يشكل فن القصّ احد وجوه الأدب، لما له من أهمية تذكر في التعبير عن طموحات الإنسان وقضيته الأساسية في امتلاك الحرية والاستقرار والعيش الرغيد. ولهذا نجد القاص هنا لايتواني من استلهام التجارب والحيوات الإنسانية، إذ يتمثلها بأسلوب فني ولغة متينة معبرة عن رؤية للواقع المفترض بشكل يعزز من عمق التجربة، ومن هولاء الكتاب عادل المعموري الذي سبق وان أعطى رؤية شاملة لعمله الفني عبر مجموعتيه القصصيتين " العزف على وتر الفجيعة " عام 2015 و" خطوات ثقيلة " عام 2016 بالإضافة إلى مشاركته في المجموعة القصصية " 33 أيقونة عراقية " عام 2016 والتي ساهم فيها 10 كُتّاب عراقيين. وفي أحدا نصوصه من مجموعته الأولى والتي تحمل ذات الاسم نفسه يرسم لنا تجربة حية تعد واحدة من أكثر إشكاليات الزمن المتشظي فقد انطلقت بحزمة من المشاعر الجياشة للعراقيين وللعالم برمته، حيث كانت آثارها  قد بدت تطغى على أسبابها ويلف الغموض الأسباب الموجبة التي قامت من أجلها الجريمة النكراء وتكون بعيدة عن مسببات إعلانها حيث يصور لنا ذلك المشهد المأساوي الذي احتضن الجريمة :" مدينة مترامية الأطراف لايعرفون عنها شيئا، جنود جلبوهم من مدن الجنوب للتدريب في هذا المعسكر الكبير، وقعوا في كماشة أهالي المدينة والعدو القادم من خلف الحدود، سكان تلك المدينة التي تضم المعسكر الكبير، تعاطفوا مع الغزاة لتشريد وقتل الجنود التابعين للجيش الوطني، من التزام الحياد، فلم يرحب بالغازي الذي قدم المدينة وكذلك لم يرحبوا بجنود الجيش النظامي، لا فائدة من طرق الأبواب، لامأوى لأحد، وقع الجنود بين نارين، نار العدو القادم من خلف الحدود، ونار أهالي تلك المدن، أين المفر".

وقد قدر لنا ان نلتقي الكاتب والقاص عادل المعموري في حوار عن تجربته السردية.

 

* ما أهمية القصة في الأدب العربي، وهل لها من أثر على تشكيل الوعي الجمعي؟

- لاشك أن واقع التخلف نتيجة للصراعات السياسية في العراق كان لابد من وجود طبقة مثقفة تأخذ على عاتقها القيام بإصلاح المجتمع ونبذ مظاهر التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتزرع الرغبة الجادة في المفكرين والمثقفين لأداء دورهم الريادي في تصوير الواقع وتقديم الحلول الناجعة للنهوض بالواقع، وهذا ديدن القصة العراقية منذ أوائل تأسيسها على يد الرواد محمود أحمد السيد وأنور شاؤول وذنون أيوب، ولاننسى تجربة غائب طعمه فرمان التي شكلت نقلة نوعية في تطور ماهية السرد، وانعطافة فؤاد التكرلي التي أمدت الأدب القصصي بنسغ جديد، سواءً في الشكل أو في البناء الفني، وإلى عصرنا هذا تنطلق أهمية القصة في كشفها وتعريتها للواقع. وقد مرت القصة بعدة مراحل منذ أوائل الثلاثينات من القرن الفائت حتى اليوم، كما عبرت في تلك العقود عن مسايرتها للواقع وتشخيص سلبياته والإشارة إلى ايجابياته عبر مرتكزات السرد والتكنيك الفني، مع تطور تجارب القصاصين عبر تلك المراحل واستقاءها من المدارس الفنية ومواكبتها لتقديم نتاجات تساير الأدب العالمي.

 

* القارئ لبعض نصوصك يلمس بوضوح حجم المعانات والآلام التي رافقت شخصيات نصوصك، إلى أي مدى تكون لديك ذلك الإحساس؟

- الكاتب يعبر عن واقعه وما يعتمل في داخله، إذ أنه لايحمل هم نفسه فقط كما يتصور البعض، ولأن واقعنا مازال يرزح تحت مطرقة الألم والحزن واضطراب الواقع السياسي والطبقي حتما يؤثر ذلك كله وينعكس بالنتيجة على معاناتنا في قصصنا من حيث ندري أو لا ندري، إن لم نسكبها على الورق، فستسقط رغما عنا مع سيل الدمع .

* في " العزف على وتر الفجيعة " كثيراً ما نجدك تقترب من سيول الدم الأرجواني كمن عايش الحدث، كيف تهيأ لك بناء الأحداث والشخصيات بهذا الشكل؟

- تلك مجموعتي الأولى التي كتبتها تزامنا مع واقعة سبايكر فكان عليّ أن اجعل أحدى قصص المجموعة تؤرخ وتؤرشف لجريمة العصر التي يندى لها جبين الإنسانية، فمهما كتبنا لن نستطيع ان نفي حقها في تصوير ما حدث من مجاز بحق الإنسانية.. وما كتب عن سبايكر من قبل القاصين والروائين قليل جداً، سبايكر جريمة إبادة جماعية ينبغي ان لاتفارق أقلام الكُتّاب وبخاصة الذين عايشوها عن قرب، تلك مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الكاتب  حتما .

 

* أين تجد موقعك من القارئ والناقد كقاص؟

- من مفروض السؤال ..أجد أن لي جمهورا واسعا يقرأ نتاجاتي القصصية عبر الصحف والمجلات الورقية والالكترونية ومنجزاتي المطبوعة، والأهم من هذا عبر الفيس بوك، لا أكتمك سرا، أن القراء العرب بمن فيهم من كان داخل الوطن العربي أو ممن يعيش في المهاجر ويتوزع في الشتات الأجنبية يقرؤون ليّ أكثر ممن كان في الداخل " العراق "، والدليل على ذلك ما لمسته من خلال الردود والإجابات وإشادة الكثير من النقاد العرب الذين تناولي أعمالي القصصية بالقراءة والنقد من مصر وتونس والمغرب وبلدان أخرى، قياسا إلى ما كتب عن تجربتي الناقد العراقي، أما لماذا؟ فهو سؤال يطول الجواب عنه .

 

* مزج الواقع بالأسطورة، في القصة القصيرة هل يعتبر تقنية لتوصيل موقف معين إلى المتلقي، أم أنه يعبر عن رؤية إبداعية في الكتابة السردية؟

- الحقيقة أنها رؤية إبداعية في الكتابة السردية لمواكبة النتاج العالمي، مزج الواقع بالأسطورة ليس جديدا على  السرد وبخاصة بعد الحداثة ومابعد الحداثة، تطورت الأساليب التكنيكية والفنية، القصة لم تعد سردا كلاسيكيا وواقعيا انتقاديا، القصة أصبحت خلقا جديدا لها عناصرها المستقاة من كل المدارس، لم يعد القاص يكتب وفق منهج مدرسة معينة، إنه يطلق العنان لقلمه لكسر كل " التابوات " التي كانت مفروضة، الإبداع لا يقيده شيء مطلقا .

 

* كيف تمت معالجة موضوعة المرأة في نصوصك السردية، ومن أي جانب تنظر إليها؟

- أنا مُتهم بانحيازي للمرأة، واقعا أنا لست منحازا لسلبياتها، ولكني منحاز لآلامها ومعاناتها، المرأة أكثر كائن حي تعرض للظلم من قبل الرجل وقيود المجتمع الذكوري، تضحيات المرأة لا حدود لها، ولكن لم أجد من ينصفها، نحن الشرقيون تحكمنا القيود الدينية والعشائرية والمجتمعية، فنحمل تلك القيود لنضعها قلادة في جيد المرأة لتنوء بأحمالها الى يوم يبعثون .

 

عبد الرضا غالي الخياط

 

 

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ضيفنا اليوم هو شخصية لها نكهة خاصة، قليل الكلام، هادئ، يشتغل في صمت، يجمع ما بين الأدب واللغات واللسانيات والمعجم وعلم مقارنة الأديان. في أغلب الحوارات التي أجريتها اعتدت أن أعرف بضيوفي، لكن هذه المرة، ونظرا لكثرة تخصصات ضيفنا تركت له الكلمة لكي يعرفنا بنفسه، ويضعنا في المجال الذي يفضل الحديث عنه. أستاذي الفاضل من هو الدكتور سعيد كفايتي؟

الدكتور سعيد كفايتي: ينتمي سعيد كفايتي إلى جيل الستينيات، وهو من مواليد مدينة تطوان بشمال المغرب حيث قضى فيها طفولته الأولى . وعلى الرغم من قصر هذه المدة التي لم تتجاوز الثلاث أو الأربع سنوات، إلا أنها كانت كافية لتبقى هذه المدينة بكل خصوصياتها الحضارية موشومة في وجدانه حتى الآن. استقر بعد ذلك في مدينة وجدة، المدينة الحدودية المحاذية للجزائر، تتلمذ على يد مدرسين أكفاء حيث لا يزال يذكر، وهو في المرحلة الإبتدائية، أن واحدا منهم لقنه أجزاء من ألفية بن مالك. وفي المرحلة الإعدادية فتح عيناه لأول مرة على الإبداع لاسيما وأن الأقدار جمعته بأستاذ مبدع هو محمد لقاح الذي يُعد من أهم شعراء المنطقة الشرقية، وواحد من شعراء المغرب المتميزين. في هذه الفترة كان يشارك دوما في المسابقات التي كانت تُبث على أمواج الإذاعة، ولا يزال يستحضر حينما بلغت الإعدادية التي كان يدرس بها إلى النهائيات، ويتذكر الكتب الكثيرة التي فاز بها.  ولا يمكن أن أنه كان يطلع مدرسه الشاعر على إبداعاته. هذه العلاقة استمرت بعد انتقاله إلى الثانوية، بل توطدت خاصة حينما بدأ ينشر قصصا قصيرة في جريدة "البيان" التي كان يسهر على صفحتها الثقافية الشاعر العملاق إدريس الملياني الذي لم يتردد في مراسلة القاص الشاب متأسفا عن التأخر في نشر إحدى القصص بسبب رداءة الخط. ...لما ولج الكلية لم يكن نكرة لأن اسمه صار معروفا لأن الجرائد الوطنية آنذاك كان عددها محدودا. وبالإضافة إلى القصة القصيرة والمقالات النقدية اهتم بالمسرح وألف عدة مسرحيات وسهر رفقة صديقه عبد الله زروال على عرضها في المسارح والمشاركة في الملتقيات الوطنية. من حسن حظ هذا القاص الشاب أنه تتلمذ في الكلية على يد نخبة من الشعراء والمسرحيين المرموقين أمثال الدكتور محمد علي الرباوي، والدكتور عبد الرحمن بوعلي، والدكتور مصطفى الرمضاني...غير أن حبه للإبداع لم يحل دون عشقه للبحث الأكاديمي الرصين، واللسانيات على وجه الخصوص، التي كانت تعيش أزهى مراحلها في أوروبا، وبتأثير قوي من أستاذه محمد المدلاوي، وهو باحث عالمي مرموق، شد الرحال إلى فرنسا، بعد استفادته من منحة للدراسة بالخارج، حيث قضى هناك بضعة سنوات للتخصص في اللغة العبرية والدراسات اليهودية على يد الباحث المغربي اليهودي الملة حاييم زعفراني والباحث اليهودي الفرنسي إفراييم ريفلين . عاد باحثنا إلى المغرب بعد حصوله على الدكتوراه في اللغة العبرية، وساهم معية بعض أصدقائه القدامى والجدد في تأليف كتاب مهم حول المكان المسرحي، ونشر العديد من المقالات في جرائد ومجلات وطنية ودولية. إلى جانب نشره بين الفينة والأخرى قصصا في منابر ثقافية مختلفة. واحدة من هذه القصص أُدرجت ضمن ملف خاص بالقصة القصيرة في المغرب، ونُشرت بجريدة "أخبار الأدب" التي كان يشرف عليها الروائي العربي الكبير جمال الغيطاني. التحق بعد ذلك للتدريس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس، فاس حيث تنوعت اهتماماته لتشمل حقولا معرفية متنوعة (اللسانيات، المسرح، المعجم..) لعل أهمها علم مقارنة الأديان والدراسات اليهودية خاصة بعد حصوله على دكتوراه دولة في المعجم العبري.

نشر العشرات من الأبحاث بالعربية والفرنسية، وطُبعت له عدة كتب. ومن المرتقب أن ينشر قريبا كتابين أحدهما بعنوان دراسات يهودية والآخر بعنوان الفكر الديني اليهودي. إلى جانب تدريسه في كليته الأصلية يدرس بسلك الماستر بجامعة الأخوين الدولية بإيفران.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: سأبدأ من حيث انتهيتم أستاذي وهو اهتمامكم بعلم مقارنة الأديان.

أنتم تشتغلون منذ عقد من الزمن على الأقل في علم مقارنة الأديان. ولا شك أن الكثيرين لا يعرفون ما هي المحطات التي مر بها هذا العلم قبل أن يستوي عوده على الشكل الذي هو عليه. هل نطمع في لمحة عن تاريخ هذا العلم؟

الدكتور سعيد كفايتي: على الرغم من قدم "الدين"، وتوغله في غابر الأزمان، كما تكشف عن ذلك الحفريات والأنثروبولوجيا وعلم الأساطير ، إلا أن "الدين" بمفهومه العام، وبصرف النظر عن كونه منزلا أم لا، لم يصبح ظاهرة قابلة للدراسة والتحليل، في نظر الكثيرين ممن أرخوا للفكر الديني القديم إلا في أوقات معلومة من تاريخ البشرية.

أولى المحطات تمثلت فيما وصل إلينا من أخبار متفرقة عن الأديان التي كانت سائدة في العالم القديم، والتي اعتنى برصدها، ووصفها، وتحليلها أحيانا، مؤرخون وفلاسفة ورجال دين.

هيمنت على المرحلة الثانية المتزامنة مع العصر المسيحي بزوغ فكرة الديانة الحقيقية. وهي الفكرة التي استعيرت من العصر الروماني، وذلك بعد أن ارتدت لبوسا جديدا متمثلة في المسيحية أو في إحدى مذاهبها. وقد طغى على البحث في الأديان، ردحا من الزمن، الطابع الجدلي المحض أو الدفاعي بحيث أن تصوير وفحص العقائد المختلفة، كما هي، توارى كثيرا إلى الخلف ليحل محله نزوع مقصود لدى علماء الأديان للبحث المُضني والتنقيب الجاد عن مواطن الضعف في عقيدة الخصم لإبطالها، وإبراز ناحية من نواحي القوة في عقيدته لنصرها ونشرها. ونجم عن هذا التصور اللاهوتي الإعلان أن جميع الديانات، باستثناء المسيحية، ذات أصل شيطاني، أي أنها عقائد زائفة وكاذبة وباطلة. ويمكن أن نتلمس جذور هذه النزعة في جدلها المبكر ضد اليهودية.

وغير بعيد عن أوروبا، وفي المرحلة نفسها، خاصة مع مستهل القرن الثامن الميلادي، بدأ البحث في الأديان يخطو، في ظل الحضارة العربية الإسلامية، خطوات حثيثة سرعان ما ستُفضي إلى نشأة علم الأديان. هذا العلم الذي يُعتبر في واقع الأمر نتاجا طبيعيا للبيئة الفكرية الإسلامية، ونتيجة لتداخل عوامل شتى من قبيل الدور الذي أداه القرآن الكريم في تنبيه العلماء المسلمين إلى أهمية الدراسة التحليلية النقدية للأديان، ثم الاحتكاك بأهل الأديان الأخرى والتعايش معهم، وكذلك واجبات الدعوة، والتصدي لشبهات الآخرين، والدفاع عن حظيرة التوحيد، ومبادئ الإسلام.لم يتخلص علم الأديان على يد العلماء المسلمين من اللهجة الدفاعية، ومن انخراطه في الجدل، ومن تفنيد ودحض الديانات الأخرى. وهو أمر كان مقبولا في سياق تاريخي معين. وسيكون من الخطأ أن نقرأه أو نحاكمه في ضوء التطورات التي شهدها هذا العلم في العصر الحديث. ما يعنينا بالدرجة الأولى هو أن العلماء المسلمين كانت لديهم معرفة بالأديان الأخرى، بما في ذلك ما نصطلح على تسميتها بالديانات الوضعية أو الآسيوية.

تمثلت المحطة الثالثة في أوروبا وقد كانت الولادة عسيرة حيث استغرقت بضعة قرون من الزمن، تجاذبتها أفكار متباينة، ورؤى مختلفة. ومن المؤكد أن هذا العلم لم ير النور إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وشهد قفزة كبيرة في القرن التاسع عشر تزامنا مع نشأة وتطور العلوم الإنسانية.

غير أن تعدد الاتجاهات والمدارس، وتنوع المناهج التي استخدمت لتحليل، وفهم الدين في تجلياته المختلفة ما كان لها أن تنمو وتتطور أو تظهر للوجود لو لم تجد مؤسسات أكاديمية ترعاها، وتسهر على إثرائها بمعارف قديمة وحديثة. وهو ما سيتحقق تدريجيا في عواصم أوروبية مشهود لها عالميا بالريادة والسبق.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: أشكركم على هذه التوطئة التاريخية المهمة. لكن ماذا عن علم مقارنة الأديان في الجامعات العربية؟

الدكتور سعيد كفايتي: يمكن أن نزعم أن بداية هذا العلم كانت على يد العالم المصري الأزهري أمين الخولي الذي بادر منذ 1935 إلى تدريس مادة تاريخ الملل والنحل في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، وكان سباقا إلى إصدار كتابه الهام: تاريخ الملل والنحل، كما ألف كتابا آخر بعنوان صلة الإسلام بإصلاح المسيحية. وتعكس هذه الكتابات المبكرة الجمع بين ثقافته العربية الإسلامية التي نلمسها في مؤلفاته الأخرى والثقافة الغربية التي كان شديد الاهتمام بها، ومتابعا لها بسبب إتقانه للغات الأوروبية. وفي سنة 1949 أُحدثت بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول مادة تاريخ الأديان، وعُهد إلى محمد عبد الله دراز بتدريسها لفائدة طلبة قسم الدراسات الفلسفية. وشهدت مصر وبعض الدول العربية الأخرى طبع ونشر العشرات من الكتب أو الترجمات من لغات أوروبية مختلفة إلى اللغة العربية. ومن المؤسف أن هذه الحركية في التأليف والنشر التي كانت تواكب ما يصدر في الغرب من دراسات حول علم مقارنة الأديان ، وتحاول أن تجد له مكانا في فضاء الثقافة العربية الإسلامية سرعان ما سيخفت وهجها أمام تصاعد لهجة الفكر الإقصائي، والفكر الواحد، والإسلام السياسي المتشدد. وأصبحنا أمام نكوص تمثل في وقوع البحث في الأديان أسيرا لخطابين اثنين هما: خطاب إيديولوجي وخطاب دعوي.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ما المقصود بهذين الخطابين؟

الدكتور سعيد كفايتي: الخطاب الإيديولوجي يخلط علم مقارنة الأديان بالسياسة، وتحديدا بما يحدث في الشرق من اعتداء سافر على حقوق الفلسطينيين في أرضهم المسلوبة. ويعمد دعاة هذا الخطاب إلى تشويه صورة اليهودية، وإلى البحث لها عن مثالب حقيقية ومتخيلة وكأن الأمر بالنسبة إليهم أشبه بتصفية حساب. وفي المحصلة تكون النتيجة بضعة كتب ضحلة لا قيمة لها على الإطلاق، وينسون في غمرة الحماسة الزائدة أن تقويض أي فكر لا يتحقق بالجهل، وإنما بالعلم. ولنا في الاستشراق الغربي عبر لمن لا يعتبر. فالمستشرقون، بما في ذلك أولئك الذين لهم نوايا سيئة اتجاه الإسلام، يصرفون سنوات طوال من عمرهم في تعلم العربية، وفي الاطلاع على التراث العربي الإسلامي.

أما الخطاب الدعوي فهو بدوره خطاب إيديولوجي، غير أنه يمتطي صهوة الدين كما يفهمه بعض دعاة العصر الحديث ليبلغ موقفه من الأديان الأخرى. وتزامن بزوغ هذا الخطاب مع  الصحوة الإسلامية التي شرعت في التنظير لعلم مقارنة الأديان وفق نظرة معيارية انتهى أجل صلاحيتها.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ألا يجرنا هذا الموضوع للحديث عن علاقة علم مقارنة الأديان بالإيمان لاسيما أن الكثيرين يتخوفون من الخوض في قضايا هذا العلم الجديد؟

الدكتور سعيد كفايتي: تجربتي في تدريس هذه المادة منذ 2007 حتى الآن تجعلني أستحضر التخوفات التي صاحبت آنذاك افتتاح ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان، وتدفعني إلى استعادة الدور الذي قمت به رفقه هيئة التدريس (سيدي محمد زهير، ادريس الشرقي، محمد المدلاوي، عبد العزيز انميرات، حنان السقاط، سناء الراشدي،محمد حاتمي، محمد رضوان العزيفي، حسن الغرايب، لخضر زحوط، محمد بنعيادي...) من أجل تصحيح صورة علم مقارنة الأديان لدى الطلبة، خاصة أن الغالبية العظمى كانوا من خريجي شعبة الدراسات الإسلامية أو من خريجي كليات الشريعة. كنت أقوم بدور الواعظ، وأنا أردد على مسامعهم أن دراسة الواحد منا للمسيحية لن تجعله مسيحيا، مركزا بالدرجة الأولى على أهمية معرفة الأديان الأخرى المقترنة بتعلم اللغة العبرية، والتعرف على تاريخ الحضارات الشرقية، والتمكن من اللغات الأوربية خاصة الإنجليزية والفرنسية. كما كنت أنبههم بضرورة الفصل بين انتماءاتهم السياسية والإيديولوجية، وتخصصهم في هذا العلم مستشهدا بأسماء باحثين غربيين لم يمنعهم ارتباطهم بالكنيسة من أن يكونوا باحثين متميزين في علم مقارنة الأديان أو في نقد الكتاب المقدس. ويبدو أن الرسالة، وصلت وتم استيعابها. والدليل على ذلك أننا نشهد أو سنشهد قريبا ولادة مدرسة مغربية في علم مقارنة الأديان تتكون نواتها من خريجي هذا الماستر الذين واصلوا مشوارهم العلمي في الدكتوراه، وناقشوا أطاريحهم أو هم بصدد إعدادها. طبعا مع تثمين الجهود الكبرى في هذا العلم التي بُذلت على أيدي باحثين أكفاء في كليات مغربية أخرى، والتي ساهمت في تأطير الطلبة.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ألا تعتقد أن التركيز على دور ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان في استنبات هذا العلم في المغرب فيه هضم لمبادرات سابقة قام بها باحثون آخرون؟

الدكتور سعيد كفايتي: يمكن أن نقول بأنه كان تتويجا لمبادرات سابقة. ومن المهم الإشارة إلى إسهام الدكتور أحمد شحلان في استنبات هذا العلم في الجامعة المغربية من خلال تدريسه للغة العبرية، وتطعيم الدرس بمقارنات لغوية وحضارية وتاريخية وأدبية. وما لبث أن أفضى هذا الاهتمام باللغات الشرقية إلى اقتراحه وحدة دكتوراه تهتم مكوناتها العلمية بالآداب واللغات الشرقية: الإبداع واللغات. هذا بالإضافة إلى إسهامه المتميز في إطار وحدة المناظرات الإسلامية بدرس معمق في علوم التوراة والتلمود والفكر اليهودي. وفي تسعينيات القرن الماضي رأت النور الجمعية المغربية للدراسات الشرقية، والتف حولها باحثون متخصصون في اللغات الشرقية وأنا واحد منهم، كان الجمع يلتئم على الأقل مرة واحدة في السنة بمراكش ضمن موائد مستديرة، وتمخضت عنها العشرات من المنشورات التي أغنت المكتبة المغربية والعربية بمواضيع تتسم بالكثير من الجدة والعمق.  وليس صدفة أن يكون أعضاء الجمعية، ولاسيما المتخصصين في اللغة العبرية، هم الأكثر انخراطا في علم مقارنة الأديان أمثال الدكتور عبد العزيز شهبار والدكتور ادريس اعبيزة والدكتور عبد الكريم بوفرة والدكتور عبد الرحيم حماد والدكتورة سعدية منتصر والدكتور مولاي المامون لمريني وغيرهم. فاللغة العبرية هي إحدى المداخل الأساسية نحو هذا العلم. كما وجد علم مقارنة الأديان طريقه إلى الجامعة المغربية على يد نخبة من الباحثين الوافدين إليه من الدراسات الإسلامية، والذين كان لهم الفضل في التعريف به عن طريق المناظرات الدينية أو الحوار أو ما شابه ذلك.  تقتضي الموضوعية أن نشير إلى الدكتور محمد أمين السماعيلي والدكتور مصطفى بوهندي والدكتور سعيد شبار. هؤلاء جميعا، وبصرف النظر عن مواقفهم الفكرية المتباينة، كان لهم دور مهم في تأسيس هذا العلم، وفي تطويره، ولا يزالون يكونون أجيالا من الطلبة.

في السنوات الأخيرة تأكد هذا الاتجاه نحو الأديان بشكل واضح في ثلاث مؤسسات جامعية مختلفة: كلية أصول الدين بتطوان ودار الحديث الحسنية التي تم فيها إحداث بضعة وحدات لتدريس علم مقارنة الأديان واللغة العبرية وماستر الدراسات الإسلامية بجامعة الأخوين.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: أنتم الآن تشغلون مدير ماستر اللغات والحضارات الشرقية ومقارنة الأديان ، هل له علاقة بماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان؟  

الدكتور سعيد كفايتي: بعد أن أسهمنا بمعية مجموعة من الأساتذة في تخرج سبعة أفواج كاملة، وبعد إصلاح 2014 كان من الضروري التفكير في إنشاء ماستر جديد يمد مركز دراسات الدكتوراه بباحثين جدد، ويكون بالنسبة إلينا مناسبة لاستكمال المسيرة التي بدأنا أولى خطواتها منذ 2007 لاسيما وأن الماستر الجديد تأسس في سياق دستور 2011 . فهذا الماستر يستلهم قلبا وقالبا روح الدستور الجديد للمملكة المغربية الذي ركز في ديباجته على التنوع الذي يطبع الثقافة المغربية بمكوناتها المختلفة، وروافدها المتعددة. كما أن اختيار هذه التكوينات بعينها كان من أجل خدمة هدف واحد ألا وهو الإسهام في تأسيس علم مقارنة الأديان (أو تاريخ الأديان أو علم الأديان). هذا العلم الذي يتميز بحاجته إلى حقول معرفية مختلفة من تاريخ (خاصة تاريخ الحضارات الشرقية) وفلسفة للدين وحوار للثقافات والأديان ونقد للكتاب المقدس وفيلولوجيا ولغة عبرية...

فأنا أومن أن الطريق نحو التعايش بين الأديان يمر عبر معرفة هذه الأديان نفسها. وأي حديث عن الحوار أو ما شابه ذلك لا يستحضر هذا المعطى فهو مجرد كلام فارغ. والمؤسف أن هذا الجهل غير المقصود الناتج عن عدم وجود تكوينات علمية في هذا المجال هو الذي يجعل حديثنا عن الأديان في الكتب المدرسية وغيرها مغلفا بكثير من المغالطات.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: لنعد إلى ما سميته في عدة مناسبات بوجود مدرسة مغربية في علم مقارنة الأديان هي الآن في طور التشكل. هل يمكن أن تفصل الحديث قليلا حول هذا الموضوع؟

الدكتور سعيد كفايتي: ليس في نيتي التقليل من الجهود التي تُبذل في جامعات مغربية مختلفة بإشراف أساتذة أكفاء، فنحن جميعا نتعاون من أجل تطوير علم مقارنة الأديان في المغرب. غير أني أسمح لنفسي أن أنوه ضمن فريق البحث في علم مقارنة الأديان التابع لمختبر الخطاب والإبداع والمجتمع بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بأعضاء الفريق والمتعاونين معه. فقد تم تحقيق عدة إنجازات في وقت قياسي وبإمكانيات تكاد أن تكون منعدمة. على مستوى النشر صدرت عدة مؤلفات: الرؤية الميثولوجية لعقيدة التثليث المسيحية للباحث منير تمودن، وصورة المرأة اليهودية بين الشريعة والواقع للباحث جمال صوالحين، نقد التوراة: رؤية من الداخل للدكتورة كريمة نور عيساوي، ومناهج نقد العهد القديم عند الغرب للباحثة أسماء وردي، و"قصة يوسف بين التوراة والقرآن الكريم: "الخصائص الفنية" للباحثة كريمة كطيبي، وأثر الفكر الإسلامي على فرقة القرائين اليهودية للباحث كمال الدوش، و"قصة الطوفان بين الأسطورة والدين"، دراسة وصفية تحليلية للباحث هشام مباركي. وأفردت مجلة مقاربات التي يُشرف عليها الدكتور جمال بوطيب في شهر يوليوز من السنة الماضية عددا خاصا بعلم مقارنة الأديان تضمن بإشرافي عددا من المداخلات القيمة لأعضاء فريق البحث في علم مقارنة الأديان. وقد أصدرنا كتابين عن "المركز الأكاديمي للأبحاث" ضمن سلسلة أديان مقارنة بتورنتو بكندا: كتاب دراسات في النص الديني المقارن وكتاب البحث عن عزرا كاتب التوراة. ونحن بصدد إعداد مجموعة من الكتب التي ستصدر تباعا في غضون هذه السنة. أما بخصوص الندوات فالفريق نظم الكثير من الندوات الوطنية والدولية والأيام الدراسية. وكان له الفضل في تنظيم أول مؤتمر للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان. وأصبح بعد ذلك تقليدا سنعمل على تطويره مستقبلا. والفريق الآن منكب على تحضير المؤتمر الدولي الثالث للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان، ويتطلع كثيرا إلى أن يجد الدعم المادي الكافي لإنجاحه.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: بعد إطلاقكم لسلسلة أديان مقارنة ما هي مشاريعكم العلمية المستقبلية؟

الدكتور سعيد كفايتي: سنُعلن لأول مرة عن العمل الضخم الذي نحن بصدد الإعداد له ضمن فريق البحث والمتعاونين معه المتمثل في إصدار الجزء الأول من موسوعة متخصصة ومفصلة في الأديان، ستُستهل بالديانة اليهودية لاعتبارات تاريخية محضة، وسيتضمن هذا الجزء أكثر من ثلاث مائة مدخل باللغة العربية ومقابلاته بكل من الفرنسية والإنجليزية والعبرية. وهذا العمل هو في حقيقة الأمر تطوير لتجربة سابقة أشرفت عليها وأصدرتها الكلية التي أنتمي إليها منذ 2011 بعنوان موسوعة الديانات السماوية: الكلمات المفاتيح (اليهودية).

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: لكن ألا ترى بأن هناك مفارقة لافتة للانتباه تتمثل في تخرج العشرات من الباحثين في هذا التخصص. هذا في الوقت الذي لا تبدو في الأفق أية استراتيجية لاستيعابهم على مستوى التشغيل. أما القلة التي تفلح في انتزاع منصب شغل فالغالب أنه لا يناسب تخصصها في علم مقارنة الأديان؟

الدكتور سعيد كفايتي: نشعر أحيانا بالإحباط ونحن نرى خيرة طلبتنا يُدرسون مواد لا علاقة لها بتخصصهم في علم مقارنة الأديان أو في اللغة العبرية. حينما أسسنا الماستر في صيغته الأولى وفي صيغته الثانية كنا نأمل أن يجد طلبتنا مكانهم في الجامعة، وفي الإعلام، وفي بعض الوزارات (وزارة الخارجية، وزارة الداخلية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الوزارة المكلفة بالجالية المغربية بالخارج..) التي تحتاج إلى خبرات في هذا التخصص أسوة بالكثير من دول العالم. نأمل أن يتحقق هذا الأمر في المستقبل. غير أننا نراهن على فتح كليات لعلم مقارنة الأديان أو معاهد للدراسات الشرقية تليقُ بمكانة المغرب باعتباره مدافعا شرسا في المنتديات الدولية عن التعايش بين الأديان وتحالف الحضارات والحوار بين الثقافات والوسطية وغيرها. وليس صدفة أن يرعى المغرب منذ المغفور له الحسن الثاني رحمه الله وحتى الآن مثل هذه القيم. وليس صدفة أن تحتضن مراكش في السنة الماضية،وتحديدا من 25 إلى 27 يناير 2016 الملتقى الدولي حول “الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: "الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة”. إن إحداث كليات لمقارنة الأديان أصبح أمرا مستعجلا سيُلبي، إذا ما تحقق، الحاجة المتزايدة إلى معرفة الأديان الأخرى، وتوظيف هذه المعرفة في مقاومة كل أشكال التطرف، وفي تدبير العلاقات الدولية، وفي إعطاء جدوى لمثل هذه التخصصات.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: أشكركم أستاذي الفاضل على رحابة صدركم، وأترككم لتقدموا كلمة أخيرة لمتتبعيكم.

الدكتور سعيد كفايتي: في البداية أشكرك على هذا الحوار الذي كان فرصة للتعبير عن بعض هواجسنا العلمية. ما أحلم به هو أن تعمد وزارة التعليم العالي بالمغرب إلى إحداث كليات متخصصة في علم مقارنة الأديان تستوعب خريجي علم مقارنة الأديان، وتفتح الباب على مصراعيه لدراسة الأديان سواء السماوية منها أو الوضعية على غرار بعض الدول العربية والغربية. وما هذا بعزيز على مغرب التحديات الكبرى.

 

 

 

في خلفية أنوثة وهشاشة الذات المتصالحة مع مراياها، فضلا عن باقي مكوّنات الطبيعة وهواجس نفض غبار السّرية المضروبة على الكامن عند الآخر بغية فكّ رموزه واقتحام خفيّ عوالم الغواية بشتّى صنوف نبوءاتها، يمكننا قراءة المبدعة الليبية الواعدة ريما المبروك..

وعلى هذا الأساس المغرق في كتابة تخومية مشرعة على احتمالات مغامرة التّموقع في المابين والتدرّج في نقاطه إلى قمم سطوع الفعل الإبداعي عبر جسور اصطدام الواقعي بالمتخيل والوعي بالحلم والممكن بالمستحيل.

تجربة خارج الزمان تُصقل طبقا لمنسوب الاستنساخ غير المكرور للذات، تقترح لدى كل ولادة طقوس احتفالية مغايرة مُؤنسِنة للوجدانيات،  وقد تفوق ذلك إلى مراتب  ودرجات أرقى أحيانا، كي تضعنا في الصورة الميتافيزيقية المشدودة إلى نبض الصحو .

تلك ببساطة أناشيد الحياة في ظلالها المتراقصة لتدفق وانسيابية وتساوق كرنفالين اثنين: شعرية عفوية لا يشوبها تكلّف أو ماكياجات مسوّقة للوهم، ونثرية تربط أنامل جسدنة الخطاب بغيمة طقوس الروح لتؤتي في أدنى حالات العري اللساني المحتشم،  رذاذ الزاد الصوفي ماتحا من كريستالية المنبت وأخلاقية الجذر وحسن الطوية.

ثمّة بضع تجلّيات للبراءة والبساطة المفخّخة بالدّال الدّفين، وهو ما اهتدينا إليه من خلال محاورتنا لهذه القامة الغضّة العاشقة لدروب التغزّل ثرثرة بجاذبية البياض وداء الكتابة ملء فردانية الوجع والهمّ ما تلبث تتوسع وتتمدد وتتعدد لتبتلع الآخر والعالم قفزا على أنقاض تنويم الأنوية كنواة داخلة في تشكيل الملامح الأولية للموقف بصرف النظر عمّا إذا حصلت بلورته لصالح أو ضدّ تيار بحدّ ذاته، كونها تراوح بين الرؤية الأيروتيكية والنشاز المهادن لأنصار التحفّظ على الطابوهات بما هي قمع لسؤال الجرأة كمفتاح لثقافة تحرير الجسد كضرب من تمكين له ومنحة المظلة التي تُشرعن لغات تمجيد تفاصيله دونما وازع للخجل أو الامتناع، دونما تدنيس لمنظومة القيم والأخلاق،  وعلى متن يتيح له، بالتالي، الحيّز الكافي لتفجير ما يتكتّم عليه من إمكانات ومخزون طاقي هائل قادر على صناعة التاريخ والبشر.

أكتفي بهذه التوطئة لأترك لكم مجال الإصغاء إلى صوت أقل ما يمكنني نعته به أنه مخاتل ومرمريّ وطفولي ومتصاد مع ألوان الحياة وجنون البوح:

كإجابة مقتضبة عن باقة أسئلة كنت توجهت به إلى شاعرتنا،  بعيد الإغداق علي بكلمة شكر وامتنان وعرفان بنظير تلك الالتفاتة والاهتمام،  وهي قناعة ووعد قطعته على نفسي،  يتمثل في تكريس العمر لرحلة طويلة سرمدية لاستكشاف معادن الإبداع، على امتداد الخارطة العربية بل وخارجها أيضا، متكبدا مزيج المتعة والإرهاق تبعا لسلوك سندبادي في مباشرة الحفريات المخولة لي اغتنام لآلئ البوح بلغة الضاد، وطنيا وقطريا وعالميا،  آملا التوفّيق والسداد في مسعاي النبيل ومرامي الإنساني الصدوق هذا.

قالت المبدعة الليبية المتألقة ريما المبروك: 

تخونني الذاكرة كلما حاولت القبض على خيوط نظم لعبتي الكلامية الأولى، لحظتي البكر مع أول سطر شعري قفزت أحرفه من حلقي العاشق،  متواجدة باستمرار وهي قابعة في محطّة ماضوية ما، تعزب عليّ العودة إليها وتبيّن ملامحه.. وحتى الآن لا تستهويني التصنيفات ولستُ أميّز إذا ما كان ثمة لما أكتب شجرة عائلة أو انتماء معين.. ذاتي ترتع على الحدود بين أجناس تعبيرية عدة، من غير تصور قبلي و لا تقيد بتصميم مضنك ولا تصنّع ، فقط أترجم أحاسيسي إلى لوحات وفسيفساء من بوح أتطلع لأن تلامس وتهزّ شغاف قلوب معشر القراء، وتلفي صداها الطيب والمقبول لدى النقاد والدارسين..تاريخ ميلاد نصي الأول منسي تماما.

أما فيما يتعلق بجديدي، لحد الآن لست أمتلك مشروعا شعريا جليّ المعالم، وأكتفي بفعل التشذير و الممارسة الومضية التي أطلع بها بين الفينة والأخرى على صفحة "الفيسبوك" خاصتي.

ذلك وأعتبر التجريبية والتجريدية كجناحيْ طائر،  متلازمتان لا غنى عنهما في أيّ من الأنشطة الأدبية والفنية، وعلى بساط المخملية الهامسة أبسط نصوصي المترنّمة بأوجاعي وآمالي وزوايا رؤيتي لذاتي وللغير..أتعرض أحيانا للتعنيف والتجريح مع مطلق تفهّمي لأسبابه،  ولستُ أخفيك أني لفرط رقّتي وحساسيتي الزائدة، أستشعر في ذلك لهجة للقمع وإطلاق الأحكام الجائرة دونما أدنى تبصّر، حتى أنها لتمرّ عليّ جراء اتهامات على ذياك الطراز،  أسابيع أنقطع خلالها عن الكتابة، وأوثر الإنصات إلى أعماقي عسى أحضى بورقة بين قشّ وفير، أحتوي بها المشهد المحرج، وأتزود بها وقود استئناف المسار والعودة إلى أحضان كلمة جديدة وجريئة قد تضيء مكامن الخلل و العتمة في الإنسان والكون.

أنا مؤمنة ولله الحمد،  أعمل جاهدة لإرضاء خالقي،  يدفعني فورا إلى الإشارة والتنويه بهذا المعطى الجوهري،   سؤالك الوجيه حول النزعة الأيروتيكية السائدة .. حقا،  لم يحدث أن انشغلت ولو لمرّة بإملاءات المعيارية وتقييم انتسابي الشذري.. كأي أنثى اختارت فلسفة النأي بالذات عمّا من شأوه زرع الغواية والإغراء بلواء التطاول على الثوابت والمقدس.. 

أصلّي بعشق من يضع فوق آدميته رقابة إلهية مدبرة للمصائر، عادلة ورحيمة وقاهرة في نفس الوقت.. ذلكم الذوبان الروحي هو ما يمدّ جسدي بالحياة .

لا أنتمي إلى " النزارية العظيمة"،  ولا نزوة عابرة بين كلماتي .. نعم،  أنا مريضة وجائعة دائما في سعيي الحثيث لإشباع روحي حباً وامتلاء،  سلطة الروح علي ّ جبّارة تقترح على فسحة بضفتين : اللذاذة والتأمل،  ربما  لجذور التصوّف الضاربة عميقا في السلالة التي أنحدر منها .. ربما تنشئتي الصوفية هي المحرّك الأساس لهذه الأحاسيس اليقظة .

وإذا ما رمنا خيار تبسيط الشعر واختزاله إلى مفهوم ما يغزو الأذهان على نحو سريع، هو  والكتابة والآداب والفنون على اختلافها،  وجدناه يأبى ويكابر ويترفّع عن أن يغتدي مجردّ مادة جامدة صمّاء وصلبة لا روح فيها .

الفنون بأنواعها هي تجربة قلبية وجدانيه عاطفية وأخلاقية كذلك،  مثلما هي طريّة ليّنة متجددة متحولة وتقسيم المحطات الشعرية،  إنما هو عملٌ تقني بدرجة أولى .. لا شيء يبدأ بفلان وينتهي عند فلان .. التجديد عبر فعل الكتابة هو عمل يومي،  فرديّ .

والحقيقة الثابتة تكمن في كون أي كاتب أو شاعر، قد يغيّب ويعطل فيه عامل التجدّد وتطوير الميكانيزمات وكذلك رؤى محاصرة العالم بشتى عناصره وموضوعاته،  آيل للإفلاس الإبداعي بكل ما يحمله التوصيف من معان قدحية للانتحار الرمزي للروح.

من الطبيعي أن يرتكز النص إلى خلفية ثقافية أو معرفية أو أيديولوجية ما . حتى الكتابة العبثيّة  المجّانية  إذا شئنا،  لها  قوالب وجذور في أعماق النفس .

 

احمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي

 

 

حين تبرق النجوم بريقا ملفتا يكون حرفه قد سطع..  يلبسه من زهر اللغة اثواب المجاز والبيان والسحر...يغمسه في ينابيع الدهشة ليرفعه حبات من لؤلؤ على سحاب الابجدية..

تقرأ وراء سطوره الوجدان والعبر فيهبط الفجر ساجدا لمروج آفاقه..

 كريم عبد الله مزق كل اشرعة القوالب الجامدة ..امتطى صهوة الرمزية فروضها...امتشق سيف الغموض فعربد الحرف نشوان بين انامله.

 استاذ كريم ..حضرة الشاعر المتألق شكرا لك .

 

س: يتهم الغرب بانه صدر الى ادبنا موجة الغموض.. هذا والجدل قديم العهد حول الغموض والصراحة.. استاذ كريم هل اضاف الغموض الى ادبنا ام اضعفه؟

 ج: في البدأ علينا ان نعرّف الغموض،فلقد أشارت المعاجم العربية القديمة إلى الغموض من خلال استخداماته اللغوية المختلفة، فيقول صاحب لسان العرب: «ومُغْمِضاتُ الليلِ دَياجِير ظُلَمِه وغَمُضَ يَغْمُضُ غُمُوضاً وفيه غُمُوض... والغامِضُ من الكلام خلافُ الواضح... والغامِضُ من الرجال الفاتِرُ عن الحَمْلة... ويقال للرجل الجيِّدِ الرأْي قد أَغْمَضَ النظر ابن سيده وأَغْمَضَ النظر إِذا أَحْسَنَ النظر أو جاء برأْي جيِّد وأَغْمَضَ في الرأْي أَصابَ ومسأَلة غامِضةٌ فيها نَظر ودِقّةٌ ودارٌ غامِضةٌ إِذا لم تكن على شارع... وحَسَبٌ غامِض غير مشهور ومعنىً غامِضٌ لطِيف»، فالغموض فيه لطف والمسألة الغامضة هي التي تحمل في طياتها النظر والدقة . واستنادا لما ذُكر فإن الغموض في الادب أصبح مطلوبا ومحببا لما له من تأثير في المتلقي ويشحذ ذاكرته ويطلق العنان له في التأويل والتفكير والمشاركة في النصّ . بعد الانفتاح على العالم وتلاقح الحضارات والثقافات والادب دخل الغموض في الادب الى ادبنا علما بان الغموض ليس غريبا ودخيلا على ادبنا العربي، فقد استخدمه بعض الشعراء العرب القدماء في قصائدهم ولكن ليس بهذا الكمّ الموجود الان .إنّ الامم القوية لا تخشى مما يدخل اليها سواء في الثقافات والاداب والفنون، فنحن اليوم نرى الهايكو الياباني دخل الى أغلب الاداب العالمية ونتج عن ذلك هايكو يختصّ بثقافة امة معينة رغم احتفاظه بشكله الياباني، فهذا ليس قصورا في ثقافة واداب هذه الامم . بالتاكيد الغموض اضاف الشيء الكثير الى ادبنا من الناحية الجمالية والفكرية والفنية وحتى هندسة النصّ الحديث وشكل القصيدة . فاصحبت القصيدة اليوم تحمل نَفَساً فلسفيّا وفكريّا تختلف عمّا كانت عليه سابقا وهذا يحسب لها .

 

س: قال الاستاذ جبرا ابراهيم جبرا عن الاتجاه السريالي في بعض دواوين ادونيس :" نزعة الى خلق الصور بحرية تلقائية تقارب السيريالية في اغلب الاحيان هي حرية الموقف الصوفي الذي يتخطى العقل ليمنحنا ما هو ربما اعمق واروع.. هل تتعمد في نصوصك هذا الاسلوب؟

 ج: قبل ان اكتب النصّ على الورق أكتبه في مخيلتي ومن ثمّ ارسمه على الورق، نعم اغلب نصوصي اعتمد فيها هذا الاسلوب وأجد نفسي من خلاله وكذلك أجد المتعة الكبيرة وانا ارسم النصّ القادم من اعماق الحلم الجميل . احاول في نصوصي أن تحمل مسحة من الحلم المتدفق بشفافية عذبة تجعل المتلقي يقف امامها مصدوما ويحاول تفككيها والنفاذ الى اعماقها، فبمجرد وقوف المتلقي عند نصوصي اعتبر هذا مكسبا كبيرا ومنفعة تحسب له وللنصّ، لانه سيكون مشاركا معي في النصّ .

 

س: في ظل متغيرات المحرض الجمالي للقصيدة المعاصرة . ما اهم ملامح النص الحديث وخاصة قصيدة النثر في رأيك؟ وماذا نعني بقصيدة الرؤيا حينما نصف قصيدة النثر؟

 ج: اصبحت اليوم قصيدة النثر تعتمد اعتمادا كليا على اللغة الغريبة المستفزّة والراكزة والمدهشة، لغة بلا ترهّل او زيادة . فهي تتخلى عن الوزن والقافية وكذلك التركيز والايجاز والتوهّج، فهي تعتمد على الايقاع الداخلي للنص وحركة المفردات فيه، لغة تأتي مما وراء الحلم . اليوم احاول ان اكتب ومجموعة من الشعراء القصيدة السردية التعبيرية والتي تعتمد على نقل الاحساس العميق والشعور المتدفق وتكتب بالطريقة الافقية،وهي تجربة جديدة ورائعة وتستحق الالتفات اليها بعد ان وجدت لها صدى عالميا وعربيا من خلال شعراء بدأوا يكتبون بصورة مدهشة ورائعة جدا، مما جعل الاخرين من خارج الوطن العربي يهتمون لهذه التجربة ويتابعونها عن كثب، بعد ان تمكن البعض من هؤلاء الشعراء بنشر قصائدهم (السردية التعبيرية) باللغة الانكليزية وفي مواقع عالميا معروفة . كذلك احاول ان ابعث في نصوصي ايقاعا صوريا متحركا وحسّياً متدفقا .

 أما قصيدة الرؤيا: فإنّ معنى الرؤيا تعني تغيير في نظام الاشياء، وفي طريقة النظر اليها، انه الكشف عن عالم يظلّ محتاجا الى الكشف . الشاعر يكون قلقا متمردا وشعره مركز استقطاب مشكلات كيانية يعانيها في نفسه وحضارته، وهذا سؤال ذكي ومهم ويحتاج الى حديث طويل .

 

س: تختلف الرؤى حول اهمية الشكل والمضمون . فهل هناك علاقة بين الشكل والمضمون او بين المعنى والمبنى؟ وما تحديدا المقصود بالمعنى الفني؟

 الشكل يعني الصورة الخارجية للعمل الفني، اما المضمون فهو الموضوع المعبر عنه . لهذا اختلف النقاد وعلماء الجمال حول هذا الموضوع وكثرة النزاعات فيما بينهم، ورغم مرارة الصراع القديم (الشكل / المضمون) أو (المبنى / المعنى)، إلاَ أنه يبدو أنَ " الظاهرةالثابتة الوحيدة هي التثمين العالي للشكل، والحط ولو نسبياً من الأهمية الفنية للموضوع . الموضوع ايضا متشعب ويحتاج الى حوارات كثيرة بعدما كثر الجدل حوله .

 

س: قال الشاعر اللبناني الياس بو شبكة عن الرمزية في الشعر بانها انتزعت الحس من القلب ووضعته في الدماغ والعين فأصبح مركز الشعر التصوير والتصور لا الشعور والاحساس.. بم يرد استاذنا على هذا القول؟

ج: يبقى الشعر العظيم والحقيقي ما يحقق للمتلقي المتعة والانبهار والدهشة سواءا كان يحمل نزعة حسّية تعتمل في القلب او في الدماغ، صحيح اصبح الشعر الرمزي شعرا يدغدغ فكر المتلقي ويثير لديه الكثير من التساؤلات ويضع الكثير من علامات الاستفهام كلما يتقدم في قراءة النصّ المرمّز، اعتقد ستكون هناك متعة كبيرة عند المتلقي المبدع الذي يكون مشاركا  للشاعر في نصوصه ويغوص فيها يستلهم آيات الجمال

 

حاورته الاستاذة: مهى شاغوري - لبنان

 

الحوار مع عزيز أزغاي، هو اقتناص نادر للحديث العميق والسخي، فهذا الشاعر هائل الكرم، على مستوى كتابته الشعرية وأعماله التشكيلية، قليل الظهور في الملتقيات و الموائد الثقافية، ينأى بنفسه عن الزعيق العام، للاشتغال الهادئ والمتواصل داخل مرسمه، بعيدا عن الأضواء ومتحالف بقوة مع متنه وفنه، الذي خط لنفسه انتباها كاملا داخل الساحة الثقافية المغربية.

عزيز أزغاي هنا ينير لنا تفاصيل صغيرة وهامة عن مشروعه الجمالي، ويفتح لنا زاوية قرب مع تكبير أجزائها، لنكون بمحاذاة تلك المتعالقات الصغيرة والحميمة، التي هي سريرة المنجز الذي خطه بأناة واجتهاد، بعيدا عن الجاهز والمتواضع عليه.  

-  في منظورك ما وظيفة الشاعر اليوم؟

- ربما لا تختلف كثيرا، وفي العمق، عن وظائف كل الفاعلين داخل أي مجتمع وفي أي زمن من الأزمان، شريطة الإيمان المطلق بضرورة الاتقان والميل أكثر إلى مزيد الوضوح.  وأنا أضع كلمة "وضوح" هنا كنقيض لكملة "غموض" بما تعنيه من سلوكات وممارسات وقناعات تحيل على الالتباس والمكر والانتهازية والافتراء.

فيكفي الشاعر أن يقول كلمته وينسحب إلى قضاه شؤونه اليومية الصغيرة. وللكلمة هنا مرادفات ومعان كثيرة. منها الانحياز إلى الجمال في مواجهة القبح، والنبل والكرامة وعزة النفس ضدا على كل أشكال الانبطاح وتسويغ المسخ والأباطيل، ومنها أخيرا وليس آخرا حفر الشاعر عميقا، وبروح فلاح بسيط، في أراضي قصائده، عوض زرعها ببذور الآخرين. بمعنى آخر، يكفي الشاعر أن يكتب عن الأشياء اليومية البسيطة، عن الهامشي والهش وعن المهدد بالزوال، عوض الارتماء في القضايا الكبرى التي فخخها السياسيون الأميون الجشعون بألغامهم الفتاكة القذرة.

يكفيني الاحتفاء بوردة في بستان أو ببحيرة في حديقة أو بسلوك إنساني راق، كي أحبب كل ذلك لأطفالي ولأطفال العالم، إذا ما ترجم نصي إلى لغات العالم الأخرى. ولا يعني ذلك استقالتي من الإدلاء برأيي في الشأن العام. فكم من قضية صغيرة، بسيطة وهامشية كانت سببا في سقوط نظام وقيام آخر على أنقاضه.

أعود لأقول، مرة أخرى، إن وظيفة الشاعر اليوم، كما كانت في الماضي وستكون في المستقبل (إذا كان لهذا العالم من مستقبل)، هي الانتصار لروح الإنسان ولجدواه في بناء عالم تسوده المحبة والتآزر والتآخي والتكامل، عوض الانخراط الحماسي في موجة الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية واسترقاق الشعوب والتطرف والإرهاب، التي باتت لغة عالم هذه الألفية الثالثة. 

-  تزاوج بين الإبداع الشعري والتشكيلي، طال ما وجدتك ترسم داخل القصيدة وتكتب الشعر بالألوان، أيهما يمكن أن نقبض على عزيز أزغاي كاملا فيه، الشعر أم التشكيل؟

- في أكثر من حوار لي كنت - ولا أزال - أصور نفسي مثل شخص ينام فوق سرير يتسع لوسادتين، بحيث يتيح لي هذا الوضع المريح التمدد فوق هذا السرير، بوسادتيه الوتيرتين الناعمتين، بما لا يسبب لي تشنجا في الرقبة أو المكوث على نفس الوضعية المحكومة بالضيق، أثناء النوم وفي الأحلام أيضا. بحيث أستطيع أن أنتقل من وسادة الشعر إلى وسادة التشكيل، وأنا فوق نفس سرير الإبداع بمعناه الواسع. هذا على سبيل المجاز فقط.

والحقيقة أنني بدأت رساما وتشكيليا، بالمعنى الذي تحيل عليه كلمة تشكيل من إعادة تشكيل الأشياء، في حالتي، بطريقة تجريدية جديدة – حسب ما أدعي أو يتهيأ لي على الأقل – قبل أن أجد نفسي، بسبب ضيق ذات اليد، ميالا إلى كتابة الشعر.

لذلك، لا يمكنني أن أفاضل بين هاتين الممارستين الجماليتين. فعلى الرغم من أن لكل منهما لغتها وفلسفتها وروحها وأدواتها التقنية والفنية والجمالية الخاصة بها إلا أنهما، في العمق، تتكاملان، تعضد إحداهما الأخرى، تدعمها وتغني " حكمتها "، بغض النظر - بطبيعة الحال - عن ثنائية " اللغة واللون " الشائعة والبسيطة بل والساذجة أحيانا. كما أن لكل منهما مكانة أثيرة داخل منطقة وعيي الشقي، وهذا هو الأهم في تقديري الخاص.

لذلك، أزعم بأنني أكتب وأرسم، بوعي منظم ومتآزر وبروح " جشعة " وغير قانعة، كما أنني أحاول ألا أضع حدا فاصلا بين هاتين الفعاليتين، حتى حينما يتعلق الأمر بوعيي النظري باشتراطاتهما ومظانهما التاريخية والمعرفية والجمالية والتقنية. أحاول ما أمكن أن أمنح لنفسي حرية محاولة ( أقول مجرد المحاولة ) التجريب في جغرافيتيهما الشاسعتين. وفي نهاية المطاف، لا زلت أعتبر نفسي تلميذا كسولا يطمح جاهدا إلى تجريب حظه في إضافة جملة بسيطة أو لمسة مندهشة إلى كتاب ولوحة آبائنا المؤسسين لروح الجمال في  تاريخ الإنسان. ربما كان حلما رومانسيا.. أوليس بالأحلام نحيا؟!! مجرد سؤال أبيض يجري تحته كثير من الماء. 

 - كيف تتعامل مع النقد؟خاصة أن كتابات كثيرة تراكمت حول منجزك؟

- مثلما تحدثت، قبل قليل، عن وظيفة الشاعر، وعن وظائف باقي مكونات أي شعب أو حضارة أو مجتمع، فللناقد كذلك دوره، الذي لا يقل عن سواه أهمية، في التأسيس لهذا الطموح الذي يحذو الإنسان من أجل التغلب على أعطابه وهواجسه وقلقه الدائم، لكن من زاوية أخرى مختلفة بعض الشيء.

فالناقد، هكذا ببساطة التعريف، سلطة معرفية يسعى من يملكها إلى تقويم الأشياء والحكم عليها وتصويب مقترحها وطموحها، سواء كان أدبيا أو غير أدبي، وهو ما يعني نوعا من الكاريزما، التي قد تضع نفسها، في بعض الأحيان، في مرتبة أعلى، أي في مكانة ذلك الخبير بعلم الأرصاد، الذي يرقب الإرهاصات الجوية القادمة ومحاولة التنبيه إليها، بما يساعد الناس على التحضير لها وتجنب أخطارها. وكما قد يخطئ خبير المناخ أو تكون آراؤه موجهة وتخدم " أجندات " الداعين إلى صلاة الاستسقاء مثلا، قد يخطئ الناقد عن حسن نية وتقدير وقد يصيب، كما قد يكون، وهذا هو الأسوأ، مرتش وقليل المروءة، أو ضعيف النفس ومنعدم الضمير والذوق أو جاهل هش المعرفة.

من هنا وجب الحديث عن أنواع من النقاد وليس ناقدا واحدا. وحتى لا ننعت بالانحياز أو الطهرانية الكاذبة، فإن هذا الأمر ينطبق، بكل تأكيد، عن المشتغلين والناشطين ب وداخل كافة الحقول المعرفية والإبداعية والجمالية بل وفي الحياة العامة أيضا، لا يختلف في ذلك العالم المتقدم عن المتخلف أو الذي ينعت بالسائر في طريق النمو.من هنا وجب التنصيص على هذا التفاوت في الكتابة النقدية، وهو أمر يعكسطبيعة الكائن البشري ويترجم تركيبته الهشة.

أما بخصوص تجربتي المتواضعة البسيطة، فيما يتصل بالنقد، أصدقك القول بأنني، بقدر ما أسعد كثيرا بالتفات أحد النقاد لما أكتب أو أرسم، بقدر ما لا أحزن كثيرا حينما يتم تجاهلي كلية. وأحسب الأمر، من هذه الزاوية، مجرد اختيارات ذاتية تستند على أذواق خاصة وميولات فردية، لا أقل ولا أكثر. من هنا دربت نفسي، بل روضتها،على الاقتناع بهذه الفكرة، مخافة أن أقع فريسة ذلك الإحساس بالإقصاء والتآمر أوالشللية والشيطنة، وكلها أحاسيس مدمرة، بمجرد ما يستسلم لها المرء يجد نفسه خارج نطاقات الثقافة والأدب والإبداع... بمعانيها الإنسانية النبيلة والراقية.

لي قناعة راسخة بأن التاريخ ينصف التجارب الحقيقية والجادة، أو – على الأقل - تزعم الرهان على هذا الأفق، بروح مثابرة، نقية وشفافة، وإن مرت في زمنها مرور " الكيران ".وقد لا أحتاج إلى الاستشهاد ببعض النماذج التي تدعم هذه الحقيقة التاريخية، وهي كثيرة وقاسية للأسف الشديد. 

 - وما هو جديدك الفني؟

- أعود، مرة أخرى، لأذكرك بما قلته قبل قليل. " أكتب وأرسم، بوعي منظم ومتآزر وبروح" جشعة "وغير قانعة ". ولحسن الحظ أن إنتاجنا، نحن معشر الأدباء والفنانين، لا يفسد بسبب التقادم، بل على العكس من ذلك، قد تصبح له، مع مرور السنين، قيمة مضافة تثير فضول " جامعي التحف " والباحثين عن الأشياء النادرة، تماما مثل أي خمرة معتقة.

ولست في حاجة لتذكيرك وتذكير قارئ هذه الدردشة بتلك المفارقة المؤلمة المرتبطة بفن التصوير الصباغي والفن التشكيلي عامة. إذ جرت العادة أن يرتفع سعر الأعمال الفنية بشكل صاروخي بمجرد وفاة أصحابها!!! وقس على ذلك عدد طبعات الأعمال الأدبية أوالأعمال الكاملة التي تنزل إلى الأسواق بمجرد وفاة مؤلفيها. إنه عالم كافكاوي بامتياز. لقد مات السياب وهو يستجدي ثمن الدواء.. وقبله مات فان غوغ وهو يسعى إلى إقناع الناس، بمن فيهم النقاد، بجدية وجدة فنه. وفي  مغربنا مات الفنان عباس صلادي وقيل إنه كان يبيع بعض رسوماته بساحة جامع الفنا، إلى جانب حلقات مروضي الثعابين والقردة وشاربي الماء الساخن والمطربين الشعبيين وقارئات الكف، وبائعي النقانق والحلزون!!!

لهذه الأسباب وغيرها، كرست جزءا كبيرا من حياتي السابقة لأحوز وظيفا يوفر لأسرتي خبزها اليومي ويصون لي كرامتي ويضمن لي متنفسا أمارس فيه حريتي في الكلام والنقد وإبداء الرأي، بعيدا عن ركوب مغامرة الفن والأدب كمصدر وحيد للعيش، وهي مغامرة تسببت لبعض الطاقات الأدبية والفنية الجبارة في خسران أرواحها النبيلة وضياع طاقاتها الإبداعية الخلاقة، في حين حولت البعض الآخر إلى مجرد كائنات زاحفة على بطونها أمام أعتاب مخلوقات سخيفة، راكمت ثرواتها بالغش والتدليس والسرقات، طمعا في أعطياتها المسمومة راضية بصدقاتها المهينة.

هذه، فقط، بعض الخلفيات التي تؤطر نشاطي الإبداعي، إن في الشعر أو في التشكيل. بمعنى آخر، أكتب وأصبغ بوتيرة عادية ومقبولة ودون إحساس بالخوف من المستقبل. خوفي يكبر، فقط، أمام بياض الورق والقماش. ولا ألهث كثيرا وراء نشر قصيدة أو طبع ديوان أو إقامة معرض. نظرة واحدة في عيون زوجتي أطفالي الفرحين والمطمئنين تحولني إلى كائن بأجنحة. وعلى الرغم من ذلك ما زلت أقنع بالقليل القليل من متاع الدنيا، ولا أكره الكثير الكثير الذي يفيض عن احتياجاتي الخاصة. فما أنا، في النهاية، سوى إنسان بسيط، لي هفواتي الخاصة وأخطائي الصغيرة ونقاط ضعفي الهشة، ولي أيضا كذباتي البيضاء والزرقاء والصفراء والموف حتى. وقد قدر لي أن أعيش حياة متقلبة لكنها كانت منتجة، غنية ومفيدة، كما خبرت تجارب قاسية ومريرة، خرجت منها مثل أي جني صغير بسبعة أرواح وبصحة جيدة.

لأجل كل ذلك، وبسببه، أحب الحياة، وأجتهد، ما أمكن، في أن أجعلها تستحق أن تعاش، بالقدر الذي تسمح به محددات " الطول " و" العرض "، ودون تطاول على حريات الآخرين ولا على حقوقهم أو متاعهم الخاص.

 

 

 

 

هنالك ارتباط وثيق الصلة بين التجربة والفن، بل هي حقيقة لايمكن تجاوزها أو نسيانها بالمرة. فالعالم الذي ندركه نحن كبشر ونستكشفه، ذلك ان الفن يكتشف الحياة بمسراتها وأوجاعها وفق تجليها عبر الحواس والانتباه والتجربة المعاشه. ولعل من ابرز وظائف الأدب توظيف حيوات الإنسان وتجاربه. فكثيراً ما نجد الفن في حالة تماس مع واقع التجربة وتجلياتها عبر النزوع الى السرد الذي يتجلى حالة إبداع في أبهى صوره الفنية عند القاص والروائي والناقد الفني محمد علوان جبر، الذي كثيراً ما يقف في سردياته عند محطات الحرب وتداعياتها المجنونة، التي أحرقت ثلاثة أجيال بالكامل. فثيمة الحرب باتت عصب الحياة والبقاء للحاكم بأمر الله في وطن أكلته الذئاب. إذ مازالت موضوعة الحرب وثيمتها الصادمة سمة بارزة على لغة " السرد "، ومنها القصة تحديداً. وبما ان الحاضر هو امتداد حي وطبيعي يستمد نسغه من الماضي المتشظي بأبعاده الإنسانية والمكانية، ومن هذا المنطلق يدخل محمد علوان جبر بوابة " القص " عبر مجموعته الأخيرة " تراتيل العكاز الأخير "، مستلهماً تجربة الهامش في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية. هذا الهامش الذي يحجز المثقف عن متن الحياة والواقع والتاريخ، الذي أكدته الحرب على الوعي الخائب. وحكي حكاية الانتماء المأزوم. وفي عمله الأخير يطفئ  نار الأمل الذي افتقده على الإطلاق ليعلن انطواء زمن البطولة. وتبدو الحرب ضجيج انفجارات تفضي الى زمن اليأس، وليس إلى مستقبل منشود، لهذا يشحن القاص والروائي البطولة والرجولة بمعنى الصمود والامتلاك الذاتي والنفسي والمعيشي. مضى يرتسم في ذهن من يعي أنه ضحية نظام هش وحرب مجنونة لا تتطلب أكثر من القدرة على تجاوزها.

يسرنا ان نلتقيه في حوار عن المشغل السردي وقضايا الحراك الثقافي في المشهد العراقي، مع التقدير له ولكل المبدعين الذين ينتجون الجمال لهذا البلد العظيم.

* ماذا أضافت لك " تراتيل العكاز الأخير" وقد أثارت جدلاً واسعاً وما زالت؟

 - " تراتيل العكاز الأخير" مجموعتي القصصية الأخيرة..هي خلاصة لعنوان  ويافطة كبيرة اسمها " مابعد الحرب " الحرب التي عشت ايامها يوما يوما بل ساعة ساعة.. اجل عزيزي حاولت في هذا الكتاب " وعسى إن أكون قد وفقت  الإجابة على السؤال الكبير والأزلي " مالذي فعلته الحرب بنا؟." كشباب خرجنا توا من تجربة انهيار ماكان يسمى" الجبهة الوطنية " شباب كنا نحمل طموحاتنا الكبيرة ومشاريعنا الفكرية والفنية..اصطدمنا بجدران رعب ودخان حرب لم تترك لنا فرصة لالتقاط الأنفاس.. فكانت القصص تشترك أو تطمح إن تجيب على السؤال الكبير..عن أثار الحرب ، فأنت ترى الحرب موجودة وغير موجودة  في اغلب القصص كخلفية ويافطة كبيرة تجري حولها الاحداث..الاحداث ابطالها المكبلين برعبها وأثارها..فكانت اشبه برواية تطمح الى إن تكون قصصا قصيرة أو قصصا قصيرة تطمح الى إن تكون رواية..ابطالها يعيشون لوثة مابعد الحرب عدا القصة الأولى " حفارو الخنادق " كانت اشبه بالتمهيد للحرب لانها كانت تتحدث عبر حوارية بين الجنود والضباط عن حرب قادمة وسط استغراب مجموعة من الجنود الذين يسخرون ممن يقول إن الحرب ستأتي..أما القصة التي حملت عنوان المجموعة " تراتيل العكاز الاخير" كانت تتحدث عن مجموعة من معاقي حرب فقدوا فيها إطرافهم واستخدموا العكاز أو" الإطراف الصناعية " وكذلك هي قصة " صهيل العربة " تتحدث عن جندي يشم رائحة الماضي حينما كان يسافر في القطار الى الجبهة وكذلك " ضوء ازرق أسفل الوادي" التي تتحدث عن مذكرات جندي إيراني يعثر عليها جندي عراقي بعد انجلاء غبار المعركة ، فيحتفظ به لنفهم فيما بعد وعن طريق المترجم الذي يترجم له مامكتوب في الدفتر .. نفهم من المذكرات إن الانسان هو الانسان أينما وجد والشعوب تتشابه تماما في خوفها ورعبها ورفضها للحرب. المهم إنا اعتز كثيرا بهذا الكتاب القصصي لان اغلب قصصه عشتها وترجمتها على هذه الشاكلة التي نالت استحسان النقاد والقراء. 

* كثيراً ما نجد صورة الحرب تتجلى في أعمالك القصصية والروائية، هل يأتي ذلك عن موقف سياسي، أم لأسطرة الواقع؟

- نعم... الحرب بالنسبة للعراقي واخص هنا " جيلنا " جيل المحنة.. جيل الصراعات السياسية التي كانت مهيمنة تماما على الساحة العراقية.. فكانت الستينات والسبعينات متخمة بالكثير من الحراك السياسي الذي انتهى بهيمنة الدكتاتورية التي أشعلت الحروب.. حربا تلي أخرى ، ولم يدفع الثمن غيرنا.. فقد تم حشر جيلنا في تلك الحروب حرب قاسية ممتلئة بالكثير من المعاناة الإنسانية التي تحفر وتبقى تحفر وتغوص عميقا وهي ترسم أثارها واضحة وسيبقى تأثيرها على أجيالنا.

 * كيف ترى مستقبل القصة القصيرة، وسط طوفان الرواية، وتصدرها المشهد الثقافي؟

- القصة القصيرة فن سردي يقوم على منظومة جمالية خاصة.. لها شروطها الفنية الصعبة جداً..لالشيء إلا لأنها تعمل في المنطقة الهلامية الشفافة التي تفصل الشعر عن النثر.. فأي تمادي في الشعر أو النثر يمكن إن يؤدي بالعمل الى السقوط في دائرة من هاتين الدائرتين " الشعر أو النثر " لكن القاص المتمكن من أدواته يمكنه إن يقيم توازن جمالي والبقاء في حدود تلك المنطقة الهلامية التي تفصل الشعر عن النثر حتى يستطيع إن يقدم لنا وجبة سردية تمتلك مواصفاتها الجمالية والتي تدعى " القصة القصيرة " إذن لأخوف على مستقبل القصة القصيرة رغم هيمنة الرواية كونها تعد وبأمتياز " سيدة الفنون الجمالية ".

 * كيف ترى ازدياد كتاب الرواية في الفترة الأخيرة بصورة لم نشهدها من قبل؟

- كما اسلفنا حينما سمينا الرواية بأنها سيدة الفنون الادبية.. كونها تقوم على تفاصيل الفنون الجمالية بدءا من الشعر والنثر والمسرح والتشكيل والموسيقى والنحت والعلوم.. منظومة تستطيع ان تستوعب كل هذه الحيوات الجمالية، ولقد مر الوطن بأقسى المراحل، مراحل الكبت الثقافي والرقيب المخابراتي الذي يتغلغل في أدق تفاصيل الكاتب بدءا من تأويل مايكتب ومراقبة مايكتب ويصرح سواء في المقهى او على صفحات الجرائد الورقية المحدودة.. هذا الكبت فضلا عن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الصعبة التي مر بها مجتمعنا بدءا من الحروب وإنتهاءا بالحروب ، مرورا بفترات الحصار الصعبة ، كل هذا تحول الى مادة خصبة للكتابة ، خاصة بعد الانهيار الكبير للدكتاتورية وانفتاح هائل لم يشهده إي بلد في العالم ,, فلا رقيب سياسي او فني يقف حائلا إمام الكتابة الروائية التي استسهلها البعض.. متمثلة بسهولة النشر.. فيمكن ان يكتب أي شخص..أي شيء حتى إذا كان هراءا ويقدمه الى الناشر الذي لايكلف نفسه عناء قراءة المادة المقدمة اليه.. فدور النشر او " دكاكين النشر " إذا صحت التسمية تنشر أي شيء مادامت تقبض من الكاتب ثمن الكتاب.. لكني اثق كثيرا في اغلب الروائيين العراقيين او على الأصح " بعضهم " في تقديم نصوص روائية ترقى الى مصاف الرواية العالمية..اذن هذه الكثرة يمكن ان نعدها ظاهرة صحية يمكن ان تنعكس ايجابيا على مسيرة السرد العراقي  وماحدث في العام الماضي حينما نالت رواية " سعداوي " جائزة البوكر ووصول ثلاثة او ربع من كتاب الرواية القوائم القصيرة والطويلة من الجائزة ، كل هذا هو حراك يؤدي الى تحقيق الكثير على صعيد الانتشار. 

- إلى أين تتجه الرواية العراقية اليوم؟

- نحو العالمية..فالرواية العراقية تشق الطريق بقوة نحو التتويج والرواج العربي والعالمي، وهناك أمثلة كثيرة، فاغلب كتاب المهجر استطاعوا إن يحققوا الكثير للرواية العراقية كنجم والي وعلي بدر وحميد العقابي وصموئيل شمعون وحسين الموزاني وعبد الله صخي ولؤي عبد الإله وسلام إبراهيم.. من جانب فضلا عن كتاب الداخل  وما حدث كما اشرنا الى وصول رواية " سعداوي " الى الجائزة الأولى في مسابقة البوكر ومحاولات كثيرة أنتجت لنا روايات مهمة استطاعت إن تشكل علامة مميزة في مسيرة السردية العراقية ولااريد هنا إن اذكر أسماء لأنهم كثر وأخاف إن أنسى أحدا ولكن هناك انجازات مهمة تحققت على يد روائيين عراقيين حفروا اسمهم في صخر السردية كخضير فليح الزيدي في رائعته " فندق كويستيان " وحميد الربيعي واسعد اللامي وسعد محمد رحيم وغيرهم الكثير.

* هل هناك قنوات تواصل بينك وبين أدباء العراق في الخارج؟

 - بالتأكيد... عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، فانا على اتصال مع الكثير من الأصدقاء ، اتصال شبه يومي بالشاعروالمترجم والناقد حسين عجه  ولؤي عبد الإله وحسين الموزاني ومؤيد الراوي وصموئيل شمعون والقامة القصصية الكبيرة معلمي جمعة اللامي وهناك الكثير الكثير اعتذر إذا نسيت بعضهم.

* ماذا عن الجوائز التي تمنح، وهل تعتبر مؤشرا حقيقيا إلى وجود حركة أبداعية؟

- هناك الكثير من اللغط الذي يثار دائما حول الجوائز. عن حياديتها..عن موضوعيتها..عن دقتها في اختيار الكتب التي تفوز وهذا ينسحب على اغلب الفنون لكن أهمها هي الجوائز التي تمنح للرواية والقصة القصيرة.. تبقى مسألة المعايير التي تعتمد في تأشير رواية ما من بين عشرات الروايات لتعد هي الفائزة بالجائزة الأولى، مع يقين اللجان أحيانا في أحقية روايات أخرى لكنها تهمل لهنات بسيطة لكنها تعد كبيرة  في نظر لجان التحكيم  وتتلخص هذه " الهنات " الاقتراب من بعيد أو قريب من التابوات الثلاث " الدين والجنس والسياسة " كأن يرد مشهد فاضح هناك ضرورة له لأنه يكمل مايريد إن يوصله الكاتب..أو موقف من الدين أو السياسة لتوضيح شأن مهم يراه الكاتب مكملا ضروريا.. تبقى اغلب اللجان إن لم اقل كلها محكومة بهذه المعايير..حتى" جائزة نوبل " التي تمنح سنويا لمجمل إعمال كاتب ما.. فإنها تأخذ بنظر الاعتبار موقف الكاتب من قضية ما أو انحيازه لهذا الحدث أو ذاك.. وكذلك بالنسبة لجوائز " الغونكور " و" البوكر " العربية. فالجوائز رغم مالها وماعليها فإنها تعد مصدرا مهما من مصادر الترويج لكاتب ما.

* تكتب الرواية والقصة القصيرة، أيهما أقرب أليك؟

- اجد ان القصة القصيرة تمثل بيتي وحبيبتي التي لااستطيع منها فكاكا، رغم تلذذي الكبير في كتابة الرواية، الرواية تمنحني الكثير من الحرية والتوسع واستخدام الأساليب التي أراها تتناسب مع مااريد إن أقوله.. لكني اجد إن القصة القصيرة تشبه مقطع حياتي بكل مافيه.. فإذا اعتبرنا القصة القصيرة مقطع نهري يحتوي موجودات الحياة حول النهر،ضفتيه.. الجرف والزوارق... هذا هو المقطع للنهر يمثل القصة القصيرة إما الرواية فهي متابعة النهر من المنبع الى المصب.. ولك ان تقارن الفارق مابين القصة القصيرة والرواية.. فلكل منهما سحرها وجمالها شروطها اعيدها عليك..أحب القصة القصيرة كثيرا لكني أتلذذ في كتابة الرواية رغم الصعوبة التي يواجهها من يكتب الرواية.

* للمرأة دوراً حيوياً في حياة الكاتب، فماذا عن المرأة في حياتك؟

- تمتلك المرأة أهمية كبيرة في حياة المجتمعات الإنسانية. فهي الحياة والجمال والروح التي تنبض.. مكملا أول للحياة.. حارسة حقول المعرفة واللون والحب   فلا يمكن للحياة إن تستقيم دون وجودها.. عمقها فهي الحل للكثير من أسئلة الوجود.. وفي الكتابة الابداعية نجد إن النصوص التي لايعطي فيها الكاتب أهمية للمرأة تبقى نصوصا قاصرة ولا تمتلك مقومات.. فهي حياة بقطب واحد يمكن إن تتحول ثيمتها الى دوران في مسالك متداخلة يحس القارئ النقص فيها سريعا.. واعتقد إن الكاتب مهما حاول إن يغفل دور المرأة في القصة أو الرواية سيجد نفسه منساقا الى محرابها وحضورها المفروض عليه.. فهي كامنة في المعنى واللامعنى في وعينا ولاوعينا..لاتكتمل دورة الحياة دونها.. قطب العالم الأخر دونه لاتكتمل ثيمات قصصنا ورواياتنا وقصائدنا. هكذا هي دورة الحياة الطبيعية.. صعود اقطاب الحياة ومكملاتها الرجل والمرأة. كذلك يعد الأمر قاصرا في إعمال الكتابة النسائية أو مايسمى الأدب النسوي إذا لم يتم طرح الرجل أو عدة رجال في الثيمة القصصية أو الروائية.. ونحن ككتاب ندين للمرأة منحها السعة والعمق فيما نكتب.  

 

حاوره: عبدالرضا غالي الخياط

 

 

حينما نشرع في الحديث عن تجربة القصة العراقية المعاصرة، ينبغي علينا أولاً ان نقف بإجلال إمام تجارب الشباب الذين مارسوا فن القص بعد العام 2003، ومهاراتهم المتميزة بالإبداع، سواءً في العطاء أو في البناء الفني، أو حتى في التجارب والحيوات الإنسانية التي قدموها في مجمل أعمالهم التي اقتربت من روح الواقع وهامش الحياة، فقد اكتسبت حالة من الفرادة والتنوع المغايرعما شهدته القصة العراقية من تجارب سابقة، حيث ان لكل واحد منهم أسلوبه المقترن بأسمه. وفي مجموعته القصصية " إشارات لزمن ضائع " نجد " كامل التميمي" منشغل بهموم إنسانية واسعة حاول جهد إمكانه تقديمها بلغة متينة وحوار ثري مختزل، وبمستوى فني عالٍ، يرتقي إلى الوعي النقدي، ويمد تجربته في التجريب والمغامرة القصصية، ليقدم لنا مجموعته الأولى " الخطيئة المتشظية " عام 2004، والثانية " إشارته الضائعة " عام 2015، بشكل متوالي وبنفس الحدة والأسلوب مع التركيز والاهتمام بموضوعة الفكرة من دون التخلي عن جماليات المتعة، بالإضافة إلى مشاركته في المجموعة القصصية المشتركة " هزيز الفجر " والتي جمعت بين دفتيها تجارب لأثنين وعشرين كاتباً وكاتبة. ففي نصوصه نلتمس افقأ يضيء جوانب خفية عن حيوات إنسانية سحقتها طاحونة الحروب التي ما انفكت عن التوقف من الدوران بعد ما أحرقت الأخضر واليابس، فضلاً عن سنوات الحصار وتداعياتها وما أفرزت لاحقاً من واقع مرير تكلل بالاحتلال الأمريكي الذي اخل بالبنية التحتية ونسيج المجتمع بشكل مدمر مما جعل المرء في حيرة من أمره انعكس ذلك كله على طبيعة سلوكه العام. حيث نجد الأدب ومنه فن السرد يعكس ذلك في مرآته بشكل جليّ.

وفي هذا الحوار لنا وقفه مع الكاتب والقاص كامل التميمي حول مسارات تجربته السردية .          

* ما الذي يميز جيل ما بعد العام 2003، عن الأجيال السابقة، وما الجديد الذي أضافته الأجيال الشابة للسردية العراقية ؟

- إما الشق الأول من سؤالك، فلا أعتقد هناك حدود فاصلة بمعنى النقلة أو الطفرة التي تخلق انعطافه تاريخية في السرد العراقي بما يجعله يجتاز محيطه المحلّي والإقليمي لينطلق نحو العالمية بقوة الارتكاز على البنية التي ينطلق منها مؤسسا هوية خاصة به، إنما هناك بعض السمات السياقية النصية التي كانت مسلمة وقوالبا جاهزة تابعة للتابوهات السياسية التي يرزح تحت نمطيتها الكاتب التي تجعله فردا متوحدا مع عالمه الذاتي، هذا التسلسل النمطي ما عاد الآن صالحا ما بعد2003  لقد تجاوز السرد الذاتية منطلقا نحو خلق ديناميكا فاعلا مع حيز وجوده الموضوعي جاعلا من الحيّوية السردية آلة لتصوير الواقع، في الوقت الذي تعكسه لا تظهره غير صورة كاشفة عن مفارقاته وتناقضاته ومحددات نظامه. وفيما يخص الشق الثاني من السؤال أعتقد هناك صعوبة في التميز بشكل جلي إذ مازال رواد السرد العراقي متداخلين في ما يظهر من نتاجات سردية في الساحة سواء كانوا شبابا أو روادا الجميع يظهر براعته في أغناء السرد. وما يحسب للسرد العراقي ما بعد العام 2003 فهذا يتضمن  المزيج دون الفصل .

*على ما يبدو لنا انك تخوض في غمار الزمن، محاولاً الخروج منه والقبض عليه؛ هل قيض لك القبض على الزمن من خلال " إشارات لزمن ضائع " وخاصة في قصة " بسمة " التي وردت في المجموعة ؟

- مجموعة إشارات لزمن ضائع التي صدرت أخيرا جاءت محاولة لأرشفة حقب تاريخيّة عبر دلالتها وإشارتها الظاهرية والخفيّة، فكانت لكل قصة أو أكثر تعني مرحلة تاريخية بدأت من الثمانينات مرورا بالحصار حتى مرحلة ما بعد  2003والتي ضمت قصصا  اجتماعية تحاكي طبيعة العلاقات الأسرية وأخرى رمزية أما قصة " بسمة " التي أظهرت معانات الإنسان الذي كان محبا للحياة ورحلة هذا الإنسان العراقي خلال الحرب العراقية - الإيرانية وما رافق هذه الرغبة من تضاد قاهر ومضاد لكل جمال ورغبة  انطوت عليها روحه. يبقى الزمن الذي عاشته شخصية قصة "بسمة ". هو زمن مراوغ عصّيٌّ على الترويض والقبض إذ الشخصية في القصة التي فضلت الخروج من الزمن لم تكن نهاية مساوية بقدر ما إشارة إلى إشكالية الحلم وصعوبة القبض عليه وسط الدمار الشامل والتخريب الإنساني الممنهج إزاء الفرد العراقي.

* كيف تم انتقاء شخصيات مجموعتك الثانية، وكيف كانت ردود الفعل من قبل النقاد والقراء ؟

- ما يخص انتقاء الشخصيات التي وردت في مجموعة " إشارات لزمن ضائع  "متنوعة بين المرأة ومعاناتها، المراهقة وضياع الفرد وسط التفكك الأسري، الشخصيات المأزومة من ضغط  ذاكرة الحروب / الشخصية ذات الدلالة الفكرية في سلوكياتها / وهكذا كان لكل قصة شخصية التي تنسجم مع طبيعة المخطط الخاص والعام للمجموعة. تناول المجموعة كل من الناقد السوري عوض الأحمدي وبشير حاجم وداود سلمان وخضرعواد الخزاعي ويوسف عبود. جاءت معظم القراءات بشكل عام دون التفصيل بمعنى. فقد ركزت على التجربة أكثر من أي تفصيلات تخص الشخصية والجوانب الفنية الأخرى.

* ما التقنيات التي اعتمدها في معالجة شخصيات نصوصك المتخمة بالآلام والأوجاع ؟

- حاولت ما استطعت إليه سبيلاً أن أحقق تساوقا وانسجاما بين عناصر القصة وأصل إلى الهدف المرجو من الكتابة السردية في المتعة والفائدة معاً، وإنْ كنت منحازا للفكرة قليلاً. حيث اقتربت كثيرا من الذين تمردت حيرتهم على ذاتهم وتسيّد شكهم على يقينهم، ليبقى زمنهم متسيدا على عرش ذاكرة مقعدة بالأوجاع. وذلك من خلال رسم الحدث وتداعياته على الشخصيات بشكل مكثف يقترب من الاختزال وروح الفكرة . 

* ما هي ابرز ملامح القصة القصيرة العراقية اليوم ؟

- القصة القصيرة هي من الفنون الرشيقة والذكية التي تستطيع مجارات الواقع وتحولاته الدراماتيكية بكل فطنة وخفة معبرة عن أزمة الإنسان المعاصر بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والنفسية، بعد الثورة المعلوماتية المتمثلة بشبكة الإنترنت والانفتاح على العالم الخارجي والداخلي والاحتكاك مع مختلف البلدان إتاحة هذه الفرصة للقصة القصيرة والكاتب العراقي من التفاعل والتلاقح لتبرز ملامح القصة العراقية بشكلها ومضمونها الفني وبنائها   وخصائصها ظاهرة محدد لجنسها إذا استبعدنا بعض المحاولات الطامحة للتجريب والتخريب والدخول في التداخل وإضاعة الحدود وبتالي اختلاط الظواهر وصعوبة دراستها.

* كيف تنظر إلى واقع القصة القصيرة؛ كجنس أدبي في راهن التحولات الدراماتيكية وما المستقبل الذي ينتظرها ؟

- القصة القصيرة تبقى هي الأداة الأقوى والأجدر لمقاومة أي تحولات وانتقالات في دراماتيكية الواقع ولا عجيب أن قلت إن المستقبل بتحولاته السريعة  في كل شيء حتى تكاد أن يومك لايسمح لك أن تتلاعب فيه كيفما تشاء بل يفرض عليك الكثير من القيود فيما يخص شحة الوقت ومن بين هذا المشهد أتوقع أنها لها الغلبة كما للقصة القصيرة جدا كجنس أدبي سطوة هي الأخرى . 

* صدرت للرابطة " هزيز الفجر " مجموعة قصص قصيرة جداً في كتاب واحد؛ جمع اثنين وعشرين كاتبا وكاتبة، ما القاسم المشترك الذي يجمعكم، وما الذي يميزها عن التجارب السابقة ؟

- هناك جانب سميائي مشترك بين أغلب الكتاب المشتركين على مستوى المقربات السماتية  كما ذكرها المنظر الناقد إسماعيل إبراهيم في دراسته للنصوص الواردة في منجز الرابطة العربية للآداب والثقافة / فرع بغداد الموسوم " هزيز الفجر " واقصد هنا الجانب الفني أما الجانب القيمي فتضمن تمحور حول استحضار شخصية المثقف المغيبة والشخصية التي تشير إلى المجتمع المقهور والوضع السياسي والاجتماعي وهذا ينسحب على حقول كثيرة في ميادين حياة المجتمع العراقي، ما يميز هذا العمل برأيي هو قدرة مخيلة الذين شاركوا في مواكبة الحدث واستطاعت نقله إلى مستويات الوعي الإدراكي في مرحلة من مراحل الجدل التاريخي الذي رافق التطور الحياتي للمجتمع العراقي.

* بصفتك رئيس " الرابطة العربية للثقافة والآداب " ما الهدف من وجودها في فضاء المشهد الثقافي العراقي - العربي، وما المعاير التي تشترطها الرابطة للانضمام إليها ؟

- انا مسؤول الرابطة العربية للآداب والثقافة / فرع بغداد والأستاذ محمد الحافظ هو رئيس الرابطة العربية للآداب والثقافة التي مقرها في محافظة ذي قار ولها فروع داخل العراق وخارجه لاسيما مصر وفلسطين وتونس والجزائر والمغرب. الرابطة العربية للآداب والثقافة جاءت كرافد وليس بديلا عن أي مؤسسة أدبية وثقافية وهذا يعني أن الواقع وتحولاته وما شهدته الساحة العراقية والعربية هي من فرضت علينا أن نكون إحدى الروافد لاستيعاب هكذا حركة ونشاط إبداعي. فيما يخص الشروط فهي بسيطة جدا تتضمن الآتي : سيرة ذاتية للمتقدم / ثلاثة أعمال حسب اختصاصه تكون منشورة في جريدة أو مجلة / صورة شخصية ترسل عبر الماسنجر التابع لحساب محمد الحافظ أو كامل التميمي .

 

حاوره: عبد الرضا غالي الخياط

 

 

هو شاعر مغربي خط لقصيدته مسارا فريدا ومتميزا، وسط جغرافيا قصيدة النثر، التي عمل على تطويع جماليات جديدة داخلها، والرقي بدرجة لمعانها، ما جعله أحد المحسوبين على المساهمين الأساسيين في الحساسية الجديدة في القصيدة المعاصرة. حسن بولهويشات شاعر غير مهادن، يكسر الأنساق، ويهدم البنى التحتية المتواضع عليها، ليستثمر حطام الهامش في صياغة مقولته الشعرية، التي لاقت إقبالا وانتباها نقديا محمودا وغير مشوش عليه، في ظرف وجيز رغم عودته إلى الساحة الثقافية بعد انقطاع يربو عن عقد من الزمن، إلى أنها عودة لم يفقد معها حماس البدايات ولا تألقه السابق.

في هذا الحوار يحدثنا عن وظيفة الشاعر وسط عالم لا شعر فيه، عن رؤيته للساحة الثقافية، ويطلعنا عن جانب أساسي من اشتغاله الذي خلف ويخلف منجز شعري زاخر ينتظر أكثر من دراسة.

 

كبداية لهذا الحوار، ما فاتحة النص الذي ورّطك في عالم الكتابة؟ خبرنا قليلا عن البدايات؟

- الحياة وليس غيرها هي النص الحقيقي للولوج إلى الكتابة، إن كان ثمّة باب ومدخل للكتابة. حياتي السابقة لم تكن سعيدة بالمرة. وطفولتي لم تكن بالشكل والمسار الجميل الذي أتمناه لأي طفلٍ في العالم. كبرتُ بلا هدايا وبلا أعياد ميلاد في حيّ هامشي مكتظ بالجريمة. وتحت سقف بيتٍ بلا كهرباء ولا ماء وبلا قنوات الصرف حتّى. أنام في مطبخ البيت مثل قطّ لاجئ وأفكّر أنّ الحياة جميلة في مكان ما. قضيتُ الأصياف متنقلاً بين أكثر من ورشة بناء وبين أكثر من قسوة. أحمل أكياس الاسمنت والرمل على ظهري الطرية وأحصي شرور الانسان في عالمٍ شبيه بلعبة قمار يديرها أحدهم بأصابع خبيثة. ولا دخلَ لله في هذه المسألة، لكن هناك دوماً من يرفع أنفه إلى السماء مثل خنزير ويشتم الله بلا حسابٍ .

تفوّقت في دراستي وفي توفير مصروف الجيب، بالتوازي مع تفوقي، بميزة مشرفة جداً، في مراكمة ما يكفي من الألم وخدوشٍ في الأصابع لكتابة الشعر في سنّ مبكّرة. هل أنقذتني كتابات جبران الحالمة وقصائد الشّابي الرومانسية من التلاشي وفتحتْ مسارب الضوء في حياتي لدرجة كان ينتابني احساسٌ أنّ هناك من ينتظرني خلف الباب بعلبة الشوكولاته في اليد؟ وهل أفادتني روحانيات ابن الفارض و”لزوميات” المعري، ونضجتُ على نارٍ سريعة بدل نارٍ هادئة كما يقول كثيرون؟ وهل تلألأت دمعات مطرٍ خفيفة في محاجري وداخت الأرض تحت أقدامي، وأنا أصغي لموّال الجدات المتساقط من أعلى الهضبة وجنب الوادي حدّ أن الغنائية توّفرت بسخاءٍ في قصائدي الأولى؟ لا أعرف الاجابة. فهناك أكثر من نصّ مقروء ومسموع. وتبقى الحياة بتلاوينها وتجاربها هي النص الحقيقي والمتن الذي لا يعلو فوقه متنٌ الذي ورّطني في الشعر.

 

ماذا عن طقوسك الكتابية ؟

- ليست لديّ طقوس محدّدة ونهائية بخصوص الكتابة. أكتب في ساعةٍ متأخرة من الليل كما أفعل الآن، مثلما أكتب في المقهى وسط الضجيج ويسرّني أن أشبّه نفسي بالشاعر محمد خير الدين في هذه النقطة. فضلاً على أنّني أحبّ ليالي الشتاء الطويلة وأجدها مناسبة لتركيبتي النفسية وللدخول في نزالٍ مفتوح مع القصيدة. وبالمقابل أتضايق من فصل الصيف ومن الحرارة ومن رائحة الآباط في الأماكن العمومية المغلقة، فأشعر أنّ الهواء يصل إلى صدري على متن جرّار ثقيل، وينتابني احساسٌ عارم بالظلم والتيه ولا أفعل أيّ شيء.

والكتابة عموماً مرضٌ عضال أتعايش معه حسب تقلب المناخ والمزاج. مرّة أستلقي على ظهري ومرّة على جانبي الأيسر. المهم أن يصل الهواء إلى صدري وتخرج القصيدة خفيفة بلا مغصّ في المخيلة.

 

في منظورك ما وظيفة الشاعر اليوم؟

- تتغير وتتباين هذه الوظيفة من شاعرٍ لآخر، كلٌ حسب منظوره الشخصي للشعر ورؤيته للحياة والعالم والأشياء. ونكاد نتّفق جميعاً أنّ وظيفة الشاعر تتمثّل في الانتصار للجمال وللقيّم النبيلة وتقديم حلول وجدانية كما هو الحال مع العلوم الحقة التي تقدّم حلولا تجريبية. لكن هذا لا يكفي، لابدّ للشاعر أن ينحاز لهموم الشعب ولقضايا الانسان الكبرى خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد فيها المنطقة العربية، شمال افريقيا والشرق الأوسط بالتحديد، منعطفا ايجابياً وارتفاعا في سومة الاحتجاجات الشعبية من أجل الحرية والكرامة.وغير مقبول من الشاعر أن يتقوقع على نفسه وفي قصيدته، ويكتب عن العطر الفوّاح ويشحذ لغته في وصف تضاريس صاحبة العطر بمبرّر الفن من أجل الفن.

أكيدٌ، أنّ وظيفة الشاعر ليست رسمية. ولا بدّ له أن يأخذ مسافة محترمة من السلطة، وأن ينأى بنفسه عن التدجين. أعرف الكثير من الأسماء جاءت إلى القصيدة بأضلاعٍ مكتملة وبلا عثرات البداية، وكسبت احترامَ وإعجاب قرّاء الشعر، غير أنها تورّطت في الشأن العام، حيث هناك من استوزر لفترة طويلة. وهناك من تقلّد مناصب مهمة أو دخل ديوان الوزارة ومكثَ فيه مثل قطّ البيت ولم يخرج. نترفّع هنا عن ذكر الأسماء، لكنه كرمٌ كثير أن نسمّي ما يكتبه هؤلاء الآن شعراً. برسيماً وشعيراً ممكن. أقصد عندما تتغير القناعات وتتلّون المبادئ تخبو جمرة الشعر وتتكلّس اللغة، ولا أحد سيقرأ لك عزيزي الشاعر.

 

انقطعت لفترة طويلة عن النشر، لكنك رجعت بقوة وأرسيت لتجربتك أفقا لاقى انتباها نقديا كاملا، أيمكن أن نتساءل عن أسباب هذا الانقطاع الذي يشاركك فيه كتاب مغاربة كثر؟

- العالم قاسٍ يا صديقي. ويصعب تحمّله طوال مراحل العمر بنفس المزاج وبنفس الأعصاب. أنا شخص مزاجي ومتقلب بمقياس الزاوية المستقيمة. وحياتي كانت دوماً، وما تزال، مثل إبرة الميزان، مرّة على اليمين ومرّة على اليسار. وفي تشبيه آخر مثل عكّاز أعمى، مرّة في النجاسة ومرة في الطهر. لكنّني نظيفٌ وأنفاسي عطرة وبإمكانك أن تقترب مني وتعانقني من دون أن تتأفف. أعني قناعاتي الشخصية ومبادئي التي أحرص عليها أكثر من أيّ شيء آخر. ولايهم أن يتلاعب شيطانٌ خبيث بحياتي. ويسرّني أن يكون شيطان الشعر هو من يتحكم في هذا المركب السكران.

 نعم، عدد الذين تسرّب اليهم يأس فظيع وتوقفوا عن الكتابة الشعرية من جيل التسعينات بالمغرب على سبيل المثال، وهو الجيل الأكثر ديناميكية في الشعر المغربي المعاصر، أكثر من الذين قاوموا واستمروا. شخصياً كنتُ براغماتياً وانتهازياً مع نفسي، حيث توقفت عن الكتابة حين ساءت أموري الشخصية وعدتُ حين توّفر لدي الشرط الأدنى للكتابة. لا أريد أن أتكلّم عن هذه المسألة أكثر مما تستحق لأنّ اسمي بالكاد كان معروفاً في تلك الفترة. ومازلت أتعلم من الكبار وأستفيد من تجاربهم. وأرعى احساساً عارماً بأنّني سأكتب أشياء جميلة مع مرور الوقت.

 

هل تجد أن قصيدة النثر التي تكتبها بإخلاص كامل قد حققت وعدها، الذي انطلقت منه؟ أم أنها بحاجة لمراجعة جملتها النظرية بالكامل؟

- لقد راكمت قصيدة النثر من التوهّج والإيجاز ما أهّلها لانتزاع اعترافٍ نقدي مهم، وذلك بعد سجالٍ طويلٍ بين سدنة الماضي وأنصار هذا الشكل الشعري الجديد. والمطلوب في هذه المرحلة هو التمييز بين قصيدة النثر وبين القطع النثرية المرصوصة كلماتها على شكل أدراج العمارات والتي يكتبها رجال السياسة وسيّدات البيوت فوق الفوتيه قبل النوم من باب التسلية والتطاول على حقوق الآخرين. وبمستطاع النقاد المتخصّصين أن يتدخّلوا على الخط ويضيفوا أشياء أخرى نيابةُ عنّي.

 

كيف ترى للتجارب الشابة اليوم، التي تكتب هذه القصيدة وتربط نشرها بالأنترنت؟ وهل هذا الفضاء أضاف الكثير للأدب، أم كان وبالا عليه؟

- بديهي، أنّ المجلات الثقافية باكراهاتها الماديّة وظهورها واختفائها حسب ميزان حرارة الأوطان لا تكفي بالمرّة لتطوير الشّعر. وهذا ما كشفت عنه التجربة طوال عقود من الزمن قبل الثورة المعلوماتية. الآن وبفضل وجود مجلّات ومواقع الكترونية تعنى بالشعر، اختفى نهائيا الشاعر الذي طالما سمعناه يشتكي من جمارك الثقافة ومن صعوبة إيصال صوته إلى عموم القرّاء بسبب وجود منابر تحتكم لمزاج الصداقة والزبونية أكثر مما تنتصر لجودة النصوص وفرادتها حتّى تسرّب يأس فظيع إلى كثيرين وتوقفوا عن الكتابة بالمرّة، كما أسلفتُ القول..ومن باب ردّ الجميل، وجبَ أن نصفق لمجهود هذه المجلات الإلكترونية. ونشكر “الفايسبوك” على ديمقراطيته العالية منوّهين برئيس تحرير متفهّم اسمه مارك.

في حالة المغرب ظهر جيل جديد من “شعراء الفايسبوك”، وهي التسمية التي ظهروا بها في عدة ملفات ثقافية. وتمّ الاحتفاء بهم كأصوات شعرية جادّة ومختلفة وجدتْ ضالتها في مواقع التواصل الاجتماعي،بعدما عاشت تجربة النشر الورقي لسنوات عدّة. وأغلب هؤلاء الشّعراء بلا ديوان شعري منشور لكن يصعب، بقوّة قصائدهم، تجاهلهم في انطلولوجيا الشعر المغربي المعاصر. وتسمية “شعراء الفايسبوك” تُميّزهم وتمنح لهم العلامة الممتازة، ولا تشمت فيهم كما قد يعتقد البعض.

 

كيف ترى واقع المشهد الثقافي المغربي والشّعري بالخصوص؟

- الذين يتعاطون الثقافة بمختلف أجناسها في المغرب أكثر من الذين يتعاطون الحشيش ويتاجرون في العقار. وعدد شعراء وشاعرات المغرب يضاهي عدد عسكر الملك. كما نسجّل باعتزازٍ ارتفاع عدد الاصدارات الشعرية في السنوات الأخيرة وحضور القصيدة المغربية في جرائد ومجلات أكثر مقروئية وتداولاً. غير أنّ المشكلة تبدأ من المؤسسات الثقافية ذات البنية الفولاذية. والتي تحتاج إلى من ينسفها بالديناميت حتّى تنتبه. ولديّ يقين قاطع أن القيّمين على هذه المؤسسات يشتغلون بسوء نيّة وبصفاقة مبالغ فيها. فيما أرقام حصيلة الأنشطة والمشاريع الثقافية التي تقدّمها سنوياً هذه المؤسسات مغشوشة ومنفوخ في أردافها بالسيليكون. ومن الحماقة وعمى البصيرة أن تستمر مافيا الثقافة في الحديث عن بداية الموسم الثقافي ونهايته وتعدّ ملفات بهذا الخصوص كما لو أنّ الثقافة قصعة كسكسٍ ساخنة نتذكّرها بأصابعنا الطويلة وبالملاعق يوم جمعة ونهجرها طوال الأسبوع.

واقع مؤسساتي مأزوم وأسود من جبين الموت، يتكبد تبعاته المشتغلون بالثقافة من شعراء وكتّاب وتشكيليين. وأستغرب أن يحافظ بعض هؤلاء على هدوئهم (ورزانتهم؟) حين يستدعي الأمر الحديث عن هذه الأمور. لا أريد أن أشبّههم بأولئك المواطنين البؤساء الذين يموتون بالتقسيط في أعالي الجبال وعلى أطراف المداشر وفي غياب تام لشروط الحياة، وحتى اذا زارتهم الصحافة أو وجدوا من يضع الميكروفون أمامهم ويمنحهم فرصة العمر للتعبير عن مشاكلهم، تحوّلوا بقدرة قادرٍ إلى مدّاحين للسلطة ولرموز الفساد المحلي والوطني. وربما تفوّقوا في أساليب المديح على كلّ ماجادت به قريحة محمد الحلوي وادريس الجاي في حضرة الملك الراحل الحسن الثاني. أتجنّب أن أقف طويلا عند هذه الصورة،ولكنني وجدت أطراف التشبيه قريبة جداً حدّ التناطح.

وهل ضروري أن نهرّب كتبنا ونصوصنا خارج الوطن ونحصد جوائز البلدان البعيدة كي ينتبه لنا أهل الدار؟ وهل قدر الشاعر في هذه البقعة الأرضية أن تُصادر حريته وكرامته. وحتّى اذا تقدّم به العمر وتكالبت عليه الأمراض من كلّ عضوٍ ومفصل وتعذر عليه أن يجد تكاليف العلاج وثمن الدواء، وجد من يلتقط له صورة ويعمّمها على وسائل الاعلام. وماذا بعد؟ يموت الشاعر وحيداً في مستشفى حكومي ردئ أو في بيت العائلة في أحسن الحالات. ويصدر الاتحاد الفلاني أو البيت الثقافي الفلاني نعياً في أربعة أسطر.النعي الذي تقرأه مذيعة التلفزيون الرسمي بأسارير طلقة وخدود حمراء مثل الطماطم. شخصيا لستُ من هواة المسرحيات السخيفة. ولا أتمنّى لنفسي ولغيري هذه النهاية الحزينة.

 

ما جديدك على مستوى الكتابة والنشر؟

- أتفادى أن أنفخ صدري وأتحوّل إلى بائع أوهام مثلما يفعل المنتخبون هذه الأيام. نعم سمعت أحدهم البارحة يقول في جمعٍ غفير أنّه سيأتي بالبحر وبأمواجه العاتيات إلى القرية الفلانية، وبقطار” تي جي في” إلى البلدة الفلانية. وأنه سيجد شغلا للمعطلين وأزواجاً على فرسان بيضٍ لغير المتزوجات. انّهم السماسرة الذين يؤلمون البهيمة بقضيبٍ دقيق كي تقفز ويسيل لعاب الزبون. فبدلاً من أن أقول لك أنني سأصدر ديوانا شعريا في شهر كذا وراوية ضخمة في شهر كذا، أفضل أن أترك الأمور إلى حينها.

حاليا، أنا متفرّغ للكتابة ولستُ متزوجاً وليس لديّ أولاد. لست متحزّباً ولا مسجّلا في لوائح الانتخابات حتّى. لستُ مسؤولا في أية مؤسسة ثقافية ولا مشاركاً في أية مهزلة جماعية. أنا عضو مهم داخل نفسي ورئيس شرفي لبيت العائلة. وهذه شروط إضافية لأكتب قصائدي ومقالاتي بكلّ حرية وأدسّ في تجاويفها مقادير الحرارة والسخرية التي أريد من دون أجد من يرفع سمّاعة الهاتف ليعاتبني أو يأخذ كلمة في الجمع العام الفلاني ليجلد ظهري. عندما تتوفر لديك الحرية ويسعفك الوقت، بإمكانك أن تكتب وتنجز مشاريع كثيرة في ظرف وجيزٍ.

 

في كلمات:

القصيدة: يُقلقني أنّها تتصرف أحيانا مثل بعض الموظفين،عليك أن تدسّ له رشوة في الجيب كي يقدّم لك خدمة.

عبد الله زريقة: مكانته في الشعر العربي المعاصر، حقيقة لا تُناقش. وأتخيّل كيف كان سيكون الوضع الاعتباري للرجل لو كان فرنسياً أو أمريكياً.

محمد بنميلود: من الأصوات الشعرية الجميلة في المغرب. ونموذج الاصرار والاختلاف في الكتابة السردية.

حسن بولهويشات: أحيّيه من هذا المنبر، لأنه مازال حيّا يُرزق.

السياسة: رغيفنا اليومي والدم المتكبر الذي يسري في عروقنا.

 

حاوره عبد الواحد مفتاح

 

 

 

 

 

 

ابراهيم كابان: اتب وناقد كوردستاني معرفي من مواليد كوباني 1980، تعرض للاعتقال في السجون القمعية للسلطة السورية الديكتاتورية بين عامي 2007-2013م

-يكتب في عدة جرائد ورقية ومواقع الكترونية كوردية وعربية.

لديه ديوانين نثر تم طبعها ونشرها :

- قوافل الجروح- / نثر – 2005 عن دار –الخنساء- بدمشق .

- (صرخاتٌ .. صرخات .. وقوافل من فَمِنا تستمر)/ نثر - 2009 -دار الكيوان- بدمشق.

وأعمال لم ترى النور بعد:

-(سخريات الليلة) – نصوص نثرية 2007

-(محاولات) – قصص قصيرة 2008

-(فتن كقطع الليل) – دراسات مقارنة دينية علمية ..

-(إرهاصات ثورية في الشرق الأوسط )/ كتاب تحليلي

-(على الرصيف) / نصوص نثرية

 

وبتاريخ 1 شباط-2017م، تم إجراء هذا الحوار:

- يسعدنا التحاور معك الكاتب الكردستاني ابراهيم كابان، والذي نود في خضمه، تسليط الضوء على جملة تساؤلات تؤرق متلقي اليوم، ونبدأ من هنا:

- أهلا بكم أعزائي وأتمنى أن أتوفق في الرد على جميع أسألتكم بشكل علمي وموضوعي ..

1- هل يحتاج تصحيح الواقع الكردستاني(الحزبوي) إلى سلسلة من إنشائيات مضمونها التقريع والتهجم المتأتي من انفعال محق، والذي سيتفرع عنه جهتين مخالفة أو مؤيدة، ويعود التهاتر مجدداً إلى دائرته الأولى، أم أننا يجب أن نعود لآليات النقد وأساليب الخطاب مع الجماهير لفك الارتباط مع من يتاجر بقضاياها؟!، مالذي يحتاجه الكردستاني في الوطن والمهجر من أدوات لينهض بها؟!

- الواقع السياسي الكردي وليد لتراكمات ثقافية واجتماعية بدائية، وممارسات حزبوية رديئة، ناجمة عن المنظومة الكردية المفككة بحكم الظروف التي شهدتها كردستان، لاسيما خلال العقود الأخيرة بعد تقسيم كردستان إلى أربعة دول، بنت كياناتها بعد الحرب الأولى على أسس قوموية أدخلت الإنسان الكردي في دائرة ضيقة، وحالة اجتماعية سيكولوجية أنتجت في المحصلة مفرزات تنوعت معطياتها السلبية المتعددة على كاهل الإنسان الكوردي ووجود قضيته واستمرارية المظالم، فحالة الحرمان والتعرض للمشاريع العنصرية والتصفية العرقية خلال قرن كامل دفع بالشارع الكردي إلى تكريس حالات أتسمت بالسلبية الفكرية والمعرفية، نتيجة للتقليد السياسي في الشرق الأوسط، والدوائر المغلقة حول الحركات التحررية التي تأثر بشكل مباشر في التقلبات العالمية الناجمة عن الحرب العالمية الثانية ونتائجها والحرب الباردة وصراع القطبين وموالاة الحركات التحررية لليسار والاشتراكية السوفيتية التي انهارت، بعد أن خلَّفت أنظمة استبدادية تفرعنت جميعها بالشكل الذي وصل إليه الشيوعيين أيام ستالين،  وثبتت الأنظمة الحاكمة في الدول التي احتلت بلاد الكرد، وجودها وقوتها وهيمنتها، في الوقت الذي فصَّلت الأحزاب التحررية وجودها وتحركاتها وفق هذه المنظومة بعضها كرست علاقتها مع أنظمة أخرى تحتل جزء من كوردستان ظناً منها أنها ستلقي الدعم لاستمرارية المقاومة ضد النظام الآخر، الذي بدوره يتفق مع النظام الآخر عسكريا ًومخابراتيًاً ضد الوجود الكوردي، وهو ما أدخل الحراك الحزبي في معمعة، وفي المقابل أوجد نوع من المثقفين تكون مع كتابتهم رداءة ثقافية ومعرفية بحكم الظروف الأمنية الممارسة على كاهل المجتمع الكردي ككل، مما أختلط السياسي بالكاتب، والمثقف بالمناضل، حيث تكونت لوحة ونموذج خاص بالإنسان الكردي، قد يكون مفيداً في بعض المفاصل إلا أن السلبيات التي تكرست تحتاج إلى إزالتها بأدوات واليات متطورة تعتمد في مضمونها وشكلها على المعرفة والعلم والفكر الذي تخطى بطبيعته ما بعد حداثة الحداثة.، وباعتبار إن التشخيص الحالة الكردية بشكل صحيح يبدأ من هذه المعضلة والنقاط فإنه يمكن أن نستشرف الأدوات المطلوبة من التجربة النضالية الكوردية ونستدرك تبعاتها في مسألة الارتقاء بمستوى الخطاب وتجاوز المستنقعات التي زرعتها الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط.

 

2- نتفاجأ بهذا الكم الهائل من الشتائم واللعنات التي تنهال من هذا وذاك على بعض قنوات التواصل الاجتماعي، والأخص الفيس بوك، ألى يدفعنا ذلك للتساؤل، أننا كقيادات أو نخبة أو لنقل مثقفين، لم نستطع إيجاد رؤية موضوعية، واندفعنا لسباق الارتهان كل إلى فريق وبالتالي أدى ذلك لتفسخ ذهنية الجماهير وازدياد بلطجيتها، وشذاذها؟!

- عملياً أعتقد إن الشريحة الكوردية التي تتابع "شبكات التواصل الاجتماعي – الفيسبوك" وتتفاعل معها هي نموذج صغير للمجتمع الكردي، حيث إن الحالة التي عليها جماهير الفيسبوك ليس ببعيد عن الحالة المعاشة في الشارع الكردي، وبناءً على ذلك أعتقد إن الحالة التي عليها شارعنا الكوردي من تفكك في البنية الفكرية وغياب المعرفة وثقافة التسامح والرأي الآخر وسيطرة كيانات حزبية قسمت الشارع فيما بينها، ولم يكن المثقف ببعيد عن هذه العملية، إذ إن السواد الأعظم من الكتاب والمثقفين دخلوا في دوامة الاصطفاف الحزبي، ولعل من يتبع لكيانات حزبية دكتاتورية لا يمكن أن يساهم في تحرير المجتمع من المنظومة الكلاسيكية البالية، ولن يستطيع من صناعة الآليات المعرفية المطلوبة في عملية الارتقاء بالمجتمع.

إن الحقيقة بشكل كامل لا يمكن أن تكون موجودة عند طرف حزبي واحد، وهذه من البديهيات المعرفية والتنظيمية، إلا أن وجود ظروف استثنائية – وروج آفا نموذجاً - تفرض على الجميع التفاعل معه، ودعمه في ظل الظروف التي تعصف بالشرق الأوسط، إن من مهام النخبة أو المثقف والكاتب والإعلامي أن يكون صوت وقلم ونداء وصرخة شعبه في حالات الثورة الاضطرارية، وإن وجدت بعض السلبيات والأخطاء إلا أن ذلك لا يجب أن يقف عائقاً أمام مناصرة الشيء المحقق، فلكل ثورة سلبياتها وإيجابياتها، ولكن المهم هو ما يتم تحقيقه، وعادة تكون في الحالات الانتقالية هناك أخطاء وسلبيات إلا أن الإسراع في تحقيق الاستقرار وحده يضمن تطور الحالة وتحصينه ودمقرطته.

 

3- تتسابق الأحزاب الكردية السورية إلى تبني مطلب توحيد الخطاب الكوردستاني، في حين نجد أن التوجهات العملية تتنافى مع هذا المزعم، برأيك ما هي أهم الأسباب في تشظي طاقات الشباب وانغماسهم في مستنقعات التهاتر الفئوي، وخروج البعض منهم ليغدو قعيد الجدران دون أي عمل يعمله، وما الحلول المتأخر طرحها، في ظل الوقوف حول التوحد أو الاتحاد بمنهجية وعمل، لتجاوز كونه شعار برّاق؟

- الصراعات والحروب بطبيعتها تخلق ظروف وكيانات وأطراف لم تكن موجودة من قبل، كما إن التجمعات والأحزاب السياسية السابقة إن لم تتكيف مع التغيرات ستكون في حالة صراع وفوضى دائمة فيما بينها ومع محيطها، ولن ترتقي إلى مستوى تجاوز الخطاب الكلاسيكي والتحرك الفردي والشمولي المقيت. ولعل أهم عوامل التغيير في الظروف الاستثنائية التي تمر بها الحالة الكوردستانية هو تطوير حركتها التحررية سواء خطابها السياسي أو طبيعة هرمها التنظيمي بحيث يتفاعل مع الأحداث أكثرة وبجدية بعيداً عن تأثير الدول التي تتقاسم كوردستان، وهو بطبيعة الحال يحتاج إلى ظروف وعوامل سياسية وعسكرية وتنظيمية.

فالحروب البينية والاقتتال الأخوي الكوردي خلال التسعينيات أثر بشكل مباشر في إدخال يد الدول المحتلة في خلق حدود وصراعات كوردية – كوردية، في الوقت الذي تطلَبَ وحدة الصف الكوردي وتوجيه بنقديته وطاقته وإمكانياته لمقارعة الأنظمة الاستبدادية، بينما الدولة المحتلة لكردستان متفقة إستخباراتياً لضرب الأطراف الكردستانية ببعضها، في الوقت الذي يظهرون وجود خلافات في السطح وبالمقابل اتفاق من تحت الطاولة على قمع التحركات التحررية الكوردية، بعكس الأحزاب الكوردية التي تختلف في العلن والسر.

لعل المطلوب أمام هذا الواقع المؤلم هو وحدة الصف الكوردي في العمق، وإظهار الخلاف السياسي السطحي في العلن، وبناء علاقات إستراتيجية عميقة في السر. وهذا يتطلب صدق تحرك الأحزاب الكوردية.

 

4- ماهي الخطوط الرفيعة التي ينبغي على السياسي الناجح شدها ما بين النقد والتهجم، فالنقد معيار يستقيم مع العقل على عكس التهجم الذي يزيد من تشنجات الطرف النقيض، في ظل التستر على العقلية الأبوية الزعاماتية ببهرجات لغوية أشد تشدقاً بمزعمي الديمقراطية أو الكردياتية؟!

- من يخون شعبه لا يمكن أن تستخدم معه معايير النقد الطبيعي، فالنقد أداة يستخدمها الكاتب في الكشف عن السلبيات التي تدفع بالجهة المنتقدة لإصلاحها، بينما استخدام النقد الطبيعي مع الخيانة لا يمكن أن يأتي بالنفع، المسألة لا تحتاج إلى الخيار الرمادي والذبذبة، لأننا في زمن الثورة والتحولات الكبيرة، فالناقد السياسي يجب أن يكون جريئاً في نقده إلى ما بعد اللاذع، وأن يضع النقاط على الحروف دون خوف، لأن قول الحقيقة مسؤولية على عاتقه طالما أن نقده يدخل في خدمة الشعب والقضية.

لا يمكن لمن يسرق قوت الناس وأموالهم ويستخدمها في شراء القصور الفخمة حول العالم وفي المقابل هناك طبقة تختنق من الجوع أن نخفي ذلك بحجة إنه يملك السلطة والسلاح والمال، سأورد مثال آخر أكثر توضيحاً: قضية نقد حكومة لارتكابه أخطاء في مسألة ما أو مؤسسة أو شخصيات عامة من أجل دفعه إلى الإصلاح، هو أمر صحي وطبيعي، ولكن في الحالة الكوردية هناك مشكلة كبيرة حيث أطراف وشخصيات تخدم الأنظمة المحتلة لكوردستان ويتم استخدامهم ضد تحرك ثوري كوردي، فهنا تكمن المصيبة العظمة. فهل الخيانة تعالج بالنقد مثلاً، أعتقد لا ؟؟؟

 

5- مالذي يبقي على المنظومة الأبوية المتفشية بفظاظة في عموم الشرق الأوسط والعالم العربي، ألا يعود ذلك للأديان عموماً، في كونها حافظت على هذا الأرث من تكريس طاعة ولي الأمر والامتثال الأعمى له؟!، لينتقل هذا العرف لذهنية المنظومة الشمولية التي بدورها رعت ذلك وعلى نحو راديكالي (ثوري، اشتراكي) .؟

- تكوين المنظومة الدكتاتورية بطبيعتها ناجمة عن ظروف وبيئة تساعدان على ترعرعها، فالتخلف الاجتماعي المتسلسل من عادات وتقاليد كلاسيكية كرست بدورها مجتمع يعاني من طبقات متفاوتة، يتحكم فيها المقتدر سواء كان مالكي المال أو السلاح، يمكن شرح صورة مصغرة للحالة، حيث القبيلة التي تتبع لشخصية تحكم فيها هي الصورة النمطية لرئيس وحاشيته يتحكمان بالشعب ومقدرات البلد، واستغلال الطغمة المقتدرة لشعور الشرائح المجتمع سواءً كانت قوموية أو دينية وحتى اجتماعية.

وأيضاً مراحل تطور المجتمع يحتاج إلى بيئة وظروف تساعدان على تطويره، فالمسألة ليست بجرة قلم أو مقال تراجيدي.

مثال: المجتمع الغربي في القرون الوسطى كان يعاني نفس الحالة التي تعانيها البلدان الإسلامية، حيث سيطرة شريحة استغلت حاكمية الكنيسة، وطبقت قوانين وأفكار تمتاز بالمنظومة المشابهة للأنظمة الشوفينية في بلداننا، ولكن كيف تحررت وكيف تطورت الدول والشعوب الغربية؟، هنا تكمن القضية، وما هي الوسائل والأدوات؟، وهل القوى الدولية تساعد على ذلك؟.

أعتقد إن نصف مشاكلنا في عدم تجاوز المراحل البدائية في تنظيم الحياة السياسية والثقافية هو عدم وجود ظروف الملائمة. مثال: الثورات التي تقام في بلداننا تفشل في إجراء التغيير وتطوير المجتمع والأنظمة، لأن هذه الثورات ليست لها برامج ومشاريع حقيقية كما الأنظمة التي تستمر في وضع قبضة يدها حول التمسك بالحكم. وهو ما يتطلب فوضى وحروب أهلية حتى يتم إجراء التغيير، والحالة اليمنية والسورية والليبية والعراقية من قبل والتركية فيما بعد نماذج حية.

 

6- قطبا الزعامة(الأوجلانية، البارزانية) في ذروة تنافسهما، وتصارعهما الإعلامي، إلى أين تتجه البوصلة تحديداً في غربي كردستان، في ظل التوازن الأمريكي في مراعاة الأحلاف الاستراتيجيين والجدد، هل الكرد برأيك من الممكن أن يتوحدوا في ظل هذه التناقضات التي تعم المنطقة برمتها، رغم الخلافات الحزبية المتمثلة باختلاف تلك السياستين؟. ماهي قراءتك لما يحدث؟!

- ذكرت في محفل الرد على سؤال السابق حول هذه النقطة الهامة، ويمكن التوسع أكثر.

العامل الإقليمي له التأثير المباشر في منع توحيد القوى الكردستانية، إلى درجة خلق هوة عميقة بين القوى، لدرجة طرف يرفض أن يتكرر النموذج الدولة القوموية القبلية، ويعتقد إن قيام دولة كوردية بالشكل الذي أقام فيها العرب والأتراك والفرس دولهم هو تكرار للتجارب الفاشلة ومصيرها الخراب والدمار.

وفي المقابل يجد الطرف الآخر إن الحل يكمن في دولة قوموية، ويكون هذا الطرف –الحزب- هو الحاكم فيها، على شكل الأنظمة الاستبدادية التي حكمت وتحكم بلدان الشرق الأوسط، وتقتل شعوبها من اجل البقاء في السلطة كما هو الحال في سوريا وتركيا وإيران وقبله العراق، ومعظم دول العالم الثالث.

أمام هذين المشروعين ودون وجود خطوط عريضة متمثلة بمؤتمر وطني كوردستاني، واتفاقيات بين الأطراف الكوردية من شأنها تضمن قوات دفاع مشتركة، لن تجد الحلول طريقها لتوحيد الصف، والحل الثاني يكمن في ضغط القوى الكبرى على الأطراف الكوردستانية، وإجبارها على الاتفاق، وتجربة إجبار الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني في إقليم جنوب كوردستان واتفاقهما على توزيع الثروة والمناطق وتشكيل منطقتين ضمن إقليم واحد بعد حرب دامت لسنوات راح ضحيتها آلاف الشهداء من العسكريين والمدنيين، حيث ثبت فشله هذا الحل الذي لم يجد حلولاً جذرية لوضع الإقليم خلال 25 سنة.

 

7- ما سبب غياب شخصية ابراهيم كابان كأديب، لصالح بروز كابان السياسي، هل من مؤشرات للعودة لقضية الإنسان وبلون أكثر رحابة، بعيداً عن جبهات الوجع السياسي المتخم بالخيبة؟!

- لعل الحاجة للتوجه نحو تغيير أسلوب وأدوات النضال الثقافي في سبيل القضية هو الذي شدني بطبيعته إلى توجيه دفة القلم من النتاج الأدبي إلى السياسي، ويعود الأسباب إلى الحالة الكردية الثقافية التي لم تتجاوز محنة التبعية للدوائر السياسية الحزبية الكردية.

في البداية كنت أكتب القصيدة الحرة بأسلوب رمزي لما كنا نتعرض له من تهديدات وضغوط أمنية شديدة في ظل النظام البعثي الشوفيني، ثم استطعتُ تكوين أسلوب أكثر تطوراُ يميل للثورية، إلى درجة تيقنت ضرورة تطوير نتاج القلم من الشعر إلى كتابة المقالات، ومن ثم الاختصاص في النقد والتحليل كما هو الحالة التي أكتب بها الآن، التحليل الإستراتيجي والقراءة السياسية التي لاقت رواجاً جيداً من خلال الصحافة المصرية والكوردية.

ولكن تلك الروح كأديب لم تفارقني وظلت تكبر في قلبي ومشاعري وأحاسيسي، ولعل إحدى نتاجاته بعض القصائد التي سترى النور تحت مسمى (على الرصيف) محاكاة ثورية عن روج آفا.

وأعتقد إن التمازج بين الكتابة السياسية والأدبية ضرورية لكاتب ثوري جعل من قلمه صرخة يعبر ثورة شعب.

 

8- بالعودة لنمط الالتزام بقضايا الإنسان ومعاناته، أين يقف الأدب اليوم، هل استطاع الخروج من ربقة الخطاب الإيديولوجي الثابت، هل بالإمكان بروز اتجاهات فنية جديدة إن على صعيد الأدب أو الفن في الواقع الكردي، في ظل الهيمنة الإيديولوجية بطرق كلاسيكية على الجماهير برمتها، أين يجب على الأديب الكردي أن يقف؟!

- شعبنا يقود ثورة، وهناك مقاتلين شجعان يفدون بأرواحهم في سبيل شعبنا، وإن اختلفنا مع خلفياتهم الإيديولوجية إلا أن تلك الروح الفدائية التحررية هو إلهام الذي ينبغي الالتزام بمناصرته في الوقت الحالي.

كما إن الصراعات الحزبية الكوردية خلقت أجواء سلبية مقيتة في الساحة وخاصة مع تطور الإعلام وتحويله إلى مؤسسات لجذب الأقلام، وبما إن تلك المؤسسات تابعة ضمنياً لمحاور سياسية فإن مسألة جذب الكاتب والمثقف إلى تلك الدائرة يجرد منه قيمته ككاتب مستقل، لأن المال السياسي والإعلامي سيكون هو الموجه والحكم.

نحتاج إلى إعلام مستقل يفسح المجال أمام الكتاب والمثقفين في الإبداع، والتنوير والاستفادة من تجارب الفكر والثقافة العالمية، والشعوب التي سبقتنا في تطوير مناهجها المعرفية.

الاهتمام بالكتاب والجرائد الثقافية من خلال فتح دور للفعاليات الثقافية والفكرية المتعددة، والتواصل مع الدول المتقدمة سيكون دفعاً قوياً باتجاه إيجاد سبل واليات علمية وموضوعية في تطوير الفكر والثقافة والمعرفة والعلم.

الفن والفلكلور الكوردي غني بالتراث، ولدينا ميراث كبير في هذا المضمار رغم طمس هويتنا من قبل الأنظمة المحتلة.

 

9- ماسبب ابتعادك عن الكتابة باللغة الأم الكردية، في ظل التطور الذي تشهده الثقافة الكردية في واقع غربي كردستان، وهل من عودة للكتابة بها والتعبير عن آلام الإنسان الكردستاني عبرها؟

- مبدئيا نحن في خضم ثورة مهمة للغاية تحتاج منا ككتاب ومثقفين إلى استخدام الأدوات السلسة في التواصل والتفاعل وإيصال المعلومة بأسرع سبل ممكنة إلى المتلقي، ولعل الشريحة العظمة من الكورد في سوريا يتقنون اللغة العربية قراءة وكتابة، بسبب منع اللغة الكردية خلال السنوات الماضية قبل انطلاقة ثورة روجآفا، وتشكيل الإدارة الذاتية الديمقراطية وتكريسها تعليم اللغة والثقافة الكوردية في روجآفا وشمال سوريا. كما إن طبيعة التفاعل المتلقي له دور كبير في لغة كتابتنا، أنا مثلاً أتقن الكتابة والقراءة بالكوردية كما هو الحال في العربية، وأكتب أحياناً باللغة الكوردية، في ظل الإقبال ضعيف جداً على قراءته في شبكات التواصل الإجتماعية، ولعل المراحل القادمة من التطورات سيتطلب الكتابة بالكوردية أيضاً وسنكون قد طورنا أنفسنا أكثر في هذا المجال.، ولا ضير في استخدام أية لغة عملياً في هذه المرحلة المهم أن تصل المعلومة والأفكار بسرعة وبشكل واسع.

 

10- أخيراً لا يسعنا سوى شكرك على جهودك، والتي نتمنى لها دوام التطوير والترقي، كلمة أخيرة تود أن توجهها؟

- طريق الحرية يحتاج إلى تضحية، قد نعتقل ونجوع ونقتل إلا إنني مؤمن بانتصار الحقيقة في المحصلة، كوردستان لن تتحرر إن لم نصارح أنفسنا ونصلحها بالحقيقة، وننشد الحرية، ونبلغ التخلف الفكري والاجتماعي والمربعات السياسية المغلقة، علينا أن نجعل الأحزاب وسيلة لتحقيق أهداف شعبنا، وللحرية باب حمراء سندفع ثمنه من دمائنا وصرخاتنا..

 

وفي الختام أشكر جهدكم وأتمنى لكم الموفقية في نضالكم الثقافي الذي سيكون هو الرصيد والكنز الكافي في نهاية المطاف.

 

 

أعد الحوار: ريبر هبون

إذا سألتموني عن "الأنفة" أقول لكم : هل تعرفون زلفى أشهبون؟"

زلفى شهية في الحرف، وقوية في الموقف، وبين الحاليْن هي صوت ريفي أصيل، كشفت مؤخراً عن قدر كبير من الألق في كتاباتها، واستطاعت أن تجعل أعناق القراء المارين السرعان تلتاع لها، يبطلون" رياضتهم" لحظاتٍ، وربما أكثر، للسؤال عن هذا الوجه الجديد في الساحة، والمتألق في مجاليْ الإبداع والإعلام..

في نصوصها زخم من المواقف الإنسانية، وإلى جانب "المظلوم" تركن، تحمل قلمها الفياض، تنتصب أمام الورقة البيضاء، ولا تعترف بعلامة " قف" أمام خدمة " الإنسان" سواء في مجال الإعلام، أو القصة، الشعر، أو..، كلما قرأتُ لها خرجتُ بانطباع أثير : " إنها ريفية طالعة من بحر أزرق سبحت فيه جداتنا الأصيلات"..

حاصلة على إجازة في التسييرالمحاسباتي والمالي، ودبلومٍ في البرمجة المعلوماتية؛أصدرت "جداريات" في القصة القصيرة جداً، ولها أعمال مشتركة في السرد: " أنامل ريفية"، و" أقواس قصصية"، وفي الشعر ننتظر ديوانها:"همس المرايا"..

أهلا بك زلفى في "العرين"..

 

س- ماذا تضيفين للقراء فيما تودين أن يعرفوه عنك؟

ج- بعد تقديمك الجميل أستاذي، أضيف أنني ريفية من أقصى شمال/شرق المغرب من الناظور الحبيبة، ومن أسرة محافظة.. تربطني بالقلم علاقة السمك بالبحر.

 

س-" زلفى"، هذا الاسم الجميل، ما قصته؟

ج- لاسمي قصة جميلة جدا، واسمي أجمل بكثير ههه..

حكى لي والدي أنه في فترة شبابه سلّمه أحد أصدقائه كتاباً للأسف لا يذكر اسمه وكاتبه، لكنه يحفظ جزءً كبيراً من الأحداث التي سردت فيه، ولأنه مرّ زمنٌ على ذلك لا يتذكر والدي إن كان متن الكتاب في التاريخ أم في الإبداع. وعما جاء فيه يتذكر حرب فتح اليمن الكبرى، ومن المشاركين فيه كانت فتاة اسمها "زلفى" كانت محاربة ومسعفة في الآن نفسه، شاركت مع والدها في الحرب، ونظراً لدورها أحب والدي شخصيتها وقوتها في الوقوف أمام العدو والمشاركة إلى جانب الرجل في الحرب. وبعد انتهائه من الكتاب همس لنفسه "حين أتزوج سأسمي ابنتي الأولى "زلفى"، مع مرور الأيام وفي "المسيد" حيث تعلم القرآن وحفظه كان تفسير كلمة "زلفى" يستوقفه مراراً في الآية 25 من سورة "ص": (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ) صدق الله العظيم. و زلفى هنا بمعنى المنزلة والقرابة أي أن منزلة سيدنا داوود عظيمة عند الله عز وجل وأنه سيكون يوم القيامة قريب منه.

وهنا تشبث والدي بالاسم أكثر، وبعد أخي محمد وعبد المجيد جاءت أختي ورفضت إحدى عماتي المدللة أن يسموها "زلفى"، واقترحت زكية، فجئت بعد عام وكنت زلفى دون نقاش ههه.

فخورة باسمي كثيراً، والأكثر من ذلك أحس أنه يتجدد كلما سألني أحد "ماهذا الاسم الجميل؟" أو "من سمّاك؟" أو"والدك أحسن اختيار الاسم".. أظن أنه لن يشيخ وإن متّ.

 

س- في وقت قصير استطعت بكتاباتك، وحتى مواقفك، أن تلفتي الأنظار إليك، هل هو حب الناس أم رضى الوالدين، أم هناك سر ثالث؟

ج- اسمح لي بإعادة ترتيبها على النحو التالي: رضى الوالدين، صدقي، حب الناس وربما لاسمي دورٌ أيضاً.

 

س- تقسمين وقتك بين الإعلام، والكتابة الإبداعية.. كيف يخدم المجالان زلفى الإنسانة والقاصة والشاعرة؟

ج- لا أخدم نفسي من خلال كتاباتي الإبداعية أو الإعلامية، حتى أن الأخيرة كثيراً ما تُنشر دون اسمي ولا يزعجني الأمر أبداً، بالعكس آمل أن يوحد كُتاب المدينة حبرهم من أجل مصلحة الناظور بعيداً عن الأنا.

أما القسمة الصحيحة فإنني أقسم وقتي بين عملي كمحاسبة وكاتبة، هما مجالان لا يلتقيان إلا في حمل القلم.

وعن زلفى الإنسانة فإنني أجدها في الكتابة حيث تُعاش الحياة بحلوها ومرها.

 

س- على ذكر الإعلام كنتِ قد شرعت في سلسلة مهمة: "ضيف من أهلنا" فيها تُعرّفين حملة الأقلام في الجهة الشرقية وخارجها.. ولكنك، بعد الوقوف عند شخصيات قليلة، توقف العمل .. ما السر زلفى؟

ج- "ضيف من أهلنا" عنوان سلسلستي التي توقفت(مؤقتاً) عن نشرها بعد أسماء قليلة كما ذكرت في سؤالك، والحقيقة أنها أسماء كثيرة تلك التي سطّرتها في لائحة الضيوف الذين عزمت على التعريف بهم وبإبداعاتهم.. ولازلت أسجل في مذكرتي الخاصة أسماء تستحق أن يقرأ لها وأن تسلط عليها الأضواء وتشارك في الأنشطة الثّقافية التي تقام في المدينة.

نعم توقفت السلسلة بسبب ضغط العمل وضيق الوقت وانشغالي بأمور تخص متابعة الدراسات العليا وغيرها.. لكنها حتما ستعود، وسأنطلق من الاسم الذي توقفت عنده وهو فنان كبير على قدر عال من الثقافة العالمية، له أعمال رائعة جداً، تم تكريمه عدة مرات خارج وطنه لكنّ القليلين يعلمون أنه ابن الريف ومن أهلنا.. وقد عاهدت نفسي أن أقدمه رغم أنّ أعماله عرّفت به.

 

س- زلفى الصِّحفية، أم زلفى الشاعرة، أم زلفى الإعلامية.. ماذا تفضلين أن نناديك؟

ج- زلفى أشهبون.

 

س- لك في القصة القصيرة جداً أضمومة "جداريات"كتب تقديمَها الدكتورُ الكبير فريد أمعضشو، وفيه يقر بأن المجموعة تؤكد "ريادة الناظور" في مجال القصة القصيرة جداً..أعتبر هذا إعجاباً بالأضمومة، وتصريحاً له قيمته، وإلاّ لما اختار مناسبة صدور " جداريات" لمثل هذا التصريح الجميل .. ما تعليقك؟

ج- جدارياتي لم تحضَ بالتّقديم فقط من الدكتور فريد أمعضشو، بل وبالاهتمام والتصحيح والتنقيح وسأظل أشكره على صنيعه ماحييت ؛لأنها تجربتي الأولى، ولأنه أخذ بيدي لأسجل وبقوة اسمي بين المبدعين في القصّ القصير جداً، وكذا لنخبر كل مهتم بهذا الجنس الأدبي أننا في الناظور نحقق الريادة.

 

س-"جداريات" مختلفة عن مجموعات كثيرة اطلعتُ عليها في القصة القصيرة جداً، بل وحاورتُ " بعض" أصحابها، وإذا استثنينا القاصة رامية نجيمة، أقر مطمئناً بأن جل النصوص - فيما قرأت- مُسيجة بِـ "علاقة الرجل بالمرأة"؛ على غرار أضمومتك، فيها تنوع لافت في الطرح، وعلى قدر كبير من الوعي بمستويات صراع الإنسان في الحياة اجتماعياً، وثقافياً، وسياسياً، واقتصادياً، ...

هذا التنوع في التيمات هل لعملك الصِّحفي دخل فيه، أم هناك أشياء أخرى؟

ج- في مجموعتي "جداريات" نصوص شاركت بها في مهرجان جسور في دورته الثالثة سنة 2014، كانت أشبه بصرخات اجتماعية، ثقافية، سياسية وصحية... وهي أولى محاولاتي السردية وأول مشاركة لي في مهرجان ثقافي، لم أكن حينها مشرفة على الملحق الثقافي في الموقع الالكتروني "مازوجة سيتي.كوم"، وأقرّ أن هذا التنوع لم يكن محض صدفة بل عن إصرار وقصد.. لأنني أعتبر الكاتب حامل همٍ ومسؤول عن نفسه وأهله ومدينته ووطنه.. وفرصة إلقاء النص أمام جمهور غفير لا تتكرر دائماً، لذا أحرص على انتقاء الرسالة التي سألقيها من خلال قصة قصيرة جداً.

والتنوع الذي جاءت به جدارياتي هو ملخص واقع عشته، تخيلته، عاينته وصوّرته.. وهذا ما أشرت إليه في كلمة قصيرة جداً على ظهر الغلاف.

وفيما يخص ثنائية المرأة والرجل فأنني أكتب عنها من خلال نصوصي الشعرية خاصة.

 

س- من النصوص الجميلة في " جداريات" /جزاء/ ص 25، و/ ترابط/، ص 29، و /نضال/ ص 33، و/ العيد/ ص 34.. على سبيل المثال لا الحصر..

كيف تشتغلين على دبج نصوصك القصيرة..

وكم من الوقت، صراحة، تستغرق منك "قصة قصيرة جداً"، وهل هو كافٍ هذا الوقت لنظم قصيدة شعرية؟

ج- القصة القصيرة جداً كأي مولود إبداعي يحتاج إلى زمن غير محدد ليكتمل ويولد، وبين المرحلتين الأخيرتين مخاض يختلف من نص لآخر..

أما القصيدة الشعرية فمخاضها غالبا ما يطول وولادتها تكون عسيرة.

 

س- نصك " ركب" ص 27 :

[نطقوا بما ضاق بهم لحظة بوح..

على مكتب الرئيس، نفث الغير قولا غير القول.

شدت القافلة رحلًها.

عوت الكلاب : إلى أين المسير !!]

فيه بعض من زلفى، يبدو لي أنه صدر عن معاناة شخصية.. هل أنا مصيب أم هو مجرد سين جيم " العرين"؟

ج- لن أدرجه ضمن خانة المعاناة التي يعيشها الإنسان طيلة مشوار حياته، لكنها تجربة مرّت كشفت لي عن حقيقة بعض من حسبتهم أصدقاء وإخوة وكانوا للشياطين إخوانا.

ما أقسى خيانة الأصدقاء !.

 

س- طيب ما دلالة الرقم 96 في نص " تفانٍ" ص 30، ولماذا تحديداً هذا الرقم بعينه؟:

[أحبته سائقاً لسيارة أجرة..

كلما أرادت لقاءه ادعت التسوق..

مر منها الكثير دون أن تستوقف إحداها..

وقفت أمامها سيارة تحمل رقم 97

همست لنفسها : ليتها 96 !]

ج- ربما كان بالإمكان أن اختار رقماً آخر اعتباطياً ما دام رهان النص ورسالته لن يتغيرا بتغيره، غير أني آثرت أن أختار الرقم 96 بحكم أنه ذات ترقيم سيارة أجرة الصديق و زميلي في الجمعية عثمان أشوخي، الذي لا يدخر جهداً في الدفع برابطة الكتاب الشباب بالريف لتسير قدماً نحو التميز، وسيارة أجرته 96 عاشت معنا لحظات الاستعدادات لمختلف الأنشطة التي نظمناها وبالأخص المهرجان الأول للمبدعين الشباب. والنص في صيغته الأولى كان على غير ماهو عليه، قبل أن أغير الرقم إلى 96 والعنوان إلى "تفان" كدلالة على انخراطه وتفانيه في خدمة الشأن الثقافي المحلي و الرابطة خاصة.

 

س- هل لترتيب النصوص في "جداريات" قيمة ما، أو حكمة، أم هو مجرد توزيع لا يراعي "صحواً" ولا "مطراً" ههه؟

ج- كان تلقائياً.

 

س- تضم "جداريات " ثلاثاً وستين قصة قصيرة جداً، وإذا استثنيتا اثنتيْ عشْرةَ قصة وهي (الفوز العظيم- بعد الستين- فيض من غيض- الزواج المبكر- اللوحة الإلكترونية- رفيق ليلتي- فاعل خير- الربيع العربي- ربيع عمري للبيع- السوق الأسبوعي) نلحظ أن اهتمامك بالعنوان " المفرد" طاغٍ ولافت ؟ لماذا هذا الاختيار ؟

ج- العنوان "المفرد" هو عنوان قصير جداً كالقصة تماماً، لكنه يحمل شيئا أو كل شيء من المتن.. ويبقى خير الكلام ما قل ودل.

 

س- قصة " شاعر" ص 64 رائعة، وشائقة، وأعتبرها أيقونة " جداريات" :

[ نظم حفلا على شرف ديوانه

سألوه عن القصائد..

نطقت البطلات : " لم يكتبها" !]

ما أسوأ أن تفضح أصحابَها النصوصُ؟، ولكم سيء أيضاً أن تخذلنا مواقفنا؟

حدثيني عن هذا االنص الجميل تحديداً؟

ج- قصة "الشاعر" كانت مناسبتها حضوري افتتاح المهرجان الدولي للشعر الذي يقام في الناظور، حين خانت الفصحى صاحب الكلمة.

فعلا، ما أسوأ أن يفضحنا ديواننا الوحيد.

(شغبي لا يعترف ب "قف".. ههه).

 

س- كُرمتِ في وجدة رفقة القاص محمد خالدي، ولقد أطر اللقاءَ الدكتور الوارف مصطفى سلوي، بحضور أسماء وزانة في ميدان القصة .. كيف كان اللقاء، وماذا أضفت في زوادتك وأنت عائدة غانمة من هذه الزيارة ؟

ج- في مقهى أرابيسك الأدبي بوجدة، ترأس الدكتور بوشعيب بنيونس لقاء بنكهة المودة، فبالإضافة إلى المشرفين على المقهى شاركنا الحفلَ دكاترة وأساتذة وشعراء وأصدقاء من المدينة وآخرون سافروا من مدنهم إلى وجدة ليفاجئونا بالحضور، وأجمل مفاجأة كانت حضور أساتذة أصدقاء من الحقل الثقافي والإعلامي بالناظور.

وعن التأطير فقد شاركت الدكتورة جميلة الرحماني بقراءة نقدية في المجموعة القصصية "يحكى أن.." وهي كما تعلمون للقاص محمد خالدي، في حين شارك الدكتور مصطفى سلوي بقراءة نقدية لمجموعتي "جداريات" وقد فصّلها تفصيلا نصاً نصاً، بل وأدهشني بملاحظات قيمة أضفت على قصصي جمالاً وبدت أكثر إتقاناً وإلماماً بقواعد السّرد القصير جدا... وقف عند كل صغيرة وكبيرة في جدارياتي، وقراءته لبعض النصوص أصابت الكثير مما قصدته، بل واستطاع من خلالها الكشف على طريقة تعاملي مع النّص صياغة وحبكة وقفلة.

من وجدة دائما أتعلم، فبعد سنوات دراستي الجامعية، ويوم استضافني المقهى الأدبي تعلمت أن مسافة ساعة ونصف من الطريق يمكنها أن تكون أحنّ على قلب شباب مبدع.

 

س- أسجل إعجابي بنصرتك لشباب مدينتك، ودعمهم مادياً ومعنوياً من أولوياتك.. هذا الاهتمام تترجمه مواقفكم، و أنشطتكم الرائعة في " رابطة كتاب الشباب بالريف"، فلا صُم صداكم أبداً.. ماهي الإكراهات التي تواجهونها في الرابطة؟

ج- قبل أن أتحدث عن الإكراهات لابد من التعريف ب "رابطة كتاب الشباب بالريف"، هي جمعية شبابية تأسست سنة 2014 لإغناء المشهد الجمعوي الثقافي بالريف خاصة والمغرب عامة. وذلك من خلال تنظيم أنشطة ومعارض ثقافية، خدمة الثقافة الأمازيغية، تنمية المواهب الفردية والإبداعات الفنية والثقافية، مد جسور التواصل والتعاون مع الجمعيات والجهات المهتمة بالتنمية الاجتماعية، تشجيع الأعمال التي تخدم مصلحة الوطن والأمة... هذه الأهداف لا تتحقق إلاّ بالعمل الجاد والتسيير المحكم، وشباب الرابطة أبانوا عن قدر كبير من المسؤولية ووعي تام بمهمة لم شمل المبدعين في المدينة أولا ثم الريف ثانياً والمغرب عامة.

لا يخفى عنكم ما تعيشه أي ساحة ثقافية من مشاكل فرض الأنا وغياب الدّعم المادي والمعنوي من طرف المسؤولين، ومشاكل حجز القاعة والطّبع وغيرها من المصاريف.. وفي الرابطة نسجل وبكل فخر المجهود الذي يقوم به أعضاء المكتب المسير رغم فقر المادة وغياب فضاءات ثقافية خاصة تفرضها بعض الأنشطة كالمائدة المستديرة والندوات واللقاءات والمسرحيات و.. و...

ولا أخفيكم أن أنشطتنا تعتمد بالأساس على الدعم الذاتي و المؤهلات المهنية للأعضاء، فمنا من يتكلف بالتصاميم ومن يتكلف بالتنقل و آخر بالإجراءات الإدارية والتحضيرية والمحاسباتية والإعلامية وهكذا... أما التكاليف المادية فالإخوة لا يتوانون عن ضخ المساهمات كلما اقتضى الأمر، ومن هنا أحيي كل واحد منهم تحية إكبار وعرفان لمجهوداتهم ولحمتهم خدمة للثقافة وخدمة للناظور.

 

س- المنجز الإبداعي في القصة القصيرة جداً بالناظور ولج رحاب الجامعة من خلال بحوث جامعية لشباب اختاروا أسماء مبدعين من الناظور لنيل شهادة الإجازة.. ما رأيك في هذا الحراك الثقافي لشباب باتوا يردون الاعتبار لمبدعين ناضوريين، عاشوا في الظل رغم إسهاماتهم ؟

ج- في الناظور مبدعون يستحقون هذه الالتفاتة وأكثر، وهي خطوة تعني الاعتراف بهم وبإبداعاتهم سواء الأدبية أو الفنية، وأعتقد أن الفضل هنا يعود من الدّرجة الأولى إلى الحراك الثقافي الذي عرفته المدينة قبل سنوات والذي كشف عن أسماء عاشت في الظل فعلا وأسماء انطلقت من فوق خشبة المهرجانات، وهنا أسجل اسمي كقاصة بدأتْ مشوارها السردي من المهرجان الثالث للقصة القصيرة جداً والذي تشرف عليه جمعية جسور وكان لأستاذي ومحاوري ميمون حرش الفضل الأكبر بعد فضل الله علي.

ومن خلال مهرجان جسور و مبادرات الجمعيات الأخرى التي فتحت أنشطتها المجال للمبدعين بعرض منتجهم السردي، حصلنا على تراكم للإصدارات السردية خاصة القصيرة جداً، وخول لمبدعينا البروز بشكل لافت شدّ انتباه الطلبة الباحثين في رحاب الجامعة، فالحراك الثقافي دائماً ما يولد الطفرة.

ونتمنى أن يحظى الشعر بذات الاهتمام الجامعي ولو أن مهرجان الشعر الدولي بالناظور الذي تنظمه إحدى الجمعيات المحسوبة على المدينة والتي لا تنشط إلا من خلال هذا المهرجان، لا تفتح المجال أمام شعراء المنطقة ما يفسر غياب تراكم الدواوين وبالتالي قصور في الدراسات الجامعية.

وهذا مشكل حقيقي نتناوله في الرابطة و لنا رؤية سنحاول تصحيح الوضع من خلالها ونسأل الله التوفيق والسداد.

 

س- كيف حال النقد معك زلفى؟

ج- ماعدا قراءة الدكتور مصطفى سلوي لمجموعتي "جداريات"، أقول إنني مستاءة من موضوع النقد جداً جداً.. ولست الوحيدة، فمن خلال تتبعي لسياسة النقد/المصلحة التي ينهجها معظم نقادنا فإن إبداعات الشباب مقصية تماماً من قراءاتهم ربما لغياب المصلحة هنا.

فما معنى أن يعج الناظور بنقاد كثيرين لا يواكبون الإنتاجات الإبداعية المحلية ليس عبر النشر الورقي في الجرائد فحسب بل حتى في الفضاء الأزرق بالفايسبوك، في حين أنهم يقتصرون على القراءة المدرجة في الإصدارات أو بحفلات التوقيع. وهنا أقترب لأهمس لهم "لاتستهينوا بأهمية المواكبة في العالم الافتراضي، لأنها تفتح فضاءات أرحب"، وأستشهد لهم -هنا- بكتابات الأستاذ الخضر التهامي الورياشي الذي أخذ التجربة على تنوع المواضيع التي طرحها، رسم اسمه على امتداد الفضاء الأزرق فتمكّن المبدع من معرفة خصوصية طرحه ولو أنه ليس بناقد إلاّ أنه خرج من بوثقته لينفتح على العالم، ماجعله يقدّم لبعض الإصدارات.

فهل سيأخذ نقادنا هذه التجربة..؟ ربما !!

وفي غياب ذلك سأكتفي بالقول إننا نكاد نجزم بعدم وجود النقد الجاد والبناء.

 

س- لمن تقرأين في القصة القصيرة جداً من جيلك ؟ وما رأيك في النصوص عموماً في هذا الجنس؟

ج- قرأت للقاصة نجاة قيشو، أحب نصوصها التي تطرح مواضيع اجتماعية مهمة، وأحب قصصها القصيرة أيضاً.

أقرأ للقاصة رامية نجيمة، تنفرد بأسلوبها الجميل في كل كتاباتها سواء كانت قصصاً قصيرة أو يوميات أو مقالات.

أقرأ للقاص محمد خالدي، أعتبره من المتمكنين من هذا الجنس خاصة، وأشهد على اجتهاده في قراءة وتحليل ونقد النصوص، وإبداعاته تتحدث عنه.

أقرأ بعض النصوص لأصدقاء على صفحات التواصل الاجتماعي فايسبوك.

 

س- ماذا في الأفق ؟ ماذا سنقرأ لك غداً؟

ج- قريباً سيصدر ديواني "همس المرايا" الذي أحببت أن آخد وقتي في التحضير له، وقد قررت أن أكتفي فيه بكلمة واهداء دون تقديم. وهناك مشروع ديوان جماعي سيرى النور قريباً.

في مجال السّرد تفرغت مؤخراً لكتابة قصص قصيرة ستكون ضمن إصدار قصصي ثان سيكون بإذن الله أنضج بعد تجربتي الأولى "جداريات".

 

س- شكراً على صبرك زلفى، كلمة أخيرة رجاءً..

ج- هل تكفي كلمة "شكراً" في حقك أستاذي؟

أسعدتني بحوارك وأسئلتك وتطرقك لجوانب أعتبرها مهمة انطلاقاً من قصة اسمي وصولا إلى ما في الأفق بإذن الله.

شكراً لك بحجم حبي لك ولأسرتك الكريمة.

 

حاورها : ميمون حـرش

 

ناتالي الخوري غريب أديبة لبنانية تمتلك عناصر الوعي النظري والفلسفي بالكتابة، حيث لفتت الانتباه بباكورتها الروائية "حين تعشق العقول" لأنها جاءت باحثة عن الحقائق في محاولة منها للخروج عن المألوف بنكهة صوفية.

تخصصت غريب في أدب اللغة العربية وحصلت على درجة الدكتوراه فيها، كما أنها ساهمت في العديد من النشاطات الثقافية والعلمية. صدرت لها العديد من الكتب والأبحاث في شتى المجالات. حول تجربتها في عالم الكتابة الروائية والقصصية والأكاديمية كان لنا معها هذا الحوار:

 

تكتبين في العديد من المجالات الأدبية كونك أكاديمية باحثة، فأين تجدين نفسك ولماذا؟

- لكلّ نوع كتابي نكهته الخاصّة، فالكتابة البحثيّة عمل لا بدّ منه للأكاديمي من أجل تطوير عدّته النقديّة، والاطلاع على المناهج، والبحث عن الجديد لشعراء لم تتم الإضاءة عليهم، أو مقاربة أدباء بطريقة مغايرة، وهنا لذّة الكتابة البحثية في إظهار جديد لم تتمّ مقاربته من قبل نقّاد أو باحثين سابقين. كذلك تكمن متعة العمل البحثي في أنّك تجدّد أسلوبك بحيث تتأثّر بمن تدرسهم في إطار التراكمات التي تخلق جديدا، ليس تلك التي تجعلك مقلّدًا أعمى.

لكن في الكتابة الأدبية، أنت أكثر حريّة، لا تقيّدك المناهج، أنت حرّ في اختيار القالب، أكان مقالة أو قصّة أو رواية. ولكلّ من هذه الأنواع متعة خاصّة في الكتابة. لا أخفي انحيازي إلى كتابة الرواية أو القصّة، لأنّها تجعلني أحلّق في فضاءات التعدّدية، عند اختيار شخصيات متناقضة، تجعلني أجد مبرّرات لتصرّفات كلّ منها، وأغوص على أعماقها. في الرواية، القلم يسيّرك، وليس العكس، أنت تتعاطف مع أبطالك، تناضل معهم، تحزن حزنهم، تكون هم جميعًا، ويكونوا أنت. 

 

تثير البطلة "صوفي" اهتمام المتلقي كونها تبحث عن الحقيقة والحب وسط الغربة بالرغم من تناقضات الحياة وقسوتها، فمن أين تستوحي ناتالي الخوري غريب كل هذا الشجن لرسم ملامح شخصيتها؟

  • الشجن هو ما نراه كثيفا حولنا، في مآسي الناس ومآزمهم، وهذا ما ينعكس في عيونهم ونظراتهم، المظالم الكثيرة حولنا لا تحتاج إلى حسّ مرهف كبير لتشعر بالآخرين، يكفي أن تضع نفسك مكانهم، فينتقل إلى داخلك كلّ الحزن الساكن في عيونهم. أبطالي هم شخصيات من المجتمع الذي أعيش فيه.

 

هل يمكن أن نقول أن "حين تعشق العقول" رواية ذات بعد صوفي كرواية "قواعد العشق الأربعون" للمبدعة التركية إليف شافاق؟

- لا شكّ في أنّ قراءاتي في التصوّف، جعلتني أرى إلى التصوّف على أنّه يشكّل درب الخلاص بطريقة ما، من ناحية الانفتاح على الجوهر الإنساني بابا للإيمان بالعدالة الإلهيّة وإيمانا بالجوهر الواحد الذي ينطلق منه مهب وحدة الأديان إذا كانت إليف شافاق اعتمدت على سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي وشمس تبريز لإظهار الحقيقة الصوفية، فإني آثرت أن يكون تصويري للحقيقة الصوفية من باب الواقع الإنسان المعاش عند الناس العاديين في ارتقائهم إلى هذا الفكر.

 

من الروايات التي أثارت جدلا روايتك الموسومة "هجرة الآلهة والمدائن المجنونة" لأنها جاءت مرآة عاكسة لتشريح أزمات الواقع العربي، فما خلفية القصة يا ترى؟

- ربّما يكون العنوان هو أكثر ما أثار الجدل، فبعضهم يتوقّف عنده من دون الغوص على أعماق الرواية، العنوان بحدّ ذاته يحمل التباسًا في الدلالة، "من هجر من"؟ الناس هجروا الله أم هو الذي هجرهم؟ تحمل الرواية مأساة الإنسان العربي في ظلّ الحروب، انطلاقا من الحرب السورية تحديدا وصولا إلى معاناة الايزيديين، وصولا إلى افريقيا ومعاناة إيبولا. هي معاناة الإنسان في وقفته أمام الموت، ووصف مآزمه الإيمانية بين هجر الله أو التمسّك بإلإيمان به، من خلال وقفات مختلفة أمام الموت، لأعرض من خلال قصّة رجل دين فقد عائلته أمام عينيه في الحرب علاقته مع الله بين مدّ وجزر، وكيف تعاطى الماركسي والصوفي والعبثي والمؤمن مع هذه الفاجعة التي يعانيها جميعهم.

 

كونك باحثة وقف اختيارك على أسماء أدبية مرموقة كميخائيل نعيمة وكمال جنبلاط في مشروع الدكتوراه. لماذا هذا الاختيار وما هدف الدراسة المقارنة؟

- كان هدفي من الدراسة الإضاءة على شعر صوفي لم يدرس سابقًا، في محاولة لاستخراج منظومة صوفيّة متكاملة تحكم شعرهما، وفقا لمنهج البنوية التكوينيّة . نعيمة دُرس كثيرا في أدبياته، لكنّ شعره لم يدرس صوفيًّا، كذلك المعلّم كمال جنبلاط، دراستي هي الدراسة الأولى التي تناولت شعره كاملا، وقد حاولت وفاقا لمشاربهما المختلفة أقامة مقارنة بينهما.

 

ما الذي يغريك في الكتابة القصصية عموما؟ ولماذا اكتفيت بنشر مجموعة واحدة تحت عنوان "العابرون"؟ وماذا عن مضمون هذه الأخيرة باختصار؟

- لم أبتعد في مجموعتي القصصيّة عن المنحى العام لروايتي السابقتين. بقيت شجون الإنسان في ظلّ الحروب مهيمنة، كما في أقصوصة "قوارب الموت" التي يخبّر عنوانها عن مضمونها،" وجبل الأماني" التي تتناول موضوع الاتجار بالأعضاء، و"كتاب الأسرار" التي تتناول الموروث الديني، كذلك "عودة الابنة الضالّة". أمّا "الغريبان"، فلها فضاء مختلف نسبيًّا لرومنسيتها وتوقها الى إلغاء الحواجز بين البشر التي افتعلوها، ولغتها الشعريّة. المختلف في هذه المجموعة القصصية، أنّها تجمع بين الأسلوب الواقعي والرمزي، يقترب من الأسطورة أحيانا لينقل الواقع إلى فضاءات عالم المثل. لست مكتفية بمجموعة واحدة، وآمل أن تطلّ أخوات هذه المجموعة قريبًا.

 

كيف تنظر ناتالي الخوري إلى حركة النقد في لبنان والوطن العربي اليوم؟

- لست من المتشائمات في هذا الموضوع، أرى أنّ مستوى الحركة النقديّة يصوّر مستوى الحركة الأدبية، على صعيد الصفحات الثقافية ومنابر الندوات والإصدارات الجديدة، كذلك على صعيد الدراسات الأكاديمية والأعمال البحثية. كلّ يختار منهجه وفق اقتناعاته هذا حقّه. ونموّ حركة النشر في الأعمال النقديّة يعبّر عن عافية النقد في لبنان والعالم العربي.

 

أنت رئيسة حركة إصدار ونقاش، ومن مؤسسيها، وهي حركة نقدية. ما الهدف من هذه الحركة النقدية؟

- في ظلّ المنتديات الشعرية الكثيرة في لبنان، كذلك المنتديات الثقافية، فكّرت بحركة نقدية لا تشبه أخواتها، بدأنا بإنشائها مع طلابنا وبعض الزملاء الجامعيين والإعلاميين، من حيث ضرورة حضور ثلاثة أجيال متخصّصين على المنبر الواحد لمناقشة الأعمال الأدبيّة،  ولقاء الأدباء. نعمل الآن على تمتين حضور الطلاب، أي الجيل الجديد من خلال لقاء الأدباء وعرض أبحاث ودراسات حول أعمالهم، ومن ثمّ نشرها في الصفحات الثقافيّة، ليتمّ الانطلاق لاحقا إلى الهدف الأساسي من حركتنا وفق مشروع نقدي يجمع بين الأكاديميّة وترغيب القرّاء غير المتخصّصين بالنقد.

 

هل أنصفك النقد؟

- لا يمكن لأيّ عمل أدبي أن يكتمل أو ينصف من دون عمل نقدي يواكبه، وإعلام يظهره. وقد كنت محظوظة أن تناول الكثير من الأقلام الناقدة أعمالي الأدبيّة، بكلّ موضوعيّة إظهارًا لما فيها من مكامن فنية وتجديديّة. أحييهم جميعًا.

 

ماذا عن علاقة الناشر والمبدع  حاليا باختصار في رأيك؟

  • يجب أن تكون علاقة احترام متبادل وثقة متبادلة بين كلا الطرفين. فالنشر عمل رسولي، وإيمان بأهميّة الكتاب الذي ينشره بناء على قيمته وإفادته.

 

ما هو جديدك للقارئ العربي؟

- أعمل الآن على رواية جديدة، تحمل خطًّا جديدًا مغايرًا لما كتبته سابقًا، تجمع بين التصوّف والأديان والحضارات، وتشبهني كثيرًا.

 

هل أضاف العالم الافتراضي شيئا جديدا إلى الأدب والثقافة في نظرك؟

- لا يمكن لنا أن ننكر أنّ العالم الافتراضي جعل الأدباء العرب يقرأون نتاجات بعضهم ويتعرفون إلى بعضهم بعضًا، وهذا ما خلق توليفة جديدة ولو أنكر كثيرون ذلك. فالهواجس العربية واحدة، ما عادت الجغرافيا لتفصل بينهما، واللغة واحدة، والنبع الذي نستقي منه جميعًا واحد.

في الختام، ما هي رسالة المبدعة ناتالي الخوري غريب لجيل الرواية الجديد من الشباب؟

- أتمنّى على من يكتبون الرواية، أن يكتبوا نصوصًا تشبههم، تعبّر عن هواجسهم، وتحمل رسالة تجعل الآخرين يؤمنون بالتعدديات،  ويقبلون على الحياة وجمالاتها بكلّ إنسانيّة وانفتاح وحسّ كوني، وألا يهملوا متطلّبات الروح وصوتها، وذلك بلغة عربيّة أنيقة وصحيحة.

 

حاورها: عبد القادر كعبان/الجزائر

 

 

 

 

- في الابداع وفارق الكيل بأكثر من جنس تعبيري

في هوس بالحرف الثائر وطاقته الدفينة وقدراته على رسم ملامح بريئة ونزيهة للمغاير والاستثنائي والمختلف. في مزاوجة بديعة للخطابين الشعري والسياسي، نجد المبدع العراقي عبد الجبار الجبوري يبني مشروعه الأدبي العاكس لطقوس الاغتراب الفانتازي داخل النص فيطالعنا بأسفار سندباد حقيقي يسبق أحلام جيله بأميال من الرؤى وآفاق من الجمال.

إنها الترجمة الكاملة لهموم الذات المثقلة بهواجس الوطن .

الوجع العراقي كنواة لفسيفساء كلامية تنشقّ لتدهش عبر تجديد التحامها بالقضايا الإنسانية الكبرى الشاملة واللامّة انتهاء.

 

*في البدء، نود تلقّي فكرة عن منجزك منذ أول إصدار لك وحتى الآن . باختصار لو تكرّمت.

 ـ  بدايتي الأدبية كانت محاولات بسيطة في أواسط السبعينات، وأنا طالب إعدادي، وفي بداية الثمانينيات بدأت اكتب وانشر القصائد في جريدة الحدباء الموصلية، وصحف العاصمة، وفي عام 1987 أصدرت لي وزارة الثقافة والإعلام مجموعتي الشعرية الأولى (ما قاله السيف العراقي) وهو مجموعة قصائد تسجل حياة الجنود والمعارك والمواقف الإنسانية والبطولية وغيرها، واعتبرها قصائد حرب تعبوية، وأصدرت بعدها مجاميع شعرية مشتركة مع مجموعة شعراء من الموصل منها: – أفق – ألق - أغنيات الحرب- عشرة شعراء مقاتلين في الحرب باللغة الانكليزية من ترجمة الدكتور الناقد سلمان الواسطي، الصوت، ثم صدرت مجموعتي الشعرية الثانية عن اتحاد الأدباء العرب بدمشق بعنوان (رحيل امرأة اللوتس) ثم مجموعتي الثالثة (البحر ليس اسمي) عن دار نينوى في دمشق .

وتحت الطبع الآن سيصدر ديواني الرابع (تلوح لي بشالها الأبيض) عن دار تموز قريبا..

 

*لا شكّ في أن شطر الذات نصفين، لهو عمل شاق في الحقيقة ومكلف من حيث بذل الجهود المضاعفة وتكريس الحيز الزمني الكافي. أعني عملية المزاوجة بين الممارستين الشعرية والسياسية .أين يجد أديبنا ذاته أكثر؟

ـ حقيقة الفصل بين الخاص والعام أمر في غاية الصعوبة، ولاسيما وأنت تحمل على كتفيك هموم وطن مزقته الحروب والطائفية،وبقيت أطلاله راسخة في ذاكرة الجيل، لذلك أرى أن الكتابة في الخاص هو منطلق وديمومة للذهاب إلى العام، فأرواحنا التي خربتها الغربة والحرب،قد أيقن الحرف أنه لابد من أن يمسك بجمرتين في آن واحد، وهذه اللحظة تجعلني أوازن بينهما واعترف أنني امشي على حد السيف، لان الشعر هو انعكاس حقيقي لما يجري على الأرض وتشهده الميادين، ونقله إلى الورق إن كان شعرا عاطفيا، أو شعرا عن الوطن ولملمة جراحه، وفضح بشاعة الاحتلال وإفرازاته، لذلك أنا اكتب القصائد الشعرية تحت هاجس جراحات الوطن، وقصائد الحب تعطيني شحنات إضافية لأرتب قيافتي وأناقتي واذهب إلى الحرب كمقاتل يحمل بيده حرفا يطلق الرصاص على جسد الوحش "خمبابا "ليرديه قتيلا،من اجل أن تبقى الورود متضوّعة ويانعة في بساتين الوطن..

 

* لعلّ ابرز إفرازات مرحلة ما يصطلح عليه مجازا بثورات الربيع العربي،هذا الراهن الأثر فوضوية واضطرابا ودموية وانتشار للتيارات الإرهابية والفكرية الشاذة والمتطرفة. ومن ثم ذلكم الفيض من المرايا المواكبة للإبداع المضاد والمعارض للمشهد برمّته . كيف تقيّم التجليات الصارخة لموجة أدب الخراب؟

ـ أفرز الربيع العربي الكاذب سيلا من الأسماء التي تطبل لهذا الخراب، كما فضح الربيع إستراتيجية فاشلة كان يعول عليها الآخرون في تمزيق الوطن العربي كله ن وتحويله إلى دويلات طائفية وعرقية ودكاكين وفوضى خلاقة، وغزو العراق فضح هذا كله كما فضح زيف وتضليل الديمقراطية الأمريكية والغربية التي دعمت الربيع العربي،لذلك من الطبيعي أن ينجب الربيع العربي المزعوم طفله اللقيط الملفوف بعار العمالة والخيانة، هنا نحن لا نريد آن نمجد الأنظمة التي شاركت بوعي وتخطيط أو بدونه في تدمير العراق وإخراجه وإبعاده عن محيطه العربي، وفاتهم انه خربوا بيوتهم بأيديهم وألان،يعظون أصابع الندم، "ولات ساعة مندم "..

نعم الخراب كل شيء في أرض العرب،وكل مفاصل الحياة دخلها الماء الآسن والهواء الفاسد للربيع العربي الكاذب، وما نشاهده هو نتيجة طبيعة لخطيئة اقترفها العرب بحق أنفسهم حينما صدقوا كذبة الربيع العربي..

 

*إلى أي حدّ أسهمت المنافي أو تجربة الاغتراب في بعديه الروحي والمادي،في صقل وتطوير آليات الكتابة لديك؟

ـ الغربة محطة مهمة جدااا في حياتي، فمنها تعلمت الصبر والمطاولة، ومنها انصهرت روحي أكثر في الوطن حد الذوبان، والغربة والاغتراب صنوا شعري، اغترف منهما ما يشحن ويملآن روحي بهجة وحنينا للوطن الذي احمله كحقيبة تحت جوانحي وفي أعماق قلبي، في غربتي كنت وجها لوجه مع الحب الذي يؤطر روحي بالخيبة والحزن والأوجاع المستديمة، لذلك هجم بكل عنف على ذاكرتي وأيقظها من نوم عميق ومسح عنها غبار الحروب، فكانت قصائدي تلمع حروفها حبا وشوقا، وبهذا أنجزت في غربتي وتغربي مجموعتي الشعرية المكونة مما يفوق الأربعين قصيدة ومقاطع نثرية تزيد على الأربعمائة صفحة، سيتم صدورها قريبا عن دار تموز في دمشق، ومازلت نازحا، ما زلت نازفا شعرا وحبا، وأجزم أن فترة النزوح هذه أعادت ترتيب حياتي بشكل مختلف جدا،إذ أن تنقلي في المدن التركية الرائعة التي تعد جنائن على الأرض، هي فرصة لاستجلاب ما كان غائرا في أعماق التاريخ واستحضاره شعرا معاشا لديمومة آلام الغربة وتجلياتها وانطباعها على صفحات الروح كندب ظاهرة على يد القصيدة، وهذا ما تراه شاخصا على جسد القصائد التي تحكي ليالي البعاد عن الحبيبة وبساتين العشق ودوحة الشعراء..

 

*كونك محللا بارزا ومهتما محنّكا بالشأن السياسي، نريدك منك قراءة استشرافية للمشهد السياسي العربي وارتباطاته بتوجهات الدول العظمى، بخاصة ولاية ترامب المتهم بميولاته الأصولية حسب قناعات الكثيرين؟

ـ اعتقد أن الفترة المقبلة من تولى الرئيس ترامب ستكون أكثر جرأة ومصداقية في مواجهة الإرهاب بكل أشكاله، الذي يخرج من عباءة الإسلام السياسي، والذي يتشدق ويتبرقع بالإسلام . واعتقد أن فترة وعصر ترامب سيكون قاسيا على الأنظمة الإسلاموية التي تدعم بسخاء ولا محدودية الإرهاب وتعمل على تفريخه عبر فتاواها الرجعية والضيقة والمتحجرة . ولا استثني منها أحدا، ستكون حروبا من شكل أخر هو شكل صعود العلمانية واللبرالية وانحسار المد الإسلاموي . وهناك حروب محتملة ستشهدها المنطقة لمواجهة الدول التي تدعم الإرهاب وترعاه، وفي مقدمة هذه الدول إيران بعد إلغاء الاتفاق النووي الأمريكي –الإيراني، والطاقم الرئاسي المتشدد ضد الإسلام السياسي الذي هيأه ترامب لقيادة هو ما يوحي بكل هذا التحليل السياسي..

 

*ما موقفك من أصحاب نزعة الكيل بأكثر من جنس تعبيري بغية عولمة الصوت الشخصي وتمرير الرسائل الفنية والمعرفية والذود عن القضايا المصيرية والحساسة والنضال ضد الفساد بشتى أشكاله وأساليبه؟

ـ نحن في حرب دائمة مع الفساد في كل شيء، وأخطرها فساد العقول التي تسرطنت بأفكار القتل والذبح والخراب وتفتيت المجتمعات وتجزئتها، هناك من يحمل فأسه ويهدم ببناء الأمة، وهناك من يقدم دمه قربان لبناء صرح الأمة وترسيخ قيم المثل والأخلاق وعصرنة الواقع والخروج من قوقعة الماضي كفكر لا يماشي العصر والإصرار على اجترار التاريخ، وإسقاط أمراضه بقوة على حياتنا اليومية، وهو أسير التاريخ الملطخ بعار الحروب، دون التفكير بالمستقبل وتحولات التاريخ والاستفادة من دروس الماضي دون المساس بالثوابت القومية والوطنية والدينية والتاريخية كمنطلق نحو أفق الولادة والحداثة والتجدد..

 

*كلمة ختامية

ـ أحلم بوطن سعيد وآمن بعيدا عن الطائفية والانغلاق والتقوقع على الذات . وطن للتعايش والتسامح وبناء الدولة القوية المُهابة.

 maymon harashفاطمة وهيدي كاتبة مصرية، لكُتبها القصصية انسياب نهر النيل، تستمد من مائه صفاء الكلمات، وتبني بها أضمومات"مخملية" استطاعت أن تحصد بها إعجاب من يقرأ لها، وفي النفس رجاء وسؤال :الرجاء أن يكون القارئ مثلها في الحكي، والسؤال هو : نحن أمام شهرزاد ثانية، وهي حتماً امتداد للأولى، فهل تحكي ما لم تقله لشهريار؟!

 حصدت فاطمة ُجوائزَ أدبيةً مهمة، في مصر وخارجها، وكـ " الطير المسافر" تحط الرحال ببلدان عديدة، تحكي، وترحل بعد أن تترك بساط " الحكاية" ممدوداً، يفرد، كطائر، جناحيْه، يركبه عشاق الكلمات ويسوقون به الريح أمامهم..

 

 أهلا بك أستاذة فاطمة في" العرين" ..

-أهلا بالأديب والقاص المتميز / ميمون حرش، وشكراً على مقدمتك الرائعة وكلماتك الطيبة في تقديمي لقرائي.

 

س- فاطمة وهيدي، بعيداً عن الأدب، من أنتِ؟

ج- لن أستطيع أن أُعرف نفسي بعيداً عن الأدب، فأي إنسان عبارة عن مجموعة من الأفكار والمشاعر، والأدب أحد الوسائل التي يمكننا أن نعبر بها عن أفكارنا وعواطفنا، وهو فن من الفنون الجميلة كالرسم والموسيقى، فإذا عرفت نفسي من خلال الرسم سأكون زهرة تستقي ألوانها وعبيرها من سعادة المحيطين بي، وإذا لجأت إلى الموسيقى سأستحيل نغمة تستمد لحنها من فرح كل من ينتمي إلى قلبي، لأجدني أعود إلى الأدب طائعة مُعترفة، مُعرِّفة " فاطمة " بأنها تفطم نبضها كل لحظة عن الكره، وتعشق الحب بكل أشكاله وتفاصيله، وتجنح إلى السلم والهدوء.. تهفو إلى الموسيقى كل حين، وتحن إلى الزهور كل لحظة، يسربلها الهدوء ظاهرياً، وتجتاحها ثورات داخلية تجبرها على اللجوء إلى الكتابة لتتنفس.

 

س- حدثينا عن البدايات، هل كانت مع فن القصة؟

ج ـ البداية قبل البداية كانت مع القصة، بمعنى أن كل فتاة تَنشأ بداخلها "حكاءة" تنمو كل يوم، في الصغر تروي القصص لعرائسها الصغيرة، ثم تحكي، فيما بعد، لصغارها الحكايات. ولكن إذا تحدثنا عن الكتابة الأدبية فبدايتي كانت مع الشعر وليس مع القصة.

 

س- ولماذا القصة القصيرة جداً تحديداً؟

ج ـ القصة القصيرة جداً لم تكن اختياراً، لقد وجدت نفسي مُحلقة في غرامها "ولم أقل واقعة في غرامها" لأنني مؤمنة بأن الحب يجعلنا دائما نسمو ونرتفع، ربما لأن القصة القصيرة جداً تعتمد على التكثيف والايجاز، فإذا كان خير الكلام ما قل ودل، فأحسن القصص ما قص ودل. أيضاً القصة القصيرة جداً تجعلك تشغل بال المتلقي وتجبره على التركيز والتفكير في كل ما كتبته حتى يصل إلى المغزى المراد منه في النص الذي قدمته له.

 

س- من إصداراتكِ : "تقاسيم على وتر الشوق"، و" لا عزاء للحلم"، و"نبضات"، و"ثلوج سواء"، و" شذرات عتقها الهوى"، و"ما لن تقوله شهرزاد"...

دعيني أسجل الملاحظة التالية : كلمات مبثوثة في هذه العناوين تكاد تكون من بطن واحدة تقريباً هي : الشوق، الحلم، النبض، الهوى، لدرجة توحي بأننا إزاء كِتاب واحد.. ما رأيك؟

ج ـ الكلمات بالطبع من معين واحد، ونبض واحد، ولكن الحالات مختلفة، فكل عنوان يحمل في داخله تجربة أدبية مختلفة عن سواها الأخريات، سواء في الفكرة أو المضمون.

 

س- من بين كتبك نقرأ بعض الشعر على شكل شذرات.. ما الخيط الذي يربط الشذرة بالقصة القصيرة جداً؟

 التكثيف والصور الشعرية واستخدام جماليات اللغة..

س- عناوين كتبك شاعرية، فمن أي مشتل تختارين مثل هذه الباقات؟

ج - من حدائق روحي...

 

ـ "ثلوج سوداء" مثلا عنوان لافت، الثلج أبيض، فلماذا هذا الطلاء بالأسود؟

ج- في إشارة للقارئ، وضعت على الغلاف الخلفي للمجموعة القصصية "ثلوج سوداء"، نص يقول (لم ترعبها كثرة الأقزام حولها ولا كونهم أشراراً - بخلاف ما ذكرته الأسطورة- كل ما في الأمر أنها لم تعد تستطيع الحفاظ على قلبها ناصعاً كالثلج "سنوايت" )

وبالتجول بين قصص المجموعة تجد الرابط بين العنوان والنص الخلفي والقصص والذي يفسر سبب تسمية المجموعة بـ "ثلوج سوداء". والمقصود هنا القلوب الباردة كالثلج ولكنها لم تأخذ بياضه بل غطى السواد عليها.

 

س- هل أنت متفائلة بمستقبل القصة القصيرة جداً؟ وهل ستصمد أمام من يهاجمها، ويعتبرها مجرد"هرطقة" أو"موضة" ، مثلها مثل الأكلة الخفيفة جداً، لا هي "دسمة" ولا هي تغني من جوع؟

ج ـ في الآونة الأخيرة نجح المهتمون بالقصة القصيرة جداً بتسليط الضوء عليها وذلك بإقامة الملتقيات والمسابقات التي تهدف إلى إثراء هذا الفن بالمشاركات الجيدة والدراسات النقدية القيمة، وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على سهولة الترتيب والمشاركة في هذه الملتقيات سواء من خلال الانترنت أو باللقاء الفعلي.. ومن أهم المهرجانات الهادفة الفاعلة "مهرجان الناظور" الذي تشرفون عليه وتحرصون على تقديم كل ما هو جديد في كل دورة من دوراته الخمسة، كذلك قامت وزارة الثقافة المصرية هذا العام بتخصيص جائزة الدولة التشجيعية فرع القصة للقصة القصيرة جداً وقد فاز بها الأديب المصري منير عتيبة، وهو مدير مختبر السرديات بمكتبة الاسكندرية ومن أهم الرموز الأدبية المصرية المهتمة بهذا الفن. أيضا في إسبانيا تحرص منظمة متحف الكلمة على إقامة مسابقتها السنوية في القصة القصيرة جداً، وقد تقدمت لها هذا العام أكثر من خمسة وثلاثين ألف قصة وفازت بالمركز الثاني القاصة المصرية سعاد سليمان .

إذن نحن أمام حراك ثقافي مطرد في هذا المضمار يسعى لتنقيح وتطوير هذا الفن والحفاظ عليه بوسائل عدة.

 

س- في مصر مثلا، هل هناك من يعيب عليك كتابتك القصة القصيرة جداً؟

ج ـ بالطبع، كل فعل يقوم به الإنسان سيقع بين مؤيد معارض، وهناك بعض النقاد طالبوني بعد نشر "ثلوج سوداء" بالتوقف عن كتابة القصة القصيرة جداً والاتجاه إلى الرواية.

 

س- من مميزات القصة القصيرة جداً : الاقتصاد، والاختزال، والمفارقة والدهشة مع إرباك القارئ بقفلة غير متوقعة..

لنأخذ نصك " شاهد" ص 10 في أضمومتك " ما لن تقوله شهرزاد" على سبيل المثال لا الحصر :

"طلب المعلم من تلاميذه كتابة موضوع عن " البر بالوالدين"،

كتب أحدهم : " أجلس إليهما.. أبكي..

أجثو أمامهما طويلا.. ألوذ بهما..

أحدثهما.. ولكنهما حجر أصم !"

وبخه المعلم أمام زملائه، فبكى متمتماً " : كنتُ أصف شاهديْ قبرهما".

القفلة هنا جاءت مترنحة، ولم تخدم النص فأنت تشرحين، في النهاية قصدَ التلميذ :" كنتُ أصف شاهديْ قبرهما، وهذا كشف غير محمود، أفقد النص ألقه..كيف تردين؟

ج- ربما رأيته أنت كذلك - مع كامل تقديري واهتمامي برأيك كناقد وكاتب له باع طويل في القصة القصيرة جدا- لكن البعض رأى أن القفلة هنا جاءت على غير المتوقع بعدما وصف الولد والديهبأوصاف لا تليق بهما جاءت اجابته صادمة، فلو حذفنا آخر جملة (وهي التي كشفت عن الفكرة)، لأصبح النص مُلغزاً بدرجة كبيرة قد يصعب على المتلقي الوصول إلى الفكرة التي أردت طرحها في النص.

وكما تفضلت وأشرت القفلة غير المتوقعة من سمات القصة القصيرة جداً وليس الترميز الموغل والذي يؤدي إلى إرباك القارئ.

 

س- اِقترح النقاد للقصة تسمياتٍ كثيرةً منها :القصة القصيرة جداً، والكبسولة، والمِيني قصة، والقصة الومضة، والقصة اللوحة، والقصة الصورة، والقصة الخاطرة... وأنت تضيفين اسماً جديداً هو"القصة الكسيرة جداً"سميتِ بها مجموعتك الأخيرة"ما لن تقوله شهرزاد:

فهل هذا معناه أنك لست راضية عن التسمية الشهيرة " القصة القصيرة جداً"أم القصد شيء آخــر؟

ج– كثرة التسميات لهذا الفن يعني أن الكعكة مغرية وكل طرف يريد الفوز بالنصيب الأكبر وأن ينال شرف إضافة اسم جديد أو اختراع جنس أدبي كما يدعي البعض.

بالنسبة لمجموعتي الأخيرة " ما لن تقوله شهرزاد " وسر إضافتي لـ قصص كسيرة جدا، لم يكن محاولة مني لعنونة جديدة لهذا الفن، بقدر ما هو رغبة في جذب القارئ ومنحه مفتاحاً يمكنه من ولوج المجموعة وهو لديه فكرة مبدئية عن نوعية القصص التي سيجدها في انتظاره بين دفتي الكتاب.

 

س - " ما لن تقوله شهرزاد" أم " ما لم تقله شهرزاد"؟ ما الفرق هنا لو سمحت؟

ج ـ اختلف معي الناشر د. أسامة البحيري صاحب دار النابغة التي نشرت مجموعتي القصصية، وأنتهز المناسبة للتقدم له بالشكر والتقدير لحرصه على نجاح العمل، وقد نصحني بتغيير الاسم إلى "ما لم تقله شهرزاد" لأنها الأصح لغوياً، ولكني تمسكت بالعنوان الذي قمت باختياره، وعندما نشر الكتاب ولاقى صدى كبيراً، مع الاشادة بالعنوان والغلاف الذي حرصت على ان يحمل هذه اللوحة المعبرة عما أردت أن أتحدث عنه في الكتاب.

واسمح لي ان أضع نصاً قمت بكتابته في مقدمة المجموعة، أعتبره توضيحاً للقارئ لسبب اختياري لعنوان المجموعة:

" رغم طيبة الجدة (مصنع الحكاءات) إلا أنها لم تقل كل الحقائق.

أدركت شهرزاد الصباح، واكتشفت ما أخفته الجدة، فقررت البوح.

حينما أصبحت شهرزاد جدة، لم تعد قادرة على البوح بكل شيء

هنا سأخبركم بما لن تقوله شهرزاد .. "

 

س- مسألة أخرى استرعت انتباهي في " ما لن تقوله شهرزاد"، وهي ملاحظة شائعة عند غيرك أيضاً، يتعلق الأمر بضبط/ شكل النصوص، هو أمر يوحي بحرص شديد على اللغة، لكن بالمقابل أسجل غياب الدقة في انتقاء الكلمات فضلا عن مهارة سبك العبارات ..ما تعليقك؟

ج ـ بالفعل أنا حريصة أشد الحرص على ضبط شكل النصوص لأن لغتنا جميلة واختلاف العلامات على الكلمة الواحدة قد يؤدي إلى معنى آخر. ففي أحد نصوص مجموعتي " شذرات " أقول:

"كِسرة من حنانك

تجبر كَسرة قلبي في غيابك .."

هنا يجب وضع علامات ضبط مفردة كسرة ليتضح المعنى.

ولكن كيف أحرص على ضبط الكلمة ليتضح المعنى ولا أكون دقيقة في اختيار المعنى أو الكلمات المناسبة؟ على العكس، أنا أحرص جداً على انتقاء الكلمات الدالة المعبرة عن المعاني التي أريد التعبير عنها.

 

س- القصة الأولى في " ما لن تقوله شهرزاد" هي " شفافية"، والقصة الأخيرة منها هي " لم تكن فتاة أحلامه، " ولو جمعنا بينهما يصبح في المتناول قصة قصيرة جداً [ شفافية، لم تكن فتاة أحلامه ]تربط بداية الكتاب مع نهايته بخيط رفيع.. فهل هذا يلخص متن الكتاب ككل مادامت القصة الأولى تلح في طلب الأخيرة؟

ج ـ بالفعل، كل ما في المجموعة القصصية " ما لن تقوله شهرزاد " بدءاً من العنوان وشكل الغلاف واللوحة المستخدمة والتصنيف المذكور " كسيرة جداً " إلى ترتيب القصص، كان مدروساً بعناية وموضوعاً وفقاً لرؤية تخدم الهدف الذي حرصت على تحقيقه منها.

 

س- طيب، ما الموضوعات التي تروق لك الكتابة فيها، وهل من طقوس تلتزمين بها أثناءها؟

ج ـ أنا لا ألح على أفكار أو موضوعات بعينها لأكتبها. الموضوعات والأفكار هي التي تلح على الكاتب ليقوم بكتابتها بأسلوب أدبي يخصه وحده، وبمجرد أن تنبت بذرة الفكرة في عقلي تتشعب جذورها وتمتد إلى قلبي ثم ترتوي من روحي وتنمو وتكتمل، وحين تأتي لحظة الميلاد في كثير من الأحيان لا تترك لي فرصة ترتيب طقس معين لاستقبالها، فمخاض النص كثيراً ما يفاجئني في زمان ومكان غير متوقع.

 

س ـ كُرمت في مصر وخارجها، ونلت جوائز أدبية جزاء إبداعك الرصين، آخرها ربما جائزة مهرجان الناظور الدولي للقصة القصيرة جداً المنعقد بمارس الفارط عام 2016..حدثينا عما تضيف لك هذه الجوائز؟

ج ـ الجوائز تحملني مسئولية الحرص على الاحتفاظ بالقمة، وكل تكريم نلته يضيف لي عبئاً جديداً ويحملني واجب العمل على تطوير مشروعي الأدبي والحرص على تقديم الجديد بخطى محسوبة ومدروسة.

 

س- زرتِ الجهة الشرقية للمملكة المغربية للمشاركة في مهرجان الناظور الدولي للقصة القصيرة جداً، ماذا عن هذه التجربة؟ وما هي ارتساماتك بشكل عام عن مهرجان الناظور؟

ج ـ حضرت مهرجان الناظور منذ النسخة الثالثة، وشرفت بكوني ضيفة شرف المهرجان، وتوجت بجائزة المهرجان في النسخة الخامسة وكانت أعظم تكريم نلته في حياتي الأدبية حتى الآن لكونه من جهة حريصة على انماء وتطوير هذا الجنس الأدبي، ومن لجنة تحكيم مكونة من نقاد كبار متمرسين في كتابة ونقد القصة القصيرة جداً.

منذ اللحظة الأولى لي في الناظور، عاصمة القصة القصيرة جداً، شعرت أنها قبلة هذا الفن، يأتي إليها مريدو هذا الفن من كتاب ونقاد من كل فج عميق.

 

س ـ ماذا تقولين عن حَملة الأقلام الذين التقيت ِبهم في الناظور؟ ولمن تقرأين من الكتّاب بالمغرب عموماً؟

ج ـ ليس غريباً أن تكون الناظور عاصمة للقصة القصيرة جداً، فكأن أرضها تنبت قصاصين وسماءها تهمي مبدعين. هناك أسماء كثيرة تستحق التقدير والاعجاب بما يقدمونه في الأدب بوجه عام والقصة القصيرة جدا بوجه خاص.. وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر:

• د. جمال الدين الخضيري، مدير مهرجان الناظور في دوراته الخمسة..

• د. جميل حمداوي ناقداً وأباً روحياً للقصة القصيرة جداً في المغرب والوطن العربي..

• أ. ميمون حرش أديباً وقاصاً..

• د. نور الدين الفيلالي، ناقداً وراعياً للنشء في مجال القصة والقصة القصيرة جداً..

• أ. الخضر الورياشي، قاصاً وناقداً وقارئاً من طراز فريد..

• الكاتبة المتميزة سمية البوغفارية..

• الكاتبة الرائعة أمنة بورواضي..

• والكثير والكثير من الناظوريين المبدعين.

 

س- ماذا عن رجع الصدى حول كتبك؟ هل وفّى لك النقد حقك؟

بكلمة هل أنت راضية عما كُتب حولك؟

ج ـ الحمد لله كان لكتبي حظ وفير في مجال النقد، وأنا مؤمنة بأن النقد حتى وإن كان غير مرضٍ للكاتب ولا يحمل مديحاً او اضاءات مشرقة على كتاباته، إلا ان كل ما يكتب حتماً سيكون بمثابة باب يفتح لنا مجالا للمعرفة والتعلم من الاخطاء، إن وجدت.وقد تناول أعمالي بالنقد نقاد ومتخصصون:

- الدكتور أحمد المصري (مصر)، أستاذ البلاغة والنقد في كلية التربية بجامعة الإسكندرية، وقد تناول مجموعتي القصصية "لا عزاء للحلم" بالدراسة، وقام بتدريس خصائص كتابة القصة القصيرة جداً فيها من خلال كتابه " رؤى في الإبداع السردي" لطلاب الفرقة الرابعة عام 2012..

- الكاتبة الصحفية بهيجة حسين، (العراق)

- الأديب محمد عطيه، (العراق)،

- الناقد الكبير ماجد السامرائي (العراق)

- الناقدالدكتور ستار عبد الله (العراق )

- الناقد الدكتور محمد صابر عبيد (الأردن)

- الناقد الدكتور خالد مياس (الأردن)

- الناقد القاص الدكتور جمال الدين الخضيري (المغرب)

- الناقد الأديب ميمون مسلك (المغرب)

- الناقد الأديب حميد ركاطة (المغرب)

- الناقد الأديب مصطفى لغتيري (المغرب)

- الناقد الأديب محمد المسعودي (اليمن)

- الروائي الأديب محمد الغربي عمران (اليمن)

 

س- بعد مشاركتك في مهرجان الناظور الدولي في نسخته الخامسة تعودين لمصر آمنة وغانمة، وفي زوادتك ذكريات.. ماذا فيها عن عادات الناظور، وأهله، ونوع أكل سكانه، وأدبائه، وأشياء أخرى..

ج ـ يقولون في مصر من يشرب من نيلها لابدّ وأن يعود لها مرة ثانية، وأقول من يتنسم عبير الناظور وينعم بصحبة أهلها لابدّ وأن يترك قطعة من قلبه فيها وحتماً سيعود مرات ومرات..

فكل ما فيها آسر جميل محبب .

 

س- أستاذة وهيدي، أثقلتُ عليك، كلمة أخيرة رجاءً

ج ـ على العكس، سعدت جداً بهذا اللقاء الجميل، وأتمنى لك كل التوفيق، وأتقدم لك ولأهل الناظور بالشكر والتقدير على حسن الاستقبال والحفاوة والمحبة والقلوب العامرة بالود لكل ضيوفكم...

ونلتقي دائماً في عاصمة القصة القصيرة جداً بمحبة عميقة جداً ..

 

 حاورها : ميمون حِـرْش

 

 

 

ميمون حرش يحاور: القاصة المصرية فاطمة وهيدي في عرينه 

jamal alkersanالفنلندي "سامي سيلانبا" المولود عام 1974 احد اهم الصحفيين الفنلنديين المخضرمين، يعمل في قسم الشؤون الخارجية لحصيفة "هلسنكي صانومات" اهم صحف فنلندا واحد ابرز صحف بلدان الشمال. اوفدته الصحيفة لمناطق مختلفة من العالم من اجل تغطية مختلف الاحداث. عمل مراسلا للصحيفة في الصين للفترة 2003-2009، ولاحقا في جنوب افريقيا، انجز كتابا بعنوان "قصة حب من الصين" حاز 2014 على جائزة الدولة للاعلام التي تمنحها وزارة التعليم الفنلندية.

سامي سيلانبا وزميله المصور "سامي كيرو" قاما بزيارة الى العراق في تشرين الثاني الماضي، انجز خلال تلك الزيارة عددا من التقارير الميدانية عن معارك تحرير الموصل ثم لاحقا جملة من التقارير الصحفية انجزها من العاصمة العراقية بغداد، بعد عودته الى فنلندا اجريت معه الحوار التالي: 

 

- هل كانت هذه اول زيارة لك للعراق؟

- الزيارة الاخيرة كانت الرابعة لي للعراق، لقد زرت العراق ثلاث مرات سابقا، الزيارة الاولى كانت خريف العام 2002 حينما كان صدام حسين بالسلطة. الزيارة الثانية كانت برفقة القوات الامريكية، دخلنا العراق عن طريق الكويت ووصلنا للنجف، بقيت في العراق عدة ايام ثم عدت قبل تحرير بغداد لان القطعات التي كنا نرافقها عادت للكويت.

الزيارة الثالثة للعراق عام 2009 بالتزامن مع محاكمة علي حسن المجيد على خلفية ضرب حلبجة بالكيمياوي، ذهبت للعراق انذاك برفقة الصحفي "يوسي فووتيلا" مسؤول القسم الذي اعمل فيه بصحيفة هلسنكي صانومات، وكان مدوعا للمحكمة باعتباره شاهدا على الجريمة، يوسي فووتيلا كان ضمن اول فريق صحفي اجنبي يزور مدينة حلبجة بعد ضربها بالسلاح الكيمياوي عام 1988. فرافقته من اجل تغطية المحكمة واحداث اخرى.

اما المرة الرابعة فكانت في تشرين الثاني عام 2016، دخلت العراق عن طريق كردستان وذهبت الى اطراف الموصل، الى "حمام العليل"، "بعشيقة" ومناطق اخرى، بعد ذلك ذهبت الى بغداد بقيت هناك عدة ايام انجزت خلالها مجموعة من التقارير ثم عدت الى فنلندا.

 

- بالمقارنة لزياراتك السابقة حاليا باي اتجاه يسير العراق.. للاسوأ ام للاحسن؟

- كانت الامور عام 2009 تشير للافضل، هناك امل واضح على محيا الناس، كانوا يمنّون النفس بعد انحسار القاعدة ببداية مختلفة للعراق، بداية للعيش بسلام. الان الامور ليست على ما يرام لكن بنفس الوقت يمكن ان تمثل مرحلة التغلب على داعش بداية مهمة للتمسك بالامل، للانطلاق من جديد نحو اوضاع اكثر استقرار. الانتصارات على داعش قد تكون انطلاقة جديدة للعراقيين. 

 

- في احدى المواد التي كتبتها عن العراق مؤخرا كتبت العبارة التالية: "نتحدث كثيرا عن العراق ولا نعرف عنه الكثير". ما هي الاشياء التي يتم الحديث عنها كثيرا في فنلندا بخصوص العراق دون معرفة كافية؟

- حينما حصلت موجة النازحين عام 2015 صار الحديث متداول كثيرا عن العراق، في الاعلام يتحدثون عن العراق، عامة الناس ايضا تتحدث، الكل يتحدث مع او ضد الموجات الاخيرة، حينها حصل جدا كبير ولازال، وبعض القناعات كانت قاسية جدا. مع ذلك فان القليل من الفنلنديين زاروا العراق ويعرفون ما يجري فيه، غالبية الفنلنديين لا يعرفون اكثر من اسم مدينة او مدينتين عراقيتين. لا يعرفون الكثير عن العراق بشكل دقيق وواضح، هل البلد آمن ام لا؟ الى اي المناطق تمتد الحرب؟ نسبة الفقر والغنى؟ كيف يعيش عامة الناس هناك؟ الكثيرون في فنلندا لا يعرفون هذه التفاصيل عن العراق. وهذه حالة سلبية، لان الجدل الكبير الذي حصل في فنلندا ينبغي ان يكون عن دراية واطلاع كاف. معظم الاحاديث كانت عن ظنون وتوقعات ولم تكن عن دراية كافية. ثم اضافة الى ذلك وهنا الاهم ربما، اننا نتحدث كثيرا في اوروبا عن احتمال وقوع هجمات من قبل داعش، نعم وقوع الهجمات وارد، لكن بنفس الوقت لابد ان نتذكر ان هناك اناسا في العراق وسوريا عاشوا سنتين تقريبا وتعرضوا وشاهدوا جرائم داعش بشكل شبه يومي هؤلاء يحتاجون للمساعدة.

 

- ما هو الذي لفت نظرك في المدن التي كانت تحت حكم داعش؟

- هناك نوعان من المدن التي كانت تحت حكم داعش، مدن كانت خالية من السكان مثل بعشيقة وهذا ما سمح فيها بخوض حرب كبيرة، خلوها من المدنيين سمح بقصفها حتى من قبل الجانب الامريكي بحيث تاثرت المدينة بشكل كبير وبدت واضحة انها مدينة حرب. في ذات الوقت هناك مدن اخرى مثل حمام العليل التي بقي فيها سكانها حتى في ظل داعش وهذه حينما تحررت بقيت مبانيها سالمة تقريبا بحيث يستطيع السكان العيش فيها.

من الامور التي لفتت نظري او التي اثارت عندي التساؤلات مثلا مدينة مثل حمام العليل الناس فيها يعرف احدهم الاخر، وحدث فيها قتل وجرائم حينما كانت تحت حكم داعش. بعض سكانها تعاونوا مع داعش وبعضهم لم يتعاونوا وتعرضوا لانتهاكات، السؤال هنا كيف سيتعايش هؤلاء بعد خروج داعش؟ اتسائل بقلق كيف يتعايش سكان المدن التي احتلتها داعش فيما بينهم. السكان سيحتكون ببعضهم وتثار اسئلة على غرار: لماذا كنت بصف داعش؟ هل لك تاثير بما تعرضت له انا على يدهم" والى ما هنالك من الاسئلة المتعلقة بالتعايش.

 

- هل هناك فارق كبير بين ما قرأته عن العراق في وكالات الانباء وبين الواقع هناك؟

- في فنلندا غالبا ما تاخذ الوقائع من الوضع العراقي نقلا عن وكالات الانباء العالمية، وتغطية الوكالات تختلف، كما ان وسائل الاعلام تنقل تصريحات المسؤولين الرسميين، الجدل السياسي في العراق او التفجيرات التي تحصل. ولا تاخذ وجهة نظر عامة الناس وطبيعة حياتهم اليومية. من هنا لابد للصحفي الفنلندي ان يقوم بزيارة للعراق بين الحين والاخر للاطلاع على المتغيرات.

 

- من وجهة نظرك ما هي الصعوبات التي يواجهها الصحفي الاجنبي في العراق؟

- الصعوبات هي عدم معرفة لغة البلد، احيانا يتوفر المترجم الجيد لكن ان كنت تعرف لغة البلاد التي تذهب لها فهذا افضل من زاوية صحفية. التاخير في التاشيرة قد يسبب ارباك. نعم الموظفون بالسفارة العراقية تعاونوا وحصلت في نهاية المطاف على فيزا لكن حصلت بعض الاشكالات وتاخرت التاشيرة لعدة اسابيع، هذا يعني ان الصحفي لا يستطيع تنظيم رحلة مستعجلة بل يحتاج لوقت كثير. لم نواجه مصاعب كثيرة بالعراق في الواقع، الناس كانوا يتعاملون بلطف. لكن يبقى الوضع الامني هو التحدي الاكبر بالنسبة للصحفي الاجنبي، قد يفكر بعضهم ان الصحفي الاجنبي صيد ثمين. وفي كل الاحوال ان توفر مساعدون اذكياء ستكون مهمته ناجحة.

 

- عملت في الصين عدة سنوات وانجزت من تجربك الصينية كتابا بعنوان "قصة الحب من الصين" حازت على جائزة مهمة في فنلندا.. فهل تسفر زياراتك المتكررة للعراق شيئا مشابها؟

- بابتسامة المعجب يجيب سامي سيلانبا ويقول: حتى الان لا يوجد فكرة لانجاز كتاب عن العراق، لكني معجب بالعراق، معجب بمدينة تاريخية مثل بغداد كانت قبل الف عام محط انظار العالم، وقد ينتج شيء من التعامل مع العراق. فقد تابعت الحالة العراقية منذ فترة طويلة. 

 

ali alamaraفي امسيته التي كانت عبارة عن عرس بصري حضر حشد كبير من مبدعيها فهي المدينة التي تزخر بالعطاء الفني والادبي والشعري تألق علي الإمارة وحلق بنا عاليا مع مقطوعات قرأها لنا من ديوانه انا وشكسبير بصحبة انغام عازف الكمان الذي بدوره اضاف نغما بصريا جديدا، تحدثت عن هذا المنجز الادبي الكبير قائلا ان من حق البصرة ان تفخر بادبائها وشعرائها حين تنجب شعراء يشد اليهم الرحال من كل العراق فهي اليوم انجبت لنا علي الامارة شاعرا من طراز خاص وها انا شددت الرحال إليه من كربلاء عازما على لقائه، عندما حدثني فريد سبتي عن ان هناك امسية شعرية ستقام في مساء اليوم الاول من كانون الثاني للعام 2017، انهيت كل التزاماتي وعزمت على الحضور لأرى واستمع لهذا الشاعر الكبير في شعره وادبه وفنه، الكبير في خلقه وسماحته، الكبير في ضيافته وكرمه ...لقد كنت اول من استقبله عندما حضر إلى مكان اقامة الوفد راسما على وجهه الجميل تلك الابتسامة العفوية المليئة بالطيبة والحب، كان عناقا وفرحا فانا عرفته من خلال كتاباته ولم تتسنى لي رؤيته مباشرة، فاليوم حضر علي الامارة امامي ولابد لي من حواره: كان لنا هذا الحوار على هامش الحفل .ارحب بالشاعر الامارة في هذا الحوار الخاص

 

س: طارق الكناني: في البداية اريد ان اسأل السؤال التقليدي: من هو علي الامارة؟

ج: علي الامارة: علي الامارة هو شاعر عراقي كأي نخلة نمت على ضفاف شط العرب فاثمرت شعرا ورطبا، دراستي ماجستير علوم تربوية واجتماعية عندي عشرة دواوين مطبوعة واربعة كتب في النقد الادبي والسياسي أيضا مطبوعة ورئيس تحرير جريدة ملتقى النهرين انا مؤسسها وجريدة البصرة الاستثمارية ومسؤول الشؤون الثقافية في اتحاد ادباء البصرة، نائب رئيس منتدى شكسبير، مسؤول ممثلية الكلمة الرائدة بالبصرة، وممثل عن شعبة المبدعين العرب بالبصرة، عملت لدورتين رئيس اتحاد ادباء البصرة ولدورتين عضو المجلس المركزي لاتحاد ادباء العراق وكذلك طبعت لي خمس كتب عن طريقاتحاد الادباء العرب، وكذلك طبع ديواني في وزارة الثقافة بالشارقة عندما فاز كتابي اماكن فارغة بجائزة الشارقة للابداع عام 1999.

 

س: طارق الكناني: كيف بدأت شاعرا وبمن تأثرت؟

ج: علي الامارة: منذ البداية وانا في الابتدائية حفظني ابي وانا في الثالث الابتدائي معلقة عمرو بن كلثوم وهي من بحر الوافر وسلسه ولذلك حفظتها وقرأتها في الاصطفاف الصباحي ووقفت المعلمين حوالي نصف ساعة فوق زمن الاصطفاف وانا اقرأ لهم معلقة عمرو بن كلثوم هذا اول من تأثرت به، ومن هنا بدأت، بلاني ابي بالشعر ومن ثم بالمتوسطة حفظت الكثير الف بيت للمتنبي والف بيت للجواهري والسياب، وكانت اول قصيدة لي في رثاء ام كلثوم حيث كنت احب ام كلثوم وانا طفل.

 

س: طارق الكناني: اذن بمن تاثر الشاعر الامارة

ج: علي الامارة:  انا اسد مخلوق من مجموعة خراف اكلت خرافا كثيرة من التاريخ الشعري وكونت اسدي الشعري من هذه الخراف التي هضمتها تاثرت بالشعر القديم بدءا بطرفة بن العبد عندما وعيت الشعر ولكن بالطفولة تاثرت بعمرو بن كلثوم، ولم اجد مايبهرني في عصر الرسالة من الشعراء كانما تأخر الشعر في عصر الرسالة ولكن عاد من جديد لارى امامي جرير فهو شاعر مشاكس سلس جريء ومن ثم ذهبت إلى العصر العباسي فوجدت أبا نؤاس شاعرا مهما مولدا وبشار بن برد وصولا إلى ابي تمام فهو شاعر مغامر في الشعر والمعنى فهو الذي فتح الباب للمتنبي لانه غامر في الشعر غامر في المعنى حتى دفع ثمن مغامرته على عكس البحتري فالبحتري كان يحافظ على عمود الشعر وعلى تقليده ولكن أبو تمام غامر فاستفاد منه المتنبي، فالمتنبي صنيعة شاعرين مهمين هما أبو تمام والبحتري، فهؤلاء الثلاثي في العصر العباسي هم يعتبرون مثلث الشِعر العربي الذهبي فرأسه المتنبي وضلعاه أبو تمام والبحتري هؤلاء كانوا مهمين، وتأثرت بقصائد ايضا مثلا قصيدة أبي الحسن التهامي اثرت بي كثيرا وهي من اجمل قصائد الرثاء في الشعر العربي:

حكمُ المنيَّة في البريَّة جارِ ما هذه الدنيا بدار قرارِ

بينا يُرى الانسانُ فيها مخبراً حتى يُرى خبراً من الاخبار

طُبعت على كدرٍ وأنت تريدُها  صفواً من الأقذاء والأكدار

ومن هنا وصولا إلى الشعر في العصر الحديث السياب والماغوط في قصيدة النثر وامل دنقل في قصيدة التفعيلة، وكذلك هناك شعراء اثّروا بي قليلا مثلا البياتي وبولند الحيدري ونازك الملائكة ولكن لم يأثروا بي تأثير السياب، كان السياب اقرب الرواد لي كان السياب اقربهم إلى نفسي وطريقتي ولذلك اكثر الرواد تأثيرا بي، ولكن بعد جيل الرواد جاء جيل الستينات مثل سعدي يوسف وغيره ايضا اخذنا منه وصولا إلى جيل السبعينات الذين روّضوا القصيدة الستينية التي كانت تبحث بجد وجهد عن التجريب قصيدة الستينيين قصيدة تحاول التجريب لان الحداثة في الشعر طرحت الريادة ولكن كان هناك سؤال كبير ماذا بعد الريادة، هذا السؤال الكبير ابتلى به جيل الستينيات وارادوا شيئا جديدا مابعد الريادة لأن الريادة صارت نقطة فاصلة في تاريخ الشعر العربي، الستينيون لم يبقوا شيئا لم يجربوه وماتركوا شيء فهم جربوا القصيدة الكونكريتية والقصيدة الفراغية علهم يخرجون بشيء وكانت مهمتم التجريب وقد كانت ميزتهم الكبرى التجريب في الشعر اخذت عنهم هذه الميزة، ميزة البحث عن الجديد، عندما جاء السبعينيون روَّضوا القصيدة الستينية روضوا هذا الحس العالي بالتجريب وصلوا إلى قصيدة هادئة قصيدة تفعيلة جميلة مستقرة سلسة جئنا نحن بعدهم جيل الثمانينات فاصطدمنا بالحرب اول ماخرجنا فكان جدار الحرب جدارا هائلا اصطدمت به القصيدة السبعينية فتفتت، حيث لم يعد بهائها كان على محك الحرب فالحرب تريد شيئا والشاعر يريد شيئا، بدأ هناك هاجس جديد هو هاجس قصيدة النثر الذي خرج في اواخر الثمانينات وكان يوازي هذا الهاجس هو هاجس قصيدة العمود الحديثة الذي كتبناه نحن في بداية الثمانينات.

 

س: طارق الكناني: ما الا قرب اليك قصيدة العمود ام قصيدة النثر؟

علي الامارة: انا كتبت في كل الاشكال وفزت بجوائز عديدة عراقية وعربية بكل الاشكال بل انا كنت اول شاعر عراقي يفوز بجائزة الشارقة للابداع عام 1999 في قصيدة النثر ديواني كان قصائد نثر ولكن قبل هذا في العام 1984 فزت بجائزة عربية جائزة مرآة الأمة عن قصيدة العمود عنوانها ( الدخول إلى مأساة ابي فراس الحمداني ) حتى النقاد عندما قرأ احدهم قصيدتي قال انا لم اكن اريد لك ان تكتب قصيدة العمود ولكن عندما قرأت لك هذه القصيدة انا اطلب منك الان ان تبقى تكتب هذا الشعر العمودي لم نكتبه نحن هذا شعر جديد كان مطلعها:  

إلى إين تمضي حين يهجرك البحرُ

وهل تنفع الذكرى وهل ينفع الصبرُ؟

وهل تورقُ الرؤيا هديرا مدويا

تضجُّ به الدنيا فينصفك الدهرُ؟

هنا انتَ .. نهبُ الريح في كل لحظة

ولا عاصمٌ مما يحمّ وما يعرو

هنا . حيث ياتي الليلُ نهرا من الاسى

فتشربهُ عينان جفناهما الجمرُ

وحيث يذوب القلبُ فرطَ صبابة

واضغاث احلام يضيق بها الصدرُ

أأنت ضننتَ الشعرَ همسا ورقة

فكنْ جبلا حتى يزلزلك الشعرُ

وحاورْ جدار السجن حاورْ ظلامه

وجد ْ لغة في الشعر يفهمها الصخرُ

وخلّ حطامَ الروح يرويك عبرة ً

متى تـُرتجُ الابواب او تـُسدلُ السترُ

ولا تلتفتْ فالدهر خلفك موحشٌ

وكل مدى مرّتْ خطاك به قفرُ

******

الى اين تمضي أيّ سفح تؤمه

وكل الذي ترجوه مركبهُ وعرُ

وأنت أخو همٍّ تقاضيك عبأهُ

منافٍ على ابوابها صُلب العمرُ

وفي ساحة تعرى يداك مذلة

وفي ساحة تشتاقك البيض والسمرُ

تهمّ فتصلى بين امر وضده

أوصلٌ لسلمى ام هو البين والهجرُ؟

وكيف؟ وسلمى دونها الموت والنوى

وانت قتيل الشوق ازرى به الاسرُ

لشوط تقاضتك المنون .. للحظة

تصارع في اعماقك الخير والشرُ

اتكتم سر العشق والعشق فاضح

اجفّ معينُ القلب ام عثر النهرُ؟

وسلمى ربيعُ العمر سلمى خريفه

وسلمى هي العسر الذي بعده اليسرُ

تحمـّلْ بما اوتيت هما وغربة

وسافرْ بجرح ملؤه الزهو والكبرُ

وخلِّ هوى بين الجوانح مضمرا

يشب على هول الجراح ويخضرُّ

فانت ملاذٌ للمخاضات كلها

وانت مخاضٌ لا ملاذ له عسرُ

وكلّ اكفّ الناس اثقلتَ رفدها

وكفك ممّا قد علقت به صفرُ!

**********

الى اين تمضي والمسافات لوعة

وانت غريبٌ زادهُ الشوق والقهرُ

أأسوأ من ان تألفَ النزفَ صاحبا

وان يتساوى عندك النفع والضرُّ

وأرهبُ من انْ تركبَ الموت معبرا

وجرحك للغافين عن موتهم جسرُ

تحاولُ ان تخفي من الحب غمرة

فيفضحك المدُّ الذي ماله جزرُ

وتلك خصومٌ قد تمادتْ ببغيها

وتلك عمومٌ مالها من دم جزرُ

وتلك نجومٌ كل ليل تعدها

وتلك همومٌ مالها ابدا حصرُ

وذي صيحةٌ خرساء ضجَّ بها المدى

وذي صيحةٌ هوجاء ليس لها ذكرُ

وذي ليلةٌ ظلماء والبدر طالع ٌ

وذي ليلةٌ قمراء ليس بها بدرُ !

**********

ترقّبْ لعل الافقَ ينشقُّ عن رؤى

لعل عروسَ البحر يقذفها البحرُ

وجالدْ فما في الارض مأوى لشاعر

ولا حلب تاتي ولا يبزغ الفجرُ

(بني عمنا ما ينفع السيف في الوغى ..) 1

وتبقى وحيدا انه الزمن المر ُّ

وتنأى الاماني الواعداتُ كئيبة

وتمضي الليالي العشرُ والشفعُ والوترُ

الا يا عصا موسى اضربي البحر مرة

عسى تستفيق الارض او يسقط السحرُ

الا يا عصا موسى الينا تقصّدتْ

نبالُ اهالينا وناء بها الظهر ُ

وعربدَ وسطَ التيه اخوةُ يوسف

فانكرتِ الصحراءُ ما حوت البئرُ

الا فاسجري وجهَ الرمال مهولة

الا فاقطعي كفّ الرياح و ما تذرو

وسدّي على قابيل بالدم منفذا

ليقتصّهُ من كان مذبحَه الغدرُ

**********

هنا انت والايامُ تمضي عقيمة

تكابرُ.. لا نهي عليك و لا امرُ؟

وبينك والمنفى عجوزٌ بمنبجٍ2

فاقسى من الموت الزؤام هو الصبرُ

وحولك رومٌ لا يقرّ قرارُهم

يمنـّون لو شـلـّتْ اناملك العشرُ

يروّعهمْ انّ اصطبارك باسلٌ

وانك رغم القيد منفردٌ حرُّ

تحد ! و لا تحفل بعد وعدة

فكم حفروا قبرا فازرى بهم قبرُ

وكم حاولوا ان يصلبوا الفكر فوقه

فيـُصلبُ اهلُ الفكر لا يُصلبُ الفكرُ

تحدّ ! فانْ سدوا عن البحر منفذا

اليك فأنت الفيض والنائل الغمرُ

وان الهجوا كاسا من الخمر حلوة

فانك احلى ما تجودُ به الخمرُ

وان جرّعوا كأسا من اليم مرةً

فأنك مرٌّ ليس يجرعهُ المرُّ

وان اغلقوا عن صوتك الحر مسمعا

ففي كل اسماع البلاد له الذكرُ

وان جرّدوا عنك الثياب فانما

عليك ثيابٌ من دمائهمُ حمرُ

ترقـّبْ فأنّ الصبحَ مولدهُ قسرُ

ورغم عتوِّ الريح يرتفعُ النسرُ

ومــدَّ يدا للبحر تمددْ لها يدا

و لا تـُخفِ سر العشق انّ الهوى جهرُ

وثبْ واثقا فالارض توفي نذورها

واقربُ من يوم الطعان لك النصرُ ..!

وهي قصيدة طويلة عن ابي فراس، هذا الشيء الجديد الذي تمسكنا به هذه القصيدة العمودية الجديدة ولذلك عندما جاء التسعينيون الشباب نمّو هذه القصيدة اصروا عليها كتبوا قصيدة التفعيلة الجديدة التي بدأناها نحن في الثمانينات، وكان الرهان على ان القصيدة العمودية ستموت ولذلك راهنت على قصيدة مابعد الجواهري قلت ان الجواهري شاعر عصره فالجواهري لم يكتب القصيدة العمودية الحديثة فالجواهري كتب القصيدة الكلاسيكية الكبيرة وله نسيجه الخاص ولكن نحن جئنا بخطاب شعري كلاسيكي يختلف عما ذهب إليه الجواهري ولذلك عندما تقرأ لزوميات خمسة ميل ديواني الذي كتبته عام 1995 وصدر عام 2000 ومن ثم عام 2003 واعيد طبعه في اتحاد الادباء العرب لو قرأت كل هذه القصائد فكل قصيدة عشرة ابيات تجدها تختلف فكلها طروحات جديدة في الشعر العمودي وهذه الطروحات كانت هي الرهان على خلق قصيدة عمود جديدة فأنا وجدت نفسي في لزوميات خمسة ميل وفي اماكن فارغة وجدت نفسي في قصيدة النثر وكذلك وجدت نفسي في قصيدة التفعيلة بل العكس هذه القصيدة صارت اقرب شيء لي لأني كتبت مشروعي الجديد القصورة كان بقصيدة التفعيلة في ديواني (رسائل إلى الميدان) كان هو قصيدة تفعيلة او انا وشكسبير وكذلك قصورة البصرة كلها قصائد التفعيلة .

 

س: طارق الكناني: لك تجربة غنية واصدارات عديدة أي اصدار منها اقرب إلى قلبك ولماذا؟

ج: علي الامارة: اكثر كتاب كان فيه التحدي هو لزوميات خمسة ميل لاني جمعت فيه بين القصة والقصيدة بين الحكاية والقصيدة فوضعت حكاية بسيطة من حكايات خمسة ميل كون خمسة ميل تمثل قاع المدينة القاع المجهول القاع الذي يصنع الناس وهو مهمل اخذت منه درر من الحكايات والقصص فكانت كل حكاية صغيرة فوقها كالثريا القصيدة تحكي عن هذه الحكاية فاتعبني هذا الديوان حيث كتبت خمسة وسبعون قصيدة مع حكاياتها ولكن كانت أول تجربة حيث تجمع مابين السرد والشعر كل على انفراد أي بمعنى لم اترك الحكاية شعرية فقط ولا القصيدة سردية ولكن وضعت المتن والهامش المتن شعري والهامش سردي.

 

س: طارق الكناني: انت من اوجد القصورة فكيف تبادر إلى ذهنك نحت هذا الاسم؟

علي الامارة: القصورة بدأت في العام 2014 عندما ذهبنا إلى سبايكر مع شعراء العراق كان هناك مؤتمر اسمه (هنا العراق) ومن هناك ذهبنا إلى سبايكر وهناك فتحوا لنا مقبرة جماعية الحقيقة كانت صدمة لنا ان نرى شهداء شباب تمتد اياديهم لنا من خلال التراب رأينا اصابيعهم تمتد لنا من خلال التراب وعندما تجولنا عند السواتر في الجبهة هناك رأيت مقاتل عراقيا انا اسميه مقاتل عراقي سواء كان في الجيش او الشرطة او الحشد المهم هو كان واقفا على الساتر وبيده بندقية كبيرة (بي كي سي) وكانت احدى ساقيه عمود من الحديد فهو بساق واحدة واحدة فنظر الينا بابتسامه وسلمنا عليه فقلت حينها ان هذا لايكفي ان نكتب عليه قصيدة وحدها هذا يجب أن نأتي بصورته ونضعها مع القصيدة هو وخمسة شخصيات رأيتها بهذه الطريقة، من هنا بدأت فكرة القصورة أي وضع الصورة مع القصيدة وكانت قصيدة ساق واحدة ورأيت أحد المقاتلين وضع سريره على ساتر وهو ايضا بساق واحدة وهذا المقاتل قد استشهد بعد ايام وهذه الصورة ايضا اذهلتني فالتقطت صور وكبرتها وعندما انعقد مهرجان سوق الشيوخ لذكرى مصطفى جمال الدين أخذت الصور وحدها وكان هناك صبي يرفع الصورة للجمهور وانا اقرأ للجمهور قصيدة فقلت لهم هذه القصيدة لهذه الصورة من هنا بدأت فكرة أن تأتي الصورة وتدخل بقوة مع القصيدة ومن ثم قلت مع نفسي لارتب القصيدة مع الصورة ولماذا لا اضع القصيدة بجانب الصورة ومن ثم قلت نحن ركبنا القصيدة مع الصورة في تشكيل واحد لنضع اسم لهذا التشكيل الذي يمثل قصيدة مع صورة فصارت (قصورة) صار تشكيل جديد لاهو شعري بحت ولاهو تصويري بحت شيء من هذا وهذا لاتستطيع ان تقرأ القصيدة إلاّ مع الصورة ثم ذهبت إلى فكرة اخرى ان لانأتي بالصورة جامدة انما نستغل فن التصوير نحن نعرف ان التصوير فن يوجد فيه الفوتوشوب ويوجد تركيب صورة على صورة فهذا فن العصر فعصري ليس عصر المتنبي ليس فيه تصوير ولا عصر الجواهري يوجد فيه فقط صورة ولايوجد فوتوشوب فقلت دعني استغل هذه الامكانيات الموجودة في العصر الحديث اشتغلت في القصورات اللاحقة على تفعيل الصورة .

 

س: طارق الكناني: ماهي الوسيلة التي تجعل من الشاعر عالميا؟

ج: علي الامارة: رغم الصعوبات التي تقف امام المبدع العراقي للانتشار عالميا هناك صعوبات بالغة امامه في الواقع ولكن نحن يجب ان نمسك خيط للوصول عالميا الا وهي اللغة مثلا اللغة الانكليزية او الفرنسية حتى نصل إلى متلقي آخر غير العربي، فجاءت الفرصة لوحدها عندما قدمت معرضي الشعري الاول رسائل إلى الميدان اعجب الحضور فاحد الحضور كان نائب مدير المركز الثقافي البريطاني في العراق فقال لي هل يمكن ان تعمل مثل هذا المعرض عن شكسبير فقلت نعم قال ليتك تفعل ذلك فهناك مؤتمر سيقام بالذكرى السنوية لشكسبير فقمت بدراسة تسع مسرحيات لشكسبير، وكانت المسرحيات التي فيها دراما عالية مثل (تاجر البندقية، روميو وجوليت، عطيل، حلم منتصف الليل، وغيرها) واخذت من كل مسرحية خمسة مشاهد ولكل مشهد صورة التي تمثل خلاصة المشهد فكتبت عن كل صورة قصيدة فصار عندي خمس قصائد عن كل مسرحية حيث احتويت كل اعمال شكسبير ومن ثم طلبت من الدكتورة هناء البياتي ونؤاس باسم ترجمة هذه القصائد، الحقيقة انا اكملت العمل وبقي ينتظر دوره المناسب او الفرصة المناسبة لابرازه للجمهور ولكن الجامعة الامريكية في السليمانية اقامت المؤتمر وقبل المؤتمر بعشرة ايام علمت الجامعة الامريكية بأن عندي عمل بهذا الخصوص فطلبوا مني تقديم هذا العمل على أن يكون مترجم والحقيقة كان الوقت قصير فبذلت الدكتورة هناء والشاب نؤاس جهد كبير في ترجمة هذه الاعمال وعندها قدمناها في الجامعة الامريكية في السليمانية، وانا في الطريق للسليمانية قلت للدكتورة هناء نحن اطلقنا على هذا العمل اسم القصورة أي قصيدة زائد صورة لماذا نبقي على اسمها العربي والذي سيلفظ بالانكليزية (كسورة) لماذا لانجمع الكلمتين الانكليزتين للعمل ونختصرها لتصبح كلمة واحدة وبالفعل كانت كلمة (pomage) وعندما ذهبنا هناك طرحنا مصطلح جديد على الانكليز في اللغة الانكليزية .

 

س: طارق الكاني: pomage هو مايقابل القصورة في اللغة العربية كيف استقبل الانكليز هذا المصطلح وهل سيدخل قاموس اللغة الأدبية الانكليزية؟

ج: علي الامارة: نعم المستر ديفيد وهو المستشار الثقافي في القنصلية البريطانية بالسليمانية قال (pomage made in Basra) كمصطلح وكعمل تم تقديمه ولذلك سنرفعه إلى قاموس اكسفورد ليدخل ضمن اللغة الادبية الانكليزية ليصبح مصطلح جديد عن القصيدة المكتوبة عن صورة وهذا الشيء يحتاج إلى متابعة واصرار فمن اراد ان ينحت شيء على حجر الزمن يجب عليه ان يأتي بأزميل قوي فهذه الازاميل الضعيفة البسيطة لاتنقش شيء على حجر الزمن الصلد. فيجب ان نأتي بازميل قوي من الارادة والتعب ونذهب إلى لندن ونوصل صوتنا هناك فهم اناس يحبون ان يقوم الانسان باكتشاف جديد ولكن الاهم ان نكون متواجدين معهم ونقنعهم فأهم شيء في هذا العصر هو الاقناع وعليك ان تقدم نموذجك المقنع وعندها سيقتنع الاخر مهما يكن هذا الاخر حيث سيرى هذا النموذج يستطيع البقاء يستطيع التطور ولذلك هم استقبلوا نموذجنا.

 

س: طارق الكناني: ماهي الجوائز التي نالها الشاعر علي الامارة؟

ج: علي الامارة: اول جائزة سنة 1981 لاتحاد الوطني لطلبة العراق كنت الاول وكان الثاني رعد بندر والثالث رباح نوري مسابقة مجلة صوت الطلبة ولكن الجائزة الاهم عام 1984 جائزة مرآة الامة الكويتية والتي اشترك فيها شعراء من كل الوطن العربي وفزت يومها بالجائزة الاولى ومن ثم جوائز عراقية عديدة ففي العام 1991 كنت الثاني على شباب العراق وجائزة الشارقة للابداع عام 1999 كنت الشاعر العراقي الاول الذي يفوز بهذه الجائزة ومن ثم جوائز عراقية عديدة فمثلا في مركز النور فزت لمرتين او ثلاث واخرها جائزة المكتبة الادبية ومن ثم تجاوزت مرحلة الجوائز حيث اصبحت محكّم حيث يتم اختياري حكما في المسابقات .

 

س: طارق الكناني: هل يؤمن علي الامارة بالمجايلة؟ واين يضع نفسه ان كان يؤمن بها؟

ج: علي الامارة: المجايلة معاصرة انا لااحب ان يوضع انسان في خانة جيل ويحبس فيه الابداع اكبر من ان يحبس في عشر سنوات ربما يكن احدهم نشط ولم يطبع كتاب خلال هذه العشر سنوات فلم يحسب على جيل، نحن في العراق عندنا النقد حصر الادب بالاجيال وحتى النقد العربي فمثلا وضعوا جيل الخمسينيات والستينيات وهكذا فهم وضعوا هذا التسلسل ليسهلوا على انفسهم تقييمهم للاجيال، فمثلا عندنا الان من جيل السبعينات اصبحوا مثل النقابة او العشيرة ولايريدوا ان يدخل معهم اي شخص من اي جيل اخر هم حصروا انفسهم بالاشخاص الذين كان يحضرون إلى مقهى حسن عجمي امثال خزعل الماجدي وغيره من الشعراء ولكن هناك شعراء من البصرة لم يرتادوا مقهى حسن عجمي وهم من جيل السبعينات هل هذا يعني انهم خارج هذا الجيل ...انا ضد فكرة ان يكون جيل كنفابة او عشيرة او جمعية او مقهى انا اريد ان يحدد الجيل على اساس الانعطافة في الشعر هذه الانعطافة هي التي تحدد الجيل وانا مع هذه التحديدات التي تكون على اسس ابداعية.

 

س: طارق الكناني: ولكن جيل السبعينات كان جيل مبتكر مبدع وجيل نشط قدم الكثير ومن حقه ان يفخر بهذا الانجاز الادبي ..

ج: علي الامارة: نعم هو جيل ممتاز وكنت حينها اتابع هذا النشاط وانا صبي في السبعينات حيث كان هناك جو ابداعي نقي بالسبعينات بحيث حتى الذي كان قادرا على كتابة الشعر كان لايكتب فهو لايجرؤ على كتابة الشعر وكثيرين من المثقفين كان يعرفون الوزن ولكنهم لايكتبون حيث يقولون نحن غير موهبين حتى قيل للثعالبي الناقد العربي القديم لماذا لاتكتب الشعر وانت اعرف الناس به قال علامي به منعني من كتابته ان هذه القضية تخص الموهبة وليس المعرفة فانا غير موهوب كان الجو الثقافي في السبعينات جوا نقيا وصحيا بحيث حتى الذي يعرف هذه الاوزان ويعرف انه ليس شاعرا لايقترب من النظم او الشعر حتى بولند الحيدري عندما سئل هل رسمت اي هل جربت الرسم قال لم يسبق لي ان اعتديت على هذا الفن فهو يعتبره اعتداء فالانسان الذي لايملك موهبة في فن ما ويطرح نفسه على انه فنان فهو معتد ولذلك فالمجايلة اذا كانت تعني انعطافا فنيا فأنا معها واذا كانت تعني انها نقابة او قبيلة فانا ضدها؟

 

س: طارق الكناني: اين تضع نفسك من شعراء جيلك؟

ج: علي الامارة: انا من جيل الثمانينات وهذا الجيل عرف على بانه جيل قصيدة النثر وانا كنت اغرد خارج السرب فانا اكتب قصيدة عمود جديدة ولكني لست بعيدا عنهم ولكن عندما اقمنا مهرجان جيل الثمانينات في بغداد 1991 وجدت الجيل كله يكتب قصيدة نثر ولأول مرة ارى قصائد نثر مؤثرة فقلت يجب ان لا ابقى خارج السرب مهما كان تغريدي يجب ان انتمي لهذا الجيل فزحفت إلى هذا الجيل والى قصيدة النثر بديوان اماكن فارغة كتبته عام 1993 كتبت قصائد نثر حسبما ارى قصيدة النثر كيف تكون وفعلا كتب حوالي خمسين مقال نقدي عن هذا الديوان وفازت قصائدي بجائزة الشارقة وتوجت بهذا الفوز ولذلك انتبه لي الشعراء وجيلي بأني صاحب قصيدة نثر ايضا فمن هنا وانا من جيل الثمانينات واكتب كافة انواع القصيدة ولكن جيل الثمانينات زملائي حصروا انفسهم بقصيدة النثر .

 

س: طارق الكناني: هل سيقف المنجز الادبي لعلي الامارة عند القصورة ام سيتعداها إلى منجز ادبي آخر؟

ج: علي الامارة: القصورة احدى اهتماماتي فانا عندي عشرة دواوين اثنان منهن اثنان فقط قصورة والباقي ليست قصورة فأنا مثلا كتبت لزوميات خمسه ميل ومزجت بين لقصيدة والقصة وهواجس اصحاب الحسين ايضا مزجت بين السرد التاريخي الذي انتقيته بحيث يصبح مزيج من السرد الفني وهذا ايضا طبع عن طريق وزارة الثقافة وهذا هو الذي اوصلني إلى (انا وشكسبير) لأن صارت لدي خبرة في هواجس الابطال المكسورين والابطال المنتصرين والبطل المضاد مثلا عبيد الله بن زياد كان بطلا ولكنه مضاد لنا ولرؤيتنا نحن ولكن هو كان بطل الدراما فهواجس اصحاب الحسين كلها بنيت على هذه الشخصية هم اصحاب الحسين كانوا في صراع مع هذه الشخصية وهذه الشخصية التي قتلتهم جميعا وهو كما يطلق عليه في المسرح البطل المضاد، دائما عندي ولا اقف عند القصورة فالشعر عندي هو بؤرة فنية تشع على كل الاشكال الاخرى من الفن فشعت عندي على السرد وشعت عندي على الصورة وقد تشع على اشياء اخرى ايضا لأن الذي يمتلك اللغة المجازية والشعرية ويمتلك الانزياحية قادر على ان يزحف على الفنون الاخرى فانا معجب بماركيز لاني اجده يكتب باللغة الشعرية لأنهم لم تصبح لديهم هذه الاسماء الكبيرة الا عندما كتبوا بلغة شعرية حتى ماركيز نفسه يقول (حتى السطرين او الثلاثة اسطر احتاج إلى ثلاثة ايام واربعة لكتابتهن فانا انميهن) ولذلك الشعر اعطى للفنون الاخرى دفقا جديدا اعطاها مجازا اعطاها تحليقا من هنا تأتي اهمية الشعر ولذلك نحن حتى في السينما في بعض المرات عندما نرى لقطات فيها مشاهد درامية عالية نقول عنها قصيدة ونعجب بها .ومن هنا صار الشعر باستطاعته ان يعطي للفنون الاخرى، لماذا؟ لأن الشعر هو ارتفاع باللغة وهو البحث عن لغة اخرى البحث عن معاني جديدة هو الابتكار بالعمل الادبي فانا اجد نفسي شاعرا مطلا على الفنون الاخرى من خلال نافذة الشعر .

 

س: طارق الكناني: ماذا يقول علي الامارة للشعراء الجدد؟

ج: علي الامارة: في احدى المرات سئلت كيف ترى حال الشعر في العراق فقلت: الشعر في العراق بخير والدليل كثرة الطارئين عليه، اي بمعنى ان الشعر كأي مجال اخر يعاني من الطارئين، لأن الطارئون اشطر من الشعراء الحقيقيين وهم يجيدون تسويق انفسهم فالأصيل يعتمد على اصالته وموهبته فتجده غير شاطر او متمرس بتوصيل هذا الشعر وتسويق شعره عبر المنافذ الادبية حيث تجد الشاعر الطارئ قد قطع اشواط بعيدة في تسويق نفسه كشاعر بينما هذا الاصيل يقبع في المؤخرة لعدم امتلاكه هذه القدرات التسويقية، فالطارئ يراهن على التسويق فقط والاصيل يراهن على النص فالاصيل يحتاج إلى من يكتشفه يحتاج إلى من يبحث عنه ويقيمه سواء ناقد او وزارة او مؤسسات ثقافية مسؤولة هي التي تقيم هذا الشاعر الاصيل وتميز بين الاصيل والدخيل، ولذلك دائما انصح الشعراء ان الذي لديه موهبة يهتم بها ويصقلها ويبذل جهد كبير حتى يطور نفسه والذي لايمتلك الموهبة فالشعر كما قال نزار قباني جرثومة فمن لم يمتلك هذه الجرثومة لايلج عالم الشعر لأنه سيتعب ويتعبنا معه وبالنتيجة لايصح على الا الصحيح وهذه المقولة التي اتكأنا عليها تاريخيا ولكن هناك اخطاء لم تصحح بل بالعكس بقيت ونمت وعندما يأتي التاريخ باكاذيبه بتلفيقاته وتحيزه سيجعل من هذه الاخطاء قانون ويجعل من الشذوذ قياسا .

شكرا لك سعة صدرك وشكرا لك هذا السرد الجميل لتاريخ حركة الشعر العراقي والعربي فمن خلال هذه الابواب التي فتحتها وفرت لنا اطلالة كبيرة على هذا الفن الجميل

 

شهادات عن المنجز الادبي للشاعر علي الامارة

الاستاذ فريد سبتي: المدير المفوض لمنظمة الكلمة الرائدة ونائب مدير شعبة المبدعين العرب في جامعة الدول العربية يقول: الاستاذ علي الامارة شاعر متكامل بكل شيء هو صاحب دراما في الشعر دراما في الرؤية الشعرية انا في الحقيقة تعرفت عليه قبل ثلاث سنوات وجدت هذا الشاعر كلما تتحدث عنه تجد له ابواب جديدة اخرى انا اعتبره فنان قبل ان يكون شاعرا، لان الشاعر يكتب مافي داخله ولكن الامارة يرى ويتحدث عنه فهو يكون منتجه الشعري مباشرة فاستعداده وامكانياته الشعرية تتيح له هذه القدرات ففي اي حدث درامي يحدث امامه ممكن ان يكتب قصيدة عنه فهذه هي امكانياته .

الشاعر صادق الذهب: علي الامارة حقيقة هو مدرسة ويؤسس لمدرسة المستقبل وهو مستقبل الشعر وهو امل الشعر علي الامارة لايبدأ من اشعر علي الامارة يبدا كيف انتهى التاريخ علي الامارة يبحث بالرماد عن الجمرة تتقد بين يديه .

القاص حمودي الكناني: ياعزيزي ابا هارون دائما اقول ان المنجزات الكبيرة في سفر الانسانية لايقوم بها الا الناس الكبار لم اكن على اطلاع واسع لما كتبه الشاعر علي الامارة عدى لمحات قليلة لكني اصغيت له الان بانتباه كان ذكيا في اجاباته حيث انه عندما سئل عن المجايلة تعداها وتخطاها وانا اجسّر بين الاجيال وهذا منتهى الذكاء الطروحات التي استند لها في لزوميات خمسة ميل بالرغم من اني لم اقرأها ولكن بالتاكيد عن حكايات اهل حي خمسة ميل كانت حكايات غنية جدا لانها كانت تعبر عن عمق التراث والاصالة الانسانية التي يحملها الانسان البسيط لكنك حين تزاوج بين الحكاية والابداع الشعري في تاصيل معاناة الانسان هذه عظمة بحد ذاتها مع هذا انا كنت افكر دائما في نحت هذا المصطلح وانا من المعجبين في نحت العبارات انه ينحت مابين القصيدة والصورة ويسميها القصورة فهذه منتهى العبقرية ومع ذلك حين سألته كيف يعبر الشاعر إلى العالمية اقول لو لم تترجم اعمال نجيب محفوظ إلى اللغة العالمية لم عرف نجيب محفوظ ولما نال جائزة نوبل للاداب العالمية لايمكن ان يعبر لها اي كاتب او اي شاعر ان لم تكتب اعماله بصورة دقيقة تعبر عن مشاعره وخلجاته إلى لغة اخرى وهو قد نجح في عمله عن شكسبير وعن نحته في هذه الـ (pomage) مع انه ينقلها الناس المعنيون بامانة إلى القواميس الانكليزية لتاخذ حيزها ليكون العراقيون هم من سجلوا هذا كما سجل اسلافهم وشكرا لعلي الامارة .

 

tabolaعلى خطى اشهر اديبات شمال اوروبا امثال "الستريد ليندغرين"، "سلمى لاغرولوف" و"توفه جانسون" تنقل الاديبة الفنلندية كاتري تابولا خطواتها من نجاح الى آخر. كتبت اربع روايات اشهرها رواية "الفتيات الشاحبات" التي حازت على جائزة صحيفة هلسنكي في مجال الادب عام 1998. اضافة الى جوائز اكاديمية اخرى. 

لها اعمال مهمة في مجال ادب الاطفال بعضها ترجم للعربية منها على سبيل المثال "حكاية الامير الصغير"، "حكاية اميرة صغيرة"، وايضا عمل "نزهة الاماني". من اجل الاقتراب اكثر من تجربة الاديبة كاتري تابولا جاء الحوار التالي:

 

• ستكون البداية من سؤال تقليدي من انت؟

- انا كاتري، ولدت في مدينة "الما يوكي" التابعة لمقاطعة "بوهياما الجنوبية" جنوب غرب فنلندا. نشأت هناك حيث السهول، الارض والسماء، الافق المفتوح والمناظر الجميلة. ولدت في الستينات من القرن الماضي. ابي وامي كانا يسكنان العاصمة هلسنكي ثم انتقلا لاحقا الى هناك. ابي كان مدير مدرسة وكان على احتكاك مع العديد من الناس، يشرف على الدورات التعليمية وهو على تماس مع مختلف الشرائح. امي كانت معلمة ايضا. سكنا في محيط القرية التعليمية، كنا مجموعة من العائلات نسكن في تلك القرية، نحن الاطفال كنا نلعب سوية، نمرح ونرتب الحصى وفق ما نشتهي. اكون سعيدة جدا حينما اتحدث عن طفولتي، هذا الجزء مهم جدا من حياتي.

 

• تحملين شهادة في فقه اللغة وماجستير فلسفة وتكتبين في مجال الادب اين تجدين نفسك بين تلك المجالات؟

- رغم اني ايضا عملت في مجال تخصصي في اللغة لفترة الا انني اجد نفسي في مجال الكتابة اكثر من المجالات الاخرى. عالم الكتابة يشدني اكثر.

 

• هل يختلف الادب في شمال فنلندا عن غيره؟

- لا اعلم هل يختلف كثيرا ام لا، لست متخصصة في مجال الادب المقارن واقارن ذلك مع ادب الاطفال في بقية انحاء العالم، لكن ان كان للادب في منطقة شمال اوروبا ما يميزه فقد يعود الى وجود اسماء مهمة تمثل قدوة في هذا المجال مثل "الستريد ليندغرين"، "سلمى لاغرولوف" و"توفه جانسون".

 

• هل تضمّنين فيما تكتبين رسائل للصغار؟

- حينما اكتب للكبار ربما اوجّه رسائل خاصة فيما اكتب، لكن مع الصغار الامر مختلف، اثق كثيرا بذكاء الطفل وطريقة تعامله مع ما يكتب له. قد تكون هناك سياقات خاصة في مجال الكتابة للاطفال لابد من التامل فيها ومراجعتها، وربما هناك رسائل ضمنية تاتي في سياق كتابة النص بين السطور او من خلال الرسومات التي يتضمنها العمل. لكن لا افضّل توجيه الرسائل للاطفال اثناء الكتابة. فيما يخص لغة الكتابة للاطفال ايضا لا افضل ان تكون مبسطة جدا، بل يمكن ان تكون متنوعة وغنية بعض الشيء. ولا بأس ان يتضمن العمل الخاص بالاطفال مفردات لا يفهما الطفل فهي في نهاية المطاف تدفعه للتساؤل. كما ليس بالضرورة ان يكون العمل واضحا تماما للاطفال. اضف لذلك ايضا ان لكل عمل مميزات خاصة به وقد تكون ضوابط خاصة به.

 

• قلت انك تثقين بذكاء وفهم الطفال... لكن ماذا لو لم يكن الطفل متعلما بما يكفي؟

- اثق بذكاء وفهم الاطفال سواء كانوا متعلمين ام لا، اثق بذكاء الاطفال بما هم اطفال. الاطفال حكماء وهم افضل البشر. قد يكون ذلك تفكيرا ساذجا لكني انطلق من بعد انساني وعلينا ان نترك الفوارق جانبا حتى بيننا وبين الصغار. الاطفال ممتعون جدا حينما يراجعون الاشياء فيما بينهم. قد نتصور انهم يتناولون الموضوعات بطريقة خاطئة لكن الاصح انهم يتناولونها بطريقة مختلفة.

 

• احد اعمالك الذي سيطبع قريبا للعربية اسمه نزهة الاماني وكتبت على الغلاف بالنسخة الفنلندية العنوان بالعربي لماذا؟

- هذا الكتاب كتب بالتعاون مع المترجمة "ماريا باكالا" وفيه بعض التفاصيل القادمة من الشرق، كما انه في خاتمة الكتاب هناك قصة قصيرة عن اميرة اسمها "سلامه" وهو اسم عربي، كأن هناك كتاب آخر داخل هذا الكتاب. اشعر ان العنوان اضافة تغني الكتاب. ناهيك عن وجود قراء عرب في فنلندا بعد موجات الهجرة الاخيرة.

 

• لديك رواية شهيرة حازت على جوائز مهمة هل ننتظر مشاريع على غرارها قريبا؟

- بالقريب العاجل لم افكر بمشروع بهذا الحجم، اكتب للاطفال وايضا اكتب حاليا منتجا للشباب. العمل للاطفال شيق اضافة الى ذلك ففي الاعمال للاطفال لابد من تعاون مع رسامين ولذلك تكون التجربة مختلفة. اعمل ايضا على انجاز كتاب جديد وهو عبارة عن قصص قصيرة.

 

• هل انت مع من يعتقد بان الكاتب والمبدع لابد ان يعيش للاخرين ويجند نفسه للابداع؟

- انا شخصيا افضل ان اعيش وتكون لي حياتي الخاصة واعيش كبقية البشر، افضل ان تكون حياتي لي، نشاطي اليومي وهواياتي وعائلتي وتفاصيل اخرى.

 

 

omaymaezadinأميمة عز الدين واحدة من الكاتبات المتألقات في سماء الأدب المصري اليوم، فهي حاصلة على ماجستير إدارة الأعمال عن جامعة قناة السويس. سردها القصصي والروائي يمس قضايا جوهرية ومصيرية والذي يتسم عموما بالاختلاف والتجريب من خلال منجزها الأدبي المتعدد الأجناس، وقد صدر لها مؤخرا مجموعة قصصية تحت عنوان "يحلم بالموت" (2016) عن دار ألف ليلة وليلة، حيث تدور أجواءها حول العشق والموت.

هنا تفتح لنا صاحبة رواية "الكاتبة" (2013)، " وقصص "طرقات المحبة" (2011)  وكتاب الأطفال "أنفي كبير" (2011) بابها مشرعا للحوار كما يلي:

 

بعيدا عن الساحة الأدبية والثقافية: من هي أميمة عز الدين؟

- أم وإنسانة مصرية مازالت تحلم.

 

أنت قاصة وروائية وكاتبة لأدب الطفل، في أي هذه التعابير الأدبية تجدين نفسك أكثر؟

- لا تستطيع الفصل بين ما تريده في مسألة الكتابة وتقسيم وتصنيف ما تكتب، الكاتب يكتب ما يشعر به وأيضا ما يحفزه للكتابة، لا يخضع للتقسيم والتصنيف وقتها، غير أن القصة القصيرة مازالت أقرب لقلبي رغم أن بدايتي روائية من خلال روايتي (الحرير المخملي) عن دار الحضارة بالقاهرة 2007 ولقد طبعتها دار الكفاح بالسعودية الطبعة الثانية سنة 2015

 

ما هي أهم القضايا المهمة في قصص أميمة عز الدين عموما؟

- الإنسان بكل تناقضاته وأحلامه، حتى العبث الذي يغلف حياتنا ويظهر لنا في صورة حروب ونزاعات يصبح شاغلا ومحركا للخيال.

 

هناك من يقول أنه لم يعد للقصة صدى لدى القارئ وهو يميل للروايات أكثر، فما تعليقك؟

- زمن الرواية، تلك المقولة التي أصبحت قالبا يستدل به على رواج الكتابة الروائية، مازالت القصة القصيرة تشغل حيزا كريما لدى القارىء لكن دور النشر هى التى تروج لما تظنه أكثر انتشارا.

 

صدر لك حديثا مجموعة قصصية تحت عنوان "يحلم بالموت"، حدثينا عن هذه التجربة المختلفة في سطور؟

- قصص تتحدث عن الموت والحياة، كما قلت سابقا لا أحد ينجو من الموت، ولا الحياة أيضا، نعيش حياة مقدرة بعمر وفى خلال هذا العمر نحلم ونحزن ونبكي ونفرح قليلا أيضا.

 

ما هي قصدية عنوان هذه القصص يا ترى؟

- العنوان لم يكن قصديا، فلقد اتفقت عليه مع الناشر وهو بالمناسبة كاتب روائي (عبد النبي فرج) في البداية كان الاختيار على عنوان آخر لكن بعد القراءة مرة بعد مرة والمناقشات وجدنا أن (يحلم بالموت) يعبر عن الحالة العامة للمجموعة وهي تيمة الفقد والعجز.

 

حدثينا عن تجربتك الروائية المختلفة في عملك الأدبي "الكاتبة" و"نصف ساعة بالممر"؟

- رواية (الكاتبة) تجربة مختلفة تماما عن (نصف ساعة بالممر)، فالشخوص والحالة الروائية مختلفة، فالأولى تتحدث عن كاتبة تعيش أواخر عمرها وحيدة تجتر ذكريات حياتها ومراحل تطورها ككاتبة، أما نصف ساعة بالممر فهي ترصد فتاة تتميز بجمال طاغ مع سذاجة غير عادية تورطها في مشاكل كبيرة.

 

روايتك الموسومة "الحرير المخملي" تحتفي بتعدد الأمكنة، فماذا عن شخوصها باختصار؟

- تتحدث عن موت الجد الذي يسيطر على البيت الكبير، الراوية عائشة فتاة صغيرة لكنها ذكية بما يكفي لملاحظة ما يدور حولها وتدوينه بل نقضه أيضا رغم تعرضها لتجربة زواج مريرة غير متكافئة.

 

لك العديد من الكتابات في أدب الطفل، فهل أنت راضية عن هذه التجربة؟ وكيف ترى أميمة عز الدين مستقبل الطفل العربي؟

- الكتابة للطفل شغف مختلف بالكتابة لكائنات صغيرة أكثر ذكاء منا وحياة، متمردة وطاغية في كل شيء. أحببت الكتابة للطفل كثيرا وهذا النوع يتطور بصورة مذهلة ورائعة فالوطن العربي يزخر بالعديد من كتاب وكاتبات أدب الطفل.

 

شاركت في العديد من المسابقات الأدبية ونلت العديد من الجوائز، فما قولك؟

- الجوائز تشجيع للكاتب، لا أحد ينكر هذا، لن ندعي ترفعنا عن الجوائز وسعادتنا بالحصول عليها.

 

هل أنصفك النقد؟

- لا، لم ينصفني النقد لابتعادي عن الوسط الثقافي.

 

كلمة ختامية للقارئ؟

- القارئ، أتمنى أن تصل كتاباتي إليه وينقدها، فالكاتب لا يشعر بسعادة حقيقية إلا حينما يشعر أن كتابته قد وصلت للقارىء الذى يتلهف لقراءة كتبه.

 

 

asmaajamalأسماء جمال كاتبة مصرية شابة، خريجة كلية العلوم قسم كيمياء من جامعة حلوان، متعددة النشاطات الأدبية والثقافية حيث عملت كمحررة في مجلة "كلمتنا" ومجلة "ندى الأيام" الإلكترونية، كما عملت كمدير لموقع البوسطجي ومعدة برامج شخصيات على راديو الساقية، وقد صدر لها حديثا كتاب "الخادمة" عن دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي والذي سيكون حاضرا ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي في مطلع عالم 2017، ومن هنا كان لنا معها الحوار الآتي:

أولا.. كيف تقدم أسماء جمال نفسها للقارئ؟

- هوايتي الأولى والأخيرة هي الكتابة وكوني مازلت ممسكة بقلمي فهذا  يعني أني مازلت أتنفس وأملك شيئاً في هذا العالم.

كيف راودتك فكرة خوض مجال الكتابة خصوصا أنك متخصصة في مجال الكيمياء؟

بدأت الكتابة وعمري تسع سنوات من خلال موضوعات التعبير المدرسية، ثم بدأت أكتب خواطر وأشعار وكانت بدائية تتناسب مع مشاعري الطفولية حينها .. وكان التحاقي بالكلية يتناسب مع مجموعي الدراسي ولا يتناسب مطلقاً مع هوايتي وما أحبه، وبعد تخرجي منها بحوالي ثلاث سنوات قررت أن أمارس ما أحبه وكنت خلال هذه الفترة قد انقطعت عن الكتابة أيضاً فبدأت أكتب من جديد .

 

بمن تأثرت من الأدباء في بداياتك؟

- لو بدأنا من الطفولة فأشعار نزار قباني كانت مصدر الإلهام بالنسبة لي ثم تعلقي الشديد وقتها بالشعر الجاهلي والأموي والعباسي، وكانت أول قراءاتي للكاتبين الكبيرين إحسان عبد القدوس و توفيق الحكيم .

 

لك العديد من النشاطات الأدبية والثقافية، حدثينا عن هذه التجربة المتنوعة باختصار؟

 - بدايتي الفعلية كانت من خلال مجلة كلمتنا وفي هذا المكان تعلمت الكثير وساعدني كثيراً في تطوير ما أكتبه ثم توالت مشاركاتي على صفحات مجلات أخرى وجرائد ومواقع الإنترنت.

 

أيمكننا أخذ نبذة بسيطة عن باكورتك القصصية الموسومة "قادين" ذات الحس الأنثوي؟

- (قادين) مجموعة قصصية عبارة عن 16 قصة قصيرة منها:

"لم يمضِ العمر بعد ، لن يعود ، فأحبت ، أرجوكِ لا تفقدي عقلك ، أخيراً سأرحل" .

تناقش القصص قضايا وحكايا مختلفة بطلتها امرأة عدا قصة "قادين" بطلها رجل ، تتجسد في كل حكاية قضية وما تعيشه الأنثى من ضغوط ومشاعر متناقضة وكيف تقرر في كل قصة مصيرها .

 

ما هي قصدية عنوان هذه القصص يا ترى؟

 - قادين تعني امرأة التركية فجاء العنوان مناسباَ لما يتناوله الكتاب.

 

من سيقرأ هذه المجموعة سيجد حضورا قويا للمرأة، فهل تحتاج القصص دائما لحضورها كي تقول المختلف في نظرك؟ وماذا عن دور الرجل فيها؟

- كوني أنثى فهذا يدفعني دفعاً للكتابة عن المرأة خصوصاً وأنه أول أعمالي، وفي الحقيقة  الكاتبات يواجهن في عالمنا العربي انتقاداً لاذعاً بسبب كتاباتهن عن قضاياهن بالرغم من تشدق الكتاب الرجال أنفسهم بمشاعرها وحياتها  ويولونها اهتماماً كبيرا في قصصهم وكتاباتهم .

والرجل هو المحرك الأساسي لكل القصص وقصة "قادين" بالأخص تتعمق داخل أحاسيس ومشاعر الرجل بشكل كبير .

 

 

ماذا تستشرفين في أفق القصة القصيرة حاليا في مصر والوطن العربي؟

- رغم تميز هذا النوع الأدبي وصعوبته خصوصاً إذا كتبت القصة القصيرة كما يجب أن تكون لكنها لا تنال اهتماماً كبيراً كما تستحق كما أن معظم الكتاب يعتبرون أن الرواية هي التطور الطبيعي للقصة القصيرة، فبالتالي يضعونها في مرتبة أقل من الرواية وهذا خطأ كبير لأن القصة القصيرة نوع أدبي والرواية نوع أدبي آخر ..

 

صدر لك حديثا كتاب في فن المقامة الأدبية تحت عنوان "الخادمة" عن دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، حدثينا عن هذه التجربة المختلفة في سطور؟

- ترددت كثيراً في نشر هذا الكتاب لأنه مختلف عما هو متداول وما ينشر الآن حيث تطغى الرواية، ولكن التنوع الأدبي مطلوب بالتأكيد خصوصاً وأن هذا الفن اندثر منذ زمن فوجب علينا إحياؤه من جديد ..

والكتاب عبارة عن 15 مقامة أدبية تتناول كل منها موضوع مختلف وتنتهي بمثل شعبي أو حكمة وتجمع بين الفصحى والعامية.

 

 

هل من الممكن أن تخوض الكاتبة أسماء جمال تجربة الكتابة الروائية قريبا؟

- بالفعل أكتب الآن أول رواية لي .

 

ما هو مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

- عرفت الكثير عن الجزائر من خلال قراءاتي للأدب الجزائري حيث يطغى عليه تفاصيل حياة الجزائريين وأيام الاحتلال الفرنسي والكلام الكثير عن التطرف الديني ، أحببت "طوق الياسمين" لواسيني الأعرج و"ذاكرة الجسد" ، "فوضى الحواس" لأحلام مستغانمي .

 

ما رأيك في موجة مواقع التواصل الاجتماعي، وهل تساهم في متابعة القارئ للإنتاج الأدبي؟ وماذا عن وظيفة الناقد؟

- في رأيي مفيدة جداً للقارئ والكاتب على حد سواء .. ولا يوجد ناقد أدبي بالمعنى الصحيح والكتاب الكبار لا يتابعون أعمال الشباب من الأساس .

 

حاورها: عبد القادر كعبان - الجزائر

 

majedsleemanما بين روايته "طيور العتمة" الصادرة سنة 2014 ومسرحيته الموسومة "وليمة لذئاب شرهة" التي صدرت عام 2016، للمبدع السعودي ماجد سليمان مسيرة إبداعية متميزة اختلفت أجناسها الأدبية ما بين الشعر والقصة والسيرة والمقالة والسينما وأدب الأطفال وغيرها. تبدى في إصداراته المتنوعة سمة الوعي الثقافي والسياسي والاجتماعي في شكل جديد لما هو سائد ومغاير في وطننا العربي، أين يبزغ الرمز في كتاباته بوضوح مهيمنا على أفكاره وتصوراته التي لا تخلو من الحس الإنساني، ومن هذا المنطلق فتحنا معه الحوار الآتي:

القارئ المتتبع لمسار السعودي ماجد سليمان يستوقفه حضوره المتعدد في مجال الشعر، القصة، الرواية، المسرح، أدب الطفل، السيرة، المقالة، السينما والرسم...، فما سر هذا التعدد؟ وأين تجد نفسك حاضرة بشكل كبير تحديدا؟

- الثقافة الواعية ولأكون أكثر دقة (الأديب الواعي) هو الذي يتعمق في اتجاهات الأدب بحب وشغف، طبعاً رغم كل هذا إلا أنه شاء أو أبى سيكون مكثّفاً في منطقة واضحة للجميع، ناهيك أن القالب الإبداعي هو من يفرض نفسه على كاتبه، الأدب شعراً ونثراً هو منطقة خصبة لتفكيري وتبصّري وتأمّلي رغم ميولي للنثر ولأكون أكثر دقة أيضاً (السرد) لذا أجد نفسي تتمركز غالباً في الرواية أو السيرة، قراءة وكتابة، لعل اتساعها وقدرتها على استيعاب التفجر الإبداعي أكثر مرونة من بقية الأجناس.

 

لماذا اخترت "وليمة لذئاب شرهة" عنواناً لمسرحيتك الصادرة عن مؤسسة الانتشار العربي سنة 2016م وما هو مدلول هذه التسمية عندك؟

- (المسرحية رواية استبدلت السرد بالحوار) لا أذكر صاحب هذا القول، لكنه التصق بذاكرتي لأنه مقنع جداً .. (وليمة لذئاب شرهة) جاءت بعد أعمال إبداعية مختلفة، شكّلت الكثير من مسيرتي ولعلي أؤكد أننا نعاني قصوراً في الكتابة المسرحية في عالمنا العربي تحديداً (المسرح الأدبي) وليس الشعبي.

وليمة لذئاب شرهة، هي دوائر كبيرة من استغلال المسؤول لمنصبه، وكيف يستطيع تطويع كل من هم تحت إدارته بأن يكونوا لصوصاً متى خرجت أنفسهم على حقيقتها، فالمنصب الوزاري أو أي منصب كان مكانه وزمانه، هو (وليمة) في أعين (المسؤولين اللصوص) يتسابقون اقتسامه أو اقتطاع ما استطاعوا منه.

 

لقد كتب الناقد الجزائري عبد القادر كعبان عن باكورتك الروائية "عين حمئة" قائلا: "سنجد أنفسنا كقراء أمام زحمة رؤى يرفضها الروائي ماجد سليمان كما يرفضها ديننا الحنيف بشكل آخر، لأنها تنسف القيم الإنسانية ليختلط الحلال بالحرام"، فما تعليقك؟

- المبدع الأديب الجزائري عبد القادر كعبان، قد أكرمني بأن منحني من وقته وقرأ ما قدمته للأدب العربي ولعله كان نافذاً في قلب النص بشكل دقيق وشفاف، وقاسمني ما رميت إليه من رفض كامل لأمور كثيرة مرفوضة ديناً وعرفاً وقبل كل ذلك هي مرفوضة بطبيعة الإنسان السوي، لذا جاءت روايتي (عين حمئة) كالصرخة الطويلة على ما تفعله فوضى المجتمع التي صنعتها المسؤولية المتدنّية بين أفراده.

لقد استطاع المبدع عبد القادر كعبان أن يتناغم مع "عين حمئة" تناغماً خلاقاً متوسّعاً في النقاط الكثيرة التي جاءت في متنها.

 

ترى الكاتبة اللبنانية ريماس شمعون أن روايتك الثانية "دم يترقرق بين العمائم واللحى" تحتفي بالبطولة الجماعية التي تسعى للحرية والخروج من ظلم الحاكم، فما هي خلفية ذلك النص باختصار؟

- سعدت كثيراً بما قدمته الأستاذة اللبنانية ريماس شمعون، فمن المبهج أن ترى من يكتب عن عملك وكأنه يتماهى مع حركة المشاهد في نفسك أثناء كتابتها.. خلفية النص باختصار هي تأثر بأحداث الربيع العربي آنذاك، لقد خلقت الثورات العربية شعوراً داخلياً متدفقاً ألهمني لهذا العمل الذي كتبته بحب كغيره من أعمالي.

 

من الروايات التي أثارت جدلا في الساحة العربية روايتك الموسومة "طيور العتمة" لأنها جاءت مرآة عاكسة لتشريح ظاهرة السجين العربي، فكيف جاءت فكرة هذه الرواية وما هي رسالتك للمتلقي باختصار؟

- "طيور العتمة" كانت حبيسة التنفيذ، أمضيت وقتاً وأنا في تردد من خوض هذه التجربة الغائرة في وقاعنا، "طيور العتمة" وضعتني في مكان لا أحسد عليه فأنا ما زلت في تردّد كبير في تقديم عمل روائي يضاهيها، حقيقة هي أكثر أعمالي تأثيراً، فكرتها كانت مسودّة قبل صدور روايتي الثانية (دم يترقرق) لكني لم أكن مستعداً لكتابتها بشكل جيد.

وما أن صدرت (دم يترقرق) حتى رأيت أنني في مزاج عالٍ جداً للخوض بشخصيات "طيور العتمة" إلى عالمها السردي المرعب.

ورسالتي للمتلقي هي أن الصوت يجب أن ينادي بوجود ظاهرة التوحش التي يعامل بها السجين العربي المتهم زوراً، ومدى الفرصة الكبيرة الممنوحة للسجان في تعذيب السجين بكل حرية.

 

 دخلت معبد السرد القصصي من خلال "نجم نابض في التراب" و"الصندوق"، حدثنا عن هذه التجربة باختصار؟

- "نجم نابض في التراب"، هي مجموعتي القصصية الوحيدة، فقد جمعت بين دفتيها كل تجربتي في القصة، لدرجة أنني لم أعد لكتابتها لكوني وجدت عالماً عظيم الحرية كالرواية والمسرحية والسيرة، ولعل مجموعتي هذه أراحتني بصدورها كونها وثّقت مرحلة إبداعية من مسيرتي، كي أنطلق متخففاً من الشعور بالمسؤولية تجاه فن أدبي مَثّل جزءً هاماً من حياتي.

أما (الصندوق) فهي قصة كتبتها للطفل عام 2014م حين عكفت على الاشتغال على مشروعي الخاص بالطفل العربي، والمكون من ثلاث أعمال:

الصندوق "قصة للطفل" – الآباء "مسرحية للطفل" – أجراء "قصيدة للطفل" .. ولعلي استدرك فأدب الطفل لدينا يعاني من قصور كبير، وشخصياً أحببت أن أجعل جزءً من مسيرتي مخصّصاً للطفل فالأدب ليس للكبار فقط أيضاً للأطفال نصيبهم.

 

- ماذا عن تجربتك السينمائية اليتيمة "ينتظرها"؟

(ينتظرها).. تجربة يتيمة أملاها علي ظرف مفاجئ ذات صباح شتائي، كنت أشاهد اللقطات وكأني أشاهد فيلماً سينمائياً قصيراً، وهذا ما يؤكد قناعتي بأن الإبداع الحقيقي إلهام شديد مفاجئ، وتجده هو من يرتب لك عملك الإبداعي دون شعور منك، (ينتظرها) تجربة أتمنى أن تكرر، وبصراحة السينما فن يستحق الكثير منا، فهي جزء ليس بالقليل من فنون السرد الأدبي، رغم ارتباطها المباشر مع الفنون الأدائية أو المسرحيّة.

 

ما هي مؤهلات الناقد الأدبي؟

- الناقد الحقيقي: هو الخارج من رحم التجربة الإبداعية الأدبية المحضة، والمتمرّس في نسجها شعراً ونثراً، حتى يُؤمن جانبه النقدي، فالأدب يُنتجه وينقدّه الأدباء، من لا صِلة لهم به شعراً ونثراً، وعملاً وصناعة هم المشكلة، كالمتسمّين بالنقّاد والأكاديميين والمتطفّلين على مائدة الأدب، لأنّ التنظير دون ممارسة لنفس العمل، برهانٌ على زجّ النفس في ما ليس من صنيعها.

 

ما تقييمك للمشهد الأدبي السعودي اليوم؟

- لا أقيمه ولكني أعطي انطباعي الشخصي، المشهد الأدبي السعودي لا يختلف كثيرا عن أقرانه في وطننا العربي، فالأعمال الجميلة غالباً (قليلة) والسائد هو التكرار والاجترار وأعمال صدرت إعجاباً أو تأثراً بأعمال سبقتها، ولهذا أسباب كثيرة، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، لا أزكي نفسي فأنا جزء من منظومة المشهد الأدبي العربي، وأجتهد أن أكون مستقلاً قدر المستطاع جاعلاً من التأثر متعة لا أنقلها إلى أعمالي.

 

ألا يضايقك احتكار الرواية العربية لأضواء التكريمات والجوائز والنقد مقارنة بالأجناس الأدبية الأخرى؟

- هي لا تضايقني ما دامت لا تمس حريتي الإبداعية وخصوصيتي الفنّية، انشغال التكريمات والجوائز والنقد بالرواية دون غيرها من الأجناس ضرره كبير، فالأدب ليس الرواية فقط، الأدب أيضا الشعر، والقصة، والمسرحية، والسيرة، لست ضد أي تكريم وأي جائزة وأي نقد يخدم الرواية أو ينشغل بها، وفي الوقت نفسه لست معها، لأن للأجناس الأخرى إغراء يفوق الرواية كالسيرة مثلاً.

الجوائز لها منطقة ايجابية أيضا حيث قدمت دعماً للحركة الروائية وجعلت هناك تواصلا أكثر من ذي قبل، ولكن يبدو أن كل شيء بمجرد أن يزيد عن حده تكون عاقبته غير مريحة، فالآن لم تعد الساحة الروائية مغرية بسبب المجانية التي سببتها هذه الجوائز.

إن المبدع الحقيقي جائزته (الاستمرار) وتقديم الأعمال المختلفة المتفردة، فالجوائز عموماً ليست مقياساً وليس لها أن تكون إلا داعماً ومحسّناً للمعنوية الإبداعية، باختصار هي (تكريم وتشجيع) على مسيرة عطاء أو جودة عمل، وليست تمييزاً أو تفرّداً.

ولو تأملنا لوجدنا أن أغلب من خلدهم التاريخ لم يحصدوا جوائز، وأغلب الأعمال التي ما زالت تقرأ كتبها أصحابها وغابوا عن الحياة ولم نعد نعرف عنهم أي شيء، سوى إبداعهم.

 

حاليا الكثير من الأسماء الأدبية تلهث خلف الترجمة إلى لغات أجنبية بغية الشهرة والانتشار، فما تعليقك؟ 

- الترجمة للغات الأخرى مهمة بلا شك لكن ليس بهذا الشكل، وليس كل ما يترجم يلقى حظّاً وافراً، وليس كل مترجم جدير أو رفيع،أما الركض بغية الشهرة والانتشار فهي مشكلة، لأن الكاتب سيضحي بأعماله الأدبية لقاء الحصول على موافقة للترجمة، غالباً تكون مدفوعة الثمن، هذه الحالة اعتبرها متأثرة من فوبيا الفشل، الكاتب الواثق المرتاح لعمله لن يلهث خلف ترجمة أي كان شكلها، لأن الإنصاف يُوجبه التاريخ للمبدع، فهناك أعمال خالدة تقرأ في كل وقت ومع ذلك لم تترجم.

الكاتب الجاد لا تشغله الترجمة أو غيرها بقدر ما تشغله جودة إعماله، وهذا لا يعني رفضه للترجمة، ولا يعني عدم سعيه فيها ما دام يجد في أعماله ما يستحق الترجمة.

لا نجد لك تواجد على مواقع التواصل الاجتماعي: تويتر/ سناب شات /انستغرام / فيس بوك .. هل لك وجهة نظر تجاهها؟

قال أحدهم يوماً: " إن وسائل التواصل أتاحت لجحافل الأغبياء أن يتحدثوا وكأنهم علماء .."

مواقع التواصل هي أماكن قائمة على الضجيج، والصراخ، والتنظير الممل وتفريغ الغضب الاجتماعي، والنقد الغير معني أصلا، والاحترام يكاد يكون مفقوداً، أنا متأكد أن جُل من يحضر في هذه المواقع هم أشخاص يتحدثون في أمور لا علاقة لهم فيها، ومن يتحرك فيها بشغف وحماس هم أنفسهم الذين كانوا يكتبون على الجدران، وبمجرد أن وجدت هذه المواقع جعلوها بديلاً، فاستراحت الجدران منهم.

هي أتاحت الفرصة للجميع بأن يعبروا كيف شاءوا، لكن من هم الجميع؟ وهل لآرائهم قيمة؟ . هذه المواقع قائمة على الشعارات والشعارات مطية المغلوب، فأنا ككاتب ما دمت أحترم نفسي قبل فني وقلمي، لن اسمح لمثل هذه المواقع أن تسلبني ثانية من وقتي، هذا خلاف تأثيرها السلبي: صحياً، نفسياً، ثقافياً، إلخ،  ناهيك عن وقعها السيء على الثقافة العربية، فقد رفعت الفوضى عالياً، وقاتلت الجودة بسلاح الرداءة.

 

ما هي القضية الرئيسة للمبدع ماجد سليمان؟ وإلى ماذا تطمح كتاباتك الأدبية مستقبلا؟

- قضيتي الرئيسة هي (الإنسان) الإنسان في كل حالاته وتقلباته وتطلّعاته وتأمّلاته وتوجّساته، من حاضره وقادمه. تغريني الكتابة عن القضايا الكبرى للبشر، القضايا التي تهدد بقاء الإنسان، وتسحق يقينه، وتلوّث عيشه وتبعثر أمله، الكتابة عنها أشبه باستشفاء وضماد إلى حين.

أما المستقبل فهو غيب لا يد لي فيه، لست أضمنه ولا أتوقعه، كل ما علي فعله هو الإكثار من جرعات الأمل والعمل، والاستعداد بما تجود به الليالي التي أجلسها قارئاً وكاتباً، المهم أن استمر في زراعة الحياة بما هو جميل.

 

لمن يقرأ ماجد سليمان من جيل الشباب في وطننا العربي؟

- أعمار المبدعين لم تكن شاغلتي يوماً لأنه ليس من العدل تقسيم الإبداع حسب الأعمار فقد يكون شاباً ويتجاوز بعمله من يكبرونه بأعوام، لذا يكون العمل هو الفيصل، حقيقة أقرأ لمبدعين كثر ولعلي أستحضر من  قرأت لهم مؤخراً، ولا أدري إن كانوا شباباً أم لا لكني أظنهم شباب القلوب، وهم: ربيع جابر، عماد الورداني، سلطان العميمي، فريد هدى، خليل خشلاف، علي بدر، وآخرين.

 

ما هو جديدك؟

- انتهيت قبل أسابيع من عمل جديد لا هو بالرواية ولا بالقصة هي حكاية تتوسطهما، وتنتمي إلى أدب الحرب، بطلها شخصية متخبّطة بين حياة الحرب والحب، ويشرفني ويسعدني أن تكون النسخة الأولى بين أيديكم.

 

كلمة ختامية للقارئ الجزائري والعربي عموما؟

- بكل محبة ومودة واحترام، للشعب الجزائري العريق، والقارئ الجزائري الفذ، وشعبنا العربي كافة، آمل أن أكون عند حسن ظنكم الجميل.

 

karima nooresawiالسلام عليكم أستاذي، طرقت باب الحروف استجدي حرفا، فوجدتها هربت إلى دياركم.

قد تعجز الكلمات عن مجاراة الحروف للانطلاق في جلسة شاعرية مع قامة باسقة كالشاعر الكبير أديب كمال الدين، وأمام عجزي لم يكن لي من خيار سوى الهروب نحو سؤال تقليدي ألج من خلاله هذا العالم الرحب والممتع.

 

د. كريمة نور عيساوي: أستاذي الفاضل أبدأ بسؤال تقليدي، من هو أديب كمال الدين، تاريخ ومكان الميلاد، التخصص، ما هي البدايات الأولى؟  وما هي أول تجربة خضتموها في مجال الكتابة؟

adibkhamaladinالشاعر أديب كمال الدين: وُلِدت في محافظة بابل- العراق عام 1953 في أسرة علم ودين. والدي رحمه الله كان يؤكد على الدراسة والتعلّم. وقد شجّعني على ذلك مثلما شجّع إخوتي وأخواتي جميعاً على هذه المسألة المهمة، كما كان يشجّع، باستمرار وبجدّية، على التفوق والحصول على أعلى الدرجات. وهكذا فقد كان هناك أكثر من درجة دكتوراه في العائلة. وقد كنتُ بطبعتي ميالاً للقراءة منذ الصغر. وساعد وجود مكتبة عامرة في البيت على أن أقرأ منذ وقت مبكر جداً في حياتي مختلف الكتب، وفي مقدمتها قصص ألف ليلة وليلة، وروايات جورجي زيدان وقصص تشيكوف. وفي مرحلة لاحقة قرأت روايات نيكوس كازنتزاكي. وقد ألهبت هذه الكتب خيالي بشكل عميق جداً سهّل عليّ، بالطبع، الدخول إلى مملكة الشعر الغامضة. وفي مطلع السبعينيات التحقت بكلية الإدارة والاقتصاد – فرع الاقتصاد بجامعة بغداد. وأثناء دراستي عملت في الصحافة محرراً في القسم الثقافي، أولا عملت في جريدة الراصد ثمّ في مجلة ألف باء. وبدأت أنشر قصائدي في الصحف، والمجلات حتى طبعت- ولله الحمد- مجموعتي الأولى "تفاصيل" عام 1976.

 

د. كريمة نور عيساوي: ماذا تمثل بالنسبة إليكم تجربة '' تفاصيل '' في مسار كم الشعري العام؟

الشاعر أديب كمال الدين: كان صدور "تفاصيل" حدثاً رائعاً وسعيداً بكلّ معنى الكلمة في حياتي وكان عمري حينذاك 22 عاماً. فقد  كانت مجموعتي الأولى، وأولى خطواتي في عالم الشعر. وقد طبعتها على نفقني الخاصة في مدينة النجف الأشرف، بعد أن رفضت وزارة الثقافة والإعلام طباعتها لأنّها (جاءت خالية من ذكر منجزات الثورة والتغنّي بها!). احتفت مجموعتي "تفاصيل" بصدق عميق بجذور الحياة مطلقةً أولى أسئلة الروح عن الحياة ومغزاها وسرّها الأزليّ، احتفت ببراءة عذبة ب"جسد الرؤيا" للرحلة التي تبدأ بالصرخة وتنتهي بها، أعني صرخة الولادة ثمَّ صرخة الموت. هكذا  صار على الشاعر،  لكي يكون شاهداً حقيقياً، أن يفسّر لنفسه وللكون كيف أنّ الصرخة الأولى كانت مبهجة والثانية مرعبة أو العكس بالعكس. صار على الشاعر أن يؤسس فنيّاً لحرف الصرخة التي ستتحوّل إلى حب وعشق وفراق وعذاب ونفي وجوع وعطش وحرمان وأرق ومعاناة، الصرخة التي ستطلقها الروح وهي تصارع أبد الدهر الرعبَ والخوف والفجيعة والظلمة والظلام. احتفت "تفاصيل" ببراءة عذبة ب"جسد الرؤيا" بعيداً عن أكاذيب الأيدولوجيا، وصراعها اللعين من أجل المال والجاه، وما توفّره لأصحابها من متع زائفة ومباهج تافهة، الأكاذيب التي امتلكت صوتاً صاخباً في سبعينيات القرن الماضي، وما تلاها لدرجة أنّه كاد يصيب المتلقّي بالصمم، وأفسدت كثيراً من المنجز الإبداعي العراقي، وأبعدته، بعنف شديد، عن دور الشعر الأوّل الحقيقي. ذكرتُ ذلك بوضوح في المقطع الأوّل من إحدى قصائد المجموعة، وهي قصيدة (قصائد صغيرة):

-  لا تذهبْ أكثر

- من مائدةِ الأطفالْ:

- من مائدةِ الفرحِ الباسق،

- من مائدةِ النخلِ الباسق

- وغناءِ البَطِّ، تماثيلِ الطينِ، الأعشابْ.

- لا تذهبْ أكثر من صحراء الغيرةِ والنومِ الأزرق،

- صحراءِ الكلسِ الأبيضِ والكلْماتِ الشعثاءْ.

- لا تذهبْ أكثر من جسدِ الرؤيا!

- هذه هي الوصيّة الشعريّة الأولى التي ألزمتُ بها نفْسي فالتزمتْ بها طوال المجاميع الكثيرة التي كتبتها بعد "تفاصيل" ولله الحمد، هذه هي بوصلة طريقي الشعري المضيئة بالتأمّل، والزهد، والحبّ بمعناه الواسع الكبير. وهي الوصيّة التي همّشتْ منجزي  الشعري إعلامياً زمناً طويلاً حين كنت في العراق، لكنّها، دون شك، عمّقته فنياً. ففي زمن الطغيان يُراد من الشاعر أن يلمّع الأكاذيب، ويبيّض الأسود ويسوّد الأبيض فقط. يُراد منه، بعبارة أخرى، أن يضرب على الطبل لا أن يعزف على الكمان. وفي القصيدة ذاتها، أعني (قصائد صغيرة)، طلبتُ من الشعْر أن يعين الجسد المحروم والروح الملتاعة على السير في مواجهة تيّار الزمن المتناثر أياماً تتكرّر ساعاتها وتتكسّر شموسها، أردتُ منه – ولا أدري هل كنتُ على صوابٍ أم لا – أن يأخذ بيدي:

-  ما نفعُ الأشعار

- إنْ لم تأخذ بيدي؟

- لقد تساءلت: إن كنتُ على صوابٍ حين طلبتُ من الشعر أن يأخذ بيدي، إذ ما من جواب حاسم حتّى بعد مرور أكثر من أربعين عاماً على هذا السؤال الغريب كغرابة الحياة نفْسها والمدهش كدهشة الشعر نفْسه! لكنّ المؤكّد أنّ قصيدتي لم تزل تطلق ذات الأسئلة التي أطلقتها في مطلع حياتي الشعريّة، وتصف حبّي الذي بدا أبيض الروح والنبض ولم يزل، وتتنبّأـ منذ زمن موغل في البُعد- بالغربة التي أعيشها الآن:

- حُبّي ورقٌ تذروه الريحُ وتسكنهُ البهجة.

- حُبّي ورقٌ لشوارع يسكنُها الغرباءْ

- وشوارع ضاعتْ كالغربة.

- حُبّي ورقٌ من طينٍ أسْوَد:

- ورقٌ يأبى ويهاجرُ، يزرعُ أو ينسى،

- ورقٌ للماضي والرغبة،

- ورقٌ للغيرةِ والفتنة،

- ورقٌ أبيض.

- وبعد "تفاصيل" توالت مجاميعي بالصدور، ولله الحمد، حيث صدرت مجموعتي "ديوان عربي"1981 ثم "جيم" 1989 ثم "نون" 1993 ثم "أخبار المعنى" 1996 ثم "النقطة" 1999 ثم "حاء" 2002 ثم "ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة وصولاً إلى مجموعتي الأخيرة "في مرآة الحرف" 2016، ليصل عدد مجاميعي  باللغتين العربية والإنجليزية إلى  18 مجموعة، إضافة إلى المجلّدين الأول والثاني لأعمالي الشعرية الكاملة ومجاميعي الأخرى التي المترجمةً إلى العديد من اللغات.

 

د. كريمة نور عيساوي: وما هو الصدى الذي خلفته هذه المجموعة عند المتلقي في تلك الفترة؟

الشاعر أديب كمال الدين:  حين صدرت " تفاصيل" كتب عنها الشاعر فوزي كريم مقالة طيّبة في مجلة ألف باء، أمّا الشاعر عيسى حسن الياسري فقد كتب عنها، في جريدة التآخي، مقالة احتفاء رائعة قرأتها بسعادة غامرة وقتئذ مرّات ومرّات. وظهرت مقالات أخرى عنها غابت، للأسف، عن الذاكرة. وأجرى الشاعر فاضل عباس الكعبي حواراً معي لمجلة (وعي العمال)، وكذلك فعل القاص محمد الرديني لجريدة (الراصد).  كما أقيمت أمسية احتفاء بالمجموعة في مديتني بابل قرأت فيها قصائدي وسط محبة الجمهور.

 

د. كريمة نور عيساوي: هل يمكن أن نتوقف قليلا عند كل مجموعة من مجاميعك على حدة لنتعرف عليها عن كثب؟

الشاعر أديب كمال الدين: كان الحرف ولم يزل سبباً في خصوصيتي الأسلوبية الشعرية. بيد أن الوصول إليه لم يكن سهلاً البتة. لكن تيار الألم  الملهِم الذي واجهني في حياتي منذ طفولتي حتى الآن دفعني إليه، دفعني إلى الحرف وطلسمه العجيب فتماهيت معه حد أنني عشقته فسهّل العشق عليّ الوصول ثم القبول ثم المثول في حضرته. هكذا تعرّفت إلى أسراره فكانت (النون) بهجة المحبّ وحليب العصفور وهلال العيد والحلم والنوم والجمال المهلك والهالك والحرمان والارتباك والدوران والقمع والإحاطة والسيطرة، كانت النون رمزاً لمحبة كلّ شيء قريب وفي متناول اليد كما القمر في متناول المجنون وهو يرى صورته منعكسة فوق سطح الماء! وقبلها – أي قبل مجموعة (نون) كنت قد كتبت (الجيم) إشارة الجنون والجثة والجحيم والجند والحرب والدم. لكن (النقطة) كانت هي الكينونة دون شك. ففيها السرّ الأعظم، وفيها الطلسم الذي لا يفكّ رموزه أحد وإن ادّعاه الجميع لقداسته وعمقه ولطفه الذي لا يعرفه سوى الخواص وخواص الخواص. وستكون (الحاء) حاء الحبّ والحرية والحنان دون شك، لكنها حاء الحرب والحريق قبل ذلك وبعده، وهي حاء الحلم الجبار الذي يكاد أن يختصر الشعر كله ومعناه كله وغموضه الذي لا حدود له.  بعدها أصدرت (شجرة الحروف) فكان الثمر غريباً، والرحلة التي قطعها الغريب أكثر غرابة. وكدتُ أسمّيها "شجرة اليأس" لولا إخلاصي الذي لا حدود له للحرف، ولولا محبتي التي لا يساورها الشك لشجرة الأمل وإن بدت صغيرة جداً وشاحبة جداً ومتعبة جداً لشدة العاصفة التي تحيط بها وبي. وكان عليّ أن أوثّق لما جرى لي بلغة الاعتراف الجميل الذي سيراه بعضهم لذيذاً والآخر مليئاً بالغموض والثالث عذباً والرابع…أو بلغة الفاصلة الجسدية والزمكانية التي تغني القصيدة وتزيد، ربما، من سعة آفاقها لتحتوي الحياة كلها في لحظة نادرة. الرحلة لا تنتهي بالموت ذلك عجب الدنيا العجاب، لأنّ الحرف لا ينتهي وتأويله شعراً لن ينتهي، وفي هذا بعض العزاء لي بأن سكني في لحاء الحرف قد أنار لي ظلمةَ وداعي وأعانني على الوصول إلى شيء ما وإن كان سرّ هذا الشيء مجهولاً للطفه العميق. لقد عالجتُ كوارث الدنيا وظلامها الكثيف بالحرف وداويتها به. وكان العلاج شافياً للوهلة الأولى لكن الظلام كان مزمناً، فصار عليّ - أنا المنسيّ المنفيّ في جسده قبل وطنه وفي وطنه قبل جسده- أن أعيد العلاج المرّة تلو الأخرى. ولذا أبدلتُ الحرف من (الجيم) إلى (النون (إلى (الحاء) إلى (النقطة) إلى (ما بعد الحرف.. ما بعد النقطة) وإلى (شجرة الحروف)، ثم حاورت النقطة والحرف وجعلتهما يتحاوران في كلّ شيء ويتناغيان ويتساءلان ويكتشفان بعضهما بعضاً وينصهران إلى حد التلاشي والذوبان ثم جعلتُ النقطة تعترف وترقص وتبكي وتغني وتعشق وتهيم وتجنّ وتشطح وتشرق أبداً في البر والبحر والنهرً. كنتُ صادقاً فكان حرفي صادقاً هو الآخر، ولسانه كان رطباً أبداً بالدعاء والغناء والهذيان، وكانت النقطة طيبة كدمعة طفل يتيم. لذا لا عجب أن رأيتِ البحرَ والطفل والساحر يهبطون من الحرف ليأخذوا بيدي أنا المتأمل المهووس بالجسد والنار والموت لأسير خطواتي المرتبكة وسط القساة والأجلاف والقَتَلة. بعد ذلك أصدرت (أربعون قصيدة عن الحرف) ثمّ (أقول الحرف وأعني أصابعي)، واستمرت المجاميع تتوالى - ويصل عددها إلى (18) مجموعة ولله الحمد- وصولاً إلى آخر مجاميعي وعنوانها (في مرآة الحرف)، لتوثّق مسيرتي ومسيرة الحرف في تناغم اسمه الأمل وسرّه الألم.

 

د. كريمة نور عيساوي: من أين يستمد شاعرنا الكبير تأملاته الفلسفية؟ وما هو دور الإعجاز القرآني في ذلك؟

- الشاعر أديب كمال الدين: عتمدت أسلوبتي الشعرية على الحرف كما ذكرت، وحروفيتي في أصلها قرآنية. فالحرف حمل معجزة القرآن المجيد ولا بدّ لحامل المعجزة من سرّ له،  كما أن الله سبحانه وتعالى أقسم بالحرف في بداية العديد من السور الكريمة، وكان في ذلك ضمن ما يعني وجود سرّ اضافي يُضاف الى سرّ القرآن المجيد نفسه. فمِن القرآن الكريم نهلت معارفي في مختلف الأصعدة. فالقرآن الكريم بحر عظيم وفيه علم ما كان وسيكون، أي علم الأسئلة الكبرى التي واجهت البشرية منذ خلق آدم إلى يومنا هذا عبر أخبار الأنبياء والمرسلين، وتفاصيل عذاباتهم ومعاناتهم وصبرهم وغربتهم وأحزانهم وهم يبلّغون في مختلف الأزمنة والأمكنة رسالةَ التوحيد والمحبة والسلام واحترام الآخر وعدم تحقيره أو الاعتداء عليه بأيّ شكل كان وبأيّة صورة كانت. وهو لكلّ كاتب وشاعر وأديب كنز لا يفنى من المعارف اللغوية والروحية والفكرية، والأسرار الإلهية، والقصص المعتبرة، والمواقف الأخلاقية ذات المضامين العميقة، والحوارات الفلسفية واليومية ما بين الخالق ورسله وما بين رسله وأناسهم. ومن التصوّف تعلّمت معنى التأمل في ملكوت ملك الملوك، ذاك الذي يقول للشيء كنْ فيكون. وتعلّمتُ عظمةَ الزهد، وأسرار الروح الكبرى، ومعنى سياحة الروح عاريةً إلا من رحمة ربي في زمن يعبد الناس فيه دنانيرهم ودولاراتهم حدّ الجنون.

 

د. كريمة نور عيساوي: سمعتكم مرّة تتحدثون عن مستويات الحرف هل يمكن أن تقربنا أكثر من ذلك؟

الشاعر أديب كمال الدين: حين تأملت في الحرف العربي خلال رحلة شعرية امتدت أكثر من أربعة عقود ولم تزل متواصلة بحمد الله، وجدت أن للحرف العربي ما يمكن تسميته ب(المستويات) فهناك المستوى التشكيلي، القناعي، الدلالي، الترميزي، التراثي، الأسطوري، الروحي، الخارقي، السحري، الطلسمي، الإيقاعي، الطفولي. هكذا وعبر كتابة المئات من القصائد الحروفية التي اتخذت الحرف قناعاً وكاشفاً للقناع، وأداةً وكاشفةً للأداة، ولغةً خاصةً ذات رموز ودلالات وإشارات تبزغ بنفسها وتبزغ باللغة ذاتها، عبر هذا كلّه أخلصتُ للحرف عبر عقود من السنين حتي أصبح قَدَري الذي لازمني وسيلازمني للنهاية.

 

د. كريمة نور عيساوي: كيف ينظر شاعرنا للمرأة؟ وما مدى حضورها في شعركم، وما هي نوعية هذا الحضور؟ 

الشاعر أديب كمال الدين: المرأة: الأنثى هي خلاصة الذكر/ الرجل/ الشاعر وجدواه ومسرّته وفرحه وعذابه وقلقه ولاجدواه. الأنثى هي ماضيه ومستقبله. وهي بالتأكيد حاضره الذي ينتج في فضائه ما يُقّدر له من نصوص. وعلى هذا تكون هيمنة الأنثى في النص منطقية جداً وضرورية جداً. تصوّري معي عالماً ليس فيه إلاّ الرجال. أيّ عالم ممل هذا يا إلهي! المرأة وحدها هي التي تستطيع أن تكسر حاجز الملل، لكنها عند الشاعر تستطيع أيضاً أن تكسر حاجز الصوت أيضاً! وهي تستطيع أن تصبّ في روحه الفرحَ صبّاً مثلما تستطيع أن تكسر له زجاج روحه ليبقى ملتاعاً حتى النفس الأخير. هذه هي الأنثى: جسد ورماد، قصور وخرائب، حياة وفناء. أما عن الانسجام بيني وبين الأنثى، فأنا آخر مَن يحق له الحديث عن هذا الانسجام! لأنه انسجام لا وجود له من قريب ولا من بعيد! ربما يكون الحديث عن علاقة الارتباك مع الأنثى أو التضاد هو الأدق. وقصائدي تكافح من أجل أن يسود بيني وبين الأنثى، بأشكالها المعقدة وبأسمائها المختلفة، نوع من السلام حتى وإن كان سلاماً بالاسم فقط. من سوء حظ الرجل أو من حسن حظه أن الجمال كله كان ولم يزل في جسد المرأة وليس في أيّ شيء آخر في العالم، ومن سوء حظ الرجل أو من حسن حظه أنه لا يستطيع التخلص أو الفكاك أبداً من أثر هذا الجمال السحري الذي يحمله هذا الكائن اللطيف جداً، واللامبالي جداً، والمغلق على نفسه، والمفكر بطريقة مختلفة عن الرجل، وعصيّة على استيعابه!

 

- د. كريمة نور عيساوي: ونحن نقرأ بمتعة كبيرة بعض أعمالكم الشعرية، تطالعنا نسمات من النفحة الصوفية، هل الأستاذ أديب كمال الدين متأثر بالفكر الصوفي؟

- الشاعر أديب كمال الدين: بالتأكيد أنا متصوّف، ومتصوّف ملتزم. ولذا بعد أن كتبت العديد من القصائد الصوفية مثل: إشارات التوحيدي، الرجل، أنين حرفي وتوسّل نقطتي، الحاء والألف، محاولة في البهجة، وغيرها،  فقد أكرمني الذي يقول للشيء كن فيكون بكتابة مجموعتي الصوفية الحروفية (مواقف الألف) - منشورات الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت2011 - وهو ما تمنيت كتابته منذ زمن طويل. كتبتها ب 55 موقفا صوفياً شعرياً تحاول كلها التقرّب الى البارئ عزّ وجل، وتطلب رحمته، وترجو عفوه، وتتضرع إلى سرّه ونوره ومحبته، وتحلم بحنانه وكرمه ورزقه ولطفه، ولا عجب في هذا فهو الرحيم الكريم الغفور الرزاق البديع اللطيف. تبدأ هذه المواقف بموقف الألف وتنتهي بموقف الجنّة. وما بين الموقفين تمر مروراً ليس عابراً بأسئلة الحياة والموت، واليقين والضياع، والخوف والطمأنينة، والمعنى واللامعنى، والظلام والنور، والشيء ونقيضه. هكذا تبدأ بموقف الخطأ والغربة والوحشة والحيرة والماء والنهر والغرق والمهد والرحيل والحرف والشوق والدائرة لتعرج إلى مواقف الأنبياء والأولياء: نوح وإبراهيم ويعقوب وعيسى والمصطفى (ص) وعلي وكربلاء، وتصل إلى مواقف العزة والدمعة والكتابة والسجن والبيت والسجدة والسلام والحمد. وقد كان سروري بإنجاز هذه المجموعة عظيماً لا يشبه سروري المتحقق حين كتب مجاميع السابقات. فتلك المجاميع تنتمي الى عالم الشعر والإبداع، وهذه تنتمي الى عالم الشعر والإبداع والله. والفرق كبير كما ترين. كان فرحي بها، دون مبالغة، كفرح صيّاد اصطادَ سمكةً في بطنِها ليرة ذهب! ثمّ كتبت بعدها مجموعتي الصوفية (إشارات الألف) التي صدرت عن منشورات ضفاف، بيروت 2014  واحتوت على مائة إشارة، بل مناجاة مع الحي القيوم، مثل: إشارة الفجر، الأخضر، كن فيكون، الكلام، التفاحة، الحرب، الخيط، المرآة، رقصة الوحوش، البحر .  وفي إشارة البحر، قلت:

إلهي،

ماذا فعلتُ

كي أنفقَ العمرَ كلّه مع البحر؟

وكيفَ أنجو منه

وهو الذي يحيطُ بي

كما تحيطُ جدرانُ السجنِ بالسجين؟

كيفَ أنجو منه

وهو الذي يتعرّى أمامي

بألوانه الباذخة

وأمواجِه الغامضة

فأذهبُ إليه كالمسحورِ حيناً،

وكالضائعِ حيناً،

وكالمجنونِ أحياناً أخرى؟

كيفَ أنجو منه

وهو الذي غرقَ فيَّ

قبل أنْ أغرقَ فيه؟

غرقَ في أعماقي السحيقة

حتّى صرتُ كلّ ليلة

أموتُ غريقاً

فأحملُ جُثّتي على خشبتي الطافية

هائماً دون أنْ يراني أحد،

هائماً

إلى الأبد.

 

د. كريمة نور عيساوي: أنجِزَت العديد من الدراسات الأكاديمية حول أعمالكم الشعرية في عدد من الدول العربية والإسلامية، وأُصدِرَت العديد من المؤلفات حول تجربتكم الشعرية، ما هو رأيك بما أُنْجِز ؟

- الشاعر أديب كمال الدين: نعم كُتب الكثير من النقد عن تجربتي الشعرية ولله الحمد وصدرت العديد من الكتب النقدية والدراسات والبحوث والمقالات التي كتبها نقاد من العراق وسورية وتونس والمغرب والجزائر واليمن والسعودية ومصر ولبنان والكويت وإيران وأستراليا وإيطاليا، مثلما ناقشت العديد من جامعات تلك البلدان أعمالي في رسائل الماجستير والدكتوراه. والنقاد الذين تناولوا تجربتي كانوا بثلاثة أنواع: الأول الذي وصل إلى أعماق النص الشعري، والثاني الذي لمس قشرة النص فقط، والثالث الذي كان قوله تكرارا لما قيل من قبل عن تجربتي. وعموماً فأنا أشكرهم جميعا وبخاصة نقاد النوع الأول، ذلك أن النقد عملية إبداعية صعبة تسلتزم في مَن يزاولها مهارات دقيقة فكريا وفلسفيا وروحيا وشعريا ولغويا. وهذه لا تجتمع بسهولة عند فرد واحد على الإطلاق.

 

- د. كريمة نور عيساوي: لقد تُرجمت أعمالكم إلى عدد من اللغات، هل تحقق الهدف الذي كنتم ترمون إليه؟

- الشاعر أديب كمال الدين: من الضروري أن يطلع القارئ على تجربة الشاعر ويتعرف على تفاصيلها خاصة عندما تكون التجربة تتناول مشاكل الإنسان الكبرى كالموت والحب والوحدة والحرب. وشعري يتناول بقوة هذه المشكلات ليلقي الضوء على أعماقها السحيقة وتفاصيلها التي لا تُحدّ. وقد سرّني كثيرا أن شعري الذي ترجمته إلى الإنكليزية قد نال محبة الناقد والقارئ الأستراليين فاختيرتْ أعمالي ضمن أفضل القصائد الأسترالية المنشورة عامي 2007 و2012 ونُشرت في أنطلوجيات بأفضل الأعمال الأسترالية. كذلك فقد كُتبت العديد من المقالات النقدية في الباكستان تمتدح قصائدي التي ترجمها إلى اللغة الأوردية المترجم البارع اقتدار جاويد وصدرت تحت عنوان (تناص مع الموت). وكذا الحال مع قصائدي المترجمة إلى اللغتين الفارسية والإيطالية.

 

- د. كريمة نور عيساوي: أستاذي متى تتلفت القصيدة؟ مِن أي باب دخلت الشعر؟ ومَن علّمكَ كتابةَ الشعر؟

- الشاعر أديب كمال الدين: - سأجيبك شعرا على سؤالك الشاعري هذا، فإعجابك الجميل بقصيدتي الجديدة: (تلك هي روحي) جعلك تستلّين بلطفٍ أسئلتك العذبة منها، وإليك الأجوبة:

سألني سائلٌ: متى تَتَلفّت القصيدة؟

قلتُ: حينَ تبحثُ عن حرفٍ

ينقذُها ممّا هي فيه.

***

 قالَت: مِن أيّ بابٍ دخلتَ إلى الشِّعْر؟

قلتُ: من بابِ الاضطرار.

قالَت: هذا بابٌ هائلٌ، صفْهُ لي أرجوك.

قلتُ: هو مِن هَوْله لا يُوصَفُ أبداً.

***

قالَت: مَن علّمكَ كتابةَ الشِّعْر؟

قلتُ : الموت.

قالتَ: لكنّكَ حيّ!

قلتُ: نعم، أنا الميّت الحيّ.

 

د. كريمة نور عيساوي: أستاذي لو عُدنا للوراء، وبالضبط تاريخ صدور تفاصيل 1976 وخُيرت بين الشعر أو أي فن آخر هل كنتم ستدخلون التجربة الشعرية من جديد؟

- الشاعر أديب كمال الدين: لا أظن الإجابة تنفع بشيء . فخيارات الإنسان في صياغة مستقبله اعتمادا على نفسه فقط هي خيارات محدودة  فكيف بخيارات الماضي الذي صار نسيا منسيا؟

 

- د. كريمة نور عيساوي: لا يسعني أستاذي الفاضل في نهاية هذا اللقاء إلا أن أشكركم على سعة صدركم ورحابة أفقكم لأنكم اقتطعتم حيزا ثمينا من وقتكم الضيق لتحلقوا بنا بعيدا في فضائكم الشعري الساحر حيث تشدو الحروف بأنغام السلم والسلام والأمن والأمان والتعايش والتسامح والحب والمودة. وأترك القارئ الكريم يتجول حرا طليقا في ردهات السيرة العلمية الحافلة بالمنجزات الأدبية والفنية لأمير الحروف الشاعر الكبير أديب كمال الدين.

 

أديب كمال الدين في سطور

 أديب كمال الدين شاعر ومترجم وصحفي من العراق مقيم حالياً في أستراليا. ولد عام 1953 في محافظة بابل. تخرّج من كلية الإدارة والاقتصاد- جامعة بغداد 1976. كما حصل على بكالوريوس أدب انكليزي من كلية اللغات- جامعة بغداد 1999، وعلى دبلوم الترجمة الفوريّة من المعهد التقني لولاية جنوب أستراليا 2005. أصدر 18 مجموعة شعريّة بالعربيّة والإنكليزيّة، كما تُرجمتْ أعماله إلى العديد من اللغات كالإيطالية والفارسية والأوردية والإسبانية. نال جائزة الشعر الكبرى عام 1999 في العراق. واخْتِيرَتْ قصائده ضمن أفضل القصائد الأستراليّة المكتوبة بالإنكليزيّة عاميّ 2007 و 2012 على التوالي.

صدرت تسعة كتب نقديّة عن تجربته الشعريّة، مع عدد كبير من الدراسات النقدية والمقالات، كما نُوقشت العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت أعماله الشعريّة وأسلوبيته الحروفيّة الصوفيّة في العراق والجزائر وإيران وتونس.

 

صدرت له المجاميع الشعرية الآتية:

- تفاصيل، مطبعة الغري الحديثة، النجف، العراق 1976 .

- ديوان عربيّ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق 1981 .

- جيم، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق 1989.

- نون، دار الجاحظ، بغداد، العراق 1993.

- أخبار المعنى، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، العراق 1996.

- النقطة (الطبعة الأولى)، مكتب د. أحمد الشيخ، باب المعظّم، بغداد، العراق 1999.

- النقطة (الطبعة الثانية)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان 2001.

- حاء،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،  بيروت، لبنان 2002.

- ما قبل الحرف .. ما بعد النقطة، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن 2006.

- شجرة الحروف، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان،الأردن 2007.

- أبوّة Fatherhood، (بالإنكليزية) دار سيفيو، أديلايد، أستراليا 2009.

- أربعون قصيدة عن الحرف، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن 2009

- أربعون قصيدة عن الحرف، Quaranta poesie sulla lettera  (بالإيطالية: ترجمة: د. أسماء غريب)، منشورات نووفا إيبسا إيديتوره، إيطاليا 2011.

- أقول الحرف وأعني أصابعي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2011.

- مواقف الألف، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2012.

- ثمّة خطأ Something Wrong، (بالإنكليزية) دار ومطبعة Salmat، أديلايد،أستراليا 2012.

- الحرف والغراب، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2013.

- تناص مع الموت: متن در متن موت (بالأورديّة: ترجمة: اقتدار جاويد)، دار كلاسيك، لاهور، باكستان 2013.

- إشارات الألف، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2014

- الأعمال الشعرية الكاملة: المجلّد الأوّل، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2015

- رقصة الحرف الأخيرة، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2015

- في مرآة الحرف، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2016.

- الأعمال الشعرية الكاملة: المجلّد الثاني، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان 2016

موقعه الشخصي:      www.adeebk.com