المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (17): رهانات العقلانية الشاملة

majed algharbawi3ali mohamadalyousifخاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الكاتب والباحث الأستاذ علي محمد اليوسف.

  

س48: علي محمد اليوسف: طرحتم في منهجكم التنويري مبدأ (العقلانية الشاملة)، للتخفيف من سلبية واقعة طرح العلمانية طوق نجاة في إمكانية التحديث، وما تحمله من محمولات تأويلية استفزازية، ألا تجدون تعذّر العقلانية أن تلعب دورا تحديثيا، وهي تحاول إيجاد صيغ المهادنة مع الفهم السكوني للدين في حياة مجتمعاتنا، وهيمنته، عوضا عن العلمانية؟

ج48: ماجد الغرباوي: عندما شكك الفلاسفة الأوربيون بقدرة الدين على مواكبة تطور الدولة الحديثة، طالبوا بعزل مدوناته العقائدية والتشريعية عن الحياة العامة، وعدم الاكتفاء بعزل هيمنة رجل الدين والإكليروس عن السلطة والحكم، فتطور مفهوم العلمانية من مجرد موقف تاريخي من الكنيسة والنظام الكهنوتي إلى موقف من الدين ونصوصه المقدسة. فغدت العلمانية في ذاكرة بعض الشعوب ومنها الإسلامية تعني الخصم اللدود للدين، وأصبح المصطلح مثقلا بدلالاته السلبية، يرعب الوسط الاجتماعي بايقاعه، بل صار تبني العلمانية دستوريا إعلان حرب ضد الدين والمؤسسة الدينية. من هنا أتحفظ على تبني العلمانية دستوريا في دول ما زالت شعوبها مرتهنة لرجل الدين وفتاواه ومواقفه وقراراته، وأطمح لتحقيق أهدافها الإيجابية من خلال عقلانية شاملة، تمهد لعزل هيمنة رجال الدين والمؤسسات الدينية على السلطة والحكم، وهذا هو جوهر العلمانية. فمواجهة الشعب بمصطلحات استفزازية لا تخدم هدفنا في إرساء مجتمع مدني، ما لم يسبق طرحها تمهيد ثقافي يستوعب دلالالتها، خاصة أن العلمانية اليوم ليست موقفا سلبيا من الأديان بل حماية حقيقية للأديان، وهذا ما نلمسه خلال وجودنا في الغرب، حيث يتمتع الشعب بحقوقه الدينية كاملة رغم اختلافها. فالتثقيف ضرورة لا بد منها قبل تبنى مفاهيم الحضارة الجديدة، ونحن ما زلنا في بداية نهضتنا رغم مرور قرنين على الصدمة الحضارية. ولنا بالغرب أسوة، فالعلمانية لم تستطع تثبيت أقدامها في أوربا لولا ثقافة النقد وزعزعة اليقينيات المغروسة في أعماق وعي الفرد والجماعة. فكان هناك جهد فلسفي وفكري وثقافي قبل وبموازاة طرح العلمانية كأسلوب في الحكم. حيث عملت تلك الجهود على صعيدين، الاول فضح الكنيسة والكهنوت، وتسلطهما وفسادهما وعدم قدسيتهما، والثاني ترسيخ قيم العقل ومبادئ حقوق الإنسان ومفاهيم الحداثة، حتى ترسّخ المنحى العقلي، وأصبح العقل مصدرا أساسا للمعرفة بدلا من التراث الديني، وبات الشعب يتقبل مفاهيم النهضة، ونجحت أوربا فعلا في إرساء مجتمع مدني.

غير أن الأمر بالنسبة لنا أكثر تعقيدا، يتطلب جهودا مضاعفة ما دام التراث الديني راسخا، ومكونا أساسا لقبليات ويقينيات مجتمعنا، تتلبس به ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، وله في نفوسنا قدسية. خاصة الإسلام الذي يحيل للعقل والمعرفة والعلم والعدل والإحسان، ولم يصرح لرجل الدين بأي سلطة أو ولاية أو قيمومة. ولم تحكم المؤسسة الدينية طوال التاريخ منذ بداية الدولة الأموية عندما انفصلت السلطة السياسية عن السلطة الدينية، فلا يوجد نموذج للسلطة الدينية يعزز مخاوف الشعب من تماديها، عكس سلطة الكنيسة التي حكمت أوربا قرونا، عانت خلالها شعوبها من تسلط مرير باسم الدين والقداسة. لكن هذا لا يعني عدم وجود مساعٍ حثيثة لرجل الدين ومؤسساته لاحتكار القرار السياسي مباشرة أو غير مباشرة، خاصة مع ارتهان ارادة الشعب له، وتطلع بعض الأحزاب الإسلامية كما في العراق لاستنساخ تجربة ولاية الفقيه في إيران، وتشبث السياسي بالديني لتعضيد شعبيته وموقعه في السلطة. فهناك محاولات جادة لفرض ولاية لرجل الدين باسم الشرعية والدستور ولو على المدى البعقيد. لا مانع في مشاركة رجل الدين في السياسة والحكم باسمه الشخصي، لكن الخطر في دعوى القيمومة والولاية باسم الدين والسماء، مما يشرعن الاستبداد والتسلط وسلب الحريات.

 يمكن تبني جوهر العلمانية من خلال عقلانية شاملة، أي تحرير السياسة والحكم من هيمنة رجل الدين ومؤسساته. باعتباره ضرورة  لمجتمع يطمح بدولة مدنية، تذوب فيها فوارق التمييز الطائفي والقومي والديني، تراعي حقوق الإنسان، وتعمل بمبدأ المواطنة والتسامح الحقيقي بين الأديان والثقافات، والتداول السلمي للسطلة وعدم احتكار القرار السياسي. وهذا القدر لا يمكن لشعب طموح التخلي عنه، غير أن المشكلة في قبليات المجتمع، وقيمه الدينية الحساسة جدا أزاء أي موقف يشي بعدائه للدين ومؤسساته ومراجعه، لذا تجدهم يتلبسون مفاهيم الحضارة الحديثة ويتحسسون من سماع المصطلح!!. فمثلا بعض الدول لا تسمح بتدخل المؤسسة الدينية في السلطة عملا، لكنها تتهيب من تبني العلمانية دستوريا. من هنا دعوت لعقلانية شاملة، تمهد لقيام دولة تتبنى قيم حقوق الإنسان، وتحافظ على قدسية الأديان، وعدم زجها في معترك السياسة والحكم، فيتحقق هدف العلمانية، عزل هيمنة رجل الدين عن السلطة والحكم.

أقصد بالعقلانية الشاملة، بُعديها الفلسفي والاجتماعي:

فتعني العقلانية في بعدها الفلسفي، منهجا يعتمد العقل والمنطق مصدرا للمعرفة، في ضوئه تتم محاكمة الأنساق المرجعية للعقائد والفكر ، ونقد جميع المقولات والمفاهيم المعرفية، وتفكيك سلطة المهيمن الثقافي. مع مراجعة جميع المفاهيم المرتكزة ليقينيات وقبليات غاطسة في أعماق الفرد والمجتمع، واستدعاءها لنقدها وتقييمها ثم بناء منظومة معرفية ترتكز للعقل كمصدر للمعرفة، يتولى فهم النص الديني، بشكل يتناسب مع مقاصد الدين وغاياته وأهدافه، ويعيد قراءة التاريخ، والتراث، والماضي، والرموز المقدسة، بعد تفكيك ما أحاط بها من تراكمات أيديولوجية ومتبنيات طائفية، كي ندرس ظروف نشأتها ومسار تطورها، ومن ثم اكتشاف كل ما هو بشري ودنيوي دعت مختلف الضرورات لتقديسه، ومنحه وخطاباته حصانة تـأبى النقد والمراجعة، وقد ترتقي به لدرجة العصمة ذات الحصانة الذاتية، فيقتصر دور المتلقي حينئذٍ على شرح وبيان وتأويل وتفسير نصوصه، لحرمة نقدها أو رفضها، لأنها صادرة عن عقل مطلق معصوم يحيط بكل شيء معرفة وعلما. فالعقلانية تدرس طرق تفكير العقل، وأساليبه المرتكزة إلى قبليات غائرة، تستمد وجودها من فهم الدين، وفلسفة وجود الرموز التاريخية ودور المقدس في حياة الفرد والمجتمع.

إن هدف العقلانية في بعدها الفلسفي البحث عن حقائق الأشياء وفهم الجهد البشري في تطوّر مفاهيمها ودلالالتها، بعد تفكيك ما نسجت حولها الأيديولوجيات والفِرَق الكلامية، والمذاهب الفقهية، وما فرضته السياسة والأهداف الطائفية. وحينما نكتشف حقائقها من خلال الغوص والتنقيب في طبقات اللاوعي ستنهار كثير من المرجعيات العقائدية والفكرية، وسنربح حرية الفرد والمجتمع، كي يمارسوا دورهم في النقد والمراجعة وعدم الخضوع لمقولات دينية أو تراثية، لا يعرفون عن حقيقتها شيئا. بل ستتلاشى كثير من الأحداث والوقائع التاريخية التي ما زالت حاضرة في ضمائر الناس عندما نكتشف حقائقها، وهذا ما نعول فيه على العقلانية في بعدها الفلسفي. فعندما تتسلح بالعقل والمنطق سنفهم النص الديني بشكل مغاير للفهم التراثي، سنميز حينئذٍ بين النص والقراءة والفهم والفكر الديني. فكم من آية قرآنية تم تأويلها لصالح هذا الصحابي أو ذاك وتسببت في تعميق شقة الخلاف بين المسلمين، عندما تراجعها بعقلية نقدية، وتزيح عنها تراكمات التراث وتفسيرات السلف ستنكشف لك حقيقة أخرى. فالعقلانية الشاملة تمد الإنسان بوعي عقلي نقدي، يرفض الاستسلام المطلق، ويتحرر من فخ الأيديولوجيا والاندفاع العاطفي، ويفهم التراث وما اشتمل عليه من علوم ومعارف، في إطاره التاريخي. فالعقلانية منهج معرفة الحقيقة، ورهان التطور الحضاري. بها نتخلص من الانبهار والاصغاء، ونكف عن الانقياد والتبعية، فكم من صورة ذهنية مقدسة ستنهار عندما يطال نشأتها المنهج العقلي، ويكتشف بشريتها، وعدم إمكان وقوعها. وبالتالي ستقوم العقلانية الشاملة بتفتيت اليقين السلبي، أي، ما يُعيق الفعل الحضاري من جزميات وقناعات راسخة، كما تحدثت عنه في كتبي. ويقع على الضد من اليقين الايجابي. وأقصد به: حزمة الجزميات والقناعات الراسخة، التي توجّه وعي الإنسان سلبا، فتضبط سلوكه وحركاته ومشاعره في إطار هذا اليقين.

وتعني العقلانية في بعدها الاجتماعي: اعتماد العقل مصدرا أساسا لنقد الواقع الاجتماعي وركائزه المعرفية، لتنقيته من أسباب التخلف في علاقاته ووشائجه وعاداته وتقاليده وطقوسه ومناسباته وسلوكه، ومن ثم تطوير النسق القيمي للفرد والمجتمع عبر انتقال مفاهيمي، من منظومة قيمية ترتكز لقيم البداوة والعشيرة والسحر والشعوذة، والتعصب الطائفي، والخرافة والأوهام التاريخية والتراث واللامعقول، إلى منظومة قيمية تعتمد العقل مصدرا معرفيا لتشخيص الأولويات، وترشيد الوعي والعقل الجمعي، ودراسة المقدس والظواهر الدينية، والرموز التاريخية، والطقوس المؤثرة في سلوك الفرد والمجتمع والعقل الجمعي، وفق سياقاتها وحواضنها وبيئتها وتحدياتها وإكراهاتها، ودور الأيديولوجيا والحس الطائفي، والتعصب الديني. أي الكشف عن عللها وأسبابها بأداة العقل والمعرفة العقلية، لإقصاء اللامعقول الديني والاجتماعي. وحينئذٍ ستختفي ثقافة الفرز التام بين أفراد الشعب على أساس انتمائهم الديني أو الطائفي أو القومي، كما هي لغة التنابذ والتكفير والإقصاء. وستحل قيم الإنسان والمواطنة، والنظرة الموحّدة لجميع أبناء المجتمع، وهذا  يتطلب حسا نقديا يحاكم ما راكمه الفرز من مفاهيم ومشاعر لا إنسانية، وسيكتشف أن الفكر الديني لا يختلف عن الفكر الإنساني، لولا ارتهانه لتراكمات فهم طائفي أو سياسي، أو أيديولوجي.

 بهذا ستساهم العقلانية في إعادة تشكيل مجتمع تقوم فيه العلاقات الاجتماعية على أسس مغايرة. فتتبنى إضافة للعقل، قيما أخلاقية تحفظ توازن المجتمع، لتخفيف وطأة العقل، والتعامل المادي، في العلاقات الاجتماعية، ليحتفظ المجتمع بحيويته الإنسانية، النابعة من قيمنا وأخلاقنا. فتارة يكون حكم العقل قاسيا اجتماعيا لولا وازع الخير الفطري عند الناس، والقيم الأخلاقية الدينية. من هنا تأتي أهمية الأخلاق إلى جانب العقل في العقلانية الاجتماعية.

فالعقلانية اجتماعيا، مجسّ عقلي - أخلاقي لتعضيد نقاط القوة في ثقافة الفرد والمجتمع بعد اكتشافها. ونبذ اللامعقول والخرافة والوهم والتقديس والأسطرة في مرجعياتها الفكرية والعقائدية. وتقويم ما هو ملتبس من المفاهيم، بعد تحديد دلالاته، وتنقيته من التراكمات والأوهام واليقين السلبي.

وكما لا يمكن التعويل على العقل مفردا في العلاقات الاجتماعية، لا نعوّل على الأخلاق منفردة في استعادة وعي العقل الجمعي، لأن قسما من الأخلاق (البراغماتية خاصة) منتج بشري، فرضته حاجة المجتمع للسلم الأهلي، وقيم العشيرة، والثروات، وضرورات السلطة والحكم، وسطوة المؤسسات الدينية، فهي قديمة قدم الاجتماع البشري وقبل نزول الأديان لتوفر دواعيها الاجتماعية. فاقتصر دور الأديان على تعزيز الأخلاق الإنسانية، ودعمها بقيم أخلاقية جديدة، إضافة إلى إضفاء معنى للقيم الأخلاقية تقاوم النزعات البشرية وجموح حب الذات، فتكبح النزعات الشريرة، وتخفف من وطأة العقل وأحكامه حينما تكون جافة، مادية، مجردة، من أجل قيام مجتمع الفضيلة المفعم بعقلانية شاملة. لكن العقل بدوره يضبط أداءها عندما تسترخي وتجافي إنسانيتها، المتمثلة بحب الخير والعطاء والتراحم والأخوة والصدق، ورفض الظلم والعدوان والاعتداء وسرقة حقوق الناس. وبالتالي لا يمكن تسرب الشك لقيم العقل حينما يكون محايدا، بينما يتسرب الشك لمنظومة قيم الأخلاق التي أفرزتها السلطة الاجتماعية أو السياسية أو الدينية. فكل سلطة تنتج منظومتها الأخلاقية التي توطئ لها، وتضمن بقاءها وشرعيتها، وقوة حضورها. وبذات الوقت تتقوّم بها القيم الأخلاقية، فتنشأ بينهما علاقة جدلية. الأخلاق تشرعن السلطة، وتضفي عليها صفة قدسية. والسلطة تعزز مكانتها والتمسك بها. ومثالها البسيط، أن شيخ القبيلة لا يمكنه السيطرة على أبناء قبيلته بالقوة وحدها، ما لم تكن هناك منظومة قيم تفرض طاعة الجميع لشيخ القبيلة في أطار فلسفة أخلاقية ترهن أمن الفرد والجماعة بأمن الشيخ وطاعته، فيندفع لطاعته ذاتيا، غير آبه بتداعياتها على المدى البعيد. لذا لا يعوّل على هذا النمط من الأخلاق بمفردها في ترشيد الوعي الجمعي، ما دامت تكرّس التبعية والاستبداد، فتحتاج لعقل يضبط أداءها، وعقل يحرر الوعي الجمعي من سجونها الغائرة، ومغاراتها التي تطمس تشوهاتها، وسلبياتها، فوراء أخلاق العشيرة وطاعة الشيخ مثلا إدمان الاستبداد والتبعية والانقياد حد التمرد على القيم الخير والصلاح، فيفكر بمنطق العشيرة، لا بمنطق الضمير والدين.

نعود للعقلانية وقيم الحضارة، فلا يمكن استنبات قيم ومبادئ في مجتمع غير مؤهل لها أساسا، سيرفضها أو يشوهها، فتفقد دورها في  في تطور المجتمع. من هنا يأتي دور العقلانية كمصدر معرفي ينافس سلطة التراث والخرافة، والعلوم الباطنية والسحر والكهانة. بل وحتى ينافس أوهام الأيديولوجيا والفهم الديني الخاطئ، من خلال فهم عقلاني لنصوص الكتاب الحكيم، وكشف بشرية الرموز التاريخية، وأسباب تطور الأحدث.

إن العقلانية ضرورة تفرضها ثقافة القطيع والانقياد اللاشعوري لرجل الدين والسياسة وشيخ العشيرة، وكل ثقافة منغلقة، ترفض العقل والاستدلال العقلي، وتقدم النص، مهما كانت مصادره ودلالاته على العقل. ثقافة تحتمي بالعاطفة والطقوس والتراث، وتستجير بالرموز التاريخية وتتوخى عودتهم. ثقافة تنقاد، تتنازل عن العقل لصالح الفتوى في كل حركات الإنسان وسكناته. ثقافة تحتمي بمقدسات خلقتها بنفسها ثم غدت سلطة توجه وعي الفرد، وأصبح التحرش بها كفرا وردة وإلحادا رغم بشريتها. ثقافة تهجر معطيات العلوم الطبيعية والإنسانية لصالح علوم تراثية لا تملك أي دليل علمي على صحتها، وتستدل على صدقيتها بأدلة نفسية وعاطفية.

لا يمكن انتشال العقل الجمعي من ثقافة القطيع، ما لم تنشط العقلانية في قدراتها النقدية، لتمهّد المجتمع ثقافيا وعقليا، فالعقلانية الشاملة تعد ضرورة للمجتمعات الصاعدة حضاريا. وهذا ما حصل لأوربا من قبل. فكل المفاهيم التي طرحت إبان النهضة كانت مفاهيم غريبة على المجتمع لولا سيادة العقلانية والمنطق العقلي الذي ساعد على قبولها وترسيخها حتى صارت جزءا من ثقافتهم. لذا تحتاج الشعوب المنغلقة على النص الديني والتراث، إلى عقلانية تهز أعماق الفرد والمجتمع، وتعيد تشكيل العقل والوعي، وفق منهج عقلي يعتمد المنطق والفلسفة والعقل للكشف عن أسباب الظواهر الخطأ، فتفضح تناقضاتها، وتقاطعاتها مع العقل، وترفض الاقتصار على التفسير والتأويل ارتكازا لقدسية مصادر ومفاهيم وقيم المجتمع، ولا تكتفي بالتفسير والتبرير، بل تمارس نقدا جذريا للتراث والتاريخ والكشف عن أسباب الظواهر، وقيمة الرمز والشخصية التاريخية ومدى قدسيتها وبشريتها، بعد هدم كل التراكمات الأيديولوجية والطائفية، وما راكمته الصراعات السياسية والمذهبية.

نحن نعوّل على عقلانية تقلص بالنقد والمراجعة مساحات المقدّس الذي غزا حياتنا، وتضع العقل فوق كل شيء. إنه هبة الله للإنسان، وركيزته عند وقوفه بين يديه يوم يلقاه، لذا تجد القرآن يرجع الناس للعقل والتعقل، ويحترم مآلاته ومنطقه وأحكامه. لذا يضع الكتاب الحكيم العقل فوق النص (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، فلماذا نتشبث بنصوص ليس لدينا دليل على صدقيتها، بل ومخالفتها للعقل أحيانا؟. وبالتالي فالعقلانية لا تهادن العقل السكوني، بل تستفزه، وتجرده من التعصب والجهل والأمية، وتعزز فيه قيم الخير والصلاح في منظومته العقائدية – الفكرية.

إذاً هناك مبرر للعقلانية الشاملة كتمهيد للتطور الحضاري، لأنها، ستنقلنا من إدمان تلقي المعرفة الجاهزة من خلال النصوص والتراث، إلى استخدام العقل والمنطق والتجربة والاستدلال لاكتسابها. وتنقلنا من التلقين إلى التعليل، ومن الانقياد إلى الاختيار، ومن العبودية إلى الحرية. وبهذا ستتولى العقلانية الشاملة، إعادة بناء الهوية، وتشكيل العقل، وترشيد السلوك الاجتماعي بمختلف تجلياته وعلاقاته، كالعادات والتقاليد والطقوس والمناسبات. وضبط إيقاع المشاعر والانفعالات.

عود للسؤال: فأنا أتوسم في العقلانية الشاملة، وأتفاءل بأمكانية سيادتها مستقبلا، لأنها ثقافة ووعي، سيساهم العمل الجاد المتواصل بمساعدة وسائل الاتصال الحديثة على انتشارها. وأجد في تبني العلمانية دستوريا تحديا، يؤلب الشعب ضد المشروع الحضاري.

ويبقى الرهان على عقلانية شاملة لتحرير العقل السلبي من أوهامه في التفوق، وأوهام الفرقة الناجية وأوهام قدسية التراث والموروث الفكري والعقيدي، وأوهام أسطرة الرموز التاريخية، وأوهام النجاة في اليوم الآخر، لا لعمله الصالح بل لموالاته مذهبا ما، أو شخصا ما. ذلك العقل المغيّب، الكسول، الذي يبتكر عقولا مطلقة تنوب عنه في التفكير، يضفي عليها كمالا بلا حدود، يجعلها قيّمة عليه، تفكر بالنيابة عنه، تستشرف له المستقبل، ترسم له حياته، يستمد من نصوصها التراثية كل ما يحتاجه في حياته، فتقتصر مهمته على التلقي والانقياد. وكلما داهمه الشك، يضفي علىيها مزيدا من القداسة يطرد بها شكوكه، ويهرب من الشك إلى التقديس. وكلما عجز عن الإتيان بدليل قرآني صريح يؤيد قداستها، يلوذ بالتأويل وباستدعاء روايات مكذوبة، أو يتشبث باللامعقول من أحلام وحكايات خرافية، أو يبتكر مزيدا من الطقوس لتعمّق إيمانه، وتغيّب وعيه. فمن هنا تبدأ الخطوة الأولى، من تفكيك العقل السلبي وإعادة تشكيله في ضوء عقلانية منتجة، كي يستعيد وعيه، ويتحمل مسؤوليته في الدنيا والآخرة.

 

س49: علي محمد اليوسف: ما قيمة وفاعلية الأفكار التنويرية في مجتمعاتنا، حينما جاءت في غالبيتها، فلسفات ومنهجيات ورقية معزولة عن واقع التأثير في حياتنا، وضعت رؤاها في بطون الكتب وحبيستها، هل السبب هو في كوابح الفهم الساكن للدين مجتمعيا ومخرجاته المنغلقة، أو الأسباب غير ذلك؟

ج: ماجد الغرباوي: هذه إحدى الإشكاليات المعقدة، سببها مجتمع يرفض التخلي عن قبلياته ويقينياته ومصادر معرفته حتى وهو يعيش عصر المجتمعات المدنية الحديثة ويشاهد عن قرب صدقيتها. فأحد الأسباب ما ذكرته في السؤال، هو كوابح الفهم السكوني للدين، أو كوابح المعرفة الدينية.

 لا أقصد التخلي عن قيم الخير والصلاح، بل التخلي عن مصادر المعرفة المتوارثة والتي يحصرها الناس بالمقدس بغض النظر عن صدقية قداسته وعصمته، خاصة أن دوافع التقديس ليست ذاتية كما بالنسبة للخالق وملائكته ورسوله، بل حاجة آيديولوجية أو مذهبية أو طائفية بل وحتى نفسية، بسبب الجهل والأمية. فمصادر المعرفة تنحصر عندهم بالنص، والروايات التراثية والتاريخية، وما يقدمه الوهم والشعوذة والسحر من حلول.

 فالمقدس (الأعم من المقدس الذاتي) بالنسبة لمجتمعاتنا مصدر العلوم، بما فيها العلوم المستقبلية. قد لا أبالغ مع كل حادثة كبرى أقرأ نصوصا تاريخية قد تنبأت بها، تتناقلها وسائل الاتصال الحديث بكل ثقة. أما لماذا لم تظهر هذه النصوص قبل وقوع الحدث؟ فهذا مسكوت عنه. وأغرب ما في الأمر التمسك بها على حساب الحقيقة أحيانا. وبالتالي لا رهان على مفاهيم وأفكار في مجتمع يقدم النص على العقل مهما كانت قيمة النص معرفيا، رواية تاريخية أو دينية أو فتوى اجتهادية. لكن الرهان سيكون ناجحا على المدى البعيد، مع استمرار ثقافة النقد بشجاعة تتحدى الموروث وتزويرات الخطاب الديني التي يتشبث بها رجل الدين لتمويه الحقيقة خدمة لأهدافه الأيديولوجية والطائفية. كما ستساهم ومختلف وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والأكاديمية في تسريع عجلة النهوض، وانتشال العقل الجمعي بعد تفكيك مصادره المعرفية من خلال العقل والنقد العقلي. وسيكون للحكومات الدور الحاسم حينما تتبنى التجديد والنهوض الحضاري، وهذا يتوقف على مدى صدقيتها في خدمة الشعب ولو على حساب مصالحها الانتخابية.

لا تنسَ أن مجتمعاتنا ضحية سياسات استبدادية تراهن في بقائها على الجهل والأمية كما تراهن على القوة والعنف، فتكرّس الخرافة والوهم والموروثات التاريخية حتى أصبحت ثقافة القطيع والانقياد والتبعية صفة غالبة له. ثم استكان العقل وخمد توهجه، فهو بحاجة إلى تأهيل يتخلى به تدريجا عن ثقافته ومصادر معرفته، ويستعد لقبول ثقافة ومفاهيم أخرى. فما علينا سوى مواصلة الطريق بحزم وشجاعة، وسيساهم الانفتاح الواسع على العالم الغربي وتجربة المجتمعات المدنية في تطوير ثقافة مجتمعاتنا، وكأني آراها حتمية ويبقي الرهان على الوقت وجهود المفكرين والمثقفين.

وبالتالي ينبغي، من أجل فتح الطريق أمام الإصلاح والتغيير، الوقوف بوجه رجل الدين والحكم والعشيرة ممن يراهنون في بقاء سلطتهم وتعزيز مكانتهم على الجهل والأمية والانقياد والتبعية وعدم الانفتاح على أفاق العلم والمعرفة والحضارة والرأي الآخر، خوفا من استفاقة العقل والتمرد على سلطاتهم. وإلا سيبقى الفكر والثقافة حبيسة الورق والكتاب، لا تؤثر في الواقع، فالنقد ثم النقد من أجل فتح آفاق الوعي.

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

تعليقات (9)

  1. صالح الرزوق

يتابع هذا الحوار مناقشة الموضوعات الساخنة بعقلية ساخنة و حارة، و اعتقد ان التوازي بين الواقع و المنهج ضرورة لا بد منها، و بناء على ذلك انا اغبط الاستاذ الغرباوي على حسن تعامله مع المفردات لانتاج واقع ثابت و غير بديل، فالعلمانية من التفكير العلمي، يعني باتطبيق العقل على ما ينتجه العقل الاجتماعي و النفسي، و كان هابرماز قد اقترح للتملص من رهاب الماركسية استعمال العقل الاداتي التواصلي،
لا شك ان التربية تلعب دورا هاما في توسيع دوائر الخوف،
و منها خشية الانسان العادي من اضفاء المحاكمة العلمية على العلم الكلي و هو الله،
نعم، العقل الشامل مصطلح جيد، فالله دعانا لان نكون ماكرين و وصف نفسه انه افضل او خير الماكرين

 

افرح لرضاك على الحوار، انت كاتب وناقد واديب مرموق، شكرا لحسن ظنك وثقتك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق. سنواصل الحوار ما دامت هناك اسئلة، فاسال الله التوفيق مع التقدير

 
  1. صالح الرزوق ٢

نسيت ان اقول ان العلمانية يقابلها سيكيولاريزم و هي مفردة لاتينية دخلت الى الانكليزية في القرن ١٤. يعني لم تكن موجودة منذ بداية الخلافات حول الواقع و الدين، و هي ليست مشبوهة و لا تحمل رائحة ماركسية او شيوعية، و لا علاقة لها بالالحاد قطعا، و هي باللاتينية سيكولاريس و معناها الحرفي حسب المعاجم العالم، الجيل، التحريك، انها مفردة تسقط مفهوم الحركة و الواقع الملموس على الفكرة، و تبتعد بها عن السكون و الجمود،

 

أهنئ التنويري ماجد الغرباوي بهذا التمشي السلس وهذا الأسلوب الأنيق الرشيق وإن دل على شيء فهو يدل على تمكنه من أدواته المعرفية وامتلاكه لزمام الفكر الذي ينثر إشعاعاته والذي سيبقى وشما على جسد تاريخ الإنسانية حوار شُيِّد على أعمدة الشرح والتحليل والتعليل .. تبريكاتي واحتراماتي لكل من المحترم على محمد اليوسف والفاضل أخي المقتدر ماجد الغرباوي ..
الأمينة على خزائن الحرف والوطن والقصيد أختكم رجــــــاء محمد زروقي ..

 

شكرا لتعليقك الزاخر بالمحبة والصدق، وشكرا لمشاعرك النبيلة الشاعرة القديرة رجاء محمد زروقي مع احترامي

 
  1. جمعة عبدالله

تحليل وتشخيص علمي عقلاني في العلاقة بين الدين والعلمانية , والرؤية العقلانية , في مناقشة المنصات الدينية بالنقد والنقد البناء الهادف , وتتبع جذور التاريخية لبروز العلمانية , التي قادتها اوربا , بفصل الدين عن الدولة والسياسة , والاحتفاظ بكامل حقوق الدين , وكذلك النظرة الصائبة التحليلية بواقعيتها العلمية , الى واقعنا وسيطرة الدين على الدولة والسياسة , وتسيد العقلية المتعصبة لدين بشكل مغلق . حقاً ان واقعنا صعب , في وضع الامور في نصابها الصحيح , يحتاج الى تثوير العقلية العراقية , من الافاق المغلقة , الى الافاق المفتوحة , وكان الاسهاب في التحليل وتشخيص العقلاني , في رؤية الاستاذ الكبير ماجد الغرباوي في منهجه العقلاني التطويري للفكر الدين واشكالاته
ودمتم بخير

 

شكرا لحضورك وتعليقك ومتابعتك الاخ الاستاذ القدير جمعة عبد الله. نحن بحاجة ماسة للعقلانية خاصة في بلدنا العراق حيث يسير كل شي على خلاف المنطق والعقل. تحياتي

 

اغبط وباحترام ومحبة المفكر الاستاذ ماجد الغرباوي على موسوعيته الفكرية المتقدة والنافذة في تشخيص الخلل وطرح وسائل اصلاحه بعقلانية منهجية وواقعية,واتمنى ان تكون لافكاره وقعا فلسفيا وثقافيا لدى النخب الثقافية والاجتماعية في مؤازرة هذا المشروع النهضوي الرائد. واشكره على تجشمه عناء الاجابة الوافية على الاسئلة وكل المودة والتقدير لكل من ساهم بالنقاش على منبر المثقف الرائدة.

 

الشكر لك الاخ العزيز الباحث القدير الاستاذ علي محمد اليوسف. الفضل يعود للأسئلة المركزة والواعية التي عرفت كيف تؤشر على الخلل المعرفي، والتي حرضتني على التفكير والاجابة. سعيد برضاك عن الحوار، مع تمنياتي لك بطول العمر كي تواصل مشاريعك الكتابية وانت بخير وعافية

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-08-13 01:57:01.