karimhadadالشاعر كريم هداد: "ان الشعر الشعبي اليوم بات صورة حية للابتذال وعنوان واضح للخراب الكبير، وهو امتداد للانهيار العام في الثقافة العراقية" و"القصائد في المنفى أو في الوطن هي قصائد عراقية، وليس للمكان من تميز بقدر تميزها في الموقف"

على هامش زيارة الشاعر العراقي كريم هداد القصيرة الى فنلندا، قادما اليها من السويد، قبل أيام، والتي جاءت تلبية لدعوة وجهت له من قبل مشروع الضوء الجانبي (Sivuvalo)، بالتنسيق مع مركز الثقافات العالمي (Caisa)، والتي اثمرت عن أمسية مميزة للشاعر، جاء الحوار التالي مع الشاعر كريم هداد بهدف الاقتراب أكثر من تجربة الشاعر:

 

* هل القصيدة ملاذ الشاعر يهرب اليها كلما عصف به شجن او حزن؟ وحلبة استعراض مسراته وافراحه؟

- نعم هي ملاذ الشاعر وحصنه الوحيد، وهي سفينته في الأبحار بحثاً عن عشبة الخلود، أو تكوين إسطورة لصياغة إعادة خلق الكون وفق رؤية الشاعر الخاصة.. ويبقى الشاعر هو الذي رأى..

 

* هل ثمة اختلاف بين شعر المنفى وشعر الوطن من وجهة نظر الشاعر نفسه؟ ان كان هناك اختلاف بماذا يختلف؟

- بحكم توسع دائرة التواصل والاحتكاك الحياتي مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام الفضائي، باتت المسافة الزمنية والمكانية في المعلومة والخبر والحدث.. قريبة جداً من المتلقي بما فيهم الشاعر، من هنا فليس من اختلاف بين شعر المنفى وشعر الوطن. جميع القصائد هنا في المنفى أوهناك في الوطن هي قصائد عراقية، وليس للمكان من تميز بقدر تميزها في الموقف، حين يبات المنفى مكانا للموقف.. خاصة في زمن دكتاتورية حزب البعث وسلطة الاسلام السياسي وما بينهما من خراب وطني كبير.

 

* بالنسبة للشاعر السياسي هل يدفع شعره ثمن نشاطه السياسي ام يثريه؟ ام ماذا؟

- بتقديري كلنا سياسيين.. لكن الشاعر السياسي هو على صنفين الاول هو من قبل دور البوق الاعلامي لشعارات سياسية وافكار مسبقة في الرأي وبذلك يقتل موهبته الشعرية ويصبح ببغاء ورادحاً على مسرح التعبئة والتحشيد، وهو ليس بشاعر وان اكتضت القاعة بالمصفقين له، حيث تبات صورته الشعرية مكررة للرأي السياسي. اما الصنف الثاني هو من يستفيد من نشاطه السياسي في اغناء تجربته الشعرية، بحيث تتعمق قصيدته فكرياً من دون ان تمس السياسة أدواته الشعرية في الكتابة. وهنا اسجّل رأيي لي من ان القصيدة العراقية اليوم باتت قصيدة السياسي من حيث المهرجانات والدعاية والتصفيق والاعلام. وباتت قصيدة مكررة الشكل والمضمون.. وان كرمت هنا او هناك.!

 

* يرافق كل منتج ادبي نشاط نقدي يساهم بإثراء المنتج وبتنضيجه.. هل هناك حراك نقدي بهذا المستوى في منطقة شمال أوروبا او بلدان النوردن فيما يخص المغتربين؟

- ليس من نشاط نقدي هنا، الا القليل ولم يكن الا يقدر حجم العلاقات الخاصة. وذلك بسبب عدم وجود التفاتة حقيقية للكتابة المهاجرة في دول شمال اوربا، اما ما موجود فهو صياغات دعائية لا تخرج عن إطار الربح المادي لهذه المؤسسة او الطموح الشخص الوظيفي.

 

* لديك بعض المجموعات الشعرية المترجمة للغة السويدية كيف وجدت ردود الأفعال حولها من قبل القارئ والناقد السويدي؟ ـ هناك من يعتقد ان ترجمة الشعر تشويه للنص وارباك للصورة هل انت مع ذلك؟

- لم المس ردود افعال حقيقية من الناقد والقارئ السويدي، لضعف المؤسسات الثقافية للاجئين وايضا السويدية في تكوين مساحة مشتركة تسمح بالتلاقي والتقارب، فجمعيات المهاجرين هي احتفالية دعائية وسط جالياتها فقط. والمؤسسات السويدية مؤسسات مالية تمنح مساعداتها فقط لدور النشر مباشرة وايضاً المهرجانات الفنية الدعائية وبعض الجمعيات. وللأزمة الاقتصادية تأثير في ذلك.. اما الترجمة فهي في أفضل احوالها مربكة ومشوهة للنص ولا تمثل الا ذائقة المترجم وحده، ولن تأتي الا بمدركات المترجم للنص والانعكاس النفسي له. الترجمة خيانة لموسيقى روح النص، ولا تحمل الا بعضا من معانيه فقط.

 

* في نظر الكثيرين هناك نمو في حركة الشعر الشعبي في وجهة نظرك هل لازلت مصرا حتى الان على القول: "ان غالبية القصائد الشعبية في المنابر الإعلامية، هي ذات إيقاع شعري واحد، يحتم فيها تشابه منظومة اللغة ومفرداتها والرؤية الشعرية المحركة لدواخل مضمون القصيدة"؟

- نعم ما زلت مصراً على ذلك، ويشرفني انني أطلقت صرختي هذه منذ سنين من على احدى المنابر الاعلامية العراقية. فقد تاكد لي اليوم ان الشعر الشعبي بات صورة حية للابتذال وعنوان واضح للخراب الكبير، وهو امتداد للأنهيار العام في الثقافة العراقية، والقانون الاخلاقي للمجتمع العراقي. فالثقافة العراقية باتت نخبوية وبعيدة في متاريسها عن الحياة اليومية للفرد العراقي.

 

جمال الخرسان ـ هلسنكي

 

 

ahlam alhasanبعد حضوري ومشاركتي بالمؤتمر الثّامن للقصّة الشّاعرة والذي أقيم مؤخرًا بالعاصمة الأردنية بالفترة من 18 أغسطس إلى 20 أغسطس 2017  وعلى مدار ثلاثة أيامٍ تكلّلت بالنّجاح والإبداع بما قدّمهُ المشاركون والقائمون على هذا المؤتمر الأدبي الكبير .. وفي لقاءٍ مع أبرز شخصيات القائمين والمشرفين والممول الرئيسي المالي لمؤتمر القصّة الشاعرة 2017  أجريت هذا الحوار الشّيق معه .. إنّه رجلُ أعمالٍ ناجحٍ ورجلُ علمٍ وأدبٍ وثقافةٍ وكرمٍ .. يقف الإنسانُ أمامه متأمّلًا تلك الإبتسامة العريضة .. وتلك الملامح السّمحة .. وتلك الشّخصية المتّزنة .. وذاك القلب الرّحب .. وتلك الأيادي الكريمة .. والدّاعمة للأدب العربي ..وللإبداع الأدبي .. فلا يملك إلاّ أن يحمدَ اللّه بأنّ الأرضَ مازالت تحمل عليها دررًا بشرية .. إنّهُ الناشط الإنساني والإجتماعي رجل الأعمال الأردني المتميّز الأستاذ النّبيل محمد أبو رصاع والحاصل على عشر شهاداتٍ بالدكتوراة الفخرية لما يبذله في خدمة الإنسانية والعلم والأدب فضلًا عن مؤهلاته العلمية ولنا معه هذا اللقاء ..

رجل الأعمال المتميّز د. محمد أبو رصاع أهلًا بحضرتك على صفحاتنا في هذا الحوار الجاد والهادف ..

أهلًا بك أختي الكريمة د. أحلام الحسن .. وأشكركم جزيل الشكر لإستضافتكم الكريمة لي في منصّتكم الإعلامية السّامقة " ضيوفٌ وأدباء "

 أحببت إجراء لقاءٍ بسيطٍ مع سعادتك ودوركم الفعّال في المؤتمر العربي الثامن للقصّة الشّاعرة.

- تفضلوا بكلّ سرورٍ اعلاميتنا الكريمة ..

 

1- رجل الأعمال السّامق الأستاذ محمّد أبو رصاع حبّذا تعريف جمهور جريدتنا على شخصكم الكريم .. من هو محمّد أبو رصاع؟

 - محمد أبو رصاع: إنسانٌ بسيطٌ يتوقُ إلى تحقيق العدالة عند كل إبداعٍ جديدٍ أو أيّ نبضٍ إنسانيٍ هدفهُ التّقدم والإرتقاء .. وتخطّي الصّعاب قصد الشّروق..

إنسانٌ يملك ما يكفي من القناعاتِ حتّى يدركَ ماهية العطاء والدّعم في سبيل تحقيق الطّموح والقضاء على العجز الفكري بكل أنواعه علميًا كان أم أدبيًا أم غير ذلك..

 

2- اشتهر رجل الأعمال محمد أبو رصاع بدعمه وبتمويله عدة محطاتٍ أدبيةٍ وعلمية .. فهل حبّ الأدب والعلم كان هو السرّ في هذا الدّعم المالي لتلك المحطات؟

- قبل قليلٍ أشرتُ إلى تعريف بعضًا من شخصيتي، ولخّصتُ ذلك في كلمة "قناعات" ويعني هذا أنه لكل إنسان مبادئ يؤمن بها في هذا الوجود .. يُحبُّ التّشبث بها ومزاولتها.. وكلّ نفسٍ نزيهةٍ تحاول أن تتغلبَ عن ذاك الضّعف والخمول الذي قد ينتابها، بغضّ البصرِ عن مغريات الدّنيا التي قد تنسينا ما لنا وما علينا، أن نكسرَ قيود الإستعباد والتّقهقر.. وندعم التّوجه نحو الأمام حتى يتحققَ ما يسمى بالمستحيل عند من عجزوا على تنفيذ أفكارهم ومزاولة مهنهم..

وقد يكون حبّ الأدب هو الحافز فعلا، لكنه بالدرجة الأولى والأساسية في الموضوع هو حبّ الخير وفعله قصد التّنمية الفكرية بكلّ مجالاتها.. وأرى أنّهُ من الواجب على كلّ واحدٍ مقتدرٍ منّا المبادرة بمثل هذه التّوجهات .. يجب عليه أن يتبنى ما يراه مناسبًا حتى يدعمهُ برعايته ومتابعته المادية والمعنوية..

 

3- ماهو شعورك بعد كلّ تمويلٍ لمناسبةٍ أدبية أو علميةٍ أو غيرها؟ وهل واجهتك أيّة مشاكل في تفعيل هذا التّمويل لتلك الجهة أو تلك؟

- حقيقة هو شعور لا يُوصف.. وقد ينتابك في نفس اللحظة مزيجٌ من عدّة مشاعرَ قبل الدّعم وخلاله وبعده..

قد تصاب بالقلق ولكن هذا يتبخر بالتّحدي والإصرار.. لأن القلق من علامات النّجاح، وبالإهتمام المتواصل تجعل ولاءك هو شعارك خصوصًا حينما تمنح ما دعمته وقتًا طويلًا بإحساسٍ عميقٍ وحضورٍ أنيقٍ وغير ذلك من طاقاتك وإمكانياتك المختلفة..

وبالتأكيد بعد هذا القلق يأتيك شعورٌ مختلفٌ حينما تحققُ هدفك السّامي الذي كان وليدًا لجهدٍ وعناءٍ متواصل ، ونتيجة لتفكّر ٍ بشكلٍ دقيقٍ في تنظيم الأمور وبشكلٍ رصينٍ وحكيمٍ بالمطلق.

ولا يخلو الأمر من مواجهة بعض المشاكل والصّعاب، لكن بالصّبر والتّفكير السّليم والتّروي نتخطى الحواجز خصوصًا حينما نتوكّل على اللّه في كلّ أمورنا، ونقضي على التّواكلِ والتّراجع والإحباط العابر حينما نتّخذُ قراراتٍ سليمة وعادلة..

وأيُّ نجاحٍ تمّ تحقيقهُ لا يأتي من فراغٍ أبدا.

4- هل مايزال صدر رجل الأعمال المشهور محمد أبو رصاع به متّسعٌ لاحتضان إبداعٍ أدبيٍ جديدٍ من حيث التّمويل والدّعم المادي والمعنوي؟

-كل ما يثيرُ إعجاب محمد أبو رصاع بقوةٍ يصحُّ تحقيقه .. ما دامت هناك أهداف سامية تسحبه إلى الشموخ والإرتقاء .. مع من حوله إلى المعالي، وما دامت هناك رغبةٌ جامحة في إثبات كينونة كلّ ابتكارٍ جديدٍ من أيّ جنسٍ من الأجناس، فقط أن يكون مختلفًا ومتميزًا في شكله ومضمونه..

 وهذه حقيقة أومن بها وأسعى دائما إلى دعمها معنويًا وماديًا،

لا أومن بالمستحيل ما دام هناك محال..

5- ماذا يحبّ أن يقولَه محمد أبو رصاع لمثلائه من رجال الأعمال وحثّهم على دعم القافلة الأدبية العربية والعلمية؟

- لن أقول شيئا أبدًا.. فوسائل الإعلام المتوفرة بكل أنواعها في المحطات المحلّية والعالمية كفيلة لأن تعلنَ على مدار الساعة عن كل الأعمال الإنسانية المطروحة في جميع أقطار العالم.. وكلّ مقتدرٍ له إداراكٌ وعقلٌ ونهج قد يولد عنده خصلة التنافس ومزاولة السّلوك السّوي والسّعي في تحقيق الذّات بشكلٍ صائبٍ .. كما تولّدت عنده الثّروة المادية بأي شكلٍ من الأشكال، بعيدًا عن مزاولة الشّهوات .. وتبذير المال والوقت فيما يغضب اللّه ويُتعبُ الرّوح والجسد..

وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .

وليس مطلوبًا من رجال الأعمال دعم الأدب فقط، وإنما دعم النّفوس الضّعيفة والأيدي القصيرة والأجسام المريضة، ومجالاتٍ أخرى تحقق الخير والحبّ في هذه الحياة، وبالتّالي يتحقق السّلم والسّلام..

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"

بهذه الآية الكريمة اختتم رجل الأعمال الأردني المشهور الأستاذ محمد أبو رصاع حواره معنا ..

ولا أملك إلاّ الشكر لسعادته على تلبية دعوتنا له .. آملين من اللّه له تسديد خطواته وإثمار حسن أعماله في صحيفة أعماله .

- ولكم منّي كلّ الشّكر والتقدير على كرم الإستضافة ولباقة الحوار

 

ضيوفٌ وأدباء: حواراتٌ تجريها: د. أحلام الحسن

 

rabihaalrifaeiبعد حضوري ومشاركتي بالمؤتمر الثامن للقصة الشاعرة والذي أقيم مؤخرا بالعاصمة الأردنية بالفترة من 18 أغسطس إلى 20 أغسطس 2017  وعلى مدار ثلاثة أيامٍ تكلّلت بالنجاح والإبداع بما قدمه المشاركون والقائمون على هذا المؤتمر الأدبي الكبير .. وفي لقاءٍ مع أبرز شخصيات القائمين والمشرفين أجريت عدة حواراتٍ.

 

ضيفتنا في هذا الحوار المرأة الفولاذية  والأديبة السامقة الشاعرة الكبيرة  د. ربيحة الرفاعي من الأردن .. فأهلًا وسهلًا بك أديبتنا الكريمة ضيفةً غالية علينا

- الأديبة والباحثة الرائعة الدكتور أحلام الحسن: تسعدني استضافتك الكريمة لي في هذا اللقاء الهادف على هامش المؤتمر العربي الثامن للقصة الشاعرة، وأرجو أن أتمكن في ردودي من قول ما تستدعيه أسئلتك الذكية للفكر، في حدود المساحة المتاحة للقاء...

 

1-  د. ربيحة الرفاعي كيف تعرفين جمهوركِ عليكِ من هي د. ربيحة الرفاعي؟ ومتى كانت إنطلاقتها الأدبية؟

- كان هذا دائما هو السؤال الأصعب بالنسبة لي، فواحدنا مجموعة من الحكايات، لكل حكاية تعريفه المختلف في إطارها باعتبار زاوية التناول ومتعلقاتها، رغم اجتماعها الحتمي في كينونته كإنسان،  عموما وفي  هذا الإطار الأوسع.

أنا ربيحة عبد الوهاب الرفاعي، شاعرة وناقدة من الأردن، أحمل درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من الجامعة الدولية الأمريكية، أكتب الشعر العمودي والقصة القصيرة والقصيرة جدا والقصة الشاعرة أيضا .. زوجة وأم لثلاث من الأبناء وجدة لسبعة أحفاد.

 

2-  لمع اسم د. ربيحة الرفاعي مؤخرًا في مجال القصة الشاعرة .. حدّثينا عن ذلك .. ولماذا  اهتمامكِ البالغ بهذا النوع الأدبي الجديد؟

- القصة الشاعرة حكاية تستحق وقوفا طويلا على كثير من الزوايا واجبة الطرح في شأنها، وهي بالنسبة لي أكثر من ذلك قليلا، فقد اعتمدتها برهانا على فرضية أطروحتي لنيل درجة الدكتوراه .. ولم يكن ذلك ليكون لولا ما تتميز به القصة الشاعرة كجنس أدبي جديد عربي المنشأ حداثي اللغة والبناء وما بعد حداثي الأسلوب الفني التفاعلي المتناغم مع التوجه الرقمي للإبداع الأدبي

من هنا وأمام ما يتحدانا عربيّا من جحود الباحثين والنقاد –حتى العرب منهم- للأصول العربية لكثير من الأجناس الأدبية القارة، وادعاء كثيرين منهم بتأخرنا عربيا أربعة إلى خمسة قرون عن الواقع الثقافي والأدبي العالمي، وحاجتنا للاجتهاد لاجتياز ذلك الفارق، فقد تحمست بقوة لهذا الجنس الأدبي الوليد لما رأيت فيه من تأكيد على زعمي بإمكانية القفز عن تلك الهوة الموجودة أو المزعومة والانطلاق من حيث وصل العالم وليس العدو وراءه، تماما كما قفزت أوروبا عن قرون تأخرها في نهاية العصور الوسطى، وانطلقت من حيث كان العرب وصلوا  ..

والقصة الشاعرة انطلاق من آخر محطة وصلها وما يزال يدور بين جدرانها الأدب العالمي، بأصالية في لغتها وغائيتها وفي توظيفها للتفعيلة الخليلية عمادا أولا، وما بعد حداثية أسلوبية تتجلى في تفاعلية النص وانفتاحه أمام المتلقي على مساحات من التأويل واسعة يسقط فيها خبراته وثقافته ليكون شريكا حقيقيا في العملية الإبداعية، وما بعد ما بعد حداثية  (الحداثة المتذبذبة) لم تنزلق فيها لمتاهات التأرجح التي وصلها الأدب الغربي، وإنما وقفت منها على تبطين القص في ما ورائية النص ببراعة تعبيرية، وتوسيع مساحة ملامح الشخوص لتتقبل إسقاطها على شرائح ونوعيات وأجناس مختلفة، والانفتاح الزمكاني يطلق النص في فضاء يتقبل كل الأزمنة له زمنا وكل الأمكنة له مكانا تربطه بالمطروح منها قضية النص ومضمونه..

وتحمل القصة الشاعرة عندي-لذلك-  قيمة تتعدى مزاياها الأدبية وترتقي – بزعمي- لبعد قومي  عربي -، بما لوجودها ونجاحها في تكريس حضورها على خارطة الأجناس الأدبية من دليل يتحدى الدنيا بالحضور العربي الفاعل في المشهد الأدبي العالمي، وقدرته على التواؤم مع التغيرات في البناء الفوق للمجتمعات ..

 

3- هل ترين بأن المستقبل الأدبي قد فتح بابه على مصراعيه للقصة الشاعرة؟ وهل هناك من الأدباء العرب عارضها؟ وبماذا تردين؟

- المستقبل الأدبي لم يفتح بابه يوما لجنس أدبي بسهولة، فكل جديد يواجه الرفض والنقد وامحاولة النقض من فئة مغلقة تخشى ما لا تعرف فتغلق في وجهه الأبواب بدلا من محاولة معرفته، وهي معركة خاضتها المدارس الأدبية تباعا كل مع سابقتها، والأجناس الأدبية الجديدة مع رواد ومبدعي القار والمنتشر منها، وتخوضها القصة الشاعرة اليوم لتزداد بها انتشارا .. فتلك المعارك تعد واحدا من أبرز أدوات انتشار الجديد بحضوره دائما في مقدمة أخبار المشهد الأدبي وحواراته وجدله

 

 4-  د. ربيحة حبذا إتحافنا وإتحاف جمهورك بقصةٍ شاعرةٍ قصيرة من تأليفك؟

-    توظف في القصة الشاعرة سيميائية العرض والتشكيل البصري، كمنبهات دلالية وربما مفاتيح لشفرات النص، بالاضافة لبعض أودوات العرض الرقمي، ومراعاتها هامة في عملية نقل النص ليصل للمتلقي مكتملا

معراج

تَقدَّمَ رُغمَ سُدودِ الظَّلامِ فَسدّوا المَنافِذَ

قااااااوَمَ

شَقَّ سَبيلًا إلى زَهرَةِ المَجد..

ضَجّوا،

استَشاطوا،

أَثاروا الزَّ و ا بِـ عَ،

ظَنّوا بِأنْ يَستَقيلَ المُقاتِلُ،

لكِنّهُ اشتَدَّ، مَا رَدَّهُ مَا تَحيكُ العَناكِبُ .. فَاندَكَّ سَدّ الرُكودِ المُعَربِدِ،

وَامتدَّ مِنْ جَانبِ الطُورِ لِلأفْقِ مِعراجُ نُورٍ عَليْهِ ارتَقى لِلنُّجُومِ انْتِصارًا ..،

وَغَنتْ نَشيدَ العُبورِ الدَّوالي.

 

5- الأديبة د. ربيحة أين تجد نفسها أكثر في الشعر العمودي أم في القصة الشاعرة؟

- القصة الشاعرة فن جناحاه القصّ وكتابه الشاعر لا يطير بواحد منهما دون الآخر، لذلك لا يكتبه غير شاعر قاص، فإن لم تجتمعا في الكاتب أعجزته القصة الشاعرة .

وأنا كشاعرة ورغم كتابتي أحيانا قصيدة التفعيلة والقصة الشاعرة والقصة القصيرة والقصيرة جدا، أزعم أن قصيدة البيت /الشعر العمودي متمكنة مني .. كتبتها منذ طفولتي صحيحة الوزن والقافية، وأكتبها اليوم بأصالية على مستوى الشكل واللغة والبناء الفني..

أما أن أجد نفسي في جنس أدبي أكثر من غيره فلم أعايش شعورا كهذا يوما، فالفكرة حين تقتحم وعيي، تأتيني وقد اختارت في أي القوالب ستنسكب حرفا، وبأي شكل أدبي ستنثال، وأجدني منذ الاستهلال منساقة مع ذلك الشكل، أحسّه وأحبّه وأجد فيه نفسي كأن لا باع لي في غيره ولا ذراع .

في ختام هذا اللقاء الأدبي الشّيق مع شخصيةٍ أدبيةٍ شامخةٍ ك د. ربيحة الرفاعي

أشكر لها حسن تلبية دعوتنا متمنيةً لها دوام الرفعة والتألق لتكون إحدى القدوات المُشرّفة للمرأة العربية وللفتاة العربية

 

حواراتٌ تجريها: د.أحلام الحسن

 

 

bushramahmod- انا لا اجاهد في سبيل صنع قصيدة .. وكثيرا ماكتبتني القصيدة قبل ان اكتبها

- أتقبل الان كثيرا من النقد برحابة صدر فمن ينقدني

- معظم كتاباتي منطلقها الوطن والرجل ومستقرها الحب

 

  اتمنى ان تعرفي نفسك بكلمات بسيطة

- بداية انا كاتبة سورية اسمي بشرى محمود .. طالبة في جامعة تشرين سنة اخيرة في قسم الرياضيات ..هذه تفاصيل حقيقية واقعية .. اما عما احب ان اعرف نفسي به فأنا انسان و أنثى وهاتان الصفتان برأيي تختصران الكثير من الكلام ..

 

مالذي يستهويك كأديبه (الشعر ام ان هناك كتابات اخرى)؟

- بدأت معارفي اللغوية كما كثر بالمطالعة وجذبتني الروايات والشعر وقرأت لشعراء كبار منهم بدوي الجبل والشاعر القروي ومحمد مهدي الجواهري

ماذا تمتلكين من راي حول قواعد العروض ام انك متجهة باتجاه قصيدة النثر؟

- لكوني لم أتخصص باللغة العربية اكاديميا ماتزال معرفتي بالعروض تقتصر على ما اسعى بنفسي لمعرفته عن طريق الاصدقاء والانترنت ولهذا فأنا أتجه الى قصيدة النثر نوعا ما في كتابتي كما اني اكتب الومضة والخاطرة والمقالة

 

هل شهدت موت قصيدة لك قبل ان تنشريها؟

- لم اشهد موت اي قصيدة لي قبل نشرها ابدا .. انا لا اجاهد في سبيل صنع قصيدة .. كما انني لا أكتب حبا في الظهور .. وكثيرا ماكتبتني القصيدة قبل ان اكتبها

 

 المواجهات جوهر العمل الفني هل سبق وان واجهت رايا معارضا؟

- نعم واجهت آراء معارضة كثيرة آلمتني لمصداقيتها.. أحد من يهمني رايهم جدا قال لي أننا جيل الشباب إن استمرينا بكتابة شعر التفعيلة ولم نحاول أن نتقن الشعر الموزون فإنه وبعد عشر سنوات قد لانجد عربيا واحدا يحفظ بيتا من الشعر وهذا له ما له في اضمحلال ثقافتنا وتراثنا .. أما عن كتاباتي فلقد تكفل النضج والزمن بتحسيني وتحسينها .. أتقبل الان كثيرا من النقد برحابة صدر فمن ينقدني يحب ان يراني افضل

 

ما مدى اطلاعك على الشعر العالمي ولمن قرات؟

- في الشعر العالمي قرأت بعضا من الكوميديا الالهية لدانتي .. قرأت للوركا ما وقعت عليه من قصائده المترجمة .. كما انني أسعى لاتقان لغة أخرى غير العربية تؤهلني لأقرأ لبعض الكتاب بلغتهم .. فتراجم الشعر قد لاتنصفه

 

هناك من يقول ان الشعر صنعه ومن يقول  انه  دهاء ....مارايك؟

- الشعر صنعة للداهية و دهاء في الصانع .. وقد يكون الشعر موهبة نقية بريئة وفيض شعور .. بعضنا يتقن رتق جراحه وكتم آلامه بالكلمة .. فالكلمة رسالة أبدية موطنها القلوب لا ينتهي طريقها عند احد .. في الاسلام قيل إقرأ .. وفي المسيحية قيل في البدء كان الكلمة

 

هل هناك مايميز شاعريتك عن الاخرين؟

- قد يكون هناك مايميز شاعريتي ولكن هذا وقف على كل قارئ ومتلقي .. إننا في كثير من الاحيان نرى أمامنا مايجيش في داخلنا وكثيرا ماتكون رؤيتنا للأشياء والاشخاص إسقاطا من ذواتنا عليهم.. تتباين الزوايا والتقييمات وهذه برايي الحالة الطبيعية

 

هل دخل الحب مجريات القصيدة لديك؟

- لم يدخل الحب فقط مجريات قصيدتي ياسيدي .. بل دخل اليّ وسكنني .. وما الشعر الا فيض حب او ألم ..كتبت في الحب كثيرا..معظم كتاباتي منطلقها الوطن والرجل ومستقرها الحب

 

كيف تنفين عن نفسك صفة النرجسية؟

- النرجسي شخص يقف مع نفسه في كل الاحوال ويرى أنه كامل ونادر الوجود و يمنع على الاخرين خدشه .. لم يسبق لأحد أن وصفني بالنرجسية واظن بأن بإمكاني الاعتماد على هذا في نفي النرجسية عني .. فالنرجسيون أنى كانوا سرعان مايتساقطون بمرور الزمن

 

بماذا تفكرين وانت تكتبين نصاجديدا؟

- كلما كتبت نصا جديدا أفكر باللحظة التي سأقرأه بعد اكتماله .. أظن انها لحظة تنور وأنني سأتعرف في نفسي أبعاد جديدة مع كل شيء اكتبه ..

 

كيف تشكلين متحفك الشعري وهل لذاكرة الطفولة منبع فيه؟

- تشكل الطفولة أساسات بناء وهيكلية اي انسان سواء ادرك ذلك أم غفل عنه .. أنا أعلم هذا جيدا رغم أنني لا أتذكر تفاصيل كثيرة عن طفولتي .. أشكل متحفي الشعري بتشكيلي متحفي الانساني .. الحس الفطري البشري السليم هو المنبع المرهف لكل فن

 

هل انت داخل الزمن الان ام خارجه؟

- لا يسعك أن تبقى داخل الزمن دائما كما لا يسعك الانفصال عنه .. كلا الحالين مرهق وخطير .. في الزمن تناقضات واقعية وأحداث أكبر من ان تفهمها وتستطيع تاويلها حتى لكأن الزمن دوامة تسعى لابتلاعك .. خارج الزمن هناك زمنك أنت .. أن تغمض عينيك وتفكر وحيدا

 

- بم تختتمين اللقاء الان؟

- أختتم اللقاء بوصية صغيرة وأمنية .. مكتبة في كل بيت .. الثقافة والقراءة والمعرفة هي ضرورة وليست رفاهية .. لبلداننا العربية كل الصحوة والنهضة على امل الخير والسلام

هل اختتم معك بقصيدة تحبينها؟

قصيدتي:

انا لا لست نادمة او خائفة

من المخاطرة والمجازفة

ومن حبي الكبير واهتمامي

ولكنني أخشى أن أتسول

لأجل بعض العاطفة

واخشى ذكرياتنا التي تمر أمامي

كومضات مسرعة خاطفة

انا لا... لست نادمة او خائفة

ولكنك جردتني من أسلحتي

وتركتني وحيدة شريدة

في وجه هذي العاصفة

وجردتني من احتيالي

ومن جانبي المظلم ورجولتي

وبطولتي في المشي دون ارصفة

وزرعت في راسي الصغير أحلاما

ومسحت عن شفتي بسمة حزينة زائفة

أنا لا لست نادمة أو خائفة ..

ولكنك قاربي الوحيد ..

وطفلي الوحيد الذي رزقته مصادفة

أشتاق عينيك وصوتك.. ولو كنت موتا

أشتاقك ..بفرحةٍ ورفرفة

قل لي لماذا تقاطع العناق

الذي اذا ما تم شفى ..

ولماذا تختار السكوت

وتطبق شفة على شفة ..

على جراحي النازفة

واعلم بأني ..لست لست خائفة

 

حاورها الصحفي والشاعر  جاسم العبيدي

 

 

radi mutrafiشمعتي تشاركني الليل ..

الفجرُ يلامسُ أطرافِ الارضْ

رجب الشيخ ..

رجل ضحك المشيب برأسه فقابل ضحكته بابتسامة فتحول الشيب الى تاج وقار زاده رونقا وقبولا عند الاخرين , طبيعته الهدوء وقبول الاخر ولو ظاهريا بعد ان اجاد لغة الابتسامة وقدمها على كل اللغات . ركب (مشحوف ) ورثه عن اهله وتهادى به بين بحور الشعر معاكسا التيار مرة ومماشيا له مرات وحاول ان يتقدم الجميع لكن المنافسة كانت شديدة فرضى بموقعه بين المتزاحمين لكنه اكثر من (الومضات ) لتجاور القوافي في مركبه المبحر في لجة الشعر . وكان بودي مشاكسته من زمن ليس بعيد لكن الفرصة لم تحن الا اليوم ففرضت نفسي عليه عنوة ورشقته بوابل اسئلتي :

• من هو رجب وموجبات الوحدة مع الشيخ؟

• رجب الشيخ ...عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق رئيس مؤسسة قلم الثقافي نائب مؤسسة تجديد الادبية ...دكتوراه فخرية من معهد العلماء والمؤرخين في جامعة  اوزبكستان ...عضو اتحاد الصحفيين العراقيين .. عضو اتحاد الدولي في امريكا بصفة عضو  ..له انجازات ادبية ودوواوين شعرية كتبت بقصيدة النثر  ومنها ١. ديوان غوايتك لها آثر ٢٠١٥ /٢.نهارات ٢٠١٦/ ٣. والماء ... ٢٠١٧ ...وديوانين تحت الطبع ...كتب عنه الدكتور جمال خضير الجبوري (كتابا نقديا بأسم .. التركيب اللغوي عند الشاعر رجب الشيخ) ٢٠١٧ وله جوائز ودروع كثيره كتب عنه نقاد كثيرون يمزج مابين فلسفة القبيلة والادب فكلاهما انتعاش للذات

• رجب مشتت في دروب الادب بين القصيدة والومضة والادارة .. اين مستقرك؟

• نحن نوفق مابين الشعر والادب والادارة وذلك لاهتمامي الكبير لاداء رسالة فكرية آليت فيها عن نفسي ان اكون ناجحا واطبق كل مرتكزات النجاح بأيحاءات ايجابية وسبل الارتقاء لخدمة الاخرين ...وهذه الرسالة لازالت لم تكتمل وتحقيق العالمية بالرغم فوزي في المؤتمرات الدولية والعالمية .

• افراطك في الومضة هل الغرض منه تسجيل اسمك في سجل التعداد اليومي للفيسبوك او عجز عن معالجة النص الشعري؟

• الومضة ...هي القصيدة او النص المنزلق من نص كبير لكن تخضع لضوابط من التكثيف وانحسار المعنى بشكل مكثف ....ولله الحمد وفقت بكتابتها .

• لك مؤسسة ثقافية تستضيف الادباء وتحاورهم وتعرف بمنجزهم لكن سجلات الاستضافة تخلو من اسم رجب الشيخ ألم يكن لك منجز يستحق الاستضافة ليحاورك من خلف منصتها احدهم؟

• حين قررنا ان نؤسس مؤسسة قلم الثقافية كان هدفنا هو تطوير الفكر والادب والشعر والفنون والاهتمام بالجانب الشبابي والنسوي وشكلنا مجلس ادارة وهيئة مستشارين والعمل بشكل جماعي لتطوير عجلة المؤسسة ..و الينا على انفسنا ان نكون خدما للادباء نعمل بهدوء لمصلحة الاخوة الشعراء واستضافتهم .

• كتبت الشعر حتى كسى رأسك البياض .. اين يضعك النقاد والقراء والشعراء بين مجايليك؟

• انا من يضع نفسه ولست منتظرا النقاد ومن يقترب من المضمار يسمع بوضوح صهيل قوافي رجب الشيخ وهي تطوي اديم الشعر .

• للجنوب موروث ولقبيلة (السواعد) فيه سهم وافر (تجنا لو نجيجن يابنيات علوه ونصصنها الساعديات) هل غرفت منه؟ وماذا كان؟.

• انا ابن الجنوب من العمارة وكتبت كثيرا عن مدينتي من خلال نصوصي النثرية والشعرية واهتمامي بالتراث والانساب والموروث العراقي حيث ولدت في بغداد لكن جذوري وامتدادي العشائري في ميسان ولازال عندنا مضيف عمي (ابو تريكات ) قائما على نهر المشرح ونستقبل الزوار من العشائر

• جمع بعضهم في الماضي بين الفروسية والشعر وانت تجمع بين المشيخة والشعر .. بماذا يختلف ادب شيوخ العشائر عن غيرهم؟.

• يدهشني تاريخ أجدادي في حقب كان العالم الكوني راضخ لمشيئة الأقدار حينما كان اسلافي يعرفون التعامل مع قوانين السماء  في العصور الحجرية ليصنعون تاريخا مجيد ....واول من صنع العجلة والكتابة

• تشير ومضاتك الى عاشق لكنك تخاف البوح .. هل انت عاشق فعلا ومن يخيفك اوتخيفك؟ الزوجة .. الحبيبة .. الشيخوخة؟

• انا عاشق مع سبق الاصرار وكتبت عن المرأة ديوانين ولي كتابات اشجع بها الشواعر لزجها ضمن الادباء الذكور ومعروف عني الميل للمرأة في اكثر قصائدي لان المرأة كل شئ . 

• لانعرف لك عدوا في العلن .. هل لك اصدقاء في السر؟.

• احب الجميع والاخرون يبادلونني نفس الشعور ...لااعرف الزعل مطلقا وقلبي يسع البحر ...هذا ماقالة الاديب جواد الشلال وبقية الشعراء والادباء لذلك حزت محبتهم بامتياز ليس لي اعداء .

• من هو الشاعر الذي حسدته؟ ومن الذي غبطته؟ وهل تعرف ابا العتاهية؟

• انا متأثر بالشاعر حسين مردان وقرأت كل ماكتب عنه لاني اعتبره سيد القصيدة النثرية ...لكن في الوقت الحاضر متأثر بالشاعر عادل قاسم واتابع كتابته .

• رأي لم تجاهر به سابقا؟.

• لا جواب .... ولا تعليق احتفظ به .

• ماهو النعي الذي تتمنى ان يكتب عند موتك؟.

• ان تكتب احدى قصائدي على قبري وان يكتبوا عليها مات أبي الذي عاش من دون اعداء .

• امنية خاصة لرجب لازالت مؤجلة حتى الآن؟.

• طبع اعمالي الكاملة وتترجم الى اللغة الانكليزية او الفرنسية ...او يمد في عمري لاحقق بهذه الامنية .

لم تغير من طبيعته اسئلتي واحتفظ بابتسامته الودودة وتلقائيته وكادت ضحكته المجلجلة ان تتحول الى فاصل بين جواب وآخر وكان اجمل مافيه قلب العاشق ولسان الشاعر وحكمة الشيخ وادب (المضايف) ودعته على امل لقاء قادم خاص عن جدهم (ابو تريكات) وهل هو وشريك اخر من شيوخ بني لام وضعا اساس الميمر؟ .

 

saleh alrazukالإجابات على أسئلة الدكتور قصي الشيخ عسكر وجمعة العبدالله وفيليب تييرمان وزاحم جهاد مطر

س- الدكتور قصي الشيخ عسكر  يسأل: هل من فروقات ألسنية ونوعية بين الشعر الأمريكي والشعر الإنكليزي في بريطانيا وأستراليا.

ج- سؤال الدكتور عسكر هام جدا ولعله صعب أيضا. الجواب باعتقادي نعم ولا. أنا لست خبيرا بالشعر الإنكليزي أو الأسترالي المعاصر، ولكن عندي فكرة عن كليهما. كل شعريات اللغة الإنكليزية – بريطانيا الموحدة، وأستراليا، والولايات المتحدة – تشترك بخصائص معينة هي صدى لتاريخ الشعر الإنكليزي نفسه – الخيال الطبيعي والإيجابية والذكاء، والوصف والسرد، والألم الشخصي، وأحيانا التهكم، وهكذا..

وربما تتجلى خصائص الشعر الأمريكي في ما تعكسه الثقافة الأمريكية والفكر الأمريكي واهتماماتهما. نحن أمة وقعنا بين الماضي والحاضر، وبين الاختراعات المثيرة والميول نحو ما هو مألوف. ونحن مثل كل الأمم المتطورة كما أفترض واثقون بأنفسنا لكن غير راضين عنها في نفس الوقت،  وهذه طبيعة وجودنا الديالكتيكي كثقافة عامة وثقافة نخبوية. وشعرنا يمثل هذه الأشياء مجتمعة.  ولذلك، بعض الشعر الأمريكي مكتوب بلا مغامرات ومخاطرة وبجماليات عالية، لكن بعضه أقل انضباطا وأكثر حيوية وإدهاشا، ويخلق طاقة واهتماما بواسطة أساليبه وأدواته.  وهنا يجدر بي أن أذكر ما لدينا. نحن نمتلك أربع مناطق أو نماذج شعرية: الشعر الأكاديمي الهادئ (له مهاراته المعروفة)، الشعر الأكاديمي التجريبي (يجازف وهو غير مألوف لكنه معروف)، وشعر الشارع و"عالم المحكيات" (الأشكال الشفوية، وهي تحمل شحنة من الطاقة وتميل لمناقشة الأمور السياسية – ويمكن أن تدرج هنا الأداء المسرحي في النوادي الليلية أو المقاهي أو خشبات المسرح)، والشعر الشعبي (قصائد ذات اهتمامات اجتماعية واسعة ومريحة، وعموما مهاراتها ضعيفة ولكنها ذات هدف). ولدينا أيضا شعر ثقافة الأقليات: الشعر الزنجي، شعر القبائل، شعر الصم والبكم وهكذا. وربما توجد متشابهات كثيرة بين الشعر الأمريكي والبريطاني والأسترالي لكن وجوه التباين أقل- مع أنها مجتمعات غير متجانسة أيضا. بتباين المجتمعات يتباين الشعر كذلك.

ويجب أن أذكر أن مجال الفن هو الفنان المفرد الذي لا يقع تحت رحمة التوجيه الثقافي أو التعليمات. وهناك دائما، على الأقل في الولايات المتحدة، شعراء خارج الخط وغرباء، ولا يمكن تصنيفهم بسهولة. من هؤلاء في أمريكا، يمكن أن نذكر شارلز سيميك والمرحوم مارك ستراند. والمهم أن كليهما لم يولد في أمريكا، ستراند من نوفا سكوتيا في كندا، وسيميك مولود في صربيا. والإثنان حازا على أهم الجوائز الأدبية التي يمكن أن تقدمها أمريكا. ولا أجد وجه تشابه بين الشعر البريطاني والأسترالي وبين نتاج هذين الشاعرين (وربما السبب هو عدم إلمامي بكل جوانب الشعر العالمي). في قصائدهما صفات نوعية ومعرفة عميقة بالتاريخ والفن نفسه، ومع ذلك هما مرحان وساخران بما فيه الكفاية. سيميك متخصص بالكوميديا السوداء، وهي بطبيعتها أوروبية وليس أمريكية.

بالنسبة للفرق الألسني بين الشعر الأمريكي من جهة والبريطاني والأسترالي من جهة.. نعم. هذا موجود لا سيما في مجال شعر الثقافة الأمريكية السوداء. فالشعراء الذين ينحدرون من أصول إفريقية لديهم لهجات إنكليزية خاصة تختلف مفرداتها وقواعدها عن إنكليزية الأمريكيين. وتبدو أدنى من الناحية "الثقافية" ولكن أيضا تمتلك القدرة الكامنة التي تدل على قوة عظيمة ومباشرة. وهناك لهجات إنكليزية متعددة وكل منها تفرض خصائصها المتميزة على القصيدة التي تستعمل لغة الشارع "المحكيات". وهذه صفات متميزة في الثقافة الأمريكية كما أنها متميزة في مجال اللسان الإنكليزي الذي يسود أمريكا.

س: وسجل الأستاذ جمعة عبد الله إعجابه بالقصائد ولا سيما من ناحية صياغة الأفكار والرؤية ثم وجه الأسئلة التالية:

1-  هل يعتقد الشاعر أن الاسطورة في الشعر تؤدي دورها المطلوب في الاستجابة لحاجات العصر الراهن؟

2- هل هناك رؤية شعرية ينجذب اليها الشاعر أكثر من غيرها؟

3- من يستجيب للمتطلبات الراهنة. الشعر أم الرواية؟ وهل جرب الشاعر الرواية او القصة في نتاجاته الادبية؟

ج- هذه أسئلة هامة. أعتقد أن الأسطورة ودورها يعود للتذوق أو التفضيل ما دام الأدب في النهاية ذاتي. والجواب عندي نعم!. الأسطورة مفيدة لأنها تستلهم شيئا كونيا، هو شيء يبدو لي وكأنه يتحرك عبر الزمن ويخاطب أو أنه يصف التجربة البشرية في عدة أماكن وأزمنة.

أما عن الرؤية الشعرية التي أفضلها.. لو أن الفضاء الشعري يعني كيف نصنع القصيدة، نعم. فأنا أحب أن أكتب من داخل الفضاء السحري العجيب، ولكن ليس المجال العبثي. أنا أفضل الفضاء المألوف الذي تبدو فيه الأشياء مسحورة أو مدهشة. وأحب الفضاء الشعري الذي يمكنك فيه توسيع الاحتمالات والإمكانيات.

وعن الرواية مقارنة بالشعر. لو أن السؤال يربط المكان بالزمان، فأنا لا أستطيع أن أجزم. وبالتأكيد أعتقد أن كل الفنون الأدبية متساوية من ناحية الإمكانيات. القصيدة والقصة والرواية والمسرحية كلها لها خصائص مدهشة. شيء من الأهمية والمكانة. وعموما، أعتقد أن عددا أكبر من الناس يقرأون القصص والروايات، وربما هذا يخلق فرقا. وبالنسبة لي، الشعر مصدر أساسي. ولكنني أعترف وأقر هذا اختيار شخصي أو أنه تحبيذ وتفضيل. بالنسبة للجزء الأخير من السؤال.. نشرت قصة قصيرة وكتبت عدة أقاصيص. وحاولت كتابة عدة روايات، ولكنها كلها محاولات فاشلة. وأعرف صديقا هو نحات وأخبرني أن الشعراء لديهم عدسة فوتوغرافية خاصة موجودة في أدمغتهم وهي عدسة رقيقة، لها بؤرة صغيرة المساحة، بينما كتاب القصة لديهم عدسات بنطاق أوسع، يمكن أن تسميها عدسة مشاهد عريضة. وأعتقد أنه يعني أن بعضا منا يحب أن يخطط ثم يكتب على فترة طويلة، وبعضنا يحب أن يركز على مشروع أصغر – ونحن نفعل ذلك لأن الميول والتفضيل جزء من طبيعتنا، وتحدد ما نحن عليه.

س: وأضاف الأستاذ الدكتور فيليب تيرمان، أستاذ الأدب الحديث في جامعة كلاريون، كلمة في تجربة زميله الشاعر سكوت ماينار، فقال: أنا أحب شعر سكوت، هو مختلف عني تماما، كما يمكن للقارئ أن يلاحظ، ولكننا نشترك في تذوقنا للكتاب وبعاطفتنا الفياضة نحو الفن. شعري ينجم عن خبراتي والبيئة القريبة، ولكن شعره يتفرع من خياله وأحلامه، إلخ ...

ج- أعتقد أن فيل محق. لكن المسألة معقدة قليلا أيضا. فيل يكتب من خبراته ومن البيئة المحيطة به، مثل ويتمان أو راهب طائفة الزن، ولكن قصائده أوسع من ذلك في نفس الوقت. فهي غالبا ما تضفي على الأشياء صفة كونية، شيئا أوسع من هذه الإحاطة القريبة وهذه الخبرات الشخصية. في الأشياء الصغيرة يمكننا رؤية العالم، وقد حقق ذلك. ولذلك هو ناجح فيما يفعل. وأعتقد أنه واحد من أفضل الموجودين.

ولكن أنا أكتب من الخيال والأحلام. وإنما أنا أيضا دائما داخل الشعر. خيالي يعمل حينما أكون داخل غيري. ثيسيوس، مونيطور، إنسيديوس، الإلهيات، إيكاروس، يوليسيس، السيد كوجيتو، وهكذا. أنا حاضر أيضا. هذا مؤكد تماما. وأتمنى أن تكون قصائدي "أوهاما حقيقية"، فتنكر الخيال بآخرين يساعد القراء على رؤية ما بداخلي، وما بداخلهم كذلك. مثل فيل، أتمنى أن يلامس خيالي شيئا كونيا أيضا، ومع أن هذا شيء شخصي جدا، أحيانا هو شيء معزول ومحاصر بطريقة غريبة. حينما أنجح في كتابة قصيدة يكون يومي طيبا، أشعر كما لو أنني أطير في السماء. أحيانا الخيال، على الأقل من وجهة نظري، يمكنه أن يكون حيا مثل الواقع الملموس وله أثر مباشر وقريب. إنه خبرة حقيقية عندي، أوهام  فعلية. والساحر الماهر هو دائما على التخوم بين السحر التقليدي أو تزييف الواقع، والسحر الحقيقي أو ما نود أن نراه ونتعايش معه.

س: وسأل الأستاذ زاحم جهاد مطر السؤال التالي:  لماذا الغرب يميل للأسطورة الإغريقية والأوروبية وينسى الشرق، مع أن أول أسطورة في تاريخ البشرية هي ملحمة جلجامش. وغيرها مجرد صدى لها.

ج: هذا سؤال جيد وتحريضي. لقد قمت بتدريس ملحمة جلجامش لطلابي لعدة سنوات وأنا معجب بها. ولكن أعتقد، هذا مجرد اعتقاد، أن الثقافة الأمريكية والغربية أيضا، تركز على الإغريق كفجر للثقافة أو أصل لها سواء هذا صحيح أم خطأ. والسبب برأيي يعود لأن روما وهي قريبة جدا من اليونان، انتشرت وتوسعت في أوروبا وكانت مصدر تطور المسيحية (مع أن روما ليست هي موطن المسيح) ولذلك إن المفكر الأوروبي ينظر للإغريق والرومان على أنهم المنبع. زاحم على حق لأنه دائما توجد حدود ومعوقات أمام أية فكرة. ولا أعلم كيف أصحح هذا الخطأ التاريخي. ربما سأكتب قصيدة عن جلجامش وأنكيدو. تقول الإنتروبولوجيا إن الشعوب حتى في الدول المتطورة وما نسميه الحضارات المتقدمة، يحملون بقايا التفكير القبلي. إنهم يرون ما تراه القبيلة أو ما تعلموا طوال حياتهم أن ينظروا إليه. ولكن لسبب ما تطورت هنا الأساطير الآسيوية أكثر من أساطير العراق وفارس. والأساطير البريطانية تطورت لتكون شبيهة بأساطير الرومان والإغريق. وهي الآن حزمة واحدة معها.

أتذكر الآن مشهدا من رواية مشهورة لسومرست موم وهي (حد السكين). وبطل القصة مواطن أمريكي يعمل في فرنسا. والتقى مع صديق في حوار حول فكرة فلسفية وذلك بعد نهاية العمل. وتكلما عن الله والمسيحية، وعندما سأله صديقه: هل قرأت اليوبانيشادا؟. قال له بطل القصة: كلا. فرد صديقه: حسنا أنت لا تعرف شيئا.  وهذه إشارة إلى أن تجاهلنا واضح منذ البداية، وعلينا أن ننظر لمسافة أبعد وأوسع. وقد تعلمت هذا الدرس من الأنتربولوجيا من سنوات بعيدة، ومع ذلك أمامي مزيد من الجهود المطلوبة لتحسين معارفي. وأنا أحب مقولة سقراط: أنا أعلم أنني لا أعلم شيئا (وهذه سخرية من سخريات الحكمة الإغريقية).

 

ترجمة: د. صالح الرزوق

 

 

ahmad abdulhadiرغم أن الغالبية تجمع على أنها قد انتهَتْ إلى الإخفاق،، فـستُّ سنوات كانت مرحلة كافية للحُكم على تجارِب ثورات الربيع العربي، حيث ساد الغضب العربي الكامن وعمَّ في نفوس الشباب والمواطنين، فكان أحد محركات الثورات الأساسية، هذا الحراك الشعبي العربي الهائل، الذي حطم جدران الخوف، لدى الشباب الذي نزل إلى الميادين والساحات، استطاع أن يحول الغضب الجماهيري إلى قوة سياسية فاعلة، حركت عجلة التغيير في بعض الأقطار العربية، وأجبرت بعض الأنظمة الدكتاتورية على التنازل عن السلطة، وبالفعل فقد أثبتت ثورات الربيع العربي تضامن شعوب العالم ضد الاستعمار والإرهاب، فكان نضالها نضالا مشتركا

و قد عبّر الدكتور أحمد عبد الهادي عن مواقفه تجاه العديد من القضايا الحسّاسة، كالتَّغيير والانفتاح والحُرِّيّة والانحياز إلى العدالة والتَّعدُّديّة والدّيمقراطيّة، في رده على جملة من أسئلة آثرنا طرحها عليه لتسليط الضوء أكثر، كونه يمثل "المعارضة" في مصر، فانطلاقا من أحداث الربيع العربي، يرى الدكتور أحمد عبد الهادي أن ثورة 25 يناير2011 لم تحقق للمواطن المصرى طموحه.، بل سلبته كل الحقوق والمطالب بسبب انحرافها عن مسارها جراء ركوب قوى التطرف والإرهاب لها بعد أيام من اشتعالها، لأنه لم يكن هناك ثمة قائد لها، ولحظة اشتعالها لم تكن هناك قوى سياسية أكثر تنظيما من جماعة الإخوان الإرهابيين الذين نجحوا فى استغلال ثورة يناير وتحويل مسارها إلى ثورة تدافع عن أهداف وأطماع الجماعة الإخوانية .. فى ذات الوقت الذى كانت هناك صفقات بين هذه الجماعة وقوى غربية على تدمير كل شيئ فى مصر، وإثارة الفوضى فيها لصالح تحقيق أجندة غربية تستهدف تقسيم وتفتيت مصر بأثرها لصالح إسرائيل وواشنطن ودول أوروبية، وعندما تصدى الشعب المصرى للجماعة وجنونها تم إشعال الوضع الداخلى وتحول لحرب شوارع، فقامت ثورة 30 يونيو لتعديل مسارات ثورة يناير وإعادتها للطريق الصحيح .. لكن بعد إستنزاف قدرات مصر الإقتصادية والعسكرية والنتيجة، كان لابد من ثورة تصحيح اقتصادية أولا، وهو ما يحدث حاليا فى مصر، فأصبح المواطن المصرى البسيط فى حاجة للإنتظار سنوات أخرى لتحقيق مطالب ثورة يناير، لكن يجب أن نتفق أن ثورة يناير وكل ثورات الربيع غيرت المشهد الدولى بأثره وليس المشهد على الساحة المصرية والعربية فحسب .. وغيرت مسارات كافة وسائل الإعلام وتوجهاتها، كما غيرت المشهد السياسى نفسه فى كل دول المنطقة .. وأصبحت الأنظمة العربية مجبرة على التعامل بصورة مغايرة مع كل شعوبها قاطبة، كما بدأت فى التعامل بحذر مع الإعلام الإلكترونى .

ماذا بقي من التيار الناصري؟

و عرج الدكتور أحمد عبد الهادي في سؤال متعلق بالظاهرة الناصرية، للحديث عن الدور الذي لعبه التيار الناصري أيام الرئيس جمال عبد الناصر، مشيرا إلى ما وقع في السنوات الأخيرة، حين قصّر التيار الناصرى "الناصرية " على شخص جمال عبد الناصر وعليهم، بحيث يرون أنهم هم الذين يحتكرونها .. فأصبح الأمر قاصر على تيار ضعيف وهش بعد أن كان صاحب قوة غير عادية فى المجتمع المصرى والعربى، ونحن نرى أضاف الدكتور أحمد عبد الهادي أن الناصرية نهج وطريق وضع ركائزه الأساسية جمال عبد الناصر، وأنه كان من الأجدى لمن ينضوون أسفل لواء الناصرية أن يتحركوا من هذا المنطلق بما يؤدى فى النهاية إلى تحول التيار الناصرى إلى قوة مركزية تحرك المجتمعات العربية بأثرها، مستطردا بالقول أن هذا التيار وحول عديد من التيارات قد أفل نجمها لا لشئ، إلا لأن الشعوب العربية أصبح لها أولويات مغايرة ..، لكننا نرى أن تطبيق الناصرية أصبح أمر واقع حاليا بين الشعوب العربية وبعضها خاصة مع التقارب العربى العربى جراء التحديات التي تمارس في مواجهة المنطقة.

لماذا فشلت المنظومة الثورية العربية في وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي؟

و عن العلاقة التي تميز مصر ودول الجوار، كان لرئيس حزب شباب مصر موقف خاص، فمن وجهة نظره هو فإن القوى الغربية نجحت فى تشتيت قوة الدول العربية وأجبرتها على الإنكفاء على قضاياها الداخلية، فى ذات الوقت الذى دفعت بعضها الأخرى ليكون ناحية القوى الغربية بدلا من التلاحم مع دول المنطقة، وقد عاد محدثنا الى السنوات الماضية..، سنوات ماقبل الربيع العربى، وأشار في رده على سؤال متعلق بما إذا كانت هناك استراتيجية موحدة لمواجهة الاستعمار والاحتلال والصهيونية، وقوى العنف والتطرف والإرهاب؟، وقال انه لم تكن هناك إستراتيجية عربية موحدة لمواجهة الإستعمار ومواجهة قوى التطرف والإرهاب بسبب الإنشغال بالقضايا الداخلية، لكن فى أعقاب الفوضى التى اجتاحت دول المنطقة وانتصار الشعب المصرى على جحافل قوى الإرهاب التى تمثلت فى جماعة الإخوان الإرهابيين بدأ هناك فى الأفق خيوط أمل من تقارب عربى عربى .. ووضع إستراتيجية موحدة لدفع الخطر الذى يتهددها جميعا .. وهى تحركات لم تكن المنطقة العربية مؤمنة بها إلا بعد شعورها بأن هناك خطر يهدد وجودها كاملا.

وربما هي الأسباب التي أدت إلى فشل المنظومة الثورية العربية في وضع حد للصراع العربي الإسرائيلي، بل مكن قادة إسرائيل من تنفيذ أهدافهم الإستراتيجية، في هذا يقول رئيس حزب شباب مصر أنه من الصعب جدا تحليل الصراع العربى الإسرائيلى بمعزل عن حركة التطور العالمية وأهداف قوى الإستعمار جميعا، فقد كان هذا الصراع تجسيدا للصراع الدولى بأثره، والفشل العربى فى وضع حد للصراع العربى الإسرائيلى لم يأت جراء تواطئ أنظمة فحسب بل جراء تنامى التكتل الغربى ضد المنطقة العربية بأثرها وضرورة التخلص من أى قوى أوقوة عربية تواجه القوى الإستعمارية الجديدة . ولذلك فإننا نرى أن الإنتصار فى هذا الصراع لن يأتى بين ليلة وضحاها .. بل قد يأتى عبر أجيال قادمة تتسلح بقوة موازية لقوة الغرب نفسها.

حزب شباب مصر حزب متفتح على كل التيارات

تحدث الدكتور أحمد عبد الهادي عن " المعارضة " فيقول: في اللحظات الفارقة من عمر الوطن لا صوت يعلو فوق صوت الدفاع عن الوطن وإنقاذه، في سنوات سابقة كنا نمارس المعارضة على أشدها، حيث كان الوطن مستقرا ومؤسساته متكامله، لكننا اليوم .. مثلنا مثل كل الأحزاب، تكاتفنا .. تلاحمنا .. وهدفنا واحدا .. إنقاذ الوطن مما يدبر له .. ولذلك فلا يوجد سوى صوت الوطن في الوقت الراهن، كان هذا موقف شاب معارض، خاض حربا كلامية من أجل أن يعلو صوت الشباب العربي، وقد نجح في تأسيس حزب باسمه، فلم يكن حزب شباب مصر وحدها بل حزب كل الشباب العربي، لأنه فتح الباب لكافة التيارات فيما عدا تيار الإسلام السياسى وعناصر جماعة الإخوان الإرهابيين بشكل عام، وفي هذا يقول أحمد عبد الهادي أن حزبه نجح في أن يضع الوطن عنوانا للجميع بعيدا عن أيّ توجه، كما نجح حزب شباب مصر فى تفعيل دور آلاف من الشباب فى مختلف قرى ونجوع مصر فى وقت لم يكن يهتم بهم أحد، وكان أول حزب في العالم الذي نبه للثورات والانقلابات القادمة التي يقودها جيل ثورة الإنترنت وشارك وساند ثورة 30 يونيو وغيرها، الجدير بالذكر ان حزب شباب مصر ومنذ لحظة تأسيسه عام 2005، كان أول حزب في مصر يقف في مواجهة جماعة الإخوان .. وكان المانشيت الأول لجريدة شباب مصر الناطقة باسم حزب شباب مصر فى العدد الأول فضح ممارسات الجماعة الإخوانية، وهذا لا يعني أنه ضد المشروع الإسلامي، وإنما

ضد أسلمة أىّ مشروع سياسى مهما كانت المبررات، وفي هذا يقول الدكتور أحمد عبد الهادي: " أنت تملك مشروع سياسى فلاتحدثنى عن الإسلام بخصوصه، لأن هذا المشروع المفروض أنه يضم كل التيارات والديانات والتوجهات، كما أنه لايوجد مشروع إسلامى ومشروع غير إسلامى، بل هناك مشروع وطنى يقوم على أطر وطنية لإنقاذ دولة ما مثلا .. هناك برنامج عملى يراعى قيم وتقاليد الدولة التى يخطط لها ..

و الدكتور أحمد عبد الهادى كما هو معروف من مواليد محافظة الدقهلية هو رئيس حزب شباب مصر ورئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة شباب مصر، حاصل على بكالوريوس تجارة من جامعة المنصورة، دراسات عليا في مجال العلوم التربوية من جامعة المنصورة، ودكتوراه فخرية لتميز أبحاثه ودراساته فى مجال شئون حركات الإسلام السياسى فى مصر وتميزه وريادته فى مجال الصحافة الإلكترونية، عضو نقابة الصحفيين المصريين، عضو اتحاد كتاب مصر، عضو اتحاد الصحفيين العرب، وله مقعد في منظمة الصحفيين العالمية، له مشوار سياسي حافل بالنشاطات، مكنه من تأسيس حزب سياسي بطاقم شباني، فمنذ دراسته الجامعية انضم الدكتور أحمد عبد الهادي إلى صفوف العديد من الأحزاب المصرية، بحثا عن حزب يهتم بجيل ثورة الإنترنت وكان له فيها دورا غير عاديٍّ، هذا النجاح يعود إلى تجربته التي خاضها عندما أسس منتدى شباب الغد الذي استضاف عشرات من رموز السياسة وآثار الكثير من الجدل بما فجره من قضايا داخله، إلى جانب إسهامه في تأسيس عدد كبير من اللجان الشعبية السياسية فى مصر، وكانت آخر تجربته تأسيسه حزب شباب مصر، وجعل برنامجه يتماشى مع جيل الإنترنت، والذى يقوم على أساس تبنى دور فاعل للأجيال الجديدة، التي أطلق عليها جيل الصداقات عابرة للقارات.

و كإعلامي يعتبر الدكتور أحمد عبد الهادي من الأقلام المصرية المشهود لها بالاحترافية، بحيث عمل مراسلا لغالبية الصحف العربية والدولية، وشغل منصب رئيس تحرير وكالة (كايرو برس ) للإعلام، ثم رئيس تحرير لعدد من الصحف الإلكترونية، رئيسا لمجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة شباب مصر الأسبوعية الورقية التى أصدرها حزب شباب مصر خلال الفترة من بداية عام 2006م حتى منتصف عام 2011م، عضو المجلس الأعلى للصحافة (2005م ـ 2011م)، كما أصدر العديد من المجلات والصحف، له أبحاث ودراسات وكتابات عديدة فى مجال الصحافة الإلكترونية، كما يعد من بين مؤسسي الاتحاد الدولى للصحافة الإلكترونية والذى تولى رئاسته خلال الفترة (2000 ـ 2005م)، وتم استضافته في غالبية وسائل الإعلام الدولية للتحدث عن الصحافة الإلكترونية ومستقبلها فى العالم .

و في الجانب الأدبي يعد الدكتور أحمد عبد الهادي من بين الروائيين الذين أنجبتهم مصر، وله عدة إصدارات في هذا المجال، نذكر منها: إنقلاب فى بلاط صاحبة الجلالة، أطفال وقتلة 2001، من أوراق الشاطر غريب ، عندما يأتى الخريف (قصص قصيرة)، هي عبارة عن مجموعة قصصية، رواية العشق فى الزمن الحرام، رواية المدينة تحترق ـ رواية من الخيال العلمى، 25 يناير: سنوات الثورة والدم، كما ترك بصماته في مجال أدب الرحلات، منها التحفة الأدبية الموسومة بعنوان: إلى الصين سيرا على الأقدام ـ صدرت في 2015م، وإصدارات أخرى متنوعة، أسرار الصوفية ومملكة الدراويش فى مصر، سقوط الملك ـ مسرحية ـ، عاطف الهادى: أوراق بعد الرحيل، والكتاب الموسوم بعنوان عبد الفتاح السيسى : الجنرال الذى غير وجه التاريخ صدرت طبعته في 2016، وهو كتاب يحكي سيرة وحياة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأسرار اكبر مؤامرة كونية عرفها العالم ضد مصر والمنطقة العربية والتي تستهدف تدمير وتقسيم مصر وإعادة رسم ملامحها من جديد، والكتاب يكشف الستار عن الصفقات التي عقدتها جماعة الإخوان مع البيت الأبيض، ودور حركة 06 نيسان وشبابها في اقتياد الشعب المصري إلى حالة الفوضى والخراب في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، التي كانت تهدف إلى حماية القيم الحضارية للشعب المصري، وغربلة وتمحيص والذهاب في محاولة صادقة وواعية لإستخلاص الحقيقة التناريخية، ووضع حد للثرثرة الفاشية، حتى تتمتع الجماهير بنزاهة وحس سليم في تقييم الأمور، وكشف الصراع الطبقي باعتباره المحرك الأساسي للمجتمع وتحديد أسباب الفساد في المجتمع وتوضيح سبل تصفيته وإنهائه، كما أن الكتاب جاء ليعرض مسالة تجسيد فكرة الأمة، وتطور النخبة التي تمثل روح الأمة وفكرتها.

 

التقت به علجية عيش

 

skotminarتعتمد تجربة الشاعر الأمريكي المعاصر سكوت مينار على ثلاثة محاور أساسية:

الأول هو أساطير الإغريق القدماء. وأجزم أنه لا يتوقف عند محتويات ولا فلسفة تلك الأساطير وإنما يبدو مأخوذا بما تحمله من تصنيم وتأليه لشخصيات معينة تعزو لها قوة فائقة.  وأعتقد أنه يحاول أن يستعمل تلك الآلهة كحامل لمحمول. بمعنى أنها رموز تفيد في الإشارة لتصنيم أجزاء معينة من تاريخ أمريكا الراهن. ويحاول من خلال هذه الاقتباسات والإشارات أن يعبر عن بالغ ألمه ودهشته من سقوط الإنسان البسيط تحت عجلة قطار المتغيرات الكاسحة التي تعصف بأمريكا.

المحور الثاني هو عشقه غير المسبوق للشاعر البولوني زبيجنيف هيربيرت الذي اخترع شخصية "المستر كوجيتو"  ليترنم من خلالها بعذاب الإنسان في مجتمعات اقتصاد الندرة. ولا يخفي ماينار تأثره بهيربيرت بل على العكس يؤكد في رسالة شخصية أنه اقتفى أثره واخترع شخصية الكائن الخفي، الإنسان الروح أو الشبح الذي يتقاسم حياته معنا مثل كل الكائنات التكافلية في الطبيعة. ولكن ماينار يفكك شعر هيربيرت ولا يتوقف عند كوجيتو / الكائن الخفي، ويتوسع بتفاصيل الحياة النفسية والذهنية لقصائده ويرسم فيها علاقة الإنسان بالخير والشر وبالقوى الخفية والباراسايكولوجي ودور الشياطين والملائكة في تحديد معنى الأخلاق وقيمة العمل. ولعله بذلك يشكل سابقة في الشعر الأمريكي الذي بالعادة يحتفل بوالت وايتمان وهيرمان ميلفيل . وأعتقد أن نقطتين هامتين مسؤولتان عن هذا الاتجاه.. أمه ذات المنشأ الإيطالي والتي ورث منها شخصية دانتي أليجري صاحب (الكوميديا الإلهية) وبوكاشيو مؤلف (الديكاميرون).  ثم اهتمامه بالأدب الألماني .

ولا شك أن الرومنسية الألمانية قد تعرضت في أمريكا لشيء من التقشير، بحيث خلصها الأمريكيون من الإنشاء والعواطف المستفيضة وأضافوا إليها همومهم المادية التي ولدت منها أهم دولة في العصر الحديث.

وربما كان هذا التأثير المتبادل قد اختزل الرومنسية لنوع من أدب قوطي معاصر أسود تتصارع فيه الواقعية مع أسلوب الأصوات الملحمي (كما عند فوكنر وجون بارت). لذلك كان الأدب الأمريكي، والشعر على وجه الخصوص، حكائيا، لا يستعمل الترانيم والإنشاد إلا قليلا، ويغلب عليه صراع الغرائز المادية ولا سيما الحياة والموت، ويكون لكل طرف في الصراع أسطورته الخاصة التي تمثل خوفه من مفاجآت وغدر الطبيعة أو ضعف الإنسان أمام قوة رأس المال.

يبقى المحور الثالث والأخير وهو شكل القصائد. فهي فقرات ضمن قصيدة طويلة تحول أفكار الإنسان لحكاية متسلسلة نكتشف من خلالها غرائب النفس البشرية من الداخل. وكيف أن الأحلام الرقيقة تندحر أمام كوابيس لا نعرف كيف تنشأ ومتى يجب أن تتوقف وبالطريقة التي استثمرها من قبل هينري ميلر في روايته (كابوس مكيف الهواء).

إن قصائد ماينار تحفل بالنكهة السريالية لواقع الإنسان النفسي، فهو مثل بيكاسو ودالي يعيد تعيين موضع العلاقة بين الظواهر والعالم. ويذهب بعيدا في الكلام عن ما هو شرير وفاسد وغريب أيضا. لكن يهمني أن أؤكد أنه قريب أيضا من لامعقولية وعبث ماياكوفسكي. فرموزه وتصوراته هي إشارة لهذا المنعطف الذي تسقط فيه المرايا وتفسد أساليب المحاكاة، وتضطر لأن تلجأ لأسرارية الأشياء وتشويهها، مع تطبيق كم كبير من الضغط . وبرأيي هذا هو المسؤول عن انحراف التشبيهات التقليدية ودخولها في دورة من العنف الألسني (أفازيا دلالية بلغة دافيد لودج).

يعمل سكوت ماينارScott Minar  حاليا في جامعة أوهايو/لانكستر، ويدرّس الأدب الأمريكي المعاصر. كما أنه يشارك في تحرير مجلة (كريزي هورس) الإبداعية المحكمة التي تصدر عن الجامعة. وله عدة مجموعات شعرية منشورة من أهمها: نيران الجسم، الاستقلابات، أوهام حقيقية. ولديه مشروع قصيدة طويلة قيد الإنجاز بعنوان (قصر العقول). بالإضافة لكتب عن آلية الكتابة والإبداع. كما أنه عازف على الغيتار وكاتب للأغاني.

وفيما يلي نص لقاء سريع أجريته معه.

 

س- كيف تقدم نفسك لقراء اللغة العربية؟.

ج- كانت طفولتي مدهشة وعجيبة. فأمي من صقلية ولغتها الأساسية الإيطالية ولكنها مولودة في أمريكا. وهي أيضا تعرف الإسبانية وتتكلم القليل من الفرنسية. وأخي أيضا عالم لغويات – ويتكلم بأربع لغات أو خمس. أما أنا فقد ولدت في حي من كليفلاند ويسمى "إيطاليا الصغيرة". وكانت جدتي الصقلية تهتم بتربيتي ولا تعرف غير القليل من اللسان الإنكليزي. وحينما بلغت 10 سنوات انتقلت إلى ضاحية تسمى "مرتفعات كليفلاند". وهي مكان مدهش للغاية. ولكن ثلث السكان هناك أمريكيون من أصل إفريقي، والثلث الثاني من اليهود، وما تبقى خليط من كل الأعراق والأجناس. وكان من المستحيل أن تتكبر على أحد أو أن تعزل نفسك في جماعة مغلقة. فقد اختلطنا معا بأسلوب سلس، ولم يكن من السهل أن تعرف شيئا عن العالم الذي يتطور خارج هذه الدائرة. ولكن لتعرف كيف كان العالم البعيد ينمو تلقيت القليل من التعليمات الدينية. وكانت جدتي ترافقني إلى الكنيسة لبعض المرات. وتذمرت من ذلك وبدأت أتهرب من الصلاة ولم يعترض الوالدان. أما الوالدة فقد اعتنقت اليهودية في وقت متأخر من حياتها، وهذا جعلني بنظر قليل من الناس يهوديا، غير أنني لست كذلك. وهذا لا يهمني في الحقيقة. وإنما اقتربت من التجربة اليهودية بنسختها الأمريكية وأنا بين 10 - 20 عاما. فقد كنت أتناول الغداء في بيوت بعض الأصدقاء اليهود. والتقيت في تلك البيوت بأشخاص هربوا من محرقة هتلر.

فنيا أنا أحترم كل الشعراء بكل أنماطهم. وأعشق الشعر لنفسه وأحاول أن أكتبه. وأفضل الفنون البصرية والمسرح والنحت والموسيقا – كل أشكال التعبير الفني في الحقيقة. ويؤثر بي الشعر الذي يخلق شيئا غير متوقع، ولا يهبط بمستوى المشاعر والأحاسيس.

 

س- وكيف تقدم كتاباتك للقارئ العربي؟.

ج- حسنا، هذا سؤال مهم!. مثل كثير من الكتاب على ما أفترض، لكن أول كتابين لي، هما محاولة مع الفن. ولكنهما لم يصلا- هل أنا واضح!. أحيانا أشاهد لمحات جيدة فيهما، ولكنهما جوهريا مبنيان على شعرية تعلمتها في السبعينات هنا.

وهذه الشعرية كما أراها الآن محدودة ومؤطرة بشكلها، بالجانب السطحي منها. والآن بلغت 63 عاما، ومن حوالي 10-11 عاما مضت حاولت أن أنفصل عن تلك التجربة الضعيفة. ومجموعتي (قصر العقول) كتاب يشغل مساحة بين الكاتب القديم ، كما كنت عليه، والكاتب الذي أحاول أن أتقمصه حاليا.

 

س- أرى الكثير من المؤثرات الأوروبية وليس الأمريكية في قصائدك. وأنت تشير كثيرا لزبيجنيف هيربريت ولا تذكر ولو مرة والت ويتمان الذي يدين له كل تاريخ الأدب الأمريكي الحديث. هل من تفسير؟.

ج- أعتقد أن الشعراء والروائيين يتأثرون بآخرين يتركون أسماءهم في الذاكرة. بشكل تمثيلي، حينما قرأت شعر زبيجنيف هيربيرت أو رواية لهاينريش بول أو قصيدة لأدونيس أو جوليا هارتفيغ، شعرت كأنهم يتكلمون لغة لا يمكن أن أفهمها أو أن أعرفها. ومع ذلك، بطريقة من الطرق كنت داخليا أتعاطف مع هذه اللغة. فالأشياء في تلك الكتابات جديدة وغير معروفة ولكن في نفس الوقت هي قريبة ومفهومة وموضع محبة وتقدير. الفن يترك أثرا عميقا على نفسي. وزبيجنيف هيربرت يؤثر بي شخصيا. وربما هو أقوى المؤثرات التي أشعر بها. أنا لست شاعرا أمريكيا مخلصا. أفترض ذلك. ولكن هذا يبدو غريبا حتى على مسامعي. فجدي وجدتي كما سلف مولودان في صقلية، وآباء وجدود العديد من الأصدقاء المقربين في أيام الطفولة كانوا مولودين في بولونيا وروسيا ولبنان وألمانيا. وجد والدي هو ألماني، ولعله من آخين أو نوردرين ويستفاليا. ولعل هذه ليست هي الأسباب الحقيقية لابتعاد شعري عن إستاطيقا الشعر الأمريكي، ولكنها مؤثرات. إنها مؤثرات لا يمكنك غض النظر عنها. وأنا لا أسير خلف ركاب ثقافة معينة بلا تفكير وبشكل أعمى كما أعتقد.  وأفضل أن أنظر لما يجري في العالم من حولنا. وفي الجامعة كنت أهتم بالأنثروبولوجيا وأدرسها عن كثب.

 

س- لماذا تفضل كتابة قصائد طويلة تتكون من فقرات ومقاطع قصيرة؟.

ج- أعتقد أن شعري لوحات تصويرية وليس انطباعية. ولذلك هي لا تتدفق بنفس الطريقة التي تتبعها أشعار ويتمان أو نيرودا، أو فاليجو أو كلاريبيل أليغريا. أنا أنظر للشعر على أنه كولاج لو رتبنا أجزاءه بشكل مناسب ومع قليل من الحظ نحقق نوعا من الوحدة التي يمكن أن تكون مؤثرة.

القصيدة غالبا تؤثر بي وكأنها لغز إغريقي من النوع الذي نراه عند أوفيد أو أنها كوميديا عبثية – منضبطة لكن ينقصها نوع محدد من التوضيحات لأن ما نحتاج له هو في التفسير والتصور أو في رسمنا للكلمات.

 يتدفق ويتمان ضمن جماليات وبهاء يحدده أسلوبه، ولا جدل حول قوته فهي لطيفة حقا، وأحيانا تصاعدية (تسمو بالمشاعر). ولكن بورخيس يكتب بمهارات غريبة وقوة نخبوية ويبدو أحيانا أنه بعيد عن متناولنا. ولأدونيس قصائد تبدو نقية، كما لو أن الله هو الذي كتبها وليس الإنسان الفاني والضعيف. أما تركيباتي فتختلف مع كل هؤلاء، فأنا أبحث عن القيمة الفنية، عن الفن نفسه. وأحيانا إذا حالفني الحظ أرى القصيدة هناك على الصفحة كأنها خيال أو طيف. إنها لا تستمر وما أمسك به هو جزء يسير أو عالم مصغر من الشيء نفسه وعليه أبني رسوماتي وتصوراتي أو علبة أدواتي المتخيلة.   

 

س- كيف تعرف الكائن الخفي الذي تأتي على ذكره في كل قصائدك تقريبا؟.

ج- في لحظة من حياتي اكتشفت أنني بحاجة لقرين. كما فعل هيربيرت حينما اخترع مستر كوجيتو Mr Cogito، "السيد أنا أفكر". وهكذا اخترعت شخصية الكائن الخفي persona Insidious وهو برأيي ابن عم السيد كوجيتو . وكان هذا أسهل لي فقد رغبت أن أحيي من خلاله هيربيرت. الشخصية / الكائن يسمح للكاتب أن يقول أشياء لا يمكنه أن يعبر عنها بشكل عادي ومباشر، وتوفر له الحرية للتعبير عن أمور كثيرة، وهذا يقدم لنا أثرا مشابها أو قوة إضافية. الكائن الخفي محايد: فهو ليس مثل اسمه باستثناء أن وجوده داخلي ويتحدى الشعرية الأمريكية بخصاله غير العادية. لا يمكن أن نسمح للشعرية أن تكون ثابتة ومألوفة ومتوقعة. وكائني الخفي هو ثورتي الصغيرة في مضمار الشعرية، ولكنه ليس غريبا جدا وهو في الواقع أبعد ما يكون عن ذلك. ولكن في هذا المكان والزمان، حيث أعيش، هو متمايز بما فيه الكفاية.

 

س- هل تشعر بتأثير الرقابة الخفية التي تنشط في داخل عقل الإنسان في أمريكا، بتعبير آخر: هل تعتقد أن لديك تابوات؟ وكم تدين فكرة التابو للمكارثية؟. وهل تعتقد أنه يوجد بقايا من تلك الفترة سيئة الصيت؟.

ج- يمكن للرقابة أن تكون خفيفة أو جدية. ومن الصعب أن تعلم بها أو أن تحدد ماهيتها بدقة في مجتمع كبير مثل أمريكا. والكبت والحرية مختلفان لحد بعيد حسب المنطقة والولاية، ولذلك لا يوجد تجانس موضوعي ولا يمكن التعريف بالموضوع بعبارة مبسطة تحدد كل شيء وتلم به. وعموما أعتقد أن الكتاب أحرار لدينا من معظم التابوات، ولا سيما الكتاب الذين يعيشون ويعملون في مدن كبيرة، مع أنهم لا يعرفون كل شيء يدور خارج حدود البلاد (وأحيانا حول أمور تدور داخل الحدود). والملاحظة الثانية تضيف جانبا آخر للمشكلة مع مشكلة تعاطينا للفن، وصناعة الفن، والعدالة الاجتماعية، وأشياء أخرى إضافية – هذا إذا تناسينا المعرفة والبحث عن الحقيقة والدقة. بالتأكيد الماركسية ليست موضوعا محببا، باستثناء أولئك أصحاب العقول المنفتحة والثقافة العالية. ولم تحصل الإشتراكية على نصيبها من التمحيص لدى كثير من الأمريكيين، مع أننا في الحقيقة اشتراكيون ومعظم حلفائنا إشتراكيون ويطبقون الإشتراكية على شعوبهم لتحسين مستوى الحياة. ونحن لسنا جيدين في فصل الإيديولوجيا عن محاولة تطبيقها على البشر. أحيانا الأفكار جيدة، ولكن تطبيقها سيء فتبدو وكأنها عار أو شيء سيء. وأحيانا الفكرة الضعيفة تكسب تطبيقات جيدة وتقدم نتائج ملموسة لأن من يرعاها يتغلب على الضعف البنيوي الذي يتخلل النظام نفسه. وهذه فكرة قديمة معروفة عن نظام التفكير وه9ل تطبيقاته مقبولة أم لا. ولكن كيف يؤثر ذلك على الفن والكتابة، ليس عندي معلومات مؤكدة. لقد فشلت المكارثية هنا وتركت ذكريات مريرة عند معظم المتعلمين، ولذلك نحن نخشى من تكرارها. ولكن الكتاب يعانون من قليل من التابوات، مع أننا نكتب داخل ماكينة منتجة للثقافة. وبعض تلك المعوقات قد تكون مرئية أحيانا لبعضنا. وأعتقد أن عودة المكارثية احتمال وارد لأن التيار نفسه هو تعبير عن الخوف والكراهية. الخوف والكره، لا يزولان تماما، لا يمكن تخطيهما على الإطلاق. وأعتقد أن معظم الشعوب في معظم البلدان بحاجة لمزيد من الثقافة، والمزيد من الوضوح في التفكير والتعايش. ومزيد من انفتاح الذهن، ومقاربة أسئلة أكثر نضجا من سابقاتها. نحن جميعا بحاجة لذلك.

وعلينا أن نحترم لماذا نحن بحاجة لذلك. ويجب أن نعرف ما لا نعرف – أو، بتعبير آخر، علينا أن نفهم أنه هناك دائما أشياء كثيرة لا نعرفها وعليه يجب أن نحترم حاجتنا للعمل من أجل اكتشاف ذلك.

 

س- وكيف تنظر للرومنسية السوداء في أمريكا. هل لها مستقبل؟. وهل تعتبر نفسك من هذا التيار؟.

ج-هذا مدهش يا صالح!. أعتقد أنني هزلي ولا أنتمي للرومنسية السوداء. وأسلوبي حاليا، على ما أتمنى، غالبا هو كوميديا سوداء. وعندما أميل للجدية، أجد عدة تقاطعات مع الرومنسية السوداء. ولكن أحب أن أكون رمزيا وأحيانا كلاسيكيا لو أن الخيار يعود لي. ومع ذلك أنا لست كاتبا متصلبا وقصائدي مختلفة ومتعددة المشارب. وهذا يجعل إنتاج كتاب مهمة صعبة، كتاباتي لا يمكن تصنيفها.  قصائد "غير متوقعة". أيضا، كتاباي الأخيران مختلفان جدا. مجموعة "قصر" كما أعتقد، هو صحافة شعرية وكتابة تجريبية. أما "استقلابات" ربما هو تجربة كلاسيكية تشوبها عناصر من المدرسة الرمزية. وقصائدي الجديدة في "أوهام حقيقية" تشبه ما يوجد في "استقلابات". هذا على أغلب ظني.

أما تاريخ الرومنسية السوداء في أمريكا فهو عميق، لا سيما في الرواية والقصة: إدغار ألان بو، ناثنيال هوثورن، وهـ بي لوفكرافت، مع آخرين. وأرى أن بداية الحياة العامة في أمريكا وهي بلد كبير جدا، كانت خانقة ولها تأثيرات قاتمة. فالطبيعة هنا متلونة جدا – الغابات، الصحارى، البحيرات الواسعة، الجبال، السهوب. وحين تطير فوق شمال أمريكا  تلاحظ اتساعها وتنوعها كسهوب ومشاهد طبيعية. هذا شيء مدهش. الرومنسية السوداء هي ردة فعلا للطبيعة المجهولة كما نراها بأم أعيننا. وهذا يفسر لنا الكثير. أحد كتاب الطبيعة هنا، ليس الروايات ولكن المذكرات، أخبرنا برحلة قام بها عبر الغابات في مونتانا في وقت الغسق وشاهد شكلا أسود في نهاية طريق الغابة. ولكنه كان لا يبدو حقيقيا تماما. هناك شيء عجيب. وتبين أنها بومة كبيرة جدا تقف على جذع شجرة في الظلام. واعتقد أن هذه حادثة غامضة. لغز. شيء غير يقيني.

في الشعر، الرومنسية السوداء لم تجد جذورها العميقة في أمريكا. والقليل يكتبون بها حاليا. ولكن هي جزء من تقاليدنا الأدبية، ونحن نعترف بها ونحترمها كثيرا. في أوروبا، الرومنسية السوداء أنتجت الكثير من ألأدباء المهمين والناجحين: دانتي، جورج تراكل، وكل أولئك البريطانيين الذين تبنوها، بودلير، وغيرهم كثير. وليس لدينا ما يعادل ذلك في أمريكا تاريخيا.

 

أجراه وترجمه: صالح الرزوق

 

 

saleh alrazukفتحت أرونداتي روي باب بيتها وسمحت لي بالدخول- إلى المطبخ. وتساءلت هل طرقت الباب الخطأ، ربما باب تسليم الطلبات إلى المنزل؟. وسريعا قدمت لها الهدية المتواضعة التي أحضرتها معي، وهي حبات البن الطازج على افتراض أن كل الكتاب المحترفين يعشقون القهوة.

وما أن جلسنا حول طاولة المطبخ الخشبية المتينة التي تحاصرها كراس بسيطة، أدركت أن المطبخ هو القلب الدافئ في بيتها الذي صممته بنفسها ليحتل مكانه في وسط نيو دلهي. بغض النظر عن منصات طويلة هناك كنبة ورف للكتب وشرفة عليها مقعد قديم الطراز مخصص للجلوس- وبوجه الإجمال يبدو المكان صالحا لتنفق فيه كل حياتك.

ولكنها الآن معروفة في كل العالم وهي حاليا في فترة استراحة بعد عودتها من نيويورك. وقد عقدت عدة لقاءات في المدينة، ولكنها عما قريب سترحل في جولة دولية للتعريف بروايتها الجديدة. و(مؤسسة السعادة القصوى) هي أول رواية لها بعد عشرين عاما من سابقتها (إله الأشياء الصغيرة) التي كانت الأكثر مبيعا في العالم والحائزة على البوكر. وعلى ما يبدو، وحسب توقعات الناشر، ستكون روايتها الجديدة شاغلنا في العشرة الثانية من الألفية الثالثة. فهي تعيد ترتيب ما بوسع الرواية أن تفعله أو أن تكون عليه وقد بدأت بقراءتها وأستطيع القول إنها جريئة بلا تحفظات وتغطي طيفا واسعا من سرديات الهند المعاصرة. وهي مكتوبة ببلاغة خيالية تذكرني بعمل كلاسيكي لسلمان رشدي هو (أطفال منتصف الليل).  وبوجه العموم، لقد جعلت إجراء لقاء معها شيئا تحريضيا. وحينما انشغلت بإعداد القهوة جهزت أدواتي الإلكترونية وهي ثلاثة أشرطة مسجلة ( إثنان من أجل اللقاء) وكاميرا فيديو داعمة. نظرت لي بدهشة وكان يبدو أنها معتادة على مكبرات الصوت. وانهمكنا بلقاء دام ثلاث ساعات. وهذه مقتطفات منه.

س: ينظر لك أجيال الأدباء الجدد في الهند كملهمة لهم، كأن أحدا أخبرهم أن يحلموا أنه بمقدور أي إنسان أن يجلس في الهند ثم يكتب ثم يكون له قراء في كل العالم. كيف شعورك حيال ذلك؟ هل تفكرين به أصلا؟.

ج: ليس بالضبط. لأنني مقسمة بالتساوي بين الغضب والحماقة التي أندفع إليها. ومن وجهة نظري، أنا أعيش داخل عملي. ومع أنه يجب أن أقول إنني أحيانا أفكر ببعض الكتاب الذين يودون أن يبقوا مجهولين – ولكن لا أريد أن ينسدل عليّ ستار الصمت والإهمال. ففي هذا البلد، من المهم، ولا سيما لامرأة، أن تقول:"انظروا! ها أنا هنا. وسأغلبكم. وهذه هي قناعتي ولا ضرورة لأن أتستر عليها وأختبئ". ولو أنني شجعت أحدا.. على التجريب.. أن يتجاوز الخط... فهذا شيء ممتاز. وأظن أنه من المهم لنا أن نقول:" بإمكاننا ذلك! وسنفعل. ولا تعبثوا معنا ( وردت على لسان أرونداتي: لا تتنايكوا)". وأنتم تعلمون هذا، هيا لا تترددوا.

س: لاحظت أنك لا تشاركين في المهرجانات الأدبية كثيرا. وهناك أكثر من مائة في الهند حاليا، وقد شاركت بنفسي في عدد منها، ولم أقابلك أبدا. هل تتجنبين الكتاب الآخرين؟.

ج: لا علاقة للكتاب الآخرين. ولا أعلم إذا قرأت المقالة التي كتبتها بعنوان (الرأـسمالية- قصة أشباح) والمقالة الأخرى ( النزهة مع الرفاق؟). ولكن مهرجان جايبور الأدبي تموله شركة مناجم بغيضة تعمل على تكميم أفواه الأديفازيين (الشعوب الأصلية في البنجاب والبيهار). إنها تطردهم من بيوتهم، والآن يدعمها تلفزيون زي الذي يحرق دمي نصف الوقت. مبدئيا لا أريد أن أشارك. وهل يمكنني أن أشارك؟. فأنا أكتب ضدهم، وهذا لا يعني أنني إنسانة ملائكية، ومثل الجميع لدي تناقضات، ومشاكل. أنا لست مثل غاندي، أنت تفهم ما أقول، ولكن نظريا ألتزم بوجهات نظري. كيف يمكنك أن تكمم الأفواه وتخنق الآراء التي تعبر عن فقراء الناس في العالم، ثم تصبح منصة براقة للرأي الحر والكتابة المتألقة؟. لدي تحفظات على ذلك.

س: هل تقرأين الكثير من الروايات أو الكتابات الهندية الجديدة؟.

ج: حينما كنت أعمل على هذا الكتاب، لم أكن متابعة لما يجري من حولي. وانقطعت عن الفيس بوك وكل ما شابه ذلك. وهذه ليست مشكلة عندي، ولكن كما أخبرني إدوارد سنودين، إن السي آي إي احتفلت يوم ظهور الفيس بوك إلى الوجود، لأن المعلومات أصبحت بمتناول أيديهم دون بذل أي جهد للسعي إليها. أضف لذلك، حينما ينشغل المرء بالكتابة، عليه أن يبتعد قليلا عن القراءة: أحيانا لا أقرأ كل الكتاب، وأغوص في مسائل لاختبار قواي ومقدراتي العقلية (حركت يدها اليسرى بحركة أنيقة أمام وجهها كما تفعل الراقصة الهندية أو المؤمنة في المعبد وتابعت تقول) لأتأكد هل أنا لا أزال على نفس الكوكب الذي ولدت فيه.

س: هل يوجد كاتب هندي معين يحوز على إعجابك؟.

ج: أعتقد أن نيبول كاتب متميز، مع أننا على طرفي نقيض في وجهات نظرنا حول العالم. إنما لم أتأثر بأي كاتب، كما تعلم. وأرى أن كتاب الهند، أو معظمهم، أو على الأقل المشهورين منهم... دعنا لا نقول كتابا، ولكن طبقة من الأشياء المنزلقة التي تغزو قلب مجتمعنا، كأنه بقايا ورواسب. هناك شيء خطأ على شاكلة الناس في جنوب إفريقيا، فنحن نكتب دون أن نذكر أنه لدينا تفرقة عنصرية.

س: كتابتك تضرب بقوة وبصوت مرتفع – هل عانيت من إجراءات معاكسة؟.

ج: يا إلهي. أنت لطيف جدا. غير الدخول في السجون وسوى ذلك. وحتى الآن، بعد نشر كتابي الأخير في دلهي، وعنوانه (الجمهورية المضعضعة)، ظهرت عصابة من الفتوات، وحطموا المنصة. الجناح اليميني، والعصابات، والفتوات، موجودون في كل لقاء، ويهددون ويتوعدون، ويضمرون كل النوايا الفاسدة. وما زلت أشارك بإلقاء المحاضرات، في البنجاب وأوريسا، وفي أي مكان آخر. أنا لست كاتبة محلية وأعيش وحدي، ولكن ضمن الجموع والحشود.

س: لا بد أنها صدمة أن تجدي نفسك فجأة خلف القضبان في سجن تيهار بعد التعبير عن رأيك؟.

ج: تيهار ( تتنهد بعمق ثم تقول) نعم إنها صدمة، ولكن في نفس الوقت انظر كم من الألوف خلف القضبان، إنهم أشخاص لا يفهمون اللغة، وحتى أنهم لا يعرفون ما هي تهمتهم. ولذلك لا يسعني أن أكون دراماتيكية تماما لما حصل معي، هناك أناس في السجن من سنوات وبلا سبب واضح – بلا أي سبب. يا لها من حماقة. ومن فترة وجيزة حوكمت بتهمة احتقار المحكمة في مقالة كتبتها وهي (الأستاذ بي. أو. دبليو) ويمكنك قراءتها في مجلة آوت لوك (مجلة المشهد).

س: هل فكرت أنه يجب أن تغادري الهند وتعيشي في بلد لا يتوجب عليك فيه مواجهة المشاكل والاضطرابات؟.

ج: كل شيء أعرفه موجود هنا. كل شخص. ولم أعش فعلا في الخارج، خلف الحدود، ولذلك إن فكرة أن أعيش في بلد غريب وحدي فكرة ترعبني. وإنما الآن أعتقد أن الهند أصبحت وسط المخاطر، ولا أعلم ماذا سيحصل لأي شخص – لي أو لغيري. لدينا عصابات تقرر من ستقتل، ومن ستطلق عليه النار، ومن ستوقع به عقوبة القتل دون بيّنة، أنت تفهم ماذا أقصد؟. وأرى أن هذه أول مرة يواجه فيها الهنود، الكتاب والناس العاديون، صدمة مر بها غيرنا في تشيلي وأمريكا اللاتينية. الرعب يتراكم لدينا هنا ولا نعرف مقداره بالضبط. أنت تمر بفترات من القلق، ثم الغضب، ثم المواجهة. وأعتقد أن هذه الحكاية تتطور وبالتدريج.

س: هل تتوقعين إثارة المشاعر بكتابك الجديد؟ مع أن العصابات لم تقرأ شيئا له قيمة، هل أنت معي في ذلك؟.

ج: المسألة لا علاقة لها بالكتاب أو ماذا يقرأون أو لا يقرأون، إنها مشكلة في الأحكام العشوائية التي يتخذونها لتحديد ماذا يجب أن نقول، وماذا لا يجب أن نقول، ومن يمكنه أن يقول هذا، ومن يجب أن يقتل ذاك – كل هذه الإشكالات. نعم، أنا أعيش هنا، وأكتب هنا، ولكن هذا الكتاب حول هذا المكان. إن وضعنا هنا خارج السيطرة، ومن الأسفل!!. المشكلة ليست في القتل فقط، ولكنها عن: كيف تجلس في قطار أو حافلة لو أنك مسلم ولا تخاطر بحياتك؟. لا أعرف من ماذا عانيت. لقد كتبت رواية واستغرق إنجازها عشرة سنوات. وها هي ثلاثون دولة في العالم تنشرها في دور كبيرة. ولن أسمح لأحمق أن يشوهها ويسرق بها الأضواء. لماذا يجب على أحدهم أن يفعل ذلك؟. هذا ليس لأنه بعقل صغير، يجب حماية روايتي وبتكتيك متميز في هذا المناخ العصبي.

س: دعينا نتكلم عن الرواية. ماذا يدفعك لكتابة رواية جديدة بعد عشرين عاما من العمل النخبوي في الحياة العامة؟.

ج: حسنا، استغرقت كتابة الرواية عشرة سنوات، ولكن أعتقد أنه خلال العشرين عاما التي مرت بعد (إله الأشياء الصغيرة) مررت وتورطت بعدة أشياء تحدث ونكتب عنها بالتفصيل. كان هناك شعور عارم بحالة طارئة، عندما كتبت المقالات السياسية، في كل مرة كنت أرغب بفتح فضاء حول مشكلة من المشاكل. لكن الروايات تأخذ وقتها وتتراكم بطبقات. أمثل لك ذلك بلا معقولية ما يحصل في مكان على شاكلة كشمير: لو استثنيت الخيال كيف يمكنك أن تصف الرعب الذي يتفاقم هناك؟و كيف يمكنك وصف الذهان الذي يتفاعل؟.

س: هذا هو السبب وراء خياراتك؟..

ج: ليس هذا. لم أختر كتابة الرواية لأنني أردت أن اقول شيئا عن كشمير. الرواية هي التي اختارتني. ولا أعتقد أن المسألة بهذه البساطة. لدي معلومات لتأملها ولذلك قررت كتابة رواية. أبدا. إنها طريقة في الرؤية. طريقة في التفكير. إنها صلاة، بل هي أغنية..

س: اخترت في كتابك لغة شعرية للكلام عن موضوعات مادية.

ج: اللغة شيء طبيعي، كما تعلم، وليست شيئا تصنعه، هذا بالنسبة لي على الأقل.

س: باعتبار أنك درست الهندسة المعمارية، لا بد أنه في لحظة ما فكرت أنها مجالك، ولكن اليوم أنت واحدة من أشهر الروائيين في العالم. من أين جاء اهتمامك باللغة؟.

ج: في الواقع فكرة اللغة سبقت العمارة، لأن العمارة بطريقة من الطرق جاءت كحل عملي. لقد غادرت المنزل في السابعة عشرة وكنت بحاجة لهذا الإجراء..

(في هذه الحظة قفز علي واحد من كلبيها. وأنا معتاد على عواء الكلاب حين يرونني، ولكن ولسبب محير، هذا الكلب كان يود أن يلحس وجهي. وهكذا ضحكت أرونداتي ثم تابعت).

إنها تغازلك. لدي كلبا شوارع. وهذه الكلبة مولودة قرب مجرى للمياه. ثم صدمت أمها سيارة. ورأيت الآخر مربوطا بعمود إنارة في الشارع. يا للفظاعة.

س: هل لكلبيك أسماء؟.

ج: نعم. اسم الكلبة بيغوم فيلثي جام، والكلب ماتي كي لال. ومعناه "محبوب الأرض". لال وجام لهما معنى واحد: محبوب.

س: وهما جزء من العائلة؟.

ج: نعم.       

س: سلوكهما حسن بالنظر لمصدرهما وهو الشارع.

ج: كلاب الشوارع متحضرة أكثر من غيرها. وهي الأفضل. أنا أيضا كلبة شوارع تقريبا.

س: مفهوم. كنا نتكلم عن علاقاتك مع اللغة وكيف غادرت البيت في السابعة عشرة.

ج: العلاقة مع اللغة موجودة منذ نعومة أظفاري. المشكلة الوحيدة أنه لم يكن من الواضح أنه بمقدوري أن أكون كاتبة.

س: لماذا؟.

ج:لا توجد نقود.. كيف سأكسب قوت يومي؟. في سنوات عمري المبكرة كان طموحي الوحيد أن أعيش، وأن أدفع الإيجار. ولم يكن يبدو أنه لدي وقت لأجلس حقا وأكتب شيئا ما، فهذا يشغلك عن كسب النقود. كانت المشكلة في الطريقة التي نبحث بها عن البقاء.

س: وكيف تمكنت من البقاء؟.

ج: كنت أعمل في المعهد الوطني للقضايا الحضرية ومنه تلقيت كل نقودي. وكنت أعيش في حفرة في الجدار قرب نظام الدين دارجة وأكتري الدراجة بروبية واحدة في اليوم لأذهب إلى العمل. كل الوقت كنت أنفقه على التفكير بالنقود (قهقهت ضاحكة).

س: في ذلك الوقت كنت على وشك أن تكوني بيروقراطية؟.

ج: كلا، كلا. لا يمكن أن أتحول إلى بيروقراطية.

س: ولكنك موظفة حكومية؟.

ج: كلا. ولا هذا. كنت أعمل بالوكالة. وعلى الأطراف. هامشية.

س:: وبدأت الكتابة من سيناريو فيلم؟.

ج: أساسا بعد آني (ما قدمته آني لأولئك – 1989) وهو فيلم شق طريقه السري الصغير إلى العالم بعيدا عن الأفلام الهامة. وكتبت فيلما آخر هو ( القمر الكهربائي) ثم (إله الأشياء الصغيرة). وبعدها المقالات.

س: والآن تعودين للرواية. هل هناك فكرة معينة أو حادث أطلق شرارة الكتاب الجديد؟. يبدو لي أنه تأملات في أحوال الأمة.

ج: (أخذت رشفة كبيرة من القهوة وفركت عينيها وقالت). دعنا نسميها تأملات، تأملات فقط. دائما شيء ما تخرج منه شرارة وأعتقد في حالتي أنه ليس من الضروري أن تكون لتلك الشرارة علاقة بكل الموضوع. من الواضح أنها نتيجة عدد كبير من السنوات التي تمر في عمر المرء وأفكاره وما يعترضه وكل هذه السلسلة من الأشياء... ولكن أعتقد أنه في ليلة واحدة من تلك الليالي التي أمضيتها أمام جانتار مانتار بحضور كل هؤلاء المحتجين الذين توافدو ليجتمعوا هناك، ظهر طفل من بين الناس الذين يتساءلون: ماذا علينا أن نفعل؟. ولم يكن لدى أحد فكرة عما نفعل. هذا مثال واحد عن الشرارات التي ألهمتني.

س: أتذكر هذه الحوادث، فقد وردت في الرواية، وأضفت لها عددا من القصص الفردية التي تتحرك من خلف الشخصيات التي اجتمعت في جانتار مانتار؟.

ج: تلك فكرة كانت ملهمة لي - لأجرب حولها. وكما يمكن أن تتخيل أي كاتب يكتب رواية ناجحة، يتوقع عقودا متعددة يجني منها النقود.. ولكن هذه ليست رغبتي. كنت أفكر بكتابة كتاب لا أتجاوز به أحدا، ولا حتى أدنى طفل، أو امرأة، ولكن فكرت بالجلوس وتدخين سيجارة والدخول في نقاش وحوار. ليس لروايتي قصة تبدأ منها، ولا حبكة، ولا نهاية. بل هي خريطة للمدينة أو للبناية. أو هي مثل مخطط كلاسيكي لراجا (موسيقا آسيوية)، حيث تتوفر نغمات تكتشفها من عدة زوايا بطرق مختلفة، وهكذا تعلو أو تنخفض النبرة، كل مرة بأسلوب خاص.

س: أول مائة صفحة من الكتاب تدور أحداثها في دلهي القديمة. ما علاقتك مع ذلك الجزء من المدينة؟.

ج: في الحقيقة لدي بيت هناك.

س: قرب جاما مسجد؟.

ج:نعم، مكان إيجار، غرفة بسيطة، ولذلك أقمت هناك لعدة سنوات.

س: ولماذا أنت بحاجة لذلك المكان ولديك هذه الشقة؟.

ج: أحيانا أشعر بالحصار. وأنا لم أذهب إلى هناك لأنني سأكتب عنه، ولكن لأن هناك جزءا هاما من الكتاب. أنا أزور المكان، وأتجول حوله في ساعات متأخرة من الليل.

س: وتلك الكلاب المكلوبة التي تعيش في الشارع، ألا تهاجمك؟.

ج: كلا. أبدا. البشر مصابون بداء الكلب. أما الكلاب فهي طيبة المعشر.

س: العنوان غريب – مؤسسة السعادة القصوى. لكن ضمن الكتاب قدر لا يستهان به من العتمة.

ج: نعم. ولكن هناك قدر كبير من النور. والنور في الأمكنة التي لا تتوقعها أبدا.

س: وتوجد شخصية تدعى تيلو، وتبدو لي مشابهة لرادا في (ما قدمته آني لأولئك). هل هي استمرار لتلك الشخصية؟.

ج: (تضحك). إنها لا تشبه رادا لو تابعت القراءة. نعم، هي في كلية العمارة، ولكن تيلو شخصية مختلفة تماما أيضا.

س: كم حجم التفاصيل التي تدين للسيرة الذاتية في كتابك؟.

ج: من الصعب أن تعرف. لأنه لا يمكن تحديد أين ينتهي خيالك وأين تبدأ التجربة العملية؟. الذكريات؟ هذا حساء. كما ورد في (إله الأشياء الصغيرة) يقول إيسثابين: لو التهمت في حلمك سمكة، هل هذا يعني أنك أكلت سمكة؟". لو أنك سعيد في الحلم هل هذا له معنى؟. بالنسبة لي هذا الكتاب ليس مقالة سياسية متحجبة ومتبرجة بشكل رواية، إنها رواية. وفي الروايات، كل شيء يتطور ويكدح وينزف عرقه على جلدك. وعليه أن يكون جزءا من مورثاتك وهذا شيء معقد مثل أي شيء آخر يعيش ويحيا في داخل جسمك.

س: دعيني أسأل: في السنوات التي عملت فيها على الرواية، هل شعرت بالسأم منها أو اندمجت بها بغبطة ولفترة طويلة؟.

ج: حينما أكنب رواية تنمو معها علاقة طيبة وأشعر أنني لست مستعجلة. جزئيا، لأرى هل سأعيش معها لفترة طويلة. ولو سئمت منها، أتركها وأتخيل أن العالم سيسأم منها أيضا. وأنا بحاجة لرعاية علاقة تشبه تقرييا.... (يخيم عليها الصمت).

س: كأنها شخص بشري؟.

ج: أو جماعة من البشر. ونحن نعيش جميعا بصحبة بعضنا بعضا.

س: الآن إليك هذا الاستفسار- هل هناك طقوس عليك أن تمري بها مثل الاستماع للجاز أو فتح زجاجة ( الراهب العجوز) قبل بداية الكتابة؟.

ج: دعنا نقل أنه حينما كنت أكسر الحجارة وأحاول حقا تفهم ما أحاول أن أفعل لم أكن قادرة على العمل فترات طويلة، ولكن عدة ساعات فحسب في اليوم. مررت بطورين لكتابة هذا الكتاب، واحد لتوليد الدخان، ثم محاولة لنحته. وكلاهما لا يشبه الكتابة وإعادة الكتابة، أو صناعة المسودة. ولكن حينما تولد الدخان هذا يشبه – أنك قادر على كتابة ثلاث عبارات ثم تسقط في النوم بسبب الإجهاد. وبعد أن انقشع البخار واتضحت فكرة الكتاب – كنت أعمل لساعات. وهذا حصل في (إله الأشياء الصغيرة)، هناك تتشكل جملة مفردة وتجبرني على الإغفاء. كأنه تحول غريب.

س: هل استفدت من خبراتك كمهندسة عمارة؟.

ج: ليس قليلا، كان هذا شيئا مركزيا في طريقة كتابتي.

س: كيف؟.

ج: بالنسبة لي الحكاية مثل خريطة مدينة أو خريطة مبنى، إنها بنية: طريقة الإخبار بالحكاية، طريقة الدخول فيها، والخروج منها... لا شيء فيها بسيط أو مستقيم، الزمان والتسلسل مثل مواد بناء، لذلك نعم، العمارة عندي شيء مركزي حقا.

س: أتذكر أن فيكرام شاندرا أخبرني كيف أنه تبنى إدارة مشروع بناء برنامج سوفت وير، استعمله المعماريون والبناؤون للتحكم بسلسلة الإمداد وما شابه، وللتخطيط ولمتابعة كل العناصر التي استعملها في روايته (ألعاب مقدسة). هل أنت كمعمارية تخططين لكتابتك بهذا الشكل؟.

ج: آه يا إلهي. لا توجد خوارزميات تحدد كتابتي. إنها غرائز.. إيقاع.

س: كيف يكون يومك جيدا خلال الكتابة؟. تستيقظين في الخامسة وتشربين قهوة مركزة أم تستيقظين في الثالثة بعد الظهر وتسكبي لنفسك كأسا من الشمبانيا قبل أن تباشري العمل على الطاولة؟.

ج: لا يبدو أنني أتبع هذه الطقوس. ولكنها مواجهة مفتوحة بيني وبين نفسي وبين الكتابة. ولا أعلم ماذا نقصد بعبارة "حينما تكتب" لأنه إن توقفت عن الكتابة تكون قد حلت معجزة. دائما أكتب في رأسي. ولكن الآن، أرى كأنني أقيس وزني، وأنا الآن بنصف وزني، لأنه خلال العشرة سنوات السابقة كان كل شيء في رأسي، طوال الوقت. وها قد تحررت منه (و تشير إلى الكتاب الموجود على طاولة المطبخ). إنه معي، ولكنه ليس جزءا من كتلتي. هل تفهم ما أقول؟.

س: ماذا تفعلين ليأتي إليك الإلهام؟.

ج: كما ترى، واحد من الأسباب التي تمنعني من السفر، أنه في كل مكان تجد شيئا عميقا يتحرك. ولذلك أنا محظوظة بالعالم الذي أتحرك فيه هنا سواء كان وادي نارمادا أو كشمير. أنا أعيش في عالم فوضوي وغير مرتب. ومن وجهة نظري، إنه مثقل بكل أنواع المحرضات. وأعتقد أنني غير منضوية تحت شؤون عائلية فقط. وهناك حدود مثقبة بيني وبين العالم وأشياء كثيرة تدخل وتغادر من خلالها. وهي الطريقة التي أعيش بها. وهناك الكثير من الناس الأذكياء الذين يقومون بأعمال لي علاقة بها طوال الوقت. كأنك في خضم نشاط تجهيز مادة الكتاب – لو أنني رغبت بشخص غير عاقل..  ليس كائنا بشريا بالفعل، ولكنه ماكينة طباعة، أجد.  ولو أردت شخصا يتجول في المدينة ويلتقط الصور، أجد.  نحن محاطون بمهارات غير أرثوذوكسية كل الوقت. وهذا هو مصدر إلهامي. ولو أنني أريد كلابا سيئة السلوك أجدها أيضا (تضحك وتعانق واحدا من كلبيها والذي كان ينبح خلال حوارنا، ربما لأنه فقد صبره من هذا الكلام).

س: الروايات والأعمال غير الخيالية – أيها يوفر لك المتعة أم كلاهما مريح على قدم المساواة؟.

ج: كلا. لا وجه للمقارنة بينهما. الأعمال غير الروائية ليست للمتعة، الأعمال غير الخيالية تفرض إحساسا بشيء طارئ وهي مركزة. ولكن الرواية هي المتعة. وإن كانت عند غيري مؤلمة. بالنسبة لي لا تسبب الألم.

س: ماذا تفعلين حينما تحتفلين بيوم كتابة ناجح أو قصة جيدة؟ هل تفتحين زجاجة من ماركة (الراهب العجوز).

ج:  (تنفجر بالضحك).

أنت تكرر (الراهب العجوز). أليس كذلك. أعتقد أنني أطير في مكاني من البهجة.

 

الترجمة من جريدة ذي هندو (الهندي). 2 حزيران 2017

ترجمة: صالح الرزوق

......................

زاك أويه Zac O’Yeah كاتب روايات بوليسية مصورة. آخرها (هاري،بطل بخدمات مأجورة) وتدور أحداثها في بينغالورو.

 

 

 

hamed fadilفي مقدمة قافلة النقد العربي الحديث.. أمتطى حادي العيس ناقة المكان. أخلص للمكان، فأخلص المكان له.. دله على واحة أسراره ورآه، ومنحه قراح مائها، فيىء سدرها، ولحم كمَئها.. فخرج على قومه من محراب الأدب بزينة النقد المكاني، فقالوا: يا ليت لنا مثل ما أتي ياسين.. نعم هو ياسين النصير، العمود الوسط في خيمة النقد المكاني، ناقد كان وما يزال يتحرى المكان في الشعر، السرد، المسرح، التشكيل، والعمارة، حتى حفر اسمه على جذع نجمة متلألئة في سماء النقد العربي.. اغتنمنا فرصة وجوده في بغداد للمشاركة في مؤتمر الرواية العربية الأول وكان حصاد غنيمتنا هذا الحوار الذي حاولنا فيه الإحاطة قدر الامكان بتجربة ناقد كبير كياسين النصير

• المكان المحدد Delimited Place والمكان المزدوج Dual Place كلاهما ينتميان الى المكان المرجعي أو الفضاء المرجعي Reference Space، أين تجدون هذا الانشطار المكاني عند المكانيين العراقيين؟

ـ جرى التفكير بالمكان منذ اليونان وحتى اليوم، ودخل ميادين فلسفية وقانونية ومدنية ومواقع أخرى، ولكن الأهم في المكان هو الجانب اللامفكر به، واعني يه تكوينه الذاتي بما يمتلكه من عناصر بنائية تسهم في بنية النص، هذا الجانب هومن اللامفكر به فلسفياً وتأليفاً ابداعياً، ولذلك جرى التنبيه مبكرا في ثقافتنا إلى أهمية أن يكون المؤلف على دراية بمكونات المكان كي يوظف كعنصر بنائي في النص. ومن أولى المبادئ التي يفكر بها هي حدود المكان الداخلية والخارجية، فالحدود ترسم الأطر التي على المؤلف الانتباه لها، وعندما تُخترق الأطر أو لا تُفهم يختل التعامل مع المكان فنياً. ثمة حدود تحيط بالمكان من الخارج لتعيّن داخله، فيُصبح المكان محددًا بمساحة هندسية ورياضية، مهما كان نوع المكان، بيتاً، مقهى، بلداً. ستكون هذه الحدود مطلوبة ومعترف بها كحدود البلدان الخارجية، ويطلق على هذه الحدود بـ (حدود المكان الداخلية) وهي الحدود المفكر بها دائماً، حيث لا يشيّد المكان دون معرفة حدوده مساحته، وغالباً ما يجري التعامل معها ضمن منطق نسق المكان الداخلي الذي تصنعه علاقات الأجزاء المكونة للمكان، وثمة حدود أخرى للمكان، هي الحدود اللامفكر بها في النصوص، تلك هي الحدود الفضائية، الحدود المنفتحة على الفضاءات الأخرى، أي تداخل الفضاءات والأمكنة بين البلدان، أو بين البيوت أو بين المدن، وتمثلها العلاقات الثقافية، والاقتصادية، والإنسانية، والاتصالات، والأعراف، والتبادل السلعي، والتعليمي، والسياحة...الخ، ونطلق عليها (حدود المكان الفضائية) هذه الحدود الفضائية تبدأ من الداخل وتنطلق إلى الخارج، لا تصنعها إلّا العلاقات المتبادلة، ومن شأنها أن تفتح المكان على خيالات مختلفة، ولغات متعددة، ومرونة في التصور، وإمكانية هائلة في الاستعارة. إذ ليس من مكان محدد إلّا بما يريده الكاتب منه أن يكون محدداً، وإلّا فكل الأمكنة يمكن أن تكون محددة وفضائيّة في آن واحد، حتى السجون، والمستشفيات، والمنعزلات، المحاطة بأسيجة وموانع، أي ما يجعلها محددة، أو فضائيّة يمكّنها أن تنفتح على فضاءات أخرى.. المرجعية في مثل هذه الأمكنة المرنة، تفتح آفاقاً على إمكانيّة الاستعارة من الأزمنة القديمة، فمرجعيتها تكون منفتحة.

أما الأمكنة المزدوجة، فافهم منها أنها المشغولة بوظيفتين في زمنية واحدة، فتحميل المكان لغتين ومهمتين وشحنتين، يعني ان يكون المكان بطاقة تأويلية. في هذا الإطار يمكن للانشغالين أن يكونا فضائين داخليين وخارجيين معاً. هذه الأمكنة هي الأكثر لشحنات غيرها، لارتباطها بحركة تاريخية متجددة. فالبيت، المقهى، النادي، الشارع، المكتبة، السجن، وغيرها يمكن أن تكون متعددة الوظائف، بمعنى أن إنشغالها متاح لعدد من المهمات، ستنتظم مثل هذه الأمكنة ضمن شحنة المستويات المكانية المتجددة. بعض الأمكنة تخفي هويتها انشغالاتها الأخرى، وجدل الكتابة الإبداعية يكمن في اظهار المخفي والمستتر في المعلن المكاني، فالآبار في الصحراء، يمكن أن ينظر إليها كأمكنة منح، واستدلال، وتوثيق، وفوارز مكانية، وعلامات، ويمكن ان تكون أزمنة تاريخية ممتلئة باسرار الأمكنة الأخرى، ويمكن أن تكون معادلا للسماء الممطرة، ويمكن ان تكون طريقا للسفر وديمومة للحياة. فالمكان شأنه شأن اللّغة كلما تعدد استعمال مفرداتها زادت ثراء ودلالة وتأويلاً، فباطن العبارة أفعال ملتفة في جوفها كما لو كانت بئرا يختزن التجربة، فتصميم اي مكان يجب ان يكون مزدوجاً وجدلياً، وإلا ما قيمة المكان إذا كان بوظيفة واحدة، كان الجامع مكاناً للعبادة ومكاناً لنوى الثورات، وكانت المقهى بالوظيفة مكاناً للالتقاء ومكانا لعلاقات الشارع بالمدينة. القاص المتميز هو من يكشف مستويات المكان كي يتعرف على تعاريجه وخفاياه التي لن تظهر علانية، عندئذ يغتني السرد باحتمالية الأمكنة.

إلا أن استثمار القاص العراقي لمثل هذه الأمكنة كان وما يزال فقيرًا، أنَّه لم يدرس الامكانيات المضمرة في أمكنته، ولم يتعرف على لغاتها وشحناتها التي لا تبان، ولم يدرس امكانية فضاءاتها مع فضاءات الأمكنة الأخرى، ولم يكشف عن جيولوجيتها، كل ما يتعامل به مع الأمكنة هو سطحها الخارجي ووظيفتها المعلنة، يقول الحصيري (الحانة هي الكون) وتصبح الحانات فضاء لشعرية سعدي يوسف، فالحانة ليست بارا لاحتساء الخمر، إنما هي ملتقى لسياقات اجتماعية تجعل منها فضاء مشغولا بالمحتملات، قاصنا لم يتعمق في فهم أمكنته، لأنه لم يدخلها عنصرا بنائيا، كي يجعل منها بؤراً مولدة، كما لم يدرس محتويات مواقد نار المقهى وعلاقتها بالشتاء، وبحركة السوق، وتناغم الأضواء والظلمة، وأزياء العمال، نداءاتها وتنظيم ممراتها، وخصوصيات أسمائها، وذاتيتها التي تعلنها فضاء تجسيدياً، وتشكيلاتها، والتعاقب الزمني عليها. لذلك تحولت معظم الأمكنة المزدوجة إلى أوعية خارجية لم يدخلها الكاتب في نسيج بناء نصه.. ضمن هذا السياق لا يمكن لأي مكان أن يكون عنصرا في النصّ ما لم يكن قد دُرست أبعاده وثقافته وامكاناته وقدرته على الاستيعاب. لابد للأمكنة من بحث، فالتعامل مع الأمكنة يتم عبر دراسة، واستقصاء، وبحث وخبرة، وأسئلة،وعلاقة مع العناصر والبنى الاجتماعية الأخرى، فليس المكان كله داخلاً ولا كله خارجاً، إنما المكانية في (الما بين)، اي تكون داخلا وخارجا لإنتاج فضاء نصياً.

• سعى غاستون باشلار Gaston Bachelar الى ايجاد علاقة نفسيه بين الراوي المكاني وشخوصه الحقيقية والمفترضة، وهي عملية مشاركة مخيالية للأمكنة بين الراوي وقراءه، وبين الأماكن المألوفة سواء المفتوحة، أو المغلقة.. في معظم ما قرأت لك هناك تأكيد على المكان المخيالي للحكاية الواقعية والمكان الواقعي للحكاية المخيالية. كيف تنظرون الى هذه الإستبدالية المكانية؟

ـ (يرتبط وصف الفضاء دائما بالتحليل النفسي والتأمل الأخلاقي، أو الفلسفي في الرواية) كما يشير رولان بورنوف، ربما هذه النقطة من أجمل التوصيفات النقديّة لما اشتغلت عليه، فأنا اعتبر أي مكان يصبح عنصراً بنائياً في النص هو مدخل للنفس، لذا لا يمكنني توظيف المكان دون شرطين: الأول، أن أجعله مألوفًا، أي أسبغ عليه ذاتي، وأجعله قريباً من مشاعري وأحاسيسي، وبدون مألفته لا يمكنني الدخول إلى تفاصيله، وهي غالباً ما تقع تحت سطحه الظاهر.. الأمكنة مثل الخيول، لابد وأن تسيسها وتدربها على الممارسة الاجتماعية، كي تمنحك طاقتها. الثاني، لابد لكل مكان من أن يتفضأ، أي أن تدخل المكان في علاقات فضائية كونيّة، إما مع أمكنة أخرى، فيكتسبها علاقات، وإمّا أن تكشف عن قدراته الذاتية، فتكسر حدود هويته الداخلية، وبدون المألفة والتفضئ لا يمكن للشخوص والأحداث أن تدخل في علاقة جدلية مع الأمكنة.. من هنا يمكن للمكان الواقعي أن يكون مكاناً مغرباً وخيالياً وكنياً مثل البحار والصحارى، والجبال،والمدن اللامرئية، والأمكنة الشاسعة، والفضاءات الكونية، كما يفعل معظم القصاصين المبدعين، حين يضعوننا في مكان مألوف ليكشفوا فيه عن مستويات محتملة لخيال المادة الغرائبي، فالأمكنة مهما كانت بسيطة ومألوفة، هي عوالم غرائبية، وفيها من العوالم الغامضة والسريّة والملغزة والكونية، إن ظلام القرية يكشف عن عوالم مثيولوجية تستحضر فيها كل الموروث الشعبي المتداول عن الطناطل وحكايات الجن والسحرة، فلا يوجد مكان واقعي دون أن يكون لمادته خيالاتها، ولا يوجد مكان خيالي دون أن يمد أسبابه للواقع، ولا يجوز فرض الأمكنة مسبقاً على الحدث أو الشخصيات، كل شخصية تصنع أوهامها بالعالم الذي لا تفهمه، سواء أكان وهماً شعرياً، أو وهماً عاطفياً، أو وهماً مفرحاً، أو وهمًا سوداويا، أو وهماً مكدراً، أو وهماً مفجعاً، بحسب كل شخص وما هو عليه من طبيعة.. إن تشخيص الفضاء يعني انك تحاكي الطبيعة أدبياً، وحتى لا أكون مجانباً للصواب، ان تميز الكاتب هو أن يكون آثارياً، بمعنى أنه يحفر بأدوات دقيقة عن الآثار المختفية في الأمكنة الواقعية والخيالية، فكل مسار لفن القص هو أن تموضّع الحدث والشخصيات والأفكار في موضعة احتمالية أي في (الما بين)، الموضعة الظرفية التي توصل وتقطع بين متناقضين، فالأمكنة الفجوة هي التي يختمر فيها النصّ، بحيث لا تكون واقعية بالكامل، ولا غرائبية خيالية بالكامل، النص الأدبي يعيش في اللاحسم، في الاحتمالات لأنه سيشرك القارئ في التأليف، هذه المابينية واحدة من الأمكنة النصيّة، الأدبية، الشعرية.. يقول بلزاك: (إذا كان المثل يقول أن في إمكاننا الحكم على المرأة من باب بيتها، فينبغي أن تكون الشقق أوفى تعبيراً عن روح المرأة.) فالأمكنة الموصوفة عند بلزاك تفسير للطباع والأمزجة . ويقول: (إن شأن الشخصية ومسكنها كشأن المحار وصخرته) ويقول أيضاً: عن مدام فوكير (إنَّ جماع شخصيتها يدلنا على الفندق، كما أن الفندق يدل على شخصيتها)، هذه الأمكنة وغيرها تفصح أن للإنسان خاصية تشكل الفضاء الذي يحيا فيه على صورته، وأن الدراما- والقول لبلزاك (تكون مكتوبة على الوجوه وفي الأماكن، قبل أن تكون مجرى مغامرة من المغامرات).

• اقترح باشلار Bachelar مصطلح الانشائية الفضائية Construction space  للتعبير عن علم النفس النسقي Psychology opto للأمكنة المألوفة والحميمية من وجهة النظر الرمزية للشخصيات التي يخلقها المؤلف ويدعوها للسياحة في تلك الأماكن المركزية، أو الهامشية.. أماكن الاقامة كالمنازل، الغرف، الفنادق. الأماكن المبهجة، كالمتنزهات، الحدائق، الملاعب، الشواطئ، الملاهي، مدن الألعاب. الأماكن المحزنة، كالسجون، المستشفيات، السراديب، المقابر. اماكن الانتظار، كمحطات الاستراحة، مواقف الباصات، المرائب، المطارات، محطات السكك الحديد، محطات المترو. الأماكن التاريخية كالقلاع، الثغور، الحصون، العاديات، أو الأثرية، كالزقورات، الاهرامات، المعابد، الأماكن المسفوحة، كالصحارى، البراري. أو المنسابة كالأنهار، البحيرات، البحار، المحيطات. أو المكتظة، كالأسواق الأزقة، المدارس، المقاهي، الثكنات، الحانات. أو المتشابكة، كالغابات والبساتين. أو الجوفية، كالأنفاق، الآبار، المناجم. الأماكن العالية، والأماكن المنخفضة.. من وجهة نظركم كناقد مكاني إلى أي مدى نجح القاص العراقي، أو العربي في التعبير عن القيم الرمزية للأماكن، وهل تحققت في مخيلتنا كقراء عرب كما تحققت في متون القصص والروايات المكانية العالمية وقرائها؟

ـ مصطلح الإنشائية الفضائية، مفهوم هندسي مأخوذ من العمارة، فالنص له معماره الهندسي، ولذلك لا بد من فهم الكيفية الإنشائية التي يبنى بها، وأن الإنشائية الفضائية مثل اللغة لا تتم بمفرداتها إنما بمعانيها وبنيتها كذلك الأمكنة، فالأمكنة تعلّم بالفعل الذي يشغلها، أما مادة الإنشاء – مادة الفعل- فهي مجموعة الرموز والعلاقات بين الشخصيات والأحداث التي تكوّن هوية المكان، ويتضح من علم النفس النسقي أن البنى الداخلية للأمكنة هي المعنية بالإنشاء، هي المستويات التي تتصل بالأنا، في حين يكون خارج الأمكنة هو النتائج، قضية الإنشاء واحدة من الأفكار الهندسية، والتشييد يعني البناء، إذ لا يوجد مكان دون عناصر إنسانية تشيده، ما يشيد العمارة هو المواد الأولية، والخبرات العملية، وما يشيد هندسة البناء هو الخط والنقطة، وما يشيد الرواية هو فصولها، والفصول تشيد من عباراتها، والعبارات تشيد من جملها والجمل تشيد من كلماتها، والكلمات تشيد من حروفها، وهكذا، فالتشييد هو الإنشاء، إلا أنَّ ذلك لا يحدث دون فعل قصدي من قبل المؤلف، ليجعل من طريقة التشييد المكاني تشييداً للذات المكانية، بمعنى أن الإنشائية الفضائية تتألف من العناصر الداخلية للأمكنة، أسميت هذا النوع من النسق الداخلي في كتابي (مدخل إلى النقد المكاني) بالمألفة بين الأشياء المكونة والمشيدة والمنشئة للمكان، فعن طريق المألفة يمكن للمؤلف أن يجعل من أي مكان أليفاً، ومفضىً بطريقة الاندماج الشعوري بين الشخصية وأمكنتها، نلحظ ذلك عند نوع محدد من الشخصيات، خاصة أصحاب المكتبات، وأصحاب الحانات، ودفانو الموتى، والعاملون بالجراحة، والمهنيون بعامة، مما يعني ثمة تواشج معرفي ومادي بين تشييد الشخصية وتشييد الفضاء الذي تعمل فيه، عندئذ لا يمكن رصد التغيرات النفسية والسايكولوجية للشخصية بنية النسق الذي تولده العلاقات الداخلية للأمكنة. يتطلب هذا النوع من اكتشاف شحنات الأمكنة قدرة على مزج الواقعة بالخيال المادي للأشياء، عندئذ سيجد أنَّ الأمكنة تمتلك من الشحنات الذاتية ما يحدد هويتها وكينونتها، فهي ليست مجرد أوعية خارجية تُعبأ بالأحداث والشخصيات، إنَّما هي كيانات قادرة على أن تعطي من ذاتيتها ما يغني الأحداث. لا يمكن للبحر أن يكون مجرد ماء محيط، ولا يمكن للجبل أن يكون مجرد صخور، وللصحراء مجرد رمال وأبعاد سرابية، كل الأمكنة لا ترى بمعزل عن شحناتها، إنّما ترى لعلاقاتها الداخلية كي تولد إحساساً ما بأنَّها أمكّنة خلّاقة، فيها من القوى الإنشائيّة ما يجعلها تبني لنفسها كيانها الذاتي وتؤثر في السياق نفسه بمن يفعلّها، فعلم النفس النسقي أحد كشوفات علم المكان (البروكسيميا) ـ كما يشير أدورد هال ـ الذي يقوم على احتساب المسافة بين مكونات الفضاء والشخصيات والأحداث، كي يمّكن الشخصيّة من أن ترسل رسالتها بتشكيل شفري، ثم تصل ضمن منطق المسافة إلى متلق، كي يصيرها إلى لغة تكمل مبدأ الاتصال. ضمن هذه البنية الدائرية تتولد شحنات مكانية نفسية واجتماعية تمنح الفعل تصورًا عمّا يحيط به، وتجعل من الشخصيات قادرة على أن تقوم بمهمتها الإشارية.. كان اندريه مارلو (يشذر رؤيته إلى إشارات، ويحولها إلى تصاميم، يعيد تكوينها في كامل اختلاطها وهو يولي اهتماماً كبيراً إلى لعبة الضوء في اللوحة المنفلتة من مكانها، إنَّه يعيد تشكّيل الوصف عبر الرؤية التشكيلية) كما يقول جوزيف كيسنر. أن ما يفعله مارلو هو الاهتمام بالبناء النفسي عبر الوصف، إن الأمكنة ما عادت فضاء للتوافقات، أو ملتقى للأحاسيس والرموز، كما يقول غرييه، إنَّما هي مجرد مقاومة بصرية أي أنها تعيش على السطح، لكن السطح يقلب الوقائع إلى ممارسة نفسية للأشياء. بالنسبة لكتابنا العراقيين والعرب، لم اجد بحكم قراءاتي ـ وهي محدودة بالتأكيد ـ ما ينسجم وطبيعة العلاقة مع الأمكنة سوى كاتب او اثنان هما: ابراهيم الكوني وعلاقته بالصحراء، ومحمد خضير وعلاقته بالمنعزلات، وحامد فاضل الذي يؤسس لخطوات اكتشاف الأمكنة المسفوحة المختزنة للتواريخ والممارسات الاجتماعية والحياتية. المشكل الأساس أن الغالبية من مؤلفي النصوص القصصية والشعرية يعيشون المدينة بعلاقات ريفيّة، ولم يتخلصوا من ارث القرية ولم ينتموا لحداثة المدينة، والسبب هو أنَّ الريف ما يزال مكونًا من مكونات المدينة وما تزال المدينة حاضنة للريف وعلاقاته، بمعنى أن الأشياء لم يجر اختبارها وهي تنتقل بين أمكنة مختلفة، وبدون الاختبار لا يمكن معرفة دواخل وتركيب الشخصية. ولذلك نكثر نقديًا من الأمثلة التي تنسجم وتطلعاتنا من الأدب الأجنبي، لأن ثمّة فواصل معرفيّة ومادية وخيالية بين الأمكنة ومحتوياتها. إن المكان لا يرى بالعين، إنما هو وسط اجتماعي محمل بالقيم والأفكار التي لا شأن لها بالأشكال والألوان الخارجية إن انشغالها الأساسي، هو اظهار مستويات التلقي النفسية.

• هناك أماكن حميمية كثيرة ذكرها فليب هامون Philip Hamon وأطلق عليها أمكنة الأخبار، كصالونات الحلاقة، الشوارع، المنتزهات.. هذا طبعاً في ما يخص الأمكنة في المدن الأخرى.. فهل شكلت محال التسوق، الآبار، عيون الماء، المضايف، المقاهي، بؤراً للأخبار في مدننا وقرانا، وما نسبة توظيفها في السرد العراقي؟

ـ يمكنك أن ترسم فضاءك على الورق، ومن ثم تلقي به على الواقع، وعلى المخيلة أيضًا، سيكون لك ثلاثة أمكنة لفضائك المرسوم، أعني يمكنك أن تمسك بتلابيب الفضاء كي تتعامل روائيًا معه، لا يمكن للكاتب أن يتعامل مع المكان لمجرد انَّه يعرفه، لابد من تحديده على الورق أولًا، ومن ثم الوعي به اجتماعياً، ثم منحه الإمكانية بأن يكون عنصرًا بنائياً في النصّ، كل فضاء ومكان لا يحدد لا يمكن الإمساك به. الحميمية تأتي من التمكن والهيمنة المعرفية على عناصر ومكونات المكان، ولا يأتي الفهم من أسماء المكان، ماذا يعني اسم مقهى؟ غير أن مشتق من القهوة، وأسم البيت غير أنه مشتق من المبيت أو المأوى، واسم الشارع من الشرعة،...الخ، هذا لا يعني شيئًا، ما يذكره فليب هامون هو الأمكنة الواقعية التي تشكلت اجتماعياً، ثم وظّفت فنياً، في حين ما ننشده ليس الأمكنّة كما هي في الواقع، إنّما الأمكنة كما يتصورها المؤلف، وهذه وحدّها التي تكون واقعيّة وخياليّة في آن معًا، وحدّها أيضا تمنح السرد رؤية بمستويات مختلفة، وإلّا كيف يبني المؤلف مدناً من الخيال، وتحكي شهرزاد عنها وعن بلدان تحت الماء وفوق الغيم وفي مجاهل البحار والأمصار، وكيف لآن روب غرييه، ان يتحدث عن مدن وهمية، وكالفينو عن المدن المرايا، والمعري عن أمكنة الغفران، ودانتي عن مدن الطهر والجحيم، هكذا يكون اكتشاف الأمكنة سرًا من أسرار المخيلة المبدعة. وكل هذه الأمكنة المتخيلة مموقعة في الما بين- الحقيقة والخيال- فالمحكي في النصّ لا يكون إلا مموقعاً بين نقيضين، يعني تحديد الموقع وضبط آليات وجوده هو الذي يحدد معنى ودال المحكي، إنَّ حميمة المكان تمنح النصّ حقيقة ما يجري، بمعنى أنَّ هذه الأمكنة تعطي تصوراً أنَّها جزء من الواقع المفترض، عندئذ يمكن أن تكون مرسلة أخبار، مستقبلة أخبار، منطقة حرة للتبادل، تكوينات مرنّة للنحت اللّغوي، كل الأمكنة بما فيها، عيون الماء، والآبار، والمضايف، والمقاهي، والنواعير، وغيرها ستكون بؤرًا، عندما تموضعها في منطقة فيها تجاذب لنقيضين، المنح والشح، الصيف والشتاء، الخضرة والجذب، ولكن الكيفية لفهم موضعة المكان هي ما ينقص وعي الكتابة عنها، أي أن يجعل المؤلف من هذه الأمكنة تخيلًا نصيًا وليس شكلًا واقعيًا مهما بلغت من تشابهات مع الواقع، وأي تعين للأمكنة مسبق دون تحليل وبحث إفساد للمخيلة، والقارئ ليس بمقدوره أن يفهم الواقع من خلال اقترانه بأمكنة واقعية، العكس هو الصحيح، أن الأمكنة في الواقع تستعين بالفنّية كي تتعرف على ذاتها. فالفنيّة أداة سبر وكشف وتحويل الأمكنة الواقعية إلى أمكنة أسرار ومبهمات. سيبقى كوت حفيظ، في نص القاص فهد الأسدي واقعاً مغرباً، وإلى الآن، بالرغم من افتضاح الأمر، يبقى كوت حفيظ في الذاكرة الشعبية والنصوص الأدبية من الأمكنة التي أودع الشيطان فيها نطفته. على القاص المبدع ان يضع في امكنته نطفه، كي تنتمي أرثًا وجيناتٍ له.

• المكان هو مَنْ يُثبت أنَّ الأحداث المتخيلة أحداثاً حقيقية، وهو الذي يؤصل الحكاية.. هنري ميتران Hennri Mitteran واحد من أبرز النقاد الذين بحثوا في الخطاب القصصي لا للنظر في السردية Narrative وانما للبحث في الخطاب القصصي. كيف تقيمون قابيلة المكان في التوظيف السردي؟

ـ ما يجري في المكان حتى لو كان (افتراضاً أو خيالًا يكتسب سمة الحقيقة، فالمكان يمنح النص شرعية التحقق، ولكن يشترط في تثبيت الأحداث المتخيلة) أن الحدث متموضعاً في منطقة ما من المكان، واسمينا هذه الموضعة (الما بين) بالنسبة للنص الأدبي يكون طرفا التحقق:الواقع والخيال، النص يقع في موضع ما بينهما، فيبدو واقعيا لأنه يجري في مكان، وخياليا لأنه يبني نصه فنياً فالموضعة تضفي على النص طابع الاحتمال، أي أنْ تجعله في صورة كأنه (الواقع) وبواسطة الموضعة يتأكد للنصّ إمكانية الوقوع؟،لأن سمة الموضعة لا تجعل النصّ مختفياً، إنَّ التخييل يجعل النصّ فعالاً، كما أن المكان يعطي انطباعاً بأنَّ النصّ حقيقي، فهو يؤكد أن ما يحكى داخله هو محض تشخيص، وبفضل المكان يحيل النصّ ويتبدى كأن له علاقة بشيء خارجي، أو هو صورة عنه، أو محاكاة له، إنَّ النصّ لا يحيل في الواقع إلّا على نفسه. ويبدو الحكي كما هو عليه من توقيت موضعه كأنه محاكاة تامة للعالم كما لا يخفى اهمية الاسم، وتحديد زاوية لإدراك النص، فالموضعة المتعينة تصبح دليلا للتعرف، كما توجه القارئ على نحو ما أن ما يقرأه جزء من الواقع، هذه المقتبسات تعمدت نقلها بحرية وتداخل مني من كتاب الفضاء الروائي لمجموعة مؤلفين لأهميتها في هذا الصدد.

يفيدنا بهذا الصدد اتجاه المهندسة المعمارية زهاء حديد المتميزة عالمياً، حيث تكثر في تصميماتها من التكوينات الطائرة، لأنَّها ترفض أن تكون الجاذبية أساساً في رسو التكوينات على الأرض، وتقول: (إنَّها ابتدعت الكمرات الطائرة المبالغ فيها، لأنَّها ضد الجاذبية الأرضية، هذا الاتجاه يتميز بالشعبية والتفاؤل والواقعية) .هذه التركيبة الخياليّة تجعل من الفضاء موضعاً حلماً وواقعاً، كي تؤسس للنص رؤية كونية، عليك ان تشرك بالموضعة كل احتمالات الأبعاد الفضائية. وعندما يتحدث بروست عن العلاقة بين الكاتدرائية ومعمارية الرواية، نستدل بوضوح أن الفضاء الإيهامي أساس في ترسيخ الفضاء الواقعي.

أمّا مفهوم الخطاب القصصي فهو مفهوم إشكّالي، ويعني الخطاب حسب رأي فان دايك (دراسة اللّغة كنشاط داخل سياق معين)، فالخطاب هو (جملة النصوص منظـوراً إليهـا فـي علاقاتهـا مـع الشـروط التاريخيـة (اجتماعيـة، إيديولوجيـة...) لإنتاجهـا). لهذا نقول أن الخطاب هو الموضوع المعرفي لفهم النصوص. بالنسبة للمكان يؤسس خطاباً حضارياً، فالفضاء في النص يشكل مرجعاً لنص لساني، بمعنى كما يقول يوري إيزنزفايك، (وضع الإشكالية الأدبية المحض في إطار دلالية عامة، كم يدعونا (المرجع الفضائي) على نحو أدق إلى تفحص العلاقات التي يقيمها الفضاء المشخص داخل نصّ أدبي، مع مفهوم (فضاء) كما يستخلص من الخطاب العام لحضارة معينة). لذلك يكون مفهوم الخطاب في السرد من أصعب الخطابات، لأنه يخضع إلى آلية تنفيذية متعلقة بتطور النوع السردي، وبالزمن وبالحضارة وبالثقافة، فهو كما يبدو متعلق بالدقة البنائية التي يقوم النص عليها، وأي خلل في بنيّة النصّ، أو قلة المعرفة العملياتية بمكونات الموضوع، لن يكون ثمة خطاب ناضج. فالرواية مثلا ليست مجموعة أحداث وشخصيات وأمكنة ولغة، فمثل هذه المكونات لا تخلق (جسدا لصوفيا لورين او كيم نوفاك) إنَّما ما يخلق الجسد الجمالي هو الخبرة التي تتعالق فيها مكونات الرواية فضائيًا.

• ما قولكم في الأمكنة المشاكسة Places quarrelsome  التي لا تختلف عن الأمكنة المفارقة Paradoxically places في تحقيق الاغتراب Alienation؟.

ـ ثمة أرضية لفهم الأمكنة والتعامل أدبياً وابداعياً معها، هذه الأرضية هي المفاهيم القارة التي لا يختلف عليها إثنان، منها على سبيل المثال، أن الهندسة جزء من بنية الأمكنة، لا يوجد مكان دون خطوط،ونقاط، ومساحة، ومسافة، وجدران، ومواد اولية، حتى المكان الفني لا يلغي هذه البنية، ومنها أن المكان فيه ايقاعية، يعني ثمة موسيقى مكانية تشكل الانسجام والتنظيم وإلا لا يمكن تشييد اي مكان في الواقع أو في النص بدون تنظيم ونظام وايقاع يشد أوصال الأمكنة ويظهرها بصرياً كياناً مشيداً وجميلا، ومنها أن المكان صورة، مرسومة بالمواد وهيكل نحتي يعني ثمة بنية معمارية لا يمكن تجاهلها، أو الغائها، حتى الأمكنة المائية، أو الهوائية، أو النارية، أو الرملية تبنى على أساس التكوين النحتي المعماري، لذلك تكون الأمكنة مسبقا برؤية معمارية فنية،هذا التصور يأتي قبل ان ندخل في علاقة تأليفية معه، أما أن اشخص بعض الأمكنة من أنها أليفة، وأخرى مشاكسة، وثالثة مفارقة، ورابعة اغترابية، فهذا التشخيص آت من التسمية وليس من طبيعة وبنية الأمكنة، التسمية مهمة ولكنها لا تسبق التشييد والتكوين، لأن المشاكسة والمفارقة ليست بنية من بنى المكان، إنما هي من طرق توظيف الأمكنة. كل الأمكنة تكون مشاكسة ضمن الفعل الذي يوظفها، وتكون مفارقة أيضاً ضمن المسار نفسه، إلا ان مثل هذه الممارسات الثقافية مع الأمكنة تفرض على المؤلف أن يمهد لها، لا أن يأتي بالكلمة ويلصقها بالمكان.. المكان المشاكس هو الفعل المشاكس وليس الحجر او التكوين، لذلك لا يسبق التوصيف الأمكنة، للمفارقة قوة ان تهيمن على كل متعلقاتها في التوضيح، لذلك يكون النص المفارق برؤية تكوينية تشمل اللغة والشخصيات والحدث والمكان والزمان، وكذلك المكان الأليف والمكان المشاكس والمكان الاعتيادي والمكان الغرائبي، ثم ان الإغتراب مفهوم ماركسي اقتصادي، ويتضح اكثر في المجتمعات الصناعية، ويمارس على العمال الذين يعشون اغترابا عما ينتجونه، في حين ان المعامل التي يشتغلون فيها ليست معادية ولا مشاكسة ولا اغترابية، فالمفهوم لا يسبق الأمكنة، وكل الأمكنة بإمكانها أن تكون مشاكسة وأن تكون اليفة ومعادية وغرائبية، شيء يتبع التأليف وطرق إنتاج المعرفة.

• المكان هو الوعاء الذي يستوعب الأحداث التي يسكبها الزمان فيه، حيث تتحول الى خطاب تعكسه مرايا السرد. هل يعني استدعاء الأمكنة المتعددة أزمنة مختلفة.. وهل تعني ملازمة الخطاب للحكاية ملازمة الأمكنة للأحداث بحسب أزمان وقوعها وتمثيلها في الخطاب السردي؟

ـ يُخضع المؤلف العلاقات الإنسانية والأحداث والمعرفة والنظم والأفكار (لإحداثيات المكان) ويلجأ إلى اللّغة (لإضفاء إحداثيات مكانية على المنظومة الذهنية)، كما يرى يوري لوتمان، لذلك لا يكون المكان مجرد وعاء للأحداث، لأن الأحداث قد تكون أوسع أو أضيق من المكان، التناسب هنا هو المعني بالوعاء، ليست كل الأوعية مناسبة لشرب الماء او للسكن أو للممارسة الاجتماعية، علينا توخي الحذر من أن تكون الأمكنة اعتباطية ومجانية، لماذا الزمن هو مصدر الحدث وليس المكان؟ لماذا يختار الزمن أمكنته ولا يختار المكان أزمنته؟ ما يعني تعدد الأزمنة تعددا في الأمكنة غير دقيق، فربما ثمة مكان واحد تتناوب عليه الأزمنة، كقصور الحكم والجامعات وملاعب الرياضة وبيوت القرى، وبيوت البغاء، والسجون، والمستشفيات، مكان واحد يستوعب أزمنة مختلفة، الأزمنة المختلفة تعني ثراء المكان في الاستيعاب والتجديد، أي تحول المكان إلى فضاء، كلما تعاقبت الأحداث في المكان كلما شحن المكان بالتواريخ وبالمحتملات، ليس شرطًا أن يقترن تعدد الأزمنة بتعدد الأمكنّة، يمكن العكس هو الصحيح أن الأزمنة المتعددة تتطلب أمكنة تنسجم وطبيعتها، وعندئذ يستنهض المكان طاقاته لاستيعاب الأحداث الجديدة ويكون السرد معكوساً على مرايا مكانية خفية وحديثة، قديمة ومعاصرة، وتكون اللّغة مشبعة بالاِستعارة. عندما تتحول الأمكنة إلى فضاءات ستتسع دائرة الاستعارة، وسيكون بمقدور المكان أن يخرج من حدوده الضيقة إلى فضاء الممارسة، إنَّ الفضاء في العمل الفني أوسع من المكان، كلما أردنا لأمكنتنا أن تكون شاهدة وعناصر بناء، استنهضنا فيها طاقة الفضاء. فسيرورة الحكي تتطلب مكاناً فضائياً كي يستوعب النص تحولات الاحداث في الأمكنة، هكذا فعلت شهرزاد عندما استدعى الحكي امكنة مختلفة من ازمنة مختلفة، فالمتخيل الحكائي يجد وعاءه في الفضاء وليس في الأمكنة، لقد أطلق جوزيف كيسنر مصطلح (التوصيف اللفظي) للأثر الفني، وضرب (بدرع أخيل) في الالياذة، وقصيدة جون كيتس (أنشودة الآنية الإغريقية) مثالا حيث يعني توصيف الأثر لفظياً، ويعني التوصيف اللفظي للأثر هو ربط العناصر الزمنية (اللفظية) بالعناصر الفضائية (النحتية والتصويرية)، هكذا تفضي العلاقة بين الأمكنة والأزمنة إلى تشكيل ما يسمى بـ (الإطار التصويري) بوصفه إحدى حيل السرد، أي أن السرد يصبح عنصراً فضائياً في الشكل الزمني للنص. ما معنى ذلك،؟ ليس من مكان محدد بما يقال دون أن يدخل المكان عنصراً فاعلاً بما يقال فيه، ولذلك فكلمة وعاء غير مناسبة للعلاقة بين الزمنية وفضائها المكاني. الوعاء مفهوم حيادي، وقبلي، وجامد، وفكرة أكثر منه تحققًا.

• المكان المخيالي أو اللفظي عنصر مهم في الرواية المكانية كما تعلمون، ويكاد يجزم معظم النقاد، أن المكان الذي يظل قائماً في مخيلة المتلقي، هو المكان الذي تخلقه مخيلة الروائي بما لا يتطابق مع المكان الخارجي.. قرأت لكم ما يتماهى مع هذا، وهو: (أن تكون ضمن مكان معين، وفي الوقت نفسه خارجه، وأنت فيه) ما هو تفسيركم لما ورائية المكان؟.

ـ يكاد هذا السؤال أن يختصر كل التعامل الفني مع المكان، فالمكان منذ عصر نيوتن يتحدى الإنسان لما يمتلكه من قوى خفية، لا شيء غير أن يكون المكان متخيلاً في النَّص، وبما أن النَّص لّغة، لا يوجد مكان خارج اللّغة، لأن اللّغة تمتلك طبيعة فضائيّة، اللّغة تخلق المكان الروائي المتخيل وتصيّره فناً، أمّا المكان في الواقع ليس هو كل المكان الروائي، إنَّه الأرضية التي جرت عليه الأحداث، المكان في الرواية، القصة، القصيدة، هو نّصها الفني القائم على المكان الواقعي، ولذلك خلق جوزيف كيسنر فضاءً متخيلاً ايهامياً ثانوياً ليتعامل الروائي معه، وهو المكان المخيالي، الأمكنة النَّصية، أو الشعريّة، أو الأدبية، وهذه الأمكنة لا تنطبق عليها أيَّة هندسية خارجية، إنَّما هندسيتها هي تنظيمها، فالشخصيات فيها نقاط تتواصل عبر خطوط حوارية، سردية، وصفية، مشكلين عالماً افتراضياً ثانوياً مخيالياً للنَّص، كل بنيّة زمنيّة، خاصة الماضي، لا يمكن أن تتضح إلّا من خلال بنيّة الفضاء، (أي من الترتيبات الفضائية للأشياء) إن تدوين الرواية للّغة والأحداث (منسوبة إلى الفضاء أكثر من الزمن) وهو المجال الذي يتيح لنا أن نرى عالم الواقع بطريقة مختلفة عمّا هو، فالنافذة في الواقع نافذة، مهمتها أنها نافذة يدخل منها الضوء والنور إلى البيت، وتسلط على أجزاء المكان الواقعي، لكن النافذة في الرواية هي عتبة لدخول عالم الأمكنة المخفي وراء ما معلن منها، ليرى اللامرئي في المرئي، ويقيس، ويصف، ويربط بين أجزاء المكان المختفية هناك، ليخلق من الخيالي مكاناً فنياً جمالياً مختلفاً عمّا كان عليه المكان الواقعي، فنرى الروائي يسلط الضوء عبر النافذة على ما يوجد على الحائط من سجادة، أو لوحة فنية، أو روزنامة، كما في قصة محمود عبد الوهاب (الشباك والساحة)، لتصبح النافذة مدخلاً لما في الأمكنة الواقعية، وتصبح مخرجاً لما في الداخل إلى العالم الخارجي، فالنافذة عتبة، لا داخل لها ولا خارج، هي تكوين ذاتي البنية، وسيط ليمرر الفعل، ويكشف عن عالمين مترابطين يكونان النّص.. كل الأمكنة الفنية هي أمكنة (ما بينية) بمعنى أنها متومضعة في مكان يمكن أن تقرأ عبره ما هو قبلة وما هو بعده، كما تقرا نفسها، لذلك تكون الأمكنة (الما بينية) مشحونة بالأزمنة كلها، النافذة متعلقة بالزمن أكثر من تعلقها بالمكان، ولها قدرة أن تربط بين أجزاء الزمن المختلفة والتدرجات الفنيّة في المكان الواحد حيث تبين كيف ينتقل السرد من موضع إلى آخر. ليست الأمكنة في النَّص أمكنة واقعيّة، ولكن تصورها الفني يمكن أن تؤشر إلى أمكنة واقعية، فإذا بقيت ضمن واقعيتها لم نجد لها أي صدى فني، ربما تكون أغنى تصورًا على يد روائي لا يمتلك الأداة الفنية لتغريب المكان الواقعي وانزياحه، حتى الانطباعية لم تنقل الواقع كما هو، بل غيّرت نسبه وتكويناته عندما توضع في سياق جمالي فني، كل ما يقال عن الأمكنة الفنية أنها مطابقة للواقع، منقولة، مشابهة، متماثلة...الخ، لكنها ليست فنية، المكان الفني ينشغل باللّغة التي تشحنه برؤى قابلة للتأويل، بينما المكان الواقعي كل ما فيه معطى مسبقاً ولذلك لا يؤول.. لا تقف العلاقة بين الأمكنة الواقعية والأمكنة المتخلية في الفنّ، عند الأسماء والمعلومات التوثيقية، وإنَّما تكون الأمكنة المتخيلة كاشفة لمستويات لا تظهر للعين العادية في الأمكنة الواقعية، لأنها مشغولة بجماليات السطح، كما الفنية الفضائية ليست جمالية لّغوية، ولا هي أسلوبية متميزة، إنَّما هي رؤية كونيّة مهمتها تغيير العلاقة مع الأمكنة الواقعية لاستنباط روحها المادية المتخيلة، فالمادة الواقعية في أحلام الفنان يصبح خيالها ماديّا، الشعر في الرواية هو الكشف عن مستويات غير مرئية في الواقع، والفنان لا يملك أداة لسبر أغوار المكان الواقعي غير أن يجعله غير مألوف، الشعرية والفنية هي غير المألوف في الواقع المألوف. لا تكون الفنية إلا طريقة للتفاعل بين الفنون الوزنية والفنون الفضائية، وهذا التفاعل لا يكشفه الشكل الواقعي بل يكشفه الشكل الخيالي، وهو الشكل الفضائي الذي يدمج الزمن بالأمكنة، فالشعر، والموسيقى، والسرد، تندمج مع التشكيل، والنحت والتصوير، والمسرح، والكرنفال.. الرواية هي من تصوغ جدلياً مثل هذه العلاقة بين فنون الزمان وفنون الفضاء، لتغرّب الواقع وتفضيّه .إن المسافة والمجال والحيز والنقطة والخط، وكلها فضائيات مكانية واقعية، لكّنها في الرواية تصبح شخصيات ولّغة وسرد وفضاء متخيل، الأمكنة المتخيلة أمكنة وجدت نتيجة للتفاعل بين الأمكنة الواقعية والتاريخية والفضاء المادي لخيال الأمكنة. علينا أن ندرك كروائيين أنَّ الفضاء ليس تسمية أو رؤية شخصيّة، إنَّما هو فلسفة كونية (يشيدها الروائي كما يشيد المعماري فضاءه النّصي وفق قواعد وأسس جمالية). الأمكنة المتخيلة أمكنة جماليّة، شعرية، مغرّبة عن الأمكنة الواقعية، تحسسك بالتاريخ والأحداث ولكّنها ليس من فنون التوثيق التاريخي ولا من مدونات القضاء أو المؤرخين. يمكن تمييز الروائي الحقيقي عن الروائي الضعيف، هو أنَّ (الروائي الضعيف يشيد شخصياته ويتحكم فيها ويجعلها تتكلم، أما الروائي الحقيقي فيستمع لها ويشاهد وظائفها باختلاسه السمع حتى قبل أن يعرفها. بتعبير آخر، يصادفها عن طريق حجمها ذي نفس الحدود وعن طريق قدرتها لتمكينه من الاقتراب منها بدل تمكينها من الاقتراب منه).

• استفاد باشلار Bachelar من النقد الظاهراتي Phenomenological Criticism في النقد الباشلاري معتبراً الظاهراتية منهجاً مهما بين ذاتي المؤلف باعتبار ان الصورة الشعرية يمكن ان تستوعب ذاتاً كاملة.. هل يمكن اعتبار الظاهراتية نوع من التناص الظاهري؟

ـ يعد الفيلسوف باشلار فيلسوفاً ظاهراتيا، وما كتابته عن خيال المادة:المكان، النار، الأحلام، واللحظة، والحدس، والعلم، إلا تأكيد منهجيته الظاهراتية، لكنه يتخذ من الشعرية طريقة لاكتشاف أحلام يقظة الشعراء في خيالات المادة، ومشروع باشلار هو (علم بلغة الشعر) كما يقول أدونيس، حيث يتشابك الحلم والواقع، المخيلة والمادة، ميزة باشلار الهائلة هي تحويلة الأشياء إلى طاقة شعرية مغطاة بخيال المادة وبكشوفات علم نفس المكانية،عندئذ يمكن لخرير الماء ان يصف صخب المحيطات وجموع البشر، ويمكن لبجعة بيضاء ان تشير إلى عري مترسخ تعتمد الثقافة الشعبية حين تقدم اشياءها، ويمكن للرماد الحار أن ينضج الكلمة والخبز واللغة، ويمكن لذراع مفتوحة في الفضاء ان يكشف بها عن سعادة الأرض، هذه الطاقة لخيال المادة في ظاهراتية باشلار شعرية، ولذلك لم يعد باشلار ناقداً، بل فيلسوفاً، إنَّ غسل الموتى بالماء، يعني موت الماء أيضان هذا التكوين المتماهي مع الزمن يجد حضوره في الثقافة الشعبية اكثر من حضوره في النصوص الأدبية، لذلك يجد باشلار ضالته في الموروث في النصوص التي تخرج على القاعدة في الميثولوجيا في القصائد، في طاقة العلم التجريبي،. مهمة الصور الشعرية عند باشلار، أن يحيلها الى صور متخيلة، فهو يشتق من الماء عشرات الصور، خاصة عندما يغير من علاقة الماء بالمكونات الإنسانية والطبيعية، يجد في الحجر عشرات الخيالات التي تمد الصلابة أشياء من مكونات الإنسان والطبيعة والأحلام لا تقف مخيلة باشلار عن المفردة، إلا متى ما استطاع أن يفتتها ويبحث عن ظلالها في علاقات واقعية ومفرضة، خيالية وشعرية، المادة تحت يدية توليد طاقة لا تنضب. وعندما تتحول الاشياء إلى اشكال مختلفة يعني تدمير لكيانية الشيء والبحث عن التحولات التي يكسبها الشيء وهو يتحول عن طبيعته، لأنه يكشف في المادة قوتها الحلمية، ومتى ما تمكن من العثور عليها، انفتحت أمامه ابواب التأويل. قراءة باشلار واحدة من القراءات التي تفتح أبواب الحياة كلها، دون ان يكون ثمة موانع عرفية، أو دينية، أو أيدولوجية، فالمعرفة فوق الجميع. إذا أردت ان تغتني بالاستعارات استعر قراءة باشلار للمادة.

• ذكرتم مرة انكم تطمحون الى ظهور النص المكاني المختلف عن القصة أو القصيدة أو المسرحية أو الرواية، أي أنه نص أدبي جديد يكون المكان فيه نوعاً جديداً من الكتابة الابداعية، يحتوي السرد كما يحتوي الشعر والفتوغراف والحوار والتشكيل، وهو مهيأ فنياً وتوصيفياً لمثل هذه النقلة.. فهل تحقق هذا عرقياً أو عربياً، واي نصوص تلك التي اشتملت عليه؟.

ـ النص المكاني طموح نقدي اسعى إلى توصيفه، المتحقق من أشكاله كثير ولكن الوعي به كنص له توصيفاته الخاصة قليل، لا يُكتب النص المكاني بلغة واحدة، إنَّما يكتب بلغات إذا فهمنا أن الكتابة التي أعنيها ليس الكتابة بالحروف فقط، إنَّما الكتابة هي اشكال التنفيذ، هي لغات معمارية تدي كل لغة جانبًا من النص، ويكون التناغم بينها هو الفنية أو النصية، كأن يكون النص المكاني نصاً مكتوباً على الورق، وهذا شكل أولي للنصّ المكانيّ، أي أنَّ الورقة، الكتاب، الوثيقة، المدونة، العريضة لتي يكتبها العرضحالجي، ستكون هي النصّ، عندئذ يكون لدينا نصّان مكانيان، أحدهما هو النصّ نفسه المشيد بالكلمات على الورق، الشكل الثاني للنص المكاني هو: الكيان الورقي المحسوس الذي نتلمسه باليد والعين ويمكن وضعه في المكتبة كأي عمل فني، وتبقى (المكانية) هي الفنيّة أو النصيَّة وهذه المكانية ستكون خارج اهتمام من انجزها، هذا الشكل من النصّ المكاني كتب فيه الكثير، يمكن الإشارة إلى نصوص: البريكان، القصيدة 96 والبدوي مثلا، والسياب، في المعبد الغريق، وجيكور أمي، وبويب وغيرها، وابراهيم الكوني، في العديد من رواياته، وعبد الرحمن منيف في مدن الملح، ونجيب محفوظ، في القاهرة الجديدة وميرامار والحرافيش، ومحمد خضير في بصرياثا وكراسة كانون ورؤيا البرج، وحامد فاضل، في بلدة في علبة، وجمعة اللامي، في الثلاثيات، وجواد الحطاب في قصائد النصب والتماثيل، وآخرين، ويبقى هذا الشكل بحدود الفنية التجسيدية اللّغوية. ويمكن إضافة له أشكال أخرى، كنصّ السيرة خاصة التشكيلية، والنحتية، والفتوغرافية.

إلا أن المسعى لا يقف عند هذا الشكل الثالث للنصّ المكاني، إنَّما هو في تلك الأشكال الفنيّة التي دائمًا ما تكون في النقص التكويني، فيأتي من يضيف إليها وينحت فيها، وقد يحذف منها، وهذا هو النص المكاني المفتوح، وما زلنا في شكل تنفيذي أولي متقارب هو الكتابة، هنا تكون الكتابة غير مكتملة المعنى،بمعنى أنَّها دائمًا بحاجة إلى من يضيف إليها، أو يهمش عليها، أو يكتب نصاً مجاوراً أو معارضاً لها، ولدينا في كتب التراث أشكال من هذه النصوص التي كانت هوامشها وملاحظات القراء عليها، بمثابة تكملة للنقص فيها، وزيادة في الرقش المطمور في شقوقها وخفاياها، وإمعانا في التفسير والتأويل، وجعل النص مسامياً. أي أنه يمتص ما يدون، ويفرز ما لا ينسجم والتطور. هذا النص المتحرك، هو من يجعل المحتمل قائماً في الممكن. هذا النص مازال تحت هيمنة الكتابة بالحرف.

الشكل الثالث من النص المكاني هو النص الأثر، النص الأنثى، فالمكان أنثى الكتابة، أنثى الفنيّة، الأدبية، النصيّة، الشعريَّة. النصّ المكاني هو الذي يحتوي الخصائص الفضائية القابلة للتوالد، وهي (المشهد، خلق التكوين، الشكل الوظيفي)، وكلها مشتقة من الفنون الفضائية التصويرية والنحتية والمعمارية، فمن التصوير استقى النص المكاني (الوضع الإطاري، والمشهدي)، ومن عناصر النحت تم خلق الشخصية أو النموذج، ومن مفاهيم السطح والدائرة والبروز والعمق، أخذ بناء التكوين. فالنص المكاني لا يكتب، إنما منكتب في المكان، وعلى المؤلف أن يجده فيه لا أن يضيفه إليه، فالكتابة آثار ولدت في المكان، قبل أن يكتبها أحد، وليست الكتابة أثراً يتحدث عن المكان، الكتابة هنا هي المكانيّة، الكتابة الأثر تقترب من النحت، من الموسيقى، من التصوير، من التشكيل، من الكرنفال، من العيد، من التشكيلات التي تحدثها الزلازل والبراكين والأمطار والعواصف، هي التشكيل الذي بإمكانه أن يشير إلى موت الأب، بمعنى أن النصّ المكانيَّ الكليَّ، هو الذي يحوي عدداً من اللّغات الفنيّة التي تنكتب في المكان: لّغة السينما، لّغة التصوير الفوتوغرافي، لّغة النحت، لّغة التشكيل، لّغة الكتابة، لّغة الأثر الذي يمحو أثراً أسبق، لّغة الأشياء المادية التي توضع والتي تحذف، لّغة الكرنفال، اللّغة اللالّغة، وبالتالي يكون النصّ المكانيّ مشيدًا ومرئيًا ومحسوسًا ومقروءًا، ويمكن نقله وتداوله، فهو تمثال، وهو كتاب، وهو تشكيل. مثل هذا النصّ المكاني يكون زمنياً أيضاً، مفتوحاً على التأليف الذاتي المستمر، لذلك سيمحو أية صفة ساكنة له، كل تكوينه دينامي متحرك وعرضة للتأويل والنقد، النصّ المكانيّ إذا لم يكن نصاً زمنياً لا يمكن أن تتوحد الأشكال الإيهامية فيه. كل الأشكال السابقة للنصّ المكانيّ ليست إلا خطوات باتجاه النص الفضائي، المرئي، والمدون، والمتغير، والهيكلي، والممحو. وكل هذه الأشكال الفضائية لها علاقة ما بالفلسفة، والزمن والعلم لأنها تتعالق مع الفضاء الفيزيقي، وعلى المؤلف أن يحسب أنَّ النصّ المكاني ليس كله امتلاء، فالفراغات الداخلية والتي تحيط به جزء من بنيته، هذه الفراغات الفضائية هي أرقام لدى الفيثاغوريين، ولذلك يجري احتسابها كجزء من الامتلاء، والامتلاء يهب اللّعبة الزمنية إلى الفضاء، لأن النصّ المكاني نصٌّ مشهديٌّ، أي معماري، مشيد بالكلمات والصور والمادة والفراغ، فهو نحت متحرك، وربمّا نعيد هنا مقولة كانط: (إنَّ المكان حدس خالص) أي أنَّه فضاء مشيد بلغة كونية، يمكنك تشكيله وفق ما تراه حدسياً، لذلك نحتاج دائماً لتوظيف لّغة الضوء والظل في اظهار تفاصيل هذا النصّ، ومن يريد أن يقرأه عبر مكوناته يقرأه، ومن يريد أن يقرأه عبر الكتابة فليقرأه فالقراءة فعل زمني متحرك، يقول ما لينوفسكي: (ليس باستطاعة المرء ملاحظة المكان إلّا في الزمن، وهذا الأخير في المكان) هذا ما نريده للنص المكاني، أن يُقرأ مكانياً وزمانياً. وإذا أردت أن تقرأ الماضي في النصّ، فلن يكون الماضي إلا (الترتيبات الفضائية للأشياء)، كما يقول لدوف غرنبوم، فالأدب الحديث يتجه باتجاه الشكل الفضائي، أي ترتيب الأزمنة عبر ترتيب الاشياء، يقول فلوبير: (على كل شيء أن يبدو تعاقبياً آنياً).ويقول نوراي كريغر: (إن لغة الفنون الفضائية هي، في الواقع المعجم الوافي الوحيد لاستكشاف أشكال الفن في الزمن) لأن الفضاء وظيفة فالوظائف الفضائية خاصية من خواص النصّ كما تقول سوزان لانغر.

الشيء الملفت للنظر أن حضارتنا تمتلك أشكالًا من النصوص الزمانية / المكانيّة، تلك هي ألواح الكتابة، التي وظفت لا للكتابة لتكوين النصوص إنما وظفت لذاتها كألواح حملت الكتابة، لا يمكنك ان تكتب دون اللوح، فمسلّة حمورابي نصّ مكانيّ، يمتلك كل مقومات النصّ الكوني الشامل، لأنه كتلة نحتية حروف، والبردية الفرعونيّة نصّ مكانيّ كونيّ، لا يمكن للنص المكاني أن يكون ظاهراً، ويشيّد بدون الكتابة، الكتابة نفسها مكانيّة وما تعبّر عنه مكانياً، وما تشكله مع غيرها مكانياً، وكانت وما زالت الكتابة في الحضارة الرافدينية العنصر الخامس من مكونات الطبيعة، فالكتابة المسمارية ليست حروفاً تلفظ فقط، إنما هي تشييدات مكانية تفسر وتحدد وتقونن الحياة، ومثل هذه المهمة لا يقوم بها إلّا العنصر المكاني الذي يدخل في تركيب كل العناصر الأخرى، فالمكانية ليست صفة لمكون ما، إنَّما هي وجود لذات الشيء، هي كينونته، أو كما يسميها هيدجر (لدازاين) أي (الوجود هنا) أو النصيّة، كما يسميها سلفرمان، ولن يكون للنصّ المكانيّ حضورُ إلّا ضمن الاحتفاليّة الكرنفاليّة، والأعياد، والشكل التعبيري الجماهيري، حيث تتم قراءته بممارسة بصرية، ومن مختلف الأعمال واللغات، اضافة أن ماديته قابلة للإضافة والحذف والتغيير، ولذلك فالنصّ المكانيّ الذي انشده هو نص المستقبل الثقافي.

•  استخدم جاسم عاصي مصطلح المكان غير الموطوء في كتابته عن مرائي الصحراء المسفوحة. وفي رأي المتواضع أنه مصطلح يعبر عن المكان بشقيه الظاهري والجوفي. تحت أي الأمكنة يمكنكم ادراج هذا المصطلح؟

ـ ليس من مكان غير موطوء، فما أن يسمى المكان مكاناً فهو قد وطئ، ولذلك تعد الكتابة مثل الاقدام التي تطأ أرضاً، وإلّا كيف أمكن لحامد فاضل أنْ يكتب عن أمكنة الصحراء، إذا لم تكن قد وطئت أماكنها من قبل، فقد وطأتها الرياح، ووطأتها العواصف، ووطأتها الأمطار، ووطأتها الشهب، والنيازك، ووطأتها الحيوانات، والطناطل، ووطأتها الأحجار، ليس المهم اجتراح مفهوم أو مصطلح، لفهم النص، بقدر ما يمنح النص مفهومه الخاص، المهم أن نستعين بأي مفهوم للوصول إلى ما أنتجه الكاتب، المكان غير الموطوء مفهوم جيد إذا كان المعني به أن يكون أنثى، والمكان أنثى، يكون الوطئ منسجما مع افتضاض بكارته، والكشف عن ماهيته، والكتابة تأسيس أثر على اثر سابق، أي أن المكان قبل الكتابة أنثى عزباء، موطوءة من قبل، دون ان تمحو الكتابة هوية الأثر السابق، أو تلغيه، لأنها لا تنشئ عمارتها بالكلمة إلا إذا كانت ثمة كلمة تسبقها، لذلك ما يشكل صحراء السماوة ليس هو أمكنتها وفيافيها وآبارها وفسحاتها وشساعتها، فقط، إنَّما الكتابة الأثر الذي يقع على اثر سابق، أي الكتابة بالقدمين، عندئذ تكون الكتابة الوطئ لموطوء جنسيا. سنصادف مفردات محلية كثيرة في المستقبل عندما يؤسس الاشتغال في المكان رؤية إعادة تشكيل الأمكنة ثقافياً، وليس رؤية استيعاب للأحداث فقط، والكثير من الأمكنة لم تكتشف لأنَّها ليست موطوءة بالكتابة، فالكتابة ممارسة متأخرة، قضيتها هي أن تحفر لتوطأ، هي بحث، في مدون لإعادة تكوينه، وتحديد مسمياته، وخلقه، وتصويب ما التبس من معلوماته، الكتابة صنو الفعل الجنسي المختبر، كما يشير بارت إلى ذلك، لذلك كانت الكلمة بداية التفلسف، الكلمة فاعل جنسي، وابتدأت الديانات بـ (أقرأ) باسم...الكتابة / القراءة، القراءة فاعل جنسي، وتعد القراءة واحدة من الأسس التي يقوم عليها قانون المعرفة، القراءة كتابة جنسية أخرى لا تقف عند حدّ، القراءة ممارسة جنسية مستمرة، ومن هنا لا نستغرب أن تكون الأمكنة غير المكتشفة تحمل معها مفاهيمها الغامضة التي بحاجة إلى من يفضَّ مغاليقها. ما يصلنا من مصطلحات ومفاهيم من الثقافات الغربية، مفيد جداً، ولكنَّي شخصياً أتخذها دليلًاً أولياً لاحتذاء الطريق إلى النصّ، وخلال البحث والممارسة والمسيرة، أجد أن النصّ المحلي قد يحمل مفهوماً آخر يقترب أو يبتعد عن المفاهيم المنقولة إلينا، كل الأمكنة محلية حتى لو أقيم فيها بناء للأمم المتحدة، ومحليتها تعني أنَّها تُكسب اللّغة اشتراكية التكوينات المثيولوجية والشعبية .

• أخيراً كيف تردّون على مَنْ يقول ان اهتمامكم بالمكان جاء بعد اطلاعكم على كتاب شعرية المكان باشلار والذي ترجمه غالب هلسا بعنوان جماليات المكان؟ .

ـ أسرد هنا قضيَّة توثيقية، وليست رأيًا أفرضه على السائل، فكتابي (الرواية والمكان) القسم الأوَّل منه، صدر في الأول من شباط 1980، ضمن اصدارات الموسوعة الصغيرة، وحمل رقم 57، كما حمل رقم الإيداع في المكتبة الوطنية 103. في حين أنّ كتاب باشلار (جماليات المكان) بترجمة المرحوم غالب هلسا، والذي كان لي الفضل في دفعه إلى البحث عنه أولاً بحكم الصداقة بيننا، ومن ثم ترجمته، وقد صرفنا وقتاً طويلاً حتّى تم الحصول عليه من الدكتورة فريال جبوري غزول، الاستاذة في الجامعة الأمريكية في القاهرة، بنسخته الإنجليزية، ومن ثم دأب غالب هلسا على ترجمته طوال عام 1980، فصدر كتاب (جماليات المكان)  في أواخر عام 1980، وتحت رقم ايداع في المكتبة الوطنية 798 لعام 1980، أيّ أنّه ظهر بعد كتابي بعشرة أشهر تقريبًا. فكيف أتأثر بكتاب صدر بعد كتابي؟- لاحظ رقم الإيداع في المكتبة الوطنية- . كما أنّ القسم الثَّاني من كتابي (الرواية والمكان) قد ظهر أيضًا في السنة نفسها أي عام 1980، بمجلة آفاق عربية، العدد الرابع، نيسان عام 1980. ويكون بذلك قد ظهر كتابي بقسميه الأول عن الموسوعة الصغيرة والثاني منشوراً في مجلة آفاق عربية، قبل كتاب باشلار، بأشهر، وللإشارة أنّ كتابي (القاص والواقع) الذي صدر عام 1975، عن وزارة الاعلام العراقية، فيه إشارات كثيرة لدراسة المكان في القصة والرواية العراقية، من بينها المجموعة القصصية البكر (المملكة السوداء) للقاص محمد خضير والتي صدرت عام 1972، ونشر المقال في مجلة الآداب، ثم نشر المقال في كتابي (القاص والواقع) الصادر عام 1975. وقد اشار الدكتور رحيم على جمعه الحربي في رسالته الدكتوراه (المكان ودلالته في الرواية العراقية) جامعة بغداد 2003، إلى العديد ممّا تضمنه كتابي القاص والواقع عن المكان. وتشير المقدمة القصيرة ألتي كتبتها للقسم الأول من (الرواية والمكان)، الموسوعة الصغيرة عدد 57 إلى عام 1978، ودفعته للنَّشر في السنة نفسها، ضمن الموسوعة الصغيرة، بناء على توصية من الدكتور علي جواد الطاهر رحمه الله، بأهمية هذا الموضوع، إلّا أنّ احتجازي في الأمن العامة كموقوف سياسي عام 1978، حال دون نشره مبكراً. وكان يومذاك مسؤول الموسوعة الصغيرة القاص أمجد توفيق، الذي أشار بعد خروجي من سجن الأمن العام، عليّ أن اتريث بنشره، لأني قد خرجت تواً من السجن، (ليس من المعقول- كما قال- أنّ نصدر لك كتاباً بعد خروجك من السجن بفترة قصيرة). وهكذا بقي الكتاب نائماً في أدراج الموسوعة الصغيرة لعامين كاملين، حتّى مجيء القاص المرحوم موسى كريدي، فسارع إلى دفعه للمطبعة، ليظهر في 1- شباط عام 1980. هذه حقائق مدونة وليست افتراضات مني، ولكن مع الأسف يتجاهلها البعض. بل ويصر البعض الآخر على تجاهل سعينا ويؤكد سعي غيرنا في انتاج شيء جديد عن المكان، ثم اصدرت بعد ذلك كتابين هما: (دلالة المكان في قصص الأطفال) سنة 1985، و(إشكالية المكان في النَّص الادبي) عام 1986. ومعظمها أصول مقالات عن المكان نشرت قبل وبعد عام 1980 بقليل، منها دراسة عن رواية الرجع البعيد،ودراسة عن رواية السفينة، ودراسات أخرى تخص القصيدة المكانية والأمكنة الشعبية وقد نشر بعضها في مجلة فنون، وهذا الزخم من المقالات والكتب المعنية بالمكان، دليل على أنّ موضوعة المكان كانت يومذاك متأصلة عندي وليست تأثراً بأحد، مع أنّ التأثر شيء مهم في سياق المعرفة الأدبية والنقدية، لاسيما إذا كان المتأثر به فيلسوفاً كبيراً مثل باشلار، ولكن مثل هذا التأثر لم يحدث قبل صدور كتابي الرواية والمكان بجزأيه. فالتفكير بالمكان عنصراً بنائياً بدأته بكتابي الرواية والمكان، ولما كان المشروع مشروعي الشخصي، بحثت عنه في أمهات المصادر، ومن ضمنها سؤالي للأستاذ غالب هلسا فيما إذا كان ثمة دراسة عن المكان في الآداب الأجنبية، فكان جوابة بالإيجاب، ومنذ تلك اللحظة بدأنا سوية بالبحث عن كتاب باشلار، فكتب غالب إلى الدكتورة فريال جبورغزول لتجلبه لنا، هذا المسعى لم يدوّن لأنه تحصيل حاصل شغلي الذاتي، وإلا فكتاب باشلار مؤلف منذ سنوات، لماذا لم يفكر به أحد؟، التفكير بالمصادر والبحث عنها، يعني وجود مشروع ما لدى الناقد، وهو ما دفعني للسؤال عن الكتب التي تعالج مثل هذا الموضوع. أقول ذلك توضيحاً لشعوري بالمرارة من بعض آراء من هم الأقرب لي، خاصة النقاد العراقيين للأسف الشديد الذين يتجاهلون عن عمد جهدي، وكأني قد سلبت منهم مركزاً نقدياً أو قضية كانت عليهم حصراً انجازها. لكنهم مع الأسف لم يكونوا بالدرجة التي يجب أن يكون عليها الناقد. ولم يقف الأمر على كتاب (الرواية المكان)، بل تجاوزوا على مشروعي البكر الثاني، (الاستهلال) الذي لم يظهر أي كتاب في الأدب العربي عن الاستهلال قبل كتابي الذي صدر عن الشؤون الثقافية عام 1993، وأنا مهاجر خارج العراق. وكنت قد دفعته للنشر عام 1990،لقد رفض الاستهلال من قبل مدير عام الشؤون الثقافية، ثلاث مرات، ولم يظهر إلا بعد تغير المدير العام، فأحيل إلى خبيرين مهمين فأجازا الكتاب.

أما اليوم فعليك ان تحصي عشرات الأطروحات الجامعية عن المكان وعن الاستهلال وعلى امتداد جامعات البلدان العربية، إضافة إلى مئات المقالات النقدية المهمة في هذين الميدانين، مما يجعلني أقول وبوضوح: أن ما وصلت إليه دراسة المكان سواء عن طريق الترجمة أم عن طريق التأليف يفوق ما قدمته عام 1980، بكثير، فقد كانت أداتي النقديَّة ضعيفة والمفاهيم التي تعاملت بها مع موضوع شائك ومعقد كالمكان بسيطة، حيث كانت تنسجم وثقافتي وما موجود من أصول للرواية العراقية لا تغني ولا تسمن، فشخصياً لا أدعي أنني مكتشف المكان، فالمكان موجود فكراً وفلسفةً منذ أرسطو وأفلاطون وحتى الفلسفة العربية الإسلامية، لكنه لم يطرح مشروعاً نقدياً قبل عام 1980، إلا من قبلي، وهذا ما جعل جهدي البسيط والمتواضع موضع الريادة في هذا المجال، وقد طبع كتاب الرواية والمكان خمس طبعات، والاستهلال ثلاث طبعات لحد الآن، اليوم شخصيًا اغتني بالعديد من الدراسات النقدية المترجمة والموضوعة عن المكان والاستهلال، وأعد نفسي تلميذًا ومن متتبعي ما يصدر في هذين الميدانين، فليس الريادة أن تكتفي بالطروحات الأولى، إنَّما بمواصلة المشروع وتأكيده نقدياً وفلسفياً، وقد صدر لي عدد من الكتب عن المكان، أعدها متقدمة كثيرًا جدًا عمّا بدأت به.

 

حاوره: حامد فاضل

naseer alsamawiهكذا هي الحياة دائما قصص وحكايات تجمع ما بين المسرات والأوجاع. والسرد فن جميل، ورسالة إنسانية عظيمة، وفي أحسن اشتغالاته الاقتراب من روح الواقع وتجلياته في التعبير عن طموحات الإنسان والانتصار لقضيته الأساس في العيش بحرية وكرامة واستقلال، ولن يتأتى ذلك إلا لمن أمتلك أدواته وتقاناته الفنية والجمالية مع سعة التجربة والخيال الخصب، واشتراطاته في استيعاب اللغة التي يكتب بها. وفي العصر الحديث بدأ السرد من خلال علاقته الجديدة بالواقع والإنسان معاً، يحتل مكانه الرائد بعد ان غادر القصور والأبراج العاجية، حيث كان في بداية مولده يعيش في زاوية ضيقة إلا مع من يهتم بجماليات القص وفضاءته الواسعة المطلة على العالم الآخر، حين أخذ بالغوص في دهاليز الحياة وما يشتبك فيها من مشكلات وأزمات وما يرافقها من حروب تواجه الإنسان المعاصر في رحلته وعذاباته، الذي ما انفك من التوقف عن السعي والنضال لتحقيق السلام المنشود، وتطلعاته الحالمة بمستقبل يسوده الأمن والطمأنينة.

ولأن بلادنا ما زالت تواجه جموع غفيرة من شذاذ وآفاق المعمورة في حربها ضد جبروت الطغيان وأعداء الله والحياة والجمال، بيد أن هنالك فضاء السرد ما زال يؤدي وضيفته في الكشف والتعبير عن الواقع الراهن ومحنة الإنسان المحاصر. وهذا ما نجده عند القاص نصير السماوي في مجموعته القصصية الأولى " لعبة الطين " التي تأخر في طبعها، حيث لم يفكر في دفعها للنشر إلا بعد أن أثبت لأسمه مكانة في فضاء القص، الصادرة عن دار أمل للطباعة والنشر/ دمشق - بغداد 2017 بالتعاون مع " الرابطة العربية للآداب والثقافة / فرع بغداد "، وقد ضمت بين دفتيها أربع وخمسين قصة قصيرة، وقصيرة جداً بواقع 95 صفحة قطع متوسط بطباعة فاخرة، وتصميم أنيق جاء معبراً عن رمزية الوحدة الموضوعية للمجموعة القصصية بلمسات ريشة الأستاذ فلاح العيساوي. وقد سبق للسماوي أن نُشرت له عديد من القصص في بعض الصحف والمجلات العربية والمحلية، وقد نالت استحسان القراء، كما أشاد بها بعض من أطلع عليها من النقاد العراقيين والعرب، ومنهم على سبيل المثال دون الحصر: الناقد بشير حاجم والناقد عبدالامير لازم والناقد محمد يونس والناقد محمد العميدي والناقد محمد الطوخي من مصر، وتمتاز لغته التي تقترب من لغة الحياة اليومية في رصدها للأحداث المروية - الآنية التي تتلبس مصائر شخوصه الغارقة في آتون الحرمان والتشظي، ما يجعلها تصل مباشرة إلى وجدان المتلقي، ويحرص القاص أن يقدم نماذج إنسانية متباينة بعض الشيء في مساراتها الحياتية وما يواجها، من خلال رؤيته للواقع المعاش، وتمتزج هذه الرؤية بنقودات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمعيشي المنفلت من خلال تجاربه ورصده للواقع بعين واسعة، وعادة ما يختار لقصصه تلك الشخصيات التي تعيش حياتها في مفترق الطرق فيدرس قضاياهم ويتبنى رؤاهم، ويظهر جلياً منهج القاص، فهو لا يتدخل شخصياً في القصة بل يترك ذلك لأشخاص القصة أنفسهم. فيبدأ بوصف دقيق للأشخاص والبيئة، ثم ينتقل إلى سرد ما يحدث من وجهة نظر هولاء وهم تحت تأثير البيئة الملتهبة التي يعيشون فيها. قدمها بأسلوب يمتاز بين السرد المباشر والحوار الداخلي " المنالوج"، وينتمي بعضها "إلى نوع من الكتابة غير العالمة حيث نجد عنصر المفاجأة يشد القارئ لمتابعتها، فضلاً عما تمتلكه من مقومات الحكاية والمفارقة والتكثيف واستخدام الرمز والتلميح والإلهام والخاتمة المتوهجة الواخزة وطرافة اللقطة واختيار العنوان، كما أنه استعمل نقط الحذف لخلق بلاغة الإضمار والصمت مما يولد حالة من الغموض تثير المتلقي القارئ للتأويل". وهي في معظمها تمثل الاتجاه الواقعي، وتتسم بالصدق في نقل صورة الواقع المعاش في زمن الفوضى والانفلات الأمني المضطرب، بالإضافة إلى أنها تتميز بعمق الأفكار وجِدتها فضلاً عن لغتها المعبرة كما قدمنا. فهي تجمع صورا ومعان شتى، كما أن أسلوبه كان يعتمد نقل كل ما يرمي إليه من معانٍ وأحاسيس بعمقها وتصويرها للطبيعة البشرية وحرصه على تحبيذ كل ما هو إنساني وهادف وجميل في نشاط المجتمع. وشخصياتها المرسومة بدقة متناهية. وقد أختار لها عنواناً من أحدا قصص المجموعة، حيث يشكل العنوان عتبة نصية تفضي إلى شرفات القصص، لما يعبر الطين عن رؤية وجودية فلسفية وجمالية في تشكيلاته المثيولوجية والإنسانية على مستوى الزمان والمكان ذات الدلالات المرمزة في معاييرها كنسغ يمد الحياة والوجود معاً بالنمو والبقاء المرتهن بجدية العمل والفعل الخلاق. ومن البداهة يظل الإنسان دائماً محكوم في بقائه وارتباطه بالأرض التي جبل عليها، وليس هناك مفر من الطين الذي يشكل جوهر الوجود المختلق والارتباط الحميم بوحدة الأرض، لذلك نجد السماوي في رسم شخصياته يتوخى الاقتراب من روح الإنسان في الإفصاح عن المشاعر التي تكتنفهم في صراعهم المحتدم من اجل الخروج والعبور من أزماتهم نحو بر الأمان والذي يتمثل بثقل المأساة التي تفرضها عليهم البيئة وطبيعة المكان الذي يتنقلون بين جنباته وكأنهم أناس محاصرين مسيرين لا مخيرين في قراراتهم، وبما ان الإنسان في طبيعته كائن اجتماعي يتوق إلى الانصهار في بوتقة الجماعة التي ينتمي إليها، والتي تشكل الوعي الجمعي لوحدة الآخرين، إلا إننا نجد معظم أبطال قصصه يعيشون حالات الاغتراب الروحي بفعل ما يمور به الواقع وما يفرزه من تداعيات ينعكس على السلوك العام ويجعل مهامهم في صعوبة بالغة وكأن الحياة تطاردهم دون القلة من الآخرين الذين يسرحون ويمرحون ويعيثون في الأرض خراباً وفساداً.

 ولا نجافي الحقيقة إذا ما قلنا بأن المجموعة القصصية الأنفة الذكر ستحضى باهتمام القراء كما ستحتفي بها المدونة النقدية لاحقاً لما فيها من تكثيف في اللغة وما تحمله من دلالات ومحمولات الصور الرمزية والتعبير عن جماليات المكان المفترض الذي يعزز من قيمتها القصصية كإنتاج جديد يطرح على المشهد الثقافي العراقي الذي يفيض بتجارب جديدة مغايرة تستلهم قضايا الإنسان والواقع الراهن بشكل يرتقي إلى مستوى الوعي النقدي.

لذا كان لابد لنا من اللقاء به في حوار مباشر حول تجربته القصصية وقضايا أخرى.

 

* في مجل أعمالك القصصية نجد هناك قلق دائم وألم نفسي وربما شخوصك غارقة بالوحدة؟

- القلق والألم النفسي شبهة تعتلي النفس البشرية وفي رأي المتواضع: هي حالة صحية للفرد كونها لا تنبع من فراغ بل تبرز للعيان من خلال طبيعة الحياة البشرية ألتي تضغط على الإنسان الذي يملك شعور عالي من الحس الإنساني ويمكن الاستدلال عليها من خلال ما يطرحه "الكاتب" في كتاباته ومن الصعوبة في مكان لكاتب تستهويه الكتابة عن أبطال رومانسيين في خضم ما يمر فيه بلده من ويلات ودمار فلذلك يسعى الكاتب وبما يمليه عليه الواجب في مثل هذه الظروف أن يكون شاهداً وكتابته أرشيف لما يجري في هذه الحقبة من الزمن.

 

* منذ متى وأنت تكتب القصة القصيرة، ولماذا هذا الفن بالتحديد دون بقية الأجناس الأخرى؟

- للعلم.. مارست في بداية شبابي فن الرسم " البوستر" وأقمت معرضين أحدهم تم تناوله في جريدة الجمهورية في بداية ثمانينات القرن الماضي.. ولي اهتمامات في المسرح وقد اعتليت خشبة المسرح في الجامعة بدور بطل لإحدى المسرحيات.. لي بعض المشاركات البسيطة في جريدة الراصد لكن ظروف الحياة التي يعرفها الجميع بالنسبة لجيلنا والتي كان الجميع يصارع في سبيل البقاء على قيد الحياة الأثر في عدم المتابعة والديمومة وجنس القصة فن جميل يتذوقه الأغلبية.

 

* كيف يتم توظيف التجارب والحيوات الإنسانية سردياً؟

- الحياة اليومية والتجارب عبارة عن مجموعة من القصص وعلى القاص اقتناص الفكرة أو حدث ليولد منه قصة تتقبلها مختلف المجتمعات الإنسانية وتكون هادفة لتغير واقع أو تلامس الشعور الإنساني للمتلقي.

 

* هل هناك حركة نقدية توازي ما يطرح من أنتاج سردي داخل المشهد الثقافي؟

- المنتج الثقافي اليوم كثير جداً والأساتذة النقاد في حركة دئوبة لمواكبة هذا الكم الهائل من الإنتاج ولا يخفي على الجميع هناك الغث والسمين.. وإذا سمح لي المقام لأقول : كان الله في عون أساتذتنا النقاد.

 

* هل أنت مع توظيف الشعر في لغة القصة والرواية؟

- يمكن للقاص الاستعانة ببعض الأبيات لضرورات القص لكن التوظيف بشكل مبالغ فيه شيئاً غير محبب فالشعر والقصة والرواية أجناس مختلفة ولكل منها مريديه.. أما اللغة الشعرية فيمكن للقاص الاستعانة بها في قصص بعينها لصلابة القطعة السردية مع الفكرة.

 

* كيف تقرأ إجرائيا واقع الإبداع في العراق وفي الوطن العربي؟

- هناك نشاط إبداعي لا يمكن إغفاله في الوطن العربي عموماً والعراق خصوصاً وهو في حركة نمو سريعة وبروز أقلام محترفة كثيرة تتناولها أقلام النقد بما يليق فيها والواقع في عموم الوطن العربي يتمدد مع مرور الزمن بالمبدعين. 

 

 

ali alqasimiد. علي القاسمي الأكاديمي والمبدع معروف، ولكن ماذا تقول عن علي القاسمي الإنسان الذي لا يعرفه إلاّ من اقترب منك؟

- اسمحي لي أولاً أن أشكرك على تفضلك بإجراء هذا الحوار معي. وأنا سعيد به، لأنني أحد المعجبين بأدبك الرفيع، خاصة في مجال القصة القصيرة، فأنت أميرة القصة العربية، إضافة إلى كونك أستاذة جامعية متميزة. أما الجواب على سؤالك، فهو أنّ علي القاسمي طالب علم. يبحث عن المعرفة في بطون الكتب، وصدور الرجال، وبحار الشابكة (الإنترنت).

 

 * الخبرة الطويلة والإبداع الموصول والمكانة العلمية والاجتماعية والأكاديمية الرفيعة التي وصل إليها علي القاسمي ماذا علّمته؟ وماذا أخذت منه؟

- ممارستي القراءة والكتابة والبحث العلمي، علّمتني وأمتعتني وأعطتني الشيء الكثير ولم تأخذ مني شيئاً. فالعمل، بوجه عام، يزيد الحياة متعة وجمالاً، لأن الإنسان يصبح أكثر إحساساً بجماليات الأشياء، وروعة الناس، ومباهج العالم الذي يعيش فيه.

 

 *ماهي المحطة الأهمّ في تجربتك الأكاديمية والإبداعية؟ ولماذا؟

- أعدّ أيام الدراسة الجامعية أجمل محطات الحياة، لأني كنتُ أقطف ثمار المعرفة دانية. تعلمين أنني ارتدت عدداً من الجامعات العربية والأوربية والأمريكية، وكنتُ مولعاً في قاعات الدرس، وأروقة المكتبات، وحلقات النقاش والمذاكرة. وما زال طعم تلك الأيام الحلوة على شفتيّ ومسمعيّ وحنايا الروح وشغاف القلب. والسبب في ذلك أنني كنتُ آنذاك أمارس هوايتي المفضلة التي نشأت عليها منذ صغري، وهي اكتشاف الأشياء واكتساب المعرفة بماهيتها. وما زلتُ أشعر بهذه اللذّة عندما أشارك في مؤتمرات المجامع العربية وأستمع إلى علمائها. إنها لذّة التلقّي وجمالياته.

 

 * ماهو الجانب الجميل الذي لا يعرفه النّاس عن علي القاسمي، ويتمنّى لو يعرفونه عنه؟

- لا أظن أنّ القارئ اللبيب يخفى عليه جانب من شخصية الكاتب، فهو يعرف الشيء الكثير عن أخلاقه، وطباعه، وميوله، وأفكاره، من مجرد قراءة إنتاجه الأدبي. فأسلوب الكاتب ينم عليه. " الأسلوب هو الشخص"، كما يقول النقّاد الفرنسيون.ربما لا يعرف القراء العرب أن الأغلبية الساحقة من كتّابهم وأدبائهم ليسوا محترفين، بل يمارسون الأدب هوايةً في أوقات فراغهم. فأنتِ نفسك أستاذة جامعية، وتكتبين في أوقات فراغك أو في الأوقات التي ينبغي أن تريحي نفسك فيها من عناء العمل، ولكن وهج التجربة الفنية يجتاحك ويحرقك في الأعماق، فتشكّلين من ألسنة اللهب نصاً أدبياً رقراقاً مثل مياه الجدول المنسابة، لعلك تطفئين الحرائق في الوجدان.

 

 *هل الوطن عندكَ هو حقيقة جغرافية أم معطىً إنساني وتواصلي؟

- في كتابي " مفاهيم العقل العربي" تطرّقت إلى مفهوم الوطن. فهو لدى بعضهم الفضاء الجغرافي المحدود، ولدى بعضهم الآخر الأهل والناس، ولدى فريق ثالث الثقافة والقِيم. وعندي أنَّ الوطن كلُّ ذلك وأكثر. فهو المحبّة المتبادلة، والوفاء المتجذّر، والطفولة الهنيئة في أحضان الأم، وابتسامة الأخت، ووجوه الأهل والجيران، والماء الذي نرتشفه، والهواء الذي نستنشقه، والطعام الذي نتذوقه، والتاريخ الحضاري الذي لوّنَ وجوهنا.

 

 * ما الذي يمكن أن يحزنك؟ وما الذي يمكن أن يجعلك تضحك من أعماق قلبك؟

- في حقيقة الأمر، ما يحزنني كثير، مع الأسف، وما يضحكني قليل. فما زال جرح فلسطين نازفاً في الفؤاد. ولكوني معلِّماً، يحزنني أنَّ أنظمتنا التعليمية في الوطن العربي أنظمةٌ طبقية، حيث يرتاد أبناء رجال السلطة والمال المدارس الأجنبية، ويتعلّم أولاد الطبقة الوسطى في المدارس الأهلية مقابل أجور باهظة، ويبقى أطفال الفقراء في مدارس حكومية سيئة التجهيز أو بلا مدارس. وهذا النظام التعليمي الطبقي لا يساعد على تحقيق التنمية البشرية المنشودة، بل على العكس يؤدّي إلى اضطرابات اجتماعية وثورات شعبية، يذهب ضحيتها خيرة شبابنا.

يحزنني أن أرى بعض أطفالنا بلا مدارس، وبعض شبابنا بلا عمل، وبعض أهلنا بلا طعام ولا سكن.

يحزنني انتفاء العدالة الاجتماعية، وغياب حقوق الإنسان في بلداننا بحيث يفقد العاطلون عن العمل والشيوخ ماء وجوههم بالاستجداء من الأهل والأصدقاء، لأن دولنا تحرمهم من حقهم في التعويض عن البطالة والشيخوخة، على الرغم من أن الحقوق الاقتصادية منصوص عليها في دساتيرنا.

 يحزنني أن أرى شوارعنا " العربية" مليئة باللافتات المكتوبة بالإنكليزية أو الفرنسية وليس بلغتنا الوطنية، وأن دولنا تتّخذ من لغة المستعمر القديم، الإنكليزية أو الفرنسية، لغة العمل في الحياة العامة والمؤسسات الاقتصادية والمالية، وأحياناً في الإدارة، ولغة للتعليم العالي. باختصار، إن الاستقلال الذي منحته الدول الاستعمارية لبلداننا العربية كان مشروطاً بالتبعية الثقافية والاقتصادية للمستعمِر.فمتى نحصل على الاستقلال الناجز؟

 

 *يقولون إنّ القادم هو الأجمل.فما هو الأجمل الإنساني والأكاديمي والإبداعي الذي تحلم بإنجازه؟

- طبعاً القادم هو الأجمل، لأنَّنا نتعلَّق بالأمل، فبدون نبض الأمل في النفس، تنتفي بهجة الحياة، ويتوقَّف نبض القلب.

1298 sanaa

* لك تجربة خاصة مع المعاجم .فكيف تقيّم هذه التجربة؟

- كانت دراستي في مرحلة الدكتوراه في جامعة تكساس في أوستن، في مجال اللسانيات - تخصُّص المعجمية - وقد مارست العمل المعجمي والمصطلحي عندما كنتُ خبيراً في مكتب تنسيق التعريب بالرباط. وقد اضطلعتُ بتنسيق عمل فريق اللغويين العرب الذين صنفوا " المعجم العربي الأساسي". ووضعتُ خطّة هذا المعجم ليكون أداة لتعلم اللغة العربية من قبل الناطقين باللغات الأخرى. وعلى الرغم من نواقص هذا المعجم فإنَّه من أفضل المعاجم الحديثة. بيدَ أنَّ السياسات التعليمية والإعلامية في البلدان العربية ترمي إلى تهميش اللغة العربية الفصيحة المشتركة، وترويج اللهجات العامية ولغة المستعمر القديم، الإنكليزية أو الفرنسية. ولهذا فإنها لا تعبأ مطلقاً بتشجيع تعليم العربية لغير الناطقين بها. ونتيجة لذلك فإن استخدام ذلك المعجم محدود جداً. غير أنَّ المعجم الذي أعتز به هو " معجم الاستشهادات" الوحيد من نوعه في مكتبتنا العربية. فهو يرتب الموضوعات ألفبائياً، كالحبّ، والحرِّية، والحسد، والحياة، إلخ.، وتحت كلِّ موضوع يأتي بما يستشهد به الكتّاب والمتحدثون من آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، أو نصوصٍ من الكتاب المقدس، أو أمثال سائرة، أو حِكمٍ مرعية، أو قواعد قانونية، أو أقوال مأثورة. فهو خلاصةٌ مبوبة للفكر العربي وقِيمه ومُثله. وقام الناشر، مكتبة لبنان ناشرون، بإصدار ثلاث طبعات منه: " معجم الاستشهادات"، و " معجم الاستشهادات الموسَّع"، و"معجم الاستشهادات الوجيز للطلاب". وهو كتاب مرجعي ضروري للكاتب، والأستاذ، والطالب، والمحامي، والصحفي، والواعظ، وكلِّ مَن يمارس الكتابة أو الخطابة. وإضافة إلى ذلك أصدرتُ عدداً من الكتب الأكاديمية في المعجمية والمصطلحية مثل: " علم اللغة وصناعة المعجم"، "لغة الطفل العربي"، " الترجمة وأدواتها"، السياسة الثقافية" وغيرها (وجميعها من منشورات مكتبة لبنان ناشرون في بيروت) وضعتُ فيها خلاصة دراساتي النظرية وتجاربي العملية في الموضوع، ليستفيد منها أبناؤنا الطلبة. ولهذا فهذه الكتب تستخدم مراجع في عدد من جامعاتنا. وسعدت حقاً عندما علمتُ أنك تستخدمين بعضها في جامعتك.

 

 *من هو علي القاسمي؟ أهو الأكاديمي أم المبدع؟ وأين تجد نفسك بالتحديد؟

- يضطلع كلُّ فردٍ منا بأدوار متعددة في آن واحد على مسرح الحياة. وكما ذكرتُ سابقاً، فأنا أستاذ جامعي بالمهنة، وكاتب بالهواية. وحينما أقوم ببحث علميّ، أجدني أتقيّد بمبادئ البحث الموضوعي. وعندما أكتب نصاً أدبياً، أجد نفسي سارحاً في التخييل الذاتي. وكلاهما يمنحني لذة ومتعة.

 

* عاينت تجربة التّدريس الجامعي في كثير من الجامعات العربية وغير العربية.

فكيف تقّيم الواقع الأكاديمي العربي في ضوء تجربتك الواسعة في هذا المضمار؟

- عزيزتي، لقد فشل تعليمنا الجامعي في قيادة التنمية البشرية وتحقيقها في بلداننا، على عكس الحال في بلدان عديدة كانت في الخمسينيات والستينيات أقل نمواً من بلداننا مثل فنلندا، وكوريا، وماليزيا وغيرها، وأصبحت اليوم من أرقى الدول بفضل تعليمها الجامعي. ولقد خصصتُ هذا الموضوع بكتابٍ كاملٍ عنوانه " الجامعة والتنمية "، أشرت فيه إلى أنَّ تعليمنا الجامعي بحاجة إلى إصلاح شامل في أهدافه وهياكله وبرامجه وطرائقه ووسائله، ولا يمكن تحقيق هذا الإصلاح بدون إصلاح المنظومة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية برمتها في بلداننا.

من مشكلات جامعاتنا أنها تدرّس العلوم النظرية والتطبيقية بلغة المستعمِر القديم، الإنكليزية أو الفرنسية، التي لا يجيدها أغلبية الطلاب الساحقة. ولهذا فإنهم لا يتمثلون المعلومات العلمية ولا تصبح جزءا من منظومتهم المفومية، ولا يستطيعون الإبداع فيها، ولا يتمكّنون من نقل معلوماتهم إلى غيرهم من المواطنين. ويبقى العلم في وطننا أجنبياً وللخاصة فقط. ولصعوبة لغة التعليم العلمي الجامعي، يميل معظم الطلاب إلى الانخراط في التخصُّصات الإنسانية، في حين أن التنمية البشرية تحتاج إلى أعداد أكبر من المتخصّصين في العلوم والتكنولوجيا.

 

* أيّ السياقات الفكرية والإبداعية والذّاتية التي تستحوذ عليك في تجربتك القصصية الممتدة في أكثر من مجموعة قصصية؟

- في كتاب الناقد الدكتور عبد المالك أشهبون " علي القاسمي: مختارات قصصية مع دراسة تحليلية" (2012) قسّم هذه السياقات إلى أربعة أقسام: الطفولة، الغربة والحنين، الوطن، الحب الخائب.

وهذا ما يتّفق معه عليه الناقد إبراهيم أولحيان في كتابه " الكتابة والفقدان: قراءة في التجربة القصصية عند علي القاسمي" (2011) الذي يعدُّ تلك السياقات المختلفة مظاهر لفقداني طفولتي ووطني وجميع من أحببتهم. فموضوعة الفقدان هي السائدة في قصصي. بعبارة أخرى، يقول النقّاد إنَّنيكاتبٌخاسر، فقدَ بطَّته في صغره، وفقدَ وطنه في كبره، وأضاع جميع ما لديه، وخسر حتى أوهن أحلامه.

 

* إلى أين تسير تجربة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين فيها وفق تجربتك الشخصيّة؟

- أعلم أن سؤالك هذا نابع من اشتغالك الجادّفي ميدان تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الأردنية، تدريساً وتأليفاً وبحثاً. وكان بودّي أن أجيب عليه بصورةٍ ترضيكِ وتشجعك. ولكن الأمانة العلمية تقتضي أن أقول لك بصراحة إنَّ تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها عبث ضائع لا مستقبل له في ظلِّ السياسات العربية الراهنة. وباختصار، كيف تريدين أن يُقبِل الأجانب على تعلّم لغةٍ يحتقرها أهلُها ويهمشونها، بل يعملون على تدميرها في مختلف معاهد التعليم، ووسائل الإعلام، وجميع المؤسسات المالية والاقتصادية، وفي الحياة العامة؟؟؟!

 دعيني أضرب لك مثلاً عملياً. تعلمين أنَّ اللغة العربية هي إحدى اللغات الرسمية الست في منظَّمة الأمم المتحدة وفي جميع المنظَّمات الدولية الأخرى، منذ أوائل السبعينيات. ولكن ممثِّلي البلدان العربية في تلك المنظَّمات لا يستخدمون اللغة العربية مطلقاً، بل يتشبَّثون باستخدام لغة مستعمِرهم القديم، الإنكليزية أو الفرنسية.

قبل بضعة أشهر قررتْ منظمة اليونسكو قبول فلسطين عضواً كاملاً فيها. تابعنا الخبر بفرح. وسمعتُ مندوب فلسطين في هذه المنظمة بأُمّ أذني ورأيتُه بأمّ عيني، وهو يشكر المنظَّمة على قبول فلسطين عضواً كاملاً فيها، ولم يتكلّم باللغة العربية وهي إحدى اللغات الرسمية في اليونسكو، بل باللغة الفرنسية. وفي الوقت نفسه كان زميله مندوب فلسطين في منظَّمة الأمم المتّحدة بنيويورك يقدّم طلبه لقبول فلسطين عضواً كاملاً فيها، باللغة الإنكليزية. ما الرسالة التي يريد هذان المندوبان إيصالها إلى تلك المنظَّمات وإلى العالم. دعيني أقرأ لك المضامين الضمنية:

أولاً، فلسطين لا تستحق العضوية الكاملة، فهي لا تمتلك لغة وطنية ولا قومية، بدليل استخدامهما أية لغة أخرى عدا العربية. واللغة هي جوهر الهوية الوطنية، وإحدى ركائز الدولة المستقلة الكاملة العضوية، تماماً كالعَلم.

ثانياً، نصيحة واضحة خالصة لجميع الطلاب الأجانب بعدم تعلُّم اللغة العربية، فلا فائدة تواصلية منها،  بدليل أن " العربي" نفسه لا يستعمل لغته الوطنية.

ثالثاً، نصيحة واضحة خالصة لجميع طلاب اللسانيات العرب والأجانب بعدم التخصُّص في الترجمة من العربية وإليها، بدليل عدم الحاجة إلى الترجمة من العربية وإليها في المحافل الدولية، لأنَّ المندوبين العرب لا يستعملون اللغة العربية فيها.

صدِّقيني، عزيزتي،  لو استخدم المندوب الفرنسي في منظَّمة الأمم المتحدة في نيويورك شيئاً من اللغة الإنكليزية سهوا في خطابه، فإن حكومته ستطرده حالاً من وظيفته وتسجنه ستة أشهر، تطبيقا ًلقانون " حماية اللغة الفرنسية" الصادر عن الجمعية الوطنية الفرنسية سنة 1992،  وهو تأكيد لقانون فرنسي صادر سنة 1792. نعم، العرب كذلك عندهم نص بوجوب استخدام العربية وردفي ما هو أرقى من القانون، أي الدستور، الذي ينصُّ على رسمية اللغة العربية، ولكن من سمات الدول المتخلِّفة أنَّ لديها قوانين راقية ولكن لا تطبقّها، تماماً كما تنصّ دساتيرنا على صيانة حقوق الإنسان، وحقوقه الاقتصادية.

عزيزتي، إذا قال لك أحد المندوبين العرب في المنظّمات الدولية إنّه يستخدم الفرنسية أو الإنكليزية، لئلا يسيء المترجمون مقاصده، فاعلمي أنّه جاهل بعمل أقسام الترجمة في هذه المنظمات. فأيُّ مندوب يستطيع أن يترجم خطابه إلى اللغة التي يريدها مسبقاً، ويسلّم نسخة منها إلى قسم الترجمة الذي يتولّى تلاوتها في حينه بنطقٍ أفضل من نطق المندوب العربي، لأنَّ القاعدة المتَّبعة في هذه المنظمات هي أن يترجِم المترجِم الفوري (التُّرجمان) إلى لغته الأمّ. بمعنى أن مَن يترجِم مِن العربية إلى الفرنسية هو مترجم فرنسي يتقن العربية، ومن يترجم من الفرنسية إلى العربية هو مترجم عربي يتقن الفرنسية.

اسمحي لي أن أضربَ لك مثلاً آخراً عن احتقارنا نحن العرب للغتنا العربية: تعلمين أنَّ دول الخليج " العربية" تستخدم أكثر من عشرين مليون عامل أجنبي معظمهم من دول آسيا كالهند والفلبين وتايلند، على الرغم من وجود حوالي خمسة وعشرين مليون عاطل عربي، طبقاً لإحصاءات منظمة العمل العربية. ويشتَرط في هذا العامل الوافد معرفته باللغة الإنكليزية، فتقوم الدول الآسيوية بتنظيم دورات مكثفة بالإنكليزية مدتها حوالي ستة أشهر للراغبين في العمل في دول الخليج. ولما كانت نسبة العمالة الوافدة إلى السكان العرب الأصليين هي حوالي 90 بالمائة، أصبحت اللغة الإنكليزية فعلياً هي اللغة السائدة، وأمسى ابن البلد لا يستطيع شراء الخبز أو ركوب سيارة الأجرة إلا باستعمال اللغة الإنكليزية الآسيوية المكسّرة. وأصبح من الممكن بسهولة تحويل هذه الدول إلى بلدان ناطقة بالإنكليزية لا علاقة لها بالسكان الأصليين الذين سيبقون أقلية ذليلة، كما حدث في تحويل سنغافورة من بلاد ماليزية إسلامية إلى دولة ناطقة بالإنكليزية لا علاقة لها بالإسلام والماليزيين. وهذا ليس كلامي، بل مقتبس من كلام اللواء ضاحي خلفان قائد شرطة دبي، الذي نشره في مقال بعنوان " نبني عمارات ونفقد إمارات" في جريدة " الشرق الأوسط" السعودية الصادرة في لندن في عددها 11021بتاريخ 30/1/2009. وقد توصَّل لهذا الاستنتاج عددٌ من مفكري الخليج وأكاديميِّيه مثل الدكتور صالح الكواري من قطر والدكتور حسين غباش من الإمارات العربية المتّحدة وغيرهما.

أنت تتمنين نشر اللغة العربية في العالم، وتعليمها لغير الناطقين بها؟ كان من الممكن جداً تحقيق هذه الأمنية خلال الثلاثين سنة الماضية، لو طلبت الدول العربية من العمّال الوافدين أن يتعلموا اللغة العربية الوظيفية قبل أن يُمنحوا تأشيرة الدخول. وهذا ما تفعله حالياً الدول الأوربية مثل ألمانيا وهولندة وبلجيكا التي لا تمنح تأشيرة العمل أو الإقامة أو الدراسة، إلا بعد أن يتعلّم الشخص لغتها ويجتاز امتحاناً معيّناً فيها.

 

*عانيتَ تجربة التعريب في سيرتك الأكاديمية. فما مدى إسهام التعريب وفق رأيك في دفع عجلة النّمو المصطلحي العلمي العربي؟

- فعلا، اشتغلتُ اربع سنوات خبيراً في مكتب تنسيق التعريب بالرباط، المسؤول عن توحيد المصطلحات في الوطن العربي، واستفدتُ من هذه التجربة في تأليف كتابي " علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" (2008) الذي يقع في 821 صفحة، وتستخدمه كثيرٌ من الجامعات العربية. ومن بواعث سروري أنكِ أنتِ بالذات اخترتِ استخدامه في جامعتكِ، وهذه شهادة أفتخر وأعتز بها. ولكنَّ المصطلحات العلمية العربية التي تضعها مجامعنا اللغوية ويوحِّدها مكتب تنسيق التعريب، لا فائدة منها، فهي مولَّدات لا تُكتب لها الحياة إلا بالاستعمال. ولما كانت جامعاتنا العربية تدرّس العلوم بلغة أجنبية وليس بالعربية، فإنّ هذه المولدات لا تُستعمَل، بل تبقى في طريحة بطون الكتب وعلى رفوف المكتبات التي يكفّنها الغبار والتراب. ولا توجد حركة ترجمة علمية عربية تستفيد من هذه المولَّدات. فالترجمة هي سلعة تخضع لقانون العرض والطلب. وليس هنالك طلب عليها في بلادنا العربية لأننا نعلِّم العلوم بلغة أجنبية، مهما كانت تراكيبها وأصواتها مكسّرة ومتدنية، فلماذا نترجم الكتب العلمية العالمية. وهكذا تبقى اللغة العربيةمثل بطة عرجاء تمشي برجل الإنسانيات وليس لها رجل العلوم والتقنيات. هذا ما يريده مسؤولو التعليم العرب للغتنا، بحجّة التفتح على العالم والانفتاح على لغة العِلم، وكأن كوريا المتقدِّمة جداً علمياً وصناعياً، مخطئة في استعمال لغتها فقط في التعليم في مختلف مراحله ومستوياته وفي الصناعة والبحث العلمي. وكأن الكوريين منغلقون على أنفسهم، رغم أنّنا في البلاد العربية نعيش على منتجاتهم الصناعية، ورغم أنّ بعضهم يجيد اللغات العالمية الأخرى بما فيها العربية.

 

* لماذا كتبت كتاب" العراق في القلب"؟

- إنّ كتابي "العراق في القلب" الذي تقع طبعته الثانية في 721 صفحة من الحجم الكبير، هو مجرد مجموعة من الدراسات المتفرِّقة في حضارة العراق وتاريخه الثقافي، كتبتها في أوقاتٍ مختلفةٍ نتيجةً للحنين الذي ينتابني للعراق خلال الفراق الذي دام أكثر من أربعين عاماً، على الرغم من أنّني أعدّ نفسي محظوظاً، لأنني لا أعيش في ديار الغربة، بل بين أهلي وقومي في أرض المغرب المعطاء ذي الحضارة العريقة،  المشهور بدماثة خلق أهله وكرمهم الذائع الصيت.

 

أجرى اللقاء في المغرب/ فاس: الأديبة د.سناء الشعلان

 

 

1291 maryabarkla- الصدفة التي قادتها الى فنلندا دفعتها الى ترجمة أكثر من ثلاثين كتابا للعربية، أحدها فاز بجائزة أفضل كتاب مترجم لعام 2012

- المترجمة "ماريا باكلا": أولى تجاربي في الترجمة من الفنلندية للعربية رواية "بيت الفراشات السوداء" واهمها كتاب "بحرنا المشترك"

عرفت السنوات الأخيرة نشاطا ملفتا في ميدان الترجمة الأدبية من اللغة الفنلندية الى اللغة العربية، ومن بين أهم المبدعين في هذا المجال المترجمة المغربية ماريا باكلا "Maria Pakkala" المولودة في المغرب عام 1977. والتي تحمل شهادة الماجستير في ترجمة الأدب الإنجليزي. ماريا وبعد قادتها الصدفة إلى فنلندا تعلمت اللغة الفنلندية، وقامت بترجمة أكثر من ثلاثين كتابا من بينها رواية "بيت الفراشات السوداء" للأديبة الفنلندية لينا لاندر. إضافة إلى كتاب "بحرنا المشترك" للبرفيسور الفنلندي هامين أنتيلا الذي حصل على جائزة أفضل كتاب مترجم إلى العربية لعام 2012 من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، إضافة إلى عشرات الكتب المعنية بأدب الأطفال، من أجل الاقتراب أكثر من تجربة ماريا باكلا جاء الحوار التالي:

 

- ما الذي قادك الى فنلندا..؟

- جئت الى فنلندا عام 2002 قادني إليها جهلي بالجغرافيا، كنت أعتقد أنني متوجهة إلى بلاد تتحدث الانجليزية، لأنني اعتقدتها محاذية لإنجلترا وإيرلندا، لكنني تفاجأتُ بموقع فنلندا الجغرافي وبلغتها، حينها لم أكن أنوي البقاء أكثر من عام ثم العودة بعد ذلك، مر عام وكنت مترددة بالعودة حينها قررت تعلم اللغة ولو بشكل محدود، لكن لم تكن لدي فكرة الاستقرار بفنلندا. ثم عام 2004 ارتبطت بالزواج في فنلندا، وطلب مني زوجي البقاء لمدة عام وبعدها قد نغادر فنلندا سوية، ثم شيئا فشيئا وجدت نفسي انخرطت بالواقع الفنلندي وعملت في مجال الترجمة.

- كم كتاب ترجمتي حتى الآن..؟ وما هو اول كتاب قمتي بترجمته من الفنلندية للعربية؟

- أكثر من ثلاثين كتابا ترجمت حتى الآن، أولى التجارب كانت عام 2007 مع رواية "بيت الفراشات السوداء" للأديبة الفنلندية "لينا لاندر". كانت تجربة صعبة ومخيفة بالنسبة لي، كنت متخوفة من الوقوع من حيث لا أشعر بألغام لغوية خصوصا في لغة مثل اللغة الفنلندية، ترجمة الأدب تحتاج إلى دراية وخبرة كبيرة، ورغم أنني حاصلة على ماجستير ترجمة وسبق لي أن ترجمت كتبا عن الانجليزية إلا أن الخوض في ترجمة من الفنلندية مجازفة.

- لماذا اخترت هذه الرواية دون غيرها في بداية مشوارك بالترجمة من الفنلندية للعربية؟

- أنا بالحقيقة لم اختر الرواية، كان هناك ناشر عربي من سوريا قد قرأ الرواية بالألمانية، أعجب بها، وكان يبحث بقوة عمن يترجمها من لغتها الام للعربية، وقد رشحني لتلك المهمة البروفيسور الفنلندي المختص بالدراسات الشرقية "ياكو هامين أنتيلا"، فقبلت التحدي وترجمت الرواية رغم صعوبة المهمة والقلق الذي رافق التجربة، لكنها نجحت في نهاية المطاف ولاقت أصداء جيدة جدا. عن هذه الرواية أود الإشارة إلى نقطتين من أجل توضيح الصورة:

الأولى: قبل ترجمة رواية الفراشات السوداء للعربية قام الأديب المعروف المرحوم "سحبان مروة" بترجمة رواية "حبل مانيلا" و"ملحمة الكاليفالا" من الفنلندية للعربية، لكن، ولأنه لم تتم مراعاة حقوق النشر، لا تعتبر بداية رسمية. ومن هنا يقال: إن رواية الفراشات السوداء هي الرواية الفنلندية الأولى التي ترجمت مباشرة من الفنلندية للعربية.

النقطة الثانية: لقد رافق الرواية ضجة سلبية أيضا في الإعلام الفنلندي بعد عودتنا أنا والمؤلفة من رحلة إلى سوريا، في سوريا حملنا السوريون على كفوف الراحة وقدموا لنا كل شيء، لكن الاديبة ادعت أن العرب هددوها في سوريا وأنها عاشت ظروفا صعبة هناك، وكتب الكثير عن ذلك في الإعلام الفنلندي. الملفت أن الكاتبة أرادت إثارة إعلامية عن الموضوع لأنها كانت تستعد لإصدار طبعة ثانية من الرواية في تلك الأثناء إضافة إلى فلم سينمائي كان سيعرض بعد أسابيع من رحلتنا. لذلك، فقد أرادت لفت الأنظار لها مرة أخرى، ما حصل كان بالنسبة لي صدمة. لكن تجاوزت الصعوبات وترجمت لاحقا تجارب نجحت أيضا، فكانت دافع للاستمرار.

- شاهدت لك صورة مع أمير الكويت يسلمك فيها جائزة هل من تفاصيل حول ماذا كانت الجائزة؟

- قمت بترجمة كتاب "بحرنا المشترك" للبرفيسور ياكو هامين انتيلا من الفنلندية للعربية. الكتاب حصل عام 2012 على جائزة أفضل كتاب مترجم إلى العربية لعام 2012 من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي. فكرة الكتاب تتحدث عن التقارب ما بين الشعوب وعن أن الكثير من المنجز الغربي له امتداد شرقي. الكتاب يهدف الى التأكيد على أننا في نهاية المطاف عائلة واحدة. كتب عن الكتاب في الاعلام العربي الكثير، وكان محل إعجاب المتابعين. وايضا من التجارب المهمة التي ترجمتها كتاب "عاشق الصحراء" للكاتب "كاي اورينبري" الذي يتحدث عن حياة الرحالة الفنلندي "جورج اوغست والين" الذي زار المنطقة العربية وكتب عنها، الكتاب ورغم أن فيه بعض الانطباعات السلبية هنا وهناك عن المنطقة العربية إلا أنه لاقى استحسان النقاد.

1291 jamal

- ما هي أبرز العقبات التي يواجهها المترجم بين الفنلندية والعربية؟

- على صعيد ايصال الكتاب وايجاد ناشر هناك صعوبات كثيرة، فنلندا ليست معروفة، وليس من السهولة اقناع الناشر بان الكتاب الفنلندي سيقدم إضافة مهمة للقارئ العربي. في العادة يطلب بعض الناشرين الترجمة بشكل مسبق ثم بعد ذلك يتخذ القرار بقبولها أم لا! أكثر الكتب المطلوبة من شمال أوروبا في العالم العربي هي كتب أدب الطفل. هذه لها حظوة خاصة، أما كتب الناشئة فتكاد تكون مرفوضة لأنها تتوقف مع مشكلات المراهقة والعلاقة بين الجنسين.

على الصعيد التقني ومهارات الترجمة هناك صعوبات أيضا، ليس هناك فوارق كثيرة بين الفنلندية المحكية والفنلندية الفصحى وهذا عكس اللغة العربية، ناهيك عن أن الفنلنديين لهم سقف كبير من الحرية بالكتابة، وهذا عكس ما موجود في العالم العربي، هناك محرمات، هناك رقابة، وقد حصل معي ذلك في كتاب "كاليفالا الأطفال"، إذ رفض من قبل الرقابة في الامارات بسبب تفاصيل لها علاقة بالجنس، لكن رفضوه بطريقة دبلوماسية. هذه التفاصيل تدفعك الى زرع رقيب بداخلك، لأنك تتجنب مسبقا ترجمة تجارب من هذا النوع. أنا شخصيا ترجمت كتب الادب والكتب الانسانية، الكتب الانسانية أسهل بكثير ولا توجد فيها محاذير كثيرة.

لكن الأمور الآن أصبحت أفضل بعض الشيء بالقياس لما سبق، بعد تجربة من العمل بدأت أتواصل مع ناشرين بعينهم لأن المعرفة المتبادلة بين الطرفين تسهّل العمل وتزرع الثقة، وتقلل دائرة المشكلات. وأيضا لدينا تعامل مهم مع دار الساقي التي تنشط في مختلف أنحاء أوروبا، قمنا بطباعة كتب فنلندية في دار الساقي وهذا مهم جدا.

- اجريت حوارا سابقا مع الاديبة الفنلندية "كاتري تابولا" وسألتها عن كتاب لها على غلافه عنوان بالعربية "نزهة الاماني" اجابت انها كتبته بالتعاون معك... هل بالإمكان الحديث عن تلك التجربة؟   

- نعم الكتاب من تأليف كاتري تابولا لكنها تحدثت معي بالتعاون معها في تنضيج تجربة فيها اضافة عربية، فكنت أساهم بتقديم الملاحظات حول ما تكتب اثناء كتابة الكتاب، كنا نتبادل وجهات النظر اضافة بالطبع الى الفنانة "سانّا بليتشيوني" التي تكفلت برسوم الكتابة ايضا كانت تتصور معنا الرسومات المناسبة. لقد اضفنا تجربة الطفل "سلامة" القادم من بلد عربي ما، وايضا التوابل السبعة، كانت تلك تجربة مميزة مع اديبة مثل كاتري تمتلك عقلية فذة ومميزة، وتتقبل النقد برحابة صدر.

- هل كان التعاون ورشة عمل على طريقة ماركيز بالكتابة؟

- نعم بالضبط.. كنت اتحدث مع كاتري عن قناعاتي بخصوص النصوص التي تكتبها في الكتاب وهي تقوم بالتعديل واعادة صياغة القصة.

- هناك باحثون فنلنديون اقاموا في المغرب وكتبوا عنها في مطلع القرن العشرين كما هو الحال مع "ادفارد ويستر مارك".. كيف وجدتي تلك التجربة؟

- تجربة ويستر مارك مهمة جدا، كان توثيقا وعملا صعبا وعميقا، لكن ربما المغاربة الذين يعيشون وسط المغرب قادرون أكثر مني على تقييم التجربة، أنا عشت في شرق المغرب، والمغرب متنوع الاقوام والديانات، وفيه ثقافات مختلفة تماما.

- هل أنت مع الرؤية التي تقول: كلما قمت بتشريح الشرق أكثر تجد طريقك الى الاهتمام في فنلندا وبقية بلدان الغرب بشكل أكبر؟

- الى حد ما اتفق مع تلك الرؤية، ربما لو انجزت عملا يتحدث عن امرأة مضطهدة في اي بلد عربي سينجح العمل، ولو انجزت عملا عن امرأة واجهت المصاعب أو أن هناك امرأة لديها مشكلات ليس ورائها الرجل الشرقي لا أعتقد أن العمل ينجح. المشكلة هي التنميط، نحن قد تم تصنيفنا بحيث أصبحت صورتنا سيئة، شخصيا خلال المحاضرات التي ألقيتها في فنلندا ألاحظ أن المتلقي مستعد أكثر لتقبّل انتقاداتي لثقافات أو سياسات البلدان العربية أكثر من استعداده لتقبّل إشاداتي بهذه الثقافات والسياسات. عادة ما أشعر أن المتلقي لا يقبل إلا الأفكار التي ترسّخ لديه فكرته المسبقة. وهذا يؤسفني.

 

هلسنكي - جمال الخرسان

 

 

karima nooresawi- حقق التنصير انتصارات في بعض الدول الأفريقية بسبب الاستعمار والجهل والجوع. أما في المغرب فاعتناق البعض للمسيحية يبقى مجرد استثناء.

- دستور 2011: الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية.

- عدد معتنقي المسيحية في المغرب لا يخلو من تهويل مبالغ فيه قد تروجه جهات معينة.

جاءت دعوات الرسل والأنبياء بفكرة التوحيد وإلى شفاء المجتمعات الإنسانية من الأمراض الاجتماعية، وتنقيتها من الشوائب الحضارية التي علقت بها عبر التاريخ، وتخليص الإنسان من كافة أشكال التسلط والاستعباد من سيطرة الطبيعة وتعدد الآلهة ورموزها والكهنة.

ظهر رجال دين يمارسون دور الوصاية والوساطة بين البشر والآلهة، وضاعت قيم العدل والمساواة والحرية التي جاء بها التوحيد.

بعد مرحلة تطرف الكنيسة واحتكار تأويل النصوص الدينية بتنا نواجه تطرفا في احتكار تأويل النصوص الإسلامية من خلال فكر شمولي غريب عن سماحة الدين، عبر عن وجوده بأسماء كالقاعدة وداعش وغيرها من الكائنات التي تكفر المسلم قبل المسيحي واليهودي، وعالم متوحش تفترس فيه مصالح المصانع والمطامع إنسانية الإنسان وقيمها النبيلة كالتسامح والحق في الاختلاف والتضامن والحب .

وأصبحت م في سياق آخر استمرارية قوة دول مرتبطة باستمرارية ضعف دول أخرى، فلا تتوانى القوية في خلق القلاقل والنزاعات ودعم الأقليات وتأجيجها وتحويلها إلى أوراق ضغط للحفاظ على الفارق في سرعة التنمية. في هذا السياق وإيمانا بقيمتي التسامح والحق في الاختلاف وتفعيلا لمبدأ اليقظة أستحضر الخروج الأخير للتنسيقية الوطنية للمسيحيين المغاربة وتواصلها مع مؤسستي المجلس الوطني لحقوق الإنسان ورئاسة الحكومة أثناء الإعدادي لحواري مع الدكتورة كريمة نور عيساوي الباحثة في علم مقارنة الأديان للمساهمة في الفعل التنويري المغربي، لأننا إخوة في التراب والروح قبل أن نكون إخوة في الوطن، وهذا نص الحوار

تقديم وحوار: يوسف العزوزي:

 ...............

 

سؤال 1: ماهي علاقة المغرب بالمسيحية من الناحية التاريخية والثقافية؟

-يُخطئ من يعتقد أن المسيحية طارئة على فضاء الثقافة المغربية، وأنها وفدت إليه فقط إبان العصر الحديث تزامنا مع بداية الاحتلال الفرنسي لأجزاء من شمال أفريقيا. فالمسيحية ضاربة بجذورها في التاريخ القديم، وكانت تُشكل مكونا أساسيا من مكونات الثقافة المغربية القديمة. وليس صدفة أن يُنتج ساكنة هذه المنطقة مسيحية ذات صبغة أمازيغية تُعرف بالدوناتية ارتدت ثوبا احتجاجيا تمثل في إعلان تمردها على الحكم الروماني، ورفضها القاطع لتعاليم الكنيسة الرسمية. وليس صدفة أن تكون شمال أفريقيا في الوقت نفسه هي موطن بعض كبار آباء المسيحية أمثال القديس أغوسطين المدافع القوي والشهير عن المسيحية الرسمية. غير أن مجيء الفتوحات الإسلامية سيُسهم. بشكل كبير، في وضع حد لنمو وتطور وانتشار المسيحية. لا نعرف، على وجه التحديد، كيف تم هذه الأمر، ولا ندري لماذا لم يتمسك بعض الساكنة بهذا الدين مثلما هو الحال في الشرق العربي. هي أسئلة محيرة يصعب أن نجد لها جوابا مقنعا. إن المهم بالنسبة للباحث أو المؤرخ هو أن المسيحية انسحبت تدريجيا من فضاء الثقافة المغربية إلى أن اختفت تماما. غير أن علاقة المغرب بهذه الديانة لم تنقطع في يوم من الأيام بسبب وجوده في الضفة المقابلة للغرب المسيحي، وما يقتضيه هذا الجوار من حركة تجارية نشيطة، وعلاقات دبلوماسية، وتبادل للأسرى.

سؤال2: يعرف المغرب مؤخرا نقاشا غير مسبوق في بعض القضايا الإسلامية وصل إلى نصوص قطعية الدلالة، هل لخروج تنسيقية المغاربة المسيحيين الإعلامي علاقة بهذا الانفراج في المناخ الفكري؟

-سبق المغرب الكثير من دول العالم العربي والإسلامي إلى إرساء الديمقراطية، وإقرار نظام التعدد الحزبي في الحياة السياسية، وضمان حريتي التعبير والصحافة، لكن مع تطور تكنولوجيا الإعلام والتواصل، ستتوسع كثيرا رقعة الحريات، وسيصبح الخوض في بعض القضايا الساخنة والشائكة أمرا متاحا. وقد استفادت تنسيقية المغاربة المسيحيين من هذه الوضعية المريحة لكي تُعلن عن نفسها دون خوف من المتابعة القضائية. خاصة أن دستور 2011 في الوقت الذي نص فيه على أن الإسلام دين الدولة أضاف بعد ذلك بأن الدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية. الأمر الذي أضفى على حرية المعتقد نوعا من الغموض المنفتح على مجموعة من التأويلات. هذا بالإضافة إلى أن القانون الجنائي، في الفصل 220، لا يعاقب سوى كل من استعمل وسائل الإغراء لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى. ولا يجب أن ننسى كذلك بأن المغرب صادق سنة 2014 على قرار أممي يؤكد على حرية المعتقد.

سؤال3: كيف تقيمين هذا الحراك الفكري، وماهي جوانبه الإيجابية والسلبية؟

-إيجابيات هذا الحراك الفكري أكثر من سلبياته. قد تنجم عنه في أول الأمر بعض الانزلاقات الناتجة عن حداثة التجربة، وعن سلطة الجهل، وعن تلقي نوع من التربية التي تميل إلى الاستبداد بالرأي . فالحرية في نهاية المطاف مسؤولية، والحرية هي نتاج تربية وتعليم معينين. إن هذا الحراك الفكري يؤكد على أن هناك آراء مختلفة ومتباينة، وأن المغرب الذي قطع شوطا كبيرا في مجال الحريات يتسع للجميع. من حقك أن تخالفني الرأي، ومن حقي أن أخالفك الرأي. وسنكون قد حققنا خطوة كبرى في ترسيخ قيم التسامح والحوار والتفاهم حينما أتعلم أن أستمع إليك وتتعلم أن تستمع إلي دون أي محاولة للتخوين أو تبادل التهم أو الشتم. فهدفنا في الأخير هو بناء الوطن.

سؤال 4: عندما نتحدث عن المسيحية نثير مسألة الحق في ممارسة الطقوس الدينية. ما رأيك في ذلك؟

-من السابق لأوانه الحديث عن الحق في ممارسة الطقوس الدينية وإن كانت الحياة قد بدأت تدب في بعض الكنائس التي يتوافد عليها حاليا بعض المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء أو بعض الأجانب المقيمين في المغرب.

سؤال 5 تزاول عملية نشر الدين المسيحي (التبشير أو التنصير)، بين التغرير بالمال والمساعدة على الهجرة إلى أوروبا والحوار والإقناع، أولا هل لديك معرفة بأي من الأسلوبين (الطمع أو الاقتناع) استعملته المسيحية للوصول إلى قلوب المغاربة، ثانيا هل تقبل الثقافة المغربية بخصوصياتها الحالية السماح للكنيسة بنشر المسيحية علنا؟

-نظمنا في المختبر السابق حوار الحضارات ومقارنة الأديان أو في فريق البحث في علم مقارنة الأديان أياما دراسية حول موضوع التنصير، وتعرفنا على بعض الوسائل التي تُستعمل لتحقيق هذه الغاية. وهي وسائل غير مشروعة يُجرمها القانون المغربي. لكن لدي مع ذلك قناعة تامة بأن الحديث عن عدد معتنقي المسيحية في المغرب لا يخلو من تهويل مبالغ فيه قد تروجه جهات معينة للإيحاء بأن الإسلام مهدد في عقر داره. إن المغاربة جميعهم متمسكون بدينهم الإسلامي، وذلك بصرف النظر عن مدى التزامهم به. فقد أصبح الإسلام جزءا أساسيا في الهوية المغربية مثلما هو الحال في جميع دول شمال أفريقيا.

سؤال 6 ما هو السبيل للتعامل مع التنصير؟

-حقق التنصير انتصارات في بعض الدول الأفريقية التي تحول الكثير من ساكنتها إلى المسيحية بعد كانت تؤمن بالإسلام دين الأجداد، وذلك بسبب الاستعمار والجهل والجوع. أما في المغرب فاعتناق البعض للمسيحية يبقى مجرد استثناء. ومع ذلك فإن التعامل مع التنصير يجب أن يمر عبر الحوار الهادئ، والحوار الهادئ لا يمكن أن يستغني عن إلمام المنخرط في المناظرة بعلم مقارنة الأديان. ولنا في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية أمثلة لهذا النوع من المناظرات التي تنأى عن التشنج، وتفتح الباب مشرعا أمام ترسيخ قيم التسامح.

من بين السبل الناجعة للتعامل مع التنصير كذلك التعرف على الأديان الأخرى، وذلك عن طريق التحصيل العلمي الرصين، وليس اعتمادا على التلويح بورقة التعصب المقيت والتكفير القاتل، وإصدار الأحكام الجاهزة. ولعل ذلك كان عنوانا بارزا لمؤتمر دولي شاركت فيه، انعقد منذ أسبوع فقط بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، تونس، هذا المؤتمر الذي وضع نُصب عينيه هدفا أساسيا يتمثل في وضع بعض أسس الحوار بين الأديان التي نحن في أشد الحاجة إليها لمواجهة الفكر التكفيري. ونحن في المغرب شرعنا في شق هذا الطريق الصعب منذ سنة 2007، وهو تاريخ تأسيس ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان بجامعة سيدي محمد بن عبد الله على يد الدكتور سعيد كفايتي. وكان أول ماستر تخصص في تدريس اللغة العبرية والأديان السماوية من يهودية ومسيحية، وقد تخرجت أفواج عديدة من هذا الماستر، منهم من ناقش أطروحة الدكتوراه ومنهم من هو في طور التحضيرـ ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد أسس الدكتور سعيد كفايتي فريقا للبحث في علم مقارنة الأديان سنة 2014 حيث سهر ضمن أعضاء الفريق على تنظيم أيام دراسية، وندوات وطنية ومؤتمرات دولية تهتم بهذا المجال الجديد في الجامعة المغربية. ولا يزال الرجل رفقة فريقه ينحت من صخر من أجل أن يكون لهذا العلم موطأ قدم في فضاء البحث العلمي المغربي. وتعززت هذه الأنشطة العلمية المكثفة بتأسيس ماستر جديد هو اللغات والحضارات الشرقية ومقارنة الأديان.

 ...........

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم مقارنة الأديان. وشهادة الماستر في الدراسات السامية ومقارنة الأديان، باحثة مختصة في علم مقارنة الأديان، مسؤولة العلاقات الخارجية لاتحاد نساء آرارات بزيوريخ، سويسرا، عضو مختبر حوار الحضارات ومقارنة الأديان، بفاس. عضو فريق البحث في علم مقارنة الأديان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس، فاس. رئيسة اللجنة المنظمة للملتقى الوطني الثاني والثالث للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان المنعقد بمدينة فاس

من مؤلفاتها: "موسوعة: الديانات السماوية: الكلمات - المفاتيح (اليهودية)" و"مدخل إلى نقد التوراة، رؤية من الداخل"، التوراة من التدوين إلى النقد، دار الوراق، عمان، 2017 و"عزرا كاتب التوراة بين الأسطورة والتاريخ" و" دراسات في النص الدين المقارن" بالإضافة إلى عددمن مقالات منها: "نحو أنثروبولوجيا للتواصل" و"اللاهوت وتقنين الكتب المقدسة" وغيرها.

تقديم وحوار: يوسف العزوزي    

ahmad alshekhawiد. ريم سليمان الخش صوت مهجري ناضل ولم يزل، أعزلا إلاّ من سلاح نون النسوة، مؤثرا الإقامة المخملية في صلب الخطاب الثوري، بلبوس قمة ومنتهى الإخلاص للمقفّى، وفي بعض الأحايين التورّط بالقول الشعري في انتسابه إلى رحاب التّفعيلي الزاخر بتلاوينه وتنويعاته الإيقاعية الباعثة على الانتشاء بثيمة الوجدانيات كرزمة أحاسيس قزحية سامية ونقية تعادل الحياة بل وتفوقها بما هي ولادات بنكهة ورونق وإشراق خاص، في مناخ التعاطي إبداعيا لتجليات عبثية التقتيل وبثّ الرعب والفرقة والطائفية والنفي. الشاعرة الدكتورة ريم الخش، شامية المنبت، وجودية الرسالة، نرحّب بها عبر أثير البوح المغري بأسرار قطوفه وتدلّي فاكهته المحرّمة على من أساؤوا للقصيدة وللإنسانية وللأوطان. هذه السنديانة الضاربة بجذور مواقفها المناهضة والغاضبة، في عمق تربة الانتصاف لقضايا جوهرية ما تنفكّ تجري عليها مقصاتّ التقليم والتقزيم، ويضرب عليها بختم الطابوهات الراعية لمصالح شلّة الحكم الفاسدة. قامة لا يبرح جرحها جغرافياه الأولى، يقيم حيث الأصل، فيما تتقاذف طقوس الاغتراب ما عداه من هواجس الكدّ ومتطلبات الحياة. دأبت ريم على ترامي تجربتها المشتعلة برؤى استنطاق الهوية، وتشبّعت بمنهج مغاير يقارب الكلاسيكيات من زوايا مواكبة ومسايرة سرعان ما تنشقّ وتعلن فصامها عن الجذر، على نحو تتم من خلاله بلورة مفاهيمية متجدّدة فاسحة لوظائف الخلخلة والمعالجات اللازمة لتنفّس الصعداء والخروج من مشهد الجنائزية بصياغات لا تنسخ الذات، بقدر ما تحتويها وتؤهلها لمناطحة عالم بات يتجاوزنا أشواطا بسائر ما نرى ونسمع ونتحسّس. ينطلق منجزها في مجمله، من خلفية الثقافي المخلّق والمخصّب لغريمه السّياسي، والضدّ بالضدّ تماما، وهو رغوة ما تبهرنا به باسترسال، شاعرتنا، ضمن التماعات فيسبوكية تلثم الذوق وتنير بفيضها العرفاني الأذهان العطشى للحقيقة والكرامة والحرية والعدل والحب كما وُجد بلا مساحيق أو ماكياج، وتستدعي دونما ديباجة و تكلّف، منظومة ما يحتفي بالنخوة والمروءة ومكامن الجمال.

بداية نود الاستعلام من شاعرتنا حول حياة ريم الأنثى والإنسانة؟

- أعتبر الأنوثة شيئا فطريا فلم أهتم بتنميتها بل دربت نفسي على النظر بتجرد إلى ريم الإنسان ولطالما تمنيت في مواقف عديدة أن أكون حيادية الجنس لأستطيع أن أتجاوز الحدود التي وضعت على الأنثى في مجتمعاتنا العربية ... الإنسان هو الجوهر وهو غاية جميع الألواح وخليفة الله في أرضه..والإنسان هو انأ وآنت وجميع من استخدم العقل والنهى وشعر بالفؤاد.

كيف غزت القصيدة عوالم ريم الأولى؟

- قصيدتي الأولى هي العلاقات الرياضياتية ...أشعر بشغف كبير وأنا أقرأ الرياضيات وأفك ألغاز المجاهيل ...تماما كشعور المتصوف أمام ألغاز الوجود وأسرار الماورائيات للرياضيات علاقة قوية مع الشعر الصوفي ...فالرياضيات تصوف بمعناه الواسع.

هجرة نصوص ريم إلى أدغال الطفولة البعيدة جدا، كيف تتم؟

- مازلت طفلة للآن ..وبريئة..وأستحي في حياتي العامة رغم جرأتي في أشعاري...مازال قلبي طفلا يحب كالأطفال ويبكي مثلهم.

أشرنا في ختام الفذلكة إلى قاعدة أو ميكانيزم تخليق الثقافي للسياسي والعكس بالعكس، كإحدى مرادفات الحقبة التي نعيشها بكل تناقضاتها ومفارقاتها وخريفيتها، إلى أي حد قد يمثل هذا الطرح قناعة راسخة لديك، فأنت تبنين عليه شعريتك؟

السياسة هي قذارة لابد منها ..لاطهارة في السياسة .. إنما مصالح وحروب وتكتلات مافيوية مرعبة ومن يدفع ثمن هذا كله الشعوب البسيطة الطيبة تدفعه في حياتها البائسة ومن دمها ..المثقفون الأنبياء كجيفارا الأنقياء الحاملون لهموم الشعب وآماله المدافعون عنه ...هم جدا قلة... وحياتهم قصيرة نسبيا.

تخصّصك الأكاديمي يقودنا إلى مسألة غاية في الحساسية والخطورة والخبث كذلك.. قصدية إقصاء وتهميش الأدمغة بما يجعلها مضطرة للهجرة والبحث عن آفاق للأحلام في الديار الأجنبية وبلاد اللجوء، وفي أسوأ الحالات خيار التصفية والاغتيالات.. تقييمك للظاهرة من جهة؟ ومن جهة ثانية، كيف تزاوجين بين شغف وتعشّق القصيدة وواجبك الأكاديمي الذي بات رسالة عالمية يستفيد منها العرب والعجم على حدّ سواء، وتبطّنا بثقافة راقية داعية إلى التحاب والسلام والتعايش ونبذ العنصرية والعنف بشتّى أشكاله..؟

- يا صديقي تتكلم عن مأساة قديمة - جديدة للأسف ...نعم هذا ما يحدث...أوطاننا تنزف عباقرتها ..ومفكريها ...وهم يدفعون ثمن اللاانتماء غاليا ...لابد من تغيير جذري بماهية المجتمعات وسياساتها حتى نستطيع الاستفادة من طاقاتنا المبدعة دون ضياع أو هدر.

حظ تجربة شاعرتنا من النقد؟

- الحمد لله... على كل حال من الأحوال... أترك الإجابة لكم صديقي الشاعر والناقد الفذ.

العفو صديقتي، هو حظ آخذ في انتعاشة مستقبلية، كون نصوصك قوية كفاية لتستجلب وتسترعي عناية الدارسين والنقاد وأهل الذوق الراقي.

سؤال فاتني طرحه عليك؟

- متى ستنتهي آلام الشعب السوري الطيب... متى سيعود المهجرون إلى ديارهم متى ستتوقف الدول الكبرى عن بيع الأسلحة ..متى سيتوقف شلال الدم ويحاسب الطغاة ...متى سنرى البلاد منتشية مزدهرة يسودها العدل والأمان؟

كلمة ختامية:

- وافر شكري وامتناني لكم... ولو عدت خمس سنوات للوراء سأختار من جديد التضحية بكل شيء ...عملي بالجامعة بدمشق ...بيتي المريح... أملاكي... أهلي... وألحق ثورة الشعب الطيب الصابر حتى يحل العدل والسلام.

 

حاورها: احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

 

rizgar aqrawiهذا الحوار كان مع الزميل والرفيق العزيز كمال يلدو في برنامجه التلفزيوني القدير – أضواء على العراق- يوم 04-04-2017 ولكن للأسف لضيق الوقت لم أتمكن من تقديمه بالكامل، كما أضفت ووسعت في الكثير من النقاط للتوضيح بشكل اكبر، كمساهمة جديدة في تنشيط الحوار حول وحدة اليسار العراقي وتعزيز التنسيق والعمل المشترك.

1. لماذا التنسيق والتحالف وماهي ابر نقاط الالتقاء بين القوى اليسارية العراقية الآن؟

- الجبهات أو التحالفات أو الحزب الموحد المتعدد المنابر هي إطار تنظيمي يمكن في مرحلة معينة ان يجمع قوى سياسية مختلفة حول برنامج مرحلي معين وفق نقاط التقاء معينة، ويمكن ان يكون مرحليا-تكتيكيا ينتهي في فترة معينة، او تحالف استراتيجي طويل من اجل تحقيق تغيير طبقي نوعي في المجتمع. وارى من التجارب العالمية ان التحالفات أصبحت اسلوبا نضاليا ناجحا من اجل تعزيز مكانة القوى اليسارية والمدنية والدفاع عن حقوق الجماهير. والانضمام الى جبهة ما لا يعني ان الحزب اليساري قد تخلى عن استقلاليته الفكرية أو السياسية أو التنظيمية.

القوى اليسارية في العراق للأسف الشديد لم تولي موضوعة التحالفات اليسارية اهتماما مناسبا، وتأخرت كثيرا في بناء تحالف يساري واسع رغم نقاط الالتقاء الكثيرة جدا، وبشكل عام كانت أسيرة للتقديس والتعصب التنظيمي وان كان بدرجات مختلفة، وكان معظمها يرى في انها الحزب اليساري الوحيد في العراق وينفي ويقصي دور الأحزاب الأخرى وبأشكال مختلفة، وقد زاد ذلك من ضعفنا وعزلتنا عن الجماهير، وشتت قدراتنا النضالية.

الصورة تغيرت تدريجيا وبنسب مختلفة لدى معظم فصائل اليسار العراقي واصبحت الآن تعترف بوجود – اليساري – الاخر وتقترب من بعضها بشكل أكبر وأكبر في الكثير من المواقف والسياسات، وان كان هناك بعض الاختلافات في طريقة الطرح واليات التطبيق وتوقيتها وأولويات المرحلة السياسية الراهنة. حيث تتبنى معظمها الماركسية او القيم الأساسية لليسار، وان وجدت اختلافات في طريقة ملائمتها وتطبيقها في الواقع العراقي، تدافع عن حقوق العمال والفلاحين وسائر الكادحين، تدعو الى نبذ وإسقاط نظام المحاصصة الطائفية والقومية، تناهض الاستبداد والفساد والعنف والإرهاب وسلطة الميليشيات وتطالب حصر السلاح بيد الدولة، تناضل جميعها من اجل مجتمع مدني ديمقراطي ودولة مدنية وتعديل الدستور العراقي لصالح تكريس الديمقراطية،العدالة الاجتماعية وأكبر قدر ممكن من المساواة، تحديد وتحييد دور الدين والمؤسسات الدينية في الدولة والقوانين، تدافع عن الحريات السياسية والاجتماعية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات الدينية والقومية وحقوق المرأة ومساواتها الكاملة وحقوق الأطفال والشبيبة، تعمل من اجل بناء منظمات ونقابات جماهيرية تقدمية مستقلة وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني، .. الخ وأخيرا تشترك كلها في النضال من اجل مجتمع لا طبقي تسوده المساواة والعدالة الاجتماعية في الأمد البعيد، .... الخ.

المشتركات ونقاط الالتقاء كثيرة جدا ودوما كنت أعطي مثالا عند الحوار حول التنسيق والوحدة اليسارية مع رفيقاتي ورفاقي في الأحزاب اليسارية المختلفة: في انه إذا أتيت بصحفهم وفقط أزلت أسماء الأحزاب التي تصدرها فلن تجد اختلافات كبيرة في الأطروحات والسياسات الموجودة في تلك الصحف "خاصة ألان"، وان وجدت فهي نظرية عامة وعادي وجودها في أي حزب يساري ديمقراطي يتقبل الاختلاف الفكري الداخلي، واعتقد ان ذلك يشمل معظم فصائل اليسار المشتتة في العالم العربي.

2. هناك أكثر من دعوة لتنسيق أو توحيد قوى اليسار في العراق، في الداخل والخارج، هل ينبغي توحيد تلك الجهود بمسار واحد، أو إنضاج المسارات إلى نقطة معينة ثم دمجها وتوحيدها؟ .

- نعم كانت هناك الكثير من الدعوات من قبل العديد من الشخصيات اليسارية وحاولنا العمل بشكل مشترك معا مرات عدة من خلال مؤسسة الحوار المتمدن ولسنوات عدة، حيث تم طرح العديد من الملفات والحملات المختلفة الداعية لتعزيز التعاون والتحالف بين القوى اليسارية ليس في العراق فحسب وانما في كل العالم العربي وأجرينا حوارات مع معظم قادة أحزاب ومنظمات اليسار وركزنا على ذلك الموضوع.

على الصعيد الشخصي احاول واعمل على هذا الموضوع منذ 1991، داعيا الى توحيد اليسار العراقي في حزب يساري موحد ديمقراطي متعدد المنابر وبقيادة جماعية، وأتذكر ان أول لقاء للتنسيق والعمل المشترك أجريته انا والرفيق جمال كوشش كممثلين لمنظمة التيار الشيوعي مع الرفاق الشهيد وضاح حسن عبد الأمير- سعدون ورفيق أخر لا أتذكر اسمه كممثلين للحزب الشيوعي العراقي في ربيع 1991 في مقر الحزب في اربيل، وكان اللقاء بناءا ومثمرا ولكن للأسف توقفت اللقاءات بعدها لعدم رغبة التنظيمين في الاستمرار بها آنذاك.

قبل فترة وجيزة بادرت بالاتصال بالكثير من أحزاب وشخصيات اليسار العراقي وخاصة بعد عقد المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي ومقرراته الايجابية حول الموضوع، وكانت الاستجابة ايجابية وان كانت بدرجات مختلفة ولكن كانت بأفكار متقاربة نوعا ما، ونشط الحوار حول الموضوع في موقع الحوار المتمدن والمواقع اليسارية الاخرى وشبكات التواصل الاجتماعي، ومن خلال متابعتي وحواراتي ارى ان أغلبية قواعد وجماهير وحتى الكثير من قيادات أحزاب اليسار العراقي هي مع التنسيق والعمل المشترك مع القوى اليسارية الأخرى وذلك تطور ايجابي كبير ومفرح جدا.

الحوار والجو الايجابي المهيء للموضوع والمبادرات القديرة الأخرى في داخل وخارج العراق توجت بعقد - الملتقى الحواري الاول لتوحيد قوى اليسار العراقي - الذي انعقد في بغداد في 26 نيسان الذي شارك فيه ما يقارب من 100 ناشطة وناشط يسارية من معظم توجهات اليسار العراقي. كتجربة أولية أرى ان اللقاء كان تاريخيا وناجحا جدا وذو نتائج ايجابية حيث كان قفزة نوعية كبيرة ونوعا بالاعتراف بوجود الآخر، والإقرار العملي بالتعددية الفكرية والتنظيمية داخل اليسار العراقي، والرغبة في العمل معا بعد سنوات من شبه قطيعة، وأكيد هكذا عمل كبير ومهم جدا وحساس. من الممكن أن تحصل بعض النواقص غير المقصودة، ويمكن تجاوزها في اللقاء الثاني، ولكي يكون ذو نتائج ايجابية اكبر اقترح ان يتم:

1- توجيه دعوات لكل الفصائل والشخصيات اليسارية المهتمة بالموضوع دون استثناء بما فيها المتواجدة في إقليم كردستان العراق.

2- توسيع وإشراك كافة الأحزاب والتنظيمات اليسارية وكذلك المستقلين في التحضير والدعوات وإدارة اللقاءات ولجان المتابعة وإعداد الوثائق واليات العمل والخطط المستقبلية مع وجود شفافية اكبر.

3- الابتعاد قدر الإمكان عن الاختلافات النظرية والفكرية الآن، والتركيز على نقاط الالتقاء المتعلقة بمشاكل الجماهير وتعزيز الديمقراطية والمدنية ومناهضة الفساد والاستبداد في المجتمع العراقي.

4- تجنب التصريحات المقصية والنافية لوجود القوى اليسارية الاخرى او التقليل من دورهم، او استخدام لغة حادة في الحوار او الشخصنة كما حصل في لقاءات بعض رفاق اليسار الأعزاء مع الفضائيات والصحف وفي شبكات التواصل الاجتماعي بعيد اللقاء التحاوري الأول ومنهم من اعتبر حزبه الحزب اليساري الوحيد في العراق او من استخدم لغة حادة اقصائية حادة مع الفصائل اليسارية الأخرى.

لنكن واقعيين ولابد لنا ان نعترف: ان كل الفصائل اليسارية ضعيفة في المجتمع العراقي ودورنا محدود في المجتمع في ظل سيادة سلطة الاحزاب الطائفية والقومية، ولكن من الممكن اتحاد – الضعفاء أي تنظيمات اليسار – سيكون له تأثير إيجابي على عموم حركة اليسار والمجتمع في العراق.

5- لابد لكل القوى وخاصة اليسارية الكبيرة ابداء المرونة الكبيرة في انجاح هذا المشروع ومراعاة التكافؤ، وتجنب فرض أجندتها للعمل المشترك حيث سيعني ذلك فشله!، وخلق آليات جماعية للتواصل مع اكبر عدد ممكن من اليساريين وخاصة المستقلين الذين هم اكبر شريحة يسارية خارج الأحزاب اليسارية وتعمل وتناضل بإشكال مختلفة خارج الأطر التنظيمية.

ومن المؤكد انه لا يمكن لحزب يساري واحد تحقيق وإدارة مشروع للعمل المشترك والتحالف اليساري بشكل ناجح ومرضي لكل الأطراف، وبل يجب ان يكون بشكل جماعي وبمشاركة كل فصائل اليسار اذا كانت النية صادقة نحو العمل المشترك وليس تحقيق اجندات حزبية لحزب يساري معين.

من الضروري ان نحاول جميعا ان ننسق الجهود داخل وخارج العراق من اجل إنجاح هذه التجربة التي هي في طورها الأولي ان لم يكن الجنيني، نحو المزيد من التنسيق والعمل المشترك بين القوى اليسارية العراقية، ونحن في بداية الطريق ومن العادي جدا ان تكون هناك نواقص وتشنجات وحتى اخطاء، وايضا رد فعل سلبي معيق من اتجاهات متعصبة تنظيما رافضة للعمل المشترك داخل الأحزاب اليسارية نفسها.

3. ماهو الشكل أو الإطار الأمثل لتنسيق أو توحيد قوى اليسار ...جبهة ..مؤتمر...لجنة تنسيقية ...أو غير ذلك؟

- الوضع الحالي في العراق يتطلب منا جميعا سواء كنا أعضاء داخل الأحزاب او مستقلين – في التركيز على ما يوحدنا الآن وليس ما يفرقنا وعلى نقاط الالتقاء وليس الاختلاف والمهم قبل الأهم: ان نكثف العمل الجدي البناء من اجل تشكيل تحالف يساري واسع على ارض الواقع، يستند إلى برنامج الحد الأدنى ونقاط الالتقاء التي أشرت إليها أعلاه. ويمكن ان يتخذ ذلك اطرا واشكالا مختلفة ومنها:

1. لقاء-اجتماع تشاوري ثاني واسع لكل فصائل وشخصيات اليسار العراقي وتجاوز نواقص اللقاء التشاوري الأول ويكون على مستوى الأحزاب والمنظمات والشخصيات ويدار بشكل جماعي من كل الأطرف المشتركة.

2. تشكيل لجان لدراسة المشتركات ونقاط الالتقاء التي تجمع الأطراف اليسارية المختلفة وفي ضوئها تحدد آليات واطر التنسيق وآفاقه.

3. إصدار بيانات ومواقف مشتركة حول الوضع العراقي على مختلف الأصعدة وفق نقاط الالتقاء وحسب الأحداث، مثال على ذلك: قوى اليسار البحريني بدأت في إصدار بيانات مشتركة ومنها بيانهم الجماعي الرائع بمناسبة عيد العمال العالمي.

4. التحضير والاستعداد للانتخابات القادمة بقائمة يسارية موحدة ببرنامج سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي جذري، يكون جزءا رئيسيا من تحالف أوسع مع القوى العلمانية والديمقراطية الأخرى ويمكن ان يكون تحالف – التيار الديمقراطي – او أي شكل تنظيمي آخر يضم كل القوى الديمقراطية والمدنية في العراق، طبعا اذا كان الإجماع العام لقوى اليسار للمشاركة في الانتخابات.

5. تشكيل لجان للحوار الفكري والسياسي حول الاختلافات الموجودة، ومحاولة التقريب فيما بينها.

6. تشكيل لجان للعمل والتنسيق المشترك على صعيد المحافظات والخارج وتنسيق العمل على صعيد المنظمات الجماهيرية مثل النقابات والمنظمات النسائية والطلابية، التنسيق والعمل المشترك في قيادة المظاهرات والاحتجاجات والإضرابات الجماهيرية

9. التوجه والعمل المشترك نحو تشكيل إطار تنظيمي – تحالف، تنسيقيات، لجان، فيدراليات.... الخ -، او حتى الاندماج في حزب يساري موحد حديث متعدد المنابر وبقيادة جماعية يضم كل أحزاب ومنظمات اليسار العراقي مع ان يكون كل تنظيم محتفظا باستقلاليته وحريته. واعتقد أنها الصيغة الأمثل والحديثة لإدارة تنظيمات اليسار بشكل يوحدها ويتيح إمكانيات اكبر للتعايش الديمقراطي بين مختلف الاتجاهات والمنابر الفكرية داخل الحزب مع وجود الاختلافات وسيقلل ذلك من التشتت اليساري والانشقاقات، والكثير من أحزاب اليسار في العالم بدأت تطبق ذلك الشكل من التنظيم او تتجه نحوه.

4. هل الأولوية للقضايا النظرية أم السياسية الإجرائية.؟

- القضايا النظرية أخر شيء يجب ان نختلف فيه الآن فهي تتقبل الاجتهادات المختلفة في الوضع العراقي المعقد والمتأزم جدا ولتكن لنا عشرات الحلول لألوف المشاكل التي تواجه مجتمعاتنا، رغم أهمية الجانب النظري ولكن هو ليس المشكلة الرئيسية حيث لابد من التركيز ألان على مشاكل الجماهير وسبل معالجتها، ونقاط الالتقاء الكثيرة جدا والتي أشرت إليها في البداية.

لابد الابتعاد ألان عن إبراز الصراعات النظرية والاختلافات الفكرية، ودوما يمكن الحوار حولها بشكل حضاري بناء دون استخدام لغة التخوين والإقصاء، حيث التركيز عليها سيعني إبطاء وتعقيد عملية التنسيق، ونتوجه نحو العمل المشترك، وكذلك حصرها بالقيادات العليا وبالنخب المثقفة وعدم إشراك عموم القواعد الحزبية وجماهيرها.

5. ما هو رأيك بمدى فاعلية النشاطات المشتركة إن كان في الوطن او خارجه؟.

- اعتقد ان التحالفات والنشاطات المشتركة لها ميزات كثيرة ومنها:

1. تجميع وحشد الطاقات الكبيرة لقوى اليسار وجماهيرها، وتوحيد عملها وذلك برأيي سيعزز من نفوذها ودورها على الساحة العراقية حيث انها ليست تجميع عددي لطاقات هذه القوى المتحالفة فقط فحسب وإنما اعتقد انها ستشكل قوة سياسية شعبية واسعة مؤثرة من الممكن ان يكون لها دور كبير في الارتقاء بوعي الجماهير وتنظيم صفوفها وتوحيدها على مختلف الأصعدة، وقيادتها نحو التحول المجتمعي وتغيير واقعها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

2. عدم صرف الطاقة والوقت في الصراعات الحزبية والتنظيمية، من تجربتي السياسية وفي مختلف التنظيمات اليسارية العراقية كنا نصرف طاقات هائلة لمواجهة التنظيمات اليسارية الأخرى والصراع المعلن وغير المعلن معها، وحتى انعكس ذلك على العلاقات السياسية والاجتماعية والمهنية وحتى الحياة الشخصية، والبعض منا كان يعتبر اليساريين من الأحزاب الأخرى ألد أعدائه! للأسف الشديد، هو مرض مزمن يعاني منه معظم فصائل اليسار في العالم العربي.

3. تجميع المنظمات الجماهيرية لأحزاب اليسار في منظمات جماهيرية مستقلة موحدة او على الأقل تعمل بشكل مشترك وتنسق في كافة المجالات، مما سيزيد من تأثيرها داخل الشرائح التي تمثلها، ويشمل ذلك منظمات الجالية العراقية في الخارج.

4. عودة الامل بأحزاب اليسار من الطيف الهائل من المستقلين اليساريين وعموم الجماهير ويعزز من مصداقيتها عند اتحادها، حيث التشتت والشرذمة والانشقاقات والممارسات التنظيمية الخاطئة كان لها تأثير سلبي كبير جدا على الأحزاب اليسارية وخلقت نوع من حالة النفور من التحزب والعمل التنظيمي، والقنوط واليأس من إمكانية التغيير.

5. الاستفادة من خبرات التنظيمات اليسارية المختلفة وتكملة بعضها للأخر في المجالات المختلفة.

6. تعزيز الشفافية والديمقراطية والتداولية داخل تنظيمات اليسار نتيجة العمل في بيئة تحالفية واسعة، بدلا من ان تكون فرق تنظيمية مغلقة نوعا ما على نفسها وتمارس نشاطا محدودا وفي فضاء ضيق.

7. التحالفات والوحدة بين قوى اليسار من الممكن ان تؤدي إلى تخفيض التكاليف في ظل الأزمة المالية الكبيرة التي تعاني منها، حيث مقرات ومكاتب وصحف ومجلات اقل...... الخ، إضافة إلى تحسين وتطوير إعمال الهيئات التخصصية نوعا وكما بعد توحيد وتجميع الطاقات الموجودة، مثلا الإعلام اليساري بإصدار صحيفة موحدة، مجلة فكرية موحدة، موقع الكتروني موحد مما يؤدي إلى زيادة شعبيتها.

8. ......

6. كلمة أخيرة

- اعدائنا رغم صراعاتهم وحتى اقتتالهم المسلح أحيانا، الى أنهم يتحالفون ويتحدون عندما يكون الامر متعلقا بوصولهم الى مؤسسات السلطة او السيطرة على مفاصل النفوذ في الدولة والدفاع عن استبدادهم وفسادهم، مثل الحركة القومية والإسلام السياسي، ولكوني عملت في الكثير من فصائل اليسار العراقي ولي علاقات ودية مع معظمها ارى ان نقاط الالتقاء كثيرة جدا وهي اكبر بكثير بإضعاف من نقاط الاختلاف، ولابد من تجاوز التعصب التنظيمي والصراعات، ويكون "التعصب" لمصالح الجماهير الكادحة والمدنية في المجتمع العراقي. ومن الخطأ التصور انه يمكن التحالف مع الطغم الحاكمة أو احد أقطابها ألان وان رفعت شعارات مدنية ومناهضة الفساد، ولابد ان نكون حذرين من تكرار تجارب الجبهات السابقة مع القوى المعادية لليسار التي كنا نحن اليساريون أول ضحاياه.

اليسار العراقي بأمس الحاجة إلى قادة مرنين وبعقلية متفتحة تتجاوز اطر التنظيمات الحزبية مثل قادة اليسار التونسي الرفاق حمه الهمامي والشهداء شكري بلعبيد والبراهمي والعديد من قادة أحزاب ومنظمات اليسار الأخرى التي اتحدت كلها في – الجبهة الشعبية – رغم الاختلافات والصراعات الفكرية الكبيرة فيما بينها ولكن اختاروا بمسؤولية كبيرة ان يضعوا مصالح الطبقات الكادحة وعموم المجتمع فوق مصالح تنظيماتهم، ويشكلوا تحالفا يساريا متحدا قويا أصبح ألان احد الأقطاب السياسية المؤثرة في تونس، فلنستفد من تجربتهم الغنية.

اليسار العراقي هو الأمل الإنساني للتغير لكل ساكني العراق! فلنتحد ونعمل معا.

 

abduljabar alrifaiس1: فضيلة الدكتور عبد الجبار الرفاعي، كيفَ تفهمون فكرة أو مصطلح "الأنسنة".. "أنسنة الدين" ثقافياً ودينياً وإنسانياً؟

جواب: يحيلنا مفهوم "أنسنة الدين" إلى تحديد ما نريده من "الانسان والدين"، إذ يختلف مفهوم "الانسان" وهكذا مفهوم "الدين" حسب السياقات التي نفهمه في فضائها، والمرجعيات التي يحيل اليها، والرؤية للعالم التي نتبناها.

ربما يشي استعمال مصطلح "أنسنة الدين" بتفسير وضعي للدين، يفهم الدين بوصفه ظاهرة ينتجها الانسان، وهو كما اشتهر تفسيره لدى مجموعة من الفلاسفة والمفكرين والعلماء الغربيين، إذ قدموا تفسيرات وضعية متنوعة للدين، كان فيها الدين لديهم تعبيراً عن اغتراب الانسان الكوني، أو خوفه، أو جهله، أو أنه ضرب من المرض النفسي"الوهم"، أو أنه مرحلة من مراحل تطور الوعي البشري يغادرها المجتمع لحظة ينتقل إلى رتبة أنضج وأكمل من الوعي، أو أنه تبرير للاضطهاد والتعسف في التوزيع والاستغلال الاقتصادي الذي تتعرض له الطبقة العاملة ومن ثم تخديرها. هذه التفسيرات وغيرها تنزع إلى فهم الدين وكأنه بمثابة الفقر أو الجهل أو المرض أو غير ذلك من الظواهر السائدة في الاجتماع البشري، بينما يتطلب الدين تفسيراً أبعد مدى مما ذهبت اليه كل تلك التفسيرات.

الانسان هو الكائن الوحيد في هذا العالم الذي لا يكتفي بوجوده الخاص، لذلك يعمل دائما على توسعة ذلك الوجود واثرائه، من هنا يحتاج كل شخص لما يتخطى ذاتَه المحدودة، وبقطع النظر عما يعتقد به، سواء كان أيديولوجيا، أو ميثولوجيا، أو فكرة، أو أمة، أو أثنية، أو بطلاً، أو وطناً، أو ملحمة، أو سردية، وغيرها، هي كلها تنتمي إلى المتخيل الذي تنسجه كل جماعة لنفسها، ويتحقق فيه كل فرد ينتمي اليها، فيشعر أن وجوده الفردي يترسخ بمزيد من الوجود. بمعنى أن لدى كل فرد حاجة اضافية للوجود عابرة لوجوده الشخصي المحدود، تتسع لها كينونته تبعاً لسعيه للحضور في العالم، وتلك الحاجة لا تقف عند حد مادام يسعى للاغتراف من وجود مطلق لا محدود.

الدين هو المثال الأوضح والأعمق للمكون الأنطولوجي الذي يمثل أغزر منبع يستقي منه المتخيل، ويصوغ شكل وجوده، ويتكرس به وجود الكائن البشري الذي ينتمي لذلك المجتمع.   

أما الانسان فهو الكائن الأغرب والأعمق والأعقد في هذا العالم، وعلى حد تعبير نيتشه: "إن كل انسان اعجوبة فريدة". الكائن البشري بطبيعته عميق جداً، ومتناقض أحياناً، يتغلب غالباً في طبيعته وحياته الشر على الخير. الحروب والصراعات لم تخلص هذا الكائن من الشر الذي يعبث في العالم. ربما ليس هناك دواء أنجع من الحب واثراء الحياة الروحية والأخلاقية يخفض الآثار الفتاكة للشر. وربما لا سبيل لتخفيف آلام الكراهية، ولا وسيلة لتقليل النتائج المرعبة للنزعة التدميرية لدى الكائن البشري سوى المزيد من الاستثمار في الحب، سواء بالكلمات الصادقة أو المواقف الأخلاقية أو الأفعال الجميلة، والاصرار على تجرع الصفح والغفران رغم مراراتهما.

منذ فجر الوعي البشري شغلت الانسان أسئلة مازالت وستلبث تتكرر كل يوم، تتمحور حول: المبدأ، والغاية، والمصير.كل هذه الأسئلة تنشد اكتشاف حقيقة الكائن البشري ومعنى حياته ومآلاته، والعالم الذي يسكن فيه، وماوراء هذا العالم.

في ضوء هذ الفهم للانسان والدين فما أعنيه بـ"أنسنة الدين"، ليس هو ما يذهب إليه بعض المفكرين من أن الدين ينبغي أن يُدرس كأية ظاهرة بشرية مقطوعة الصلة عمّا عدا البشر، ولا تبرير أو تفسير لوجودها وتطورها خارج عوالم البشر العينية، وكأن الدين كما أية ظاهرة بشرية يمكن أن نفهمها في اطار ما نفهم سواها من ظواهر.

 لا أتمنى أن يتبادر الى الذهن مما ذكرت أني أدعو لدراسة الدين وفهمه خارج اطار العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية، ذلك أن أي فهم بشري لا يتحقق خارج ذلك. كذلك لا أريد أن أذهب إلى القول بتصويب كل دين والإعلان عن أن كل دين مصدره وحياني غيبي، بل أريد القول إن الدينَ توقٌ بشري أنطولوجي عميق للروح كي تلتحم بمطلق يكرّسها ويسمو بها، سواء كان هذا المطلق هو الله، أو مطلق تنسجه المخيلة كما أشرنا. وهذا التوق هو ما يفسّر لنا ما لا يقبل التفسير المنطقي من  تفشي صور زائفة للمطلق، يستلهمها كثيرون كدوافع مجنونة في العمليات الانتحارية، وإنتاج الأوهام والخرافات.

"أنسنة الدين" التي أدعو لها هي نمط حضور لـ"الإله الروحي الأخلاقي" في حياة الانسان، وبكلمة أخرى هي "تدين انساني روحاني أخلاقي"، لا يقطع الصلة بالله ويجعل الدين ظاهرة بشرية خالصة، مثلما لا يتجاهل الطبيعة البشرية، ويتعاطى مع الانسان وكأنه روح مجرد فقط، وانما يوظف كل المعطيات المتاحة للعلم والمعرفة والخبرة في الفهم الصحيح لهذه الطبيعة، وهو كما يسعى لتأمين احتياجاتها الجسدية في سياق هذا الفهم، لا ينسى احتياجاتها العابرة للجسد من حاجة لمعننة الحياة، وتنمية القدرة على التغلب على القلق الوجودي، وتزويد الانسان بما يخفف عنه آلام الحياة ويشفيه من مواجعها، ويخلصه من التشاؤم والعدمية في عالمه البشري الذي تتكشف له فيه على الدوام مواقف تشي بالعبثية واللامعنى.

أنسنة الدين عندي بمعنى "انسانية ايمانية، وايمانية انسانية"، وهي لا تتطابق و"الانسانية الغير ايمانية" التي يتحدث عنها بعض المفكرين في الغرب والشرق، وتتمحور فيها الأنسنة على مركزية الانسان، وتفضي إلى نسيان الله وتأليه الانسان.

ضرورة اقتران الانسانية بالايمان يعود إلى أن الكائن البشري لن يستغني عن الحياة الروحية، لذلك كثيراً ما يقود نسيان الله إلى ضياع الكائن البشري، وتخبطه في روحانيات مستلبة زائفة لا تخلو من وثنيات وخرافات غرائبية، وممارسات هي أقرب للسحر والشعوذة، كعبادة البشر وتأليههم، أو الانصياع لضروب من روحانيات عبثية، والشغف ببعض أنواع الارتياض العنيف، أو اعتزال الحياة والهروب من الأوطان إلى غابات وكهوف وزوايا نائية، والتسليم الأعمى لدجالين ومشعوذين يزعمون أنهم مُلهِمون حاذقون في إيقاد جذوة الحياة الروحية.

أما ضرورة اقتران الايمان بالانسانية فيعود إلى الحاجة للخلاص من القراءة الخرافية للنصوص الدينية والقراءة العنيفة لهذه النصوص. القراءة العنيفة تفتك بالانسان وتهدر كرامته، وتبدد الايمان، والقراءة الخرافية لا تخلو من وثنية، وكل وثنية لا تهدر كرامة الانسان، وتبدد المضمون الروحي الأخلاقي للدين فحسب، بل يحتجب معها الله عن العالم، وتنتصب بديلاً عنه تعالى أوثان تتعدد بعدد تلك الخرافات، وهذه الأوثان ليست إلاّ آلهة زائفة تستعبد الانسان، بعد أن تشل عقله، وتمزق روحه، وتبذر حقوقه، وتحجبه عن الإله الرحماني الأخلاقي.

 مفهوم التدين في "الانسانية الايمانية" غير التدين المستلبة فيه إنسانية الانسان. أما الايمان في "الانسانية الايمانية" فهو الايمان الحر الذي يقترن فيه الايمان والتدين دائماً بالحرية وليس بالاسترقاق والعبودية. في "الانسانية الايمانية" يكون إيماني حيث تكون حريتي، أي أن الصلة بالله هنا صلة عضوية لا تتأسس على الرضوخ والانسحاق وإهدار الكرامة البشرية، بل تتأسس على الحريات والحقوق البشرية.

الدفاع عن الله في "الانسانية الايمانية" يبدأ بالدفاع عن كرامة الانسان، وصيانة حقوقه، وحماية حرياته. إذ لا يمر الطريق إلى الله إلاّ عبر احترام الانسان ورعايته وتكريمه.

 الانسانية الايمانية يتحد فيها مسار الايمان بمسار حماية كرامة الانسان واحترام حقوقه وحرياته، بل أن الايمان إنما يتحقق ويتكرس فيها بالغيرة والشفقة على الانسان. إنها أنسنة للانسان بحمايته من لا انسانية الانسان، وتحرير الانسان من تعصب وعدوان وعنف الانسان.

 الانسانية الايمانية يحيل معناها إلى أن "الله واحد، وأيضاً الانسان واحد"، لذلك يكتسب الانسان حقوقه الطبيعية من كونه انساناً لا غير. وعلى هذا الأساس يبتني مفهوم المواطنة التي ينبثق منها استحقاق كل مواطن لحقوقه المدنية والسياسية. في سياق هذا الفهم تكتسب المساواة قيمتها من كونها مساواة لا غير. وتكتسب الحرية قيمتها من كونها حرية لا غير. وتكتسب المحبة قيمتها من كونها محبة لا غير. وتكتسب الرحمة قيمتها من كونها رحمة لا غير. ذلك أن المساواة والحرية والمحبة والرحمة قيم كونية عابرة للمعتقدات والأثنيات والثقافات والهويات، والزمان والمكان، والتاريخ والجغرافيا.

ولو لم يستمد الكائن البشري حقوقه من كونه انساناً، وانما يستمدها من انتمائه إلى هوية وثقافة خاصة، وقتئذ يتضخم ماهو لاإنساني ليبدد ماهو انساني. الأيديولوجيا لا تعبأ كثيراً بإنسانية الانسان عندما تُعلي عليها الهوية والحقوق الثقافية الخاصة، فتنقلب الهوية في مفهومها إلى لاإنسانية تُسجَن فيها القيم الانسانية الكونية.

س2: ما دوافع وأسباب حاجتنا كاجتماع ديني لإعادة تسليط الضّوء على مسألة "إنسانية" الدين الإسلامي، أو إعادة اكتشاف جذره القيمي الإنساني مع كونه تأسّس -في عمقه الذاتي وأصالته الموضوعية- على قيم ومبادئ إنسانية استجابت لها وآمنت ودانت بها أمم وشعوب وحضارات إنسانية كثيرة على مدى التاريخ كله؟

جواب: كان النص الديني المؤسس في الاسلام وما زال، كما هي نصوص الأديان الأخرى، ملهماً لسلسلة من التأويلات والتفسيرات المختلفة، التي أفرزتها العصور المتوالية للاجتماع الاسلامي، وما استبدّ فيها من صراعات الاستحواذ على السلطة السياسية والدينية، وأنماط الثقافات الموروثة لدى الشعوب المسلمة، وطبيعة الظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والتقاليد المتداولة لديها.

تراكم عبر الزمان كم هائل من التأويلات والتفسيرات التي نسميها علوماً أو معارف إسلامية أو تراثاً إسلامياً، وأضحت منجماً يموّن الحياة الدينية في الاسلام بكل ما تتطلبه. وغيبت تلك التأويلات والتفسيرات بالتدريج القرآن الكريم، وغرق التلامذة والأساتذة في الحواضر والمدارس والحوزات الدينية في طبقاتها المتراكمة. معظم الدارسين نسوا أن كل هذه القراءات هي هوامش وشروح واجتهادات في فهم النص، وهي ليست إلاّ تمثلات بشرية للقرآن تنتمي للتاريخ، حدودها الزمان والمكان واللغة وثقافة المجتمع، وكل ما كان يسود العصر الذي أُنتجت في فضائه.

"نسيان الانسان" ظاهرة استبدت في حقول عديدة من تراثنا، نراها في الكثير مما أنجزه المحدّثون والمفسرون والمتكلمون والفقهاء وغيرهم، وساعدت هذه الظاهرة في تكريس قراءة عنيفة مغلقة للنصوص، لا تنفي الانسان باسم الله فقط، بل تنفي الحياة باسم الآخرة، وتنفي العمران البشري باسم الاستخلاف، وتنفي الروح باسم التكليف، وتنفي الأخلاق باسم الفقه، وتنفي الحريات باسم العبودية لله، وتنفي حقوق الانسان باسم حقوق الله، وتمحو الصورة الروحانية الأخلاقية الجمالية لله باسم العودة للسلف ومحاربة البدع والمستحدثات.

  السلفية بوصفها نمطاً في التفكير والتعبير والسلوك شائعة في كل الأديان والثقافات، لكنها اجتاحت بشكل مريع الحياة الدينية لعالم الاسلام في هذا العصر. لم تتوقف الدعوة السلفية عند المؤسسات الدينية ورجال الدين، بل تبناها بعض المفكرين والباحثين المعاصرين في عالم الاسلام، ممن برعوا في دراسة وتوظيف الاتجاهات والمناهج والمقولات الجديدة في الفلسفة والعلوم الانسانية وعلوم التأويل، بغية تبرير السلفية والعمل على اغواء الشباب وفتنتهم بها.

 السلفية على الضد من "الانسانية الايمانية"، ذلك إنها نمط تفكير يعاند التاريخ، ويظل يكرر ما كان كما كان. تتشبث السلفية دائماً بمقولات لازمانية لامكانية لاتاريخية، لذلك تقاوم بشدة كل تساؤل، وتناهض أية دعوة للمراجعة والنقد والغربلة والتمحيص. "الانسانية الايمانية" تواكب الواقع، وتصغي لايقاع حركة التاريخ، وتسعى لانتاج نمط ايمان يتناغم وذلك الايقاع، وتدين يخلص المتدين من الاغتراب عن عصره ومحيطه. ولا تنجز ذلك إلاّ بعبور الماضي، والخلاص من صور الإله العنيف الدموي المحارب.

اكتشافُ المنابع الانسانية في الدين محاولةٌ لإحياء الصورة الروحانية الأخلاقية الجمالية لله، والتحرر من كل الصور النمطية للإله العنيف الدموي المحارب التي أنتجتها العصور المختلفة، وأضحت فيها صورة الله تُختزل في سلطة غاشمة مستبدة لا يهمها الانسان، لذلك ألغت الحدود بل دمجت الايمان بالله بطاعة السلطان والرضوخ له، فاقترنت صورةُ الايمان والتدين باسترقاق السلطان للبشر، وعدم الاكتراث بكرامتهم وحرياتهم وحقوقهم. رسوخ تلك الصورة وتفشيها في مقولات كلامية وفتاوى فقهية أسهم بتشكيل أرضية لولادة داعش وشقيقاتها اليوم، وستتناسل على الدوام منها داعشيات. ومازال الكثير من شباب المسلمين لا يعرفون عن الاسلام سوى ما كتبه أولئك المؤلفون الذين رسموا صورة الله بألوان الدم والقتل المثيرة الصادمة.

س3: باعتبار أنّ الإنسان غاية الدين، ومحور الفاعلية الحضارية، مامواقع الأنسنة في الفكر الديني (الإٍسلامي) على مستوى التشريع والخطاب الفكري، وعلى مستوى منظومات الحقوق الفردية والمجتمعية؟ ثم أليس لفكرة الأنسنة (أنسنة الدّين) بحدّ ذاتها تلك الفاعلية العملية والميدان الخصب للتقريب بين العلوم الإنسانيَّة والعلوم الشَّرعيّة؟!!.

جواب: ليس بوسعنا إنقاذ النزعة الانسانية في الدين من دون تجسير العلاقة بين علوم الدين وعلوم ومعارف الانسان المختلفة، ففي الأديان الوحيانية فضلاً عن سواها لا يتحقق أي دين منها خارج فضاء حياة الكائن البشري وأنماط تعاطيه مع ما حوله وأساليب عيشه، لذلك نجد كل تمثلات الأديان أرضية بشرية تتجسد في سلوك الانسان ومنجزاته ومكاسبه المتنوعة، وترتسم في تجليات إبداع عقله، وما ترتوي به أشواق قلبه، وما تسكن به روحه. لكننا لم نزل حتى اليوم نرفض بشدة توظيف تلك العلوم في دراسة وتحليل وتفسير الظواهر والتعبيرات الدينية في الحياة الشخصية والاجتماعية، ونتهم أية محاولة تدعو أو تعمل على ذلك بالمروق عن الدين. المؤسف أنه لم تقتصر هذه القطيعة على علوم الدين بل تسربت إلى كافة مجالات حياتنا الأخرى الثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

الطلاق الذي ورثناه في عالم الاسلام منذ عصور الانحطاط بين علوم الدين وعلوم الدنيا كما يسميها القدماء، وما تركته الاتجاهات النصوصية للمحدثين والظاهريين والاخباريين سنة وشيعة، والمواقف المناهضة للتفكير الفلسفي والكلامي في الإسلام، قادنا إلى دروب مسدودة يكرر فيها حاضرُنا ماضينا، فلا نبدأ خطوة فيها إلاّ حيث ننتهي ولا ننتهي إلاّ حيث نبدأ.

هذا الطلاق ولّد انطواءً وحساسية سلبية حيال العلوم والمعارف والخبرات البشرية الكونية أوهمتنا بالاكتفاء بما لدينا، وألا حاجة لنا بكل ما يبدعه الانسان، وبمرور الزمان تحولت هذه الحساسية إلى ممانعة مرضية غاطسة في اللاوعي الجمعي، تبرز أحياناً على شكل فوبيا حيال كل ما لا نعرفه وما لم نألفه في ميراثنا من قبل مما يبتكره ويكتشفه غيرنا. ويعود إلى تلك الممانعة المرضية الكثير من إخفاق عالم الاسلام وضآلة مساهمته في إنتاج ما يتناسب وحجمه الديمغرافي في الفلسفة والعلوم والمعارف المتنوعة الحديثة. وإلا بماذا نعلل هذا الاخفاق الحضاري؟ وكيف نفهم التهافت بين الشعور بالتفوق على الأديان والثقافات الذي يغذينا به تراثنا من جهة، والعجز عن الاسهام في صناعة ماهو جميل وخلّاق في العالم اليوم من جهة أخرى؟ وكيف نفسّر الغياب شبه التام لما يقارب مليار ونصف انسان عن أعياد نوبل منذ أكثر من قرن، بينما تحضر مجتمعات صغيرة أخرى بكثافة وفاعلية في هذه الأعياد؟

  ولعلنا نعثر في تلك الممانعة المرضية على معظم العوامل الكامنة خلف إجهاض مبادرات تحديث التفكير الديني في الاسلام منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وبلوغها غايات لا تتطابق ومنطق البدايات وربما تنقضها أحياناً.

س4: من المعروف أنّ مرجعية الدين تستند إلى مجموعة قيم ونصوص معيارية ثابتة، تبنى عليها وتنشأ في ضوئها تجارب دينية تاريخية.. والواضح أن كثيرين يميزون ويفرقون بين صورة الدين الأصلية كما تمثله قيمه الذاتية القارّة، وبين ممارسات وأفعال الأتباع والمريدين، بما هي سلوكيات التدين الخاضع لتأثيرات اجتماعية ومتغيرات ثقافية وبيئية مجتمعية وتاريخية وغيرها... في رأيكم:

هل من الصحيح والمنطقي والعقلاني والشرعي الفصل والتمييز بين مساحة الدين ومساحة التدين في علاقة الدين بالفرد والمجتمع طمعاً في أن يرتبط الناس بجوهر الدين بدل ارتباطهم بأنماط وتجارب دينية كامنة في الماضي وفي التاريخ، قد تكون لها سلبياتها وتعقيداتها وتجاربها المكلفة رمزياً ومادياً، خاصةً على مستوى ما نعيشه اليوم من هذا الدمج وعدم الفصل (المقصود!!) بين "إنسانية" الدين كقيمة ذاتية وبين سلوكيات من يدعي تمثيله والنطق باسمه من تيارات وجماعات التكفير والتطرف والإرهاب الديني؟

جواب: أعترف أن التمييز الذي نشدّد عليه صعب جداً بين الدين بوصفه ظمأً أنطولوجياً متجذراً في كينونة الكائن البشري، وحضور الدين وتمثلاته في حياة الفرد والجماعة الذي يحلله صديقنا المفكر المصري عبدالجواد ياسين بوصفه "تديناً"، ذلك أن حضور الدين في حياة الكائن البشري ليس سوى ما يظهر في الأفعال والمواقف المتنوعة لحياته، فكيف نفصل بين الانسان وفعله ومواقفه التي لا يحضر إلاّ بها في العالم.

   تكرر هذا التمييز كثيراً بصياغات عديدة في أدبيات عصر النهضة، ومازلنا نبرر به كل سلوك خطأ يصدر عن شبابنا تجاه المجتمعات الأخرى حتى اليوم، فكلما صدر فعل لا أخلاقي ولا إنساني من شاب مسلم في الغرب والشرق نقول هذا فعل لا يمثلنا، ونبرر ذلك بالقول المكرر: إن "الدين غير المتدينين"، وإن "الاسلام غير المسلمين". طالما ناقشني تلامذتي وبعض الشباب المتدين حول السلوك المتوحش للارهابيين المسلمين مثل انتحاريي داعش وغيرهم، ممن ينهلون من أعلام وفقهاء ومتكلمين ما زال ميراثهم حيّاً فاعلاً مؤثراً في تربية وتنشئة وتثقيف الشباب، تبجلهم وتحرص على نشر آثارهم جماعات ومؤسسات كبيرة، ويتخذون مؤلفات أولئك الأعلام وكتابات تلامذتهم أمس واليوم مرجعية لهم. وحين كنت أجيبهم بذلك الجواب المستهلك: "الدين غير التدين"، و"الاسلام غير المسلمين"، غالباً ما يسكتون، غير أن سكوتهم يشي باعتراض أقسى من الكلام، كما تلمح اليه النظرات الساخرة لعيونهم.

 لا يمكننا وضع حدود صارمة بين الدين والتدين، ذلك أنه لا يوجد دين خارج حياة الانسان وتفكيره وتعبيره وسلوكه. الدين يتجسد عبر التاريخ في حياة الفرد والمجتمع تبعاً لطبيعة العمران "حسب تعبير ابن خلدون"، ولا يستقل عن ثقافة البشر وطبائعهم.

 هنا ينبغي أن نعود إلى التعرف على أنماط تفسيرات النص الديني التي هي أولى أشكال تمثلات الدين في حياة الانسان، وهي المنبع الرئيس الذي تستقي منه سلوكيات ومواقف المؤمنين بالدين، ولا شك في أنها بأسرها تفسيرات تنتمي إلى إسلام التاريخ. تلك التفسيرات رسمت صورتَها الخاصة لله المحاكية لكل ظروف وملابسات الحياة السائدة في زمان ومكان وبيئة معينة، وهي غالباً صورة تُشرّع كل أشكال مناهضة العقل وقمع الايمان الحر، ومصادرة الحقوق والحريات، وتكرس أنواع الاستبداد والعبودية المعروفة في تاريخ مجتمعات عالم الاسلام.

 وبمرور الزمان لا تمسي تلك التفسيرات للنص المقدس مقدسة فقط تستعصي على المراجعة والنقد والغربلة، بل غالباً ما يمسي مفسّر النص مقدساً أيضاً لا يخضع للمسائلة فيما يقول ويفعل. وهي ظاهرة بشرية عامة لا تختص بالنص الاسلامي المقدس، وانما استبدت في كل الأديان عبر التاريخ، لكن استطاعت بعض الأديان مثل المسيحية الحد منها، والعمل على التمييز وعدم الخلط بين مكانة مفسّر النص الديني والنص نفسه، إذ بدأت تعمل على وضع كل منهما في نصابه، منذ أن بدأت مع حركة الاصلاح الديني وتواصلت حتى الفاتيكان الثاني ١٩٦٢ - ١٩٦٥، لكنها للأسف مازالت ماثلة في عالم الاسلام حتى اليوم.  

هنا تظهر الحاجة ماسة لتوظيف العلوم والمعارف والخبرات البشرية في قراءة وفهم النص المقدس، بغية اختراق الطبقات الكثيفة المتراكمة عليه عبر الزمان، والعمل على تحيينه واستحضاره، ليجيب عن أسئلة عصرنا، ويصغي لرهاناته، ويواكب إيقاع مشكلاته. وهي مشكلات فشلت الصورة النمطية لله المتوارثة من عصور الاستعباد في حلها،  لذلك ينبغي أن نعمل على حضور صورة الله المغيَّبة عن العالم، تلك الصورة التي تنشد الحق والخير والرحمة والحب والجمال والسلام.

  في ضوء هذه الصورة يمكن أن يظهر في حياتنا نموذج تدين لا يخاف العقل، ويتصالح مع كل زمان ومكان. تدين لا يطلب من المسلم مواجهة العالم الذي يعيش فيه وإعلان الحرب على البشرية، ولا يتمسك بمنطق أحادي يرفض كل تطور. تدين ليس مريضاً بشيزوفرينا من الآخر، تدين ليس حذراً أو وجلاً من مكاسب الغير في العلوم والمعارف والتكنولوجيا المتنوعة.   

 س5: في ضوء التحديات المثارة أمام الإسلام (كدين إنساني بطبيعة الحال) وبعد الذي جرى من هيمنة تيارات وتنظيمات الإسلام الجهادي الراديكالي (من جماعات القاعدة وأخواتها وداعش ومكوناتها وتحزباتها) التي قامت بأعمال متوحشة منافية للقيمة الإنسانية، وما أملى ذلك من تساؤلات وفتح باب الاستفسارات والأسئلة المصيرية عن الدين ذاته.. ما دوركم كمثقف (ديني) على مستوى إحياء نزعة الأنسنة الإسلامية كمطلب جدّي ملحّ ليس فقط على صعيد توكيد حقيقة أن الاكتراث بالشاغل الإنساني لم يكن يوماً بعيداً عن فضاء التفكير والنقاش العربي والإسلامي، بل أيضاً على صعيد تفعيل دور وحضور المبدأ الإنساني كمبدأ إسلامي جوهري لا بدّ من تفعيله وإعادة الاعتبار إليه عملياً؟

جواب: هناك مبالغات وتهويل ورومانسية في فهم دور الفكر والمفكر، والثقافة والمثقف، خاصة المثقف الديني وتأثيره في عملية التغيير الاجتماعي. وبسبب هذا الفهم الملتبس أصبح المثقفون متهمون أو خونة كما يقول الأديب الايراني جلال آل أحمد، أو المثقفون مناضلون تبعاً لما يراه اليسار، أو المثقفون فدائيون كما يذهب الراديكاليون منهم، أو المثقفون مجاهدون وشهداء كما تتحدث بعض أدبيات الجماعات الدينية.

لم يعد المفكر أو المثقف أو أي فرد مهما كان صانعَ العالم، ولم تعد حركة التاريخ مُرتَهنة بالأبطال، ولم يعد تغيير المجتمع في عالمنا اليوم متوقفاً على الفكر والثقافة فقط بمعناها القديم، بل إن تطور العلوم والمعارف البشرية وضع معادلةَ التغيير في مسار يواكب ما استجدّ من تطور.

تكنولوجيا النانو، والهندسة الوراثية، وتكنولوجيا المعلومات والأنترنيت والاتصالات، كل يوم تنجز ما لبث الكثير منه حتى الأمس أحلاماً وربما خيالاً علمياً. لا أظن أن شخصاً اليوم لم تحدث تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصال الجديدة والأنترنيت تأثيراً في كيفية حياته. الأسبوع الماضي كنت في رحلة برية من بغداد إلى جنوب العراق، سلكت فيها طريقاً يمر عبر مراعٍ وأراض زراعية، فهالني حضور الهواتف النقالة لدى الرعاة والفلاحين في قرى نائية مهملة مبعثرة على مساحات زراعية شاسعة، حتى الرعاة والفلاحون الأميون اخترقت حياتَهم وسائلُ الاتصال الحديثة. وطبقاً لما اكتشفه المعلّم هيدغر فإن دخول أية تقنية جديدة في حياة الانسان تتحوّل تبعاً لها رؤيته للعالم وطبيعة حياته. التقنية ليست أدوات وآلات وأجهزة وأشياء محايدة كما كنا نعتقد، وإنما هي كيفية حضور للكائن البشري في العالم، يحاكي هذا الحضور كيفية هذه التقنية ويتناغم معها.

بموازاة تقنية المعلومات ووسائل الاتصال الجديدة هناك تكنولوجيا الهندسة الوراثية التي تعدنا بما لم تعدنا به علوم ومعارف الانسان من قبل. ذلك أنها تتدخل في الخارطة الوراثية للكائن البشري، وتستطيع أن تجري تعديلاً على الشفرة الوراثية. وفي ذلك ما ينبيء بإمكانية التحول في شيء من الصفات الثابتة للطبيعة البشرية.

أتمنى أن نقرأ كتاب "فيزياء المستحيل" للفيزيائي الأمريكي من أصل ياباني الحائز على جائزة نوبل ميشيو كاكو، وهكذا كتابه الهام الآخر "رؤى مستقبلية: كيف سيغير العلم مستقبلنا في القرن الواحد والعشرين" لنفتح نافذة على صورة الغد، وما يعدنا به العلم من انتقال إلى أساليب أخرى في العيش مغايرة لما نحن فيه.  

"المثقف الديني" كما أفهمه هو الباحث المستوعب للتراث، والخبير براهن العلوم الانسانية، والمهتم بدراسة الدين وتقديم فهم ونقد لتجلياته في الحياة الشخصية والاجتماعية، وهو فهم لا يتطابق بالضرورة مع كل ما هو موروث. مثل هذا الباحث أعزل لا يحميه أحد عادة، لأنه لا يعزف ألحان أية سلطة سياسية أو دينية، ولا يحظى برعاية أية مؤسسة أو جهة اجتماعية أو منظمة حزبية. بل تتحفظ على منجزه وربما تحاربه المؤسسات التقليدية، والجماعات الدينية، والتنظيمات الحزبية، ذلك أن التفسير المختلف الذي ينجزه للظواهر الدينية يستفز الكل، والناس بطبيعتهم يقلقهم ويخيفهم كل جديد ينشد الالتحاق بالعصر ومغادرة الموروث.

رغم أن المثقف الديني لا يماليء أية سلطة، غير أن البروليتاريا الرثة، وبعض المثقفين المغرمين بشعارات اليسار، والمهرجين، لا يرضيهم ذلك، فيطالبونه بكل ما يحلمون به ويتمنونه، ويترقبون منه أن يكون بديلاً لمؤسسات الدولة والمجتمع الثقافية والاعلامية والسياسية والاقتصادية، بل يريدون من هذا المثقف أن يحمل بندقيته ويقاتل، مثلما فعل ريجيس دوبريه الذي توجّه إلى بوليفيا ليلتحق بالمناضل الشهير تشي غيفارا، وإلاّ فهو في نظرهم قاعد جبان متهم، وإن كانت جهوده متواصلة في التربية والتعليم والبحث والكتابة والنشر. ولا يعبأون بما يكابده في تأمين رزقه، وحيرته في تأمين الحد الأدنى لأمنه الشخصي ومصير أسرته.

المثقف الديني وكل مثقف حرّ ليس مبشراً أو داعية أو مناضلاً أو فدائياً. إنه باحث مكوّن تكويناً جاداً في تفسير النص الديني، مستوعباً للتراث، ومواكباً للعلوم الانسانية، يعمل على فهم الواقع وتفسير تجليات الدين في حياة الانسان. المثقف الديني ليس مسكوناً بأدلجة الدين، وليس صاحب دعوة تبشيرية. تتلخص مهمته بتفسير العالم، وهو يعرف أن تفسير العالم مقدمة لتغييره، إذ يخفق كل من يحاول تغيير العالم قبل تفسيره.

 تتمحور جهود المثقف الديني على تفسير ونقد ما يتفشى في مجتمعاتنا اليوم من قراءة خرافية للنصوص الدينية، كما يعمل على فهم وتفكيك القراءة الفاشية المتوحشة لهذه النصوص.

 ويهتم هذا المثقف أيضاً بتكريس الحياة الروحية، ويسعى لبعث وتنمية المواقف الأخلاقية، بوصفها تجربة للحياة نعيشها، وتجربة للحقيقة نتذوقها. ويشرح كيف أن تأثير هذه المواقف متبادل في حياتنا الشخصية، وكيف تمر الأخلاق بدورة انتاج تكون فيها هي الأثر وهي المؤثر، فكما ننتج نحن المواقف الأخلاقية ونعيشها ونتذوقها تعيد هي انتاج شخصياتنا أخلاقياً. الأخلاق نسيج منظومة علائقية ينتج بعضها بعضاً، كل موقف أخلاقي تغتني به شخصياتنا ويثريها وينقلنا إلى مرتبة أسمى في سلم التكامل. وهكذا كلما تسامى الانسان أصبحت بصمة أقوله وأفعاله أخلاقية، وصارت الأخلاق يصنعها وتصنعه، يرفدها وترفده، تصونه ويصونها، تحميه ويحميها.

س6: يرى كثير من نخب الحداثة الدينية العربية كمحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وعبدالمجيد الشرفي وغيرهم، أن موضوعة "الأنسنة" كاستراتيجية نقدية تكرس كل القيّم التي تعيد الاعتبار للإنسان؛ كالعقلانية، والحرية، والديمقراطية، والمساواة... بعد أن سلبها منه اللاهوت أو السلطة الكهنوتية التي تنطق وتقرّر باسم الإله دائماً على حد تعبيرهم.. ما تقييمكم لما سجّلته المدونة النقدية الحداثية العربية من نقد للخطاب الديني الإسلامي التقليدي والمعاصر خاصّة على مستوى انهماكه بالحديث النظري عن أهمية وضرورة التجديد الديني نظرياً، وما سجلته أيضاً تلك المدونة النقدية من تفكيك لمضامينه المعرفية، ومن تحليل لطبيعة العلاقة بين هذا العقل الحداثي وبنية الخطاب الديني، وطموحاته الاستراتيجية الأنسنية التي استهدفت (وتستهدف) ترويض جموحه "الديني"، وتفكيك سلطته النسقية، واستبطان مكبوته التخييلي، ومخزونه الرمزي، وفضح تلاعباته الكهنوتية ومراوغاته الإيديولوجية، إذا جاز لنا التعبير؟

جواب: الدين خارج التفكير عند الكثير من الباحثين والدارسين والأدباء والمثقفين في بلادنا. التفكير والتعبير والكتابة الجديدة في قضايا الدين ضريبتها موجعة. مسار المفكر والباحث المهتم ببحث أسئلة الدين واشكاليات المعرفة الدينية اليوم لا يخلو من مغامرة. إنه يجازف لحظة تقديم فهم مختلف في تحليل طبيعة المعرفة الدينية ودراسة تعبيرات الدين في الحياة، لأنه يتوكأ على مناهج وأدوات ليست متداولة لقراءة النص الديني، لا تكرر ما هو شائع وموروث. لا يصح وضع المفكر والباحث في الدين في سلة واحدة مع غيره من المفكرين والأدباء والنقاد والكتّاب المهتمين بحقول أخرى خارج الدين وقضاياه، ممن لا يواجهون مخاطر ومعاناة ومتاعب مثلما يواجهه من يفكر في الدين خارج السياق الموروث.

محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وعبدالمجيد الشرفي وغيرهم مفكرون تتمحور جهودهم على دراسة تعبيرات الدين في تاريخ الاجتماع الاسلامي، وبيان أنماط الايمان والتجارب الدينية، وحقيقة الوحي وكيفية تشكل النص الديني وتدوينه، وماهية المعرفة الدينية وعلاقتها العضوية بالزمان والمكان وثقافة العصر المنتجة فيه، واستجابة النص لرهانات العصر واستفهاماته.

 قدّم هؤلاء المفكرون وتلامذتهم وغيرهم بالعربية سلسلة أبحاث تناولت بالتحليل والنقد مدونات التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه والفقه وأصوله وعلم الكلام وأصول الدين والفلسفة والتصوف والسيرة والتاريخ. للمرة الأولى مع هذه الأبحاث تنتقل الدراسات الدينية إلى أفق جديد، يتجاوز دراسة الدين والتراث بأدوات تراثية، ويتوكأ على توظيف معارف وعلوم الانسان والتأويل وفلسفة الدين في دراسة إمكانات حضور المعنى الديني في حياة الانسان اليوم، واكتشاف حدود المقدس والدنيوي.

 بغض النظر عن كفاءة ونجاح كل هذه الجهود، لكنها محاولات جادة لتدشين مسار بديل للدراسات الدينية يسعى لإخراجها من المسارات التكرارية الدائرية المسدودة، عبر ردم الفجوة بين علوم ومعارف الدين وعلوم ومعارف الانسان المختلفة، بوصف الأخيرة تدرس الظواهر الدينية وتجليات النص الديني في الحياة، وهي ظواهر بشرية يمكن فهمها في إطار المعطيات المتنوعة لعلوم ومعارف الانسان.  

المؤسف أن هناك الكثير من الارتياب والتشكيك بجدوى هذا النوع من الدراسات بالعربية، وتعرضها وأصحابها لأحكام قدحية قاسية، تشكك في مشروعيتها، وقد تصل حد التكفير والتفسيق والتبديع أحياناً. مع أن هذا الاتجاه في الدراسات الدينية ظهر في الغرب منذ عدة قرون. وسبقنا اليه مفكرون دينيون في الهند وباكستان وايران وغيرها من بلاد الاسلام غير العربية.

في ايران مثلاً تكتسب جهود المفكر الديني أهميةً فائقة لدى جماعة من رجال الدين في الحوزة، ويصغي اليها الكثير من الأكاديميين وتلامذة الجامعات والنخب في البلاد، وتحدث بعض الآراء جدلاً ونقاشاً واسعاً، لا يتوقف عند الورق بل يتخطاه لمنابر الخطابة وحلقات الدرس الحوزوي والفضاء الثقافي العام. ولا يعتقد معظم النخب أن مثل هذه الآراء تنقض تدينهم أو تمحق إيمانهم. المفكر الديني الايراني كائن روحاني يحرص على تكريس حياته عبر أداء الطقوس، لذلك يشعر من يتضامن مع طروحاته أنه مؤمن. مع إنْ رؤيته للعالم لا تتطابق مع ماهو شائع، لكنه لا يختلف في معظم مظاهر سلوكه عن النمط العام لتدين الناس.

تكمن أزمة المفكر والباحث الديني في البلاد العربية في غربته عن المجتمع، وغربة المجتمع عنه. لا يتوجس الناس من تفكيره وآرائه فقط، بل يشعرون أنه منقطع عنهم في كل شيء في حياته وسلوكه. إن جهود هؤلاء المفكرين والباحثين في ديارنا مازالت لم تعثر على تربتها المناسبة، ولعلها لا تجد مثل هذه التربة مادامت بعيدة عن الحواضر والحوزات والمدارس الدينية. الفضاء الديني العام كان ومازال مُحتَكراً لرجال الدين والخطباء وأئمة الجمعة والجماعة، وكتّاب وشباب الجماعات الدينية، بينما المفكر المستنير في بلادنا يفكر ويكتب ويتحدث خارج هذا الفضاء، لا يصغي اليه أحد، مثلما لا يصغي هو لأحد.

أشرت أكثر من مرة إلى أن تحديث المؤسسة الدينية لا ينجز وعوده مالم ينبثق داخل هذه المؤسسة، تحديث الحوزة لا ينجز وعوده مالم ينبثق داخل الحوزة، تحديث الأزهر لا ينجز وعوده مالم ينبثق داخل الأزهر، تحديث المسجد لا ينجز وعوده مالم ينبثق داخل المسجد. تحديث الكنيسة لم ينجز وعوده إلاّ بعد أن انبثق داخل الكنيسة، تحديث الفاتيكان لم ينجز وعوده إلاّ بعد أن انبثق داخل الفاتيكان.

س7: في ظل أزمة المعنى (فراغ المعنى الوجودي) التي تهيمن على المجتمعات الحديثة، كيف يمكن لقيم الدين الإنسانية المعنوية (وبأية طريقة) الإسهام في التخفيف من آلام الناس وضغوطاتهم الحياتية، والعمل على إنتاج ونشر الاستقرار الفردي والاجتماعي، بعيداً -بطبيعة الحال- عن مجالات الفقه التقليدي، وتصورات الإسلام المتعددة المختلفة والمتضاربة الأفهام والاجتهادات والشروحات والبيانات والتفسيرات.. أين تكمن حاجة الفرد البشري للدين.. في إشباع الروح، في الشوق للمعرفة والتوق للحكمة، في أنسنة القيم الدينية، في إثراء الوجود الخاص أولاً والعام ثانياً؟

جواب: الانسان كائن مسكون باكتشاف وتفسير كل ما حوله من عوالم، إذ أن كل ما لا يفسر ويبرر يجعل هذا الكائن غارقاً بأسئلة تثيرها افتراضات قلقة وأوهام مخيفة. الدين شبكة دلالات تمنح الانسان قدرة على العيش في عالم يستطيع فهمه وتفسيره. صحيح أن الكثير من تفسيرات وتبريرات الدين نَسَخها اتساعُ مجالات العلم، ومحتها ممحاة تطور المعارف البشرية، والآفاق الجديدة للعقل الحديث، لكني أتحدث هنا عمّا هو خارج هذه المجالات والآفاق من مديات تلح على العلماء على الدوام أن يفتشوا عنها، ويقدموا افتراضات متنوعة في فهمها. فمهما بلغت فتوحات العلم واتسعت مدارات العقل فإن العقل ذاته يدلل على أنها تظل محدودة مهما امتد الزمان، لذلك يبحث الانسان بموازاة ذلك عما يمنحه معنى جديداً يفسر به ما لا يفسره العلم في حياته. وأعني بذلك أنه ليس هناك كائن بشري لا تلح عليه أسئلة حائرة عن معنى وجوده في هذا العالم، وعن الموت الذي يباغته وتتعطل فيه حياته، ويتوقف فيه كل شيء فيها، والمصير الذي لا يعرف عنه شيئاً، وما يتفشى في العالم الذي يعيش فيه من شرور مريعة، وغير ذلك من أسئلة تتفرع عن هذه الأسئلة وتحيل اليها. لن تغيب هذه الأسئلة أبداً مادام هناك إنسان يفكّر في العالم.

 فما يتصل بسؤال الموت مثلاً فإن تقدم العلم لا يستطيع تعطيله، وإن استطاع تأجيله.كل انسان يشعر أنه يقع في أحضان الموت، وإن فعل كل شيء لكن لا يستطيع طرد كابوس الموت. الموت هو التحدي الأعظم للكائن البشري، استجابات الكائن لهذا التحدي وإن كانت متنوعة لكنها كلها لا تكفّ عن التوق للخلود.كل انسان يواجه الموت بمنجزه، الفلاح يواجه الموت بمحاصيله، العامل بعمله، الرسام  بلوحاته، الشاعر بقصائده، المعمار بعمارته، المكتشف باكتشافه.كل جماعة بشرية يتضامن أفرادها وتنتج سردياتها ومتخيلها التاريخي في سياق مواجهة الموت.

تظهر تعبيرات مواجهة الموت والتوق للخلود في حياة الانسان في كل من: الدين الذي تتمدد به الحياة ولا تزول أبداً حسب مفهوم المتدين، والفن الذي يجعل الذاكرة حية على الدوام، والعلم الذي يصيّر وجود المرء أغنى وأقوى، والكتابة التي هي ضرب من بقاء واستمرارية حضور الكاتب وديمومته، والامومة والأبوة التي يتسع فيها الوجود الشخصي للغد عبر الأبناء، واكتناز المال الذي يشعر معه المرء بالاستغناء وعدم الاحتياج للغير، والسلطة التي تمنح من يمتلكها شعوراً يتخيل معه أنه يقبض على حياة أوسع من حياته الشخصية، بوصفه يمتلك قدرةً من شأنها أن تجعله يتحكم بمصير حياة الغير في مملكته، فيضمها إلى حياته، لأنه يهب الغير البقاء أو يحكم عليه بالفناء.كل ذلك وغيره يقوم به الانسان ليهرب من الموت، ويتخلص من الفناء، ويظفر بالأبدية.

يضع الدين بين يدي الانسان منظومة تفسير تقدم له إجابات عن كل ما لا يجيب عنه العلم في حياته، يجيب الدين عن الأسئلة الوجودية الكبرى، كسؤال معنى الحياة، والموت، والمصير. الدين تمثل رمزي للوجود، ونمط حضور في العالم، يتشكل في فضائه مفهومُ الانسان للحياة، وأفق رؤيته، وتتكيف تبعاً له صلاته بالأشياء، وأنماط علاقاته الاجتماعية بالأشخاص.كما يقدّم الدين تبريراً للحياة، وإن كان الدين لا ينفرد بذلك، غير أنه ينفرد في إنتاج رؤية للانسان الديني يعيش معها في عالم مقدس بموازاة عالمه الدنيوي.كذلك يقدّم الدين تفسيراً وتبريراً ينفرد فيه للموت، بوصف الموت ليس فناء، وانما تحوّلاً في طبيعة الحياة، وتأبيداً لها بنحو يجعل تحدي الموت مستساغاً. وكأن الانسان الديني يشعر أنه يهاجر من واقعه المرّ ليسكن عالماً طهراً لم تدنسه شرور وخطايا البشر، ثم يدنو ذلك العالم القدسي ليلتحم بالواقع ويتسامى به، بالشكل الذي ينقذ الانسان الديني من الكثير من آلام الحياة ومواجعها، إذ يمنحه تعويضاً مؤجلاً عن كل آلام حياته، ويمنحه قدرة اضافية تخفف من وطأة الألم وضراوته، بنحو يصبح هذا الانسان قادراً على تحمله مهما كان. كذلك يحرص الدين على منح الكائن البشري شيئاً من الألفة والانسجام مع العالم، يستطيع معها هذا الكائن أن يحتمي من الاغتراب الوجودي والهشاشة والضياع.

 أتمنى ألا يفهم كلامي خطأ، من اني أقصد ان حدود الدين تقتصر على المجال الفردي، ذلك أن كل دين بل كل معتقد شخصي له أثر مجتمعي عابر لأثره الفردي. المجتمع هو مجموع أفراده، وكل حياة دينية أصيلة تنتج تحولاً روحياً وأخلاقياً في شخصية الفرد، سيجد هذا التحول صداه المباشر في حياة المجتمع. نعم لا يمكنني القبول بأن نضحي بضمير الفرد، ونبدّد حياته الخاصة، وننحر كرامته وحريته وحقوقه لأجل الجماعة. أعلم أنها معادلة صعبة جداً في عالمنا، لكن لا يمكن أبداً قبول كل ما ينتهي إلى عبودية الفرد للمجتمع ومحو الذات الشخصية في الجماعة.

حاوره: نبيل علي صالح

 

majedaalbarowdiماجدة البارودي أديبة ناظورية، مقيمة بدولة ألمانيا، من عائلة ريفية محافظة، ولدت في مدينة دوزلدوف/Düsseldorf، وعاشت طفولتها في الناظور حيث تربت وسط أسرتها الكبيرة حتى نالت شهادة البكالوريا من الثانوية الفطواكي التأهيلية لتعود إلى غربتها في مدينة روسلسايم/ Rüsselsheim الألمانية حيث تقطن حالياً..

تابعت دراستها في إدارة الأعمال لكن شغفها باللغة العربية جعلها مدرّسة لها لأطفال المسلمين المقيمين بألمانيا..

ماجدة فاعلة جمعوية نشيطة، شاركت في مجموعة من الأنشطة الثقافية هناك، مثل المهرجان الفكري السنوي في مدينة فيسبادن / Wiesbaden بألمانيا حيث سجلت حضورها بمحاضرة “من الوجع أصنع بصمة النجاح”، ومن ألم هذا الوجع أبدعت ونجحت في صنع شاعرة عربية انطلقت من شعر مدرسي وسنها لا يتجاوز اثنتيْ عشْرةَ سنة عندما صفقت لكلماتها معلمتُها، كما يصفق لها الآن المهتمون بالأدب والثقافة عربياً..

كتبتْ عنها جرائدُ ومجلاتٌ عربية، ونشرت لها قصائدَ قوية وحواراتٍ صريحة، إضافة الى مقالات نقدية وقراءات لقصائدها تطرق إليها أدباء ونقاد كثيرون نوهوا بإبداعها المتميز.

من إصداراتها الشعرية "محطات الحنين" و"سطور الغيم"، وأعمال أخرى مشتركة وتسجيلات صوتية لقصائدها على قناتها اليوتوب ورواية سترى النور قريباً، وصدر لها مؤخراً ديوانٌ شعري جديد بعنوان "سأبقى لأكتبك" عن مطبوعات سلمى الثقافية بتطوان.

.......................

وقبل الحوار لا بد من هذه الملاحظة:

[في "سلسلة حوارات العرين" ماجدة البارودي هي الوحيدة التي كان لي شرف محاورتها، وجهاً لوجه، وعلى الهواء مباشرة بحضور كوكبة مهمة من المهتمين الذين حجوا لهذا اللقاء الأدبي بكثافة لافتة، منهم المثقفون، والباحثون، والأدباء، والفنانون، والطلبة، ورجال الأعمال بالناظور وخارجه..

ولـِ"رابطة الكتاب الشباب بالريف"/ الناظور الشكر الجزيل، فهي التي هيأت هذه الفرصة الثمينة، ورتبت هذا اللقاء الجميل بتاريخ 17 شتنبر 2016 بدار الأم.

وأنا، اليوم، بالاتفاق مع شاعرتنا ننقل لكم هذا الحوار مكتوباً وبما يليق بمن نفخر بهم من حملة أقلامنا في مدينتي المنسية.]

..................

 

أهلا بك في "العرين" أستاذة ماجدة..

لنبدأ هذه الجلسة الأدبية بهذا السؤال عن اسمك:

س- لـِ "لَقب " البارودي" تاريخٌ عريق، فماجدة البارودي كانت مرشحة لأن تنتمي فنياً لأهل البارودي المشهورين: الشاعر محمود سامي البارودي، الممثلة المتألقة "سميرة البارودي"، والشاعر السوري "وجيه البارودي".. هؤلاء نعرفهم، ومن لا نعرف كثيرون لا محالة..ما قصة لقب "البارودي"، وهل تسعدك هذه " القرابة" الفنية بهؤلاء المشاهير؟

ج- لا أنكر أنّ لاسم البارودي أثراً في تقريبي من القراء خاصة وأن لاسم البارودي وقعاً أدبياً في المشرق، لكنني أفتخر به أكثر لأنه رمز هويتي وانتماء عائلتي المغربي الريفي فقبيلتنا كان يطلق عليها بلد البارود ومنها أخذ اللقب.

س- لماذا الشعر تحديداً؟

ج- لا أعرف لماذا إلا أنني وجدته عالماً مختلفاً راقياً يحمل المشاعر الإنسانية على شكل رسائل هادفة..

س- أصدرتِ لحد الآن " محطات الحنين" عن دار الوعد بالقاهرة، و" سطور الغيم" عن دار الروسم بلبنان..وحسب رحلتي المتواضعة مع مضامين الكتابيْن أستطيع أن أجزم أن النصوص جلها غنائية، فيها تركزين على جَلد الذات، واستحضار الطفولة، والهجرة، والغربة، والحب.. هل هذا التوجه مقصود؟ أم القصائد سقطت دون قصد في هذا المنحى؟

ج- من الطبيعي أن يؤثر المحيط أو الجو العام في الشاعر أو الكاتب، وكوني مغتربة تتأثر أوراقي بجو هذه الغربة، خاصة وأنني لا أتقن كتابة الخيال أو خلق جو غير واقعي لأكتب عنه.

س- كتب عنك الناقد عبد اللطيف جبارة يقول: " قصائد حية، عذراء، عفوية، صادقة، وعارية من أي تجميل لغوي"..أهنئك أولاً بهذه الشهادة، لأنك تستحقين، ودعيني أسألك: هل هناك قصائد حية" وأخرى "ميتة" .. ما الفرق رجاءً..؟

ج- القصائد الحية هي التي يخلقها شاعر قوي من واقع معيش، وفي الغالب تصل هذه القصائد بعفوية إلى قلب القارئ، أما القصائد الميتة فهي التي ربما تكتب بآليات جيدة لكن جوهرها ضائع فلا تصل في أغلب الأحيان.

س- طيب فما يكون الشعر غير التنقيب كما الحفريات عن "الجمال" في روحه ولغته..؟ ما رأيك؟

ج- الجمال الحقيقي هو الذي ينبع من موهبة حقيقية بحيث يتسرب إلى الآخر دون مبالغة ... الاهتمام بالبناء وجماليته مهم شرط عدم نسيان جوهر النص..

س- وماذا عن الصدق الفني، متى يكون الشاعر صادقاً؟

ج- حين يعبر عن مجتمعه ومحيطه وواقعه فيكون قلمه رسالة نبيلة وليس مجرد سطر للخيال .

س- كتب ناقد يقول عنك: " ماجدة البارودي تغرف عباراتِها من يَم مليء بذكريات الطفولة، والهجرة، ومن حب عامر في القلب.."، هذه الملاحظة سليمة تماماً بحيث تُبين عوالمَ الكتابة لديك والموزعة بين الطفولة، والهجرة، والغربة، والحب..وهي عوالمُ متداخلة، الأولى تستدعي الثانية، والثالثة تلح في طلب الرابعة..حدثينا عن تجربة الهجرة لألمانيا، ووقعها على النفس، وكيف ترجمتها شعرياً؟

ج- تجربة الهجرة لها شقان إيجابي وسلبي، لكن المعروف عن الأدباء حساسيتهم المفرطة واهتمامهم بتفاصيل الأشياء.. المشاعر التي تشدني إلى وطني الذكريات والحنين كانت الدافع الأكبر للكتابة..

س- نزار قباني شاعر المرأة، هذا صحيح، وكتب عن الحب، والعشق، ولكنه طرح قضايا عصره، كتب عن أطفال الحجارة، والثورة، ... ولقد قيل للشاعر بابلو نيرودا " لماذا لا تكتب عن الحب، قال لهم " انظروا إلى الدماء في شوارعكم.." ما نصيب شعرك من قضايا الساعة..وما يسمى بالربيع العربي .. هل طُرح مثلا في شعرك.. ومال نصيب " الريف" في إبداعك عموماً؟

ج- لا يعتبر الأدب بأنواعه ذا معنى إن لم يثُر ويكون المترجم الأول للواقع حوله. كتبت كثيراً عن قضايا الساعة، والريف أصلي ومنبتي ولست شيئاً إن لم أتوجه تاجاً على قلمي.

س- " حصدت ألقاباً عدة وهذا شرف لنا قبلك، فأنت ابنة الريف، وشاعرته ..أنت نائبة تحرير لشؤون ألمانيا وأروبا لمجلة " عاشقة الصحراء"..أحب أن أسألك كيف تخدمين قضيتنا الأولى " الصحراء المغربية" في ألمانيا؟.. وهل تناولتِ في شعرك هذا الأمر؟

ج- أنا متشبثة بمغربيتي وفخورة بذلك ..أنا وجميع المغاربة في العالم نشير إلى أن المغرب بكله واحد ولا يتجزأ.

س- كتب الناقد مفيد نفزو عنك قائلا: " شاعرة بفلسفة خاصة".. أحب أن أعرف، ومعي قراء "العرين"، ماهي تجليات هذه الفلسفة البارودية في شعرك؟..

ج- ربما يقصد فلسفة السهل الممتنع ..

س- تكتبين "قصيدة النثر".. لماذا هذا الاختيار ..؟

ج- عالم النثر يتيح للكاتب نوعاً من الحرية وبساطة التنقل من سطر لآخر.

س- الجملة الاسمية حاضرة في شعرك لكنها محتشمة أمام الجملة الفعلية..واحتفالك بالجمل الفعلية لافت..الجمل الفعلية تعينك على ماذا بالضبط؟

ج- اللغة الشعرية بجميع أدواتها تتطور وتتحول من زمن لآخر فليس من البديهي أن يخاطب الشاعر جيل اليوم بلغة المتنبي والأعشى . وربما البدء بفعل أسهل لبناء نسق شعري في القصيدة.

س- والضمائر مختلفة، لكن تُتوجين ضميريْن على عرش نصوصك هما ضميرا المتكلم/ أنا، والمخاطب /أنت، وإذا كنا لا نلتفت لضمير المتكلم لأنه يعود عليك غالباً، فإن " أنت" يستوقفنا لنسأل من يكون؟ أنت لا تعلنين عن هويته أبداً؟ ..لماذا هذا التكتم في مخاطبة الآخر، لماذا لا تعلنين عنه صراحة؟ .. تقولين مثلاً:

"سافرتُ منك إلى إليّ وحقائبي محملة بهذياني..

قد تركتُ لك أعلام انتصاراتك الوهمية دفاتر جحودك، وأقنعة جميلاتك المزيفة"

ج- لا أعتبره تكتماً لأن ضمير المخاطب اختصار تام للعالم بأسره فيدور الحوار في الغالب بيني أنا وهذا العالم أنت..

س- لنقف عند عنوانيْ إصدرايْك: " محطات الحنين" و " سطور الغيم" أجد الصيغة فيهما واحدة، "مضاف ومضاف إليه"، العنوان ورد جملة اسمية، المضاف في العنوانيْن كلمة وردت "جمعَ كثرة" والمضاف إليه "مفرد معرفة".. أغامر وأقول بأنك عاشقة لـ ِالخُلاصات، و لا تهتمين بالجزئيات إلا في صلتها بالكل بدليل العنوانيْن..

ج- أحياناً توصل الخلاصاتُ معاني ضخمة وشاسعة للقارئ، عناوين الدواوين الثلاثة تعبر عن نواحي كثيرة في حياتي أو عن محطات عبرت منها وكان لها أثر... فـ "محطات الحنين" مثلا كانت جدارَ الصمت الذي تهدم بعد سنوات من الكتابة لنفسي، والأسماء الثلاثة تعكس جو الحنين إلى الوطن ومدى تأثير الغربة بشكل عام... غير أن الديوان الثالث مختلف نوعاً ما، فالعنوان "سأبقى لأكتبك" مبهم لأنني لم أحدد الحركة الإعرابية الأخيرة، وعلى القارئ فعل ذلك.

س- طيب، للحنين محطات، تهمنا المحطة الأخيرة.. كيف هي؟ و"سطور الغيم" أنا أتخيل هذه السطورَ كلماتٍ .. أيضاَ تهمني الكلمة الأخيرة .. ما يكون السطر الأخير من الغيم هنا؟

ج- لا أحب النهايات ولا الكلمات الأخيرة تبقى محطات الحياة مستمرة بكل ما فيها من حزن وفرح . . ويدور الغيم مطرا لتخلق النهاية بداية..

س- شرفت " العرين" شاعرة الناظور الرقيقة ماجدة، كلمة أخيرة لو سمحت..

ج- بل الشرف لي أنا التي لم تحلم يوماً أن تكون في صف واحد مع عمالقة الأدب الذين حاورتهم أستاذي... ولم أحلم بدخول عرين أحد ملوك القلم في مدينتي... أتمنى أن أكون دائماً عند حسن ظن أساتذتي، وبلدي، ومدينتي، وأتمنى أن أبقى تلميذة نجيبة تنهل وتتعلم من خطى من سبقها.. شكراً من القلب أستاذ حرش على الحوار الذي أيقظ في داخلي أشياء وحفَّزَ رغبتي في التحسن... كما أشكر "رابطة الكتاب الشباب بالريف/ الناظور على منحي فرصة دخول العرين مباشرة..

 

abdulwahid miftahإبراهيم بولمينات فنان تشكيلي مغربي درس تاريخ الفن ببلجيكا، حيت أقام معرضه الأول هناك، لينطلق للعرض وتقديم منتوجه الفني في مختلف العواصم الأوربية، ما أكسبه احتراما من طرف النقاد. بمناسبة معرضه الأخير الذي أقامه في مدينة الرباط برواق الباب الكبير، وهو أول معرض له في المغرب بعد أكثر من 22 سنة. كان لنا معه هذا الحوار، حول مشروعه الفني وجملة من القضايا المتعلقة بمنجزه.

- فلننطلق من سؤال البدايات، كيف يمكن أن تحدتنا عنها؟

- علاقتي بالفن هي علاقة وجودية، إن أردت أن أشرح لك بهذا المعنى، هو عملية تختزلني بالكامل، لا على مستوى المسار المهني، أو المعيشي، أو كهواية يركن لها الإنسان للتخفيف والراحة، طوال الوقت أكون داخل مرسمي، حتى في بدايات الشباب عندما كان طموحي الهجرة والاستقرار في أوروبا، كان بغرض أساس الدخول لأكاديمية فنية مرموقة في بلجيكا، حيت المعطيات التعليمية والبيداغوجية في التكوين وطريقة التأطير الإداري والتعليمي أفضل. أن أتلقى تكوينا تتوفر فيه شروط الجودة كان مطمعي الأساس ما إن وطأت قدماي (بروكسيل)، خاصة أنه في المغرب إلى حدود اليوم لا نتوفر على جامعة فنية.

- تشتغل في أفق التجريدية الجديدة في أعمالك، ما مرد ذلك بالنسبة لك؟

- في نظري، وأحترم طرحك الخاص وقراءتك، لكنني لا أتفق مع مسمى التجريدية الجديدة، دعني أخبرك أنني جبان وحذر إزاء المسميات والمصطلحات المفاهيمية والألقاب، وتلك الكلمات السمينة والضخمة التي يفرح بها البعض مثل نياشين على صدورهم، كل ما أقوم به هو نوع من الزج بين بعض الأساليب والتقنيات، والتجارب الشخصية التي أجد فيها راحتي، أشتغل على غير منوال، لكن تهمني روح الابتكار التي تقدمها لي أي تقنية جديدة أجربها لأول مرة، لهذا أنا دائم التجريب حتى وإن كان لذلك تبعات جد مرهقة، ونتائج غير مضمونة في أحايين كثيرة،

1244 miftah- صوت الرأس هو عنوان معرضك الأخير، بفضاء الباب الكبير بالرباط، ما الرسالة التي عملت عليها من خلال هذا المعرض؟

- صوت الرأس هو بمثابة معرض يأتي كتتمة لسلسلة العمل الذي ابتدأته منذ سنين، وقدمت فيه اقتراحات فنية حول موضوع الإنسان بكل عوالمه الفيزيائية والبسيكولوجية المعقدة منها أو البسيطة، بصفة عامة قد لا أجد مسوغا لأشرح لك بميكانزمات لغوية لما كان هذا الموضوع محط اهتمامي منذ البدء، لكنني متيقن أن سنوات المنفى الاختياري الذي عشته في أروبا، وتجاربي المخبرية على الألوان والأصباغ، كانت محصلة ما دفعني مباشرة في هذا الاتجاه، وفي ظني أن موضوع الإنسان بصفة عامة وبالرغم من طابعه الكلاسيكي يظل من أعقد المواضيع التي يمكن التطرق إليها، وتقديم البدائل في طرحها ف(صوت الرأس) هو constatation أكثر مما هو رسالة، ففلسفتي اتجاه هذا النوع من المواضيع تهتم وتتركز بالماهيات أكثر من الرسائل، فهو يكره ويحب يبغض ويعشق، يتفاءل ويتشاءم في نفس الوقت، هذه التيمة ذات طابع كلاسيكي وفلسفي لكنها ذا بعد لا محدود، تطرح فلا يوجد la constations حيت دور الفنان كمفكر وفاعل اجتماعي ليس موكول دائما للإجابات وتقديم الرسائل الملائمة في كل المواضيع. وبهذا أقول أن معرض (صوت الرأس) هو بمثابة constations أكثر مما هو سؤال و constatations هو في حد ذاته رسالة وشهادة على التاريخ.

- توظف تقنيات متعددة في أعمالك، حتى أن معرضك الأخير بالإضافة لما يقدمه من متعة جمالية هو أيضا فرصة للتعرف على تقنيات جديدة، أيهما يكون المحفز الأول لديك في الاشتغال على اللوحة، الفكرة أو اختبار تقنية جديدة؟

- قد يبدو أني أرجح فرضية التقنية الجديدة في خدمة اللوحة، وإن كنت أقول أن اللوحة الراقية وجماليتها تكتمل بانسجام روح الفكرة وعلاقتها بالتقنية، غير أنه في إطار مشروعي أشتغل على الأفكار الأساسية الناظمة له، والتي انوي الخوض فيها، ومن تمت أبحث وأمحص التقنيات والأساليب الكفيلة بإنجازها، فلا يمكنني أن استخدم تقنية لمجرد أنها تبلي بلاءا حسنا.

- بعد كامل هذه المرحلة لماذا العودة للعرض بالمغرب؟

- طفولتي وأسرتي ودمي مغربي، العودة والعرض بالمغرب كان مقترحا منذ فترة طويلة، لكنني اخترت أن أنتظر إنجاز العمل الذي تستحقه هذه العودة، وأضنني لم أخطأ الاختيار والتأني، فما طبع المعرض من استقبال مريح في الصحافة الوطنية، أو حتى الكتابات النقدية التي رافقته، بالإضافة لجمهور الزوار الذين فاجئني –صراحة- عددهم، وبدد كثير من المخاوف المسبقة التي كانت عندي عن التلقي الفني بالمغرب. والأمر الجميل أنه بعد 22 سنة خارج المغرب، وفي إطار الاشتغال والتحضير للمعرض، حيت كنت أهيئ بعين السبع (مكان ازديادي وطفولتي بالضبط) وهذا كان في حد ذاته ملهما بالنسبة لي، وخلف عندي جو حميمي بامتياز، ساعد كثيرا على إبراز المعرض في الحلة التي يستحقها،

- ما مدى قدرة اللوحة الفنية على إعطاء الصبغة المحلية لهوية الفنان من جهة والصبغة الإنسانية من جهة أخرى؟

- الفنان الحقيقي هو الذي يعانق الكوني ويقدم اقتراحات جمالية متخففة من ضيق الهوياتي، والأفاق المحدودة فلو أخدنا مثال: كامل مرحلة التلقي والتحصيل التي يتلقاها الفنان، هو بالنهاية مجبر على تركها والتنازل عنها، لإبداع طقسه الخاص، أي أنه يبدأ يعمل باللاشعور لا من خلال ما اكتسب وبهذا يكون أكثر رقي ومصداقية وقوة، زيادة على أن السفر والتعرف على ثقافات وجنسيات أخرى عن قرب، تبقى نقطة مهمة وزيادة على رصيده لا يستهان بها. أما ما يطرحه هذا الفنان فهو مثل السينمائي أو المسرحي أو الفيلسوف، يكفي بطرح إرسالية تختزل مشروعه الجمالي، يقول كلمته ويتركها للمصير الذي سيباغتها، وهناك منها من تلاشت إلى زوال، وهناك من الكلمات من صارت إلى معجزة. إنه قدرها أو قدره.

- الساحة التشكيلية المغربية كيف تجدها اليوم؟

- التشكيل عندنا لا يمكن مقارنته بفضاءات فنية أخرى، من حيت أن المغرب يبقى ساحة جديدة، وعمر تجربته قصيرة فنيا، اليوم نشهد فورة فنية وفكرية شابة، تزعزع الأوضاع وتقدم بدائل ومنجزات مهمة، ولا يمكن أن نبخسها حقها، وأعتقد أن هذه الطاقات الجديدة لها القدرة على الإدهاش وتقديم المثير، لا يلزمها كثير وقت وأنا على يقين أن بعض فاعليها سيلمع اسمهم في الساحة الإفريقية والعالمية.

 

lynda abdulbakiتعتبر الشاعرة السورية ليندا عبد الباقي من أبناء الموجة الثالثة التي قدمت للقصيدة جزءا من معناها المعاصر. وبرأيي إن ميول الشعر السوري في هذه الفترة للظاهرة الملحمية أو للجانب الحكاياتي، لم يؤثر فيها كثيرا. فقد قفزت بتجربتها من الواقعية الرومنسية إلى الحداثة الرومنسية، وهذا يعني أنها التزمت بالبساطة في التراكيب والألفاظ على حساب جزالة المعاني والبنية، وبنفس الوقت ركزت على الحساسية العاطفية وليس على القالب أو تجليات القصيدة، وبذلك تكون قد جمعت الإبلاغ الشعري كما تجده عند عبد الباسط الصوفي مثلا مع التصورات الشعرية كما كان يفعل أدونيس هو والجوقة الذهبية من رواد الأدب العربي، ومنهم أيضا السياب.

إن قصائد عبد الباقي تمتاز بخصلتين: المباشرة مع الذات النسوية، والمفارقة مع إنسانوية الواقع. ولأكون أكثر وضوحا إنها اهتمت بمشاعرها كامرأة لتعبر عن الحزن الدفين الذي يميز تجربة المأساة عند أبناء ما بعد النكسة.

لا توجد عند عبد الباقي خصوصية سورية، ولكنها جزء من ظاهرة الشعر النسوي الغنائي بما يعنيه ذلك من تحرر من قيود الأشكال المسبقة والتزام بأخلاقيات الفن الشعري الحديث.

ليندا عبد الباقي مولودة في السويداء (منطقة الموحدين في سوريا) عام ١٩٦٢. وتعمل مديرة لدار نشر تنشط في سوريا، هي دار ليندا. ومن أهم أعمالها المجموعات التالية: وردة النار (١٩٩٨)، لمن ينحني الحور (٢٠٠١)، أغنية المساء (٢٠٠٤)، يخاصرني الاخضرار (٢٠٠٧)، صهيل صمتي (٢٠١٠ )، على سرير يقظتي (٢٠١٤). وصدرت مختارات لها بالإنكليزية في لندن.

عن تجربتها مع القصيدة ومعنى المرأة ورموزيتها في الشعر المعاصر كان لنا معها هذا الحوار المكثف.

س1: النسوية، والأدب النسائي وأدب المرأة، كلها مصطلحات انتشرت لدينا في الأدب العربي. هل أنت معها، أم تنظرين للموضوع بمنظار دوبوفوار وغيرها من الوجوديين، أن النساء مثل الرجال، فكرة وموقف ونشاط على مسرح الوجود، وهن جنس آخر فقط.

ج1: ربما تختلف هذه القضية حسب المجتمعات وتربية الرجل المشابهة لتربية المرأة ...ففي مجتمعنا الشرقي هناك أدب نسوي بإمتياز يتفوق على أدب الرجال لأنه أكثر عاطفة وصدقا ومعاناة. وإذا تفوق الرجل ثقافيا أحيانا هذا لأنه السيد، ولديه الكثير من الوقت للقراءة، بينما تنجز الزوجة كل الأعمال، وتحمل عنه كل الأعباء. وفي المجتمعات الغربية لا يوجد أدب نسوي لأن البيئة الحاضنة للقصيدة متشابهة عند الرجل أوالمرأة. والمرأة يكفيها شرف الأمومة ليبقى الرجل الشرقي الإبن المدلل للمجتمع.

س2: بالاستطراد، القرآن الكريم يكافئ المؤمن بالحور العين، وكأن الثواب على الإيمان للذكور فقط، ولم يقطع وعدا للنمأة بمكافأة من هذا النوع، مثلا شاب مفتول العضلات، برأيك لماذا ينظر القرآن للمجتمع العربي بنصف قلبه فقط. ولا أريد تقديم افتراضات وأترك لك حرية التفسير، وهل هذا يسبب لك التحسس، بصراحة لو سمحت؟؟..

ج2: قضية حور العين قضية ليست دينية. فالدين هو الضمير والأخلاق والإنسانية والتفاني من أجل سعادة الآخرين والحفاظ عليهم وعلى إحساسهم ومشاعرهم. وما عدا ذلك هو وسيلة للفتن وإبادة الإنسانية والإنسان. حتى تفسير القرآن أصبح اجتهادات شخصية مأجورة للتأثير على عقول الجيل لخلق الفتن،

كيف الله حرم الخمر ووعدهم بجنات خمر؟. كيف حرم الزنى مع واحدة ووعدهم بحوريات، وقال الجنة تحت أقدام الأمهات، فهل الأمهات هن حور العين؟ وكيف تصبح بيوت الله مستودعات للأسلحة والقتل والدمار؟..

س3: ارتبطت الإيروتيكا بالحداثة، قبل عام ١٩٦٠ لم تكن توجد قصائد ولا قصص تتكلم بشفافية وعلى المكشوف عن الغرائز والاستاطيقا. وفتح هذا الباب نزار قباني وغادة السمان، ثم توالى الحبل على الغارب على يد أخرين منهم زكريا تامر الذي نظر للجنوسة وكأنها جزء من العنف والقهر والجريمة ، لماذا كانت الإيروتيكا حداثة، وجزءا من تيار الشعور والقصة العضوية وارتدت النظارة السوداء ونظرت لكل شيء بمنظار سلبي وقهري؟.

ج3: كيف ترتبط الإيروتيكا بالحداثة، وما كتبه امرؤ القيس لم يكتبه نزار قباني رغم إباحية مفرداته الشعرية؟..

ربما الزمن في كل حقبة يسحبنا للوراء مئات السنين كشيء من الردة الفكرية لأسباب نجهلها نحن وتعرفها السياسة المقنعة ضمن ثالوث محرم السياسة: الدين – الجنس، فما نخشاه علانية يمارس سرا، وبين السر والجهر تظهر آلاف الأقنعة المخيفة والخراب. أنا سعيدة لأن حروفي تدور خارج هذا الثالوث، لأن معظم من دخلوه كانوا مسيسين وحروفهم مأجورة. أما الجنس يستخدم عادة لترويج الكاتب والسيطرة على عقول المراهقين، حيث يكبر المراهق ويكبر الشاعر داخله، وهذا ما عمل عليه نزار قباني حيث خاطب هذه الطبقة وسيطر على عقولها بدعوة تحرر المرأة، وتناسى أن التحرر الفكري هو الأهم، حيث دارت مفرداته في غرف النوم المقفلة، وكثيرا ما تغنى ببنات الليل لتبقى المرأة عنده وسيلة لهدف وهو مصدر توليد قصيدة.

نظرة زكريا تامر منطقية حيث هذه الثقافة، إن لم تكن مصحوبة بفكر ووعي وخاضعة لأحاسيس صادقة، ستكون تجارة مدمرة. وفي كتاب لغادة السمان "لا بحر في بيروت"، وهو مجموعة قصص، تعلن فيها عن إنسانية شفافة وصادقة لا توجد في ديوان "وقالت لي السمراء" ومعظم دواوين نزار قباني.

س 4: كيف تنظرين لنظرية بيير داكو في التفريق بين المذكر والمؤنث، فهو يعتقد أن المرأة عبارة عن خطوط منحنية ومنطوية على نفسها، بينما الذكورة خاصة بمعمار نفسي مستطيل ومفتوح ومضيء. هل معه حق، وهل لك أن تقدمي لنا بعض الأمثلة من قراءاتك؟؟..

ج4: المرأة خطوط منحنية لكن غير منطوية على نفسها. هي احتضان وأمومة، احتضان المعمار النفسي المستطيل والمفتوح المضيء كأي دائرة تعلن الكمال، ولا ضير أن يضيء كل مستطيل دائرته لتضيء الحياة. ونلاحظ معظم الروايات تتحدث عن عذابات المرأة بسبب الرجل ولأنها تعيش في ظله. (أيام معه) لكوليت خوري ومعظم روايات الرجال تصف الأنثى على أنها مصدر غرائز (كما كتب مصطفى العقاد).

أما إيزابيل الليندي كانت تنوس بين الحالتين في واقعيتها السحرية، بين "الحب والظلال"..

س5: لوحات أغلفة مجموعاتك يغلب عليها اللون الرصاصي وصور فيزيقية لنساء في حالة ضياع، في (صهيل صمتي) المرأة الجالسة بلا ملامح، وظهرها محني ومقوس وتغطي وجهها، هل هي تشعر بالعار مثلا، أم بالانكسار، وهل أنت مع قراءة الفنان مصمم الغلاف لقصائدك، هل الغلاف معبر ومنسجم أم أنه في حالة انفصال عن فكرتك الشعرية؟.

ج5: الفنان مصمم الغلاف هو كنان رشيد ابني وهو الأكثر قربا من ذاتي، وأنا القصيدة الأهم لوجوده، فكيف لا يصور انكساري أمام كل هذه المعاناة وهذا الألم الذي استفحل في حياتي ليحوّل كراتي البيض والحمر لشعر في دمي. يبدأ هذا الألم من مجتمع ذكوري يقف على منبر الكلمة، لأن الرجل المثقف هو أكثر عداء للمرأة التي تنافسه فكريا وترفض غرائزة المباعة على أرصفة الثقافة. سيبقى هذا الحزن الذي يخفي ملامحي يمطر عطاء وخصبا ... كانت وستبقى عشتار تخصب الحروف كلما أينعت القصيدة.

س 6: نعود إلى الاستاطيقا، العرب يفضلون البهكنة (المرأة البيضاء البدينة ذات العجز). والغرب في عصور البلاط والتنوير يضخم من عجيزة المرأة بواسطة حوض معدني تحت الثياب، بينما اختلف ذلك منذ الدخول في الثورة الصناعية، أصبحت المرأة النحيفة شعارا للجمال والرشاقة والإغراء، ماذا حصل في هذه الفجوة؟

ج6: تبقى هذه المسألة فردية ولاتعمم ....ربما هذه الحالة مجرد تقليد للغرب كوسيلة للتمدن لا أكثر .

س7: لماذا هذا التناقض، جماليا المرأة يجب أن تكون بصدر عريض ومندفع كالصاروخ بينما العجيزة ضامرة ونحيفة، هل لذلك معنى أو سياق أم أنها صدفة؟

ج7: اندفاع الصدر شيء من العنفوان والكبرياء ... وإعلان الذات بالتحدي ... وضمور شيء على حساب شيء آخر...هو تشويه.

س8: الفرس والغزال والفراشة كلها رموز لجمال المرأة، لكن لو أنعمنا بها النظر، لهذه الحيوانات بطون منفوخة مثل الجياع في إفريقيا، وعيونها جاحظة بشكل ملحوظ، من برأيك أسقط عليها هذه القيم الجمالية، ولماذا، أم أن الشيء اختلط بالشيء، فالمديح ليس لها ولكن للبيئة الخضراء التي تحيا فيها.

ج8: الفرس ... هي الأصالة، الفراشة ... الرشاقة، الغزال ... العنق الجميل الذي يطال السماء .فإذا توفرت في النساء الأصالة والرشاقة والعنق الطويل فهي صرخة جمالية مدوية يهتز لها الأفق. وهذا الجمال يخضر له الكون .

س9: الغزل، متى يكون مستهجنا برأيك ومتى يكون مقبولا، ما هي الحدود بين الفاحشة والإطراء. هل من أمثلة لتأييد وجهة نظرك من الشعر العربي أو العالمي.

ج9: المقبول هو ما يدغدغ الروح.

إن العيون التي في طرفها حور/ قتلننا ثم لم يحيينا قتلانا. والفاحش هو ما يغوص في أعماق الغرائز بمفردات إباحية تخدش حياء القصيدة. للجسد قداسته ... جميل أن يحتفظ الجسد بتلك القداسة ولا يسخره إلا لممارسة حب مقدس .

س 10: وماذا عن الغزل العذري، هل هو حقيقة أم أنه أسطورة مثل قصة حب عنترة العبسي، ودخلته المبالغات والتهويل.

ج10: الغزل العذري هو الحقيقة الصادقة. وصدق الحقيقة لأن الرجل العربي إذا وصل صدر المرأة لايتحدث عن شفاهها، وإذا وصل شفاهها لايتحدث عن شعرها، وإذا لم يلامس حتى شعرها تحدث عن سحرها وبهاء روحها. وهنا الحديث يطول ويطول لأنه ممتزج بالنقاء، فأنا ممن يعتقد أن الجنس يقتل الحب، وخلاف الأزواج المستمر وتعدد العلاقات وحالات الطلاق خير دليل على ذلك .

س 11: ما هو واقع الشعر النسائي العربي والعالمي. وما هن أهم ممثلاته برأيك؟ وهل يغلب عليه التعبير العاطفي أم الحسي؟..

ج11: تكثر في القصيدة تانسا~ية كاف المخاطبة والهم الذاتي على حساب الهم الجمعي. معظم الأديبات اختصرن الشعر برجل وتكثر الشكوى والتوسل وتتحرك ضمن دائرة العلاقات الفاشلة أو العكس. لتمجد الرجل أو تهجوه.. قليلات من كتبن عن الفكر والفسفة والهم الجمعي... لا أريد ذكر أسماء حتى لا أدخل في سجالات. صحيح أن المجتمع يبني على علاقات ثنائية تتمحور حولها الحياة. لكن رقي التعبير ومتانته يختلف. وظيفة الشعر كشف المجهول لا التعريف بالمعروف، وظيفة تدركها النفوس الأصيلة المتشبعة بالجمال والباحثة عن جددوى الوجود وأسراره البعيدة. وظيفة الشعر روحية لا تحريضية لأن في التحريض إثارة شكليةو خارجية وفي التأثير بالروح إثارة داخلية عميقة فالتحريض مغامرة والتأسيس بصيرة التحريض تحديا والتاسيس استجابة ولا بد من التعايش لأن كليهما ضروري لجدل المرحلة فالشعر الحسي تسخير الحواس لخدمة الإحساس والشعر الروحي تسخير الإحساس لخدمة الحواس.

س 12: وما هو واقع الشعر الذكوري الذي تناول المرأة. وما هي أهم صيغه وإشكالاته؟.

ج12: لا يختلف الشعر عن الروايةفالرجل يدور في عالم المرأة ليصف الجسد وجمالياته لتسخير هذا الجمال لتوليد قصيدة واستكمال النسيج الشعري. فإذا كان صادقا جاء تلشعر صادقا. ربما هذا تابع لسمو شخصية الشاعر وبصمته الغير مفتعلة وصدق شخصية الشاعر في تعاملها مع المرأة بأدوات فنية عالية.

و كثير من الشعراء تغنوا بالمرأة على أساس أنها الأرض والخصب وكثير من النساء تغنين بالرجل على اساس هو الوطن.