته وتأثيره ضمن الأنساق الثقافية والفكرية للمجتمع. وهذا لا يعني التماهي مع قيم التسامح على حساب قيم المجتمع أو بالعكس، بل يصار الى صيغ توافقية تبقي الاحتمالات مفتوحة لمراجعة جميع المفاهيم والمقولات التي تشترك في تكوين الأنساق المعرفية. أي يمكن اعادة النظر بمفهوم التسامح نفسه ومراجعة قيمنا ومفاهيمنا أيضا للتأكد من صحتها وشرعيتها. فربما سنكتشف خلال المراجعة ثمة أنساق فكرية وعقيدية لا تتمتع بأسس عقلية أو شرعية. وهي خليط من تراكمات ثقافية وموروثات تاريخية واجتهادات شخصية ومصالح استبدادية تبلورت وتحولت بمرور الأيام وبفعل التعهد والحماية المستمرة لها، إلى أنساق عقيدية ومعرفية تمارس سلطتها على العقل وتتحكم بسلوك الفرد والمجتمع.

 إذاً المراجعة فرصة جديدة لتفحص تراثنا ومعارفنا، ومحاولة جادة للوقوف على نقاط الضعف واكتشاف مراكز القوة. وبالتالي سندرك أننا أمام مفاهيم (كالتسامح والتعددية) ليست غريبة في روحها عن أصول ديننا وعقيدتنا، لكن القراءات الأحادية والفهم المتحيز للدين أقصاها لصالح قيم أخرى تخدم أهدافهم الأيدولوجية.

عندما نقدّم قراءة أخرى للنصوص المقدسة والأحكام الشرعية نجد أنفسنا أمام آفاق رحبة لتقبل القيم الإنسانية لكننا نتستر عليها لأسباب آيديولوجية وطائفية، فيتطلب الكشف عنها قدرا كبيرا من الصراحة والمكاشفة والتعرية الحقيقية للقيم السائدة والمفاهيم الحاكمة، وإلا فإن منهج التستر والمداراة والخوف والمواجهة من خلف الستار، حلول ترقيعية لا تنتهي الى نتيجة جذرية، وستعود الأمور إلى حالتها الطبيعية، أو تتخذ أشكالا جديدة بنفس القيم والمفاهيم. وبهذا الشكل ستستمر الإخفاقات الواحدة تلو الأخرى. لذا علينا اعتماد خطاب ثقافي وفكري يتناول جوهر الإشكاليات، ويتبنى نسقا جديدا من المفاهيم (كالتسامح والتعددية وحقوق الإنسان والحرية الدينية والفكرية) كي يتمكن المجتمع من تجاوز محنته، والدخول في مرحلة الحداثة الحقيقية وليست حداثة شكلية كما هو الحال لكثير من البلدان الاسلامية.

غير أن الأخطر في الأمر أن جميع المذاهب والفرق الدينية تؤمن بأنها الفرقة الوحيدة الناجية، دون غيرها، فالحق معها، والجنة قدرها، دون المذاهب والفرق الآخرى، فتتعامل مع الجميع كفرق ومذاهب ضالة، مغضوب عليها. بمعنى آخر أن الاجتهادات الشخصية انقلبت إلى فواصل تكفيرية بين المذاهب الدينية، والأمر لا يقتصر على المسلمين، بل حتى المسيحيين، يؤمنون به. فكيف يصار إلى التسامح بمعناه الاصطلاحي وهو يدعي احتكار الحقيقة، واحتكار الطريق الموصل لها؟ من هنا يأتي دور النقد ليثبت للجميع عدم وجود من يحتكر الحقيقة، ويحتكر الطريق إليها، بل أن الطريق للحقيقة متعدد، وأن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.

 

yahia alsamawiس39: يحيى السماوي: شاعر وكاتب - أستراليا: أخي الحبيب الأستاذ ماجد الغرباوي: عرفتك مفكرا إسلاميا تنويريا، دأبت على نشر ثقافة المحبة والتسامح وقبول الرأي الآخر، منطلقاً من وعيك لحقيقة أن الإسلام هو دين المحبة والتسامح وقبول الآخر تأسيسا على قاعدة أنّ الإختلاف لا يعني الخِلاف ..

سؤالي: ما رؤيتك للغد المنظور في ضوء ثقافة العنت بكل معانيه: عنت التشبث بالسلطة، عنت التمذهب، وعنت المحاصصة؟

ج39: ماجد الغرباي: مرحبا بالشاعر الرمز الأستاذ يحيى السماوي، شكرا لمشاركتك مع اعتزازي.

 هذه إحدى الإشكاليات الخطيرة التي تعصف بالعراق ومستقبله، باعتباره بلدا متنوعا دينيا ومذهبيا وقوميا. فعندما تكرّس الأطراف السياسية (عنت التشبث بالسلطة، عنت التمذهب، وعنت المحاصصة)، تضمحل مساحات الإلتقاء، بعد أن يتلاشى الشعور الوطني، ويتقدم الولاء القبلي والحزبي والطائفي على الولاء للوطن ومصالحه العليا، بل الأخطر حينما تساوم الأحزاب السياسية، من أجل ترسيخ مواقعها، على مصالح البلد والتمهيد لتدخل الدول الأجنبية، فيتشظى البلد بشكل يصعب معه التوافق بين الأطراف السياسية إلا على حساب مصالح الشعب والوطن. وهذا ما يحدث فعلا، ويكفي ما نشاهده من خراب على جميع المستويات، وما يؤكد هذا عدم الاتفاق على قوانين أساسية داخل البرلمان لتقاطعها مع مصالح الكتل والأحزاب السياسية بجميع توجهاتها الطائفية والقومية والدينية والمذهبية.

فأي مستقبل لبلد تحكمه أحزاب وطوائف لا تبالي بحاضر العراق فضلا عن مستقبله. ولا يهمها سوى مصالحها الشخصية. ولعل في الترشيح للبرلمان ما يكشف عن هذه الحقيقة. فالمرشح يتعامل مع عضوية البرلمان كوظيفة ومنصب يتمكن من خلاله تأكيد ذاته، واستغلال منصبه لتحقيق مآربه، ومصالح حزبه وطائفته. فهو يترشّح بلا هدف برلماني ولا رؤية مستقبلية، بل لا يتوفر على فهم حقيقي للبلد وتحدياته، بينما مقتضى الترشيح أن يكون للمرشح برنامج يسعى إلى تحقيقه، في ضوئه يتنافس في الانتخابات، ووفقا له يتم انتخابه. فإذا أضفنا لذلك أن أغلبهم بلا مبادئ ولا قيم تضبط سلوكهم السياسي والاجتماعي، فلماذا لا تحل الكارثة بوجود برلمان كسيح، متهافت لا يمكنه اتخاذ قرارات مصيرية لخدمة الشعب والوطن.

والبرلماني ما هو إلا فرد من بيئة ومجتمع لا يفهم سوى مصالحه الطائفية والحزبية في ظل صراع مرير بين الطوائف والمذاهب، بشكل علني وغير علني. فالجميع يبحث عن هويته، ويريد تثبيت وجوده، فينتخب على أساس الولاء لا على أساس برنامج انتخابي.

فـ (عنت التشبث بالسلطة، عنت التمذهب، وعنت المحاصصة)، هو انعكاس لواقع ثقافي، اجتماعي، سياسي، يعيشه الشعب العراقي. لذا فكل الاحتمالات بشأن البلد ممكنة، وهناك ما يساعد على تحققها خارجا.

عندما تقارن بين "عنت التشبث بالسلطة" في بلدنا بثقافة الاستقالة لدى الدول الأوربية تكتشف حجم الفارق الثقافي والشعور الوطني بين الشعبين. السياسي في العراق يستميت من أجل الكرسي مهما كانت أخطاؤه، بل ويعتقد بنفسه رجل الضرورة، لا يمكن أن تستقيم الأمور بدونه، وأن الأخطاء ليست أخطاءه بل هي تداعيات الوضع العام، بينما السياسي الغربي يعتقد أن عدم الاستقالة والاستمرار في منصبه خيانة، لأن خطأه، وهو في منصب رفيع، يضر بمصالح البلد، فيتخلى عن المنصب بكل رحابة صدر، ويفسح المجال لشخص آخر أكثر كفاءة منه.

وبالتالي فهناك مشكلة عميقة في الوعي والشعور الوطني. وهكذا الحالة بالنسبة لـ(عنت التمذهب، وعنت المحاصصة) فكلاهما يعكس واقع الثقافة ومستوى الشعور الوطني.

للأسف تجد الشعور الطائفي والقومي والمذهبي يتقدم على الشعور الوطني في حالة التزاحم، فولاء الكردي دائما لقوميته، وولاء الشيعي لمذهبه ومرجعيته الدينية، وولاء السني للسلطة، مهما كان الثمن.

أجد اليأس مبرر لدى الوطنين بسبب هذا العنت اللئيم، الذي مزق بلادنا وشظى الشعور الوطني. لكن رغم هذا اليأس ثمة أمل  في الأجيال الصاعدة، التي بدأت تتلقى ثقافة مغايرة، فربما بعد جيل أو جيلين تتلاشى أسباب التمزق، من خلال ثقافة وطنية ووعي حقيقي بالمصالح العليا للبلد.

لا يمكن الرهان على شعب يضع ولاءه للطائفة والقومية والحزب والعشيرة فوق ولائه للوطن، ويقدم مصلحته الشخصية على مصالح بلده وشعبه.

وملخّص رؤيتي لبلدي، أن العراق ستمزقه النزاعات اللاوطنية، وتعدد الانقسامات، خاصة إذا أصر الأكراد على الاستقلال رغم وجود رفض دولي وإقليمي، فمن يضمن عدم مطالبة السنة أو الشيعة باستقلال مماثل؟.

وبإمكان العراق أن يستعيد عافيته ووحدة أراضيه من خلال نظام سياسي يضمن للجميع حقوقهم بشكل عادل، وفق دستور يقوم على مبدأ المواطنة، بعيدا عن خطر تداعيات حقوق الكيانات، مع استتباب الأمن والتمسك بقيم الإنسان والمساواة والحريات العامة، ويبقى التسامح الحقيقي الإطار الجامع لوحدة الشعب رغم تنوعه القومي والديني والمذهبي.

وأما على الأصعدة الأخرى فالشعب بحاجة ماسة لنقد مرجعياته الثقافية والفكرية والعقائدية، التي باتت تشكل تحديات خطيرة على مستقبل المجتمع المدني الذي نحن بأمس الحاجة له. حيث باتت الخرافة باسم الدين تسود كل شيء، وانقلب رجل الدين إلى رجل دكتاتور مستبد لا يختلف عن رجل العشيرة، يحتفظ بتشكيلات عسكرية، ويتفاوض مع جهات أجنبية، ويستغل الظرف الاستثنائي للتمدد داخل المجتمع، حتى بات مألوفا وجود طيف من الناس موزع في ولائه، بل أن بعضهم يفتخر بولائه لجهات أجنبية باسم الدين والولاء المذهبي. وهذا أخطر ما يهدد البلد ومستقبله السياسي.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9Ibaa Ismailخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على أسئلة الشاعرة إباء إسماعيل

 

 

س32: إباء اسماعيل: شاعرة / أمريكا: كيف يمكننا تفعيل دور المثقف العربي لإثراء حالة تنوير ثقافي صحيَّة مقابل حالات استلاب الأدمغة وتجهيلها لدى الجيل الجديد في زمن الحرب والإرهاب؟

ج32: ماجد الغرباوي: شكرا للشاعرة القديرة إباء اسماعيل مشاركتها في الحوار من خلال أسئلتها القيمة.

دعينا أولاً نتفق من هو المثقف؟ وما هي مشخصاته؟ لنمسك ببوصلة وعيه واكتشاف خلله حينما يتقاعس عن مسؤولياته. في كتاب إشكاليات التجديد أنتقلت في أحد فصول الكتاب من تعريف المثقف إلى بيان خصائصه ومكوناته، لتفاوت الآراء حول مفهومه وعدم وجود تعريف جامع مانع له.

من خلال السياق التاريخي لنشأة مصطلح (المثقف) وما يختزنه من دلالات يتضح أن مفهوم المثقف يتكون من ثلاثة عناصر(معرفة، وعي، موقف) تتشابك فيما بينها لتصوغ شخصيته، فيفقد المفهوم صدقيته عندما يتخلف أحدها، ويبقى إطلاقه على بعض الناس من باب المجاز، لتخلف الإطلاق الحقيقي عن شرطه الموجب لتحققه وانطباقه على موضوعه. فيمكن التأكد من صدقية أي شخص من خلال تفحّص مكوّناته الثقافية. علما أن مفهوم المثقف يتحقق بالحد الأدنى منها، تبعا لاستعداده، وخصائص بيئته وقدرته على استيعاب الواقع وتشخيص الأمراض وإدراك الحلول المناسبة له.

ففي مجال المعرفة يفتقر المثقف في ممارسة نقد الواقع ومحاكمة أنساقه الثقافية إلى خزين ثقافي، يمكّنه من فهم الواقع واكتشاف حيثياته. ويشكل الوعي نقطة انطلاق في مهام المثقف. والوعي يغاير المعرفة والاطلاع وخزن المعلومات. فربما يراكم الشخص في ذاكرته كما كبيرا من المعارف والعلوم، غير أنه يفتقر إلى وعي يفجر طاقة المعرفة ، لأن المعلومة حينما تستقر في لا وعيه لا تضىيء فضاءه المعرفي، ولا تحرّك المظاهر الخاطئة والمفاهيم المزورة فيه هَـمَّ الإصلاح والتجديد. والوعي يعني إدراك الواقع وفقه ملابساته وتشخيص أخطائه بعد تفكيك مكوناته ومحاكمة أنساقه. والشخص الواعي مرهف الحس، شديد الحساسية أزاء التزوير والمغالطات، فلا يتكيف مع الواقع المزوّر، بل يعيش في حالة من الغليان والثورة الداخلية ضد القيم المصطنعة، ويتطلع باستمرار إلى التجديد والإصلاح. أو يعيش حالة إغتراب داخلي، تعيق حركته.

وأما الموقف فهو العنصر الأساس في مصداقية المثقف في العصر الحديث. وقد أُرخ لهذا المفهوم من خلال حادثة تاريخية معروفة، اتخذ فيها مجموعة من المشتغلين بالفكر والثقافة موقفا تاريخيا سجلوا فيه نقطة انعطاف كبيرة، واكتسبوا عنوانا جديدا اسمه (المثقفون) . وظل المفهوم منذ ذلك التاريخ لا ينطبق على شخص المثقف ما لم يتمتع بشجاعة كافية لإعلان مواقفه. فماذا يترتب على المعرفة والوعي إذا لم يتحولا إلى موقف شجاع يعلن على رؤوس الأشهاد، وينفع في إصلاح واقع الأمة؟. فلا يمكن إطلاق مصطلح المثقف على شخص تخونه الشجاعة في بيان آرائه. ويخشى النقد إلّا همساً أو في خلواته.

نعود للسؤال في ضوء المكونات الأساسية لمصطلح المثقف. فالسؤال عن كيفية تفعيل دور المثقف العربي لإثراء حالة تنوير ثقافي صحيَّة مقابل حالات استلاب الأدمغة وتجهيلها لدى الجيل الجديد في زمن الحرب والإرهاب، يستبطن إدانة واضحة للمثقف الذي لا يرقى لمستوى المرحلة، رغم حاجة المجتمع لجهده التنويري لانتشال واقع المجتمع العربي من الاستلاب وتفشي الجهل والأمية الثقافية في أوساط الجيل الجديد.

وعليه ينبغي لأجل التوفر على مثقف فاعل، تقصي مكوناته، بحثا عن الخلل لمعالجته، فتشخيص الخلل يضعنا على الطريق الصحيح، فربما هناك عوامل موضوعية لا فقط ذاتية تحول دون رقي المثقف لمستوى المسؤولية التاريخية.

فلا نهضة حقيقية للمثقف العربي ما لم يتمتع بمعرفة نقدية غير أحادية تحجب عنه الحقيقة. معرفة ترتكز إلى العقل، يشخص من خلالها الواقع، بعيدا عن الخيال والمثالية المفرطة، فتارة تفتقر مواقف المثقف للعلمية بل للمعرفة بشكل عام فتضر في صدقيته، أو يعتقد باحتكار الحقيقة دون غيره فيكون أشد تعصبا من الآخرين. كما ينبغي له التمتع بقدر كبير من الوعي، من أجل مواصلة رسالته التاريخية، فكثير من المثقفين يخونه الوعي في اتخاذ الموقف الصائب، فتراه ينحاز للطاغية والمستبد ضد شعبه، أو ينجرف مع العقل الجمعي على حساب عقلانيته بل أن بعضهم يرتد أشد خرافية من الآخرين. وأما الموقف فهو صدقية المثقف، فما لم يتخذ المثقف موقفا أزاء الأحداث والمتغيرات يخون رسالته، ويخسر مصداقيته، فيحط من قيمته. فنجاحنا في تفعيل دور المثقف يعتمد على قدرة النقد كنقطة ضوء نكتشف بها خلل المثقف والواقع، ومعالجتهما. والتأكد من مدى قناعته بالمبادئ التي يؤمن بها، وعن جدوى الإيمان النظري بعيدا عن النشاط الاجتماعي. فمواصلة النقد بوعي معرفي، يساعدنا على تصحيح مسار المثقف كي ينهض ثانية ويمارس دوره. المثقف شخص نرجسي يمارس النقد ضد الآخرين، لكنه لا يطيقه، ويتذمر حينما يواجهه الآخرون بالحقائق، يتقاعس عن مسؤولياته التاريخية رغم حاجة المجتمع لوعيه وثقافته، لكن ينبغي مواصلة نقد المثقفين كي يكتشفوا بأنفسهم خلل تكوينهم الثقافي والمعرفي، ويراجعون مواقفهم وأساليبهم، لعلهم يعودون لرشدهم ويتحملوا مسؤولياتهم التاريخية التي نحن بأمس الحاجة لها. أحيانا تجد التخاذل صفة طاغية لدى طيف من المثقفين للأسف الشديد. فعلى مَن نعوّل في نهضتنا الحضارية حينئذٍ؟.

 

س33: إباء اسماعيل: أيّ المؤثرات الكتابية برأيك أكثر تأثيراً وجذباً للقارئ العربي حالياً؟: المقالة، الشّعر، أم العمل الروائي، ولماذا؟

ج33: ماجد الغرباوي: لكل حقل أدبي تأثيره ضمن شروط الواقع، والنص والمتلقي. هذه الثلاثية هي التي تحدد قيمة العمل الأدبي. الواقع العربي تتقاسمه هموم متباينة وأخرى محورية يشترك فيها الجميع كالإرهاب والعنف والاستبدادين السياسي والديني.

كما أن طبيعة الشخص وتوجهه العلمي التحليلي، أو العاطفي الوصفي يلعب دورا في تحديد اتجاهه الكتابي. فاستنهاض الهمم والتفاخر مثلا يكون الشعر أكثر تاثيرا، بينما يستأثر المقال بساحة الجدل الفكري والسياسي. غير أن تفاصيل الأحداث وكثرة التفصيلات في جانبها التراجيدي ومأساوية الأحداث التي انعكست على الشعوب العربية وضعت الرواية في أعلى سلّم الأولويات الأدبية والكتابية راهنا. وهناك رغبة عارمة للحديث عن المخفي والمستور من تفصيلات حياة الناس والشعوب خاصة المضطهدة سياسيا. كما أن كثيرا من أصحاب القلم تستهويه كتابة الرواية لوفرة الأحداث والتفصيلات التي يستطيع من خلالها تجسيد إبداعاته الأدبية، فيسعى جاهدا كتابة نص روائي مشوق كدالة على إبداعه، بينما الأجناس الكتابية الأخرى تحتاج لتكثيف الحدث، بشكل يتجسد فيه الإبداع وثيمة النص. فمال الغالبية باتجاه الرواية، لرحابة الحركة في فضائها الكتابي. كما أن الرواية عالميا وتاريخيا لعبت دورا إيجابيا في تحرير الشعوب واستنهاضها ضد الاستعمار حتى وضعت قدمها على سلم التطور الحضاري. السرد الروائي يحكي قصة مأساة وأزمات مرت بها البلدان العربية والمنطقة فصار للرواية دور للتعبير عن مشاهد البؤس والحرمان والصراعات، ويمكن من خلال السرد المشوق في الرواية تزريق أفكار تستعيد وعي الناس، وتحثهم باتجاه العمل.

وبالتالي فالمقالة لا يمكن الاستغناء عنها في أي وقت من الأوقات، وربما المقالة القصيرة أكثر تأثيرا وملاءمة مع وسائل الاتصال الحديث، وإلى جانب المقالة باتت الرواية تحقق نجاحا ملحوظا، ربما الاستمرار في هذين اللونين من  الكتابة يحقق انعطافة في وعي المجتمع، ويزرع عندهم روح النقد والمبادرة والارتكاز للعقل بدلا من الخرافة والانسياق اللامعقول مع العقل الجمعي. ساحتنا بحاجة لكل أنواع الكتابة حينما تجد قارئا حقيقيا.

 

س34: إباء اسماعيل: ما هو الحلم الذي كنت ترغب بتحقيقه منذ تأسيس مؤسسة المثقف ولَم يتحقق بعد؟

وهل ثمة مشروع إبداعي على الصعيد الشخصي تود تحقيقه؟

ج34: ماجد الغرباوي: بحكم تجربتي كانت الصورة واضحة أمامي وأنا أخطط لمشروع نحقق من خلاله أهدافنا في المضمار الحضاري. فرسمت للمثقف أهدافا عملية وممكنة التحقق بحدها الأدنى كخطوة أولى على المسار الجديد، هذا على المدى القصير، ثمة أهداف أخرى على المدى البعيد تركتها لرحمة الشروط الموضوعية، فالمشاريع الثقافية لا تحظى بأي دعم، بل يعتبرها بعض ترفا لا معنى له، وهذه إحدى علامات الجهل الحضاري. أساسا ما يعصف بالوطن العربي مشكلة ثقافية إضافة إلى مشكلته السياسية. ولعل جذر التخلف والجهل جذر ثقافي – معرفي.

كنت أطمح من اليوم الأول أن تساهم المثقف في ترشيد الوعي، وتشارك بقوة ضمن تيار يحمل مسؤولية النهضة الحضارية. وهذا مثبت ضمن مبادئ عمل المؤسسة التي أشرنا فيها إلى خارطة الأهداف التي نطمح لتحقيقها: ندعو للتعايش بين الأديان والثقافات. نتبنى قيم: التسامح، والحرية، والديمقراطية، وحقوق الانسان. نحارب العنف والتحريض والتكفير. نرفض الخطاب الطائفي والأيديولوجي المحرض. نساهم في تعميق لغة الحوار والتفاهم وفق الثوابت الأساسية المستمدة من تعاليم السماء وقوانين الأرض. نعنى بالمثقف ومواقفه إزاء الأحداث والتحديات، ونعرف بإنجازاته وأعماله ومشاريعه.

وبما أن المشاريع الناجحة لا تكتفي بالتنظير ما لم تكن هناك خطوات عملية، لذا كان طموحي أوسع من مؤسسة او صحيفة، بل أن تكون هناك مشاريع ترعى الثقافة والمثقفين، وتعمل على خلق تيار يحارب الجهل والأمية والتطرف والعنف، والعودة للعقل والعقلانية.

لا أخفيك أتألم حينما أعجز عن تحقيق خطوة عملية تعضّد عملنا الإعلامي والثقافي، رغم نجاح جميع الخطوات العملية التي أقيمت باسم مؤسسة المثقف في أكثر من بلد عربي خاصة العراق. كلها كانت بفضل مثقفينا من السيدات والسادة وبجهود شخصية، ولو كانت لدينا إمكانيات متاحة لكان صدى منجزنا أوسع انتشارا، خاصة مع ضعف المؤسسات الثقافية بالعالم العربي. فما لم استطع تحقيقه لحد الآن هي المشاريع العملية الكبيرة، التي كنت أعول عليها في نجاح مشروع المثقف، باستثناء إصدارات المثقف، فإنها خطوة كبيرة مقارنة بإمكانياتنا المادية، وكذلك نجحت المؤسسة في تكريم عدد من الشخصيات والرموز، بملفات وكتب وأيضا احتفالات. وأيضا نجحنا في إقامة حفلات لتوزيع جوائز المثقف في أكثر من بلد، وخطوات أخرى جميعها موفقة قياسا بامكانياتنا، إضافة للنشاط الإعلامي والثقافي على صفحات المثقف في جميع الأبواب.

أما على الصعيد الشخصي فهناك أكثر من مشروع فكري، أتمنى على الله تعالى أن يساعدني في إنجازها قبل وداع الحياة المريرة. أعتقد كما يعتقد كثيرون هناك حاجة ماسة إلى كتابات نقدية جادة تساهم في انتشال الوعي، بعد تفكيك العقل العربي والإسلامي وإعادة بنائهما بشكل ينسجم مع راهن الأمة حضاريا، وتطور العالم في عصر بات العلم يطغي والتكنلوجية سيدة الموقف، والمعلومة تتدفق من كل زاوية، والحضارة فارق الشعوب، فثمة فارق حضاري هائل بين شعوبنا وشعوب العالم، فما زالت شعوبنا تساعد المستبد والطاغية على استعبادهم وإذلالهم وسلب خيراتهم. وما زال الصراع على السلطة يطغى على التفاهم والتبادل السلمي لها، ومازالت المرأة تعاني من الفوارق الإنسانية، والنظرة البالية.

 

س35: إباء اسماعيل: هل تعتقد بأن نتاج المثقفين والمبدعين  يجب أن يلامس بالضرورة الوضع السياسي أم لا؟

ج35: ماجد الغرباوي: منجز المثقفين والمبدعين متعدد في أهدافه، فليس بالضرورة أن يلامس الوضع السياسي في كل عمل من أعماله، فقد تكون هناك مهام ثقافية أو فكرية أو إبداعية وراء منجزهم، فالهموم السياسية لا تستبد باهتمام المثقفين جميعهم دائما. لكن الوضع السياسي أحيانا يفرض نفسه على قلم صاحبه، رغم نسبية القضية تبعا لهموم الشخص ورؤيته وتوجهه السياسي والفكري والآيديولوجي، لكن بشكل عام تجد الوضع السياسي، خاصة تداعياته الاجتماعية على الشعوب، فإنها تفرض نفسها بقوة، لذا في الأحداث المهمة يكاد الحدث يوحد الجميع، كل يتناوله من زاوية خاصة.

 

س36: إباء اسماعيل: هل لديك رؤيا ما، عن أسباب التحولات السياسية  الخطيرة في عالمنا العربي؟ وهل تجد ضوءاً في آخر النفق؟!

ج36: ماجد الغرباوي: التطورات في منطقتنا لم تأت من فراغ، وليس حدثا آنيا أو بنت ساعتها، بل ساهم صراع المصالح والنفوذ في ظل انفتاح إعلامي كبير في تسريعها، كما مهدت لها الأنظمة الاستبدادية وسلوكها القائم على الفساد، واضطهاد الشعوب، وسلب الحريات، وقمع المعارضة السلمية، والانغلاق الثقافي، والتعصب السياسي والآيديولوجي. لذا تجد الربيع العربي شرارة بسيطة في بدايته ثم انفجر المكبوت وراح يعبر عن نفسه بتظاهرات سلمية استقطبت الشعب كافة، كما حصل في تونس ومصر وليبيا. ثم جاءت الحركات الدينية المتطرفة لتجر العالم العربي نحو عنف وارهاب مقيت باسم الدين وتطبيق الشريعة فأبادت طوائف من الأبرياء والعزل وأهلكت الحرث والنسل. ولما استغلت الدول الاستعمارية الفراغ السياسي راحت تتوغل في عمق هذه الدول لتمتص رحيق ثروات شعوبها وخيرات بلدانها، بأساليب لا إنسانية، خالية من المبادئ والقيم، فعمقت الخلافات، وشجعت الصراعات كخطوة باتجاه الفوضى الخلاقة فحطموا بنية هذه البلدان بأيدي شعوبها. ثم راحت تشجع هذه الدول على الديمقراطية دون أن تمر شعوبنا بمرحلة تثقيفية تمهّد لنظام لم تألفه من قبل، فكيف تفوضها هامشا كبيرا من الحرية بشكل مفاجئ، وهي شعوب أدمنت الاستبداد والدكتاتورية حدا لا يمكنها التحرر منهما، وتخفق في ممارسة حرياتها، ولم تشهد أي تداول سلمي للسلطة، فالحكومات تتوالى في بلداننا، إما بانقلابات عسكرية أو تآمر مع قوى أجنبية. فتسببت الديمقراطية اللاواعية في تشظي البلدان، خاصة الدول المتعددة قوميا ودينيا ومذهبيا، كما حصل في العراق.

 

س37: إباء اسماعيل: يقول أنطون تشيخوف "كلما ازدادت ثقافة المرء، ازداد بؤسه وشقاؤه".. هل توافق على هذه المقولة، ولماذا؟

ج37: ماجد الغرباوي: القضية نسبية، يتحكم بها عاملان: ذاتي مرتبط بالشخص، وهمومه، وآخر موضوعي، يرتبط بالحدث وأهميته وخطورته. فليس هناك تعميم، فكم من مثقف يعيش في برجه العاجي، لا يبالي بما يحدث، مسجون بين جدران أوهامه: يشطب، يؤشر، يفترض، يوبّخ، يطالب، ينتقد، لكن دون أن يتأثر، بل لا يتأثر وهو يشاهد مآسي الشعوب واضطهاد الحكومات ولم يتخذ أي موقف،  فهو شخص متعالٍ لا يتأثر إطلاقا. وسبق أن قلت: المثقف موقف، فما لم يصدر منه موقفا مبدئيا فليس بمثقف مهما كانت سعة معلوماته وثقافته.

لكن بشكل عام أجد أن مقولة الأديب الروسي أنطون تشيخوف "كلما ازدادت ثقافة المرء، ازداد بؤسه وشقاؤه" صحيحة، فالمثقف الرسالي، شخص حساس، يدرك الواقع وتناقضاته، فيتألم عندما يلتبس الوعي على شعبه حدا ينساق مع العقل الجمعي بلا وعي، فإما أن يمجد المستبد وهو يقهره ويضطهده، أو ينجرف في ممارسات خرافية تعيق تطلعاته الحضارية.

ويتألم ويتحرّق المثقف الرسالي حينما يرفضه الناس، أو يُرمى بالارتداد والانحراف وربما بالكفر. فكلما ارتفع وعي المثقف وإدراكه، كلما زادت معاناته ومتاعبه، خاصة عندما يتحدى المألوف ويفكر بطريقة تصطدم مع مصالح السلطة ورجل الدين أو قيم المجتمع البائسة.

 المثقف الحقيقي لا يهدأ إطلاقا، لا يستقر، طموح، لا يقنع بالواقع وملابساته. يسعى، يحاول، بلا كلل ولا ملل.

ثم من من جهة أخرى يعتبر موقف المثقف مسؤولية تاريخية نابعة من وعيه في ضوء تشخيصه للواقع وضروراته، وهي مسؤولية مرهقة جدا، وليست هينة. وتتأكد هذه المسؤولية عندما تلتبس الحقيقة، ويتداخل الدنيوي بالديني، لا سيما في الأزمات والظروف الاستثنائية، حيث يعلو صوت العنف، ويسود منطق القوة والمكر والخديعة، ولا ملاذ حينئذٍ للوعي إلا كلمة يطلقها المثقف، يفتت بها رواسب التخلف، وما تراكم في لا وعي الناس من قيم ومفاهيم.

فلا نبالغ حينما نقول إن المثقف رهان المجتمع المتحضر، ورهان المستقبل الواعد خاصة بالنسبة لبلدان عانت وما تزال من سيادة قيم العشيرة وحنينها لرجل الضرورة، وانصياعها لدكتاتورية الفرد والحزب الواحد، واستحواذ السياسي على قراراته المصيرية. فكيف يقر للمثقف الحقيقي قرار وهو بهذه المسؤولية؟.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3abdulelah alsauqخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على أسئلة ا. د. عبد الإله الصائغ

 

 

س28: د. عبد الإله الصائغ – أديب وناقد وباحث أكاديمي / أمريكا: ما هو موقفك من العلمانية؟ وهل هي واحدة أم هي علمانيات؟

ج28: ماجد الغرباوي: مرحبا بالأستاذ الدكتور عبد الإله الصائغ، وشكرا لأسئلته الجديرة بالاهتمام.

العلمانية كما تعلم، موقف تاريخي من الحكم الكنسي وسلطة رجال الدين، إبان القرون الوسطى، فكانت ضرورة لتحرير الشعب والسلطة السياسية من هيمنة الإكليروس، وفك الارتباط بين الفكر الديني الكنسي من جهة، ومطلق الفكر والثقافة والعلوم من جهة أخرى. فمصطلح العلمانية كان ناظرا عند نحته، لتلك الحالة والفترة بالذات، وقد حققت نتائج مبهرة، لكن من الصعب الرهان عليها مطلقا، مع عدم وحدة الموضوع وتشابه الحالتين، وإلا سيبقى الشرط التاريخي مؤثرا في تحديد المصاديق. خاصة حينما يسرى الموقف التاريخي من سلطة رجل الدين إلى ذات الدين، فينقلب إلى مصطلح استفزازي. وهذا هو المتبادر الآن في أذهان الشعوب المسلمة، التي ترى في الدين ورجل الدين وجهين لعملة واحدة، فتعتقد أن العلمانية موقف عدائي من الدين، وخصم لدود لعلمائه، لذا نجد طيفا واسعا من المسلمين يتحسس ويتخذ منها موقفا صارما، فهي متهمة في نظره، مهما كانت ضرورتها في بلد يطمح لتأسيس مجتمع مدني خالٍ من الفساد والاستبداد.

نعود للسؤال: إذا كانت العلمانية تعني تحرير السلطة السياسية من هيمنة رجل الدين فهي ضرورة في بلد يتصف بالتعددية الدينية والمذهبية، لضمان حقوق المواطنة والحد من الاستبدادين الديني والسياسي، والتخلّص من الشعور الفوقي التي ابتلت به جميع الأديان والمذاهب حدا أدى إلى نبذ الآخر وتكفيره واتهامه.

وأيضا العلمانية بذات المفهوم ضرورة ملحّة في المجتمعات التي تعتبر رجل الدين مرجعية نهائية في كل شيء، منه تستمد الموقف الشرعي والسياسي، فتنقاد لا إراديا لفتاواه وآرائه ومواقفه، باعتباره ظل الله في أرضه. لذا تجد سذاجة الشعوب رهانا دائما لرجل الدين حينما يمارس سلطته التعسفية في مصادرة الحريات، وفرض قيم تخدم مصالحه السياسية والطائفية، فيقمع تطلعات الآخرين وفق معادلة (حق مطلق/ باطل مطلق)، التي تبيح للطرف الأول اضطهاد الطرف الثاني وسحقه تحت ذريعة (الانحراف / الكفر/ الردة/ الإلحاد). فيصبح رجل الدين وآرءه الاجتهادية مقياسا للحقيقة والحق مطلقا رغم أنه كغيره من البشر متحيز لطائفته وآرائه وعقائده، ويمارس الإقصاء ضد الآخر المختلف، وأمامك كتب الفقه، والكتب الدينية، لكافة الأديان والمذاهب، التي تفضح توجهاتهم الطائفية، فكيف يكون لرجل الدين سلطة وولاية وقيمومة على الشعوب وقرارتها السياسية؟. بل الحروب الدينية والطائفية شاهد أقوى على ما نقول.

السلطة في نظر رجل الدين حق إلهي، فتنحصر به شرعية الحكم، وحق الاستبداد بجميع السلطات. بل لا شرعية لأي عمل أو ممارسة وظيفية خارج إرادته. كولاية الفقيه في إيران، مثلا، لا حصرا، حيث يتمتع الولي الفقيه بسلطة مقدسة، تفوق سلطة القانون والدستور. فالتمرد على سلطته تمرد على إرادة الخالق، فتشمله عناوين الكافر والمرتد والمفسد في الأرض، وأحكام هؤلاء واضحة في جميع الديانات. وهذا مكمن الخطر، لذا تأتي العلمانية بمعنى فصل السلطة السياسية عن هيمنة رجل الدين حلا عمليا لإنقاذ المجتمع ودفع البلد باتجاه دولة مدنية تتطلع لمستقبل حضاري أكثر إزدهارا وتطورا.

ينبغي التأكيد أن استبعاد هيمنة رجل الدين عن القرار السياسي، لا يعني استبعاد الدين وتشريعاته وقيمه ومبادئة، ومن باب أولى لا يعني إتخاذ موقف سلبي أو عدائي من ذات الدين. بل العلمانية بهذا المفهوم حماية للدين وتحصينه من أهواء رجال الدين، وحماية للحقوق الدينية بشكل متساوٍ لجميع المواطنين رغم اختلاف توجهاتهم الدينية والمذهبية. فالعلمانية حماية للدين، وليست موقفا عدوانيا من الدين.

أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال: وهل "العلمانية" واحدة أم هي علمانيات؟:

رغم أن العلمانية مشتقة عربيا من عَلم، إلا أنها تعني في لغاتهم الشعب أو العامة، أي حكم وإرادة الشعب في مقابل الإكليروس، وطبقة رجال الدين ممن استبدوا بالسلطة والمال على حساب شعوبها باسم الدين والإله، وصادروا حريات الناس حتى في مجال العلوم الطبيعية بسبب معارضتها لمدونة الكنيسة. وضحايا سلطة الكنيسة في القرون الوسطى مقرفة، فجاء التمسك بالعلمانية حلا للخروج من سلطة الكهنوت والاستبداد الديني، والفصل بين الدين والدولة، وعدم تدخل الكنيسة بالشأن السياسي. فللدولة قوانينها المدنية بعيدا عن سلطة الكنيسة. فهي ليست ضد الدين بل تعد نفسها حامية للدين.

ثم في عصر النهضة راح المصطلح يستجيب لمختلف التطورات، وصار يتمدد أو يختزل وفقا للمواقف السياسية والمتبنيات الفكرية والعقيدية، بعد أن نظّر له الفلاسفة الغربيون كسبينوزا وجون لوك والمفكرون الأوربيون، في إطار حاجة الدولة لقوانين مرنة تواكب تطور الحياة والموقف السياسي، خلافا لثبات وقدسية النص الديني الذي يُعيق حركة الدولة ورقي المجتمع. وبالتالي فمفهوم العلمانية تطور من موقف مقابل الإكليروس، وسلطة رجل الدين المطلقة، ليشمل ذات الدين ومدى صلاحياته للمجتمع والدولة، وكيفية حمايته من الاستغلال وضمان حق الشعب في ممارسة طقوسه وشعائره الدينية. فكانت جملة أسئلة تتحكم في سعة وضيق مصطلح العلمانية، فراحت تتكيف وفقا لمتطلبات الدولة ونظامها السياسي وتركيبتها السكانية وتنوعها الثقافي والديني. فالتعدد في مفهوم العلمانية هو تعدد في الموقف من ذات الدين بعد الاتفاق على الموقف السلبي من رجل الدين وسلطته الاستبدادية. فبهذا المعنى تكون علمانيات لا علمانية واحدة.

والحقيقة أن الموقف الصارم لبعض الدول العلمانية من الدين بدأ بالتراخي، لتدارك تداعيات الرفض المطلق له والاستفادة من عطائه الأخلاقي. فالشعوب الغربية اليوم لا تتحسس من الدين ورجال الدين كما في القرون الماضية، بل وتتعاطف مع الأحزاب التي تتبنى المبادئ المسيحية في السياسة، أو ما تعرف بالديمقراطية المسيحية. بل هناك تبنٍ لكثير من المشاريع الدينية رغم علمانية الدولة، مما يؤكد عدم وجود موقف سلبي نهائي من الدين كما في الماضي. بل ما زال (النقاش يدور في الدولة المصنفة علمانيًا حول مدى الالتزام بفصل الدين عن الدولة؛ ففي فرنسا جدول العطل الرسمية مقتبس بأغلبه من الأعياد الكاثوليكية، وكذلك تقدم الدولة من أموال دافعي الضرائب تمويلاً للمدارس الدينية؛ أما في الهند وهي أيضًا دولة تنصّ على العلمانية الكاملة، تقدّم الدولة سنويًا إعانات للحجاج المسلمين وصل في عام 2007 إلى 47454 روبية عن كل حاج هندي. أما دستور أستراليا وهي دولة علمانية رغم عدم ورود العبارة صراحة، يذكر في المادة السادسة عشر بعد المئة، على عدم تقييد أي حرية دينية أو ممارسة للشعائر الدينية أو تمييز بين معتنقي مختلف الأديان في مناصب الدولة والحياة العامة، ومع ذلك فإن الدستور ذاته يبدأ بعبارة " بتواضع، نعتمد على نعمة الله المتعالي" (بالإنجليزية: Humble reliance on the blessing of Almighty God)، وسوى ذلك فإن الحكومة الأسترالية تدعم الصلاة المسيحية وغيرها في المدارس الحكومية وتمول المدارس الدينية التي تعدّ القسس الجدد وكذلك رجال الدين. الحال كذلك في سويسرا وفي الولايات المتحدة الإمريكية، وإن بدرجات متفاوتة لا تشمل في جميع الظروف تقييد أي حرية دينية أو ممارسة للشعائر الدينية أو تمييز بين معتنقي مختلف الأديان في مناصب الدولة والحياة العامة فهي من المبادئ المشتركة بين جميع الدول المصنفة كعلمانية).

 

س29: د. عبد الإله الصائغ: إذا كان المعنى المتداول للعلمانية هو الفصل بين الدين والدولة دون الحاق الأذى بواحد من الإثنين، فأنت ماذا تختار لو كان بيدك الإختيار: دولة ذات نظام علماني أو دولة ذات نظام ديني؟!

ج29: ماجد الغرباوي: العلمانية فرضتها ظروف تاريخية مرت بها أوربا تحت سلطة الكنيسة، وتعاليمها الدينية التي أقترف بسببها رجال الدين أبشع الجرائم بحق الشعوب، فقتلوا العلماء وأحرقوهم بالنار، وأثروا على حساب الناس البسطاء من خلال بيع صكوك الغفران، إلى غير ذلك من جرائم كانت تقترفها محاكم التفتيش. لكن الموقف من الأديان مختلف فلا يمكن تعميم الموقف السلبي منها جميعا. وليس بالضرورة أن تحقق العلمانية ما حققته في الغرب من نجاح، فلكل مجتمع خصائصه، خاصة أن المتبادر من مفهوم العلمانية راهنا بُعدها السلبي، أي موقف عدائي من الدين وعلمائه. فالعلمانية التي هي أسلوب في الحكم لا يمكن فرضها على المجتمع المسلم وهي بهذه الحمولة السلبية إلا بعد فترة طويلة من التثقيف على مبادئها وتجريدها من أبعادها السلبية، وهذا غير متاح لا أقل في وقتنا الراهن.

 لذا بدلا من العلمانية، أدعو إلى عقلانية شاملة، في السياسة والحكم، والدولة والمجتمع والفكر والثقافة والعادات والتقاليد والعلاقة بالدين ورجل الدين. فتحقق العقلانيةُ بهذا المفهوم ما تطمح له العلمانية التي تعني في بعدها الآخر غلبة العقل على العاطفة الدينية، وتضمن لنا مجتمعا عقلانيا متسامحا، بعيدا عن التطرف والخرافة واللامعقول. وبالفعل انطلقت الشعوب الغربية في تقدمها الحضاري بعد تحديد سلطة رجل الدين، فارتكزت إلى العقل بدلا من من تعاليم الكنيسة وشقت طريقها نحو التقدم الحضاري الهائل.

وأقصد بالعقلانية، اعتماد العقل مصدرا أساسا للمعرفة ونقد الواقع، وتشخيص الأولويات، وترشيد الوعي والعقل الجمعي، ومحاكمة الأنساق المرجعية للعقائد والفكر والثقافة، في مقابل مصادر معرفية أخرى لا تنتمي للعقل. تفرض نفسها سلطة مقدسة لا يطالها النقد من وحي اللامعقول والخرافة والغيب.

والمبرر لاختيار (العقلانية الشاملة) أن مجتمعاتنا مجتمعات دينية، تتخذ من الدين مرجعية مطلقة، فتستمد منه رؤية للكون والحياة، وتتخذ منه قاعدة لبناء منظومتها الأخلاقية فلا يمكن التخلي عن الدين مطلقا. كما أنها مجتمعات مسكونة بالغيب، تتناسل في أوساطها البدع، والخرافات، والشعوذات، والسحر، والجن والأرواح، كل هذا على حساب العقل، والمنطق العقلي، بل بعضهم يعرض عن التبريرات العلمية، ويلجأ للتراث والمرويات الدينية لتفسير الظواهر والأحداث. وما لم تستتب النزعة العقلية في مجتمعاتنا، وتمارس النقد والمراجعة على جميع المستويات، لا يمكن التمهيد لمجتمع مدني تسوده قيم العدل والمواطنة والحرية والتسامح والتعددية، الدينية والثقافية.

 لذا نحن بحاجة إلى عقلانية شاملة تتغلغل في كل شيء، وتغور في أعماق العقيدة والفكر والثقافة، وتميّز بين المقدس واللامقدس، والديني واللاديني. عقلانية شاملة نكتشف بها إنسانيتنا، ونحرر بها عقولنا من جميع التصورات والمفاهيم الخاطئة، عن الحياة والموت والآخرة وقدسية الرموز التاريخية .. عقلانية تغزو المعبد والمسجد والبيت والمدرسة والشارع، كي نحرر الشعب من هيمنة رجل الدين وسلطة التراث، والطائفية، وشعور الفرقة الناجية، اجتماعيا وسياسيا ودينيا، ليمارس العقل دوره في التطور الحضاري، على صعيد التسامح الديني والثقافي، والتعددية، والاعتراف بالآخر، بعيدا عن خرافات التراث وسلطة رجل الدين، تلك السلطة التي تفرض عليه تشجيع الخرافات، والسكوت على البدع الدينية لضمان أوسع قاعدة شعبية تحمي سلطته الدينية. وفي هذه الحالة لا وسيلة أخرى لانتشال الوعي وترشيده سوى العقلانية الشاملة. أما العلمانية فتقف على حدود فصل الدين عن السياسة، أو تحرير القرار السياسي من هيمنة رجل الدين. لهذا طوّر الغرب مصطلحات أخرى لتدارك نقاط ضعف العلمانية، كالديمقراطية والليبرالية.

نحن نشكو من أزمة وعي وثقافة وفكر، والتباس صارخ بين المقدس وغير المقدس، وهيمنة التراث، والتفسير الغيبي لجميع مظاهر الحياة. فالنزعة العقلية ستضمن لنا فهما صحيحا للدين ودوره في الحياة، وتساهم في إرساء قواعد علمية يمكن بواسطتها تفسير الظواهر والأحداث بشكل صحيح. والعقلانية ستصحح نظرتنا للآخر، وتضع المواطنة قبل كل شيء من أجل مجتمع متوازن خالٍ من العنف والإرهاب والتنابذ. نحتاج إلى عقلانية شاملة نكتشف بها ذاتنا، ونعيد الثقة لأنفسنا ونتخلص بها من رواسب الماضي والنظرة القاصرة للمرأة ونكف عن تقديس التراث والرموز التاريخية، ونعيد للدين بعده الإنساني. نحن مجتمعات قلقة بحاجة إلى عقل مستنير يوازن بين الروح والجسد.

وفقا للعقلانية الشاملة، لا مانع من تأسيس الدولة، وفقا لقيم الدين ومبادئه الإنسانية، ولا مانع أن يكون الكتاب الكريم أحد مصادر التشريع، شريطة أن لا تكون لرجل الدين سلطة ثيوقراطية، أو قيمومة على الشعب والقرار السياسي، لأن في ذلك مصادرة للعقل. رجل الدين يجد نفسه مسؤولا عن كل موقف وقضية (ما من حادثة إلا ولله فيها حكم)، فينقلب رأيه الإجتهادي الى مصدر شرعي مقدس يجب أن تستمد الدولة منه موقفها، ويجب على الفرد أن يتخذه مرجعية لبناء تصوراته وأفكاره، مهما كان خطأه.

بل لا مانع وفقا للعقلانية الشاملة، أن يخوض رجل الدين السياسة بصفته الشخصية، لا باعتباره قيما أو وصيا على الناس. شعوبنا شعوب مسكونة بالغيب والدين، وتقديس رجل الدين فينبغي عدم المساس بالدين، والحيلولة دون استغلال الدين من قبل رجل الدين، لهذا تبدو المعادلة صعبة عندما نتشبث بالعلمانية التي باتت تنوء بحمولتها السلبية في نظر الشعوب المسلمة، بسبب بساطة الوعي، وقوة تأثير العقل الجمعي الديني. فالعقلانية الشاملة تحقق لنا جميع الأهداف وأهمها انتشال وعي الفرد والعقل الجمعي، وتضمن لنا تحرير القرار السياسي من سلطة رجل الدين.

لهذا، جوابا على سؤالك الكريم، لو كان بيدي الاختيار ساختار العقلانية الشاملة لتحديث الدولة، وليس العلمانية المثقلة بدلالتها السلبية لدى شعوبنا. فأنا أتطلع لدولة مدنية، دولة المواطنة، دولة المؤسسات، دولة تحترم الدين ولا تزج به في أتون السياسة.

النظام العلماني سيؤدي دوره الإيجابي في مجتمعات أخرى، نحن الآن نعيش فعلا (أنت في أمريكا وأنا في أستراليا) في ظل دول علمانية، ونشاهد كيف تحترم السلطات الأديان، وتساهم في نشاطاتها ولو جزئيا، فتتخذ من العلمانية أسلوبا لحماية الأديان المتعددة، والمذاهب المختلفة. فجميع المسلمين وغير المسلمين يمارسون طقوسهم وشعائرهم بكل أمان وحرية، بينما لا يستطيع المسلم من مذهب آخر التجاهر بجميع طقوسه وشعائره، في دولة يحكمها مذهب مختلف. فأيهما أفضل دولة تحمي الدين أم دولة يتسلط عليها رجل دين ويضطهد كل من يخالف آراءه وعقائده؟. لكن المشكلة أن خصائص الشعوب مختلفة.

بالنسبة لشعوبنا تبدو العقلانية الشاملة أكثر إيجابية وفائدة، وستؤدي دور العلمانية الإيجابي في مجال السلطة السياسية، وتمارس دورها في ترقية الشعب ثقافيا وحضاريا.

أما بالنسبة للدولة، فأعتقد أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، ويكفي إهمال القرآن الكريم لعصبي الحياة السياسية والاقتصاد. حتى دولة النبي الكريم جاءت استجابة لتطور مجتمع المدينة، وهذا لا يمنع أن تقوم الدول على قيم ومبادئ الدين الحنيف، فالكتاب الكريم لم يهمل القيم والمبادئ وقد بيّنها بما يكفي، وذكر مبادئ تضبط أداء الدولة ورجالاتها على أساس العدل وكرامة الإنسان مطلق الإنسان.

فالدعوة إلى إقامة دولة دينية رغبات شخصية، لتكريس سلطة رجل الدين، وليس ذات الدين وقيمه ومبادئه. رجل الدين بطبيعته متحيز لطائفته، ومذهبه، ودينه وحزبه فكيف يمثل إرادة الله وسلطته المطلقة؟ السلطة وفقا للمنطق القرآني يجب أن تقوم على العدل (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، ولا عدل مع التحيز والطائفية. والأمر لا يخص دينا دون آخر، ولا مذهبا دون سواه، فالجميع يرتكز الى حديث الفرقة الناجية: هو على حق مطلق والآخر باطل مطلق فيجوز له نبذه وإقصاؤه، بل واضطهاده ومصادرة حقوقه وحرياته.  ومهما تظاهر رجل الدين بالتسامح فهو يخفي في داخله خصومة مريرة للطرف الآخر، وهذا مكمن الخطر، وقد عانت الشعوب من الحروب الدينية بين المذاهب المسيحية والإسلامية.

وبالتالي مع وجود رجل يقاتل من أجل فرض سلطة مطلقة باسم الدين والتشريع، وفقا لمذهبه، ودينه ورأيه العقيدي والفقهي، تكون العلمانية سبيلا لحماية الدين من هؤلاء، وضمان مجتمع متوازن في الحقوق والواجبات، بما فيها الحقوق الدينية ووممارسة الشعائر.  لكن كما تقدم: أطمح إلى (عقلنة الدولة والمجتمع والثقافة والفكر) بدلا من دولة علمانية. ونحتاج إلى (عقلانية شاملة) بدلا من علمانية الدولة. فلا يكفي فصل الدين أو هيمنة رجل الدين عن الدولة ككيان سياسي، بل نحتاج إلى تحرير العقل مطلقا من اللامعقول ليحتل العقل مكانته في فهم الدين والحياة والدولة والمستقبل، ويكف الشعب عن التشبث بالخرافات التي أثقلت كاهل العقل العربي والعراقي خاصة.

 

س30: د. عبد الإله الصائغ: كيف ينظر مشروعك التنويري الى تخندق الناس معظم الناس مع المصلحة الذاتية والخرافة ذات الجذر الديني؟!

ج30: ماجد الغرباوي: تخندق معظم الناس مع المصلحة الذاتية، يكشف عن وجود خلل في نظام القيم لدى الفرد والمجتمع .. خلل أطاح بالقيم الدينية والوطنية والإنسانية وأرداها مشلولة خدمة لمصالحه الشخصية. ولا يمكن التخلص من الأنانية، وغلبة المصلحة الذاتية على المصلحة العامة إلا بقيم ومبادئ فاعلة، في إطار ثقافة وطنية تربّي الفرد على الولاء للوطن وتقديم المصلحة العامة على مصالحه الشخصية، وبيئة سليمة، وقدوة صالحة، وحينما يتجرد الإنسان من قيمه الدينية والأخلاقية والإنسانية، يتحول إلى كائن شرير. وللأسف الشديد المصلحة الذاتية باتت لا تعلوها مصلحة أخرى بفعل البيئة الاجتماعية والسياسية التي تواطأت على الأنانية واستبعاد المصلحة العامة، ثم يأتي القدوة الفاسدة، من إسلاميين وغيرهم، فيكرّس روح الأنانية في الوسط الاجتماعي، تحت ذرائع دينية مزيفة. فمن الطبيعي أن تستشري روح الأنانية، ويستشري الفساد على حساب الوطن والشعب. لذا فالقضاء على العناصر السياسية الفاسدة، وتطبيق القانون بصرامة، ومحاسبة من يقدم مصلحته الذاتية على المصلحة العامة سيساهم في زعزعة هذا الشعور اللا أخلاقي.

للأسف تراجع الشعور الوطني عرّض البلد للاختراق من قبل دول أخرى بعد أن مهّدت لها أوساط اجتماعية حسمت ولاءها لطائفتها وحزبها ومصالحها الشخصية.

أما بالنسبة للخرافة ذات الجذر الديني، فمردها إلى سذاجة الوعي، وانتشار خطاب ديني يكرّس الخرافة، بعيدا عن العقل. فعندما يتراجع الوعي حد السذاجة وتقديس رجل الدين والتراث مطلقا، بفعل الجهل والأمية، تنتشر الخرافة. إضافة إلى عوامل أخرى مساعدة، كالبطالة واليأس، وفقدان الأمل بالمستقبل، واستبداد قيم العشيرة، وتدني المستوى العلمي، وروح الانقياد، وغلبة الشعور العاطفي، والتعصب الديني والمذهبي، وأسطرة الرموز التاريخية والدينية، وعدم وجود فكر فلسفي يقدم رؤى حياتية مختلفة. فما زال الفكر عندنا مشغولا بالموت والآخرة بعيدا عن الإنسان والحياة، وتخلي المثقف عن مسؤولياته التاريخية في النقد والتوقيم واتخاذ الموقف الصحيح.

لكن يبقى للعامل الثقافي والفكري والعقائدي دوره البالغ في تحطيم بنية الوعي، لذا ينبغي اتخاذ جميع الخطوات اللازمة وبكل شجاعة من أجل انتشال الوعي، وأعتقد أن المراجعة والنقد الصارم لجميع المقولات الدينية والتراثية بات واجبا، لتحطيم مرجعية الخرافة ذات الجذر الديني التي راحت بفعل العقل الجمعي تفرض نفسها كسلطة توجه سلوك ومشاعر الناس البسطاء. فنحن بحاجة لتضافر الجهود من أجل مجتمع عقلاني، لا تخدعه الخرافة، ويبقى للعقل دوره في محاكمة الأفكار والعقائد وفق مرجعياتها الصحيحة.

 

س31: د. عبد الإله الصائغ: بات الناس يشكلون إرهابا على المفكر وهم ضحايا الإرهاب!. هل فات أوان إصلاح الفكر الجمعي المنحرف في منطقتنا أم أن ثمة ضوءا تراه آخر النفق المظلم؟!

 أكرر اعجابي بدأب المفكر ماجد الغرباوي

ج31: ماجد الغرباوي: شكرا لتواضعك واعجابك سيدي الكريم، الذي يشد على يدي لمواصلة طريق الإصلاح والتجديد، ومنكم نستمد روح المثابرة، وقد سبق جهدكم وعطاؤكم وابداعكم.

عندما تستقرئ تاريخ الأنبياء والمصلحين تجده سلسلة تحديات وعقبات وسلبيات، لكن الاصرار يفتح آفاق الأمل. فرغم تراكم الظلام على عقول شعوبنا بفعل الخرافة والخطاب الديني السلبي، ورغم كل الإرهاب الفكري والعقائدي، لكن ثمة أملا في انتشال العقل الجمعي، بفعل وسائل الاتصال الحديثة التي راحت تغذي الشعوب بمفاهيم جديدة، وتحرضهم على نقد الوضع السائد، ومحاكمة الأفكار والعقائد بحرية كافية، وهذه حالة جديدة لم نألفها، تبشر بخير، لكن ما زال الطريق طويلا، حيث استغل الغلو الديني والخرافي تلك الوسائل ليبث سمومه، ويوجه العقل الجماعي بما يخدم أهدافه. لذا استشرت الخرافة في بعض الأوساط الشعبية، رغم انتشار الوعي في صفوف المثقفين. فبين فترة وأخرى تظهر في العراق مثلا خرافة جديدة، وشخصية دينية تكرّس اليقين السلبي دون اليقين الإيجابي. نأمل أن نساهم جميعا في ترشيد وعي الناس. ويبقى الرهان على قدراتنا الفكرية، وشجاعتنا في نقد المقولات الدينية التي تتسبب في تكريس الخرافة، والجهل، والأمية، وتعمق روح العبودية للتراث والماضي. فالخطوة الأولى تحرير العقل من قيوده الموروثة والمكتسبة، التي تكبّل حريته وقدرته على المراجعة والنقد، وتجعل منه إنسانا منقادا لا إراديا. ويبقى الرهان على المثقف وقدرته على التغيير. فهل لدينا مثقفون بمستوى المسؤولية التاريخية؟.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

 almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8saleh alrazukخاص بالمثقف: الحلقة السابعة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة د. صالح الرزوق.

 

س25: د. صالح الرزوق: توجد عودة وجدل لمسألة الواقع المادي والواقع الرمزي، حتى بابا الفاتيكان بدأ يشكك بمشكلة جهنم والجنة، واعتبرهما مقولات تدل على الثواب والعقاب، رمزيا، وليس بالضرورة بطريقة حرفية. هل برأيك أن نار جهنم وأنهار العسل والغلمان إحالات لعقل مادي لا يفهم بالتجريد أم أن المسالة مقصودة بذاتها وليس لذاتها باللغة الهيغلية المعروفة؟.

ج25: ماجد الغرباوي: طالما كانت هذه المسألة مورد خلاف بين علماء اللاهوت والكلام بل وغيرهم: هل المعاد جسماني أم روحي ونفسي؟. وهل سيعذب جسد الإنسان بالنار حقيقة أم تتعذب روحه عذابا نفسياً؟ .. ظاهر الآيات يعضّد النعيم والعذاب الجسماني، فهناك نار، وحجيم وسعير بتفصيلات مختلفة، كما في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا". فظهورها في العذاب الجسماني واضح، حينما تؤكد أن جسد الإنسان يتعرّض للعقاب مباشرة (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ). وأيضا بالنسبة للنعيم، يتنعم الإنسان ماديا بجسده وروحه وجميع مشاعره، فهناك جنة، ونعيم، وأنهار من الخمر والعسل إلى غير ذلك، والقرآن أفاض في بيان مشاهد يوم القيامة، لهدف أهم من الجانب الحسي والمادي.. وأيضا بإمكان الرافضين للمعاد الجسماني الاستعانة بتأويلات قرآنية للاستدلال على صحة رأيهم، خاصة أن العذاب النفسي – الروحي أشد وأعنف من العذاب الجسماني.

أما عن الشق الثاني من السؤال: "هل برأيك أن نار جهنم وأنهار العسل والغلمان إحالات لعقل مادي لا يفهم بالتجريد أم أن المسألة مقصودة بذاتها؟" ..

تعلم أن أحد أهداف الأديان تنمية الوازع الذاتي وروح التقوى عند الإنسان المؤمن، من خلال الترغيب والترهيب، من أجل مجتمع عادل فاضل. فالخطابات القرآنية تستهدف عقل الإنسان ووعيه، وبالتالي فهي بحاجة الى زخم من النصوص لمكافحة النزعة المادية الشرهة عند الإنسان، واستنبات قيم الفضيلة مكانها. بحاجة الى وازع داخلي يردع الإنسان عن اقتراف المعاصي، ويدفعه باتجاه عمل الخير والمعروف، خاصة وأن مشاريع الإسلام قائمة على التعاون والبر والمساعدة والعمل التطوعي، وهذا بحاجة الى قوة دافعة بالاتجاهين، من هنا كان عدد آيات الترهيب والترغيب هي الأكثر في القرآن من أجل خلق شعور حقيقي لدى المؤمن، وإلا يتعذر على الإسلام مواصلة مشاريعه وتنفيذ استراتيجيته على جميع الأصعدة. وقد جاءت مشاهد يوم القيامة قرآنيا مترعة بأحاسيسها المادية، لتحقق هدفها. أي خلق وازع ذاتي رادع وفاعل باتجاه الخير والصلاح. والأمر لا يقتصر على العرب خاصة كي يقال كما جاء بالسؤال إن العقل آنذاك مادي لا يفهم بالتجريد، لأن الترميز هنا لا يحقق المطلوب كما هي المشاهد المادية، لذا استغرقت الآيات في بعض التفصيلات لتقريب الفكرة للمتلقي. فالمشاهد الوصفية للجنة والنار جاءت لتعبر عن حجم العذاب والنعيم، فراحت ترسم صورا من زوايا مختلفة تشد الناس لها بشكل مذهل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر.

من جهة ثانية: إن الأمر مرتبط بفهمنا للوحي ومداليله، فالوحي ليس كلاما أو صوتا إنما هو إيحاء ينبثق داخل النفس فجأة، فيكون مسددا حينما يكون مصدره إلهيا، كما بالنسبة للمرسلين والأنبياء. فالمشاهد هي تجلٍ للوحي على شكل سرد أدبي باذخ في بلاغته وصوره الشعرية الموحية والآسرة. فهي تهدف إلى ما هو أبعد من جانبها المادي.  فهذه القضايا ليست مقصودة بذاتها، لذا تذهب الآيات بعد وصف الجنة لتقول: (ورضوان من الله أكبر)، في إشارة لمن يفهم الترميز أن المسألة لا تتوقف عند ثواب الجنة وعذاب الآخرة، بل هي أبعد من ذلك. أو قول الرسول في وصف الآخرة: "ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على بال بشر". فالآية الكريمة والحديث الشريف تمنح الآخرة أو يوم الحساب بعدا آخر تتلاشى معه قيمة الجنة والنار. فمثلا ما قيمة العذاب أمام عذاب أكبر هو غضب الإله، ونبذ المجرم رغم سعة رحمته؟ أو ما قيمة العذاب الجسماني أمام غضب الله جبار السماوات والأرض، حنيما يشعر المذنب أنه منبوذ، مغضوب عليه؟ فالقرآن يوازن بين البعد المادي والجانب التجريدي، فمن يتمتع بحس تجريدي ففي القرآن ما يشبع نهمه، ومن يقف عند الحس المادي فلديه ما يرتوي به من مشاهد مادية مسكرة، خاصة والقرآن بخطابه البلاغي يجعلها تنساب مع المشاعر لتخلق حالة شعورية غريبة، هي تلك الحالة التي كان يندفع بها المقاتل المسلم لا يبالي بالموت، أمام نعيم ينتظره: إما النصر أو الشهادة.

وملخّص الكلام، إن مشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم تعبير آخر عن رضا الله تعالى وغضبه، سواء كان لها واقع مادي أم لا، لأن ما يتمخض عن الجنة والنار بكل تفصيلاتهما، هو الشعور بالسعادة والشقاء، فهما أساس الترغيب والترهيب، وهما نهاية الطموح. لكن مهما كان مستواهما لا يرقيان للسعادة والشقاء الروحي والنفسي، فحرارة الحب تنطفئ على صخرة المادة والزواج، بينما تتوهج قبل ذلك، وتلهب خيال العاشق فيعيش أجمل اللحظات، لذا يحن الناس لأيام الحب العذري. وكذلك حرارة العذاب والخيبة والبؤس بسبب غضب الحبيب أو عدم رضا عزيز عليك أو شخصية مهمة. بل أن معاناة العزلة أشد على الإنسان من الآلام الجسدية حينما يعيش عزلة اجتماعية خانقة. من هنا جاءت عقوبة السجون ليتعذب المجرم نفسيا بسبب العزلة الاجتماعية وقيود الحرية الشخصية. فالسعادة والشقاء دليل الرضا والغضب وخيبة الأمل.

وبالتالي فإن نفي العذاب الجسماني لا ينفي الثواب والعقاب، لأنه ظلم، ومقتضى العدل أن ينال الإنسان جزاء أعماله، فينصف الله المظلومين، ويجازي الظالمين والمفسدين، ممن سفكوا دماء الأبرياء أو ضللوا الناس باسم الدين وتطبيق الشريعة. وأما على الصعيد الدنيوي فإن إيمان الإنسان باليوم الآخر كفيل بخلق وازع يمنعه من ارتكاب الموبقات، ويدفعه باتجاه عمل الخير.

 

س26: د. صالح الرزوق: كيف تنظر لسياسة استيعاب المشركين التي اتبعها النبي في فتح مكة؟. ألم تسهّل على المنافقين تهديم العقل الإسلامي وتلغيمه من الداخل؟. وهل هي من عنديات الرسول أم أن أحدا أشار عليه بها؟. وهل هي جزء من خطة فتح مكة وفق اتفاق سري أبرمه نواب ووسطاء الرسول مع رموز المجتمع الوثني؟. أعتقد أن الفتح لم يكن عفويا وسهلا كما نروج له. ففتح الموصل على يد داعش وسقوط الرقة أيضا بيدها لم يكن إلا نتيجة عمليات استخبارية ومكائد وخطط مسبقة. أين يقف فتح مكة من المشهد؟. وهل هناك بنود سرية مصموت عنها؟. ولماذا هذا التساهل مع أعداء النظام الجديد؟.

ج26: ماجد الغرباوي: تعلم أن محمدا نبي مبعوث، هدفه تبليغ رسالة الإسلام، والإسلام كدين يعني: منظومة عقائدية، أخلاقية، عبادية، تشريعية، ترتكز على وحدانية الخالق، على الضد من تعدد الآلهة، واستبدال التشريعات والنُظم الأخلاقية بأخرى ترتبط بالإله الواحد، من هنا تصادمت مصالح العرب وقريش خاصة مع الدين الجديد. ولما تضررت مصالحهم الإقتصادية ومقاماتهم الاجتماعية، راحوا يترصدون الدعوة الجديدة، حتى رفعوا السيف بوجه الرسول الكريم وأصحابه.

طوال الفترة التي قضاها في مكة كان هدف واحد يتحكم بمسار النبي ورسالته، هو توظيف ما هو متاح من تدابير لتفادي قريش وكيدها بالدين الجديد، ثم اضطر للهجرة وهو يحمل الهدف ذاته: الدعوة إلى الإسلام، غير أنه اصطدم بقريش مرغما، فنازلهم الحرب وانتصر عليهم. فالحرب ليست هدفا للنبي، لذا عندما أتيح له مهادنة قريش وفق شروطه، بحيث يستطيع تحقيق هدفه كاملا، استجاب لذلك (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). وكانت سياسة حكيمة، وموقف تاريخ، تفادى به الرسول الكريم سفك الدماء، ووضعت الحرب أوزارها وعاش الناس بسلام، ثم بدأت القبائل تدخل الدين الجديد، بلا حرب وقتال، وهذا ما كان يصبو له النبي الأكرم، حتى وصف القرآن دخولهم بالدين الجديد قائلا: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا). وبالتالي يأتي التقييم لهذا الحدث على أساس الهدف الأساس للنبي محمد ورسالته.

أما بالنسبة لسؤالك: ألم تسهّل (سياسة الاستيعاب) على المنافقين تهديم العقل الإسلامي وتلغيمه من الداخل؟

لا شك أن الإسلام عانى طويلا من المنافقين، جميع المنافقين، بما فيهم من تخندق مع أبي سفيان، من قريش وأهل مكة، بل أن بعض الصحابة في أعماقه كان منافقا بل ومرد على النفاق، أي أدمن عليه، حسب تعبير الآية، وهم بعض صحابة الرسول في المدينة، لكنه عجز عن تشخيصهم لولا إخبار الوحي بذلك، تقول الآية: "وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ". علما أن القرآن مدح الصحابة لكن أيضا كشف نقاط ضعفهم.

ما أريد قوله إن النفاق مشكلة عانى منها الإسلام والرسول وليست مختصه بقريش بعد الفتح، بل أن خطر من كان مع النبي أكبر وأقوى، لأنه يجهلهم. وقد ظهرت تداعيات حالة النفاق بعد الرسول بشكل مفضوح. وبالتالي فحساب الربح والخسارة في فتح مكة يقاس من زاوية أخرى، فنجد أن كفة المهادنة وعقد صلح الحديبية جاءا لصالح المسلمين، وهذا نصر حقيقي. وما أقوله ليس دفاعا، بل مقاييس الربح والخسارة في الحروب يرجح كفة الفتح.

ثم لا تنس قوة الرمز القبلي آنذاك، لذا عندما جعل النبي بيت أبي سفيان آمنا، كسب ود القبائل القرشية إضافة الى توطيد الأمن في مكة. وأبو سفيان شخصية كبيرة بإمكانه تجييش الجيوش من موقع قوة حضوره القبلي. وأخيرا لو أن محمدا نازلهم، وسفك دماءهم داخل مكة، الحرم الآمن لجميع الناس، لكانت نكسة تاريخية، ولمّا تحقق من أهدافه شيء يذكر بل سيبقى متهما على طول التاريخ.

أما ما تبقى من تفريعات السؤال: فالثابت تاريخيا أن الرسول قصد مكة للعمرة، ولم يكن راغبا بحرب فلم يأخذ من عدتها إلا مقدار الضرورة، وعندما نزل الحديبية كانت قريش قد سمعت بقدومه فأرسلت تستطلع الأمر، ثم أرسلت ثانية سهيل بن عمرو للتفاوض، فأسفر وجوده عن إبرام عقد تاريخي معروف بصلح الحديبية، عاد بنتائج طيبة على المسلمين، والدعوة الإسلامية. وكان قبل وفود قريش قد ذهب عثمان بن عفان مندوبا عن الرسول لقريش وقد أخبرهم أنهم يقصدون العمرة وليس الحرب، غير أن قريش جيشت الجيوش لولا إبرام الصلح. لا توجد تفصيلات كثيرة، لكن لا يستبعد أن شخصيات مناصرة للنبي داخل مكة ساهمت في ترويض عنجهية قريش وإجبارها على قبول الصلح. أما بالنسبة للمقارنة بين فتح مكة ومطاردة داعش في الموصل والرقة، أعتقد الأمر مختلف وتقنيات الحروب قد اختلفت بشكل كامل، وأصبح الاستخبار والتفاوض والخداع تقنية ناجحة حاليا، بواسطتها يمكن اختراق المجاميع التكفيرية المتطرفة، وبالفعل اندحرت داعش وكان للمعلومة دورها في اندحارهم والقضاء عليهم.

 

س27: د. صالح الرزوق: لا يوجد لدى العرب قبل السادس للميلاد حياة ذهنية غنية، فالخيال فقير جدا، والأساطير والخرافات ليست بمستوى المعتقدات القديمة للإغريق والرومان، وهذا يضعنا أمام مفارقة غريبة حقا: إن القرآن والسنة لهما نشاط خيال سردي ارتبط في أذهان العامة بعنوان معروف وهو أحسن القصص، فقصص القرآن معين لا ينضب لعدد من القاصين المعاصرين ناهيك عن السينما والرواية المعاصرة ولا سيما التي تدمج الإسلامي باللاهوت اليهودي. وأضرب على ذلك مثالا بأعمال الفنان المصري المعروف يوسف شاهين. الكتب السماوية كلها قصصية، سواء الإنجيل أو التوراة والقرآن الكريم. لكن "مونوسمرتي" وهو كتاب الهندوس المقدس و" الدامابادا " وهو كتاب بوذا المقدس عبارة عن تعاليم وعظات بلا سرد، لا يوجد هنا وجود للسيرة والحكايات، ولكن إنشاء ديني بلا ترنم ولا أناشيد وبلا كنايات أو مجاز.

السؤال: ما السبب علما أن الحياة الروحية لأهل المشرق أغنى من الحياة الروحية للبدو في شبه الجزيرة، لماذا هذه الانعطافة من المباشر الى المجاز والخيال الرمزي عند العرب المسلمين وهذه الردة من النشاط الروحي الى المواعظ السلوكية عند أبناء المشرق؟. هل من تفسير ديني أم أنها مشكلة في العقل والحضارة؟. وما الفرق بين حضارتنا وحضارتهم؟ وهل لعب ذلك دورا في إنضاج فكرة الجوهر الإلهي عند المسلمين مقابل انفصال الروح عن الصورة، فتماثيل بوذا برأس واحد لكن بعدد لا يتناهى من الأيدي والعيون؟.

ج27: ماجد الغرباوي: المعروف أن معاجز الأنبياء أثبتت صدقها من خلال تحديها للسائد والمتداول، فلما كان السحر هو السائد في قوم فرعون تحداهم موسى بالعصا والحية، فذعن له السحرة على الضد من فرعون وجبروته. وكذا بالنسبة الى معجزة عيسى، يُحيى الموتى وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فكانت تحد لبيئة معروفة بالطب ومعالجة المرضى. وهكذا بالنسبة للقرآن، إنما تحدى قريش أن يأتوا بسورة من مثله، كان يلحظ الجانبين البلاغي وعمق المعنى. وبالتالي لا يصح التحدي ما لم تكن البيئة بيئة بلاغة وأدب وشعر وعاطفة. وهذا هو المعروف عن العرب وقريش خاصة، فهي حضارة جانحة في الخيال أكثر منها حضارة عقلية، وكان الشعر ديوان العرب ومحركهم. فالبيئة بيئة أدب وشعر، بيئة خيال جامح. فليست هناك انعطافة من المباشر الى الخيال والمجاز الرمزي. بل هذا من صميم لغتهم وحضارتهم، لذا كان وقع المعجزة قوية، وإلا لو كانت البيئة العربية بيئة عقلية لما نجح القرآن في تحديه لها، فكان النص القرآني يعزف على مخيلتهم ومشاعرهم ويفعل فعله، لذا استطاع النبي تعبئة المسلمين لمواصلة الدفاع عن حومة الإسلام وحياض عاصمتهم.

ثم بودي أن أسال عن مدى صحة مقارنة: الـ"مونوسمرتي" و"الدامابادا" بالكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن الكريم، رغم قدسية جميع هذا الكتب لدى شعوبها. فهل تشترك جميعها بجذرها السماوي؟. فربما الأسلوب يؤكد اختلاف المصدر، فتكون الكتب المنزلة ذات خصيصة أدبية تنسجم مع هدفها.

تقول في سؤالك: "العرب قبل السادس للميلاد حياة ذهنية غنية، فالخيال فقير جدا، والأساطير والخرافات ليست بمستوى المعتقدات القديمة للإغريق والرومان".

 هناك رأي آخر يعتقد بوجود خيال ذهني غني، وهناك أساطير وديانات ومعتقدات قديمة، حتى لو لم تكن بمستوى الإغريق والرومان، فمكة كانت مركزا مهمة، تجاريا وحضاريا ودينيا وثقافيا، وكانت هناك عدة ديانات نشطة، فهناك تثاقف بالضرورة، لازمه وجود نشاط عقلي وفكري مهما كان مستواه. لكن الذي حصل أنها أبيدت جميعها بعد فتح مكة، تحت عنوان تطهير مكة من الأصنام ومن الثقافة الوثنية، فلم يطلع العالم على تلك المدونات العقائدية إلا من نجى من التطهير الثقافي. فمثّل القرآن نقطة بداية، فكرا وعقيدة، بعد إقصاء كل المدونات العقيدية والدينية والأساطير. أتمنى الاطلاع على موسوعة السرد العربي للدكتور عبد الله ابراهيم، هناك تفصيلات وأرقام وشواهد كثيرة. إذن ثمة ثراء يسمح بالتحدي، وهذا بذاته دليل واضح. فما جاء بالسؤال بحاجة الى إعادة نظر مع احترامي لوجهة النظر.

أما الشق الآخير من السؤال، فلا شك أن (البيئة الثقافية – الدينية، مصالح المجتمع، التطور الحضاري، التجارب الدينية للشخصيات والرموز)، كلها عوامل تساهم في إعادة تشكيل العقل الديني باستمرار، فهو في جدل مستمر، هدم وبناء. بل وإعادة بناء الإنسان ثقافيا ودينيا، خاصة عندما تنعدم التحديات على العكس من الوقت الحاضر، حيث شكّل التطور الحضاري تحديا كبيرا، باعتباره شكا متواصلا يخضع كل شيء للعقل والتجريب.  وعليه فإن الاختلاف طبيعي بين البيئات المختلفة، وتجليات الاختلاف أيضا متباينة، لذا من الطبيعي ما ذكرت في السؤال: "هل لعب ذلك دورا في إنضاج فكرة الجوهر الإلهي عند المسلمين مقابل انفصال الروح عن الصورة ".

 فهم الدين تاريخيا، مرّ بمراحل تطورت فيه مفاهيم وبادت أخرى على أعقاب مفاهيم تولّدت في ظل فهم وثقافة أخرى، وهذا الأمر يختلف أيضا من دين إلى آخر. لاحظ كيف تطورت مفاهيم الدين المسيحي وتعددت مذاهبه، وما تمخض عن فهم الدين الإسلامي من مذاهب وفرق كلامية، وهكذا بالنسبة للديانات الشرقية. والفن – كما جاء في تمثيلك في السؤال – يعكس فهم الفنان للدين، ويعكس عقيدة المجتمع، وتمثال بوذا يعكس ذلك الفهم، بينما العقيدة الإسلامية تجريدية، ونصية، لا تجسد الإله، ولا يمكن أن تضع له تمثالا ولو كان رمزيا، لعدم وجود تجسيد في العقيدة الاسلامية.

وبالتالي فطبيعة البيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية تفرض نفسها على النص الديني، فيأتي النص بشكل مؤثر عندما يوظف خصائص البيئة لصالح رسالته، وهذا أحد أسباب التباين في الديانات، سواء كانت إلهية أو وضعية. لكن تبقى الديانات السماوية بالأخص الإبراهيمية تحمل ذات الروح والهدف والركائز العقائدية.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

 

 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة السادسة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة د. صالح الرزوق.

 

س22: د. صالح الرزوق: تناول الأدب العربي ولا سيما الرواية سيرة النبي (ص) في عدة مناسبات، في المقدمة ملحمة سيد قريش لمعروف الارناؤوط السوري صاحب القلم الرومنسي، وتلاه علي الطنطاوي في قصص من تاريخ الاسلام.

- هل يجوز تفسير سيرة الرسول بأساليب فنية غير موثقة؟

- هل تنظر لهذا الميتا نص على انه جزء من بعثة جديدة او رسالة متخيلة ترمم الفراغات بنتاج الذهن؟ بتعبير آخر، هل يمكن اعتبار هذه الكتابات جزءا من السيرة ومتمما لها ام انها موضوعة ولا يجب الأخذ بها في مجال الحقيقة؟.

ج22: ماجد الغرباوي: لنتفق أولا ان كتب السيرة قد دونت حياة الرسول الكريم، وما اكتنفها من أحداث ووقائع، فسجلت مراحل الدعوة، موقف قريش منه، هجرته، حياته في المدينة، علاقاته مع أصحابه، حروبه ومغازيه .. الى آخره. واقول لنتفق اولا، لان كتب السيرة شأنها شأن الكتب التاريخية اعتمدت الرواية مصدرا في تدوين الأحداث والوقائع، وأنا لا اثق دائما بالروايات، بفعل التزوير والتحريف الذي طرأ عليها. إضافة إلى تأثر المؤرخ بخلفيته ومواقفه وعقيدته واتجاهه السياسي والاجتماعي، فهو متحيز دائما لها، بل ويتقصد أحيانا طمس الحقائق لصالحه. وإذا كان القرآن عصيا على التحريف، لتواتر نصوصه، فالروايات نبع لا ينضب، لذا يستشهد بها الجميع، ويتخذ منها مصدرا لتأكيد أقواله، رغم تقاطع الآراء واختلافها.

نعود للسؤال: هل يمكن اعتبار الكتابات الأدبية عن السيرة متمما لها، أم أنها موضوعة، لا يجب الأخذ بها في مجال الحقيقة؟ .. بلا شك لا يمكن اعتبارها متمما لها في مجال الحقيقة، لأن المعني بها كتب السيرة والتاريخ حصرا، فأي اضافة تحتاج الى دليل قاطع، والأدب لا يهتم بالأدلة قدر اهتمامه بايحاءات السيرة، التي تثري الخيال الأدبي فينطلق في صياغة مشاهد وأحداث مستوحاة منها. وهذا فارق شاسع، لا يصدق أنه متمم للسيرة في مجال الحقيقة. لكن يبقى له دور كبير في تصدير السيرة بلغة أخرى. فالأدب ناقل للسيرة عن مصادرها، ويعرف بها بطريقة أدبية وفنية.

أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال: هل يجوز تفسير سيرة الرسول بأساليب فنية غير موثقة؟ نعم يجوز متى ما حافظت الوسائل الفنية على روح الحقيقة، بلا تزوير. يجوز لأنك تقول تفسيرا، والتفسير بيان وشرح وهو متاح للجميع بما فيهم الأدباء، لكن ضمن الضوابط التاريخية في تسجيل حقائق السيرة. فمثلا يجب اعتماد مصادر موثوقة، خاصة مع تعدد المصادر حول بعض الحقائق. أيضا ينبغي الانتباه الى حجم التزوير في كتب السيرة النبوية، بفعل السياسة والمصالح المذهبية. أو بفعل العداء التاريخي لليهود، حيث عمدوا الى تسريب كثير من الأحداث الكاذبة بهدف تشويه سيرة النبي أو بهدف تعضيد ما يخص دينهم، وسمي هذا النوع من الروايات المدسوسه بالإسرائيليات.

أنا مع الأعمال الفنية والأدبية المستوحاة من السيرة لأنها أكثر تأثيرا في المتلقي، وأسرع في رسم صورة واضحة عنها في ذهن المشاهد والسامع. فكونها كتب مستوحاة لا يعني أنها اضافة على مستوى الحقيقة رغم أنها اضافة على مستوى التوظيف والتسويق والشرح والبيان، وهذا عمل جليل ومهم نحن بحاجة ماسة له. ففرق شاسع بين قراءتك لقصة تاريخية تعكس حجم ما يتمتع به الرسول من أخلاق حميدة، وشعور إنساني كبير تجاه صحابته، وبين مشهد تمثيلي يجسّد تلك الحقائق، عبر قصة أدبية أو فلم سينمائي. الثاني أكثر تأثيرا، لأن مشاعر الانسان تتفاعل أكثر مع الصياغات الأدبية والمشاهد التمثيلية.

 

س23: د. صالح الرزوق: في الادب ايضا كتب جرجي زيدان سلسلة روايات تاريخ الاسلام، وهي مليئة بقصص الغرام الممنوع والدسائس والقتل والاغتيالات، والخيانة الزوجية احيانا، كان زيدان يبحث عن التشويق، فما هو حكمها من وجهة نظر تربوية، هل نقبلها على علاتها ام نمنعها؟ وهل المنع أسلوب جائز شرعا والاسلام لم يضع حدودا واضحة بين الافتراء والمخالفة، ولو منعناها الا تعتبر خطأ تراجيديا مثل الخطأ التاريخي لحروب الردة؟.

ج23: ماجد الغرباوي: قرأت هذه السلسلة مبكرا، وكنت أصغي لأختي الأكبر وهي تقرأعلى مسامعنا هذه القصص قبل النوم، بأسلوب مشوق، فأتفاعل مع تراجيدية السرد، وأتعاطف مع البطلة أو البطل، وأحيانا أبكي لبكائها. كانت تستوقفني بل أشك في بعض المشاهد والأحداث، خاصة ما يخص الشخصيات المعارضة للحكم الأموي، فالتشويه مقصود. كما بالنسبة لرواية غادة كربلاء وغيرها.

إذاً لا يمكن اعتماد هذه المجموعة من القصص التاريخية مصدرا تاريخيا، لكن لا إشكال في تناولها عملا أدبيا، فالمؤلف غير مسؤول عما ورد من وقائع تاريخية ما دام قد اعتمد في نقله على مصدر معتبر حسب رأيه. نعم بالإمكان نقل الخبر الوارد في هذه الروايات مع ذكر المصدر لتفادي تضليل السامع.

العمل الفني والأدبي لا يبرر الكذب والاضافة بدرجة تعكس انطباعا سلبيا لدى المتلقي، خاصة بالنسبة للحقائق التاريخية الموثقة. مثلا عندما يتعمد الكاتب تشويه شخصية تاريخية تعد رمزا دينيا كبيرا لم يسجل ضدها التأريخ أية مخالفة أخلاقية، فهذا لا يجوز لا دينيا ولا أخلاقيا تحت أية ذريعة. لكن هناك مساحة واسعة أخرى بامكانه توظيفها أدبيا وفنيا لتلبية ضرورات السرد والتشويق، لكنها لا تعد حقائق تاريخية مطلقا. وعلى الأديب توخي الحذر، فالأدب سحر مؤثر جدا، وله قابلية ترسيخ المعلومة بفضل تقنيات السرد الأدبي ، ومكمن الخطر عندما يسوّق معلومات خاطئة، أو مقصودة لتشويه حقائق تاريخية أو شخصيات تعد رموزا دينية كبيرة. خاصة ضمن وسط اجتماعي ما زال يقيم علاقاته على أساس أحداث تاريخية، فيحب ويكره ويعادي على أساسها، فكم من مسلّمة تاريخية لا حقيقة لها، لكنها مازالت تلعب دورا سلبيا في العلاقات العامة بين المذاهب والأديان.

الموقف السلبي من الفكر ضَعفٌ وهزيمةُ نكراء، يجب علينا مواجهة أية فكرة فنأخذ بها إذا كانت صحيحة أو ندحضها. فأنا لست مع حظر ومنع أي كتاب، ردا على ما جاء في السؤال، ولست مع ما يطلق عليه الفقهاء بكتب الضلال .. المنع سيحولها إلى تحدٍ، ويجعلها كتبا مهمة، تستفز الناس وتثير اهتمامهم. فالأفضل مناقشتها والرد عليها ليتناولها القارئ كأي كتاب آخر، قد يتفق أو يختلف مع آرائه. ربما تتذكر كيف أصبح كتاب سلمان رشدي (الآيات الشيطانية) كتابا مهما انتشر عبر ملايين النسخ بجميع اللغات عندما أمر الخميني بمنعه وملاحقة كاتبه. لو لم يفعل ذلك لكان كغيره من الكتب التي تتحدث بنفس اللهجة والأسلوب والهدف، وربما أقوى لكنها مهملة بلا  أصداء. كما أن المنع والحظر بات عبثا في ظل وسائل الاتصال الحديث. فالمنع كما تفضلت سيكون: خطأ كبيرا.

أما ما جاء في نهاية السؤال: إن المنع سيكون خطأ تراجيديا، مثله مثل حروب الردة. فصدقت أن حروب الردة كانت كارثة وأشد مأساة من حادثة السقيفة وما جرى للصحابة فيها من تراشق بالألفاظ وارتفاع الأصوات، حتى استمات بعضهم من أجل السلطة. إنه تاريخ مؤلم لا يمكن لإنسان واع أن يفتخر به. حروب الردة اعترض عليها عمر بن الخطاب، وطالب بمحاسبة خالد بن الوليد، وأشاح علي بن أبي طالب وجهه عنها، وهما أقرب الصحابة لرسول الله. كانت قرارا شخصيا اتخذه أبو بكر لبسط سلطته. كان القوم مسلمين يشهدون الشهادتين، قتلوهم وبعضهم كان مشغولا بصلاته. وكانوا يرددون: (إننا مسلمون، نشهد الشهادتين). كل ما في الأمر منعوا دفع الزكاة بانتظار من يستحقها شرعا، وتوزيعها لفقرائهم. تاريخ يدمي القلب، الردة أسست لمسيرة طويلة من اقتراف العنف على يد الخلفاء والسلاطين، وأصبحت مصدرا شرعيا يستند إليه كل من سولت له نفسه سفك الدماء البريئة.

 

س24: د. صالح الرزوق: ماذا يعني القرآن بعبارة أحسن القصص؟ وهل هي حٍكَم تاريخ وسيرة أم انها امثولات رمزية يمكننا تأويلها حسب السياق؟

ج24: ماجد الغرباوي: يقصد القرآن بأحسن القصص ارتباطها بالهدف الكلي، أي العظة والعبرة، كما هو صريح الآية: " لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ .."، فصفة التفضيل لاحظت مدى ارتباط تقنيات السرد بالهدف الكلي، فالتفضيل وفق المنطق القرآني، لا يقتصر على تقنيات السرد كشرط أساس لمصداقية القصة، بل العبرة والموعظة هي مقياس التفاضل في القصص القرآني، رغم توفر شرائط القصة وفقا لضوابط النقد الأدبي. من هنا تتضح شرعية الشق الثاني من السؤال: هل القصص القرآني قصص واقعية أم إمثولات رمزية قابلة للتأويل، كما جاء في السؤال؟

هذا السؤال كان وما يزال مدار جدل طويل، لا يمكن حسمه إلا من خلال المرجعية القرآنية. حتى الروايات الدينية لا تنفع، لانها تعكس رؤية تاريخية، قد تجاوزها الزمن مع تقدم علوم اللغة والتأويل، كما أن أغلب تلك الروايات مشحونة بقصص خرافية، ربما ثمة من يصدقها في ذلك الزمان، أما راهنا فالأمر مختلف.

أهم إشكال أن نفي الواقعية عن القصص القرآني يلزم منه كذب الخالق، وهذا محال عليه. كما أنه يتنافى مع آيات الكتاب التي تؤكدالواقع، كقوله تعالى:

"لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ مَا كاَنَ حَدِيثًا يُفْترَى‏ وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَينْ‏َ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ‏ِ شىَ‏ْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون"

 "وَكلاُّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ في هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى‏ لِلْمُؤْمِنِين"

وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

على الضد من هذا الاتجاه هناك من يعتقد أن الغاية من القصص بصريح القرآن هي العبرة والموعظة، وهذا لا يلزم أن تكون القصة واقعية. ويكفي تأويل النص القصصي في إطار هدفه، أي العبرة والموعظة. وبعض هذا الاتجاه يؤكد رأيه بعدم وجود آثار تاريخية تعضد واقعية القصص أو بعضها، كما بالنسبة الى قصة سليمان وما اشتملت من تفصيلات لا يمكن تصديقها لولا ذكر القرآن لها.

لكن عندما ندقق في آيات الكتاب الحكيم ترتسم أمامنا عدة معالم تحسم هذه المسألة. فالكتاب الكريم يؤكد أن غاية السرد القصصي هي العبرة والموعظة، وبالتالي سيدور التأويل مدار الهدف الكلي: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ ..". فاكتشاف العبرة غير متاح إلا لأولي الألباب، وهذا يؤكد دور التأويل، وبالتالي رمزية بعض جوانب القصص. وهذا لا يتنافى مع الآيات المتقدمة لأنها ناظرة الى موضوع آخر يخص بعض التفصيلات في حياة الرسل والأنبياء، كما أن بعضها الآخر خطاب غير مباشر لأهل الكتاب، وكأن الآيات تخاطب أهل الكتاب أن ما لدى محمد من تفصيلات تاريخية حول الرسل ومسيرتهم الرسالية هي وحي من عند الله، لم يسبق له معرفتها، ولم يشهد أحداثها، وحي يوحى له، مما يؤكد نبوته. هذه المصفوفة من الآيات تختلف موضوعا، فلا يصح الاحتجاج بها ضد الرأي الثاني. أرجو قراءة الآيات المتقدمة ضمن سياقها كي يتضح لكم صحة ما أقول. فهي لا تنفي التأويل بل أن آية: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ .." تؤكد على استخدام العقل وتمضي  أدواته التأويلية من أجل اكتشاف العبرة والموعظة التي هي الهدف الأساس من السرد القصصي في القرآن الكريم. وخلاصة ما أقول: (لا شك في واقعية القصص القرآني، ولا شك أيضاً بإمكانية التأويل من أجل اكتشاف العبرة والموعظة كهدف أساس للسرد القصصي القرآني). وهذا ليس جوابا توفيقيا، وليس هروبا من السؤال، بل انسجاما مع آيات الكتاب الكريم. الذي ينفي واقعية القصص القرآني بحاجة لدليل قطعي، والآثار التاريخية لا يمكنها كشف جميع التفاصيل. وعدم الإيجاد لا يدل على عدم الوجود.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5saleh alrazukخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة د. صالح الرزوق.

 

س20: د. صالح الرزوق: لا زال النقاش محتدما .. الفتوحات كانت لدرء الحرابة كما فهمت من كتاباتك، ولكن توجد فكرة شائعة ان الفتوحات هي للتبشير بالإسلام، كيف نفسر إذا ما يسمى في الاسلاميات بالغزوات، الغزو يعني الهجوم، وتؤكد في كل كتاباتك ان الاسلام لا يرفع سيفه الا للدفاع عن النفس، بمعنى انه جيوشه هي جيش دفاع وليس جيش اقتحام؟.

ج20: ماجد الغرباوي: أكدت في كتبي كما اطلعت عليها د. صالح الرزوق، على عدة أمور. حيث ذكرت، في ضوء آيات الجهاد أن حروب الرسول كانت دفاعية. باستثناء معركة بدر التي أجازها الله تعالى لردع الظلم واسترداد الحقوق "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير". فمن حق المظلوم الدفاع عن نفسه واسترداد حقه وفقا لجميع الشرائع والأعراف، وذكرت ما يعضّد هذا الرأي بأدلة تاريخية وقرآنية بشكل مفصل بعيدا عن التحيّز، وبكل موضوعية في ضوء المصادر التاريخية المتاحة. وأيضا أكدت هناك، أن آيات القتال شُرعت للدفاع عن الرسالة بعد أن تمادت قريش في عدائها للنبي وأصحابه، حتى منعوا الناس من اعتناق الدين الجديد بالقوة، واضطهدوا من أسلم فعلا. فموضوع آيات الجهاد نصرة الرسالة، وفعليتها مرهونة بانتصارها، وقد أنتصر الدين الجديد بصريح القرآن، كما في قوله: "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا"، أو "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" وآيات آخرى، فما عاد الموضوع فعليا. وبالتالي لا تكون هذه الطائفة من الأحكام فعلية ما لم يتعرض الدين الإسلامي إلى الفناء، وهذا لا يمكن إطلاقا، حيث عدد المسلمين اليوم فاق المليار، ومن يلجأ لآيات القتال لتبرير حروبه وعدوانيته، أو يلتجأ للسنة النبوية لذات الهدف، سيكون موقفه صعبا يوم القيامة. فداعش مثلا اليوم تشن حربا شعواء على مسلمين مسالمين، يختلفون معهم مذهبيا أو فكريا وثقافيا ليس أكثر، فبأي دليل يجوز ذلك، بينما كان موضوع الجهاد في زمن الرسول خصوص الحرابة، فمن حارب الله ورسوله والدين الجديد بالفعل شملته آيات القتال. (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). فموضوع القتال محدد، وهو مقاتلة من يقاتلهم، شريطة عدم الاعتداء والتجاوز أكثر من ذلك، بل يفهم من الآية عدم جواز القتال الإبتدائي، لصدق مفهوم العدوان عليه. ولا دليل على نسخ آيات الكتاب الحكيم بآية السيف كما يدّعون زورا على القرآن الكريم.

إن وسائل الدفاع عن النفس والمال والوطن متوفرة ومبررة، ووسائل التبشير السلمي بالإسلام متاحة، فما المبرر لشن حروب عدوانية باسم الدين سوى السلطة وطموح الحكم؟ إن الإسلام لا يبرر لهم ذلك. والمناقشة مفصلة في كتبي لمن يرغب بالاطلاع عليها.

وحتى غزوات الرسول ليهود المدينة كانت دفاعية، بعد خيانتهم للعهود والمواثيق المبرمة بين الطرفين. فعندما حاصرت قريش وحلفاؤها المدينة في غزوة الخندق، تحالف بنو قريظة مع المشركين، خلافا للاتفاق المبرم معهم بموجب صحيفة المدينة التي نصت: (على أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وهم أحلاف أذا تحاربوا وألا يغدر أحدهم بالآخر). لذلك بعد هزيمة قريش وحلفائها، حاصرهم المسلمون فاستسلموا. وغادروا المدينة. وأتت غزوة بني النضير بعد محاولتهم اغتيال الرسول الكريم ، فطالبهم بالخروج من المدينة بعد عودته إليها. ولما رفضوا الخروج منها، وتحصنوا في حصونهم، حاصرهم عدة ليالٍ، فطلبوا الجلاء عن المدينة، فوافق الرسول بشرط أن يأخذوا ما تحمله الإبل من دون السلاح. وبنو القينقاع أجلاهم الرسول من المدينة بعد اعتدائهم وقتلهم لبعض المسلمين. والأحداث مفصلة في كتب التاريخ، وخلاصتها، أن السلوك الخياني لليهود وراء قتالهم وإجلائهم.

أما تفعيل أحكام الجهاد وزج المسلمين بعد وفاة الرسول بحروب جرارة بهدف التبشير فلا دليل عليه، ولا يوجد اضطرار لها، بل أثبت التاريخ أن الوسائل السلمية أكثر جدوى، حيث نشر المسلمون بأخلاقهم وسلوكهم وتعاملهم الحسن الإسلام في شرق آسيا سلميا، فلماذا إراقة الدماء باسم الدين. واليوم المسألة أوضح مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة، وانتشار المسلمين في الغرب، هروبا من واقع بلادهم طمعا بالعيش الكريم وحفاظا على أمنهم وأمن عوائلهم. لقد شغلوا المسلمين الأبرياء بمعارك وحروب سموها فتوحات، وكان الأولى أن يسهروا على تربيتهم وتثقيفهم بدلا من غرس روح العنف والقتال، والاحتكام للسيف بدلا من السلم، وربك ينادي النبي: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). فأين هؤلاء من منطق القرآن؟.  الانتشار السريع للإسلام بالسيف كان على حساب نوعية وتربية المسلمين، فالمسلم قبل أن يفهم شيئا عن الإسلام يزج نفسه في معركة لا يعرف عنها أي شي!!. بل ترك هذا النوع من الانتشار انطباعا سلبيا عن الإسلام كدين يفترض أن يكون دين رحمة ومحبة ووئام، أما الآن فالانطباع السائد أن الإسلام دين عنف وإرهاب وقتال، لا يفهم شيء عن السلم والتسامح. فمن المسؤول عن هذه النظرة السلبية التي ستبقى شاهدا ضد تسامحه ورحمته وعفوه؟.

الحروب التي شُنت بعد وفاة الرسول اجتهاد شخصي ودافع سياسي، ابتداء من حروب الردة، لبسط سلطة الدولة أو الخليفة. حروب الردة اعترض عليها عمر ابن الخطاب، ودعا إلى محاسبة خالد بن الوليد، وشاح علي بن أبي طالب وجهه عنها .. لماذا وهم الأقرب لرسول الله والقرآن؟؟ 

كما كانت هناك حاجة للغنائم لتغطية نفقات بيت المال، وليس هناك أفضل من الحروب لتسديد تلك النفقات، فكان هذا سببا آخر لشن المعارك في جميع الاتجاهات. فجاءت على حساب الاسلام وسمعته!.

ثم لماذا نفرض على الآخرين التخلي عن دينهم وعقيدتهم التي نشأوا عليها وترسّخت في وجدانهم بالقوة والسيف؟ لماذا لا نسمح لهم بالتفكير والمراجعة؟ وهل يعتقد أحد أن مسألة تغيير العقيدة أمر هين؟ إذاً من المسؤول عن إراقة الدماء بدعوة التبشير للدين الجديد؟؟

لا يحتاج الدفاع عن الوطن والسلطة إلى تحريض ديني وفتاوى فقهية، فالدفاع أمر مشروع للجميع، وهو طبيعة بشرية، بل حتى الحيوانات تدافع عن نفسها إذا تعرّضت لأي عدوان. السلطة تعلم جيدا تأثير الفتاوى الدينية، وخطب رجال الدين فراحت توظف هؤلاء المهيئين أساسا للتوظيف مع الأسف الشديد لتحريض الناس. أتذكر أيام الحرب العراقية الإيرانية، أن كلا البلدين كان يحرّض شعبه ضد البلد الآخر بفتاوى ونصوص دينية. وكنت أتابع في صحف البلدين انتشار الخرافات والأساطير حول شرعية الحرب بنفس الصيغ والأساليب الإعلامية!!، بل نفس الحكايات والقصص والأحلام. أنا لا أقول ليس هناك حق وباطل، ولا أقول ليس هناك معتدٍ ومعتدى عليه، لكن ردع العدوان لا يحتاج إلى توظيف نص ديني وتزوير الوعي، واصدار فتاوى، فهو مشروع أساسا من قبل الجميع، وفي توظيف النصوص فتنة خطيرة، تلتبس على الناس الطيبين. الشعوب التي لا تنهض للدفاع عن وطنها إلا بفتوى دينية شعوب مدانة في شعورها الوطني. فلماذا لا نربّي شعوبنا على حب الوطن والشعور بالمسؤولية؟.

إذاً، لا شرعية للحروب التي شنها المسلمون بعد وفاة الرسول بما في ذلك حروب الصحابة، لتوقف فعلية أحكام الجهاد على فعلية موضوعها (أي نصرة الرسالة)، وقد انتصرت فعلا بصريح القرآن، (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً)، ولا حاجة لأي حرب باسمها، وما جرى حروب سياسية وصراع على السلطة، لتوسيع رقعة الخلافة، وكبح المعارضة، وتغطية نفقات الدولة عبر غنائم الحرب، واشغال المسلمين لتفادي أي فراغ يفضي إلى تمرد ضد الخلافة.

الأخطر ما في الأمر، أن الغزوات أصبحت بمرور الأيام أحد مصادر شرعية ما يقترفه المتطرفون الإسلامييون، فيستمدون من مواقفها ما يشرعن ممارساتهم العدوانية وقتل الناس الأبرياء، كما فعلت داعش وأخواتها بحق المسلمين وغيرهم. لذا هناك حاجة ماسة لنقد التاريخ، خاصة غزوات وحروب الدولتين الأموية والعباسية ومن ثم الدولة العثمانية، تلك الحروب التي تمادت بسفك الدماء باسم الدين والإسلام، للكشف عن مدى شرعيتها وانسجامها مع قيم ومبادئ الدين الحنيف.

 

س21: د. صالح الرزوق: المشكلة التي تطرح نفسها اليوم هو العودة إلى الشريعة الاسلامية. هل يجوز اقامة دولة اسلامية مدنية لا تؤمن بمنطق العصر الحالي، وتنظر لمسألة التعايش كما نظر لها هتلر مع اليهود او كما كان ينظر لها العنصريون في جنوب افريقيا؟.

ج21: ماجد الغرباوي: هكذا دولة ستتحول إلى وبال على المجتمع الدولي، كما بالنسبة للدولة الاسلامية (داعش)، التي سفكت دماء هائلة من أجل إقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة حسب زعمهم. فماذا سيفعلون لو استتب لهم الأمر بعد أن كفّروا الجميع، واستباحوا دماء كل مخالف لهم بالرأي،  خاصة الند المذهبي. بات الوضع الآن مختلفا تماما، لا تستطيع أية دولة الخروج عن قوانين المجتمع الدولي بأي ذريعة كانت، وإلا تُحاصر وتقمع دوليا. ثم من قال أن تطبيق الشريعة الإسلامية يتوقف على وجود دولة؟ بإمكان أية دولة مسلمة تبني الشريعة الإسلامية. أو تتبني مبادئ الشريعة ومقاصدها، أما الأساليب المتبعة آنذاك فقد فرضتها الظروف الزمانية والمكانية، وطبيعة الحياة والمجتمعات، والآن تغير كل شيء وبتنا نعيش حياة أخرى. لذا يجب عدم التمسك حرفيا بالأساليب، والاكتفاء بقيم ومبادئ ومقاصد الشريعة، بما تقتضيه ضرورات العصر والزمان.

في دراسة: "دعوة لانقاذ الدين من سطوة الفقهاء"، ناقشت مدى فعلية الشريعة الإسلامية بعد ما يقارب 1500 سنة؟ لا رفضا للشريعة وأحكامها، لكنها نزلت في وقت كان المجتمع بحاجة ماسة لها، وقد أدت دورها كاملا. وعندما يتغيّر موضوع الحكم الشرعي، لم يعد فعليا، لأن فعلية أي حكم شرعي يتوقف على فعلية موضوعه، وفعلية الموضوع تتوقف على فعلية شروطه وقرائنه وكل ما يمت له بصلة. فالمرأة اليوم غير المرأة سابقا، في وعيها وثقافتها وفكرها وأفقها ودورها في الحياة.  التشريع آنذاك كان ناظرا إلى عقلها ووعيها ودورها في الحياة، ولم ينظر لها كجسد وأنثى كي يقال المرأة هي هي، ما الذي تغيّر فيها؟ كما أن الإرث حق وليس تشريفا كي يشرف الرجل ويفضل على المرأة، بل لأن دوره أقتضى التفضيل فتم تفضيله بالعطاء، فالتفضيل مشروط بقيام الرجل بوظيفته. (للتفصيل يرجى الاطلاع على كتاب: المرأة والقرآن، حوار في إشكاليات التشريع.)

وأنا أيضا أسأل ما الفرق بين المسلم والكافر كي يرتّب الفقهاء على الثاني أحكاما خاصة؟ أليس الحكم ناظرا إلى فكره وعقيدته ووعيه وثقافته، وإلا فالإنسان هو الإنسان جسدا. وما الفرق بين المرأة الحرة والأخرى الأَمَة، كي تكون عقوبة الأمة نصف عقوبة الحرة مثلا؟ أليس الحكم ناظرا إلى وضع كل واحدة منهما من حيث حريتها، وتمتعها بشروط حياتية مختلفة؟ وأيضا الأمر بالنسبة للحر والعبد من الرجال. ففي كل هذه الأمثال كان اللحاظ في أحكامها وعي الإنسان وفكره وعقيدته وحريته وعبوديته، ولم يتعامل الإسلام مع الرجل والمرأة أجسادا ذكرية وأنثوية. وبالتالي، فإن موضوعات أحكام الشريعة قد تغيّر أغلبها، ولهذا لم تعد فعلية، من هذه الجهة.

الدولة ضرورة اجتماعية وليست ضرورة دينية، فلا يجب على المسلمين إقامتها بدافع شرعي. بل هي ضرورة اجتماعية، يجب على المجتمع إقامتها .. القرآن الكريم أهمل عصبي الحياة، السياسة (الدولة - السلطة)، والإقتصاد!!، ما عدا منظومة قيم ومبادئ لضبط أداء السلطة، فأين اهتمام الدين بالدولة؟ بل توفى الرسول الكريم ولم يترك خليفة بشكل منصوص عليه إلا من باب الأفضلية من خلال أحاديث متعددة. هذا الإهمال المتعمد من قبل الله ورسول أدل دليل على أن الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، وعدم وجود تكليف شرعي باقامتها. وبإمكان المجتمع أن يقيم دولة، ويتبنى مبادئ الإسلام وقيمه، كما حصل بالنسبة للنبي الأكرم، حيث بدأت بوادر دولة بشكلها الأولي فرضتها الظروف الاجتماعية وتوسع المدينة، ونشاطات المسلمين. ودعاة الدولة الاسلامية ومنظريها وفقهائها، يستدلون على وجوب قيامها كواجب شرعي من باب العقل. برأيي كلها استحسانات، سببها عدم فهم الدين ودوره في الحياة في إطار مسؤولية الإنسان على الأرض. ومع انتفاء أي تكليف شرعي صريح بإقامة الدولة، فإن جميع مقدماتها من بذل الأموال وسفك الدماء كما تفعل الحركات الدينية المتطرفة لا دليل عليه شرعا.

كما أن الاقتصاد الذي هو عصب الدولة الثاني، لا توجد له أحكام تفصيلة سوى مبادئ وقواعد بسيطة، وأغلب الأحكام إمضائية، حيث كانت التجارة نشاطا قائما في مجتمع مكة والمدينة وكل مراكز المدن الأخرى في المنطقة، وأصناف البيع والشراء معلومة، وقد أمضاها الإسلام، ما عدا النسيء والربا.

وبالتالي لا يوجد ما يؤكد وجوب قيام دولة دينية، كحكم شرعي، فبأي مبرر تراق لأجلها دماء غزيرة. وبأي دليل اعتبروها مقدمة وجوبية لتطبيق الشريعة، وتطبيق سنة النبي بكل تفاصيلها، رغم زمنية بعضها!!. تقدم أن بإمكان أية دولة أن تتبنى الشريعة، خاصة ضمن الدول الديمقراطية، فلماذا لا يسلكون سلوكا ديمقراطيا من خلال الانتخابات ويقيمون دولة إسلامية بدلا من العنف والإرهاب؟ 

إن المشكلة الأخطر مع دعاة الدولة الاسلامية أنهم يفرضون ولايتهم على الناس بحجة أنهم يمثلون الدين والإسلام، بل أنهم ظل الله في أرضه ومن حقهم ممارسة حكم مطلق، فيسفكون الدماء، ويقمعون المعارضة، ويصادرون حرية الرأي والعقيدة والتعبير. وبعبارة مكثفة لا يوجد أي دليل صريح على وجوب قيام دولة إسلامية سوى استحسانات ورغبات، أو أدلة عقلية لا تنهض بمفادها.

وبالتالي عودة إلى سؤالك: ما دامت الدولة ضرورة اجتماعية وليست دينية، فمن باب أولى لا يجوز لأية جهة قيام دولة، تفرض لقيادتها الولاية المطلقة باسم الدين والشريعة، بعيدة عن قيم الدين، أو تتصرف بشكل ينعكس سلبا على الإسلام والمسلمين، كما حصل مع الحركات التكفيرية.

من يتبنى قيم السماء بشكل صحيح، ويفهم الدين ودوره في الحياة بشكل دقيق سوف لن يجنح بدولته بعيدا عن منطق العصر الحالي. بل العكس يكون أكثر انفتاحا على الآخرين من أجل صورة إيجابية تشجع الآخرين على التعايش السلمي مع الإسلام والمسلمين.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

majed algharbawi6saleh alrazukخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة د. صالح الرزوق.

 

س17: د. صالح الرزوق: أديب وناقد وأكاديمي / سوريا:  في الاسلام تشريع بعكس الأديان السماوية التي سبقته. وهذا التشريع يخص تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع والنظام. لا أعلم هل يجوز ان تقول انه هناك نظام اسلامي ام انه نظام محمدي، فالاسلام يتألف من مرحلتين حرجتين، الاولى في ظل الدعوة المحمدية وتأسيس الدولة. والثانية في ظل الممالك والامارات التي وسعت الفتوحات وبنت الدولة ونشرت الاسلام لكن اخترقته في صميم فكرته. السؤال الذي في الذهن هل الشورى في الاسلام تعني الديمقراطية، واين الاختلاف في التمثيل، اعيد صياغة السؤال: اين المجالس التنفيذية المنبثقة عن الشورى؟

ج17: ماجد الغرباوي: أرحب بالأخ الأديب الناقد والمثقف الموسوعي د. صالح الرزوق. يعتبر المسلمون السيرة النبوية امتدادا للقرآن الكريم، ومكملة له على مستوى التشريع، فالسنة النبوية حُجّة بالنسبة لهم مثلها مثل القرآن، وبالتالي فالتشريعات إسلامية، سواء كانت قرآنية أم سنة نبوية. هذا هو الفهم السائد، لكن ثمة اختلاف بالرؤية بشأن هذه المسألة، تتطلب وعيا أكبر وفهما آخر للدين وتشريعاته. لقد فصلت المسألة في دراستي المنشورة في المثقف بعنوان: "دعوة لانقاذ الدين من سطوة الفقهاء". وهناك دعوة صراحة الى اعادة النظر في جميع التشريعات من باب تغيّر موضوعاتها، لا من باب شرعيتها، فهي نزلت لمجتمع مختلف بعاداته وتقاليده ووعيه وظرفه الاجتماعي والسياسي. من هذا المنطلق يأتي سؤالك الاستفزازي المهم هل التشريعات في الاسلام قرآنية أم نبوية. التشريع كما اعتقد وفقا لآيات الكتاب الحكيم، ينحصر بالله تعالى، فالقرآن لم يسند للنبي أي دور تشريعي، وحصر دوره ببيان وتوضيح وشرح وتفصيل الأحكام، إضافة الى الى كونه بشيرا ونذيرا وداعية الى الله وسراجا منيرا، وهي مهام نبوية. وعليه، هل يمكن اسناد النسخه الأولى الى النبي كما جاء في السؤال؟

والجواب أصبح واضحا، أما الأحكام الصريحة في القرآن، فهي تشريعات إلاهية، ثابتة، لكن وفق مبادئ ومقاصد، يمكن في ضوئها تشريع أحكام أخرى، كما فعل النبي بالنسبة لجملة من الأحكام غير منصوص عليها قرآنيا. فهذه الأحكام راعت الظرف الزماني والمكاني، اضافة الى حاجات الناس وضروراتهم، ووعيهم وجميع مناسبات الحكم والموضوع كما يعبرون. وإلا، إذا لم نأخذ بنظر الاعتبار ظروف تشريعها، سيحل بنا ما حل بالجماعات المتطرفة التي لم تفهم مناسبات الحكم وموضوعه، فجعلت منا جاهلية ثانية استباحت دماءنا. فهناك أصل التشريع الذي هو قرآني، وهناك فهم وتفصيل لهذه الأحكام ضمن مبادئ القرآن ومقاصده، فالنبي بيّن الأحكام ضمن ظرفه الزماني – المكاني، وبما أن لكل جيل ظروفه وحاجاته وتطلعاته فبإمكان الفقيه أن يقدم فهما آخر للدين وتفصيلا آخر للتشريعات ضمن هذه الظروف، باستثناء بعض العبادات. فمثلا إيران دولة إسلامية، لكنها ألغت العقوبات الجسدية المنصوص عليها قرآنيا، واكتفت بالحبس والغرامة والتأديب. وهذا اجراء صحيح ما دامت الغاية من العقوبات الردع وليس الانتقام، فنختار من الأساليب ما يناسب ظرفنا ويحقق الهدف، أي الردع عن الجريمة. فالنبي إذاً كان يمارس دورا اجتهاديا في غير الأحكام القرآنية المنصوصة. من هنا يتضح أن حجية السنة النبوية ليست مطلقة كما يعتقدون. وهناك تفصيلات بالموضوع ربما نتطرق لها إذا ورد سؤال عنها.

اما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، شخصيا صرحت مرارا أن ما بعد الرسول لا يعدو سوى اجتهادات ووجهات نظر، ومن الخطأ الخلط بينها وبين مرحلة الرسول، لذا أتحفظ على جميع الفتوحات بعد النبي، وأجادل حول مشروعيتها، حيث سفكت دماء غزيرة، وتجاوزات شاسعة. فمن جاءوا بعد النبي فعّلوا أحكاما ما كان ينبغي تفعيلها كأحكام الجهاد والقتال التي كانت تختص بزمن النبي وفقا لظروفه، وموضوعاتها خارجية محددة، اضطر لها النبي بسبب مواقف وعدوانية الطرف الآخر. فجميع حروب النبي عندما تراجع التاريخ دفاعية تقريبا. وقد انتصر الإسلام وانتصرت الرسالة، وما عادت هناك حاجة للقتال من أجل تبليغ الرسالة لولا السياسة، وبالفعل استطاع الاسلام التمدد خارج حدوده سلميا في شرق آسيا، فكانت أكبر المجتمعات المسلمة. غير أن  السياسة كانت وراء كل ما جرى من تشويه لمعالم الرسالة الإسلامية. والموضوع تجده مفصلا في كتبي خاصة تحديات العنف، وكتاب التسامح ومنابع اللاتسامح.

أما بالنسبة للشورى فإنها تختلف عن الديمقراطية مفهوما بل وحتى مصداقا. الشورى تعني مطلق التشاور، وقد حث القرآن النبي على مشاورة أصحابه، بينما للديمقراطية فلسفة ومبادئ وأصول ومرجعية. والتشاور يمثل جزءا من حقيقتها. فحرية الرأي والتعبير من ركائزها، والتداول السلمي للسلطة شرطها. . المسلمون كانوا يتشاورون فيما بينهم حول شؤون الحرب والسياسة، كما ذكرت ذلك كتب التاريخ عن جميع الخلفاء الأربعة بل وغيرهم، لكن لا توجد مشاركة حقيقية في اتخاذ القرار كما بالنسبة للديمقراطية. فهناك إذا اختلاف بينهما. أو عموم وخصوص من وجه كما يعبر المناطقة، اي يلتقون في مفردة التشاور ويختلفون في الأبعاد الاخرى. حتى القرار النهائي، فليس ما يتمخض عن الشورى في الإسلام هو القرار النهائي، وإنما للنبي خاصة (فاعف عنهم واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله)، فشرط التشاور ملزم بالنسبة للنبي الكريم، بل يأتي من باب الاستحباب لتعميق ثقة الصحابة بأنفسهم، بينما قرار التشاور في الديمقراطية ملزم.

 وهكذا كان الخلفاء يستشيرون الصحابة لكنهم يستأثرون بالقرار النهائي. بالنسبة للديمقراطية الأمر مختلف جذريا، فما يتمخض عن التشاور تحت قبة البرلمان وفقا لضوابط وشروط دستورية يكون هو القرار النهائي. يمكن لرئيس الدولة الاعتراض لكن ليس من حقه الالغاء إذا لم يكن هناك مانع دستوريا. وايضا بالنسبة للسلطة القضائية من حقها النقض متى ما خالف القرار إحدى فقرات الدستور. وبالتالي فالشورى، عملية استئناس برأي المتشاورين، أما بالنسبة للديمقراطية فرأي المتشاورين أساس القرار النهائي.

 

س18: د. صالح الرزوق: ما الفرق بين نظام الزكاة والضرائب، وهل كانت المكوس جزءا من الزكاة، أم أنها اجراء دنيوي ظهر بعد تعقيدات مؤسسات دولة الخلافة؟.

ج18: ماجد الغرباوي: يراد بالمكوس ما يأخذه الماكس، وهو العشَّار الذي يجبي العشر. والمكوس ضريبة يفرضها السلطان على التجارة، لا علاقة لها بالزكاة، المعروفة بأجناسها وموارد صرفها المثبتة بالآية الكريمة (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). فهي اجراء سلطاني اختلفوا في شرعيتها، ومدى صحة آخذها ورووا أحاديث بذلك. أما ما كان يجبى بعنوان: المكوس قبل الإسلام فهو محرم، لما فيه من ظلم وعدوانية، لكن ماذا عن الضرائب بالنسبة للدولة؟ وكيف يمكنها تغطية ميزانيتها، إذا لم يكن لديها موارد كافية، ولم تكف موارد الزكاة؟. لا شك يمكن للسلطة فرض ضريبة اضافية لتغطية الميزانية إذا كان النظام قائما على العدل، ولم تأخذ الضريبة لتغطية نفقات السلطان الشخصية كما بالنسبة لأغلب الحكام المسلمين.

 

س19: د. صالح الرزوق:  للاسلام موقف سلبي من الشعر، والتصوير، يعني انه دين يرفض الفن للفن وينظر له كما نظر السوفييت والشيوعيون للادب والرسم، لا بد من ان تكون له وظيفة ايديولوجية، الاسلام دين تحرير للعقل والجسم، فكيف يضع الحدود امام الفن مع انه مبدأ من مبادئ الحرية الذهنية ويساعد المرء على تطهير نفسه ذهنيا وما دامت النقوش والزخارف مسموحة فلماذا رفض التصاوير. الا توجد مساحة فارغة في هذا الموضوع هل من توضيح؟.

ج19: ماجد الغرباوي: ليس للإسلام موقف سلبي مطلقا من الأدب والفن، بل يشجب نوعا خاصا، ذلك الذي يسرف فيه الشاعر في الهيام الى حد إهمال حياته، أو الشعر الذي يشرعن الباطل، ويدعم السلطات الظالمة، ويتقاعس عن نصرة الحق، خاصة حقوق الشعوب المظلومة. والسبب أن للشعر قابلية التأثير على السامع، يثير فيه روح الحماس والتوثب والاندفاع العاطفي. ليس الشعر خاصة بل كل لغة أدبية تؤثر بنسبة ما.

واما بالنسبة للرسوم والنحت، فقد جاء النهي والتحريم لغاية وحكمة في حينه. جاء لتحرير عقل الانسان من عبادة الأوثان والأصنام، ذلك العقل المسكون لا شعوريا بها تبعا لبيئته وما تكتنفه من ثقافة، فهو وليد الأجواء الدينية والثقافية في بيئته، تربى وعاش في أحضانها، فلا شعوريا تتبادر الى ذهنه الأصنام والأوثان عندما يشاهد أي منحوتة، فالأسلام أراد اجتثاث هذه المشاعر من خلال اجراءات احترازية اتسمت بالنهي والتحريم، وبالتالي متى انتفى موضوعها ينتفي الحكم. أما حاليا فلا تتبادر الأوثان والأصنام وعبادتها عند مشاهدة التماثيل والمنحوتات لدى اي شخص، بل ينصرف الذهن باتجاه الفن والابداع، ومدى الدقة والرمزية فيه. على العكس من الماضي وجنوح العقل للإلهة المتمثلة بالأصنام والأوثان، إلا إذا جزمنا بذلك كما يحصل في بعض الديانات الحالية التي ما زالت تعبد الأصنام والشخصيات.

بالتالي، الإسلام رسالة، يريد توظيف كل شيء لصالحه، ومنه الشعر والفن، ويريد اجتثاث مشاعر العبادة الزائفة وفقا لمنطقه، وقد حقق في حينه نتائج ايجابية باهرة، أما الآن فالأمر مختلف لاختلاف الموضوع أساسا، لكن من أين نأتي بفقيه يفهم مقاصد التشريع وأهدافه؟؟. المجتهدون، إلا ما ندر، لا يفقهون دور الظروف الزمانية والمكانية في التشريع، لا يفقهون مقاصد الشريعة وغاياتها، والأحكام عندهم تبقى فعلية ومطلقة، مهما طرأ على موضوعاتها من تحوّل وتبدّل. وهذه معضلة، خاصة عندما لا يفرق السامع بين الفقيه والدين كنصوص مقدسة.

ربما تستشهد بالآية الكريمة على موقف القرآن من الشعر والشعراء كقوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). هذه الآية تربك القارئ عندما تقرأ منفصلة عن سياقاتها التاريخية فتبدو كأنها حكم ابتدائي، منفصل عن خلفيته. الآية جاءت ردأ على من اتهم النبي بأنه شاعر، وكلامه كلام شاعر "إنه لقول شاعر". فهي لم تنهِ عن الشعر مطلقا، بل جاءت في سياق المقارنة بين الشاعر والنبي، فكانت الآية بصدد وصف الشعراء ومن يتبعهم، في مقابل صفة النبي واتباعه، لدحض تهمة المشركين للنبي بأنه شاعر. فتدعوهم للمقارنة بين النبي والشعراء. الشعراء يتبعهم الغاوون، والغواية حالة من التيه والضلال، أي من نسي نفسه وتاه ينساق مع مشاعره بعيدا عن العقل والتروي، بينما يتبع النبي ثلة صفوة البشر باتزانهم وإيمانهم ووقارهم. وأيضا يرد القرآن بأن الشعراء يقولون الشعر وهو كلام جميل لطيف يدخل النفس وتتأثر به، لكن هؤلاء لا يفعلون ما يقولون، فشاعر القبيلة آنذاك ينشد الشعر فقط لكنه لا يخوض أية معركة، أما أصحاب النبي فيفعلون ما يقولون. وهكذا تأخذ الآية بالمقارنة. فلا يوجد هنا نهي عن قول الشعر، ولا يوجد إطلاق في اتهام الشعراء. لكن للأسف الشديد لم يفهم الفقهاء هذا المنطق وجمدوا على اطلاقات الأحكام على امتداد التاريخ، وتشبثوا بروايات لم يدققوا في مناسباتها بل بعضهم لم يتأكد من صحة صدورها عن النبي، لكن شهية التحريم تضطره التمسك  بأي دليل مهما كان ضعفه لتعزيز آرائه. وللآسف الشديد لم يحصل وعي حقيقي بقيمة الفن والأدب ووظيفتيهما إلا في القرن الآخير لدى بعض الفقهاء الواعين. علما إن سيرة الرسول ومن جاء بعده مشحونة بالأدب في جميع مغازيه، بل الرسول يقول "ان من الشعر لحكمة" وحث الشاعر حسان بن ثابت وغيره على قول الشعر ومواجهة شعراء الجاهلية، وهكذا من جاء من الخلفاء كان يوظف الشعر كلاً حسب هدفه وغايته. للشعر والفن رسالة انسانية واسعة، وبالفعل استطاعت الشعوب أن تخلد حضارتها وتاريخها من خلال الفن، ولا ننسى مبدعي عصر النهضة وكيف لعبوا دورا من خلال النحت والرسم في فضح السلطات الدينية وتعسف الكنيسة آنذاك، وكيف ساهموا في تعزيز روح التحدي، لكن ماذا نفعل للعقول الملبّدة وهي تجمد حرفيا على النصوص بلا تمحيص ولا فهم لمقاصدها وغاياتها؟.

 

.............................

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

majed algharbawi3

خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأديب حمودي الكناني.

 

س10: حمودي الكناني: ما يشغلنا في الوقت الحاضر هو ما يدور في منطقتنا العربية بالذات، دمار، قتل، تطهير عرقي ومذهبي والى غير ذلك من الأمور التي أفسدت حالة التعايش في هذه المنطقة الحيوية من العالم .. من هو المسؤول عن كل ما جرى ويجري؟

ج10: ماجد الغرباوي: للدول بلا استثناء، مصالح كبرى، في ضوئها تتخذ مواقفها، وتضبط علاقاتها بدول الجوار والعالم. وهي مستعدة لارتكاب مختلف الجرائم من أجل ضمانها والمحافظة عليها والدفاع عن أمنها القومي، حتى لو اقتضى الأمر مزيدا من سفك الدماء. وهتك المبادئ والقيم. وحينما تتقاطع مصالح بعض الدول في بلد ما، أو منطقة معينة، يأخذ الصراع أشكالا مختلفة، فتُستباح مقدرات الشعب، وتنهار بنية الدولة والنظام العام. وهذا ما يحصل الآن في العراق وسوريا واليمن. فهذه الدول ضحية تقاطع مصالح بعض الدول الإقليمية والدولية. فليس هناك قيم ومبادئ وأخوة في السياسية، بل صراعات مستمرة على النفوذ. وهذا أهم الأسباب كما أعتقد وأخطرها. وبالتالي فمصالح الدول أحد أسباب تمزق بلداننا، ومأساة شعوبنا، بل هي نكبتها عندما تضمحل القيم والمبادئ.

 دول لا دين لها، ولا قيم، ولا أخلاق، تعيش شعوبها برفاه وسعادة، بينما تعيش شعوبنا نكبة بعد أخرى بسبب سياستهم، ومصالحهم القذرة. فمن السذاجة أن يثق شعب بدولة أخرى.

وهذا أقوى وأهم سبب وراء ما يحدث في المنطقة من نزاعات، فككت أواصر الأخوة والتلاحم الوطني. ومزقت الحياتين الاجتماعية والسياسية.

وهناك أيضا أسباب مفاجئة فاقمت الأوضاع، ولعبت دورا سلبيا في اعادة رسم خارطة العلاقات والتوازنات، كما بالنسبة للربيع العربي، الذي انتهى بسقوط حكومات تونس ومصر وليبيا وأربك الوضع في المنطقة، وكان سببا لمزيد من التدخلات الخارجية بشكل مباشر وغير مباشر. وأيضا ظهور الدولة الإسلامية (داعش) كان وما زال عاملا مهما في خلط الأوراق. وأضيف للأسباب المتقدمة أيضا ضعف الدول الصغيرة عسكريا واختراقها آمنيا، ووجود دول قوية طموحة تحيط بالدول العربية كإيران وتركيا، ووجود ثروات النفط والغاز والمواد الأولية في المنطقة العربية التي تشجع الدول الأخرى على غزوها واستغلالها. إضافة الى بساطة شعوب المنطقة سياسيا، وسذاجة وعيها الديني. فهذه مجمل الأسباب وراء ما يحدث الآن ومستقبلا.

الصراع الدائر في سوريا، صراع مصالح بين الدول المعنية، بينما يعتقد البعض أنه صراع مذهبي أو سياسي. الصراعات السياسية والمذهبية لا تنكر لكنها تجليات لصراعات أعمق. فدولتا قطر والسعودية تريدان استبدال نظام الرئيس بشار الأسد بحكومة سورية أخرى تضمن مصالحها ومرور الغاز الخليجي، الى أوربا (قطر – السعودية – الأردن – سوريا – تركيا - أوربا). في مقابل جبهة إيران وروسيا التي تصر على بقاء الأسد كحليف قوي يضمن مرور الغاز الإيراني والروسي الى أوربا (إيران – العراق – سوريا – تركيا - اوربا). فتقاطعت مصالح الدول في سوريا وحلّ البلاء. لكن الرئيس السوري بشار الأسد رفض الطلب الخليجي لصالح حلفائه الروس والإيرانيين، فتفجر القتال، وراحت ماكنة الحرب توظف كل شيء، بما فيها السياسة، الإعلام، الدين، ضد سوريا، وانطلت الدعاية على الناس، وراحت أعداد هائلة تدخل سوريا، لصالح هذا الطرف أو ذاك، خاصة داعش، بدوافع شتى. فهذا هو الهدف الأساس ثم تشابكت الأهداف السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لجميع الأطراف مما عقد الوضع أكثر.

ويبقى الشعب الخاسر الأكبر، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو أية دولة أخرى.  وللأسف أن بعض الناس ينخرط في الحرب باعتبارها حربا دينية أو مذهبية، وهذه سذاجة فاقعة، تساهم في تبريرها ماكنة الإعلام وبساطة الناس، ورجل الدين الذي يشرعن الحروب والقتل، بفتاواه وخطاباته المحرّضة، كما بالنسبة لبعض المليشيات العراقية المسلحة التي تركت بلدها وراحت تحارب داعش في سوريا خوفا على المقدسات الشيعية!!!.

والمؤلم أن كلا الطرفين المتصارعين نجح في إيجاد من يقاتل بالنيابة عنه في سوريا، فاستغل الخليج بعض أطراف المعارضة السورية، إضافة إلى داعش الطامح أساسا للسلطة وبسط نفوذه الديني، المعادي للمذاهب الإسلامية، بينما وظفت إيران حزب الله لبنان وبعض الفصائل العراقية المسلحة لتنوب عنها في الحرب المستعرة. فأية نذالة أن تبقى شعوب وحكومات الدول المتصارعة في مأمن من الحرب وتداعياتها، بينما تسحق شعوبنا من أجل مصالحهم القومية؟.

 

س11: حمودي الكناني: في يومنا هذا نسمع الكثير من مسميات لتنظيمات إسلامية أحزاب ومنظمات وجماعات وكلها تقتل باسم الإسلام والعقيدة والمذهب فكيف نقنع الآخرين أن الإسلام دين رحمة وتسامح وعدل ومحبة بينما المسلمون أنفسهم يقتل بعضهم البعض؟

ج11: ماجد الغرباوي: إشكالية معقدة فعلا، سببها، اولاً: تعدد القراءات للدين، واختلاف الفهم الديني للنص. ثانيا: وجود مرجعيات (القرآن والسيرة) تمد الجميع بالشرعية، بسبب مرونة النص الديني وافتقار الناس الى الحد الأدنى من أدوات البحث العلمي، لذا الجميع يرى نفسه على حق والآخر على باطل، حتى راحت الجماعات التكفيرية تكفر الآخرين، بل تكفر بعضها الآخر، وتستبيح دماءهم استنادا الى نفس المرجعيات. والحقيقة ينبغي فهم النص الديني وفقا لظروفه، وآلياته. فلا فعلية لأي حكم تغير موضوعه، وغالب الأحكام الشرعية كأحكام الحرب والقتال يخص من عاصر النبي من الخصوم، ولا تمتد لما بعد النبي الكريم. وهناك آلية ومناهج لفهم النص الديني، لكن للأسف كل اتجاه طوع النص بالكيفية التي تخدم مصالحه خاصة السياسية منها. فالسياسة لعبت دورا كبيرا في اعادة فهم الدين بطريقة تخدم مصالحها.

أما بالنسبة للقسم الثاني من السؤال، فنحتاج الى زخم ثقافي وإعلامي لترشيد وعي الناس بهذه الحقائق. أغلب الناس يقلدون رجل الدين في فهمهم للدين، وهذه معضلة عندما يكون رجل الدين متطرفا أو ساذجا. هناك أكثر من ستين آية تخص التسامح غيبها النسخ، فقالوا إن آية السيف نسخت كل هذه الآيات!!. فهل يعقل أن كل آيات الرحمة والمودة تنسخها آية نزلت في ظرف خاص؟ هذا غير ممكن مع وجود آيات محكمات تعد مرجعية نهائية في فهم النص وفقا للمنهج القرآني.، إضافة الى عدم وجود دليل قرآني على ما يقولون إنما هي رغبة السلطات الحاكمة كي تستبيح دماء معارضيها. أتمنى الاطلاع على الفصل الأخير من كتابي التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات، فهو مخصص لهذه النقطة بالذات.

المشكلة الأكثر تعقيدا، أن جميع الجهود في ترشيد وعي الشعوب إعلاميا حول الإسلام وقيمه الإنسانية، باتت لا مصاديق لها مع استمرار الجرائم الإرهابية، في مناطق مختلفة في العالم، وبات اسم الإسلام والمسلمين يمثل رعبا حقيقيا لبعض الشعوب، فكيف نقنعهم بسماحته مع استمرار داعش بجرائمها باسم الدين والقرآن؟ إنها معضلة، تحتاج إلى جهود جبارة.

 

س12: حمودي الكناني: ألا ترى معي أن الأحزاب الإسلامية كلها بلا استثناء ينطبق عليها وصف الآية الكريمة (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا)؟

ج12: ماجد الغرباوي: للأسف تعد تجربة الإسلاميين في الحكم فاشلة بامتياز، خاصة الإسلاميين في السلطة راهنا، حيث أظهروا سلوكيات لا تمت للإسلام وأخلاقه وقيمه. والأسباب متعددة، فبعض الإسلاميين اتضح أنه لا دين له إطلاقا، وقد انكشف خواء تقواه بأول تجربة. وآخر استغل الفتاوى الفقهية لتبرير سرقاته من أموال الدولة والشعب، وقد ساعدهم على ذلك فتاوى فقهاء يتعاملون مع أموال الدولة، باعتبارها "مجهولة المالك"، أو اختصاص الإمام المعصوم بملكيتها، أو أنها "بيت مال المسلمين"، وهي مغتصبة من قبل السلطة اللاشرعية في نظرهم. فينحصر حق التصرف بها بالفقيه أو رجل الدين. فيكفي لتملكها وفقا لبعض هذه الآراء دفع حقها الشرعي. وثالث راح يستغل وظيفته فيطالب بنسبة في العقود التجارية المسؤول عنها، وأساليب قذرة كثيرة. فانعكس كل هذا على الدين بل على جميع الإسلاميين والمتدينين، خاصة وهم يشاهدون استماتة الأحزاب الإسلامية على السلطة.

وللأسف أن الجميع (إسلاميون وغير إسلاميين) في السلطة وخارج السلطة، تعاملوا مع أموال الدولة العراقية بمنطق الغنيمة، فاستباحوها واستأثروا بها لهم ولعشيرتهم، وخاصة معارفهم، وهكذا أثرى عدد كبير من السياسيين بالمال الحرام. وهناك دوافع أخرى للفساد، كالتشريعات والقوانين التي شرعنت الفساد، وارتفاع الرواتب والمخصصات، والسرقات، والعقود الباهظة، والعقود الكاذبة.

بقطع النظر عن سلوك الإسلاميين في الحكم، فإن إشكالية الدين والسلطة إشكالية معقدة، عندما يتعامل الإسلاميون مع الدين على أساس اطلاقاته في الأحكام فيعجزون عن تكييف الأحكام مع الواقع فيحصل بون شاسع يفضي الى تذمر الناس من الدين. والمشكلة بالنسبة لهؤلاء مشكلة وعي، وعدم ادراك مقاصد الشريعة وغاياتها، فيتشبثون بمصاديق تاريخية، بعد تجريدها عن تاريخيتها وظروفها الزمانية والمكانية. والأحرى بهم أن يتمسكوا بالمبادئ والغايات. وهذا ما حصل بالنسبة لداعش أو بعض التجارب البسيطة للإسلاميين في السطلة، ولو بصورة غير مستقلة.

بل الأنكى أن بعضا راح يستبد باسم الدين كما حصل للإخوان المسلمين في حكومة محمد مرسي المحدودة في مصر، أو بالنسبة لولاية الفقيه التي تصادر جميع الحقوق وتجعل الفقيه فوق القانون والدستور وأولى بالناس من أنفسهم، فتكون له ولاية على الأموال والأعراض والقرار السياسي.

. كنت من اليوم الأول ضد اشتراك الاسلاميين في السلطة، قلت لأحد قيادي حزب الدعوة في بداية السقوط :على الدعاة ان ينأوا بأنفسهم عن الحكم حاليا .. الوضع ملتبس، كي لا يسقط الدين بنظر الناس بسبب تصرفاتهم. فقال: عن ماذا تتحدث يا أخي؟ تعال وانظر لهفتهم للسلطة واستلام المناصب بدواع شتى، وتبريرات مختلفة، تعال وانظر لفلان وفلان وقتالهما من أجل المناصب!!!!.

اتفق معك حول إخفاق الإسلاميين في تحمل مسؤولياتهم التاريخية، بل وفشهلم في السلطة، خاصة من راح يستبد بالحكم تحت ذرائع شتى، لكن الأمر شامل لهم ولغيرهم، بل أغلب السياسيين العراقيين.

لقد نأى الاسلاميون عن رسالة السماء تحت اغراء السلطة وضغط المصالح الحزبية والفئوية، وأصبحوا مثالاً سيئا عبر التاريخ. وحتى من هم خارج السلطة، ألا تنظر الى التنظيمات الإسلامية المتطرفة ماذا تفعل باسم الإله والدين؟؟

 

س13: حمودي الكناني: كيف ترد على من يقول إن العرب أمةٌ لا تعرف كيف تبني وتعرف كيف تقتل بعضها البعض ولا تستطيع حكم نفسها بنفسها ولولا رسالة محمد بن عبدالله عليه السلام ما كان العرب الا قبائل يغزو بعضها بعضا.

ج13: ماجد الغرباوي: كانت الحياة قائمة آنذاك على القوة والعنف.  وكانت البداوة هي السمة الطاغية، غير أن بعض الشعوب استطاعت أن تخرج من حالة البداوة مبكرا، وتؤسس حضارة من خلال بناء المدن والتجمعات السكنية، وبالفعل كانت تحيط بالمنطقة العربية قبيل ظهور الإسلام دولتا الغساسنة والمناذرة. أما العرب فلا توجد معالم تاريخية مهمة تشهد لوجود حضارة تخصهم كعرب، ربما باستثناء مكة لأنها مركز تجاري وديني وثقافي. بل للأسف أن العرب رغم إسلامهم عادوا الى ما كانوا عليه بعد وفاة الرسول في تشبثهم بالقوة والعنف وتمسكهم بتقاليد البداوة،  حتى أرغموا النصوص الدينية بمساعدة رجال الدين على دعم مواقفهم وسلوكهم الدموي.

قلت في حوار معي سابقا: " نتفاخر دائما بما أُنجز في العصور الأربعة الأولى في مجال العلوم، وننسى، أو هكذا أرادوا لنا أن ننسى، أن الحضارة الإسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن إحصاء عدد قتلى المسلمين بسيوف المسلمين فضلا ًعن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الإسلامية، ونخشى مقاربته خوفاً من الطعن بقداسته. لا يمكن لخليفة المسلمين أن يقترف كل هذه الجرائم لولا فقهاء السلطان، ممن كانوا يُشرعنون تصرفاته وسلوكه، فيقمع باسم الدين كل صوت معارض. لقد اقترف الفقهاء جريمة كبرى عندما حولوا الصراعات السياسية الى صراعات دينية، فبرروا قتل المعارضة باعتبارها خروجاً على الدين وسلطته الشرعية".

 

س14: حمودي الكناني: عصر المعجزات قد ولى فهل من معجزة تعيد العرب الى رشدهم؟

ج14: ماجد الغرباوي: الأمر مرهون بوعي هذه الشعوب وصلاح الحكومات، ومدى استفادتهم من تجارب البلدان الغربية، خاصة والأمر بات سهلا بواسطة وسائل الاتصال الحديثة وأمكانية التعرّف على أساليب حياتهم ومنجزاتهم، وأدائهم السياسي. وعلى النخبة العربية أن تبذل أكثر من أجل توعية الشعوب وترشيد وعيهم. لكن يبدو أن الأمر ما زال صعبا مع وجود حكومات مستبدة. وما لم تنهض أو لا أقل تساعد تلك الحكومات على اشاعة وعي حضاري جديد، ليس هناك أمل في الاصلاح قريبا. بل كيف تفسّر انخراط هذا العدد الكبير مع التنظيمات التكفيرية وممارستهم للعنف والإرهاب بأبشع صوره؟ نحن بحاجة لمراجعة جذرية لثقافتنا ومتبنياتنا بل وعقائدنا وديننا.

 

س15: حمودي الكناني:  وفقا لمجريات الأمور الآن في سوريا والعراق هل ترى أن خارطة سايكس بيكو التي مضى عليها مئة ستتغير بعد انكشاف غبار المعارك؟

ج15: ماجد الغرباوي: أعتقد أن تجاوز الدول الإقليمية بات صعبا، خاصة بالنسبة لتركيا وإيران. ورغم وجود ملامح كما بالنسبة الى شمال العراق لكن ليس هناك جزم، ما زالت الأمور غير جلية بما فيه الكفاية. وكل شي محتمل في السياسة، فما تقتضيه مصالحهم والأمن القومي لبلادهم ينفذونه. بالفعل صدرت تصريحات بشأن التقسيم من قبل مسؤولين عرب وأجانب، حيث أكدوا أن سوريا والعراق لن تعودا لسابق عهدهما دولة موحّدة. لكن ما هو دورنا في المعادلة؟ يجب أن تكون لنا كلمة، فالشعوب قادرة على اسقاط المؤامرات حتى الدولية. وربما تتفق معي بهذا الكلام.

 

س16: حمودي الكناني: ماهو مستقبل الدولة العراقية التي ستنشأ وفقا للخارطة الجديدة، هل برأيك سيتحول العراق الى ما يعرف بدويلات المدن؟

ج16: ماجد الغرباوي: حتى مع عدم تحقق ذلك فهناك رغبة جادة بالنسبة للأكراد شمالا. وقد أعلنوا عن إجراء استفتاء على الاستقلال، ورغم ضمان النتيجة لصالح الاستقلال، فلا استقلال إلا بشروط صعبة قد تفضي إلى استعبادهم من قبل حكومات الدول الكبرى. لا يمكن للأكراد الخروج على الإرادة الدولية والإقليمية، وهناك مصالح استراتيجية. لكن يبدو قادة الكرد بحاجة للاستفتاء لتقوية موقفهم السياسي، خاصة بالنسبة لقيادة مسعود البرزاني، الذي ما زال يحكم خارج سلطة القانون، فيبحث عن أي متنفس لانقاذ مكانته وحيثيته وسطلته.

 وأيضا هناك دعوات بالنسبة لإقليم سني بل وحتى  إقليم الجنوب. مما يؤهل العراق لابتلاعه من قبل إيران وتركيا اللتان تتربصان بالعراق منذ قرون.

فالمسألة مسألة وقت، ومدى قناعة دول المنطقة. وهذا ممكن على المدى البعيد. الآن المنطقة لا تسمح بتقسيم العراق وسوريا فهناك رفض  إقليمي بل وحتى دولي فيبقى مشروعا مؤجلا، رهن المصالح الدولية وتضاربها. ويبقى الرهان على وعي الشعب العراقي، لكن يا ترى هل هناك قواسم مشتركة بشأن هذا الموضوع؟ شخصيا أشك بذلك. بل الواقع ينفيه، إلا إذا حصل اتفاق على صيغة تحمي حقوق الجميع وتطلعاتهم في اطار دولة عراقية فدرالية بل وحتى كونفدرالية. والا سيتفتت العراق كبلد ذات حضارة واحدة.

 الخطر في تقسيم العراق أن كل  إقليم سيلجأ الى دولة أخرى لحمايته، فتبدأ الصراعات بين أبناء الشعب الواحد تحقيقا لمآرب تلك الدول. أتمنى أن لا يحصل كل هذا، فإنه ضرب من التشاؤم. أو حقيقة نريد أن لا نصدقها. لا أخفيك أشعر هناك لهفة لدى دول المنطقة لتقسيم العراق، والتحكم به مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، إنه الثروات الهائلة، والمنطقة الاستراتيجية. أنا لا أحسن الظن بالدول الأخرى، فليس هناك مثاليات إنما مصالح. إيران مثلا تطمح بالتمدد لضمان مصالحها ولو تحت غطاء ديني أو محاربة إسرائيل وغيرها من العناوين البراقة، ولا طريق سوى العراق باتجاه سواحل البحر الأبيض، وستبذل كل جهدها وبمختلف الأساليب للهيمنة على القرار السياسي، بعد أن تمسك بجميع الخيوط إلا من تمرد. ولو كانت إيران صادقة في أهدافها الدينية والإنسانية لماذا لا تبادر لنصرة شيعة البحرين أو اليمن وتحسم الحرب ضدهما؟ بل لماذا لا تواجه إسرائيل ولديها ترسانة أسلحة متطورة؟

 

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

majed algharbawi2hamodi alkenaniخاص بالمثقف: الحلقة الثانية من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي،  رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأديب حمودي الكناني.

 

 

س3: حمودي الكناني: تكاليف الحياة في المهاجر صعبة إن لم تكن لدى المرء وسائل كسب العيش كيف تولدت لديك فكرة انشاء صحيفة المثقف الألكترونية؟ وهل فكرت اولاً بإنشاء جريدة ورقية تحمل ذات العنوان لكن ظروفا ما حالت دون ذلك؟

ج3: ماجد الغرباوي: لا شك أن تكاليف الحياة في المهاجر صعبة، وكان العوز المادي بالمرصاد لكثير من المشاريع، خاصة الثقافية. كنت وما زلت أرفض تأسيس صحيفة ورقية، لهذا السبب وغيره، ثم إن الإعلام الرقمي حقق قفزة نوعية في الانتشار السريع. أغلب الصحف هنا في أستراليا تصدر أسبوعيا بينما المثقف في تحديث مستمر. وحتى الاعلانات التي هي المورد الأساس للصحف الورقية في المهاجر لا تكفي دائما. المواقع الألكترونية العادية غير مكلفة، لكن نحن كمؤسسة بهذا النشاط الواسع يقف المال عثرة دائما أمام انجاز خطوات أخرى، فنفقاتنا أضعاف نفقات المواقع الأخرى. والمثقف مؤسسة مستقلة لا تنتمي الى أي جهة، ولا تتلقى مساعدات من أي حزب سياسي، كما يُشيع البعض عدوانا أو خطأ، أو كرها لنجاح أي مشروع.

لقد أشاع أحدهم أن إدارة: "بغداد عاصمة الثقافة" قد خصصت لمؤسسة المثقف مبلغا كبيرا، وقد نشر الخبر في عدد من المواقع الألكترونية، لكن الحقيقة، إنهم رفضوا حتى طباعة كتاب واحد لنا ولكتابنا!!. ولم نتلق أي دعم مادي.

وأما مؤتمر المثقفين الذي عُقد في بغداد باشراف ملتقى المثقف ضمن فعاليات بغداد عاصمة الثقافة 2013م، فكان المؤتمر مشروعنا ومبادرتنا بواسطة الأخ د. سعد الصالحي، ومتابعة الأخوة سلام كاظم فرج وزاحم جهاد مطر وآخرين، وكان للدكتور سعد الصالحي دور في اقناع أحد المتنفذين في الوزارة بالفكرة بعد أن بينت له الخطوط العريضة والهدف الأساس من عقد مؤتمر للمثقفين. لكن بعض الأعضاء في ملتقى المثقف ممن لهم علاقة مباشرة بوزارة الثقافة العراقية قرروا فجأة الاستقلال عن مؤسسة المثقف بتبني المؤتمر والاختصاص بميزانيته. وأخبروني، كما نقل لي الأستاذ زاحم جهاد مطر أنهم لا يرغبون بأي علاقة لمؤسسة المثقف بإدارة المؤتمر أو التدخل في تفصيلات ميزانيته. فكانت صدمة للأخ سلام كاظم فرج، مدير مكتب مؤسسة المثقف في العراق، لأننا كنا بصدد طرح مشروع ثقافي في المؤتمر يشمل جميع المثقفين العراقيين، ودعوة رموز الثقافة العراقية في خارج البلد. ولا أعرف أي شيء لحد اليوم عن ميزانيته، وكيفية صرف المبالغ المخصصة له، وقد أبلغت الأخ وكيل وزير الثقافة قبل أشهر بتفاصيل ما حصل فاستغرب. وكان جوابي للأخ زاحم جهاد آنذاك: ليس المهم أن تشرف مؤسسة المثقف على المؤتمر، رغم أن المؤتمر مبادرتها ومشروعها، لكن المهم أن يكون مؤتمرا ناجحا يحقق جميع أهدافه. وهناك تفصيلات ليست مهمة، لكن المهم أننا لم نستلم أي مبلغ من أي مؤسسة أو حزب. وتموين مؤسستنا ذاتي.

 

س4: حمودي الكناني: العمل في موقع ألكتروني كالمثقف ليس بالعمل السهل خاصة إذا كانت الأبواب متعددة ومتنوعة تحتاج الى جهد استثنائي ووقت ليس بالقصير فكيف تسنى لك السيطرة على مواصلة العمل في المثقف وأنت كما نعلم كنت إلى وقت قريب تعاني من حالة مرضية نعرفها .. هل كان هناك جنود مجهولون حملوا على عواتقهم المسؤولية وأبدوا المساعدة بغير منة .. هل تذكر لنا هؤلاء من غير تحفظ؟

ج4: ماجد الغرباوي: العمل بالمثقف مرهق، لأنه موقع مختلف في تنوعه ونشاطه وأبوابه، وكل من يعمل معنا يعمل تطوعا دعما للمشروع الثقافي، والعمل الطوعي كما تعلم غير مضمون، لا تدري متى يتخلى عنك صاحبك. لكنهم متفضلون، وقد بذلوا جهودا كبيرة، ذكرت أسماء أغلبهم بالمناسبات. وبالتالي لا يمكن لهكذا مشروع أن يدار من قبل شخص واحد، وهنا أتقدم بجزيل الشكر لكل من يعمل معنا مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، وهم كثيرون على مدى عشرة أعوام، وطالما ذكرتهم بخير وأثنيت عليهم، ولا أنسى فضلهم، وهم شركاء مثلهم مثل كتابنا وقراءنا من السيدات والسادة. المثقف ليس فردا، المثقف نحن جميعا. فشكرا لكل من ساهم في استمرار صدورها. وفي هذا المناسبة ينبغي أن أرفع أسمى آيات الشكر لزميلة العمل الدؤوبة، رغم مشاغلها والتزاماتها، الشاعرة القديرة الأستاذة ميادة أبو شنب، التي التحقت بالمثقف سنة 2011م وما زالت. كما كان للشاعرة خلود المطلبي ومن ثم الشاعرة المبدعة نوال الغانم على التوالي، دور مهم في متابعة نشاطات المثقف وإدارة أقسامه قبل هذا التاريخ، فلهما عميق شكري وامتناني فلا أنسى فضلاهما وجهودهما أو جهود كل من عمل معنا، وقد نوهت باسمائهم أكثر من مرة.

 

س5: حمودي الكناني:  تحيط بالمرء احيانا ظروف تجبره على الانخراط في تنظيمات أو حركات أو أحزاب هدفها الخلاص من واقع مزر وهيمنة التعسف والظلم على المجتمع فهل كنت منخرطا في حزب الدعوة؟ أين ومتى ولماذا تركت رفاق الأمس الحاكمين اليوم؟

ج5: ماجد الغرباوي: ذكرت في سؤال سابق، التقيت حزب الدعوة لأول مرة في سوريا، نهاية عام 1980م، وانتظمت في صفوفهم في بدايات عام 81 من القرن المنصرم، فكانت فترة ارتباطي التنظيمي متقطعة ومحدودة، على العكس من نشاطي داخل العراق ضمن أحد التنظيمات السرية كما تقدم. كنت أعرفهم داخل العراق، لكن لم يحصل أي اتصال رسمي بهم. ثم تركت العمل التنظيمي لأعكف على عملي العلمي والفكري، انسجاما مع توجهي الثقافي وتطلعاتي المستقبلية الطامحة الى التجديد والاصلاح، وبقت تربطني علاقات صداقة وأخوة مع عدد كبير من الدعاة، خاصة من خضنا معهم تجربة النضال في أكثر من موقع. لهذا السبب كان وما يزال بعض يصنفّني على حزب الدعوة. علاقاتي منوعة، لا تقتصر على الدعاة فقط، وأرتبط بصداقات متينة مع أصدقاء ينتمون لأحزاب أخرى، إسلامية وغير إسلامية، لكن أشعر بعضهم يروم الاساءة من خلال التأكيد على انتمائي لحزب الدعوة بالذات، إما لعقدة نفسية أو موقف تعرض له، أو ردة فعل، أو لقياسه الماضي على الحاضر، مع أن الأمر مختلف، واخفاق الدعاة في السلطة لا يبرر إلغاء تاريخ من النضال والتضحيات والسجون والتشريد.

ذكرت أن توجهي فكري – ثقافي، فليس لدي نشاط واضح خلال فترة إنتمائي لحزب الدعوة تنظيميا، حتى قيل مرة للصديق الدكتور سليم الحسني إن ماجد الغرباوي ترك حزب الدعوة، فقال: (ليش هو بحزب الدعوة!!!). نعم كنت عضوا خاملا تظيميا، لكننا أصدقاء وأخوة. وعلاقتي بأغلب العراقيين بالمهجر (من جميع الأحزاب والاتجاهات) علاقة ودية وما زالت، ولم أتلوث بأمراض المعارضة.

لا يدل خمولي التنظيمي على وجود موقف من الحزب رغم وجود ملاحظات أساسية على عملهم ومواقفهم، وقد تسبب نقدي لهم بمشاكل كثيرة، لكن أجد نفسي منسجما أكثر مع الثقافة والفكر، بل حتى السياسية بمعناها العام، باعتباري شخصا معارضا، والسياسة جزء من اهتمامي، وكتبت بالشأن السياسي فكرا وتحليلا، ولي اصدارات بهذا الشأن. ورغم توجهي الثقافي لكن لم انخرط في أي عمل ثقافي أو صحفي في مؤسسات أحزاب المعارضة، فيبدو أن طبعي ينفر من التحزب، خاصة وأنا أعيش تفصيلات الصراعات بين الأحزاب السياسية في المهجر.

المهم لم أتلوث بأمراض التعصب الحزبي الذي تبتلي به جميع الأحزاب بالعالم إلا ما ندر، فأنا لا أعرف التحزّب لأي جهة أو حزب. وأجد أجمل علاقاتي في صحيفة المثقف مع مختلف الاتجاهات، فمنذ اليوم الأول تبنى المثقفون بمختلف مشاربهم المثقف صحيفة ومؤسسة. وخلال هذه الفترة ارتبطت بعلاقات وطيدة مع جملة من الصديقات والأصدقاء، بغض النظر عن اتجاهاتهم، فالاحترام سيد العلاقة، وهذا أجمل ما في العلاقات الإنسانية التي ترفض التنابذ على أساس ديني أو قومي أو فكري. تصلني باستمرار رسائل ودودة جدا من جميع البلدان والأكاديميات وطلاب الجامعات. أحضر أغلب المناسبات التي ادعى لها في مدينة سيدني، دينية لمختلف الأديان، وثقافية بكل أطيافها.

 

س6: حمودي الكناني: يشكل التسامح منهجا حياتيا لديك فخلاصة كتاباتك تصب في هذا المضمار حتى وإن اختلفت العناوين وكأني أرى هذا النهج عبارة عن ردة فعل ضد عنف شديد تعرضت له؟

ج6: ماجد الغرباوي: ليس التسامح ردة فعل إنما موقف من الحياة والعالم. التسامح انغرس في لا وعيي بفعل التربية العائلية المتسامحة. كان والدي ووالدتي متسامحان، فمثلا كانت أمي تبعث بيدي وأنا صغير ما تجود به يداها الكريمة لعوائل كردية هجرتهم السلطة الى مدننا، على العكس من موقف الآخرين. وتسمح لهم بدخول بيتنا واللعب معنا، بل وتغدق عليهم كثيرا. كما أن والدي كان ينتهج نفس المنهج في تعامله مع الآخر المختلف، وليس لديه نزعة أيدولوجية رغم التزامه الديني. فكانت تربطه علاقات متشعبة، دينيا وقوميا. وكانت تربط عائلتنا الكبيرة بعلاقات مصاهرة من مذاهب أخرى. شخصيا كنت أتعاطف مع الأكراد كقومية، وكنت أرفض الحرب ضدهم رغم صغر سني. وقد نَمت عندي روح التسامح، فكانت ردة الفعل أقوى عندما اطلعت خلال مراحلي الدراسية خاصة العالية والمتقدمة على عمق روح التنابذ والتكفير لدى المذاهب الاسلامية المختلفة عبر التاريخ، مواقف تبعث على الاشمئزاز، لا تصدق أن هؤلاء مسلمون. وبعد اطلاعي على كتابات نقدية مختلفة، خاصة كتابات الرموز الفكرية الكبيرة، كتبت كتاب: (التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والقافات). هذه هي مناشئ ثقافة التسامح، وليس العنف هو المنشأ الأساس، فالعنف لا يولد إلا عنفا ربما يكون أقوى، رغم أني سجين سياسي سنة 1975، وتعرضت لتعذيب شديد على يد رجال أمن النظام. لكن لا أخفيك إن ما حدث في العراق بعد سقوط الطاغية السفاح من عنف جعلني اقتنع أكثر بضرورة التسامح بين الأحزاب والجهات السياسية، وأدعو للتصالح، من أجل حقن الدماء واستتباب الأمن. أتمنى أن يقوم التسامح بين شعوبنا على أسس متينة لا تعصف بها العواصف إبان الاحتكاكات الطارئة.

 

س7: حمودي الكناني: هل يؤلمك الواقع المعيشي الى الحد الذي يجعلك تعيش عبر الكتابة والقراءة في عالم متخيل خال من العنف والاضطهاد بكل اشكاله؟؟

ج7: ماجد الغرباوي: ليس الواقع المعيشي وراء ذلك، إنما هو عملي ومسؤوليتي، وشغلي الشاغل في الحياة، ولن أتخلى عنه. ثم لم يعد العنف متخيلا يا أبا علياء، ما واجهته بسبب كتاباتي وآرائي كان اضطهادا وعنفا حقيقيين، خاصة عندما تُرمى بالانحراف والخروج عن المألوف، أو تتهم بالعلمانية والليبرالية (ويقصدون بهما المفهوم السلبي المعادل للكفر والالحاد والتآمر ضد الدين) في أجواء لا تطيق ذلك، ولا تفهم معانيها. حتى اتهموني بالكفر. طبعا ربما هناك من اعتزل الحياة بعيدا عن العنف، وانشغل بالكتابة والمطالعة. أما أنا فأجدني في دوامة هذه الأجواء من خلال المتابعة اليومية، والكتابة عنها. والتعاطف مع ضحايا العنف والإرهاب، بجميع أنواعه، المسلح وغير المسلح. وما ينشر في صحيفة المثقف بهذا الاتجاه  يؤكد ذلك.

 

س8: حمودي الكناني: أحيانا نرى وجوه أشخاص فنكرههم لا لسبب وإنما لوجوههم وفي كثير من الأحيان نجد أن هذه الوجوه تخفي خلفها البساطة والجمال والأريحية. ولكنني كلما أمعنت النظر في وجه ماجد الغرباوي ازداد يقينا أن هذا الوجه يجعلك تحبه بلا سؤال ... فهل سبق وقال لك أحدهم أني أكرهك لا لشيء وإنما لأنك ماجد الغرباوي .. كأنني ألمّح الى شيء ما؟؟

ج8: ماجد الغرباوي: شكرا لمشاعرك النبيلة أخي العزيز، أنت إنسان طيب ونبيل فتنظر بهذا المنظار. أما عن سؤالك، فلا شك هناك من يحمل نظرة وموقفا سلبيا، كردة فعل، أو لمجرد وهم، أو حسدا أو لا يطيق منجزك، وقد صرّح بعضهم بذلك، طبعا حينما نختلف!!!. أجد كثيرا من الذين اختلف معهم فكريا من التيارات الدينية التقليدية يضمرون لي حقدا غريبا، لا هو قادر على مناقشة الأفكار وتفنيدها، ولا يطيق الرضوخ للحيقة، فينقلب عجزه الى موجة حقد مسعورة. كم أشفق عليهم خاصة عندما التقيهم وانظر الى تجهّم وجوههم، ومجاملاتهم في رد السلام. هذا هو التعصب المقيت، الذي يعصف بعلاقاتنا. أنا لا أدري كيف يكره هؤلاء الناس فقط لأنهم يختلفون معهم فكريا؟ انا أحب الجميع، لا أحمل مشاعر كراهية أو عدوانية لأي أحد معاذ الله، خاصة من أختلف معهم في توجهي الفكري العقيدي. أنا أعتقد أن الآخر يرسم معالمك، ويشخص أخطاءك، فهو مرآتك، لا تستغني عنه، فكيف نحقد على من نختلف معه فكريا، وهو بالنسبة لنا ضرورة لا بد منها؟.

 

س9: حمودي الكناني: تابعتُ نصوصك فوجدتك كاتبا رصينا ذا رؤية متميزة في وصف دواخل النفس ولكن كما ارى أن فلسفة الحياة وتناقضاتها سرقتك من عالم الأدب وأقحمتك في عالم السياسة والمجتمع ..ألا ترى أن من حق الأدب عليك أن تمنحه ثلثي اهتمامك (سؤال استفزازي أليس كذلك)؟؟

ج9: ماجد الغرباوي: أجمل ما في الاسئلة استفزازها، شكرا لك وأنت تدلي بشهادة اعتز بها من أديب مرموق. أجد في الأدب متسعا للتعبير عن أفكاري، وأجد فيه متعة التعبير، خاصة لحظات التدوين، حيث أعيش الحدث في كل جوارحي، كأني في مسرح الحياة، أو على خشبة المسرح. يا سيدي الوقت كالزئبق لا تتستطيع الامساك به. كما أني لست محترفا للأدب، بل هي أفكار تنساب تلقائيا. أتمنى أن يتفجر الإلهام وأكتب ما يسعد القارئ. أما أن أخصص ثلثي اهتمامي للأدب!! فهذا طلب استتفزازي فضلا عن كون السؤال استفزازيا كما أردت. لدي مشاريع كتابية أجدها أهم نحن بحاجة ماسة لها في ظل ظروف التبست فيه الأمور حد التكفير والتنابذ. ربما يسعفني الوقت كتابة رواية لأحداث عشتها حقيقة لم يطلع عليها سوى القلة، وفي نشرها فائدة، لكنها تبقى أمنية، متىى تتحقق؟ لا أدري مع هذه الانشغالات الواسعة والمهمة.

أما عن وصفي لدواخل النفس البشرية كما ألمحت في سؤالك، فتارة أجد متعة وأنا أكتب حينما أغور في دواخل النفس، التقط اشاراتها، واترجم ايحاءاتها، عندما قرأت الجريمة والعقاب، رائعة دستويفسكي، كنت أحرص أن لا تنتهي الصفحات والراوي يصف نفسية المجرم ويغور في أعمقه، وكيفية تعامله مع الأحداث، حتى تارة أخمن ما هو المشهد القادم، أو ماذا سيبوح حينما يختلي بنفسه، أو لماذا لم يذكر أشياء أخرى تتستر بمشاهد إنسانية أو غيرها. لا يوجد كالنفس البشرية تعقيدا وعمقا، أنها عالم زئبقي لا يمكن الامساك به، مهما كانت عبقرية الطبيب أو النفساني أو المحقق الأمني. لكن الأديب قد يتفوق عليهم بذكائه، حينما يعيش الحدث بنفسه.

 ألذ ما في الأدب حالة الإيحاء والانتقال لعالم الابداع، حيث يتلاشى الحضور، وتتدفق الصور الشعرية بعفوية وهيام، وتغدو متوثبا بكل مشاعرك لاقتناص لحظة الأبداع الأكثر تعبيرا وجمالا. إنه عالم سحري، ينساب لا شعوريا، فليترك الأدب من يجد نفسه مشغولا برصف الكلمات.

........................

 

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

ينساب لا شعوريا، فليترك الأدب من يجد نفسه مشغولا برصف الكلمات.

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الأولى من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على سؤال أسرة التحرير، وأسئلة الأديب حمودي الكناني.

قبل الحوار

كان مقررا لهذا الحوار أن يبدأ تزامنا مع الاحتفال بمرور 10 سنوات على تأسيس المثقف يوم 6 – 6 – 2016، غير أن ظروفا قاسية امتدت لأشهر عدة، حالت دون الشروع به، فكنت أعتذر مرة بعد أخرى للأصدقاء الذين اقترحوا اجراء الحوار حتى ابتعدت المناسبة. وعندما بدأ الحوار شارك بعض الأصدقاء بأسئلتهم، حول مختلف القضايا، خاصة الفكرية منها. ثم جاءت مشاركة الأخ الأستاذ الأديب طارق الكناني، فطرح مجموعة أسئلة راح الحوار يتطور ويتشعب من خلال ردودي عليها، فكانت حصيلة الأجوبة كتابين صدرا مؤخرا:

الأول: رهانات السلطة في العراق.. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي. بـ 192 صفحة، وقد اشتمل على 53 سؤالا، تدور حول أيديولوجيا التوظيف السياسي وتأثيرات الفكر القومي، مرورا برهانات السلطة في العراق، ضمن ثنائية السلطة والمعارضة، ومدى تأثّر النخبة الحاكمة بخلفياتها السياسية والثقافية، وحجم ولاءاتها وارتباطاتها الإقليمية والدولية، مرورا بالشعور الوطني ودوره في التوازنات السياسية، وقد تخللت الأجوبة مذكرات عن المعارضة العراقية ونشاطها خارج الوطن.

الثاني: مدارات عقائدية ساخنة .. حوار في مُنحنيات الأسطرة واللامعقول الديني. بـ 450 صفحة، وقد اشتمل الكتاب على أكثر من مئة سؤال، حول بعض المفردات العقيدية، وقدرتها على توجيه الوعي الفردي والعقل الجمعي، مرورا بنقد التراث، وإعادة فهم الرموز التاريخية.

لهذا سوف لن تنشر أسئلة وأجوبة الكتابين، بعد أن أصبحت متاحة للجميع.

فما ينشر في هذه الحوار المفتوح، هي حلقات ضمن ذات الحوار، وقد تأخر نشرها بانتظار حلول الذكرى الحادية عشرة لتأسيس المثقف، صحيفة ومؤسسة. هذا المشروع الذي نهض به كتابه، وتعهده قرّاءه.

وبما أنه حوار مفتوح فسيبقى الباب مفتوحا لمن يود المشاركة، وستنشر الأجوبة بعد الانتهاء من نشر الحلقات القديمة. فأشكر كل من شارك أوسيشارك من أجل بلورة رؤى تساهم في إثراء الوعي. وأعتذر لجميع الأصدقاء ممن تأخر نشر حواراتهم، بسبب ظرفي الخاص والقاسي، وبسب مجموعة الأسئلة المطولة التي شارك فيها الأخ الأستاذ طارق الكناني.

..............

 س1: صحيفة المثقف: كيف يقدّم ماجد الغرباوي نفسه لقرّاء صحيفة المثقف؟

ج1: ماجد الغرباوي: بدءا، أتقدم بجزيل الشكر لأسرة تحرير المثقف على فتح حوار مفتوح مع كتابنا وقرّاءنا، أتمنى للجميع وقتا ممتعاً، مع هامش كبير لحرية الرأي، وتبادل وجهات النظر حول الأسئلة المطروحة. فأهلاً بكم جميعاً.

ماجد الغرباوي: كاتب وباحث، يسعى من خلال مشروعه الى: ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، ومن خلال قراءة متجددة للنص الديني تقوم على النقد والمراجعة المستمرة، من أجل فهم متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري، يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في طار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب.

يشتغل ماجد الغرباوي على موضوعات: نقد الفكر الديني، التسامح، العنف، الحركات الاسلامية، المرأة، الاصلاح والتجديد، ...

 

ماجد الغرباوي

- كاتب وباحث عراقي / أستراليا.

- مؤسس ورئيس تحرير صحيفة المثقف 6 – 6 – 2006م.

- مؤسس ورئيس مؤسسة المثقف العربي، في سيدني – أستراليا.

- كان رئيسا لتحرير مجلة التوحيد (الأعداد: 85-  106).

- أصدر سلسلة رواد الإصلاح، وكان رئيساً لتحريرها.

- كان عضو الهيئة العلمية لكتاب التوحيد.

- شارك في عدد من الندوات والمؤتمرات العلمية والفكرية.

- مارس التدريس ضمن اختصاصه في المعاهد العلمية لسنوات  عدّة.

- حائز على عدد من الجوائز النقدية والتقديرية عن أعماله العلمية.

- كتب عن منجزه الفكري والثقافي والأدبي عدد من النقّاد والباحثين العرب والأجانب.

- له 25 عملاً مطبوعاً، تأليفاً، وتحقيقاً، وحواراً، وترجمة، إضافة الى عدد كبير من الدراسات والبحوث والمقالات في مجلات وصحف ومواقع الكترونية مختلفة.

صدر له

- إشكاليات التجديد (3 طبعات)، 2000م،2001م و2017م.

- التسامح ومنابع اللاتسامح .. فرص التعايش بين الأديان والثقافات (طبعتان)، 2006م و2008م.

- تحديات العنف، 2009م.

- الضد النوعي للاستبداد .. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، 2010م.

- الشيخ محمد حسين النائيني .. منظّر الحركة الدستورية (طبعتان)، 1999م و2012م.

- الحركات الإسلامية.. قراءة نقدية في تجليات الوعي، 2015م.

- جدلية السياسة والوعي.. قراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق، 2016م.

- الشيخ المفيد وعلوم الحديث، 1992م.

- ترجمة كتاب الدين والفكر في شراك الاستبداد، 2001م.

- تحقيق كتاب نهاية الدراية في علوم الحديث

كتب حوارات معه

- المرأة والقرآن .. حوار في إشكاليات التشريع / حاورته: د. ماجدة غضبان، 2015م.

- إخفاقات الوعي الديني.. حوار في تداعيات النكوص الحضاري / حاوره: سلام البهية السماوي، 2016م.

- رهانات السلطة في العراق .. حوار في أيديولوجيا التوظيف السياسي/ حاوره: طارق الكناني، 2017م.

- مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في مُنحنيات الأسطرة واللامعقول الديني / حاوره: طارق الكناني، 2017م.

كتب صدرت عنه

- جدلية العنف والتسامح .. قراءة في المشروع الإصلاحي لماجد الغرباوي/ د. صالح الرزوق، 2016م.

اكتفي بهذا القدر، لأجيب على الأسئلة التالية.

 

س2: حمودي الكناني: أديب وقاص – العراق: كل عام وأخي ماجد الغرباوي بصحة وعافية والمثقف برقي وازدهار. الأستاذ ماجد الغرباوي هل لك مشكورا أن تحدثنا عن ماجد الغرباوي، متى وأين نشأ، كيف تشكّلت رؤاه الفكرية وما هي الظروف التي جعلته يختار له وطنا في آخر شبر من الأرض؟

ج2: ماجد الغرباوي: الأخ الأديب الأستاذ حمودي الكناني، مرحبا بك أول محاور، بأسئلتك الاستفزازية المريحة. للأسف لا أجيد الحديث عن الذات بما يُشبع نهم السائل، والمتابع المتلهف، وما زلت أعتقد أن منجز الانسان كفيل بتحديد أبعاد شخصيته، والا تبقى العناوين ادعاءات فارغة بلا مصاديق، مهما كان حجمها. لذا دائما أترك القارئ يشكّل انطباعه من خلال أعمالي ومشاريعي. ومن يطالع منجز ماجد الغرباوي ستتضح صورة صاحب القلم: أبعاد شخصيته، طريقة تفكيره، هدفه النهائي. شخص طموح، مسكون بالأسئلة، ويجيد رسم علامات الاستفهام، يبحث عن الحقيقة بلا هواده، يطاردها في كل مكان. اتسمت بحوثة بالجرأة والعقلانية والمشاكسة.

نشأ ماجد الغرباوي في مدينة عراقية كانت وما زالت تغفو على نهر الغراف، تتوشح بجمال طبيعتها، وانسياب نهرها، وطيبة أهلها. ففي مدينة قلعة سكر ولد وترعرع وأكمل مراحله الدراسية الأولى، وتشكلّت أول بوادر وعيه، ثم انتقل مبكرا مع عائلته الى بغداد العاصمة العراقية، منذ قرابة نصف قرن، ليواصل دراسته في أعدادية الكاظمية، الفرع العلمي، ثم دخل السجن مع ثلة من رفاقه، وأخيرا واصل دراسته خارج أسوار الوطن لعشرين عاما في مجال الشريعة والعلوم الإسلامية، ليستقر في نهاية المطاف في أستراليا.

أما كيف تشكّلت رؤاه الفكرية، فأنا شخص مسكون بالأسئلة منذ طفولتي، أمارس النقد بأوسع أبوابه، لا أخشى الممنوع، والمتستر عليه، أتوغل عميقا بالجزر المغلقة، وأعتبر كل شي أمامي قابل للنقد والمراجعة، لا فرق عندي بين المقدس وغير المقدس، ما دام التقديس ظاهرة بشرية، كرّسته سلطة رجل الدين والسياسية، والدين منه براء، وهذا القرآن ينتقد الأنبياء ويؤشر على أخطائهم، ويطرح اشكالات المشككين في أخطر قضية هي وجود الله تعالى. كنت دائم النقاش مع أصدقائي وزملائي خلال سنوات الدراسة الطويلة، حول شرعية السائد والمتعارف، والراسخ تقليدا في وعي الناس. وكنت أعبر عن آرائي بشكل وآخر، رغم أنها تكون مغامرة في الأجواء المغلقة، خاصة الأجواء التي تعتمد الأيديولوجيا ركيزة لتثبيت سلطتها، دينية كانت أو سياسية. نعم لا أبوح بالخطير منها الا لعدد محدود جدا، تارة يكون واحدا فقط. كانت وما زالت تستفزني المظاهر، فأتأمل باحثا عن خلفياتها، وأسبابها الحقيقية، بهذا الشكل تراكم لدي الوعي وما زلت أبحث عن الحقيقة، ولن أتوقف، ولن أدعي الكمال، وليست لدي نهائيات، فكل شيء قابل للمراجعة والنقد بشكل مستمر.

تركت العراق، بعد أن تمادى النظام في مطاردة المعارضين، فلم يبق من رفاقي وزملائي أحد، فغدوا بين قتيل وسجين، أو هارب خارج العراق. وفي الشهر العاشر من سنة 1980، كنت قد غادرت بلدي، بمساعدة صديق تمكن من إصدار جواز سفر باسمي، فكدت لا أصدق. واتجهت في اليوم التالي صوب سوريا، عبر تركيا، باقتراح من أحد الأصدقاء. وبالفعل وجدت في سوريا أحزابا معارضة، التقيت بعض زملاء الدراسة من حزب الدعوة هناك، فاحتضنوني، ووفروا لي سكنا مع متابعة وضعي القانوني، وهو غاية ما يحتاجه الشخص الغريب عن بلده،  رغم عدم انتمائي لنفس الحزب. بل ما كنت أعرف شيئا عن انتمائهم السياسي سوى تخمينات وفق الجو العام المشترك بيننا. ولمّا ضيّق النظام السوري آنذاك الخناق على المعارضة العراقية، انحسرت أمام العراقيين الخيارات، إما مجازفة البقاء في سوريا، أو العودة الى العراق، يعني الموت المحقق، أو الذهاب الى إيران التي احتضنت المهجّرين (المسفّرون او ما يسميهم النظام التبعية) والمعارضة العراقية بمختلف اتجاهاتها، بدوافع شتى. فاتجهنا الى إيران. بقيت هناك عشرين عاما، أسوة بكثير من العراقيين. ثم أنقلبت المواقف فقررت إيران الوقوف هي وسوريا مع صدام ضد أمريكا، وراحوا يدفعون باتجاه التصالح مع نظام البعث، فاشتد الخناق، وقررت الهجرة الى أي بلد، فكانت: أستراليا، البلد الذي احتضننا وكرّمنا، ومنحنا الأمن والأمان بعد حياة شاقة لم نحصل فيها أيا من حقوقنا، أقلها ورقة إقامة دائمية، أو جواز سفر!!. بل تعرّضت في إيران بسبب كتاباتي للمساءلة والمتابعة من قبل جهاز المخابرات الإيراني، حتى اقتحموا بيتي يوما وكنت حينها مريضا، وبعد تحقيق دام ساعات عدة، سبب لعائلتي وأطفالي فزعا ذعرا لا مثيل له، وقانا الله شرهم. كما تعرّضت للمساءلة عن كتاباتي في دوائر أخرى في العاصمة طهران. وكانت التهم تدور حول موقفي السلبي من رجال الدين، ومدى تأثري بالمفكرين الإيرانيين الاصلاحيين.

أعود لسؤالك الأهم: متى تشكلت رؤاي الفكرية؟

تعود الإرهاصات الأولى لرؤاي الفكرية الى بداية حياتي، حيث كان موقفي سلبيا من البعث، أيام الحرس القومي، وما بعد 1968م. حتى أني هتفت بعمر العاشرة ضد الحزب أمام أحد مقراته، فكان جزائي سيلا من الصفعات. وهناك تفصيلات عن أسباب موقفي لا وقت لسردها. من هنا رحت اتطلع لبديل آخر، احتمي به، وأعضّد به موقفي. كانت شخصيتي تميل للتدين والهدوء، ورفض التمرد السلوكي، رغم أنها مسكونة بالتمرد الفكري والعقيدي. غير أن الأجواء الدينية خاملة، ساكنة، لا تكترث لما حولها، وتكتفي بالهمس في معارضتها للسلطة، فرحت أبحث عن حزب أو حركة يبعث فينا روح الثورة ويطرح بديلا حضاريا ينصف الناس، ويمنحهم هامشا كبيرا من الحرية. فلم أعثر، لكن لم أيأس، حتى انخرطت في إحدى الحركات الاسلامية السرية بين سنتي 1971 - 1972. وهي حركة منشقة عن حزب الدعوة كما عرفت فيما بعد.

غير أن التحول الفكري الحقيقي حصل عندما قرأت كتاب معالم في الطريق لسيد قطب، منظّر حركة الإخوان المسلمين. كان عمري آنذاك ربما 15 عاما أو أقل. وهو ذات الكتاب الذي نقدته نقدا صارما في كتبي، باعتباره أسوء كتاب قاد الإسلاميين الى تكفير الناس، جميعا، وفقا لنظريتي الحاكمية لإلهية، وجاهلية المجتمع. فعندما قرأت الكتاب في حينه حصل عندي انقلاب فكري وثوري، وفق رؤى سيد قطب الذي كان يطرح أفكاره بأسلوب ثوري، أدبي، شيق، فكان يلهب قارئه حماسا، ويجعله يفكر بطريقة أخرى، طريقة لا تكترث للحياة، وتشتاق للموت في سبيل الله، والأخطر تجعلك تنظر للآخرين نظرة سلبية، بل دونية فيها كثير من الاستهانة. بعد ذلك تطورت أفكاري بشكل تصاعدي، وشخّصت أخطاء مساري واعتقادي وتوجهي السياسي والديني.

 لم أجمد على أي فكرة أو نظرية، لذا يتهمُني (بعض الإسلاميين) بالانحراف الفكري والعقيدي، لكن لا أُبالي، ما زلت أنشد الحقيقة، وأعتقد أن الجمود الفكري صفة الحجر، والإنسان كائن مفكر ذو عقل. وليس ثبات الناس على ذات الرؤى دليل استنارتهم، بل دليل على بساطتهم وخمول وعيهم وتعصبهم. كنت وما زلت دائم البحث عن الحقيقة، متى وجدتها اتمسك بها ما دامت تستوفي شرطها العلمي. ومستعد للتراجع عن أي مبنى فكري أو عقيدي إذا اكتشفت خطأه. لذا لا أقتصر في قراءاتي على وجهة نظر واحدة بل أقرأ للمعارض أيضا بكل تجرد، ثم أعمل عقلي لمحاكمة كلا الطرفين. لست أيديولوجيا، بعد أن تحررت من سطوتها بمعاناة طويلة، ولا متعصبا، وأرتبط بصداقات مع مختلف الانتماءات السياسية والدينية والمذهبية، صداقات قائمة على التسامح الديني والثقافي والاعتراف بالآخر، اعتز بها واحترمها جدا. ولي في صحيفة المثقف شاهد، حيث غدت مساحة لتلاقي الأفكار المختلفة والمتقاطعة بكل احترام وتقدير، بل وليس هناك سيادة لأي لون من التفكير، وما يكتب في المثقف من نقد فكري وغيره لا يكتب في أي موقع موضوعي إلا نادرا. فلا حدود لحرية الفكر في المثقف سوى حريته.

هذا هي البدايات الأولى، فشكرا لهذا السؤال المهم جدا استاذ حمودي الكناني.

...................

 

للاطلاع على حلقات:

الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار ترسل الاسئلة على الاميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawiaحوار مع الكاتب والباحث ماجد الغرباوي.

رئيس مؤسسة المثقف، ورئيس تحرير صحيفتها.

لمناسبة مرور 11 عاما على التأسيس.

وهو حوار مفتوح حول مجمل القضايا التي تطرحها الأسئلة.

للمشاركة: almothaqaf@almothaqaf.com

 



المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (1): بطاقة ثقافية

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (2): المثقف والمهجر

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (3): قلق المستقبل

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (4): الموقف من الغاوين

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (5): شرعية الفتوحات

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (6): واقع القصص القرآني

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (7): رمزية الجنة والنار

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (8): الموقف من العلمانية

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (9): التنوير والاستلاب

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (10): التسامح وسلطة الحقيقة

 المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (11): التسامح والحرمان السياسي

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (12): المقدّس ورسوخ الفكرة

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (13): عودة للسيرة الثقافية

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (14): الاشتراكية العلمية

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (15): شرعية الدولة الدينية

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (16): جدل التراث والمعاصرة

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (17): رهانات العقلانية الشاملة

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (18): مفهوم النقد الثقافي

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (19): المثقف المستنير

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (20): تبعية المثقف للسياسي

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (21): معاناة المرأة المثقفة

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (22): التسامح ونسبية الحقيقة

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (23): التسامح والتصالح مع التاريخ

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (24): التسامح وأدلجة الثأر

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (25): التوظيف السياسي للدين

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (26): صراخ المرأة

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (27): محنة المرأة