رسل جمال
شاكر فريد حسن
د. صادق السامرائي
وداد فرحان
ابراهيم مشارة
عدوية الهلالي
عبد العزيز كحيل
شاكر فريد حسن
د. صادق السامرائي
سلس نجيب ياسين

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (31): القيمة المعرفية للروايات

majed algharbawi4خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثلاثون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يواصل رده على س67: 

 

القيمة المعرفية للروايات

ماجد الغرباوي: ما زلنا مع الافتراض الأول: بأن مؤلف كتاب: الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس باحث موضوعي انتهى إلى نتائج مغايرة. وما زلنا مع شاهده التاريخي الذي استدل به على تحكّم الهوى بأقوال الرسول بما يناقض القرآن في مسألة عصمته حينما قالت الآية: وما ينطق عن الهوى، فانخرم إطلاقها. وقد بينا ثغرات منهجه، وأسلوبه في التحيّز لآرائه، إذ لا دليل على مطلق عصمة الرسول بهذه الآية، فلا تشمل كل ما يلفظ ويقول. والقدر المتيّقن عصمته بالتبليغ، وما عداه مختلف فيه، ومشكوك والأصل عدم عصمته. لكن المؤلف رجح الإطلاق بلا دليل كشاهد على تناقض الكتاب الحكيم. كما أنه خلط بين مفهومي النطق والكلام. وكانت الآية ناظرة للنطق. ومر الحديث فيهما مفصلا.

وهنا نتحرى عن القيمة المعرفية لمطلق الأخبار، الدينية والتاريخية، وماذا يترتب عليها من نتائج علمية، على مستوى الصدور والدلالة. وحجية دلالتها تتوقف على صحة صدورها. فكيف نجزم بصحة صدور الرواية التاريخة، ومطابقتها للواقع، كي تصلح أن تكون شاهدا؟. أما بالنسبة للصدور فلا سبيل لذلك سوى الكتب التاريخية، وجميعها تأخر تدوينه عن عصر الرسول. بدءا بالصحاح التي جمعت رواياته وسننه، فألف البخاري صحيحه بعد أكثر من 183 سنة عن وفاته ، ثم توالت بعده الصحاح. وأصحابها من غير العرب!!. فثمة فاصلة زمنية امتدت 183 سنة بقيت فيه الأحاديث والروايات التاريخية تتناقلها الألسن شفاهية. فكيف يمكننا الوثوق بها مع وجود مختلف الدواعي لتحريفها، من المسلمين وغيرهم؟. حيث تركت الحروب المتواصلة لعشر سنوات آثارا سلبية. حرّضت على العنف والكراهية والتنابذ، ودفعت باتجاه الثأر بشتى الوسائل، ومنها تحريف السيرة والروايات.

وإذا كانت حروب المسلمين مع العرب حروبا اقتصادية – سياسية، ونزاعا على السيادة والنفوذ انتهت بانتزاع سلطة قريش، فإن حروبهم مع أهل الكتاب حروبا أيديولوجية، وصراعا دينيا حول شرعية الدين الجديد، فثمة تهديد حقيقي لمصداقية الأديان السابقة، حفزها للدفاع عن وجودها من خلال الاطاحة بمصداقية الرسالة المحمدية، وليس ثمة سلاح أمضى من تحريف السيرة، واللعب على وتر الصراع السياسي بين الصحابة. ولعل في تسرّب النصوص الإسرائيلة، واختلاطها بالمرويات التاريخية والدينية خير دليل. فالإسرائيليات رغم اكتشافها لكنها ما زالت حاضرة في تفسير آيات الكتاب الحكيم. وكان من السهل نسبتها للرسول خلال 183 سنة من التداول الشفهي للأخبار التاريخية والمرويات الدينية. ثم جاءت بعد ذلك جهود الباحثين تحت مختلف العناوين، تبشيرية وعلمية، لتعضّد شرعية تلك الروايات والتحريفات، كي تكون مستمسكا للطعن بالسيرة والكتاب الحكيم. فالروايات ترويها كتب الصحاح والتاريخ والسيرة وبعض التفاسير. فيتعذر على المسلم إنكارها. وبالفعل ليس من السهل إنكارها لغير الخبير. خاصة حينما تكون الروايات صحيحة سندا، والأكثر صعوبة عندما تكون مشهورة، أو ترتبط بعقائد الناس وأوهامهم.

ثم جاءت الأهداف السياسية لتضخ عددا كبيرا من الروايات المكذوبة، خاصة في باب الفضائل، في سياق الصراع على السلطة، حتى كادت الروايات تعيد كتابة السيرة والتاريخ وفق رؤية خلفاء المسلمين، وقد ارتفعت حمى الوضع في عهد معاوية بعد حرب صفين للطعن بالإمام علي وشرعنة السلطة الأموية. ثم جاء الصراع العقائدي في ذات السياق فكان سببا آخر للوضع والكذب على رسول الله. فكلا الطرفين كان بحاجة ماسة لتزكية الذات ونفي الآخر، وكلاهما مضطر للتشبث بالنصوص بل واختلاقها لسطوتها على العقل، وقدرتها على توجيه الوعي. المسلم لا يجادل بالنص، بل ينصاع له ويدافع عنه، فكان النص وسيلة الخلفاء لثتبيت سلطتهم، وتبرير مواقفهم الدموية من المعارضة. ولم يقف وضع الروايات على حدود السياسة ومتطلباتها، بل رافقها مسار عقائدي راح يتشعب وينشطر أميبيا، فبلغ عدد الفٍرَق الإسلامية 73 فٍرَقة. أغلبها شيعية، انقسمت حول مبدأ الإمامة والمهدي، وباقي المفاهيم العقائدية. فاضطر غلاة الشيعة لتسويق عقائدهم إلى  استبدال أسانيد رواياتهم بأسانيد روايات صحيحة. وبالفعل نجح الغلاة في إعادة تشكيل العقل الشيعي وفق عقائدهم القائمة على اللامعقول والأسطرة، وتكريس الوعي الغيبي.

ليس الوضع والتحريف وليد ساعته، بل حذر منه الرسول في حياته، جاء عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده). إن ارتهان عقل المسلم للنص مهّد لانتشار مختلف الروايات الدينية والتاريخية. وما تشاهده من خراب على مستوى العقيدة والفكر والثقافة والأخلاق سببه الذهنية التراثية التي تجعل النص فوق العقل. المسلم يقمع عقله بالنصوص، ويتخلى عن التفكير تحت وطأة التقديس، والخرافات، ووهم التفوق. فالقطيعة مع التراث شرط لتطور المجتمع حضاريا وفكريا أويبقى أسير طقوس وأوهام تمتهن كرامته، حينما يلهث وراء الآخر، يحتمي به، ويستدر عواطفه، ويحسب أنه في ظل قوى غيبية تكفلت بحمايته.

وبالتالي لا يمكن الاطمئنان لكتب السيرة والتاريخ مطلقا إلا وفق منهج علمي صارم، يعتمد القرائن، والعقل، ويجعل من القرآن شاخصا. فتبقى رواياتها محتملة يتعذر الجزم بصدورها وتطابقها مع الواقع. والرصافي مؤلف الكتاب يعترف بهذا عندما وصف السير بأنها: "ملعب أهواء ومسرح تحزّبات مذهبية وسياسية" حتى وقع فيها "زيادة ونقص وتغيير وتبديل واضطراب وتناقض". وهي رؤية صائبة، فكيف استشهد بهذا الكم الهائل من الروايات وهي بهذه المواصفات؟ وكيف اعتمدها أدلة على آرائه؟. يقول: (أما كتب الحديث والسير فلا يجوز الاعتماد عليها إلا بعد أن نضعها في غربال منسوج من المعقول ومن القرآن فنغربلهما، فما سقط منهما تركناه وما بقي في الغربال أخذناه). ورغم صحة منهجه في عرض الأخبار على العقل والقرآن، لكنه خالف منهجه، في هذا الشاهد بالذات، فضلا عن شواهد كثيرة أخرى في كتابه. فاستشهد بحدث تاريخي لا يمكنه الاستدلال على صحته، حينما قال: "محمد نطق عن الهوى احياناً" ثم ذكر قول الرسول حينما وقف على مقتل عمه الحمزة، قائلا: (والله، لأمثّلن بسبعين منهم مكانك). فهو مطالب أولا بإثبات صحة صدور الكلام عن النبي، وفقا لمنهجه، وهذا مستحيل لعدم وجود طريق إلى ذلك بعد مرور أكثر من 1400 عام. ولأن الراوي لهذا الحديث واحد، مما يعقد صحة صدور الرواية. فلا يمكن رفع اليد عن ظهور الآية بحديث لا نجزم بصحة صدوره، وهذا منهج علمي تام.وهذا منهج علمي تام. سواء صدر عن النبي ذلك واقعا، كما وضحنا سابقا، أم لا.

 لقد اعتمد مؤلف كتاب الشخصية المحمدية بشكل أساس على السيرة الحلبية، للحلبي المتوفي سنة 1624م . أي بعد أكثر من ألف عام على وفاة الرسول. معتمدا في كتابه على السيرة الدمشقية، للدمشقي المتوفي سنة 1533م. وقبلهما كتاب المغازي المتوفى سنة 1333 م . كما أن التفاسير هي الأخرى اعتمدت على كتب السيرة والتاريخ. فأغلب الأخبار تعود لمصدر واحد، وجميع المصادر تأخر تدوينها مئات السنين. فكيف تعتمد في توثيق الروايات التاريخية والاحتجاج بها في مقابل الكتاب الكريم؟. كما أن أغلب أسانيدها مرسلة أو مقطوعة، فيكون الراوي الأول متأخرا عن الحدث تارة بمئات السنين. أخرى يعتمد على الشائع من الأخبار والمتداول من الحكايات، رغم تناقضها.

من هنا شكّل توثيق الروايات الصادرة عن الرسول الكريم معضلة حديثية ورجالية مستعصية، فثمة فاصلة زمنية كبيرة، تحايل المسلمون عليها بعدة طرق. منها اعتبار كتب الحديث  المنسوبة للبخاري ومسلم وغيرهما، كتبا صحيحة، فكل رواية ترد في الصحاح خاصة البخاري ومسلم فهي صحيحة، وبهذا أغلقوا باب النقد الحديثي والرجالي، ليتوفروا على خليط من الروايات، المتضاربة في درجة وثاقتها وصحة مضامينها، فأضر هذا المنهج بالدين وبسيرة النبي الكريم. لكن مناهج النقد فيما بعد طالت الروايات، سندا ومتنا أو مضمونا، وبينت ضعفها، وأشّرت على الروايات الضعيفة في تلك الصحاح المعتمدة لدى الفقهاء والمؤرخين. فثمت منهج علمي في توثيق الروايات والأخبار التاريخية، يرتكز إلى عدالة أو وثاقة الرواة، مع عدم وجود انقطاع بينهما في سند الحديث.

إن الغالب في مباني الجرح والتعديل في علوم الدراية والحديث منهجان: الأول يرى صحة مطلق الروايات، وهم أهل الحديث والسلفيين والإخباريين. والثاني، يعتمد مباني الجرح والتعديل في تصحيحها، وهؤلاء على قسمين أيضا:  

الأول منهج القدماء الذي يعتبر صحة الكتاب شرطا في توثيق الرواية. فتكون صحيحة إذا وردت في كتاب صحيح، مهما كان مضمونها أو سندها. فيسعى لتأويلها، ورفع التعارض عنها.

والمنهج الثاني، تتوقف صحة الرواية عنده على صحة صدورها الملازم لتوثيق جميع رواة السند، مع ضمان المعاصرة وعدم وجود انقطاع في السند، قبل دراسة مضمون الحديث ومتنه، وفقا لمنهجيين أو مبنيين معتمدين في دراسة الحديث لدى الفقهاء والأصوليين، هما: الوثوق والوثاقة. والتفصيل في محله.

وجميع هذه المناهج عقيمة، ومهما كانت صحة الروايات فإنها لا تفيد العلم والجزم، وتبقى في حدود الاحتمال، بل حتى الروايات المضنونة لا تجدي نفعا، فالظن لا يغني عن الحق شيئا، وبالتالي كيف يمكن اعتماد الرواية شاهدا على تناقض آيات الكتاب الحكيم، الذي هو نص ثابت تاريخيا؟. بل كيف يمكن الاطمئنان بشكل مطلق؟ وهذا ما وقع فيه صاحب كتاب الشخصية المحمدية وغيره.

للأسف، باتت الموضوعية تعني قدرة المنهج على التماهي مع عقيدة الفرد وتوجهاته الفكرية، وثمة عقل طائفي يعيد انتاج التراث، وتصحيح الروايات بما يخدم أهدافه ومصالحه المذهبية. فتجد مباني الجرح والتعديل مرنة، تتخلى عن حياديتها وموضوعيتها في تصحيح الروايات وتضعيفها. لا أدري كيف يستدلون على عقائدهم بروايات يستحيل الجزم بصحة صدورها ومطابقتها للواقع، فأية رثاثة ومحنة تعيشها مجتمعاتنا، عندما تقدّم مطلق النص على العقل، وتكتفي بالتأويل والتفسير بدلا من النقد والتحليل؟.

القضايا تنقسم منطقيا إلى تصور وتصديق. والأخير ينقسم إلى: (يقين، ظن، شك، وهم). واليقين: جزم واعتقاد بمضمون الخبر أو نفيه. وما دونه ظن. وتساوي الاحتمالين شك، وما دونه وهم. والأول يكون حجة لحجية العلم والقطع والجزم بذاته. ولا حجية لما دونه مطلقا. فالأخبار والمرويات التاريخية والدينية، لا تكون حجة ما لم تصل حد الجزم واليقين، وهذا مستحيل في غير الخبر المتواتر. والتواتر نادر في الأخبار. كتواتر صحة القرآن الكريم، والعبادات. والمقصود بالتواتر أن يروي الخبر في كل طبقة مجموعة من الناس، لا يحتمل تواطؤهم على الكذب. من هنا تأتي استحالته. فما دون التواتر كلها أخبار آحاد لا حجية ذاتية لها، لولا أن الفقهاء تداركوا الأمر ونظّروا لحجيتها في الشرعيات، فتكون حجيتها حجية مجعولة من قبل الشارع، وليست حجية ذاتية كما بالنسبة للعلم واليقين والجزم والقطع. ويقصد بحجة الخبر أن يكون مفاده منجّزا ومعذرا، يمكن الاحتجاج به، وترتيب الآثار اللازمة على مضمونه.

لا يمكن الجزم بمطابقة مضمون الخبر مع الواقع في جميع الأخبار التاريخة والدينية، وهو متعذر بعد مئات السنين وعدم وجود قرائن خارجية دالة على صدقه وتطابقه مع الواقع.، لكن نتعبد بالخبر المتواتر بناء على حجيته الذاتية. لحجية القطع والجزم عقلا. سواء طابق الواقع أم لا. وأما أخبار الآحاد فليست بحجة، ويبقى تطابق مضمونها مع الواقع محتملا ليس أكثر. غير أن الفقهاء استدلوا على حجيتها ووجوب التعبد بها بموجب أدلة اجتهادية، قابلة للنقض بسهولة، كي لا ينغلق باب العلم والعلمي، وتتعطل وظيفتهم الدينية!!.

إضافة لما تقدم ثمة مشكلة في أخبار الآحاد، هي انفراد الراوي برواية مضمون الخبر، والراوي مهما كان إنسان يطرأ عليه الخطأ والنسيان والاشتباه، وتتقاذفه الأهواء، وربما لديه دواعٍ لتحريف الشاهد التاريخي وكل هذا محتمل. ثم أن الراوي مع احتمال صدقه ووثاقته لم ينقل لنا القرائن الحالية، والسياقات التاريخية للحدث، واكتفى بنقل ما قاله أو صرح به الرسول بمعزل عن ظرفه الزماني والمكاني، وهذا خلل في التوثيق يطال أغلب الروايات التاريخية والمرويات الدينية، فللقرائن دور كبير في فهم مراد المتكلم، بل أن تردد دلالة الأمر بين الوجوب والاستحباب. وتردد دلالة النهي بين الحرمة والكراهية، تفهم من خلال القرائن الحالية للمتكلم، وليست دلالتهما عقلية أو ذاتية كما ذهب لذلك بعض الأصوليين. القرينة هي التي تحدد الإرادة الجدية للمتكلم. فتارة يأمر المتكلم بطلب شيء لكن القرائن الحالية والمقامية تنفي إرادته الجدية، فلا يمتثل له المتلقي.

فهناك شروط لقبول الروايات، أهمها عدم مخالفتها للقرآن والعقل والمنطق والعلم، وعدم اضطراب مضمونها أو غرابته وشذوذه، مع صحة سندها الذي يقتضي اتصاف جميع رواة سلسلة الرواية بالعدالة أو الوثوق الموجب للاطمئنان. ويكفي صدق الراوي في وثاقته عندي بل لا بد أن يكون عارفا بالأخبار، كي لا يروي كل ما سمعه أو وقعت عليه عينه. ثم مراعاة النقل والدقة، خاصة أن أغلب الروايات تنقل المعنى دون نص القائل، الرسول أو غيره.

كما يجب بقاء العقل حاكما على النقل، وبقاء القرآن أصلا، لتواتره، لا فقط لقداسته. وقد تم جمعه في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، أي بعد وفاة الرسول بخمس وعشرون سنة. فحجم التلاعب بنصوصه خلال هذه الفترة مع وجود أغلب الصحابة وكتاب الوحي يكون محدودا عادة. فثمة حماية شعبية، من خلال تواتره حفظا ووجود نسخ لمدونات كتب الوحي. كنسخة الإمام علي، ونسخة عبد الله بن مسعود وغيرهما.

معروف الرصافي اعتمد ذات المصادر التاريخية: كتب السيرة، والتفاسير، والصحاح. وجميعها اعتمد خبر الآحاد (باستثناء ما تواتر وهو نادر) في تدوين الأحداث التاريخية. فلا قيمة علمية لها. وكل ما ذكره، لا يفيد سوى الظن إن لم يكن أدنى، مهما كانت شهرته ما لم يتوفر على شروط صحته. فليس كل ما في كتب التاريخ والحديث والسيرة صحيح. خاصة أن أغلب ما استشهد به لفرضيته أخبار لا يرويها سوى شخص واحد. فكيف تبنى فرضية، يفسر بها سيرة الرسول ونصوص الكتاب الحكيم على خبر واحد؟. وحتى على فرض صحة أصل صدورها، لكن كيف نثبت صحة مضامينها؟ أقصد تطابق مضمون الخبر مع الواقع؟ فربما طرأ على الخبر زيادة أو نقصان، وهذا محتمل جدا في جميع الأخبار بلا استثناء. لذا حتى الخبر المتواتر جعلوه أقساما، فهناك تواتر لفظي، وتواتر معنوي.

بهذا يتضح أن ثغرات المنهج تجلعنا نميل للافتراض الثاني، وهو ثمة هدف وراء تأليف الكتاب، سواء كان هدفا عدوانيا، أو للحقيقة كما يقول: (وأنا اليوم أكتب للحقيقة وحدها لا شريك لها عندي). لكن أي حقيقة يقصدها؟ هل ما يتمخض المنهج العلمي الموضوعي، وما تسفر عنه الدراسات والأبحاث المقارنة، بمناهج متعددة؟ أم الحقيقة التي افترضها في بداية الكتاب؟ وافتراض الحقيقة في بداية البحث يدل على وجود موقف مسبق يريد إثباته، ولم ينتظر حتى انتهاء البحث ليكتشف الحقيقة، فالحقيقة ثابتة بالنسبة له، كما سنرى. خاصة بعد أن تخلى عن التاريخ، حيث جاء في ص15 من الطبعة الحديثة للكتاب: (أصبحت لا أقيم للتاريخ وزنا ولا أحسب له حسابا لأني رأيته بيت الكذب ومناخ الضلال ومتجشم أهواء الناس ..). ويقصد بالتاريخ الأعم من القرآن، باعتباره منجزا بشريا فيصدق عليه أنه جزء من التراث، فيخضع للنقد التاريخي أسوة بغيره من المصادر التاريخية. من هنا ينبغي تحرى المعالم الرئيسية لتحفظات صاحب كتاب الشخصية المحمدية على قدسية القرآن الكريم.

ينبغي التنبيه: لا يمكن رصد مغالطات الكتاب لغير الخبير بالتراث، وأدوات البحث العلمي. فثمة أحكام واستدلالات يقيمها مؤلف الكتاب وفق مقدمات تبدو للقارئ العادي صحيحة وحقيقة وهي ليست كذلك حينما تخضع للنقد العلمي. وقد وضحّت عددا من نقاط ضعف شاهده التاريخي، الذي استدل به لنقض إطلاق آية: "وما ينطق عن الهوى". وبينت ثغرات المنهج. وهذه قضية واحدة، لكنها مؤشر لتوخي الحذر عند مطالعة الكتاب، ومن يبغي الحقيقة عليه مراجعة المصادر التاريخية بأدوات علمية، واستعراض جميع الآراء، والتحري عن الحقيقة بتجرد. فكم من حكم أصدره المستشرقون ضد القرآن والنبي الكريم استنادا لمرويات تارخية لا يمكن الجزم بصحة صدورها إطلاقا، لكنهم يعتمدونها أصلا موضوعا، وحقيقة نهائيا يتخذون في ضوئها موقفا من الإسلام. خاصة الانتقائية في كتاباتهم، بل في كتابات جميع الأيديولوجيين، بما في ذلك كتاب الشخصية المحمدية، فإنها ملازمة لبحوثهم، يختارون من التراث ما يحقق أهدافهم من البحث. من هنا بات ضروريا استعراض أهم ما جاء في الكتاب، قد نتفق أو نختلف معه بها.

من الصعب تبرئة التراث وفيها خليط من الروايات الموضوعة والضعيفة والمدسوسة والصحيحة. لكن أغلبها روايات مرسلة، أو مقطوعة، يتعذر الجزم بصدورها. فالمنهج الصحيح يقتضي طرح هذه الروايات وعدم التشبث بها. لكن هؤلاء يبحثون عن كل رواية شاذة، ضعيفة، مهمشة تخدم بالهدف الأساس من بحوثهم

. صحيح أن التنقيب بالروايات المهملة يفتح أفاقا واسعا للبحث والدراسة في حقل النصوص التاريخية والتراثية بل وحتى الكتاب الحكيم وشخصية النبي وتاريخه الخاص، لكن شريطة أن تجزم بصحة صدورها. وإلا ستترتب أحكاما على قضية وهمية لا واقع لها، فتأتي النتائج على خلاف الواقع، وتخلق جوا من التشويش وزعزعة الثقة بالدين وبالقرآن، وهذا ما يطمح له جملة من الباحثين، أخشى أن يكون صاحب كتاب الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس منهم.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (5)

  1. صالح الرزوق

المشكلة ليست في رواية القرآن الكريم و لكن في الهوامش و اغلمتون. و لا يزال الفرقان (بهوامش الإمام علي ) موضع خلاف بين السنة و الشيعة. و لا يعتمد عليه أهل السنة. بينما يراه الشيعة جزءا لا يتجزأ من الوحي الإلهي و الشرائع المحمدية.
نحن بحاجة لنظرة أدق في التفريق بين النص الإلهي و التعليقات عليه. فهي كلها روايات. بعضها أصابه التحريف بنقطة أو همزة. أصلا هذه العلامات لم تكن موجودة و أدخلت إدخالا. و فيها اجتهادات قد تغير معنى النص عند المتزمت.
لا أعتقد أن مكان نقطة أو مدة له كل هذه الأهمية فهي كلها صنعة. إضافات. اجتهاد بشري لتقريب اللغة و توحيد نطقها و محو أثر السنوات التي تفصل الملفوظ عن المصدر.
و لا أريد أن أخوض في ما لا علاقة لي به.
لكن حتى شومسكي حين يقبل جملة قواعديا يرفضها منطقيا. فالمنطق و سلامة الفهم جزء من سلامة اللغة.
مثلا أن تقول الغيوم ذات لون أصفر. الجملة صحيحة من ناحية البناء. لكن هناك علة.. و هي أنها تخالف أبسط قواعد المنطق البشري. و قس على ذلك..

 

هذه الحلقة مكرسة للسيرة والتراث والاخبار وقيمتها المعرفية، وجميعها مجرد احتمالات ويبقى القران ثابتا.. ومهما كانت الحواشي لا قيمة لها علميا ومعرفيا لو تمسك الطوائف والمذاهب بها في ظل صراع مرير لا ينتهي شكرا لك د. صالح

 

شكراً الى استاذنا الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على تناوله لهذه المواضيع المهمة و هي مواضيع الساعة؛ و شكراً الى اسرة موقع المثقف الموقر للسماح لنا بتبادل الاراء في هذه الامور؛ و شكراً الى المعلق الدكتور صالح الرزوق. و احب ان اضيف التعليق التالي المختصر.

في كل دول العالم و في كل مجالات الحياة تطرح نظريات و هي اراء بشر متميزين لكي تنظم الامور في فهم المواضيع التي تناولتها هذه النظريات. و عادة تعقد المؤتمرات العلمية لمناقشة هذه النظريات و نقدها و تقديم الجديد ان وجد.
هذه تحصل في كل العلوم الاجتماعية و الدينية و العلوم التطبيقية كالهندسة و الرياضيات و الطب و الفيزياء –الخ.
و على ضوء ذلك يعمم الشيء الجديد الذي يتفق عليه في هذه المؤتمرات.

و لكن نحن نختلف عن كل شعوب العالم المتحضرة و المتخلفة. دائماً نجتر فقه السلف الصالح و هي آراء بشر مثلنا ؟؟
تاركين الحاضر و المستقبل لنعيش في كهوف التاريخ؛ و بما التخلف و الجهل و الامية و السذاجة سمات مجتماعتنا لذلك استغل رجال ديننا الافاضل الذين لا يخافون من الله و لهم اجنداتهم الخاصة هذه المجتمعات لبسط سيطرتهم على المجتمع بشكل محكم و ربط عقول الناس لديهم و تخديرها في خرافات السلف الطالح و منعها من التفكير.

ما هي الفائدة التي نجنيها من فقه السلف الصالح؟؟؟. هل سيغير حياتنا نحو الاحسن ام انه و باء في تدمير المجتمع و نشر الكراهية؟؟؟

العلماء هم الذين يقدمون شيء جديد في كل يوم لفائدة المجتمع من جميع النواحي الدينية و الاجتماعية و العلمية لا ان يجتروا آراء بشر مثلنا و يقدمونها على انها منزلة من الله. هذا هو واقعنا حالياً.
و الذي يرى التلفزيون يصاب بالدوار من كلام رجال ديننا الذين يملكون اسرار و طرق دخول الجنة و مفاتيحها. انها مشكلة العصر.
سؤال بسيط الى هؤلاء ان الدين الاسلامي لا توجد به مذاهب اطلاقاً ( ارجعوا الى القرآن الكريم) ؛ لماذا هذه المذهبية التي احرقت الاخضر و اليابس؟؟. لماذا اصبحت المذاهب اديان لنا؟؟. و الدين الاسلامي اكمل في زمن الرسول (ص) في آخر آية " و اليوم اكملت لكم دينكم" .
هل من رجل حكيم بينكم يخاف من الله لينقذ هذه الامة الجاهلة؟؟؟.

اليس من الافضل ان يجتمع هؤلاء و يراجعوا مذاهبهم و فقههم و يتخلون عنها و يوحدوا الخطاب الاسلامي؟؟؟.
ماذا كانت مذهبية الرسول (ص)؟؟
و ماذا كانت مذهبية الخلفاء الراشدين (رض)؟؟.

الانسان الذي يفيد المجتمع هو الذي يستعمل عقله و يتأمل في الحاضر و المستقبل و يقدم لنا الشيء الجديد الذي يفيد البشرية لا ان يدفن رأسه و عقله في فقه السلف الطالح؟؟. قال فلان و ذكر علان؛ ---؟؟؟.
في هذا العصر التكنولوجي العالم يتقدم بسرعة هائلة في كل مجالات الحياة و نحن مشغولين بفقه السلف الصالح و نراوح في مكاننا؟؟؟؟.

هذا العقل الجبّار الذي منحنا اياه الله تعالى ؛ لماذا نتركه و نأخذ آراء بشر سبقونا بأكثر من 1400 سنة؟؟.

نحن في مشكلة كبيرة جداً ؛ و قد مرّت بها اوربا قبل 600 سنة و تخلصوا من سطوة رجال الدين و ها هم في قمم الجبال و نحن نراوح مكاننا في الحضيض؟؟.
آسف على الاطالة
شكراً لك مرة اخرى يا استاذنا و دكتورنا العزيز على هذه المقابلات الرائعة لتنوير عقولنا التي يغلفها الصدأ و و الجهل و الامية .
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 

شكرا لك دائما الاخ الدكتور ثائر عبد الكريم، وشكرا لما تضيفه من خلال تعليقاتك القيمة ، تحياتي

 
  1. صالح الرزوق

تستدعي مشكلة العصمة حادثة الافك و لكن لم نسمع شيئا عن مارية القبطية التي حكم عليها ابتداء بالقتل قبل التبرئة،

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4054 المصادف: 2017-10-11 10:12:39