المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (16): جدل التراث والمعاصرة

majed algharbawi7ali mohamadalyousifخاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ علي محمد اليوسف.

 

س47: علي محمد اليوسف: المعاصرة والتراث إشكالية تضرب العمق الوجودي لمجتمعاتنا، نوقشت باسهاب تنظيري لعقود طويلة، وبقيت تلك الفلسفات تدور حول الإشكالية، وعجز تلك الاسهامات، أخذ حيز التنفيذ في تغيير، أو تخفيف صرامة المهيمن اللاهوتي- الديني في قيادة مجتمعاتنا، والعجز من إيجاد حلول شافية لهذه الاشكالية.

ماذا تقولون بذلك؟

ج47: ماجد الغرباوي: إشكالية التراث والمعاصرة، من أكثر الإشكاليات تداولا في الفكر العربي، إلا أنها بقيت مستعصية، رغم عدم استحالتها حينما تتوفّر على منهج قادر على تفكيكها، والتعامل بواقعية مع طرفيها.

تبلورت هذه الإشكالية في خضم الجدل الدائر حول سؤال النهضة بعد الصدمة الحضارية، الذي أطلقه شكيب أرسلان: "لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟"، حيث أَذهَلَ العربَ والمسلمين والشرق عموما حجمُ الفارق الحضاري بين الغرب وبينهم، فراحوا يتحرون أسباب التخلف وكيفية معالجتها من داخل التراث والثقافة، تمهيدا لقفزة حضارية يستعيدون بها أمجاد الحضارة الإسلامية، فتبلورت في سياق الوعي إشكالية التراث والمعاصرة في ظل انقسام حاد حول مفهوميهما وشروطهما وإكراهاتهما. وبقي سؤال النهضة يبحث عن إجابة تخرج به من نفق الإشكالية إلى رحاب نظرية تقدّم قراءة جديدة للتراث نتجاوز بها عقدة الأصالة والخوف على الهوية، في مقابل تشاؤم مرير من المعاصرة، مرده ذات الخوف على الأصالة والتراث. فانقسم الموقف من التراث بين التمسك به، والتحرر مطلقا منه، وثالث يسعى لموقف متوازن، فكانت ثلاثة اتجاهات أزاء التراث ودوره في تكريس التخلف:

الأول: كان منبهراً بالغرب حد الانسحاق والتبعية المطلقة، والتخلي عن كل ما يمت إلى الأمة من صلة، فدعا (وهم المتغرّبون) إلى نبذ التراث وانشاء قطيعة معرفية معه باعتباره المسؤول الأول عن التخلّف، ليحل النموذج الغربي محل النموذج السائد في حضارتنا بكل حمولته الثقافية. فجاء حلاً مبتسراً للمشكلة ساهم في تعميقها من خلال تبنّي مفاهيم جديدة تكوّنت في فضاءات ثقافية غريبة عن بيئتنا. جاءت لتطمس هوية الأمة ومعالمها الحضارية، وتُفقدها أصالتها وانتماءها. وهنا سيكون استدعاء النموذج الغربي بجميع حمولته الثقافية معيقا للتطور المنشود، لذا فشل هذا الاتجاه في تسوية الإشكالية، وتصدى له محافظو المجتمع، رغم أصدائه لدى طيف واسع من المثقفين.

الاتجاه الثاني: ارتد سلفياً رافضاً معطيات الحضارة الحديثة، منكباً على التراث لا يغادره. يصر على استنساخ النموذج الحضاري الإسلامي رغم تاريخيته. وقد غامر هذا الاتجاه في تجربته العملية بنفس أدوات الماضي، فكانت داعش والحركات الإسلامية المتطرفة، قد بسطت روح الرعب والعنف والإرهاب في أرجاء العالم لتثبت للبشرية جميعا فشل المشروع التراثي الديني. ويعتقد هؤلاء أن الخطأ في التطبيق دائما، ويرفضون أي اتهام يمس التراث والعقيدة والفكر والثقافة لانتمائها للمقدس الديني. فالسبب برأيهم في المسلم ذاته ومنهج التطبيق، لا بفكره وعقيدته ودينه، ويراهنون على طبقة مثالية في تدينها والتزامها واعتقادها ستعيد للتراث حيويته وقدرته على بناء دولة تنتشل المسلمين من التخلّف المرير. فلا نهضة إلا من داخل التراث، ولا مستقبل إلا من خلاله. فهؤلاء يعتقدون بقدسية التراث وإطلاقه وصلاحيته لكل زمان ومكان، رغم تاريخيته. لذا يهربون إلى واقع افتراضي يتمثلون فيه الماضي بكل وقائعه وشخوصه، ويسقطون عليه كل رغباتهم، وأوهامهم، فيختلط الواقع بالخيال بالطموح، ويتهمون الناس بالردة بل والكفر، وتنفيذ الحدود بهم، قياسا على الماضي وما يحملونه من صور عنه.

الاتجاه الثالث: عاد إلى التراث، يستنطقه، يبحث عن مصادر قوته، ليؤسس من عناصره القادرة على البقاء قاعدة تستوعب معطيات الحضارة الحديثة في إطار الإسلام وقيمه ومبادئه. فلا يلتصق بالتراث ولا يرفضه، بل ينقده ويقوّمه ليستلهم منهجا في الرقي الحضاري. ثم لا يرتمي في أحضان الغرب ولا يرفض معطياته الحضارية، مادام جزءا كبيرا منها نتاجاً بشريا، يمكن لأية حضارة استيعابه ضمن أطرها الدينية والحضارية. غير أن الاتجاه الثالث لم يتغلغل في أعماق الوسط الاجتماعي ليستنقذه من التردي الثقافي بل ظل همّاً محدود التأثير، يتعهده روّاد الإصلاح الواحد تلو الآخر، ولم يتحول بعد إلى تيار عارم، متمرد، يهز ضمير الأمة ويوقظ شعورها بالمسؤولية تجاه مستقبلها، ودعوتها إلى رفض السكونية الناتجة عن عدم وعي  الأزمات، أو الناتجة عن عدم إدراك خطورة التراكمات التاريخية والفكرية والسلوكية، على مستقبل الدين، لذا ظلت الدعوة إلى مراجعة الفكر والثقافة والإلحاح على دراسة الواقع ومكوّناته الثقافية دعوة مريبة، تستفز مشاعر فئة تكرّس خرافات وطقوس خالية من أي محتوى ديني. فيزعجهم الوعي، وتصدمهم الحقيقة، ويربكهم تعرية البدع المختلطة بالدين.

إن طموح إشكالية التراث والمعاصرة الخروج بمشروع ينتشل الواقعين العربي والإسلامي من حالة التراجع والتخلف والإنكفاء إلى أفق الحضارة والتقدم والتطور في جميع مناحي الحياة. غير أن نجاح هذه  الاتجاهات في تسوية الإشكالية تراوح بين الفشل والنهوض المحدود، لأنها إشكالية معقدة، مردها إلى إشكاليات أعمق تتطلب تسويتها في مرحلة سابقة، تتعلق بفهم الدين وسعة الشريعة، وقدسية التراث، وكيفية تراكمه، وحدوده وعلاقة الفرد والمجتمع والثقافة به، وتأثير الاستبداد، والاستعمار، والأيديولوجيا، والصراع الطائفي.

إن مقاربة الإشكالية تستوجب تحديد المفاهيم أولا، لتدارك التباس التداخل بين المقدّس وغير المقدس، وبين الديني وغير الديني. فثمة اختلاف حول مفهوم: الدين، السنّة النبوية، المقدّس، التراث، شرعية الاجتهادات الفقهية ومدى سلطتها وحجتها على الآخرين، وغير ذلك.

يقصد بالتراث: ما أنجزه السلف من دراسات وبحوث، فكرية وعقدية وثقافية وفقهية ما زالت تفرض نفسها مرجعيات تؤثر في وعينا وتفكيرنا وفهمنا، وتحتفظ بقدر كبير من الاحترام والقداسة، خاصة في الأوساط الدينية والتراثية المحافظة.

ومهما بالغوا بقدسية التراث لكنه يبقى منجزا بشريا في إطار ظرفه الزماني والمكاني، فيحتفظ بتاريخيته، وعدم تعاليه على النقد. ويبقى مرتهنا في إطلاقه وتأثيره لمتانة مبانيه ومبادئه وأسسه، بما في ذلك الفقه الإسلامي الذي يشتغل على نصوص الكتاب والسنة. رغم أن الفقه وفتاوى الفقهاء غدت سلطة مقدسة، يترتب على مخالفتها عقوبات دنيوية فضلا عن العقوبات الأخروية، وهي قدسية مريبة لا أساس لها سوى فهم خاطئ لفهم الدين في الحياة، ودور الإنسان فيها، ورغبة الفقيه في تحصين سلطته بالمقدّس، وتوظيف الفتوى لصالح مكانته الاجتماعية والسياسية، وتلبية لطموحاته المذهبية والطائفية. يؤكد ذلك موقف كل فقيه من الآخر المختلف مذهبيا، رغم وحدة مصادر التشريع، واتفاق فقهاء المسلمين على أكثر من 90 بالمئة من أحكام الشريعة.

لقد خسر الإنسان حريته، بسبب إصرار الفقيه على احتكار رمزية رجل الدين وقدسية سلطته الروحية، من خلال قواعد إصولية ابتدعها ثم صارت سلطة معرفية، لتدفق فتاوى راحت تطارد الفرد والمجتمع في في كل مكان، فأنتجت شعبا معاقا لا يهزه الشعور الإنساني لكنه ينقاد للنص والفتوى، حتى تضاءلت حريته وتخلى عن عقله، حدا صارت الفتوى تقوده حيث تطلبت أهدافها السياسية والطائفية، وتمادى بعضهم ففرض ولاية وقيمومة للفقيه على الإنسان ومصيره، بعد ضمان روح الإنقياد والتبعية في أعماق الفرد والمجتمع.

وعندما قاربوا التراث، للتخلّص من هيمنته كشرط أساس للمعاصرة ودخول الحداثة، باعتباره منجزا بشريا، اصطدموا بالمقدّس (الكتاب والسنة) ومدى شمول التراث لهما أو لأحدهما. أم تبقى مطلق النصوص المؤسسة (القرآن والسنة) سلطة فوقيه، تتعالى على النقد والمراجعة؟. فيختفي النقد ويقتصر عمل المسلمين على التفسير والتأويل والطاعة المطلقة؟.

بعض عمد إلى أنسنة النص الديني مطلقا بما في ذلك الكتاب الكريم، لنزع قدسيته، واعتباره منجزا بشريا، يقرأ ضمن تاريخيته (أغلب المستشرقين ومحمد إركون مثالا)، وسياقاته فيمكن التخلّص من سلطته. وهذه القراءة ممكنة في إطار ثقافة أخرى، ومناهج من خارج النص وفضائه المعرفي ومنطقه ودلالاته. لكنه غير ممكن بالنسبة لمجتمع يؤمن إيمانا قاطعا بقدسية القرآن الكريم، وانتسابه لله تعالى، ومستعد للتضحية دفاعا عنه.

إن الخطأ في فهم الواقع العربي – الإسلامي وعلاقته بالدين والمقدّس والتراث، من جهة. وعدم تشخيص مقاصد وغايات المنظومة العقيدية والفكرية من جهة ثانية، هي  جوهر الإشكالية. فيفشل من يراهن على شطب الدين واللاهوت والتراث والمقدّس والماضي بأسره، شرطا للمعاصرة ودخول الحداثة من أوسع أبوابها. وأيضا سيفشل من ينكفئ يراهن على قابليات التراث في التطور الحضاري، وينظر بريبة للمعاصرة ومناشئها. ويبقى الوسط محاصرا بين الخوف والإيمان. فالانقسام يختزل احتمالات التسوية في حل الإشكالية. فعلينا اعتماد رؤية أخرى تقارب التراث والحداثة من داخل فضائهما، كي تكون المقاربة منتجة، من خلال منهج تحليلي، يعود بالتراث إلى عناصره الأولية ودراسة سياقات التطور ضمن مسارها التاريخي، لتحديد دور الزمان والمكان ومختلف الظروف والعوامل المؤثرة. ولا مانع أن يطال المنهج مساحات المقدّس بحثا عن فعلية أحكامه وإطلاقات نصوصه. وفي غير هذه الحالة يبقى التراث يفرض نفسه بقوة تتحدى السياقات الثقافية للمعاصرة التي هي جزء لا يتجزأ منها. فتقديم قراءة مغايرة للتراث من داخله ستساعد على اكتشاف بشريته، أما القراءات من خارج التراث فتفرض شروطها التي تخل في فهمه. فحدود قدسية الكتاب والسنة، ومدى فعلية أحكام الشريعة الإسلامية تعد إشكالية أولى ضمن إشكالية التراث والمعاصرة، وتسويتها تمهد لفهم المنجز الفكري للمسلمين باعتباره منجزا بشريا لا تشمله قداسة الكتاب والسنة النبوية، فيمكن نقده والتخلي عنه كمرجعية نهائية، كما تفعل الاتجاهات السلفية وأهل الحديث.

ثم تأتي إشكالية أكثر تعقيدا عندما عمد المسلمون بدوافع سياسية وأخرى أيديولوجية إلى تقديس منجز القرون الأولى حد التعالي على النقد، حيث ذهب السنة إلى عدالة الصحابة مطلقا، لتحصينهم سياسيا وعقيديا. فأصبح قول الصحابي وفعله وتقريره حجة، وتحصّن الصحابة بحصون مقدسة، يستمد منها الفقيه شرعية بعض الأحكام. ثم تعمقت روح التقديس بمرور الأيام وتراكم أحاديث الفضائل والأخبار عن النبي الكريم في الثناء عليهم، ثم شاع حديث العشرة المبشرين بالجنة، ليمنحهم حصانة مطلقة، جعلت من نقدهم، مهما كان سلوكهم، تكذيبا لرسول الله، بل ومحاربة لله ولنبيه المرسل. وبهذا اتسعت رقعة المقدّس، ليمارس دوره السلطوي في توجيه وعي المسلمين خاصة في أجواء الصراع المذهبي.

في مقابل السنة راح الشيعة يُنظّرون ما بعد سنة 150 هـ إلى عصمة أئمتهم، حتى أمتد عصر النص عندهم إلى نهاية ما يعرف بالغيبة الصغرى. فتراكم لديهم تراث معصوم من الخطأ كما يعتقدون، أقتصرت فيه مهمة الفقيه، كما هو الفقيه السني بالنسبة لعدالة الصحابة، على التأويل والتفسير، وتسوية التعارض بين الأحاديث المتعارضة. وبهذا تضاعفت رقعة المقدّس لدى المسلمين من جهة، وتعددت مصادره مما سهل الكذب والافتراء والتلفيق في مجال العقيدة، والموقف من الند السياسي والمذهبي، بل وتعدى ذلك إلى مصادرة العقل وقدرته الابداعية خارج حدود التفسير والتأويل والاستنباط بعد أسلمة الحياة برمتها، وشمول الفقه لجميع حركات الإنسان والمجتمع، بشكل خسر الفرد حريته، وصار يدور داخل المدونة الفقهية، ويبقى في سجن الفقيه ما دام حيا.

فمقاربة الإشكالية تبدأ من هنا، لتحديد ما هو المقدّس؟ وما هي مصادر قدسية التراث خارج إطار الكتاب والسنة؟ بل ويمكن المناقشة في إطلاق حجية السنة النبوية، وكذا بالإمكان تقديم فهم أخر للدين وأحكام الشريعة.

إن خطورة التقديس في تلبّسه قداسة الخالق تعالى، عندما جعل الفقهاء حجية قول الصحابي وقول الإمام المعصوم بموازاة حجية السنة النبوية والكتاب الحكيم، فالرواية عندهم تقيّد وتخصص الآية، بشكل تتساوى قيمة كلا النصين من حيث حجيتهما. فرغم أن الرواية من خارج النص المقدّس لكنها تخصصه وتقيده. بينما اقتصرت مهمة الرسول قرآنيا على التبليغ والبيان والتفصيل، ولم يسند له دور تشريعي، فضلا عن غيره، فبأي دليل قرآني صريح استدلوا على مبانيهم الأصولية؟.

 

نعود لنسأل: ما الذي جعل العلاقة بين التراث والمعاصرة علاقة إشكالية؟ وأين هي المشكلة؟

المعاصرة نموذج حضاري لتطور الإنسان والمجتمع، أثبت جدارته على أرض الواقع، ونقل أوربا من مستنقع التخلّف إلى عالم الحضارة. فجاءت تتحدى النماذج الأخرى ومنها النموذج الديني والتراثي، فهي نظام وضعي في مقابل نظام ديني مفترض، يجد مقوماته داخل التراث والنصوص المقدسة. لذا كان ردة الفعل صارمة تجاه الحداثة، لا باعتبارها معطى علمي وتكنلوجي بل لأنها منظومة فكرية ثقافية كاملة. فجوهر الإشكالية في التضاد بين الإلهي والبشري. الديني واللاديني، المقدّس واللامقدس، السماوي والأرضي. الديني والوضعي. فكيف يمكن للبشري أن يتحدى الإلهي؟ وكيف يكون السماوي سببا لتخلّف المسلمين؟ خاصة مع عدم وجود نموذج تاريخي للسلطة يدين مقوماتها الفكرية والعقيدية من خلال سلوكها السلطوي، كما بالنسبة لسلطة الكنيسة وتعسفها إبان القرون الوسطى. فالسلطة الدينية انفصلت عن السلطة السياسية في بداية الدولة الأموية، فركزت الإشكالية على نقاط محسومة ابتداء، فلا يعقل التخلي عن الإلهي لصالح البشري، مهما كانت مصداقيته ونجاحه. لكن المقارنة استنبطنت مغالطتين معرفيتين كان يجب حلهما أولا، لرفع التضاد بين الإلهي والبشري:

الأولى: ينبغي التمييز بين الدين والفكر الديني. بين النص وفهم وقراءة وتأويل النص، فثمة مساحة واسعة من الفكر الديني اكتسبت قداسة بمرور الإيام أو من خلال أسطرة الرموز التاريخية. فلا تضاد كبير بين الدين والمعاصرة حينئذٍ إذا فرزنا الدين عن الفكر الديني، والنص المقدس عن فهمه. لأن الفكر الديني مجرد وجهة نظر اجتهادية في فهم النص المقدس، فلماذا تكون مقدسة تحول دون تحديث الفكر الديني لمستوى ضرورات العصر والزمان؟.

الثانية: ينبغي فهم الدين ومقاصد التشريع، وما هي إطلاقاته وعموماته، وتحديد مساحات الأحكام الفعلية. فلا تضاد بين الإلهي والوضعي حينئذٍ مع عدم ثبوت الإطلاق الزماني والأحولي لجميع الأحكام الشرعية. بل هي منطقة فراغ يمكن للمنجز البشري ملأها إذا لم تتقاطع مع مبادئ وقيم الدين الحنيف. ولا دليل على اختصاص الفقيه بملأ الفراغ التشريعي كما ذهب لذلك السيد محمد باقر الصدر، لعدم وجود دليل على ضرورة وجود حكم شرعي لكل حادثة وواقعة. كما أن أحكام الشريعة واضحة بينة في الكتاب الكريم. ولم يسند الباري تعالى تشريع الأحكام لأحد، حيث اقتصر مهمة الرسول الكريم على التبليع والبيان والتفصيل، وهذا ما اتفق عليه جميع المسلمين لكنهم استدلوا على حجية السنة بأدلة تأويلية - اجتهادية.

وأما في جانبها العلمي فباتت المعاصرة أمرا واقعا يتلبسنا ويفرض إرادته. وغدت المعطيات العلمية والتكنلوجية والمعلوماتية تتدفق من جميع الجهات، ولا خيار للإنسان والمجتمع سوى قبولها، بل أصبحت مناحي الحياة مرتهنة لمعطياتهم العلمية، فهذا الجانب لا جدال فيه، ولم يعترض عليه أحد بما فيهم السلفيون والتكفيريون. بل أكثر من ذلك،  تجد الوسط الثقافي والإعلامي والسياسي يلهج بمفاهيم الحضارة الغربية، كالديمقراطية، والتعددية، والتسامح الديني، والعلمانية والتداول السلمي للسلطة. فأي تناقض يعيشه المجتمع الإسلامي، يعيش المعاصرة عملا ويرفضها نظريا؟. إنها قبليات الإنسان والصورة الذهنية المثالية للتراث والفكر الديني، تجعله يرفض عجز التراث على التحديث، ويرفض التحدي وهو يتلبسه ويعيشه في جميع تفاصيله.

المشكلة أن التيارات المتقدمة فشلت في تسوية الإشكالية في بعدها الفكري - العقائدي. أما الأول فعمد إلى أنسنة الدين، ومصادرة قدسيته، داخل مجتمع مسكون بالتقديس، يستميت دفاعا عن مقدساته، ويضحي من أجل عقيدته. والسلفي شطب على المعطى البشري مطلقا، واعتبره كفرا عندما تصدى لسن قوانين وأنظمة في مقابل قوانين وأنظمة دينية. والثالث لم ينجح في توافقه. فالمجتمع لا يدخل الحداثة الحضارية بمجرد الاستفادة من المعطيات العلمية أو أسلمة العلوم، ما لم يعتمد نمطا ثقافيا يساعد على التفاعل معها. والآلة لوحدها لم توازن المجتمع الأوربي بل رافق تطورها تطورا فكريا وثقافيا من داخل بيئتها، وما زالت العلوم الانسانية تعضّد التقدم الحضاري في جميع المجالات، تلك العلوم التي لعبت دورا كبيرا في تحديث المجتمع الأوربي، بعد تجردها من موروثاتها الدينية القائمة على مفاهيم ومقولات تراثية ودينية تضر بالاجتماع البشري، وتخلق تمايزا لا يمت للإنسانية بصلة. واعتمادها مبادئ العقل والفلسفة في فهم مختلف مظاهر الحياة. وأي جهد في أسلمة العلوم لا يساهم في تسوية الإشكالية، ما لم تتم تسويتها من داخل ثقافتنا وتراثنا وبيئتنا، لذا لم تحقق جهود المعهد العالمي للفكر الإسلامي في أسلمة العلوم والمناهج، تقدما حقيقيا على هذا المستوى، رغم الجهود الكبيرة لعدد من لعلماء والمفكرين والمثقفين. ونقطة ضعف هذه الجهود أنها تريد استنبات قيم من خارج بيئتها، فتتجاهل شروطها ومقدماتها، فتفشل الإسلمة. الفكر الغربي انبثق من بيئته وظروفه، وما لم تتوفر نفس الظروف لا تؤدي المفاهيم دورها، ولا تحقق تقدما ملموسا. وكم حاولت إيران أسلمة النظام المصرفي لكنها بعد جهد 9 سنوات عادت للنظام المصرفي العالمي الربوي، بعد إعادة النظر في مفهوم الربا. الذي كان ينبغي لها إعادة النظر فيه من اليوم الأول. فالحل ليس في الأسلمة بل باعادة النظر في المفاهيم ومدى فعلية الأحكام. فهناك خصوبة في تراثنا تجاهلتها قوى الإصلاح يمكن توظيفها لبناء نهضة فكرية وحضارية حقيقية، إزالة التراكمات التراثية من حولها.

من هنا باتت تسوية الإشكالية واضحا، فالمشكلة الأساس تكمن في:

- قدسية التراث وعدم التمييز بين الدين والفكر الديني. وبين النص والتفسير أو الاجتهاد في إطار النص.

- الخلاف حول حجية السنّة النبوية خارج حدود الوحي القرآني.

- مدى فعلية الأحكام الشرعية، مع عدم فعلية موضوعاتها؟.

هذه النقاط الثلاثة ستفتح نافذة واسعة نلج من خلالها عالم الحداثة الحقيقية، شريطة التوفر على أدوات ومناهج علمية قادرة على تفكيك قدسية التراث، وفهم الدين، فليس الأمر سهلا لغير الاختصاص في هذه المجالات. وعندما نباشر النقد العلمي الموضوعي سنكتشف حجم المساحات المشتركة بين المقدّس ومنظومة القيم الحضارية الجديدة. تلك المساحات هي مفاهيم وقيم تراكمت فوقها رؤى تنتمي للتطرف الطائفي والديني، وعدم فهم الشروط التاريخية، وضروراتها، فحجبت مداليلها الحضارية كما بالنسبة لموقف الدين من الآخر المختلف، عندما نعي ضرورات الجهاد وآياته، فستكون العلاقة إنسانية وفقا لآيات الكتاب الكريم، ويكون الإقصاء لضرورات آنية، تنتفي بانتفاء العنف وضرورات الجهاد. ومبدأ المواطنة الذي يصطدم بالخطاب الديني القائم على ثنائية: مسلم / كافر. مؤمن / مرتد، سيكون مقبولا مع فهم جديد للدين بعيدا عن تراكمات الدوافع السياسية والآيديولوجية والتفسيرات الخاطئة للنص الديني، وفرز القضايا الحقيقية عن القضايا الخارجية في موضوعات أحكام الجهاد والقتال. فالكتاب الكريم مكتنز بمادئ الإنسان وحق المواطنة، وحرية الاعتقاد، وهي الأصل تشريعا، أما أحكام الردة والقتال فكانت ضرورة تاريخية تنتفي بانتفاء موضوعها، وقد انتصرت الرسالة فعلا: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) .

المهم في الإشكالية فهم ملابساتها، وطريقة معالجتها، وليس تسويتها نهائيا، لتجذر الاختلاف حد القطيعة التامة حول كثير من المفردات خاصة العقائدية وما يخص فهم الدين. فهناك بون كبير بين التنظير الفكري والواقع. فالفكر ليس انعكاسا تاما للواقع، والواقع لا يستجيب للفكر دائما. فما نصل له من رؤى تبقى في دائرتها النظرية بانتظار تفعيلها.

إذاً الخطوة الأولى على طريق تسوية إشكالية التراث والمعاصرة، العودة للتراث لرصد مساحات القداسة فيه، خاصة فترة ما بعد الرسول، فمن السهل جدا تحري الأدلة التي قامت عليها، والأسهل منها تفنيدها بمنهج نقدي عقلي يقوم على تحري الأسباب الحقيقة، وعدم الاكتفاء بالتفسير والتأويل نزولا عند قدسية التراث كما يراه الناس، وذلك للتخلص من ثقله، وسطوته وهيمنته، كي نتفرغ للمرحلة التالية، وهي سيرة النبي الأكرم لفرز المقدس عن البشري، فثمة من جرد السيرة من تاريخيتها، واعتبرها مطلقة في قدسيتها وشرعيتها، واعتبارها وحيا منزلا من السماء، فاختفى محمد الإنسان، وطمست معالمه الاجتماعية، فالرسول الكريم، تارة يكون مخبرا عن الله، فقوله وحي وحجة على المسلمين. وأخرى يتصرف كحاكم له ولاية وفقا لظروفه الزمانية والمكانية، فتنتفي أحكامه بعد مماته. وثالثة هو بشر مثلكم، له خصائصه، ورابع يكون محمد قدوة في أخلاقه، (إنك لعلى خلق عظيم).

اما بالنسبة للقرآن الكريم، فما نحتاجه هو التمييز بين العقيدة والشريعة، فاذا كانت العقيدة واضحة في كتاب الله، فإن الشريعة تحتاج إلى مهارة فقهية أصولية للتعرف على مدى فعلية الأحكام الشرعية، وقد تناولت هذا الموضوع مفصلا في دراسة بعنوان: (دعوة لانقاذ الدين من سطوة الفقهاء). حيث تحدثت عن شروط فعلية الأحكام ودور الزمان والمكان فيها، إضافة الى موجبات وغايات الشريعة ومقاصدها. واستعرضت هناك جملة من موضوعات الأحكام التي دلت الأدلة على عدم فعليتها، فلا تكون أحكامها فعلية لهذا السبب.

المقاربة النقدية للتراث بهذا المنهج، ستختزل المقدّس في حدود العقيدة والعبادات وما هو فعلي من الأحكام الشرعية، مع التمييز بين المقدس واللامقدس في سيرة الرسول الكريم. كما أنها ستكشف عن بشرية الرموز التاريخية، وقراءة التجارب السياسية في سياقها التاريخي، وفقا لظروفها الزمانية والمكانية، فيتعذر استنساخها أو استدعاءها لواقع آخر. كما ستكون الدولة وفقا لهذه القراءة النقدية ضرورة اجتماعية لا دينية، فتخضع لشروط الواقع وحاجته وتطلعاته.

والأهم أننا سنكتشف العناصر الحضارية المتجددة في الثقافة الإسلامية بعد تجريدها من رؤى وآراء قامت على نبذ الآخر واقصائه، وحينئذٍ سنتخلص من جميع التحديات التراثية التي تعيق التحديث. فتكون معاصرتنا من داخل مبادئ وقيم تراثنا، وترتكز عليهما. فندخل الحداثة، بعد التخلّص من سطوة التراث وإكراهاته، واختزال الرموز التاريخية وقدسيتها، ما عدا عناصر القوة التي تساهم في بناء نموج حضاري يمثلنا، ويمثل أصالتنا وهويتنا وانتماءنا.

نعود لنهاية السؤال، حيث يقول: إن المنجز التنظيري لإشكالية التراث والحداثة، لم يؤثر في الواقع ولم يحد من  صرامة المهيمن الديني.

تقدم ثمة فارق بين النظرية والواقع، وما يمكن تسويته نظريا لا يعني استجابة الواقع له، بل ولا يعني أنه مرآة للواقع، لأن الأخير يعمل وفق نظام السنن الاجتماعية والكونية، وما لم يحدث تغيير داخل المنظومة الفكرية والعقيدية للمجتمع يبقى الواقع كما هو خاصة حينما يوظف رجلا الدين والسياسي الدين لمصالحهما الشخصية والطائفية والآيدولوجية داخل مجتمع مسكون بالمقدّس، والغيب، ويعيش رهاب اليوم الآخر، والرهبة من رجل الدين والعشيرة. ويشكو رثاثة الوعي، فينقض على بوادر النهوض الحضاري لصالح أوهامه وخرافاته.

والحل يكمن في أداة التغيير الماضية وهي المؤسسات التعليمية، ومختلف وسائل الإعلام والسلطة حينما تكون جادة في بناء مجتمع مدني، معاصر، فبإمكانها اعادة تشكيل العقل الجمعي بشكل ينسجم مع قيم الحداثة، خاصة وبات لدينا فكر تنظيري يساهم في حلحلة الإشكالية بل وتسويتها، بعد أن ثبت عدم وجود تعارض بين التراث والمعاصر في بعدها الثقافي، الفكري، والعقيدي.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

  

تعليقات (20)

  1. حموودي الكناني

1- ظلت الدعوة إلى مراجعة الفكر والثقافة والإلحاح على دراسة الواقع ومكوّناته الثقافية دعوة مريبة، تستفز مشاعر فئة من يكرّس الخرافات والطقوس الخالية من أي محتوى ديني. فهؤلاء يزعجهم الوعي، وترعبهم الحقيقة، ويهزمهم اكتشاف التزوير والبدع المختلطة بالدين.
2-والأهم أننا سنكتشف العناصر الحضارية المتجددة في الثقافة الإسلامية بعد تجريدها من رؤى وآراء قامت على نبذ الآخر واقصائه، وحينئذٍ سنتخلص من جميع التحديات التراثية التي تعيق التحديث. فتكون معاصرتنا من داخل مبادئ وقيم تراثنا، وترتكز عليهما. فندخل الحداثة، بعد التخلّص من سطوة التراث وإكراهاته، واختزال الرموز التاريخية وقدسيتها، ما عدا عناصر القوة التي تساهم في بناء نموج حضاري يمثلنا، ويمثل أصالتنا وهويتنا وانتماءنا.
3-والحل يكمن في أداة التغيير الماضية وهي المؤسسات التعليمية، ومختلف وسائل الإعلام والسلطة حينما تكون جادة في بناء مجتمع مدني، معاصر، فبإمكانها اعادة تشكيل العقل الجمعي بشكل ينسجم مع قيم الحداثة، خاصة وبات لدينا فكر تنظيري يساهم في حلحلة الإشكالية بل وتسويتها، بعد أن ثبت عدم وجود تعارض بين التراث والمعاصر في بعدها الثقافي، الفكري، والعقيدي.
============================ احيي فيك هذا التحليل وهذه القراءة الدقيقة لما آلت اليه حال العرب والمسلمين ولنقل حال العرب على وجه الخصوص لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل مسموح لرجال امثال ماجد الغرباوي ان يجاهروا بارائهم داخل المجتمعات العربية المقادة من قبل النفعيين ومرجوي الترهيب والواعدين بالغلمان وحور العين والجنان العريضة والقصور المنيفة ... لربما ولربما هذا غير مسموح به .. لكن على العموم نتمنى ان هذا يولد وعيا على الاقل بين جموع المتعلمين ليكونوا اداة توعية لا اداة حجر على التجضر وتقوية الايمان بالخرافة وما يصاحبها

 
  1. ماجد الغرباوي    حموودي الكناني

تحية للاديب القدير حمودي الكناني، وهو يشارك من خلال تعليق اتسم باهميته عندما طرح سؤالا مهما: (هل مسموح لرجال امثال ماجد الغرباوي ان يجاهروا بارائهم داخل المجتمعات العربية المقادة من قبل النفعيين ومرجوي الترهيب والواعدين بالغلمان وحور العين والجنان العريضة والقصور المنيفة). بات من يعيش في اجواء حرة بات بامكانه المجاهرة بارائه، خاصة وان قنوات التواصل مع العالم ميسرة. شكرا لاهتمامك مع اعتزازي

 
  1. ذكرى لعيبي

والأهم أننا سنكتشف العناصر الحضارية المتجددة في الثقافة الإسلامية بعد تجريدها من رؤى وآراء قامت على نبذ الآخر واقصائه، وحينئذٍ سنتخلص من جميع التحديات التراثية التي تعيق التحديث.
---
أتمنى أن نكتشفها قبل فوات الآوان كما يقال
أستاذي الغرباوي ، أستاذ اليوسف
حوار ماتع ونافع ، وفقكما الله
احترامي واعتزازي

 
  1. ماجد الغرباوي    ذكرى لعيبي

وانا اتمنى ذلك والامل كبير شكرا لحضورك الشاعرة القديرة ذكرى لعيبي مع احترامي

 
  1. صالح الرزوق

من حسن الحظ أن الحوار متحرك و ينظر للتراث و المعاصرة من زاوية خطابه و اتجاه هذا الخطاب و ليس من زاوية موضعه في المتواية الزمنية. فالمعاصر ليس بالضروري ما يجري الآن و لكن الذي يمتلك زمام المبادرة و البداهة ليفكر بعقلية الآن و هنا كما عبر هيدغر في أكثر من مرة.
هذا الحوار شديد الأهمية.

 
  1. ماجد الغرباوي    صالح الرزوق

ملاحظة قيمة في تعليق الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق، المهم القدرة على تسوية الاشكالية من اجل معاصرة تساهم في تطورنا حضاريا ولو بعد حين، تحياتي لحضورك وتعليق

 
  1. علي محمد اليوسف

الاستاذ المفكر ماجد الغرباوي تحية المودة والتقدير
لا اعتقد من خلال دابكم المتواصل ضمن مشروعكم الثقافي الحضاري التنويري ,بحاجة الاشادة الى ما تبذلونه من جهد هو محل اعتزاز كل مثقف عربي يتطلع تحقيق نهضة
فكرية ثقافية, وفقتم بمسعاكم النبيل.
ما يمكنني الاشارة له من خلال جوابكم عن اشكالية التراث والمعاصرة وبعجالة ما يلي:
- الرؤية الحداثية المعاصرة في نقد تاريخ الكر الديني والمعرفي والثقافي العربي والاسلامي.
- كنت دائما تؤكد على وجوب التفريق بين الدين والفكر الديني ,اي بين المقدس الالهي, والفكر الوضعي المرافق والمتعالق معه.
-اوضحت ان هناك فرق بين الدين,وبين التراث العربي الاسلامي ,وان نقد الدين لايشكل نقد التراث ككل,فالتراث يحوي الثقافة والادب والفنون والفلسفة وكل ما يعالق معها
هذه الرؤية النقدية في اعتبار نقد الدين هو بداية فهم التراث عصريا اعتمدها محمد اراكون في تركيزه نقد (العقل الديني) كما حصل مع نهضة اوربا.
المنطلق الثاني التوفيقي في دراسة ومراجعة اشكالية التراث والمعاصرة,والتي تجاوزت الطرح السلفي,وتجاوزت الطرح المتنكر للتراث اي ما يعرف(الغربنة) اي احتذاء الغرب في كل شيء, هذا المنهج اعتمده المفكر محمد عابد الجابري الذي تبنت مشروعه النقدي الاصلاحي مؤسسة دراسات الوحدة العربية في لبنان,فهو يتجاوز منطلقات
المشروع النهضوي الكلاسيكية الفاشلة في تحقيق نهضة عربية,واعمد الجابري الايديولوجيا العربية كثابت يمكن الافادة منه.
اشكر جهودك القيمة في معالجة اشكالية متعبة وفعلا كما ذكرت تحتاج عمل وجهود مؤسسات تتجاوز التنظير المعرفي والفلسفي المتفرقة. جزيل امتناني

 
  1. ماجد الغرباوي

ينبغي ان اشكرك اولا حيث اسئلتك المهمة تحرض على التفكير والكتابة. شكرا لمداخلتك الاخ الاستاذ علي محمد اليوسف، بودي تدارك تعليقك الكريم: اولا ان اركون عمد الى انسنة التراث بما يشمل القرآن والسنة النبوية، وقد اشرت خطا هذا الفهم، لان النص القرآني شئنا أم ابينا نص متعال فيتطلب منهجا اخر للتعامل معه، وقد تحدثت عنه ، بشكل يمكننا تحديد ما هو فعلي من الاحكام، فنكون احرارا بما هو ليس فعليا، وهذا طرح جديد.
ثانيا، مقاربة الاشكالية في دائرة المقدسة ربما لم تقارب بهذه الطريقة من قبل
الجابري رغم ما تفضلت به لكنه تعامل مع التراث بانتقائية واضحة، حينما مجد التراث المغربي ووصف التراث المشرقي بالغنوصية واللامعقول. لكن في هذه الحلقة تعاملت مع التراث مطالقا سواء كان مشرقيا ام مغربيا، لانه يبقى قراءة وفهم للدين ليس اكثر
اجدد احترامي وشكري

 
  1. علي محمد اليوسف

شكرا استاذ ماجد ما ارغب التاكيد عليه ان محمد اراكون اعتمد (نقل العقل الديني الاسلامي) كمنطلق يجاري فيه النهضة الاوربية,وكما تفضلت فان اراكون من منطلقه تحقيق
نهضة عربية-اسلامية كان ماخوذا في الثقافة الغربية واراد استنساخ تلك التجربة, وقد هاجم اراكون كلا من محمد عابد الجابري وهشام جعيط بشدة مستنكرا عليهما التمسك
بثوابت عربية واسلامية يراها اراكون معّطلة في تحقيق نهضة عصرية. اما بخصوص منطلقات محمد عابد الجابري فانا معك انه كان منحازا الى الرؤية العقلانية ممثلة في ابن رشد واخذ على الغزالي تغييبه العقل في اللجوء الى الصوفية وتقاعسه في اعلان الجهاد ضد الصليبيين. رغم كل سلبيات الجابري فاجده كان اقرب المفكرين العرب في
نقده(تكوين العقل العربي) لا حظ استاذ ماجد قال الفكر العربي ولم يقل العقل الديني كما فعل اراكون. اما ماتفضلت به حول انحياز الجابري لثقافة المغرب العربي كونها برأيه امتدادا للرشدية في التفكير. كل امتناني

 

كل الشكر لاهتمامك اخي العزيز الأستاذ علي محمد اليوسف. بل اكثر من هذا ان اركون وظف مناهج غريبة عن ثقافاتنا وتراثنا وبيئتنا، مناهج تعتمد الأنسنة المطلقة، وهذا الاطلاق لا يساهم في تسوية الإشكالية رغم صحة جملة من استنتاجاته . محمد عابد الجابري اصيل في ثقافته العربية والاسلامية، وقدم جهدا كبيرا من خلال منجزاته خاصة كتابه نقد العقل العربي. اعتقد أن عقدة الإشكالية في كيفية مقاربة النص المقدس الكتاب الكريم والسيرة، ربما ما ذكرته في الحوار مفتاحا أساسا للحل، بانتظار تراكمات فكرية اخرى، نأمل في إنجازها لاحقا اجدد احترامي

 

كما عرفـتُـكَ في ما تهدفُ الوسطا
وهو الطريقُ بنهج الحقِّ قـد رُبطا

وأنتَ يا مـاجـدٌ في العلم مـدرسةٌ
تقولُ بالرأي نِـعْـمَ الرأيُ إنْ ضُـبِطا

وهـكذا الـعالـمُ النحـرير أحـسـبُـهُ
يـكونُ في حُـكمهِ قد جانبَ الـشـططا


دمتَ ايها الاخ الماجد ودامت علينا حوارتُك المستفيضة بالفائدة لكل طالب
وتحياتي الى مُجري الحوار الاستاذ علي محمد اليوسف .

الحاج عطا

 

هدية باذخة من الاخ الشاعر القدير الحاج عطا الحاج يوسف منصور ، اعتز وافتخر بها من شاعر قدير، اسعدني رضاك ومتابعتك للحوار، لك خالص الاحترام والتقدير

 
  1. جمعة عبدالله

حوار ثقافي وفكري شيق وغني في قيمته واهميته , وهو يطرح اصعب التعقيدات , في اشكالية المعاصرة والتراث الفكر الديني وموروثاته . واعتقد حسب رأيي , بأن الاتجاه الثاني , يحمل اكثر روحية في افاق التراث والمعاصرة , واكثر صوابية في تحديث الفكر الديني وموروثاته ونظرته تجاه الفكر الديني وتراثه , وقد تطرق اليها الكاتب صادق جلال العظم , في كتابه ( نقد الفكر الديني ) بأن وضع كل موروثات الفكر الديني تحت مجهر التحليل والنقد , قد يؤخذ عليه ببعض اشكالية النقد المتطرف , لكنه ايضاً شجب تطرف الحركات الدينية المتعصبة والمتطرفة واتجاهاتهما , ومن خلال الحوار الشيق , اجد ان الرؤية الفكرية والثقافية عند الاستاذ الغرباوي , هي اكثر شمولية وسعة باافاقها في النقد الفكر الديني , وطرحها بكل صوابية وجرأة وصراحة . رغم ان السائد في العقليات اليوم , هي التحاشي في نقد الفكر الديني , لانه يحمل العصمة والقدسية , وبذلك سدوا كل ابواب حتى في النقد البناء البسيط , لبعض المفاهيم , التي اثبت الواقع خطلها وعجزها في مسايرة متطلبات الظرف الراهن , وبذلك خلقوا ارضية خصبة لتوليد التطرف والتعصب في الفكري الديني وموروثاته القائمة
ودمتم بخير

 
  1. ماجد الغرباوي    جمعة عبدالله

شكرا لحسن ظنك الاخ الاستاذ جمعة عبد الله، وشكرا لتعليقك واستشهاداتك. نقد التراث بات ضرورة للتخلص من ثقله وتحدياته، خاصة المعرفية منها، والثقافية، كي ننطلق في افق جديد نحن تطور حضاري ما زلنا نحلم به

 
  1. علي البصري

شكرا للاح العزيز الاستاذ ماجد الغرباوي هدا الحوار المفتوح والذي استفدنا منه كثيرا. الا ترى معي ان بعض المصلحين والمثقفين استفزٌ بسطاء الناس ببعض مشاريعهم فذهبت مشاريعهم ادراج الرياح، سيما وان عملية التغيير، اية عملية تغيير هي عملية ليست باليسيرة وتحتاج الى الكثير من الرويٌة والتخطيط المتقن، فالمفكرون في هذا الجانب يحبذون ان تكون عملية التغيير عملية تدريجية لكي يتقبلها الانسان، فالانسان بطبعه لايحب التغيير!! واذا ماانتقلنا الى عملية الاصلاح والتغيير في مجتمعنا المتدين، نجد صعوبات جمة، فحتى المصلحين الذين ينتمون الى المؤسسة الدينية تعرضوا الى هجوم شرس وانتهت مشاريعهم بسرعة، رغم ان مشاريع بعضهم لاقت رواجا كبيرا ولو ان مشاريعهم جاءت في هذا العصر، عصر المعلوماتية لربما نجحت هذه المشاريع. من الاشكاليات التي اراها ساهمت في افشال المشروع النهضوي، هو التضارب الحاصل بين طبقة المثقفين - امثال اركون والجابري وسروش وغيرهم- وبين بعض الاصلاحيين من رجال الدين - السيد محمد باقر الصدر وفضل الله ومنتظري وغيرهم- هو الذي شوش عملية الاصلاح على عامة الناس، او ان هذا التضارب بين مشاريعهم -المثقفين والمصلحين من رجال الدين- استغل من قبل رجال الدين الكلاسيكيين - والذين يعتبرون كل عملية تغيير تستهدفهم شخصيا- فشوشوا وشوهوا تلك المشاريع ففشلت. ايضا يمكن ان اسجل هذه الملاحظة وهي ان عملية التغيير تحتاج الى زمن ليس بالقصير والى مؤسسات تتبنى هذا التغيير لكي يلاقي المشروع القبول والنجاح، اما الارتجالية والعشوائية والفردية التي تمارس عندنا وفي مجتمعاتنا وفي دولنا بالتاكيد سوف لاتلقى النجاح، فالغرب بنى نموذجه الحالي خلال قرون وليس بسنوات قليلة، وبناه بتبني الدولة والمؤسسة لهذا المشروع. شكري الجزيل ثانية للاستاذ الغرباوي ولكل الاخوة والاخوات الذين شاركوا في هذا الحوار.

 
  1. ماجد الغرباوي    علي البصري

اعتز بمتابعة باحث وكاتب قدير لحواراتي، فشكرا للاخ الاستاذ علي البصري، وشكرا لتعليقه ومداخلته القيمة التي اتفق معها بشكل عام. بلا شك الاستفزاز يضر بمشاريع الاصلاح، خاصة الاصلاح الديني، فالبيئة ما زالت لا تتقبل النقد والمراجعة وتصر على معتقداتها كما هي. وقد تحدثت بشكل مركز عن هذه النقطة ستقراه في الحلقة القادمة باذنه تعالى. لكن تارة يحتاج المجتمع لصواعق توقظ وعيه كي لتفت لنفس، ويراجع قناعتات، او لا اقل يتريث في مواقفه مستقبلا. وعمدما اتابع ما يفعله الجهلاء بالدين ومقدساته اجد المجاهرة بالاصلاح واجبا ووظيفة لا يجوز التخلي عنها.
كما ليس بالضروة يتفق الجميع بل يبدو مستحيل بسب اختلاف وجهات النظر والمرجعيات والقناعات، المهم ان يتمكن الفرد من اتخاذ موقف واختبار ما يراه اقرب للعقل والصواب. تمنياتي مع خالص احترامي

 
  1. عباس مراد

السلفيون والمتغربون يعتمدان المنهج الاقصائي فكريا وعمليا عن سابق تصور وتصميم في مقاربتهما للأمور وكأن هناك تنسيق بينهما من أجل الاسئثار بمقدرات الامة وفرض سلطتهم حتى غيبوا مفهوم الحوار وهو مبدأ قرآني في قوله تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن (سورة النحل) وهذا الالغاء والتغييب مقدمة لأقصاء دور العقل عند السلفيين بتقدم إسلام الحديث على النص وتكريس مفهوم فكري ديني خاطئ وكأن الرسالة نزلت لأصلاح الفترة التي نزل بها الوحي على الرسول ويجتهدون من أجل تغييب الضرورات التاريخية ويعتبر النقد كفر وفسق وارتداد... ولا يقل المتغربون عدوانية أذا صح التعبير عندما يشنون حربهم الالغائية على كل الموروث التاريخي بجانببه الديني والثقافي والانساني حيث يلتقون من حيث يدرون ام لا يدرون مع السلفيين مدجيين بحجج مستقاة من الفكر السلفي وتصبح الحرية وحقوق الانسان والديمقراطية إنتقائية لا تصلح الا بشروطها الثقافية وإقصاء كل مختلف من خلا تحديدهم لقيم الحداثة من مفهوم غربي وهذا ما يسقط في يد السلفيين من هنا صعوبة الحل الذي اقترحتموه وكما ذكرتم رغم ثبوت عدم وجود تعارض بين التراث والمعاصر في بعدها الثقافي، الفكري، والعقيدي. والذي يمكن البناء عليه من أجل مستقبل أنساني أفضل نحن بأمس الحاجة اليه في زمن التفلت وتغييب القيم الدينية والاخلاقية او أستغلال تلك القيم في مشاريع تسلطية وإقصائية وقهرية...
ودمتم

 
  1. ماجد الغرباوي    عباس مراد

مرحبا بالاخ الكاتب والاديب القدير عباس علي مراد، شكرا لهذه المداخلة التي اتسمت بعمقها ووعيها. لم ادعو للتوفيق بين التراث والحداثة بلا قيود وشروط، لكن أجد في عناصر القوة الموجودة في التراث امكانية التمهيد والتوطئة لقيم الحضارة والتحديث، كالقيم الدينية والإنسانية الأصيلة. ثم الحوار قارب اشكالية المقدس بشكل لم يقاربها احد من قبل وفق اسس فقهية اصولية، فمقاربتي لم تبق شي من التراث باعتباره منجزا بشريا لكن توظف عناصر القوة فيه كما اشرت الى نماذج. اتمنى على الاخ الصديق العزيز قراءة الحوار مفصلا ستتضح الفكرة بشكل جلي. شكرا لحضورك وما تفضلت به صحيح بشكل عام لكن في الحوار مقاربة اخرى. تحياتي

 
  1. مهدي الصافي

تحية للاستاذ الغرباوي في هذا الحوار الصريح والجريء جدا حيث لايمكن لاي مذهب اسلامي بما فيه الاثتي عشر ان يقبل بماجاء فيه لانه يكسر حواجز الصمت الطويلة تجاه المقدس الديني المتزمت الجامد..لكن بودي ان اطرح بعض الاسئلة داخل نفس السياق العام للحوار نعتقد ان المسلم عموما والشيعي تحديدا لايجد لها اجوبة شافية منذ قرون او لنقل اي مع بداية الدولة العباسية.
اولا.ماهو رأي الاستاذ الغرباوي بالحدود وكيف نثبت انها وقتية او ثابتة ام متحركة او متغيرة
ثانيا.ماذا يقول السيد الغرباوي في الاجتهاد عند الشيعة وهل تعد الوهابية فكر رادكالي اخذ فكره من التراث الاسلامي و البدوي او استخدم الفتاوى القديمة لابن تيمية وادخل عليها البداوة ومزجها مع الاسرائيليات الاموية كما يقال
ثالثا..فكرة او عقيدة الامام المهدي وهل هناك نوع من العصمة لا
ال البيت ع ام هم مجرد عباد صالحين وهل يتفق السيد الغرباوي مع اراء السيد فضل الله حول العصمة
رابعا..الجزية وهل هناك جواري وأماة وسبايا في الاسلام.
خامسا...هل هناك مذهب اسلامي صحيح اي يمكن القول انه اقرب الى الحق ام ان الاسلام دين بلا مذاهب
نعتقد ان تلك المحاور معقدة وتحتاج الى حوار مفصل لكن نتمنى ان نسمع الراي فيها في هذا الحوار او مستقبلا تبعا لظروف الاستاذ
ابو حيدر
شكرا لكم ووفقكم الله في خدمة الاسلام والمجتمع

 
  1. ماجد الغرباوي    مهدي الصافي

شكرا للاخ الاستاذ الباحث القدير مهدي الصافي وشكرا لحسن ظنه وثقته، اسئلة مهم ينبغي التوقف عندها لحساسيتها، فشكرا لمشاركتك وارجو عذري اذا تاخر نشر الاجوبة بسبب كثيرة الاسئلة، خالص احترامي وتقديري

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-08-09 04:25:42.