abdulwahid miftahإبراهيم بولمينات فنان تشكيلي مغربي درس تاريخ الفن ببلجيكا، حيت أقام معرضه الأول هناك، لينطلق للعرض وتقديم منتوجه الفني في مختلف العواصم الأوربية، ما أكسبه احتراما من طرف النقاد. بمناسبة معرضه الأخير الذي أقامه في مدينة الرباط برواق الباب الكبير، وهو أول معرض له في المغرب بعد أكثر من 22 سنة. كان لنا معه هذا الحوار، حول مشروعه الفني وجملة من القضايا المتعلقة بمنجزه.

- فلننطلق من سؤال البدايات، كيف يمكن أن تحدتنا عنها؟

- علاقتي بالفن هي علاقة وجودية، إن أردت أن أشرح لك بهذا المعنى، هو عملية تختزلني بالكامل، لا على مستوى المسار المهني، أو المعيشي، أو كهواية يركن لها الإنسان للتخفيف والراحة، طوال الوقت أكون داخل مرسمي، حتى في بدايات الشباب عندما كان طموحي الهجرة والاستقرار في أوروبا، كان بغرض أساس الدخول لأكاديمية فنية مرموقة في بلجيكا، حيت المعطيات التعليمية والبيداغوجية في التكوين وطريقة التأطير الإداري والتعليمي أفضل. أن أتلقى تكوينا تتوفر فيه شروط الجودة كان مطمعي الأساس ما إن وطأت قدماي (بروكسيل)، خاصة أنه في المغرب إلى حدود اليوم لا نتوفر على جامعة فنية.

- تشتغل في أفق التجريدية الجديدة في أعمالك، ما مرد ذلك بالنسبة لك؟

- في نظري، وأحترم طرحك الخاص وقراءتك، لكنني لا أتفق مع مسمى التجريدية الجديدة، دعني أخبرك أنني جبان وحذر إزاء المسميات والمصطلحات المفاهيمية والألقاب، وتلك الكلمات السمينة والضخمة التي يفرح بها البعض مثل نياشين على صدورهم، كل ما أقوم به هو نوع من الزج بين بعض الأساليب والتقنيات، والتجارب الشخصية التي أجد فيها راحتي، أشتغل على غير منوال، لكن تهمني روح الابتكار التي تقدمها لي أي تقنية جديدة أجربها لأول مرة، لهذا أنا دائم التجريب حتى وإن كان لذلك تبعات جد مرهقة، ونتائج غير مضمونة في أحايين كثيرة،

1244 miftah- صوت الرأس هو عنوان معرضك الأخير، بفضاء الباب الكبير بالرباط، ما الرسالة التي عملت عليها من خلال هذا المعرض؟

- صوت الرأس هو بمثابة معرض يأتي كتتمة لسلسلة العمل الذي ابتدأته منذ سنين، وقدمت فيه اقتراحات فنية حول موضوع الإنسان بكل عوالمه الفيزيائية والبسيكولوجية المعقدة منها أو البسيطة، بصفة عامة قد لا أجد مسوغا لأشرح لك بميكانزمات لغوية لما كان هذا الموضوع محط اهتمامي منذ البدء، لكنني متيقن أن سنوات المنفى الاختياري الذي عشته في أروبا، وتجاربي المخبرية على الألوان والأصباغ، كانت محصلة ما دفعني مباشرة في هذا الاتجاه، وفي ظني أن موضوع الإنسان بصفة عامة وبالرغم من طابعه الكلاسيكي يظل من أعقد المواضيع التي يمكن التطرق إليها، وتقديم البدائل في طرحها ف(صوت الرأس) هو constatation أكثر مما هو رسالة، ففلسفتي اتجاه هذا النوع من المواضيع تهتم وتتركز بالماهيات أكثر من الرسائل، فهو يكره ويحب يبغض ويعشق، يتفاءل ويتشاءم في نفس الوقت، هذه التيمة ذات طابع كلاسيكي وفلسفي لكنها ذا بعد لا محدود، تطرح فلا يوجد la constations حيت دور الفنان كمفكر وفاعل اجتماعي ليس موكول دائما للإجابات وتقديم الرسائل الملائمة في كل المواضيع. وبهذا أقول أن معرض (صوت الرأس) هو بمثابة constations أكثر مما هو سؤال و constatations هو في حد ذاته رسالة وشهادة على التاريخ.

- توظف تقنيات متعددة في أعمالك، حتى أن معرضك الأخير بالإضافة لما يقدمه من متعة جمالية هو أيضا فرصة للتعرف على تقنيات جديدة، أيهما يكون المحفز الأول لديك في الاشتغال على اللوحة، الفكرة أو اختبار تقنية جديدة؟

- قد يبدو أني أرجح فرضية التقنية الجديدة في خدمة اللوحة، وإن كنت أقول أن اللوحة الراقية وجماليتها تكتمل بانسجام روح الفكرة وعلاقتها بالتقنية، غير أنه في إطار مشروعي أشتغل على الأفكار الأساسية الناظمة له، والتي انوي الخوض فيها، ومن تمت أبحث وأمحص التقنيات والأساليب الكفيلة بإنجازها، فلا يمكنني أن استخدم تقنية لمجرد أنها تبلي بلاءا حسنا.

- بعد كامل هذه المرحلة لماذا العودة للعرض بالمغرب؟

- طفولتي وأسرتي ودمي مغربي، العودة والعرض بالمغرب كان مقترحا منذ فترة طويلة، لكنني اخترت أن أنتظر إنجاز العمل الذي تستحقه هذه العودة، وأضنني لم أخطأ الاختيار والتأني، فما طبع المعرض من استقبال مريح في الصحافة الوطنية، أو حتى الكتابات النقدية التي رافقته، بالإضافة لجمهور الزوار الذين فاجئني –صراحة- عددهم، وبدد كثير من المخاوف المسبقة التي كانت عندي عن التلقي الفني بالمغرب. والأمر الجميل أنه بعد 22 سنة خارج المغرب، وفي إطار الاشتغال والتحضير للمعرض، حيت كنت أهيئ بعين السبع (مكان ازديادي وطفولتي بالضبط) وهذا كان في حد ذاته ملهما بالنسبة لي، وخلف عندي جو حميمي بامتياز، ساعد كثيرا على إبراز المعرض في الحلة التي يستحقها،

- ما مدى قدرة اللوحة الفنية على إعطاء الصبغة المحلية لهوية الفنان من جهة والصبغة الإنسانية من جهة أخرى؟

- الفنان الحقيقي هو الذي يعانق الكوني ويقدم اقتراحات جمالية متخففة من ضيق الهوياتي، والأفاق المحدودة فلو أخدنا مثال: كامل مرحلة التلقي والتحصيل التي يتلقاها الفنان، هو بالنهاية مجبر على تركها والتنازل عنها، لإبداع طقسه الخاص، أي أنه يبدأ يعمل باللاشعور لا من خلال ما اكتسب وبهذا يكون أكثر رقي ومصداقية وقوة، زيادة على أن السفر والتعرف على ثقافات وجنسيات أخرى عن قرب، تبقى نقطة مهمة وزيادة على رصيده لا يستهان بها. أما ما يطرحه هذا الفنان فهو مثل السينمائي أو المسرحي أو الفيلسوف، يكفي بطرح إرسالية تختزل مشروعه الجمالي، يقول كلمته ويتركها للمصير الذي سيباغتها، وهناك منها من تلاشت إلى زوال، وهناك من الكلمات من صارت إلى معجزة. إنه قدرها أو قدره.

- الساحة التشكيلية المغربية كيف تجدها اليوم؟

- التشكيل عندنا لا يمكن مقارنته بفضاءات فنية أخرى، من حيت أن المغرب يبقى ساحة جديدة، وعمر تجربته قصيرة فنيا، اليوم نشهد فورة فنية وفكرية شابة، تزعزع الأوضاع وتقدم بدائل ومنجزات مهمة، ولا يمكن أن نبخسها حقها، وأعتقد أن هذه الطاقات الجديدة لها القدرة على الإدهاش وتقديم المثير، لا يلزمها كثير وقت وأنا على يقين أن بعض فاعليها سيلمع اسمهم في الساحة الإفريقية والعالمية.

 

reebar habon- المعرفية السورية ماريا كبّابة، مواليد حلب

- إجازة في اللغة العربية، جامعة حلب

- عضوة في تجمع المعرفيين الأحرار

- رئيسة أخوية الراعي الثقافية التابعة للسريان الكاثوليك

- تكتب في عدة صحف محلية، والكترونية

 - صدر لها: التضحية- الوهم -

- عاشقان ولكن باسم الحب، وجدانيات بيرويا

وفي تاريخ 15- 4- 2017م، كان لنا معها هذا الحوار

 

المعرفية السورية ماريا كبّابة، يسعدنا في هذا الحوار أن نقلب معك مجموعتك الأخيرة وجدانيات بيرويا، ونقف عند العنوان ما سبب تسميتك له، وما مفهوم الواقعة في سياق هذه المجموعة؟

- بداية لابد لي من أن أقدم خالص شكري لتجمع المعرفيين الأحرار، الذي يضم نخبة من الأدباء الكبار من مختلف أنحاء العالم، وخالص شكري لك أيها الصديق المعرفي ريبر

 كما سبق وأن ذكرت في قصتي "- بيرويا" وهي من ضمن مجموعتي السابقة بأن كلمة بيرويا هي التسمية القديمة لمدينة حلب حيث تعود هذه الكلمة إلى سلوقس نيكاتور وبيرويا مسقط رأس الإمبراطور فيليب وتعود هذه الكلمة إلى عام 330ق.م (- والمصدر طبعاُ من مخطوطة _ دفتر النسوان _ للأديب الحلبي والعالمي سمير طحان وشكري الجزيل له- )، سبب التسمية أنني أردتُ أن أقول للسوريين عامة والحلبي خاصة بأنّ عهود كثيرة مرتْ ولحق بها الكثير من الدمار ولكن عدّنا من جديد، وبإضافة كلمة وجدانيات أزلتُ أي لبس يمكن أن يأخذ منحى آخر غير الذي أردته من مجموعتي والتي ذكرت أنها من نوع (وقائع) أي أغلب القصص أو حتى الأشعار مستمدة من الواقع الحلبي بشكل خاص، بسلبياته وإيجاباته حيث كنتُ أستمع لقصص الأصدقاء وأحولها بقالبي الخاص، فقد رأيت أن الواقعية إذا لم تكن معجونة من هموم الناس فهي مجرد قصص أو خيال، وبطبعي أحب غالباً الواقعية في حياتي العملية

 نلمح في هذه الكتابة التي بين أيدينا، لغة سلسة بسيطة، تحاول محاكاة مختلف الناس، بخاصة الحساسين منهم. ما تعليلك لذلك، وهل تجدين في اللغة السهلة، تأثيراً أكبر؟، أم أن المبدع يكون أسير حالته العفوية في انتقاءه لتراكيبه؟

- بالنسبة للغة الكتابة التي اعتمدها، يمكن القول بأنّها أقرب للبساطة، فبعض القصص كانت تحتاج إلى فكر عميق ايضاً وتحمل الكثير من المعاني التي قد لا يدركها القارئ العادي، من خلال المطالعة الأولى، أذكر على سبيل المثال / بيرويا – مفاتيح _ بيوت من رمال وغيرها). ولكن من ناحية أخرى بالفعل، أحبذ اللغة السهلة الواضحة التي لا تحتاج لمعاجم لفهمها، وطبعاً نحن أمام عدة خيارات: إما أن نتابع اللغة الجزلة والتي أحياناً قد ترهق المتابع، بحجة أن علينا المحافظة على لغتنا وغيرها من العبارات الرنانة التي أحياناً قد تبعد الكثيرين عن القراءة، خصوصاً مع وجود الفيس بوك وغيرها الوسائل الحديثة، والتي أصبحت المعلومة في متناول كل يد، وفي النهاية : أوجه خطابي لكافة شرائح الناس من مختلف الأعمار، أرغب كثيراً في إيصال معلوماتي عبر لغة سهلة بسيطة متناغمة معهم والدليل أن الكثير ممن قرأ كتابي، قال لي بأنه أعاد قراءته لعدة مرات ويخصص قصة معينة لأنها لامست حادثة مشابهة أو ذكرته بحدث مهم إذاً عبر لغتي البسيطة استطعت الوصول لقلوب الناس، وهذا ما أردته

 وهنا أعتقد أن المبدع بانتقاءه لمفرداته وتراكيبه التي يرغب في إضافتها لمحصوله الأدبي، ينجح بالتأكيد في زرع بذور الحكمة والمعرفة ليقدمها بقالبه الأدبي الخاص للجمهور الذي ينتظر منه كل جديد

1030 SIR

لا ينفك العاشق الحقيقي عن وطنه، هذا ما نلمسه في هذه الوجدانيات، ترى هل ذلك يعود إلى جدلية الموجود - والوجود، أم أن المرء لصيق أكثر بتربته في زمن الحرب؟

- لن أبالغ إذا قلتُ بأنني في وجدانياتي، أردتُ تأكيد مقولة معينة، ألا وهي أن العاشق الحقيقي يرتبط بأرضه تماماً، كما يرتبط بمحبوبته، ولكن هذا لا يعني أنني في وجدانياتي أيضاً تعرضتُ للحالات السلبية ومنها تعرضتُ له بأسلوب ساخر على سبيل المثال ( هزيمو) بمعنى آخر لا يوجد ما يمنع الجدلية فالإنسان غالباً ما يرتبط برمز أو أمر أو شخص ما أو عمل وأنا خير مثال على هذه الجدلية، فحين غادرت حلب، كنتُ أغادرها جسداً لا روحاً، على أمل إيجاد هدف معين ورغم البذخ والرفاهية التي كنتُ تلقيتها إلا أنني أدركتُ أنه ليس هدفي في هذه الحياة عيشة بذخ وقصر منيف، ولكن هناك هدف أسمى يجب علي متابعته وفي وطني بالذات، لذلك جمعتُ حقائبي وعدتُ رغم حالة الحرب والدمار في وطني، ورغم الكثير من حالات الاستياء التي تعرضتُ لها من الأصدقاء والأقرباء، فقد أحسست أنني يجب أن أتشارك مع حلب جراحها، كي أشعر بفرح النصر على حقيقته وأن للوطن والبيت والأصدقاء طعم آخر

في كتابتك نزعة حالمة مثالية، تميل إلى الرومانسية، هل تجدينها أحد الخيارات الآمنة في عصر التشاحن والتنابذ - والتقاتل السلطوي؟ أم أن الأديب في نظرك يجب أن يبتعد ما أمكن عن الانحياز لأحد أطراف الصراع، كي يحافظ على قلمه حراً؟

- هناك الكثير من الشجون التي قد تبعد الأديب عن الحالة الحالمة أو المثالية، وأنا من الشخصيات التي تعشق المثالية الحالمة ولكن دون جدوى، وسط عصر تجاري بحت، وكالكثير من الذين يسعون إلى تكوينها أو العيش فيها ضمن حياة أقرب إلى المثالية ولكن غالباً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

 بالنتيجة هي ليست خيارات فهناك واقع معاش، لا يمكننا بحال من الأحوال أن نتهرب منه أو نغض الطرف عنه، ثم هناك الكثير من اللغط الذي نعايشه في حياتنا اليوم، وأخص عصر التشاحن أو التقاتل السلطوي كما أسلفتَ، فالأمر أكبر بكثير من مجرد تشاحن أو تقاتل سلطوي إنه في نهاية الأمر يتمحور من خلال الوجود والكيان والهوية السورية التي يريدون إلغائها أو طمس معالمها، وما دُفع ويدفع اليوم الكثير من أجل تخريب الحضارة السورية ومحاولة طمس تراثنا وتاريخنا الحضاري، لن أقول بأنهم نجحوا أو فشلوا لأن هذا الأمر يتطلب حواراً خاصاً به وليس هنا مجاله ولكن يمكنني التأكيد لك أن وجود الكثير من السوريين الذين أمنوا أن لا بديل عن الهوية السورية والأرض والعلم السوري مهما كلف الأمر لدليل على أن الإنسان السوري لا يمكن أن تهزمه، لأنه على يقين من حتمية النصر لصاحب الأرض ونحن نملك الأرض ونملك الحضارة وهذا لن يعيقنا عن الاستمرار في محاربة الجهل بالعلم والقلم لا بالسيف والقتل والدماء.

 لا أعتقد أن أي أديب يمكنه أن يكون ضمن طرف محايد فقط ليكون بمأمن، فالأديب ابن عصره، وهو أداة نقل وتعبير ويبقى الأكثر رهافة في نقل صورة الواقع لأنه بالنتيجة يقوم بتسجيل وتأريخ الأحداث والتي ستبقى من أهم المراجع للأجيال القادمة فمهما حاولوا أن يقلبوا الحقائق لابد أن تظهر أقلام نظيفة ولا نريد من الأديب إلا أن يكون أداة سلم لا تجييش أو هدم

الأدب مواكب لحقيقة الواقع الذي تعيشه المجتمعات، هل وجدت نفسك في هذا المسلك من الكتابة، حدثينا عن تجربتك في ظل الحرب والنزوح، ومدى نجاحك في نقل المعاناة عبر الكتابة؟

- الأدب والواقع جزءان لا ينفصلان بحال من الأحوال، فالأديب إذا لم يكن العين الكاشفة والناقلة للواقع، فلن ينجح في إقناع الناس أنه لسان حالهم، وهذا الأمر ليس بالغريب عن مجتمعاتنا، الطالما كان الأدب لسان حال المجتمع، وما كنتُ أكتبه قبل نشر كتابي وحتى بعده يؤكد أنني ابداً لم أنقل سوى واقع مجتمعي البسيط والجميل بتعقيداته الجدلية

 تجربتي تعتبر من التجارب الغنية التي عشتها رغم مآسي الحرب التي عشناها ونعيشها، فقد اختبرتُ تجربة سفر إلى إحدى العواصم الأوربية، عشت مع عائلة مترفة، استمتعتُ كثيراً بوقتي، زرتُ الكثير من الأمكنة وتحدثت عن بلدي وحضارته ولكن حين تأكدتُ أن مكاني الحقيقي بين أهلي وبلدي

الآن وطني جريح ولكن لا يعني هذا أن أتركه وارحل، عشتُ فترة صراع لمدة من الوقت ولكن في النهاية أدركت أنني أهدر الكثير من الوقت ببقائي في مكان لا تربطني به شئ، رغم توفر كامل وسائل الراحة التي قدمتها لي العائلة اللطيفة، لذلك عدتُ!

الإنسان والمكان، في منظار الذاكرة، كيف تتعاملين مع هذه الثنائية في حياتك كأديبة وإنسانة في ظل التطرف الذ -

حصد الأرواح في سوريا، كيف تتحدد معالم الأمل في لغتك وتقابلاتها على مسرح الواقع؟

- سورية كدولة علمانية، كانت ولا زالتْ تعمل من أجل إنسانية سعيدة مثقفة واعية، وما يحصل اليوم في وطني الغالي ما هو إلا محاولة من قبل بعض الدويلات التي عملت من أجل تخريب البنى التحتية لسورية، من خلال إغداق الأموال والعتاد وحتى شراء وسائل الإعلام فقد ظنتْ أن بالمال التي تملك يمكن شراء اي شئ !ولكن في سورية فشلوا، فكمية السلاح الذي دخل بلادنا لو كان وظف لبناء أو تعليم لكان يمكن أن يجعل بلادنا من ارقى وأعظم بلاد العالم!

أعتقد أنني استطعت من خلال قلمي أن أبث الدفئ والأمل في نفوس القراء، وهذا ماأجده من أصداء كتاباتي، ففصل الأمل عن التفاؤل أمر لا يمكن أن يغيب عن حياتي فهو جزء هام من سيرة حياتي الشخصية التي اعيشها ضمن حياتي على مسرح الواقع الحالي

كيف يجب أن تتحدد علاقة الأديب بالمجتمع، من زاوية أخلاقية بعيدة عن السياسة والتحزب، هل تجدين ذلك الحيز موجوداً في سوريا قبل الحرب الأهلية، وبعدها؟

- أعتقد أن على الأديب عدم فصل نفسه عن مجتمعه وإلا لن يكون أديباً، فكما نعلم أن الأديب لا يكتب لنفسه بل للمجتمع الذي خرج منه وهو الوحيد الذي يمكنه أن يقنع الكثيرين من خلال أدب نظيف لا شوائب فيه، لن أكون مثالية ولكن أعتبر أن التحزب أحياناً ليس سلبياً، فلا يمكن أن يكون الأديب إلا منغمساً بأوجاع المواطن حتى لو لم يؤدي الدور بشكل جيد فبالنتيجة لايوجد أمر مطلق ..هذا الأمر في بعض الأحيان ضروري بمعنى أخر علينا أن نكون مدافعين عن قضية ما بعيداً أو قريباً عن السياسة والتحزب لا يهم المهم أن يقتنع الأديب في النهاية بكل كلمة يكتبها ولكن أيضاً هي كبلد علماني يجتهد من أجل الترفع عن التطرف الديني، ويمكن القول بأن سورية كانت ومازالت من الدول التي تعمل من أجل الإنسان رغم ظروف الحرب الأخيرة

وأنا أعترض على استعمال كلمة حرب أهلية فسورية لم تكن قط تعمل إلا من أجل المواطنة. والحرب التي دمرتنا لا يمكن أن أطلق عليها سوى حرب كونية مسيسة من قبل دول البترودولار والتي لا يمكن أن يغفل أحدنا عن دورها في عملية التخريب الممنهج الذي أتبعته هذه الدول

وأخيراً لا يسعني سوى شكرك، على قضاءك وقتاً شيقاً في حوارنا هذا، كلمة أخيرة تودين قولها؟

- كلمتي الأخيرة طبعاً أود أن أشكر تجمعنا والشكر الأكبر لك صديقي ريبر على الجهد الكبير من أجل إيصال المعلومة المفيدة

. والأدب والفكر لكافة الشرائح

 

 

najeebalaofiيعتبر نجيب العوفي أحد المؤثرين الأساسيين في المدونة النقدية المغربية، لما لمساره الحافل بمؤلفات أغنت المكتبة العربية، فصاحب (درجة الوعي في الكتابة) و(مساءلة الحداثـة)  ما فتئ مند أولى دراساته الأكاديمية، يوسع من مشروعه النقدي عن قصيدة النثر، التي كان له فيها أطروحات وتنظيرات أثارت جدالا وسجالات واسعة، في المشهد الثقافي.

في هذا الحوار نقف على محطات تظل لازمة في منجز هذا الناقد، ونوسع معه النقاش حول قضايا  الحركة النقدية اليوم.

 

- تقول إن كثيرا من الشعر الذي يملأ مشهدنا الشعري، يخلو من اللغة

الشعرية، والإيقاع الشعري.. إن شعراءنا الجُدد يعانون من الكسل اللغوي. أليس ذلك راجعا لبنية قصيدة النثر ذاتها، هذه القصيدة التي لم تحقّق الوعد الذي انطلقت منه؟

- يُعيدنا هذا السؤال إلى الشّجون الشعرية السابقة. وقد أثرتَ في سؤالك ولامستَ مناطق حسّاسة وساخنة بصدد راهن الكتابة الشعرية، من خلال كلمات - مفاتيح من  قبيل / اللغة الشعرية – الإيقاع الشعري – الكسل اللغوي – قصيدة النثر..وهي الكلمات المفاتيح التي كانت محورا ومَدارا لكثير من مُقارباتي ومُداخلاتي.

من بَدَائه الأمور، أن الشعر هو صفْوة اللغة ورحيقها. هو اللغة الثانية، المجازية والاستعارية المقطّرة ضمن اللغة الأولى، المعجمية – التّداولية. وهذا يقتضي من الشاعر بالطبع، إحساسا جماليا فائقا باللغة واستعمالا مُرهفا ومُحكما لها. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن لغة الشعر المقطّرة هذه، تقتضي نصيبا أو حدّا لا مُعدى عنه من الموسيقية والإيقاعية.. وإلّا فقد الشعر عنصرا أساسيا في شعريته وخُصوصيته، وتماهى مع النّثر. ولا أعني بالموسيقية والإيقاعية هنا بالضرورة، الالتزام بالعروض الخليلي والنسج على منوال القصيدة العمودية، مع مشروعية ذلك.. بل أعني الحفاظ على موسيقية ونغَمية الجملة الشعرية، واللّفظة الشعرية، والقصيدة الشعرية ككل، سواء أوافق ذلك إحدى الدوائر التفعيلية أم تجاوزها وانْزاح عنها..

والشرطان المُومَأ إليهما، شرط اللغة وشرط الإيقاع، يكادان يغيبان ويتواريان من كثرة كاثرة من النصوص الشعرية التي نقرأها.. وهو ما يُعزى بالفعل، إلى الكسل اللغوي المُفْضي بدوره إلى الكسل الشعري..أو الهشاشة الشعرية. أي غياب الشعر عن الشعر.

وقد دخلت قصيدة النثر على الخط بشكل واسع وفاقع، وكانت سلاحا ذا حدّين، ومطيّة ذَلولا لكثير من الشعراء المتخفّفين – أو المُتأفّفين من أعباء وقيود اللغة والإيقاع.

وقصيدة النثر كما هو معلوم، ليست لها قواعد وقوانين محدّدة وقارّة يمكن الاعتصام بها. بل هي أفق مفتوح للكتابة والقول. وقد حاوات الباحثة الفرنسية سوزان برنار في فترة مبكّرة التنظير لقصيدة النثر وتجْلية بعض ضوابطها وقوانينها، لكن محاولتها كانت نظرية، لم تُفلح في سدّ ذرائع قصيدة النثر. مع الإشارة إلى أن الباحثة كانت تتحرّك في فضاء أدبي غربي في الأساس، وكان النص الفرنسي مادتها وموضوعها.. وهو ما يطرح بعض التحفّظات بصدد تطبيق فُروضها وطُروحاتها على النص العربي، بحُمولاته وطقوسه اللغوية والبلاغية  والجمالية الخاصة. لقد كرّست قصيدة النثر، ضرْبا من الليبيرالية – الشعرية، أشرعت الباب على مصراعيه أمام المتطفّلين على حِياض الشعر وغير المؤهّلين لإبداعه.. وأصبحت هذه الحِياض مُسْتباحة  للجميع. وهو ما يدعو في رأيي، إلى إعلان حالة طوارئ نقدية على الشعر.

- الحركة النقدية، هل تقدّم جديدا في مواكبتها ومقاربتها، أم أنها ما زالت تُعيد مقولات وأسئلة من خارج مدوّنتنا الإبداعية العربية بفعل عدم مُعافاتها من آثار النصوص المترجمة والمرجعيات الغربية؟

- مرجعيا، ما يفتأ النقد العربي بعامة، يتحرّك في كَنَف النقد الغربي بمختلف تياراته ومستجدّاته، سائرا على منواله ومُهتديا بهدْيه وقابسا من كُشوفه.. ونادرا ما يعود إلى المرجعية العربية التراثية لاستثمارها وتوظيفها في دراساته ومُقارباته الميدانية. إن النقد الحديث يعود إلى النقد القديم، كمادة وموضوع للبحث الجامعي في الغالب، وليس كاستراتيجية نقدية تتوخّى ربط الحاضر بالماضي. وإن سلطة النقد الغربي على النقد العربي، تبدو واضحة للعيان منذ مرحلة النهضة المُراوحة في المكان والزمان الى الآن.

ويمكن اعتبار مرحلة السبعينيات من القرن الفارط، سواء على الصعيد المغربي أو العربي، محطة نقدية حسّاسة في مسار النقد العربي الحديث، أقلع فيها صوْب آفاق الحداثة النقدية الجديدة ، بمختلف أطيافها واتجاهاتها،  سواء على مستوى النظريات النقدية والأدبية، أوعلى مستوى المناهج النقدية والمنظومات المفاهيمية والاصطلاحية. هي مرحلة المثاقفة النقدية، ومن طرف واحد. ولم تخلُ هذه المثاقفة من فوائد ونتائج معرفية لا يمكن نُكرانها. لكنها في المقابل، لم تخلُ من مزالق وسلبيات لا يمكن نُكرانها أيضا. وكنتُ قد رصدتُ وأحصيتُ في كتابي (ظواهر نصّية )، جملة من آفات وسلبيات الارْتهان الّلامشروط لمُنجز النقد الغربي..وأزعم أن كثيرا من هذه الآفات والسلبيات، ما يزال مستمرا إلى الآن.. منها على سبيل المثال / المنهاجوية، من حيث هي ارتهان غير مشروط للمنهج يؤدّي إلى ما يشبه وثَنية أو فِتيشية المنهج.. فيُستعاض عن المبدا النقدي المعروف ( النص ولا شئ سوى النص ) بمبدأ ناسخ ومُضاد (المنهج ولا شئ سوى المنهج).

الآفة الثانية، هي الانتقال والارْتحال السريع بين المناهج والنماذج، في ما بين العشي والضحى.

الآفة الثالثة، هي غياب النقد عن النقد، وهيْمنة النزعة الوصفية التحليلية على النزعة التّقييمية التأويلية، بدافع من علْمنة الخطاب النقدي وإبراء ذمّته من أية نوازع معيارية ونوايا إيديولوجية

 هذا إلى آفة أو مأزق أو إشكال المصطلح النقدي الملتبس والمتطاوح بين قبائل النقد العربي  الحديث..

تلك بعض آفات ومزالق الخطاب النقدي المغربي – والعربي بعامة، الناجمة عن صدمة الحداثة وما بعد الحداثة (في رواية) وقدر المُثا قفة الّلامتكافئة.. في انتظار ولادة نقدية عربية تؤسّس لوعي عربي مستنير بالنصوص العربية. ويبدو أن هذه النظرية العربية المنشودة والمفقودة، ما تزال حلُما في الكَرى.

- نشهد حركة أدبية دؤوبة ونشاطا ملحوظا في الساحة الثقافية، إلّا اننا نلاحظ في المقابل سنة بعد أخرى، تدنّي الوضع الاعتباري للكاتب وتهميشه إعلاميا وحُكوميا.. هل للكاتب والمثقف عموما  دور في هذا؟

- لا كرامة لكاتب في قومه. وفي المغرب بخاصة، حيث الأمية الثقافية ضاربة أطنابها من القاع إلى القمّة، تبدو وضعية الكاتب مَدْعاة للرثاء والأسى. ذلك أن المجتمع المدني من جهة، يتجاهله ولا يعير له الْتفاتا. والمجتمع معذور في ذلك.. لأنه غارق في مشاكله وفي بُحران الأمية. والدولة من جهة، تتجاهله أيضا ولا تُعير له التفاتا، في دوّامة جَشَعها السياسي ومصالحها البيروقراطية.. رغم وجود وزارة مُقزّمة ومهمّشة للثقافة، ورغم التظاهرات والمبادرات الفولكلورية التي تقوم بين الفينة والأخرى..بذرّ الرماد في العيون..

وحتى الاتّحادات والجمعيات النابعة من الكتّاب أنفسهم، لم تفلح في رأب الصدع وردّ الاعتبار المعنوي والمادي للكاتب.. وللثقافة بوجه خاص – وعام. إن في الأفق هرْولة نحو المجهول. ومن ثمّ يبدو لي، أن قدَر الكاتب المغربي، وإلى إشعار آخر، هو قدَر سيزيفي – عِصامي. إن قدر الكاتب المغربي، أن يحمل على كاهله صخرة الثقافة، وصخرة الكتابة، صُعودا وهبوطا..لا ينتظر من وراء ذلك جزاء أوشُكورا.

 

الشعر حَسب الفنان الاسباني (بَاكوا بَانيس) هُو سلاح مشحون بالمُستقبل، وحسب الشاعر الاسباني الشهير (كراسيا لوركا) أحد أعضاء مدرسة 27 الشعرية، هُو انعكاس لعاطفة تراجيدية للحيَاة، كيف تعرفين الشـِّـعر؟

الشعرُ هُو عاطفة جياشة مَشحونة في كل كلمَة، وفي كل مقطع، ويمكن أن  أذهب إلى حَد القول بأن الشعر هُو نوع من الشَّعوذة اللغويّة واللفظيَّة والجَمَالية والفنيَّة، هدفهَا سحر المتلقِي.

في عصر العولمة، برزت تيارات أدبية وشعرية مابعد حداثية، مِن بينها هذه التيَّــارت ما يسمى بالشعرية النسائية أو الأدب النسَائي هل تعتقدين بأن هناك أدبًــا نسائيــًا؟

- بالطبع هُناك مدرسة شعرية نسائية وكان هذا الأمر بمَثابة إعطاء صَوت للمرأة التي هُمّشت وعَانت، المَرأة التي تعدّ مَعدن الانسانية و المَنبع الذي أعطى لنا الحياة جميعًا، لا يمكن لي أن أعمم في هَذا المَوضُوع، لكن انطلاقا من تجربتي الشخصيّة، إن بين العَوَامل التي أدت إلى بُروز الفيمينيــزم الأدبي la literatura fiminista هو الدفاع عن حقوق الانسان، التي حُرمت منها المرأة مِن قبل، فقد كانت ضحية مُمَارسَاتٍ بترياركالية أبويــّة عدة من بينهَا التمييز والاقصَاء والعنف النفسِي و الجنسي..إلخ، فكل هَذِه المشاكل الاجتماعية وهَذِه السلوكيات دفعت المَرأة منذ أواخر القرن التاسع عَشر إلى الثورة على النظم القديمَة والكلاسيكية، سواء كانت دينية، سياسية، ثقافية أو أدبية، لكن هذا لا يعني بأن المَرأة كما يسوق لذلك البعض، أقدس وأعلى درجة من الرجل، لا أحد أقدس من الأخر، لكل منهما دَوره في الحياة تحْتَ سَقف المُسَاواة.

 من هم الشعراء الذين أثروا في تجربتك الشعرية ؟

- ليــوبُولدو، مَاريا بانيرو، مِيكيل أيرانديس، أنــَـا روسيتي...

الشعر العربي وشم تاريخ الأدب المعاصر، خاصة مع كوكبة من الشعراء من أمثال (- محمود درويش، أدونيس، سميح قاسم، أحمد مطر، نزار قباني، فدوى طوقان...) بعض هؤلاء الشعراء أسسُوا لتيار شِعري سُمّي " شعر المُقاومة" هل تعتقدين بأن الشعر يمكن أن يكون سِلاح مقاومة في ظل العولمة والفـَايس وتـْـويتر- ؟

إن استعمال وسائل الاتصال الحديثة بشكل حَكيم وعقلاني، يمكننا من إيصَال أفكارنا ومواقفنا إلى أبعد حَد، وأبعد شخص فِي الكون، وهذا الأمر يعد مكسبا وجبَ استغلاله، فقديما كان نشر الفكرة يتم عبر الورق والورق أو الكتاب يستهدف فردًا واحدًا، بينمَا تصل الرسالة في ظل تكنولوجية الاتصال الحَديثة إلى مجتمعات وأفراد ذوي جنسيات مختلفة، يقومُون بنشرها وإلصاقها على مواقع تواصلهم والتفاعل معها، إن الكلمة مهمَا تطور هذه التقنيات تظل عاملا فعالا أساسيا، يفرضُ سَطوته على الأزمنة والأمكنــَة والشعر ما يزال سلاح مقاومة وسيظل على مر التاريخ.

1225 noryaكيف يمكن للشاعر أن يعيش في نظام ديكتاتوري وسلطوي-؟

- لا يكمن للشاعر أن يعيش إلا في بيئة الحُريّة، إلا إذا اختار لنفسه أن يموت ببطئ أو أن يكون عبدًا مَملوكا لا يقدر على شيء.

ما طبيعة العلاقة التي تربط الشعر بينَ والقيم الأخلاقية والانسانية-؟

- في الحقيقة، هذا السؤال يتعلق بفكر الشاعر ونظرته إلى الحياة ومواقفه، فقيمته تنعكس على مَا يكتبه، لا أقل ولا أكثر، ولانخطئ إن قلنا بأن لكل شاعر فلسفته الأخلاقية والجَمَالية التي تكون إلى حَد مَا متعارضة مع أفكار شاعِر أخر، فهناك شعر اجتماعي كما هناك شعر سياسي وآخر عاطفي ويساري وقومي وثوري...فكل هذه الألوان الشعرية تندج في إطار الفن الشعري، ويمكن أن أقول بأن حال الشعراء كحال السّياسيين يختلفون  ويسائلون الحياة بطريقتهم وإنطلاقا من أحاسيسهم ونظرتهم الخاصة.

كل الكتاب يعانون من قضية الطبع والنشر، في إسبانيا هل تعتقدين بأن نشر دواوين شعرية هو بالأمر الهين؟

- إذا أخذنا بعين الاعتبار بأن هناك كمًّا هائلا من الكتاب والشعراء الذين يكتبون الشعر، كما قال لي يومًا أحد الكتاب ساخرًا بأن الشعراء صَار عددهم أكثر من القراء، كما لو أن الشعراء يقأون لبعضهم البعض، يقرأون لأنفسهم ولغيرهم من الشعراء.

النشر فِي إسبانيَا كما في الدول العربية و المَغاربيّة ليس هينـًا، ولكنه ليس مستحيلا، غير أن الإشكال الكبير أن هناك الكثير من الموهوبين فِي ميدان الكتابة لم يسبق لهم أن تعاملوا مع دور النشر، ونجدهُم يكتفون فقط بالمشاركة في الأمَاسِي الشعرية والثقافية، وسبب هذا العزوف هو ندرة المقبلين على الدواوين الشعرية من جهة ومن جهة أخرى أن نشر الاصدارات الشعرية ليس مهنة مربحة، مقارنة مَع الأجناس الأدبية الأخرى مثل الرواية.

لما لا تتلقى الاصدارات الشعرية رواجا في البيع مثل الرواية؟

- أنا أقارن الشعر بالموسيقى الكلاسيكية، وأقارن الرّواية بموسيقى الروك، طبيعة السرد الروائي كما هو معروف تقوم على خلق المتعة والتسلية، وتمتلك من الأدوات والآليات من يجعلها تقحم أشخاصًا وأحداثـًا متداخلة في بوتقة سردية واحدة، بينما الشعر هو تهذيب للغة ولعب بها وتجميلٌ لها عبر انتقاء كلمات وألفاظ بدقة متناهية لخلق الدهشة والمتعة وإثارة عاطفة المتلقي. فهو إبداع ليس في متناول الجميع بل وكثير ليست لهم دراية به، فعلى سبيل المثال إذا قلت لك بأن عينا حبيبي جميلتين فهذا الوصف سيبدو لك عاديا، أما إذا قلت لك بأن '' قزحية عينيه تهتز فِي بوصلة الخلود'' فقد يكون الأمر مختلفا تماما وقد حدث كثيرًا أن لا أحد صَدق هذا الكلام أحَد (تضحك)...

ما الذي تودين إيصاله عبر أشعارك، وما هي رسالتك إلى كتاب البلدان الأخرىة خاصة الدول العربية والمغاربية؟

- عبر أعبر عن ذاتي وعن ما يخالج قلبي ووجداني، إن استخدامي لصيغة المفرد والذات المتكلمة في أشعاري يعبر عن ما عايشته وما شعرت به..بعيدا عن اختلاق أحداث أو مواقف لم أشعر بها من قبل، أقول للشعَرَاء والكتاب بأن الكتابة هِي مسؤولية وعليهم أن يكتبوا ويكتبوا من أجل أن يُسعدُوا وأن يكونوا سعداء، وأن يجعلوا من الكتابة فعل حب. لأن ما يتم عبر الحب حتما سيصل إلى أبعد إنسان أينما كان، وأن يَجعلوا من الشعر شعار محبة وسلام لا شعَار كراهية وحرب.

في المستقبل القريب، ما هي مشاريعك الأدبية؟

- أنا بصدد توقيع عقد مع إحدى دور الطباعة والنشر في أمريكا اللاتينية (الشيلي) وفي هذه السنة سيصدر لي ديوان شعري جديد بعنوان "عَضات" ولي مشروع أدبي أخر، سَيكون مفاجئة سأفرج عنها بعد النشر.

وفي الأخير شكرا لك، ولكل من سَاهم في نشر هذا الحوار لأتحدث إلى جمهور المثقفين في الوطن العربي الذين أكن لهُم كل التـَّـقدير.

 

 

أولا: حول الحصة والبرنامج ومالك بن نبي: رأيت المقطع لأول مرة بتاريخ: 26 فيفري 2017، عبر صفحة زميلنا الأستاذ عبد اللطيف سيفاوي ، فأتصل به على الفور قائلا: "السلام عليكم.. أنا الآن أتابع مقطع مالك بن نبي الذي نشرته عبر صفحتك. هل هو لأول مرة ينشر؟. فأنا أشاهده لأول مرة "، فيجيب مشكورا: "وعليكم السلام نعم لأول مرة". فتشجعني هذه الإجابة ويغمرني فرح ، فأرد دون تردد: "سأكتب بإذنه تعالى مقال أعرض فيه ما جاء في المقطع ومبديا ملاحظاتي الشخصية..".

وشرعت على الفور في الاستماع الإنصات للمقطع https://www.youtube.com/watch?v=VSPAnizmcfY، الخاص بمالك بن نبي عبر المشهاد المصري من 52 دقيقة و57 ثانية،  لحصة "نور على نور" ومن إعداد الأستاذ أحمد فراج. وأنا كنت أظن ومنذ سنوات طوال أن برنامج "نور على نور" خاص بالإمام المفسر محمد متولي الشعراوي رحمة الله عليه إلى أن تابعت هذا المقطع.

وأعرف الأستاذ أحمد فراج من خلال حواراته التي كان يجريها مع الإمام الشعراوي، وكانت يومها رائجة تجوب الأفاق. وبين يدي الان كتاب "الإسراء والمعراج"، دار الشهاب، باتنة، الجزائر من 114 صفحة، دون الطبعة ولا سنة الطبع. وكتاب "القضاء والقدر"، دار الشهاب، باتنة، الجزائر من 170 صفحة، دون الطبعة ولا سنة الطبع. وهي عبارة عن حوار أجراه الأستاذ أحمد فراج مع الإمام محمد متولي الشعراوي، وعبر حصة "نور على نور"، وكتب أخرى لا نتذكرها وليست أمام نظرنا الان.

ومن محاسن الصدف وأنا أستخرج الحوارات التي أجراها الأستاذ أحمد فراج مع المفسر الشعراوي، وجدته يستشهد بمالك بن نبي ويأخذ عنه مصطلح "الخريطة العقائدية" وينسبها لبن نبي، متعرضا للقاء الذي أجراه معه عبر برنامج "نور على نور"، بقوله: "فكرة الخريطة العقائدية استوحيتها من حديث لي مع الفيلسوف العلامة الراحل الأستاذ مالك بن نبي وقد عرض لها أيضا في إحدى حلقات نور على نور"، صفحة 9 من كتاب "القضاء والقدر". وقد استشهد أيضا بمالك بن نبي في صفحة 25 وقال عن كتبه "تستحق أن يحرص عليها كل قارئ"، وكذا في صفحة 33 حين إستشهد بمقطع من مقاطع خاص بمعنى الحق والواجب وردت في كتاب "المسلم في عالم الاقتصاد" لمالك بن نبي.

وهذا اللقاء الذي أجراه مالك بن نبي ذكره في كتابه:

    " les Carnets de Malek BENNABI", Samar, Alger,Algérie,2006 , P549" .

 وجاء فيه حسب ترجمتي وبتاريخ 09/10/1968 وتحت عنوان " المشهاد نور على نور": " البارحة، مع أحمد فراج، قدمت حوارا مطولا للمشهاد المصري لبرنامج "نور على نور" ".

واللقاء الذي أجراه بن نبي كان بتاريخ: 08 أكتوبر 1968، ومعناه أن اللقاء كان 4 سنوات بعد استرجاع السيادة الوطنية بتاريخ 5 جويلية 1962، و5 سنوات بعد عودته للجزائر قادما من مصر سنة 1963 باعتباره غادر فرنسا إلى مصر سنة 1956، وكان  عمره يوم إجراء اللقاء 63 سنة أي في كامل النضج، و5 سنوات قبل وفاته باعتباره توفى بتاريخ 31 أكتوبر 1973.

وقد ظهر بن نبي في كامل لياقته البدنية ولا تظهر عليه أدنى أعراض المرض ولا الشيخوخة، ويخيل للمشاهد أنه سيعمر قرن من الزمن وليس 5 سنوات فقط وسيموت. وتحكم جيدا في صوته وحركاته وانفعل بشكل جيد جدا، حتى أني أتساءل ولأول مرة في حياتي كيف توفى بعد 5 سنوات وهو في هذه الصحة والعافية؟.

واضح جدا أن بن نبي رزق جسما متناسقا متناغما، وقد زادته أناقته بهاء وجمالا ما يدل على أنه رجل عملي كان يهتم بمنظره ونظافته، وقد كان أحسن الجميع وعلى الإطلاق من حيث حسن المظهر وجمال الأناقة.

طيلة اللقاء الذي إمتد على مدار 52 دقيقة 57 ثانية، تحدث مالك بن نبي بلغة عربية سليمة يفهمها السامع جيدا ويعيها المتتبع، ما يدل على حرص بن نبي على مخاطبة الناس باللغة العربية السليمة، وهو المبدع في النطق والكتابة باللغة الفرنسية وقد كتب كتبه الأولى التي تنم عن عمق في التحليل والبعد في النظرة باللغة الفرنسية ككتبه: "لبيك"، و"شروط النهضة"، و "وجهة العالم الإسلامي"، و "الظاهرة القرآنية"، لكنه  أصر على التحدث باللغة العربية. وحرصه الشديد ليتحدث باللغة العربية كان واضحا، حيث أنه أجهد نفسه مرارا في إختيار ونطق المصطلح باللغة العربية وكان باستطاعته أن ينطقه بسهولة ويسر لو اختار اللغة الفرنسية لمخاطبة جمهوره، لكنه رفض فعل ذلك وهو القادر على ذلك وقد اختار الضاد لمخاطبة أهل الضاد.

ثانيا: محتوى اللقاء:

الأستاذ أحمد فراج: جاءت الحصة على إثر إنعقاد الدورة الرابعة لمجمع البحوث الإسلامية بمصر، وحضرها مالك بن نبي باعتباره عضو في المجمع ، ويتم إستضافة الأستاذ بن نبي الفيلسوف المسلم لأول مرة عبر برنامج "نورعلى نور" (1).

المفكر مالك بن نبي: يرى مالك بن نبي أن كتابه "الظاهرة القرآنية" هو أحسن الكتب، واعتبرها الزيارة الثانية لمصر(2). وأشار إلى نكبة سنة 1967 دون  أن يذكرها بالإسم، وانعقاد مجمع البحوث الإسلامية  لهذا السبب، باعتبار المجمع إنعقد في أكتوبر 1968. وشكر مصر قائلا أنها مازالت محافظة على دينها "في أحيائها التقليدية طبعا" (3). واعتبر مصر الخريطة الثقافية المتبقية، ويقسم مراكز الإشعاع إلى ثلاثة أقسام:

مركز نيودلهي الناطقة باسم  العالم الأسيوي. ومركز إسطنبول باعتبارها الخلافة الإسلامية السابقة، ومركز القاهرة التي يمثلها الأزهر الشريف والذي أدى رسالته منذ 10 قرون تقريبا. وبعد الحرب العالمية الأولى فقدت واحدة منها من هذه المراكز وهي الإستانة على يد كمال أتاتورك وزوال الخلافة الإسلامية.  وبقي مركزان يشعان الفكرة الإسلامية وهما مركز نيو دلهي الذي يشع على آسيا الشرقية، ومركز الذي يشع على العالم العربي بصفة خاصة والعالم الإسلامي بصفة عامة وهو الأزهر.

وبعد  الحرب العالمية الثانية أي التقسيم في الهند، وبينت هذا التقسيم في كتابي "وجهة العالم الإسلامي" الذي ترجمه الأخ عبد الصبور شاهين، وبينت في الكتاب علاقة الإشعاع الإسلامي والمكيدة التي كان يكيدها الاستعمار البريطاني، فكان التقسيم ناشئا عن الإطاحة بالإشعاع الذي تبثه مراكز الإشعاع الاسلامي وهما نيودلهي والقاهرة. وبعد تقسيم الهند بقي إشعاع واحد يبث الثقافة الإسلامية هو مركز القاهرة. والقاهرة قبل كل شيء هي هذا المركز المشع، ومن هنا يظهر خطورة الموقف تجاه القاهرة وواجب المسلم تجاه القاهرة.

الأستاذ أحمد فراج: وبعد أن أنهى مالك بن نبي كلمته الأولى خلال 10 دقائق، تدخل الأستاذ فرج وذكّر بأن بن نبي تعلم اللغة العربية بعد أن جاوز الخمسين من عمره، لأن كل كتب مالك بن نبي وضعت في الأصل باللغة الفرنسية (4). وتساءل بعدها: ماهي عوامل النهضة؟. وماهي الصعوبات التي تكتنف هذه النهضة أو تعوق دون الوصول إلى غايتها؟.

المفكر مالك بن نبي: للتحدث عن النهضة الاسلامية يستلزم الرجوع بعيدا  إلى النهضة في عهد السيد جمال الدين الأفغاني والسيد محمد عبده، وهذه الفترة لا يمكن فصلها عن الفترات السابقة ولا يمكن أن يعزلها الدارس للتاريخ عن المقدمات التي سبقتها، ولا يمكن إزالة أسباب الركود الذي ثار عليه جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، ولا يمكن أن تزول تلك الأسباب بمجرد أن نقول أن هناك نهضة وننادي بالنهضة، ولا بد أن تكون هناك مرحلة إنتقالية بين مرحلة النهضة ومرحلة تحقيق شروط النهضة. ومنذ قرن من الزمن بالضبط أي منذ نزول جمال الدين الأفغاني من جبال الأفغان إلى نيودلهي، كان علينا أن نتأكد من الأسباب التي أدت إلى سقوط النهضة يومها، وكان علينا أن ندرس الأسباب التي سبقت هذه الفترة ونتحقق من الركود الذي أعاق هذه النهضة، لكن لم تجر دارسات في العالم العربي أو الإسلامي للوقوف على النهضة سواء  القديمة منها أو الحديثة أو تلك المطبوعة بالطابع الثوري. وقد حاولنا دراسة هذا الموضوع في بعض كتبنا (5)، ومن الخطوط العريضة:

علينا أن نتخلص من عقدة النقص تجاه مرحلة الركود التي عشناها كموت التفكير، وجمود الجهود الجماعية، وتفكك الصلات الاجتماعية داخل المجتمع الاسلامي، وهذه المظاهر تعبر عن سكون وجمود المجتمع في فترة معينة، وهذه هذه الظواهر تعتري  كل مجتمع وكل أمة وليست خاصة بالمجتمع الإسلامي فقط باعتبارها ظاهرة تاريخية. وللتدليل على ذلك فإن إسبانيا التي كانت في أوج قوتها في عهد شارلكان تدهوت وأصابها التفسخ والانحلال وانتهى دورها التاريخي وأخذت مكانها بريطانيا وفرنسا، مصداقا للآية الكريمة "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ"، آل عمران 140. ولا يمكن لتاريخ أمة أن يستقر لأنه من الحالات الشاذة، والركود في الأوج فهو ركود ولا نعبر عنه بالأوج بل نعبر عنه بالركود، لذلك علينا أن نتخلص أولا من مركب النقص لأن الظاهرة لا تتعلق بالعالم الإسلامي دون غيره بل تشمل جميع الدول. وما يجعلها تخص العالم الإسلامي أنه يعايشها في وقت أصبحت كل الوسائل الفنية تشعره بوحدة العالم، والجغرافيا قديما وانعدام الوسائل جعلت المرء بعيدا عما يحدث وغير متأثر ولا  يعنيه مركب النقص تجاه الأمم الأخرى، أما اليوم فإن الوسائل الحديثة تنقل لنا ما توصلت إليه الأمم الأخرى فنصاب بمركب النقص ويكون حينها دليل على ركودنا وجمودنا الفكري، وهناك من يوسوس ويقول لنا هذا خاص بالمسلمين، وكما ذكر ذلك كاتب غربي في كتاب صدر له بعنوان " MAHOMET ET MARX"، والكاتب يتعمد ذكر إسم محمد صلى الله عليه وسلم كما يعبّر عنه في الحروب الصليبية، ويكتبونه هكذا "MAHOMET" إمعانا في الحقد والاحتقار، ويرفضون كتابة إسمه صلى الله عليه وسلم على حقيقته هكذا "MOHAMED".

الأستاذ أحمد فراج: ذكرت أن هذا التخلف الذي يعود لقرن من الزمن يرجعه البعض إلى الإسلام، ونحاول أن نتصور معنى عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء.

المفكر مالك بن نبي: أردت بهذا التقسيم تحديد المنهج في الدراسة الاجتماعية. فكل عمل نقوم به ومهما كان كالأكل والشرب والقراءة يعتمد وبصفة حتمية على العوالم التي ذكرتها وتكون شرطا لكل عمل نقوم به، ولا بد أن يتصل عمله بـ: عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء، حيث لا يمكن أن يقوم عمله دون الاتصال بهذه العوالم الثلاث، لأن كل عمل يصدر منا لابد أن يصدر من شخص وطبقا لأفكار معينة ونماذج فكرية معينة ثم يتحقق العمل الاجتماعي بأجهزة وآلات وعلى الأقل بالأصابع ولو كانت حجرة. ولا بد من دراسة أي عمل من حيث الجدوى أو عدم الجدوى من خلال هذه العوالم الثلاثة. ومن المسلمات التسليم أن أيّ عمل ينبع من عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء، وتكمن أسبابها في هذه العوالم الثلاث، واحدة منها أو إثنتين أو الثلاثة.

والإنسان ذو الذراعين والرجلين ولا يمكن تسميته بالحيوان لأن الإنسان ليس حيوان، ومن الشذوذ المقصود التساؤل كما تساءل أديب عربي من هو الإنسان؟. ويعمل الإنسان بالأشياء التي تحيط به ويعمل أيضا طبقا لنماذج فكرية تلقاها عن طريق الدراسة أو بالوراثة أو عن طريق التفكير. وغالبا عالم الأفكار هو الذي يحدد الجدوى من عدمها لأن الإنسان هو الإنسان والأشياء هي الأشياء، وغالبا ما تكون الأسباب والمعوقات من عالم الأفكار.

الأستاذ أحمد فراج: تقوم شروط النهضة على عوالم ثلاث، عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء، وأي خلل في أحدهما أو كليهما أو جميعا يصيب شروط النهضة بالخلل وإن كان بن نبي يرى أن التخلف أو التقدم يعود بالدرجة الأولى لعالم الأفكار، و عليه نريد أن نعرف العلاقة بين من يدعي أن الإسلام هو سبب التخلف وبين العوالم الثلاث التي أشرت إليها؟. وكيف يستطيع المسلم أن يعيش في تقدم باستمرار وهو يحافظ على دينه والقيم الإسلامية؟. وهل يوجد في طبيعة الإسلام ما يمنع من التقدم والتطور؟.

المفكر مالك بن نبي: إذا سمح لي الأخ أحمد لنعكس القضية ونقول: هل في الإسلام ما يدفع إلى الحضارة والإسلام هو الذي بنى حضارة التي عبر عليها التاريخ من العهد القديم إلى العصر الحديث؟. ولو لم يبنى في التاريخ هذا الجسر لبقينا في العهد البيزنطي وليس في العهد الأثيني، حيث أن المؤرخ الأوربي والعالم الكبير للحضارة العربية غوستاف لوبون وهو من كبار العلماء في عصره ويمتاز بمنطق علمي قوي، عبّر عن معركة بواتيه المشهورة والتي حدثت سنة  732 و يفتخر بها كثيرا الأوربيون ولهم ذلك وهي التي دفعت بالمسلمين إلى ما راء جبال البرانس، وقال على إثرها غوستاف لوبون: يؤسفني أن معركة بواتيه أخّرت الحضارة الأوربية ثمانية قرون.    

الأستاذ أحمد فراج: يفهم من قول المؤرخ الغربي غوستاف لوبون أن الغرب بمحاربته للمسلمين في معركة بواتيه تسبب في تأخره لمدة ثمانية قرون، ولو أن الحضارة الإسلامية تقدمت لتمكن الغرب من الحضارة منذ ثمانية قرون ولما ضيّع على نفسه كل هذه الفترة الطويلة.

المفكر مالك بن نبي: يفهم من هذا أن الإسلام في واقعه التاريخي وفي نظر علماء التاريخ كان يحمل وفعلا حمل جميع مكونات الحضارة في تاريخ الانسانية . وكم أتمنى من أيّ عالم أن يبيّن لنا أن تلك العوامل الدافعة للحضارة ليست من الإسلام ونقر له حينها أن الإسلام فقد هذه الميزة وهي ميزة التحضر؟. وبما أن الإسلام لا توجد لديه خاصية التخلف فقد اتضح إذن أنها أفكار مميتة تبث عمدا في صفوف شبابنا وإحياء عقيدة مميتة في نظر من يتبنون هذه الأفكار (6). وفي كتاب لأحد تلاميذ ماكسيم رودنسون بعنوان "العرب أمام الغرب" وهو للأستاذ عبد الله العلوي وهو أستاذ بكلية الرباط، وقدم له رودنسون مقدمة مسهبة ويمجد فيه ما ذهب إليه العلوي ونظرته للواقع (7) . والكتاب دسم من حيث المعلومات والمراجع فهو يكثر كثيرا من قوله قال فلان وقال فلان، حتى أن القارىء البسيط يندهش من غزارة المعلومات التي نقلها الكاتب عبر كل صفحة، لكن العالم حين يقف متأملا للكتاب ويرده إلى أصوله المنطقية يرى وعلى الفور أن الكتاب يعتمد على سفسطائية محضة وعلى مقولة منطقية إذا نظرنا إليها من ناحية المنطق، وهي:

المقدمة الأولى: كل مسلم يعتقد ويؤمن أن الإسلام أضل الأديان، والمقدمة الثانية: يرى المسلم أن المجتمع الإسلامي متخلف، والمشكلة أن الكاتب وأستاذه ومن معه في هذا الفكر السفسطائي لا يأتون بالنتيجة لأنهم يدركون جيدا أن المسلم بفطرته السليمة يصل إلى النتيجة بصفة تلقائية، فيصل إلى أن ما يراه بصري حقيقة ألا وهي أن المجتمع المسلم الان متخلف، لكن ما يتخيله ضميري وهم من الأوهام وهي كون الإسلام أضل الأديان. ونحن لا نناقش الأمي حين يقول مثل هذا الكلام، أما أن يأتي رجل علم ويقول بأن الإسلام أضل الأديان ومتخلف، نقول عنه فهو جاهل بالتاريخ وجاهل بعلم الاجتماع. وهذه النظرة توحي إلى مقارنة غير عادلة تماما بين المجتمع الإسلامي المتخلف الان والمجتمع الأوربي المتقدم الان والذي يملك الصواريخ ويصعد إلى الفضاء و غيرها، ولا يمكن إقامة هذه المقارنات من الناحية العلمية، لأنه من غير المعقول إجراء مقارنة بين طفل في السادسة من عمره ورجل مكتمل ناضج، فلا يمكن القول لماذا هذا الطفل لم يستطع أن يحمل الأثقال التي يحملها الرجل القوي الشديد لأنها مقارنة غريبة، بينما هذا الشخص يعلم بأن الحضارة الغربية التي يعود إليها ليثبت عدم جدوى الإسلام في تقديم المجتمعات الإسلامية وعدم دفعها نحو التحضر وهو ينسى بهذا حقيقة جوهرية وهي الدورة الحضارية. والدورة الحضارية تعتمد على قانون يرفض أن نقارن بين حضارتين ومجتمعين لأنه لا يمكن مقارنة مجتمعين في نفس النظرة وفي دورتهما الخاصة، لأن المجتمع الغربي يعيش سنة 1968 والمجتمع الإسلامي يعيش سنة 1388 هـ، إذن لا يمكن مقارنة بين طفل في 6 سنوات وشاب قوي شديد في 30 سنة أو 35 أو 40 من عمره، لأني حين أقارن بين حضارتين أقارنهما في نفس المرحلة، وحين أقارن بين شخصين أقارنهما في نفس المرحلة لأنه لا يمكن مقارنة شيخ بطفل.

الأستاذ أحمد فراج: الحضارة الإسلامية في وقت معين وصلت فيه إلى الذروة سبقت فيه الحضارة الغربية، ولا يمكن مقارنة 1388هـ بسنة 1968، لأن المسلمين كانوا قبل ذلك بقرون وكانوا صغارا يومها مثل اليوم لكنهم سادوا أوربا ونشروا العلم والتقدم  وأساليب التقدم، وهذه النقطة قد ترد في الفهم.

المفكر مالك بن نبي: أردت إرجاع القضية إلى التاريخ الهجري والميلادي قصد التبسيط، وملاحظتك صحيحة تفرض علينا الرجوع إلى ملاحظات ليس هذا مجال ذكرها، وقد ذكرتها في كتابي "شروط النهضة"، لأن المسيحية جاءت قبل الإسلام بـ 6 قرون، وتأخرت الحضارة المسيحية عن الحضارة الإسلامية بـ 8 قرون في نظر غوستاف لوبون .

ثالثا المناقشة:

الأستاذ أحمد فراج: لو بقينا الكثير لما انتهينا من الحديث عن الحضارة، وأغتنم الفرصة لأشكركم باسم البرنامج على حرصكم الشديد على تعلم اللغة العربية منذ مدة وجيزة، وهذه مسألة تستحق منا التقدير بعد أن كتب مالك بن نبي كتبه باللغة الفرنسية وحياته بالنطق باللغة الفرنسية، ورغم ذلك حرص على تعلم اللغة العربية والنطق بها بهذه الطريقة المحببة إلينا جميعا، ولا أحب من الإخوة الحضور أن يحرموا من وجودك معنا، ونحب أن نرى وجهة نظرهم، وليشرعوا الان في طرح الأسئلة (8).

السؤال الأول: لماذا لا تجتمع الدول الإسلامية في تدعيم الدول الإسلامية؟.

إجابة المفكر مالك بن نبي: أشكر الأخ أحمد على طرح هذا السؤال المهم والخاص باهتمام الدول الإسلامية بنشر الدعوة الإسلامية لأن أول داعي إلى الإسلام هو رسول الله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، لكن أقول لأخي الكريم أن المسألة اليوم ليست لها علاقة بالكم من حيث عدد المسلمين، والقضية في تعميق الوعي وشعور الفرد بالمسؤولية، ولو شاء الله أن يهدي أحدا لهداه ودون تدخل مسلم واحد، بل أقول مع التجربة والخبرة في هذا الموضوع أن الإسلام أصبح يدعو بنفسه ولنفسه وبعض المسلمين يصرفون الناس عن الإسلام بتصرفاتهم، وتحولوا بالتالي إلى دعاية مضادة للإسلام.

السؤال الثاني: أريد أن أعرف ماهي الأماكن التي تلقى فيها مالك بن نبي دراسته؟.

المفكر مالك بن نبي: الابتدائي والثانوي في الجزائر، والتعليم العالي بباريس فرنسا. وهذا كل ما في الأمر، وهذا سؤال شخصي (9) .

السؤال الثالث: بعض الأديان لها مبشرين، لماذا لا يكون لدينا مبشرين ينتشرون في القارة الإفريقية والقارة الأسيوية وتلتقي بالمجتمع؟.  

الأستاذ أحمد فراج: سؤالك هذا أجاب عنه بن نبي وتقديرا لرأي بن نبي الذي يرى ضرورة الاهتمام بالكيف قبل الكم، أقول: الجمهورية العربية المصرية تتوسع في هذا المجال وترسل بعثات إلى الدول العربية والإسلامية والدول الإفريقية فضلا عن التعريف بالتعليم الديني والبعثات والمصاحف المرتلة ، وليس هذا مجال التطرق لهذا الموضوع، وربما مالك بن نبي لمس هذه المجهودات.

المفكر مالك بن نبي: بعدما أشاد بالجهود التي  تقوم به مصر وقد عاشها ولمسها ، وذكر أن مجهودات مصر في الجزائر ملموسة ومشاهدة عبر بعثات الأزهر، قال: الدول الكبرى لها مراكز ثقافية وقد شاهدت بعيني أن أكبر مركز ثقافي إشعاعي حقيقي هو للجمهورية العربية المصرية، وهذه حقيقة.

السؤال الرابع: كثير من المستشرقين المغرضين يرون أن الإسلام إنتشر بالسيف، ما رأيكم في ذلك؟.

المفكر مالك بن نبي: أظن أننا أثرنا هذه النقطة بالذات في كتابنا "الظاهرة القرآنية" (10)، وعلى كل فالإسلام مرّ بمرحلتين: المرحلة الأولى وتتعلق بالدفاع عن كيانه العضوي وهي الفترة المدنية، وهي فترة يجاهد فيها الإنسان أو يزول ولا خيار له في ذلك، وكأن المرء يقول: إن الله أرسل نبيه ليزول وأن الله بعث أنبياءه ليستسلموا، وفي الحقيقة ما أرسل الله نبيا ليزول وهذا من العبث الذي لا يليق بالله تعالى، بل أرسل الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو بالتي هي أحسن ودعا واصطبر عليها ، وتعرض لسوء حين ذهب للطائف ويوم الهجرة، وبعد أن أصبح في المدينة شرع حينئذ الجهاد لأن المدينة يومها أصبحت دولة ضد دولة أخرى لم يكن لها إسم بعد وهي الدولة الجاهلية التي تمثلها قريش، فقامت دولة الإسلام في المدينة المنورة ضد دولة الجاهلية. والسيد عبد العزيز كامل الذي قدم محاضرة وبحثه القيم من قبل في مؤتمر البحوث الإسلامية سبق أن نبهنا إلى دولة قريش التي كانت لها علاقات مع الروم والفرس وحتى أن الروم كان لهم حدود على تخوم خيبر، وكانت هذه الدولة تكن كرها شديدا للدولة الإسلامية الناشئة فكان لزاما عليها أن تدافع عن نفسها بالسيف ولا تدعو للسيف، وكانت الفكرة الجديدة تدافع عن كيانها فلم تكن تريد فتحا بالسيف إنما كانت تريد بقاء بالسيف، وفرض الجهاد ليبقى لا للدعوة، ولم يفرض الجهاد لفرض الفكرة إنما فرض الجهاد ليحافظ المؤمن على إيمانه، فالمسلم مطالب أن يحافظ على إسلامه ولو بالسيف والجهاد وهذا هو معنى الجهاد.

أما الفتوحات الإسلامية فكانت نتيجة لهذا التسلسل وانطلاقا من الفترة المدنية واستمر الأمر بنفس الطريقة فيما بعد عبر العصور التي تلته كالعصر الأموي والعباسي وانتهى الأمر بهذه الطريقة. و الان هل أندونسا عرفت سيفا من سيوف المسلمين وهي الان في أواخر1968 وعدد سكانها مائة مليون مسلم (سنة 1968) أي أكبر قطعة مسلمة في العالم الإسلامي، ولا يمكن لأي كان ولو كان من السفسطائيين أن يدعي أن أندونسيا دخلها الإسلام بالسيف، وكذلك الفلبين، والصين، والغابون، والكونغو، وكينيا، وكل وإفريقيا. وانتهى عهد السيف لما استقر الإسلام وتأكد من أنه لن يؤتى من الهجومات الخارجية .   

الأستاذ أحمد فراج: نشكر السيد الأستاذ مالك بن نبي الفيلسوف الجزائري المسلم (11) على هذا اللقاء الذي أسعدنا به في القاهرة قبل سفره المرة الثانية إلى الجزائر وبعد إنتهاء مؤتمر مجمع البحوث ، ونرجو أن تكون زياراته للقاهرة تأكيدا للحقاق التي رآها في المرة الأولى والثانية ، وسيجد القاهرة في الطليعة مركز إشعاع في الطليعة والتجدد إن شاء الله في خدمة الإسلام، ونشكر حضراتكم جميعا، ونرجو أن نلتقي معكم مجددا والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

معمر حبار

..................

الهوامش:

1- ما زلت أتساءل بغرابة لماذا يطلق على المفكر مالك بن نبي لقب مسلم وهو مسلم بالفطرة، وكأنه يتحدث عن غربي دخل الإسلام حديثا. وقد إنتبهت لهذه الفكرة بعد أن استحضرت وقائع ذكرها بن نبي في بعض كتبه وهو يشرح خبايا الصراع الفكري حين تم تقديمه على أنه " أوربي مسلم ! " وهم يقدمون بعض كتبه التي طبعت دون إذنه، وقد كان ذلك عمدا ليتم تشويه صورته. وإننا نحسن الظن بالأستاذ أحمد فراج ونعتبرها زلة لسان.

2- لمعرفة الزيارات الأخيرة لمالك بن نبي لكل من مصر والشام، يرجى مراجعة كتاب "في صحبة مالك بن نبي" من جزأين، الجزء الخاص بما حدث بعد عودته للجزائر سنة 1963.

3- واضح جدا أن بن نبي يعرف جيدا مصر ويحسن التفريق بين أحيائها التقليدية التي ما زالت متمسكة بدينها وبين المدن والعاصمة التي تمتاز به المدن الكبرى والعواصم، دون أن يجرح أو يتملق.

4- أخطأ الأستاذ أحمد فراج حين زعم سهوا أن كل كتب مالك بن نبي باللغة الفرنسية، والصواب أن بن نبي كتب كتابه "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" سنة 1960 كما هو موضح في الصفحة 7 من الكتاب. وكتابه "مذكرات شاهد القرن الجزء الثاني" بتاريخ 5 ماي 1960. و كتابه "مجالس دمشق" مرفوقا بقرص الذي يحتوي على محاضراته باللغة العربية التي ألقاها بالشام سنة 1971 - 1972، ضف لها رسائله المتبادلة مع الأستاذ عمر كامل مسقاوي. وبين يدي الان كتابه "TEMOIGNAGES SUR LA GUERRE DE LIBERATION"، يذكر صاحب المقدمة الأستاذ صادق سلام في صفحة 14 أن بن نبي ترجم الكتاب إلى اللغة الألمانية، والفرنسية ، و اللغة العربية بعنوان " النجدة... النجدة... الشعب الجزائري يباد"، وكان ذلك بتاريخ 1957. و مقالاته التي كتبها باللغة الفرنسية بالجزائر إبان الثورة الجزائرية ثم أعاد جمعها في كتابه "في مهب المعركة" باللغة العربية سنة 1961. و مقالاته التي كتبها باللغة الفرنسية بالجزائر إبان إسترجاع السيادة الوطنية ثم أعاد جمعها في كتابه " بين الرشاد والتيه" باللغة العربية سنة 1972. وكان يطلب من مترجميه خاصة عبد الصبور شاهين أن يقدم له النسخة باللغة العربية ليصححها بنفسه ويجري ما يجب من التغيير والتصحيح، وحرص حرصا شديدا على ترجمة كتبه إلى اللغة العربية، ضف لها المحاضرات التي ألقاها باللغة العربية سواء في الجزائر أو في غيرها.

5- يقصد كتابه "شروط النهضة".

6- لمعرفة معنى الأفكار الميتة والأفكار المميتة، راجع كتاب "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" لمالك بن نبي.

7- بن نبي يقولها باستهزاء من خلال طريقة كلامه وكيفية إستعمال إشارات يديه وصوته.

8- أقول: وقد بدى بن نبي فرحا ومسرورا من تدخلات الجمهور، ورحب كثيرا من تدخلات الجمهور.

9- واضح جدا أن بن نبي لا يحب التطرق لحياته الشخصية، ويريد أن يستغل اللقاء إلى اقصى حد في التعريف بعالم الأفكار، وشروط النهضة، والقيام بالأمة.

10- للزيادة راجع كتاب بن نبي: "إنتاج المستشرقين و أثاره في الفكر الإسلامي"، الذي طبع ضمن كتاب "القضايا الكبرى"، الطبعة الأولى سنة 1412 هـ - 1991 ، دار الفكر، السورية ، من 198 صفحة. وقد ذكر في الكتاب أن المادحين من المستشرقين أخطر على الأمة الإسلامية من الذين يذمون الحضارة الإسلامية وعلّل ذلك.

11- لماذا الأستاذ أحمد فراج يركز ويكرّر في الخاتمة كما بدأها في المقدمة على بن نبي مسلم وكأنه مع غربي دخل الإسلام حديثا، غم أن بن نبي مسلم بالفطرة شأنه في ذلك شأن جميع الجزائريين، وهذا من العيوب التي أرتكبت ضد الجزائريين وزادت في التشويه. ونلتمس للأستاذ أحمد فراج العذر ونعتبرها من زلة اللسان التي يعفو عنها الأخ الكريم.

 

 

 

 

 

 

يعد هادي جلو مرعي من أبرز الصحفيين والكتاب العرب إضافة الى شهرته في التحليل السياسي وراديكاليته العالية في طرح آرائه المستفزة والتي تستقرئ المستقبل من خلال معطيات الواقع فقد فاز لأكثر من مرة بجائزة أفضل كاتب عمود صحفي كان آخرها جائزة كلية الإعلام في جامعة بغداد في العام 2016 وهو يستقطب إهتمام القنوات الفضائية والإذاعات ووكالات الأنباء والصحف لموسوعيته وقراءته الجيدة للأحداث، وله أراءا حادة في الوضع السياسي في بلده والعالم العربي، وقد تميز منذ العام 2003 بوصفه رائد الحريات الصحفية في العراق والمدافع عن الصحفيين العراقيين الذين يتعرضون لأقسى وأبشع أشكال الإستهداف الجسدي والفكري إلتقيته في مكتبه المتواضع ببغداد التي يعشقها لوحدها ويكره كل المدن وتحدثت معه حاولت أن أتعبه لكنه أتعبني بإجاباته المباشرة، وكان هذا الحوار.

كيف هي الصحافة في العراق؟

- هي كالسياسة ومعها وكلاهما يعيشان أزمة. فالسياسي لايفهم من الصحافة سوى إنها وسيلة للوصول الى الجمهور الساذج الذي يخرج كالقطيع في كل مناسبة إنتخابية ليصوت لهذا الحزب أوذاك، ويجري خلف رمز موهوم ليطوف في محرابه. فلم يحصل الصحفيون من السياسيين سوى على التشكيك والإذلال والإستغلال والتابعية. أوليس أغلب الصحف والإذاعات ووكالات الأنباء مملوكة لقوى سياسية وحزبية ورموز كرموز الجاهلية المصنوعة من التمر والطين والحجر والحديد. وعلى الأقل فرموز الجاهلية كانت مفيدة للجياع.

هذا يعني أنكم في العراق لا تمتلكون صحافة حرة؟

- لا أدعي ذلك، لكنني أشير الى حجم المعاناة التي يتعرض لها الصحفيون، فهم مقيدون بمدراء تافهون، ويعملون في وسائل إعلام مملوكة لأحزاب فاسدة ومتسلطة على الشعب، ومهمة هولاء الصحفيين تتركز على نسج الأكاذيب للدفاع عن قيادات سياسية لم تعد صالحة لهذا الزمن، وهولاء منتفعون، بينما الأغلبية من الصحفيين فيعملون بأجور زهيدة، وفي كثير من الأحيان يتم طردهم دون تعويض من وسائل الإعلام التي تملكها مؤسسات حزبية وتجار ورجال دين ومنظمات ومقاولون.

من هولاء التافهون الذين يديرون إعلام قوى السلطة وأحزاب السلطة؟

- في العراق لانحتاج الى أدلة لمعرفة الخراب والفساد فآثاره تعم في كل مكان، الحياة مخربة والمسؤولون فاسدون، والبنى التحتية منهارة، والإرهاب يضرب بقسوة، والقوى السياسية تتجاهل الشعب وتنشغل بمهمات الصراع والتنافس الإنتخابي وحولت الشعب الى قطعان وكل قطيع لصالح حزب، أو ملهم لايرون بديلا عنه سواه ويمجدونه، وهناك إعلاميون دخلوا في دائرة تلك القوى والشخصيات، وصاروا مطبلين لها باحثين عن المال والشهرة، وبعضهم بالفعل أصبح من الملاك وأصحاب شركات، ويمتلكون عقارات ولديهم حسابات.

أنت تعني أن الصحفيين جزء من ماكينة الفساد الحزبية؟

- طبعا، ولكني لاأعني الجميع. هم في النهاية فئة محدودة وفاسدة غير أن الخطر يكمن في تأثيرهم، فهم يديرون مؤسسات يعمل فيها آلاف الصحفيون العراقيون المغلوبون على أمرهم ويتقاضون رواتب زهيدة، وينفذون سياسات لاتروق لهم ولايؤمنون بها لكن هم في حاجة الى المال وإشباع بطون أسر خاوية.

في الفترة الأخيرة وجدنا زملاء يتركون مهنة الصحافة ويتجهون الى العمل الخاص كسواق تاكسي، ومنهم من يبيع الثياب وآخرون يعملون في المطاعم والأسواق؟

- طبيعي لأن بعض وسائل الإعلام العراقية شبه مفلسة، وكثير منها سرح العاملين فيها وتركهم بلا حول ولاقوة، ومن الصحفيين من لم يعد يؤمن بالصحافة كوسيلة للتغيير بعد أن أصبحت جزءا من ماكينة الفساد، وآلة دعاية حزبية رخيصة.

هذا يعني أنكم لم تؤدوا دوركم في دعم الديمقراطية؟

- ربما يكون العكس هو الصحيح، فنحن قمنا بكل مايترتب علينا كصحفيين أحرارا قلة بعد أن قتل المئات منا كما ويوثق ذلك سجل حافل لدى نقابة الصحفيين العراقيين والمرصد بعدد من قتلوا خلال السنوات الثلاثة عشرة التي مرت من عمر التغيير، وقد تجاوز العدد 430 صحفيا وصحفية، وكان لتنظيمي داعش والقاعدة دور في ترهيب الصحفيين، ومنعهم من العمل وحجز عديد منهم، ولانعلم بالضبط كم من الصحفيين قتلوا في الموصل، ومن منهم مايزال على قيد الحياة، لكن لدينا إحصائية عن 14 صحفيا قتلوا خلال عام 2016 لوحده.

كثر الحديث عن الدخلاء في الوسط الصحفي هل ترى إنهم يشكلون خطرا على مستقبل الصحافة؟

- أنا أؤمن بأن العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة كما يتحدث علماء الإقتصاد، لكن هذا وحده لايكفي فمعظم المؤسسات العراقية شهدت سيطرة أشخاص لايمتلكون الكفاءة، ولا الخبرة، ولا المعرفة، وفي الصحافة يدخل الآلاف، وهم لايمتلكون أدوات العمل المهني غير أن البعض منهم ومع بعض التدريب يتمكن من العمل لكن في الواقع فإن نوعية الصحفيين في العراق رديئة فهم غير مثقفين مع إننا نمتلك عددا لابأس به من المحترفين والمهنيين.

أقر مجلس النواب تعديلا على قانون نقابة الصحفيين العراقيين هل سيكون لذلك تأثير على وضع الصحفيين في المرحلة المقبلة؟

- التعديل الأخير يعني أن النقابة مؤسسة مهمة جدا، ولهذا إستدعت إهتمام مجلس النواب والحكومة ومؤسساتها، وهي بحاجة الى دعم مستمر لتمكينها من القيام بمهماتها القادمة.

 

بغداد. نورا المرشدي

 

 

وليد الكبيسي كاتب و باحث سياسي عراقي نرويجي الجنسية، يعمل في الحوار الثقافي ويصدر مجلة "المسلمون المتنورين". يعتبر أحد المدافعين الشرسين عن الفكر التنويري، والداعين له، نشر أول كتاب له سنة

 1996 My faith, your myth: Islam meets Norwegian everyday 

وهو كتاب تجميع لمقالاته. ترجم لمجموعة من الشعراء من العربية إلى النرويجية .

 

تقول أن التطرف ليس ذنب المسلمين وحدهم، كيف تشرح لنا ذلك؟

- التطرف حالة خلقها الإسلاميون بالدعوة إلى التفسير السياسي، ونقل الإسلام من زمن الرسول إلى عصرنا. الإسلام لكل زمان ومكان، تعني أن الإسلام يمكن تأويله وتفسيره ليناسب كل المجتمعات. بينما فهم المتطرفون أن الإسلام الذي مارسه المسلمون في صحراء الجزيرة ينقل ميكانيكيا إلى أوروبا: فآمنوا بالجهاد العنفي وهذا ما أدى إلى الإرهاب. آمنوا بحجر المرأة وعزلها، وهذا ما أدى إلى الحجاب وإشكالياته، بينما لم يفرض الحجاب الإسلامي ولا توجد آيه تسمى آية الحجاب بمعنى اللباس الإسلامي، وكان الرسول يأخذ النساء معه ليمرضوا الجرحى بمعنى أنه ليس عندنا مشكل دين وإنما مشكل تدين.

أثارت محاضرتك "العربية كلغة عالمية ثالثة" زوبعة من ردود الأفعال، أبرزها عن شق ضرورة رفع القداسة عن اللغة العربية ، كيف استقبلت ذلك؟

- دعني أصوغ الأمر بعباراتي. أنا دعوت إلى تقديس اللغة العربية، بالتعامل معها على أنها ليست تابوت أموات أو قبر مولى. بالعكس أردت تقديس العربية بالنظر إليها كعامل حضاري حاسم في وحدة شعوبنا وبلداننا، ومنحها الحرية والقابلية على التطور والازدهار، ومواكبة الزمن. أنا طالبت وأطالب بالتعامل مع اللغة العربية كما تعامل القرآن الكريم معها: طوّرها، فجّر إبداعها، بسّطها، أغناها، جعلها لغة حضارة بعدما كانت لغة عربان وبدو.

قمت بترجمات مهمة للعربية، ومازلت تعمل على بعضها، ما سبب هذا التأخر العربي الخطير في ميدان الترجمة، وما هي العقبات التي تصادفك كمترجم؟

- انظر إلى الوضع من خلال معرفة وتقييم مرحلتنا الثقافية: نحن في تدهور علمي وحضاري. شعوبنا ممزقه ومسلوبة الإرادة ويخيم عليها الجهل والظلام. والترجمة  تمثل مرحلة إرهاص حضاري. عصر التنوير الإسلامي  من القرن الثالث إلى 1258 طبع بطابع الانفتاح، بترجمة الإرث الفلسفي اليوناني وحكمة الرومان ومدنيتهم.  الدولة العربية تأسست حين تم تعريب الدواوين في العراق من الفارسية إلى العربية، وفي الشام من الرومانية إلى العربية. أي ترجموا العلوم السياسية من الفارسية والرومانية. ونحن نعيش انحطاط علمي وثقافي.  فقط دولة النرويج التي تعداد نفوسها أربعة ملايين، تترجم من اللغات الأخرى أكثر بكثير مما يترجم من اللغات العالمية إلى العربية ونحن أكثر من 300 مليون ممن يقرأ العربية.

ما السبيل لتحسين صورة العرب في الغرب ؟أو ليس هذا الغرب أيضا يستمتع بشيطنة الأخر والتخويف منه؟ أيّ غربِ تتحدث عنه؟ الغرب السياسي؟ أم الغرب الثقافي؟

- أنا انظر للغرب الثقافي على أنه في نزاع أبدي مع الغرب السياسي.

الغرب الثقافي هو منظمة العفو الدولية (الامنستي)، منظمات حقوق الإنسان، فولتير و هنريك ابسن، التنوير والثورات الديمقراطية، منظمة أطباء بلا حدود، إلى آخره. هذا الغرب لا يشيطننا بل يدافع عنا كبشر بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والإثنية.

أما الغرب السياسي فهو الرأسمالية والشركات متعددة الجنسيات، والتنازع الاقتصادي والمنافسة على الأسواق، ومصالح الدول.

الغرب حين يحاربنا يشيطننا كما نفعل نحن، لأن العداوة والحرب تخلق الشياطين.  والغرب كذلك. وأشعر أن نمطاً من الشيطنة يمارسه الغرب لقرون: حين حاربت روما هانيبال وهو قائد سامي من شمال إفريقيا اسمه حني بعل (وحني خادم أو عبد . بعل هو الله أي اسم حني بعل هو عبد الله)

كجزء من حرب روما ضد هانيبال كان الإعلام الروماني يضخم بخطر هانيبال حتى صارت الأمهات اللاتي تدعو أبنائها للعودة إلى البيت، من اللعب بالشوارع تقولن لهم: هنانيبال على بوابات روما. أي أنهم يرضعون أبنائهم الخوف من العدو. عايشنا ذلك في حرب الغرب ضد العراق حيث ضخم الإعلام الغربي خطر صدام وصواريخه الكيمياويه بأنها تبيد بريطانيا. فأنتفض الغرب لتحطيم العراق و ظهر أن كل ما خلقه الإعلام هو مجموعة أكاذيب ومبالغات.

ما العوامل الرئيسية التي انبثق عنها هذا الجحيم الطائفي الشرق الأوسط ؟ وهل من استراتيجيات ممكنة للإنعتاق منه قريبا؟

- الجحيم الطائفي سببه غياب السلطة المركزية وانفلات الهوية الوطنية. والذي حدث هو مشروع متبادل شارك به العرب،  واستقبلته أوروبا برد فعل معروف تاريخيا.

صدام والأسد حكام غير ديمقراطيين، ووحدوا بلدانهم بالعنف  المتبادل، بينهم وبين الشعب. صدام استخدم سلاح كيمياوي في مدينة حلبجة، والأسد استخدم عنف كبير ضد الإخوان المسلمين، الذين اعتبروا الحكم علوي طائفي واستبعدوا السنة. العنف يولد عنف. لكن بالمقابل فقد بنى صدام مجتمعا متطورا وأسس لدوله قويه . وكما تعرف فمشروع توحيد العرب ضمن الفكر القومي قائم. فأحتل الكويت ولو تردد الغرب في الرد والتدخل لأحتل السعودية وسوريا ودول الخليج. في ذلك الزمن كان صدام قائد محبوب للعرب. الغرب لا يعبأ بالسلام وبشعوبنا بل بمصالحة . والغرب يتحسس من أي نهضة علمية في الشرق الأوسط. أيام محمد علي في مصر حدثت نهضة في مصر بحيث كاد محمد علي أن يحكم الدولة العثمانية. بريطانيا وفرنسا اتحدا من اجل محاربة نهضة محمد علي، بينما في نفس الوقت حدثت نهضة اليابان فلم يجيشوا الجيوش ضدها بل تعاملوا معها ضمن التنافس الاقتصادي.

ليس لدي جواب غير أن المستقبل مشرق بعد مراحل من الآلام والكوارث. أوروبا مرت بهذه المرحلة واختفت فيها طوائف ومجموعات أثنية ودينيه وانقرضت بسبب الطائفية. أدركت أوروبا أن العنف والتطرف سيجعلهم ينقرضون فأحلوا التسامح والتنوير والثورات الديمقراطية. هذا ما سيحدث لدينا أكيد ولو بعد مدة ليست بالقصيرة.

 

 

 

 

 

دخلت مجال الشاشة في 2009، بدأت في برامج منوعة اختصت بالاعياد والمناسبات تم تميزت بالبرامج السياسية، لسيت خريجة كلية الاعلام، لكنها احبت مهنة الصحافة والاعلام وعشقتها منذ صغرها وتأثرها بالمذيعة مديحة معارج، فكتبت لصحف محلية عديدة منها ديالى وصدى المجلس والغد وتألقت في برامج مهمة منها لاعب سياسي واستوديو التحرير..

المذيعة الشابة حنين صبحي خريجة كلية التربية قسم العلوم التربوية والنفسية، اعجبتني بطرق حوارها للسياسيين، فالتقيتها وكان هذا الحوار المختصر:

س: باي المذيعات تاثرت من الجيل القديم ومن الجيل الجديد؟

- من الجيل القديم مديحة معارج ومن الجيل الجديد سهير القيسي ..

س: ما هي الوسائل الإعلامية التي عملت بها؟.

- قناة ديالى

قناة نينوى الغد

قناة الفلوجة

قناة NRTعربية

قناة بغداد

جريدة ومجلة ديالى

جريدة صدى المجالس

جريدة الغد


س: من اكتشف امكانيتك الاعلامية والصحافية؟..

- المذيعة هناء الداغستاني عندما كانت مديرة البرامج في قناة ديالى وقد اختبرتني واختارتني بعد اجتيازي للاختبار.

س: هل تخصصت ببرامج دون اخرى؟..

- كانت بداياتي في برامج منوعة تخص الاعياد والمناسبات الا ان بعدها وجدت نفسي ووجدني المسؤولين علي اقرب للبرامج السياسية ونشرات الاخبار .

س: ماهي البرامج السياسية التي قدمتيها وتميزت بها؟.

- في قناة ديالى برامج منوعة

و في قناة نينوى الغد برامج سياسية هي حديث الموصل ومنبر نينوى واستوديو التحرير ولقاء خاص .

وفي قناة بغداد برنامج لاعب سياسي ..

س: من بين القنوات الفضائية التي عملت بها ايها الاقرب لنفسك؟..

- كل القنوات الفضائية قريبة الى نفسي لانها اضافت لي واستطعت ان اضيف لها انا لكن الاقرب الاقرب نينوى الغد ..

س: هل وصلت الى مرحلة امتلاك مقومات المذيعة او المحاورة الناجحة؟..

- لمستوى المذيعة والمحاورة الناجحة اكيد وصلت لكن احتاج لوقت اطول وممارسة اكثر وإلا لو لم اكن ناجحة لما قبلت للعمل في العديد من الفضائيات .

س: ماذا تعني لك الاسماء الاتية: امل المدرس، سهاد حسن، داليا العقيدي، شيرين الرماحي، نجوى قاسم؟..

- أمل المدرس صوت جميل

- سهاد حسن اول مذيعة تفتح البث الملون هذا ما جذب انتباهي اضافة الى انها حسناء الشاشة الصغيرة

- داليا العقيدي اراها ناجحة بالبرامج الفنية والاجتماعية وخاصة التي تحدثت بها عن تراث العراق وتألقت بهذا النوع من الاعلام أكثر من البرامج السياسية

- شيرين الرماحي مذيعة اخبار مميزة وهادئة وأنيقة

- نجوى قاسم عملاقة الشاشة العربية ومهما تقدمت في السن تبقى لها ميزة خاصة.

س: هل تحلمين بالوصول الى قناة فضائية مشهورة؟.. ما اسمها؟...

- اذا كان ذلك على صعيد تقديم البرامج السياسية والاخبار فانا اتمنى الوصول الى قناة محايدة غير مسيسة، تنقل الأحداث والأخبار بشفافية دون تداخلات مغرضة، وسواء أكانت عربية أم عراقية فالامر سيان مادام العمل يهدف الى نقل الخبر بمصداقية. واما اذا كان ذلك على صعيد البرامج المنوعة فهدفي الوصول لقناة الـ mbc وتقديم البرنامج الصباحي فيها ..

س: كلمة اخيرة؟..

- اتمنى من كل القنوات الفضائية والاعلاميين ان يكون خطابهم ورسالتهم الاعلامية هادفة بعيدة عن الطائفية والانتماءات الحزبية وان يكون همهم الاول المواطن ومحاربة الفساد وولائهم لتراب هذا الوطن الجريح من اجل ان نعيد بلدنا الى وضعه ومكانته الطبيعية لان الاعلام له دور واسع في نقل الحقيقة..

 

اجرى الحوار: حسين محمد الفيحان- بغداد

 

استقصاء مبسَّط، في تاريخنا الصوفي سيؤكد القرابة الموجودة بين المقدَّس والشهواني

ها نحن نحطّ الرّحال ثانية ونرشّ بورود اقتفاء أثر الهامات على امتداد وترامي خارطة الإبداع العربي الرشيق والطاعن بنورانية متونه، ننبش في عوالم من الأسرار عسى نغنم ما يدغدغ الحنايا وينير لنا الدروب. لكن بنكهة مغايرة هذه المرّة، وحيث ينتهي بنا المطاف وتستقرّ بنا ساقُ الفضول المشروع.. ها نحن بمعية مبدع مطبوع جملة وتفصيلا، سندباد ما ينفكّ يغامر ويقامر أعزلَ إلاّ ممّا يزيّن ويحبّب له الصولة داخل حدود الورقة في صوفية مذاقاتها وعذريتها وبراءتها وتضوع عبيرها وغواية بياضاتها التوّاقة على الدوام إلى الخيانة والافتضاض غير الرّحيم.. لعلّه تجديف مضادّ مثلما تدشّنه روح باسلة تتشرّب حد الغيبوبة تعاليم (باتاي) على درجة عالية من العمق والوعي، دونما الاكتراث لفخاخ حواشي الورق.مبدع لا يستهويه اللوح الإلكتروني إلاّ فيما ندُر .يأبى إلاّ أن يتشبّع بثقافات الغيرية عبر الإفادة من امتياز الترجمة كخيار مواز للممارسة الشعرية، تبنّاه صاحبنا وراهن عليه لأجل صقل أدوات الكتابة لديه ومراكمة تجربة إبداعية باذخة افتتحت بمجموعة(من غير أن يمسسه الماء) فديوان (محرّك الدمى) مرورا بـ (تجربة الليل)، فالمنجز الحديث الذي هو قيد الطبع تحت وسوم (فراش ذبح). أخيرا وليس آخرا، الشاعر المغربي المتألق محمد العرابي.لي قصة ماتعة وأقرب ما تكون إلى الخرافي، مع هذا الاسم الوارف بقطوفه، تشكّلت خيوط بدايتها ونبتت مع الجذور الأولى لعشق وإدمان المطالعة لدي.. بحيث حدث أن قرأت أول ما قرأت للرجل، بالصدفة، منشورا تضمّنته مزقة لنسخة من جريدة الاتحاد الاشتراكي أنذاك، تحت عتبة" القناع" .. تلك النبوءة والتكهن ــ إذا شئنا ــ بديمومة لحظتنا في دياجير متلونة ومتقلبة في أقنعة لا حصر لها ولا انتهاء إلاّ بنزعها لارتداءات أخرى أكثر تناغما وتناسقا مع الموضة الجديدة الخادعة والمراوغة. بذلك أينع من يومها التجاور الروحي وفاحت رياضه، ليثمر انتهاء تلاق ميداني حميمي مضياف بصمته آخر زيارة أقوم بها لمدينة ميسور.. كمفارقة ذروة في الطرافة، على اعتبار مسقط رأس كلينا متاخم للآخر..المدينتين الصغيرتين أوطاط الحاج وميسور الموغلتين والثاويتين في دغل المغرب، المغازلتين لحلم طفولي كبير، المتهمتين بالانتماء إلى ما اصطلح عليه عدوانا وإجحافا"المغرب غير النافع" وإن على سبيل التوصيف والتقسيم الجغرافي في علائقه ولحمة التصاقه بالغنيمة المفاهيمية الاستعمارية.انتفض شاعرنا وأصرّ وكابر والتزم بمنحى نضالي تصاعديّ لحين تأتّى له قسط من المشتهى، فاستطاع بالتالي انتشال ذاته من مخالب العطالة وأوجاعها الخانقة.يمتهن التدريس حاليا.

هلاّ تضعنا في الصورة شاعرنا، فتسرد لنا في عجالة، لو تكرّمت، البعض من طقوس أحدث إضمامة شعرية لك، خاصة وأنك خارج للتو من مخاض لم تزل تتلمّظ معنى الإخلاص والوفاء للقصيدة حدّ السمو بها فوق الحياة بعينها..؟

- التحية لروحك العاشقة أبدا،

عذرا، إن بدأت هكذا: جئت إلى الكتابة من باب ملتبس، من باب الجناية والسطو والجريمة: سرقة الكتب... كان أصدقائي، في السوق، يسرقون فواكه وأثوابا، وكنت أسرق أخطر الفواكه وأكثرها فتكا، ولم أكن محصنا ضد الغواية، ولم أملك دفة للنجاة من لجج الخيال والفكر؟ ومنذ أن قرأت، بالعربية، أو لكتب(ي)المسروقة ولم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة من العمر، أيقنت بأني ضعت، وبأني دخلت ماراتون مضايقه مسحورة لن أعود منها أبدا. ومن السخرية أن أول كتاب بالفرنسية رمته السرقة في طريقي لم يكن إلا كتاب بلزاك: (الجلد الأحرش) أو الجلد المسحورla peau de chagrin، الجلد الذي يحقق لرفائيل كل رغباته، لكن ما إن يحقق له رغبة حتى يتقلص وينكمش ويقرِّبه من حتفه. منذ أن قرأته، أحسست أني ألقيت حجري في بركة أخرى لا قرار لها، ستزيد ضياعي أكثر، في لغة ثانية.آخر مرة حاولت أن أسرق كتابا كان في أواسط التسعينات، من أحد المعاهد الغربية بمدينة فاس. قمت بتسجيل استعارة خارجية للمجلد الأول من الأعمال الكاملة للشاعر بيار جان جوف، لكن عوض أن آخذ الكتاب الذي عليه القيد، أخرجت المجلد الثاني. كنت بارعا في التخطيط لسرقة الكتب، لكن المرور بالأجهزة الرقمية اللعينة كشفني، ومع ذلك قلصت نسبة الحرَج وأعطيت الانطباع بأن المحاولة كانت مجرد خطأ في التقدير.في النهاية، وبحكم الإقرار بالجرم والعود إليه récidive، أنا مجرد سارق كلمات، وسارق أفكار.

حدثتني عن أحد أقنعتي الذي وجدته في مزقة من جريدة. الديوان الأخير "فراش ذبح" وجه آخر من هذه الأقنعة المسروقة التي أختفي وراءها. قناع يسكن قناعا، قناع لا فكاك لنا منه، ببساطة لأنه عُقْدتنا الصغيرة المبرمة أبدا..

ذلك هو الأنثوي.من شرفته أحاول أن أطل على كون أسئلته الحارقة، من خلال أنثوية باذخة احتمت دائما بالالتباسات التي تلف العالم، بالوقوف عند نماذج لا تخطئها العين، مثلت تجليا ولحظة فارقة في بناء نموذجها الأسطوري المنشطر بين الرغبة ونقيضها، بين السمو الروحي والانكسار الشّهوي، أو العكس..

ماذا يقول لنا هذا الأنثوي خارج أطرنا الثقافية الذكورية؟ كيف يفكر ذاته؟ كيف يفكر آخره؟كيف لمّ تشظّيه وهو في قبضة الحمى الكونية، وكيف يحيا أزمته حين مواجهة غريمه؟ هل ينفتح؟ أم يظل بين أسوار مناعته؟باعتبار أن معناه، معنى كينونته، يحتاج دائما لعلاقة بأكثر من واحد مطلق في عزلته؟ يزعم جورج باتاي في كتابه " التجربة الداخلية" بأنه" لا وجود لمعنى بالنسبة لواحد ".

"il n’y a pas de sens pour un seul".

النماذج الكونية التي غرقت في عزلتها، كبطلة مالارميه: "إيرودياد"، ونرسيس في عشق صورته آلتا إلى المأساة وبؤس المصير.

بأي ثمن إذن يحقق الأنثوي معادلته المستحيلة: تخليص الجسد من تاريخ طويل من الاضطهاد والاستغلال والعبودية، من الحرمان والوصاية، وعدم الوقوع في نفس الآن، في فخ التعالي المطلق على الآخر الذي من شأنه أن يورد الأنثوي مورد الحِمام؟

بهذا القناع المسروق إذن، وضمن رؤية حاولت أن تفكر سرّ المرأة الذي " لا يعرفه إلا من عرف فيم وُجد العالم"، بتعبير الشيخ الأكبر، ( ولا أزعم أني أعرف فيم وجد العالم، لأني زائف بالنهاية) أحاول كحالم أن أنصت لهسيس الأنثوي الذي قهرناه بهذه الذاتية المتضخّمة حدّ التفسخ، بعد أن لم تعد تعرف غير الشرنقة الذاتية للأنا، وغير العصاب لمسرحة هواجسها.

 كيف يعيش محمد العرابي تجربة المزاوجة بين الممارسة الشعرية وفعل الترجمة؟

- الترجمة فعل قراءة بالأساس. وأنا أقرأ نصوصا شعرية كانت تمارس إغراء خاصا نهاية ثمانينات القرن الماضي، كنت أحاول أن يصل التذاذي بهذه النصوص مداه، فأنقلها لحسابي من لغتها الأصلية وأخضعها لعنف كلماتي (لنتذكر أن ولادة كلماتي حملت جينات واقعها القائم على السلب). معي الآن الكثير من الأشعار المترجمة والتي (أحتفظ بها لنفسي) تتسلل كلماتها أحيانا لما أكتب، أحتاج لجهد كبير لأن أقطع بدون رحمة، المسروق من لغة أخرى من شعرية أخرى. ما أحاول أن أقوله أننا مهما ادعينا الأصالة في الكتابة فإننا نكتب في أثر نصوص أخرى تدخل طوعا أو قسرا إلى كتابتنا باعتبارها لا وعي اللغة. كل ما هناك، أن أفضلنا ينجح في مسح أي أثر لنصوص سابقة، أو على الأقل لما يضرُّ كتابته من هذه العوالق. ومن هذا المنظور نستطيع أن نوسع مفهوم الترجمة ليشمل كل النصوص التي نقرأها في لغة الآخر، أكان عربيا أم أعجميا. ألسنا نترجم هذا المقروء (المسروق) حسب حاجاتنا، وحسب تجاربنا في الحياة، بكلماتنا الخاصة؟

إذا ما عرّجنا بالحوار قليلا، ميلا إلى طابو الجندرية بعدّها خطابا راح يفرض حضوره تدريجيا.. المشهد الإيروتيكي الذي بات يغزو ساحة التلقي وإن بأقنعة أشدّ تعصرنا، بين الأصوات المناهضة له، وضرورة التسلّح بمقاربات مستحدثة سانحة بمعالجات عبر زاويا مختلفة، أكثر تعقّلا وإنصافا، تمهيدا لفكّ ألغاز وطلاسم كهذه ظاهرة شائكة ومتشعّبة.. لا أخفيك أنه حدث ورشقت أقلاما عدة منتسبة في عمومها إلى نون النسوة، بوابل ووبال استنطاقات حول هذه الحساسية، يبدو أن ما حصدت عقبها لم يشف غليلي بعد.. النزعة الإيروتيكية السائدة والسارية حاليا، بسيف نون النسوة على نحو خاصّ، كضرب من بعث لما يمكن أن أسمّيه شخصيا "الذاكرة القبانية" تبرّكا بأمجاد الشاعر السوري العظيم نزار قباني. هل هي ضرورة إبداعية تلبّي حاجيات الموجة الشبابية المعروفة بانفتاحها الأعمى على كل شيء تقريبا وفي خضمّ مغامرة مجنونة غير محسوبة التبعات والعواقب، قلما تتيح لها معطيات إشباع الكبت وإرواء العطش الروحي..؟ أم أنها حالة مرضية باعثة على انحسار وشلل ثقافي إجمالا؟تقييمك للظاهرة؟

- الجسد أحد تجليات الإبداع. والإنسان كائن منعزل يواصل عرضه المأساوي بشكل فردي، يؤديه إلى النهاية إلى أن يسقط صريع الموت. ولجعل الجسد يزهر أثناء هذا العبور، على هذا الإنسان أن يكسر قوقعته وينفتح على الآخر. شكل هذا الانفتاح هو الذي يحدد في الأخير كيفية معالجتنا للظاهرة. هناك من تستهويه الغنائية المدغدغة للعواطف، آخرون يواجهون التحريم والمنع في التعامل مع الجسد بالدعوة إلى تحرير تام للغرائز. البديل عن هذا وذاك، يرفض أن يدلِّس ويقرُّ، ببساطة، أن اللذة والشعور بالذنب لم تنفصم عراهما يوما. وهو ما يعزز الشعور بأن الفعل الأيروتيكي يحتفظ بوشائج تقربه من المقدَّس. ولتحقيق تواصل فعال، يحقق المتعة واللذة في آن، يجب خرق العزلة التي تطبع مصير الذات بصبِّها في محيط الآخر غير المحدود في سبيل تواصلية مع الكون والكائن لا تتحقق إلا بالموت. ألا يُشكِل علينا الأمر حتى ليخيل إلينا أننا بصدد الحديث عن تجربة صوفية؟ ونحن كذلك بالفعل. استقصاء مبسَّط، في تاريخنا الصوفي سيؤكد القرابة الموجودة بين المقدَّس والشهواني.

مبدأ أو ميكانيزم الصياغة المغايرة في إنتاج الذات الإبداعية وفق أسلوبية تهب للنص ولادة ثانية إبان كل بزوغ وتبعا لتراكم التجربة، إلى أي حدّ وبأي وثيرة تراك اشتغلت عليها أنت واستثمرها باقتصاد في أجدد منجز لك؟

- في "فراش ذبح" وضعت هذه اللافتة في مستهل الديوان:"هَذِهِ قَصَائِدُ طَوِيلَةٌ مُكْتَنِزَةٌ "هِرْكُولَةٌ"، بتعبيرالأَعْشَى، كُتِبَتْ، بَادِئَ الأَمْر، بِمَلْحَمِيَّةٍ تَلِيقُ بِأُنْثَوِيةٍ بَاذِخَةٍ، ولاعْتِبَاراتٍ فَنِّيَّةٍ مَحْض، تَعرَّضَتْ لِتَعْريَةٍ شَدِيدَةٍ لَمْ تُبْقِ مِنْهَا سِوَى هَيْكَلِهَا العَظْمِيِّ الذِي لَوْلَاهُ لانْقَصَفَتْ وَخَبَتْ، حتَّى يَكادُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا قَوْلُ المُتَنَبِّي: "لَوْلَا مُخَاطَبَتِي إِيَّاكَ لَمْ تَرَنِي "؛مِنْ شِدَّةِ تَقَشُّفِهَا اقْتَرَبَتْ مِنَ العَفَاء".

انتبهت، بعد فوات الأوان، إلى مسألة غاية في الأهمية وهي مسألة البناء في الشعر. دواويني السابقة كُتبت بملحمية فادحة، حتى كانت القصيدة تمتد لاهثة مدى الديوان. كتابة من هذا القبيل تتيح لك اختبار كمٍّ هائلٍ من التقنيات والأفكار المنتمية عموما إلى الموسوعة. إلا أنها تحرمك بالأساس من أهم شيئين في الشعر، وهما الإيجاز والدقة في وضع اللبنات، إذ كيف يتسنى لك إحكام البناء والكلام يأخذ بعواهن بعضه بعضا؟ يعجبني تشبيه الروائي الفرنسي أندري جيد في روايته "مستنقعات"، Paludes، على لسان إحدى شخصياته بأن الكتاب الحق، مغلقٌ، وممتلئٌ، أملسُ مثل بيضة، لا تقبل أن نُدخل فيها ولا حتى رأس إبرة إلا بالقوة مما يتسبب فيكسر شكلها.شعراء كثُر يقضون سحابة عمرهم في إصدار عدد من الدواوين دون أن يعرفوا أبدا ما الذي يعنيه فعل البناء.

كلمة ختامية؟

- أسئلة كثيرة ما تزال معلقة. وأتساءل أنا بدوري، من أين تأتيك كل هذه الطاقة لتقبض على جمر الشعر على طول هذه الجغرافيا العربية المترامية الأطراف؟ وكيف استطعت أن تفلت من كل هذه البكائيات والندوب التي ترتفع هنا وهناك، وتتهم النقد عموما بتقصيره في متابعة الأعمال الإبداعية، وإن فعل، فلن تتأخر تهم تبادل المنفعة والشللية برشقه؟ وتقديري أنك عاشق كبير للجمال تولي وجهك شطره أنى وجد.

والتحية لروحك الشفافة الرقيقة شاعرنا المتألق محمد العرابي . النقد في جميع الأحوال متّهم، وهذه ضريبة كل مولع بالجمال.

 

احمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي

 

 

- المثقف يراهن على المستقبل بوجوده التنويري في الماضي والحاضر والمستقبل

الغربة تجربة وجودية ، وجعلت المهجر" منأى " وواحة أتنفس بها حريتي

- الشعر ليس خاضعاً لمزاج صناع الحروب، وليس الشاعر بكاتب مأجور، أما الإرهاب فهو مدان حيثما وجد

- إشتغالي في حقل الميديا عموما ينبوع يثري تجربتي الابداعية شعريا ونثريا

- أنا دائم الولادات ولدي أكثر من كتاب وهذه مسؤوليتي الابداعية والتاريخية عموما

 

كيف تجد الشعر العراقي اليوم في ظل الارهاب والفوضى التي يمر بها البلد، وهل استطاع ان يكون بمستوى الاحداث؟

- ليس مهمة الشاعر والشعر الدخول في مواجهة عسكرية او ميدانية مع الارهاب والفوضى، للشاعر دور خطير في تربية الحس الجمالي في المجتمع، واشاعة رسالة السلام والمحبة كي يتحصن الكائن البشري ضد الاكتواء بداء الارهاب والفوضى أولا، فالشعر هو مصل للوقاية من الوقوع في الداء، أما ما يشاع عن الدور التعبوي للشعر في المعركة فهذه تعتمد على مفهوم المعركة والارهاب والفوضى، كي يحدد الشاعر بوصلته لأداء دوره المفترض في هكذا ظروف، دون رضوخ لترهيب أو ترغيب ماكنة السياسة التي تدير أمر الحرب. لا بد للشاعر من مسافة للإنصات الى صوت الضمير والجمال معا.

هل استطاعت القصيدة العراقية تجسيد المعركة ضد الارهاب؟

- هذا السؤال على صله بسابقه، فالشعر ليس خاضعاً لمزاج صناع الحروب، وليس الشاعر بكاتب مأجور، أما الإرهاب فهو مدان حيثما وجد، ومن ايّة حاضنة إنبثق، والشاعر انسان وعضو في المجتمع وبامكانه أن يوصل رسالته بالطريقة التي يراها مناسبة لادانة ورفض الارهاب، سواء في نص شعري أو بيان او مقال أو رواية أو اي شكل تعبيري آخر، والقصيدة التي تعنيها بسؤالك هي المعنية بتأدية فرض خارج محيطها الإبداعي. وهذا نمط ورثناه من العقلية الدكتاتورية السابقة "وفق منطق كل شيء من أجل النصر".

 

كيف يستطيع الشاعر ان يعيش في الغربة مع هذا الحس المرهف الذي يتميز به.. كيف يواجه هذا الاغتراب.. صف لنا تجربتك في الغربة؟

 

- طبقنا لتجربتي فانا لا اعاني من مرض الغربة، ولا اعتبر وجودي في استراليا كمنفي او غريب، لقد جعلت المهجر واحة لأتنفس بها حريتي، لأشعر بها بكامل حريتي في العطاء، فأنا لا اتعامل مع وطني الأم العراق كمدونة للرثاء، ولا وطني استراليا كغريب، الغربة الجغرافية فقط هي التي تبعدني عن وطني العراق، وما عداها فأنا أكتب واتنفس بقلب ورئة عراقيتين، الغربة تجربة وجودية أتاحت لي النظر الى المشهد العراقي من الخارج، والنظر الى تجربتي في مناخ من التأمل جماليا وفكريا، الغربة انجاز أتاح لي الخلاص من أمراض الديكتاتورية وما افرزته من أمراض في حقل الفكر والابداع، إذ نجح النظام السابق في ايجاد شرخ هائل بين التجربة الابداعية العراقية، في الداخل والخارج، وهو من اشاع هذه المصطلح المضلل، أدب الداخل وأدب الخارج، لغرض تشظي الخطاب الجمالي والانساني للمبدع العراقي في داخل العراق وخارجه.

لقد انتجتُ في الغربة اضعافاً مما انتجته في وطني، من خلال تجربة جديدة ونضج متواصل لأدواتي ورؤيتي من خلال متسع كبير من القراءات والتجارب خارج الاملاءات الوطنية، لقد تحقق لي ما كنت أخطط له بحرية تامة.

لذا فأن الغربة وإن تعددت اسبابها فهي أيضا تفضي الى نتائج متعددة، ولكل حسب غرضه ونواياه ومشروعه الجمالي والانساني.

هل تعتقد بأن العمل في الصحافة او الاعلام قد يبعد الشاعر او القاص عن الكتابة الابداعية؟

 

اذا اتفقنا مع ما يشاع عن مقولة طه حسين بقوله "الصحافة مقبرة الأدب" فسوف نكذب عميد الأدب العربي بنتاجه أولاً، فهو الذي كان منتظما بكتابة عمود اسبوعي في جريدة الإهرام بعنوان "حديث الاربعاء"، والذي صار كتابا فيما بعد. أما ما يخص تجربتي في حقل الاعلام والميديا عموما فأنا اجد نفسي في حقل ابداعي آخر، وفي ينبوع يثري تجربتي الابداعية شعريا ونثريا، بصراحة تامة انا لا اعاني من عقدة نقص وندم في دخولي حقول القول، سواء شعرا ام نثرا ام ميديا ، فكلهم أولادي، ولكل منهم مكانة في تجربتي ككاتب، رغم أني افضل هويتي الشعرية على باقي الهويات.

كيف تجد موقف المثقف العراقي بشكل عام حيال الارهاب والتطرف؟

- هذا سؤال استفزاي حقا، فكيف يجتمع المثقف والارهاب والتطرف في خانة واحدة، ومن ثم نسأل عن دور أو موقف؟

لا شك أن المثقف بمفهومه الجمالي والانساني والبرهاني، لا بد أن يكون خطابه تبشيريا مضادا لنزعة العنف والاقصاء، لا بد له ان يكون مثقفا عضويا بحسب غرامشي، مثقفا متفاعلا، وليس متفرجاً.

استطاع السياسي خلال السنوات الماضية ان يسحب البساط من المثقف.. تسليط الضوء ودائرة التأثير لم تكن بالنسبة للثقافة في الوقت الحاضر كما هي في السابق.. كيف يمكن مواجهة ذلك؟

- ازمة المواجهة بين المثقف والسياسي ليست وليدة اللحظة أو صنيعة سنوات ماضية، بل هي هوة أكيدة تعمقت منذ مئات السنين في الثقافة البشرية، فنزوع السياسي للثبات يتناقض مع مشروع المثقف في التحول والتغيير. السياسي يرى في الحصول على الممكن هو مقياس نجاحه وسر وجوده بينما المثقف يراهن على المستقبل بوجوده التنويري في الحاضر والماضي، المثقف ناقد أبدي يمتلك مجسات حساسة في التعامل مع الواقع والحلم، وهو ليس ناقما بل مقوما للأداء السياسي العام، ويمتلك شفافية وأمانة وليس محابيا لأحد. ولكن المشكلة ان السياسي يريد صناعة مثقفين كجنود وابواق له، يباركون ويهللون لمشروعه السياسي والفكري.

الارهاب مشكلة عقائدية وفكرية.. لماذا غاب دور الشاعر والقاص والاديب في تجسيد معاني الحياة ونبذ التطرف.. هل ثمة حلول ممكنة لمواجهة التطرف الذي يغزو العالم؟

- نعم الارهاب جذوره وحاضناته فكرية أولا، وهو وليد تعاليم تعد مقدسة عند البعض وله عرابون يقومون بالتنظير الفكري والنظري لممارسة الارهاب تحت ظلال متنوعة من الافكار الدينية خصوصا لتبرير قدسيتها وصلتها بالله، وبالتالي فالإرهابي ُيغسل دماغه تماما ليتحول الى روبورت بشري لا يتوافر على قدرة فكرية مضادة اوقناعة مختلفة، وعندما نفهم هذه الآلية يكون للمثقف والمبدع دوره الواعي ومسؤوليته التاريخية في مجابهة الإرهاب، عبر وسائلة التعبيرية في القول والكتابة وكل حسب اختصاصه، وبهذه الطريقة يمكننا من مجابهة الارهاب بصورة جذرية فكرية مضادة وليس فقط تصفيات جسدية وعسكرية. والاهم هو تعريف الارهاب أولا وتجفيف منابعه فكريا وماديا.

كيف تجد.. مثقفين ساندوا داعش.. شعراء يتصدرون المشهد الشعري في العراق دون منجز حقيقي.. العلاقة مابين الشاعر والسلطة والارهاب.. الموقف الاخلاقي للاديب والمثقف العراقي من الارهاب؟

- الارهاب بإمكانياته المادية الكبيرة قادر على تجنيد الأسماء والأصوات المهمة وغيرها، لذا لا نتفاجأ من وجود أصوات صفراء مات ضميرها الإنساني وصارت كلمة مفخخة وفكرا ساما، وتؤدي دورا خطيرا جدا في افساد المجتمع، وتلعب دورا أخطر من دور الإرهابي نفسه.

هل ثمة موقف واضح للادباء والشعراء العراقيين في المهجر من الارهاب في العراق؟

- لا شك أن الارهاب بكافة أشكاله مرفوض ومدان من قبل أي مثقف أومبدع له ضمير انساني، وحاسة جمالية وحس مهني وأخلاقي، فالارهاب علّة عالمية فكرية وميدانية، واداة للقتل والتكفير بلا هوادة موجهة للشعوب والمجتمعات، ونحن في المهجر كنا متفاعلين تماما مع ما أصاب منطقتنا وبلادنا الحبيب العراق من ويلات داعش وتآمر القوى الظلامية من الداخل وتكالب القوى الأقليمية علينا لدعم الارهابيين ماديا وفكريا، لأن العراق تخلص من قبر الديكتاتورية وشكل بتجربته الجديدة أفقا جديدا يخشى منه، فكنا دائما مع شعبنا العراقي بكل ما امكننا عمله سواء في الانتاجات الابداعية الفردية أو من خلال منظمات ومنتديات ومؤسسات مجتمع مدني، وفي تجربتنا في الصالون الثقافي في منتدى الجامعيين نظمنا الكثير من الفعاليات والمهرجانات الثقافية والاجتماعية المناهضة لكل فكر ظلامي.

هل ثمة انجاز ادبي لشامخ خلال الفترة المقبلة قد تتعلق بالارهاب والعراق ومايحدث؟

- أنا دائم الولادات ولدي أكثر من كتاب صدر في الفترة الأخيرة، في حقل الشعر ديوان شعري "مصور شمسي" عن دار ميزوبوتاميا و "قل ولا تقل " عن اتحاد الادباء والكتاب العراقيين – البصرة وفي حقل النقد " نزهة في حدائق الوجوه.. دراسة نقدية لفكر الكاتب الكبير محمد خضير"، وفي حقل التحقيق كتاب "سجناء الفكر في العراق الحديث.. أوراق نوئيل رسام من خلف قضبان الحكم الملكي".

وكل هذه الأعمال تشكل رصيدا لي وجهدا أفتخر به كجزء من مسؤوليتي الابداعية والتاريخية عموما. وبالتأكيد فأن الكلمة المعبرة في مختلف الحقول تكون أداة جمالية وفكرية وانسانية ضد الفكر الظلامي ومن نتائجه داعش وأخواتها.

 

 

حوار - عدنان أبوزيد

- المرأة اليمنية الجنوبية في عيدها العالمي .

- جدلية الموائمة وتوأمة التشابك مع الرجل .

- البحث عن الانسان الضائع بين فصام العلاقة بين الجنسين .

مع مناسبة تجاوزت حدود مكان توهجها تجسدت معها ثورة الرفض داخل المرأة فقدى اقتداء عالمي على اختلاف الديانات والثقافات وما بينها من اعتقادات مذهبية وطائفية وعلى كثرة الماسي إلا أنها لم تمح هذه المناسبة وما أنطلت عليه من جموح ثوري نحو التحرر وتحطيم شرنقة الظلم .

بعد هذه السنون الطوال ونحن الأباء والازواج والأخوة والرفاق والزملاء يحق لنا أن نبعث تذكار إلى النساء في كل العالم بأهميتهن فـــي الحياة مجتمعات وفرادى، داخل دائرة الرجل أو خارجها، متفرقات ومترابطات

كما يحق لنا أن نطرح السؤال التالي ماهي نظرة المرأة للرجل ؟وإلى أين وصلت في علاقتها ؟بعيدا عن ما حققته في المجتمع

ما أبحث عنه هل كان ذلك بفعل القناعات التي توفرت لدى الجنسين أم أنه منح لها تمثيل كما في المجتمع الشرقي أم أنتزع أنتزاع .؟

سوف اوصل مبتغاي بأسلوب حواري  يخفف ثقل الأسئلة السابقة .

ينحاز الرجل أنحياز بيـن للمرأة يتأرجح من معترك إلى معترك ومن مجتمع إلى مجتمع .

إلا أنه يضل هو من يتعهدها ومن يخطب ودها وربما من تقع عليه ضغوط وأعباء الحياه وثورتها لتحقيق ذاتها التي يشاع أنها متصفة بالعنصرية المبالغ بها؟ واعود الى طرح السؤال هل هي صفة ملازمة للمرأة فــــي جنسها أي العنصرية .

لربما جهلت المرأة أحتياج الرجل إلى الاحساس بها ككيان شعوري وعدم اقتصار حاجته أليها للحياة الزوجية وألفـــت البيت وأنما تحسن نظرتها للرجل بغالب أكثر نفعا وأبلغ قيمة فكما تطالبه بحقها في العمل فحق عليها أقامة ديمومة العلاقة السوية القائمة على التبادل القيمي الشعوري .

ما نذهب إلى صياغته خارج حقوق الأسرة دور المرأة تجاه الرجل بل ومطالبة الرجل لها بحق الاهتمام  ومشاركته جميع همومه والمبادرات التي تقدمها لتقليص العبئ الاجتماعي والسياسي وكل ما يمكن من أشاعة الاهتمام الذي يحتاجه .

للمرأة الأثر البالغ في حياة الرجل واقتصار دورها على أن تكون زوجة وشقيقات رفضته الكثيرات مشمرات سواعدهن جنب إلى جنب ملهمات ومبدعات أكملنا نقص أدركه الرجل فعمدن إلى تغذيته وصدقت المقولة الشهيرة أن وراء كل رجل عظيم أمرأة .

في هذه العجالة وأنا أبحث عن سر العظمة هذه التي أكتملت بالمرأة اردت أن أرى نظرة المرأة للرجل وأطلب بذلك الحق للرجل الذي من الممكن أن توهبه المرة أياه لبلوغ مرام الكمال والنشوة الابداعية التي لا يمكن أكتمالها مالم تكملها أنثى فتحدث التوأمة البناءة التي تفضي إلى أكتشاف الإنسان .

كان لي لقاء في نادي السرد- عدن مع أمرأة استوقفتني عبارات التقدم والرفض والجموح وثورة الخطو فوق أشواك الواقع الاليم التي تكتبها المدربه مريم (الاخلاق مدرسة لا يعفى أي طالب منها أنثى كانت او ذكر ..فلأداعي لتبرئة النفس ..وفي محكمة مايجب عليك ستحال للتحقيق الادبي أيا كان نوعه) فحاورتها حوار الند للند بحثا عن الانسان الذي يخبئه الأثنان الرجل والمرأة واردت له أن يبعث من شبق الثورة الأبداعية ..

حواري مع الناشطة والمبدعة الاديبة مريم:

 س)  هل تشكل المرأة دافع لأبداع الرجل ...؟

ج) مريم ..ليست دافع أني أراها جل أبداعه ..

س) وهي كذلك !!إذاً ما الذي عملته لأجل ذلك ؟

ج) مريم ..أفصح عن مغزى سؤالك!

س) أرى عزيزتي أن المرأة تنظر فقط لجمالها  في مكان مغفرا ليس من الآه غيرها .؟

ج) مريم.. تضحك ..معذرة لضحكتي ...

لما تضعها موضع المحاكمة وجواب السؤال يتلوا السؤال ...

معذرة منك !!

المرأة الحقيقية أكبر مما قلت ..

ولما تطلب أعمى بالنظر ليست عامة فبعض الرجال رجال .

س) لا اقصد النظر الى الشكل بل إلى الجوهر ....

- كما تطالب المرأة بحقوق.. هل تبنت قضايا الرجل وساعدته إلى الإرتقاء بجوانب القصور لديه ؟

ج) مريم ..لما تطالب ليست تحتاج لذلك هي من ولدت الرجل وصنعت بنيته الأولى بيدها ...ومعذرة أيضا منك أخي من الرجل الذي كنت تقصده في كلماتك هاهنا؟؟لان الرجال منهم رجال ومنهم اشباهم ..ولأتنسى أن كلمة رجل محسوبة على بعضهم وهل من الضروري أن تكشف عمن تكون هي واصل جوهرها ؟

انت الان تتكلم على المرأة.. ام عن كيف تكون سند للرجل ؟.

س) -انا أدرك قيمتها لذلك أحاول أن أفتح ناظريها إلى ما أغمضت عنه عينيها

ج) مريم ..لا تخشى عليها ولأتقلق وقر عيناً أطمئنك ..المرأة التي أنجبت الرجل ترى مالا يراه الرجل وتقدر قيمتها من غير رجل .، ولم تغمض هي عيناها بل أغمضت عينا الرجل حين ظن أنها أغمضت عيناها .

س) الولاد. غريزة بهيميه المرأة اعظم شان أذا ادركت أهميتها للرجل والمجتمع ...لما لم تهتم بنظرة الرجل إليها وأعني بالرجل ذاك الذي يشعر بها كيان وليس كائن ...

لا تستطيع وحدها أن تفك شفرة وجودها مالم تشاطر الرجل مشاعر أحياء الانسان بداخلها ..

لاحظي أننا في عيد المرأة وليس في عيد الأم هناك فرق في عموم اللفظ

ج) مريم ..عزيزي واخي ابن فاضل قد قلت اجابة في لب احرفك،، الرجل الذي يشعر بها كيان وليس كائن،،

عذرا أن شعر بكيانها ما طالبها بأن توضح جوهرها وما الأم من المرأة او مستثناة ولسنا في صدد الاعياد ولكن في فحوا الكيان لو عرف الكيان أمه أختصر عناء الطريق وحاول أن يعرف حواء من أمه وأن أختلت الطباع فقالب الكيان واحد ..

س) أظنك اختي تظنين بالرجل ذاك الذي تامرة فيطيع وتطلبه فيأتي ...ولكن في جوانب نموه واكتمال نضجه سلامة قيمه وعيه واتزانه ....الخ له حق عليها ان تشعره بذلك الجوهر ناحيته ؟

ج) مريم ..عذرا أرتكز على نقطة واضحه ..أي جوهر تقصده أنت وتطالب المرأة بان تفصحه للرجل ..؟

س) أنا أنتقد من يتحدث عن تاريخ النساء فقط في جزئية طفيفة ..حبذا إذا استعرضت مسيرة المرأة الجنوبية من جانب اخر دفاعها عن وطنها وبناء مجتمعها واحقيتها في الدفاع عن الرجل وحمايته دينيا وسياسيا واجتماعيا واحقية الرجل في نسج علاقات ذات قيمة مهنية واجتماعيه ..الخ... الاهتمام خارج نطاق التربية الأسرية التي لا تتعدى سنوات التعليم المدرسي الاساس  والحياه الزوجية ؟

ج) مريم ..احسنت بطرحك قد تبينت روية طرحك !

س) الجوهر الذي يغذي الحياه لا يهدمها وينمي الشعور لا ينقصه وذاك الذي يودي إلى الكمال لا إلى الرجعية المعطلة للبناء !!

ج) مريم ..إذاً نعول على أشياء كثيرة بذلك

س) أجل!

ج) مريم ..على عقل الرجل وعقل المرأة معا على كيانهما سويا

كيف يتم ذلك ؟

مريم ..على أليه لابد أن يشتغل بها كلاهما كل من منبره ..أنت ذكرت جزئيه واقعيه التي هي تنتقد من يتحدث عن تاريخهن بجزئية خفيفة طفيفة حسبما قلت .

جميل تعال نصنع أنا وأنت أستراتيجية جديده ننشرها في توعية الفرد في بعض المنابر من عدم حصر المرأة في زاوية بركن قابع ..

س) المرأة للأسف لا تنظر إلى ذلك معقده في دائرة الاستفهام ..ماذا يريد مني الرجل ؟..مكبلة بفكر أيدلوجية الطلب الغرائزي مهما كان وعيها وثقافتها

مريم ..هات مقترحاتك نبادر في نشرها .

لاحظي كيف؟ أن وضع المرأة وضع المتلقي ..ما يجود به الرجل حتى في مطالبتها بالفصح عن مشاعرها تجاهه ؟

مريم ..ما قلته في أخر كلامك به أساءة لمقامك ..

من يفكر بالمرأة أنها تفكر هكذا هو من يدور باستفهامه التعقيدي وما دمت مثقف نصيحتي تنحى عن أيدلوجية احرفك الأخيرة !!!

أظن أبن فاضل تائه بما يريد طرحه تارة يطالبها بان تفصح عن كيانها ولا ادري لما لأنها ليست بحاجه لذلك وتارة يعول بما آلت أليه نصف النظرة الشمولية بمن ينشرون من تاريخ المرأة مالا يتعلق بأعماق فحوى وجودها .

س) أي كلام عفوا لم أقصد شيء؟  ...ربما أنت تعيشين في مجتمع أكثر وعيا لكن بالمثل هذا الفكر والتخوف موجود بكثره في مجتمعنا ..وهناك من يشيعه .

ج) مريم ..عزيزي واخي لا أدري الاكبر أم الاصغر كيان المرأة للمــــرأة وليست ملزمة بان توضح من هي يكفيها من شخصيه عمليه واقعية تغير به عقولا للأفضل وتترك من الأثر الاحسن وتعرف من هي بالنسبة لنفسها وأنها الركن الذي ترتكز عليه ماهية الحياه .

س) أنا اتحدث عن المرأة التي أقنعت الرجل بأهمية دورها لا المرأة التي انتزعت حقها عنوة أو التي أوهبها حقها صدقة أو ديكور فقط .

ج) مريم ..مجتمعي هو مجتمعك شرقي كما قيل ...

لكن روية النفس للنفس تكون من أختيار الانسان لنفسه في بناء شخصيته وصناعة كيانه وكلامي عام للرجل والمرأة الانسان في مجمل تسمياته .

س) اعتذر للإطالة اولا ..وأقحامك في التساؤلات المتتالية ..من دون سابق معرفه واشكر سعة صدرك ..ولكنها تقاطعات أراها ما أستطعت السكوت عنها للفائدة وأنا أبحث عن الإنسان عزيزتي ..

ج) مريم ..وانا سعدت بحديثك تماما لم تقحمني بتساؤلات بل هي الانسان في داخلي من جعلتني أتناول معك جزئيات من طرح طرحته أنت لا تصدق الاعياد او المؤتمرات التي تنشد نشيد المرأة صباح مساء....

المرأة شقيقة الرجل في حكم الله ومجمل آياته واحاديثه نبيه وتلك الشعارات الدبلوماسية التي زاد رواجها وندر تمخضها ولادة واقعيه تبقى المرأة عالية الشأن مرفوعة بما جاء في اسلامنا لا بما تداولته اعياد صماء خاويه ..

س) أجل هي في مرتبة فوق النجوم الوضاءة ..والله رفع شانها وكرمها لكن هناك من يحور الشرع لتكبيل حريتها وفاعليتها ...اليس كذلك ؟

مريم ..بلى ..أخي

مرفوعة الشأن بالإسلام كرمها وكرم الانسان

س) الف شكر لك اختي الغالية كنت الصغير ام الكبير ..لكن اسمحي لي ان انشر هذا الحوار اذا استطعت اليه سبيلا اليوم او غدا اوفي المستقبل ؟

ج) مريم ..كنت الصغير أم الكبير التي رميت بها شارة إلى عمرك وليس تقليل من قيمتك والشك موصول  للناشر أن نشرت فلأتحذف ولا تنمق أي كلمه بل مثلما هو بعفويه الإجابة والطرح .

ج) ادرك ذلك لأعليك حتى أنني لا اعرفك سوى مريم  واول مرة أتعرف عليك هنا  واحب  نعتك إلي بلهجتنا وصفتنا الريفية أبن فاضل بسام ..لك ألف تحيه،،، وما جاملت او نمقت او حذفت يوما .

ج) مريم.. أن ناديتني فنادني بأختي المدربه مريم  .. ناد السرد هو ملتقى الفكر أيا كانت وجهة النظر أما عن طريقة مناداتي فلا اعلم انها صفة ريفية بحق الله لكني لا أحـــب القوالب المتعود عليها حديثاً لذا اصنع قوالب تخصني كمريمياتي تماما... تضحك لذلك يأبن فاضل انت احد اخوتي ..سعدت بمعرفتك

س) وأنت كذلك لي ثلاث وانت رابعتهم

احببت مناداتها ذكرتني بصفوا فطرتنا في ريفنا وسلامة أخلاقنا ونقاء طبيعتنا .....

ج) مريم ..تلاقي ما صبحت به الحضور،، خيرعلى خير،،

لم يكتمل الحديث مع مريم عن المرأة...

مصرا على الا تنظر مريم وغيرها للرجل نظرة ملئها منفعة مجردة وأن تسطره نهجاً  لكيانين منعزلين كما أمقت ذلك التوصيف القائل أن تشكل الانسان الولادة من الجنسين هو كمن يكتسي خده حمرة وعلته ورم بالرية علاقة متذبذبة بين المعتقد والعقيدة تحومها الشبهات والشكوك ان تمت ...

كان ذاك الحوار اعلاه في عامنا الماضي في 9مارس 2016م.

لنتم الحوار ونرى في البداية ما علقت به مريم عن تناولاتنا الطرحية والمساحة الحره التي تجمع الرجل والمرأة .

تقول المدربه مريم :نحن كبشر نمر بتعسر ولادة صعبة جدا على مستوى كافة المجتمعات، وجب علينا رص الكلمات في حواراتنا ونقاشاتنا وفق منهجية هدف سامي من كل نقاش وجدل وحوار تدلى فيه اراؤنا لنصنع شيئا لأوساطنا المجتمعية

س) ماهي نظرة الاديبه والمثقفه مريم خلال عام مضى من حديثنا السابق لماتحقق للمراة الجنوبيه ثم على مستوى الوطن العربي ..؟

ج) ما تؤول له أوضاع الأمة الانسانية جمعا قد لايمكنني من الأجابة الكافية الوافية لكنني أستطيع أن أقول لك أن كيان المرأة نشط حماسي باستمرار مستمر كعجلة الحياة تماما لايقف وأن تعثرت بعض الشيء، وحتى أكون منصفه لما أراه وكما هي عادتي لا أحب النفاق المجتمعي والمبالغة في تجميل طرف على حساب طرف آخر، ان ثمت معاناة فجميع الكائنات تعاني ولكن معاناة المرأة بتهميشها شيء يعوده بإنتكاسة عكسية على المجتمع بأكمله لأنه ببساطة المرأة هي فلتر الحياة، ليس لانني أمرأة أقول ذلك بل لأن المرأة هي أم وابنة وأخت وزوجة وبالتالي تحمل على عاتقها مسؤولية أمة بأسرها ..

سؤالك عما تحقق لها وجزؤه الآخر هل من تقدم وبما أنك شملته بواحة أوسع على نطاق أطار الوطن العربي فدعني أوجزها لك 

لاتزال المرأة تناضل ولن يذودها عن طموحها أي عقبة أو حاجز  لأن أمر المرأة يتجلى بقدرتها وقوة ذاتها "أن أرادت أستطاعت رغم المعوقات"، وعظمتها تكمن في ثقتها بنفسها مع كم اطر التقاليد والعادات المهتري بعضها، لا أدعوا المرأة الخروج عن عادات مجتمعها فأنا من أسرة محافظة جدا لكنني ادعوها أن تسخر قوتها في صناعة نفسها بتحدي الإنسان الذي يسكنها مع إنسان مجتمعها التي تنبثق أنواره من احساسها بمسؤوليتها تجاه الانسان على وجه الأرض.

كما أنني أوصيها بعدم الالتفات إلى من يغنون لها مواويل العيب المجتمعي  ب اختصارهم تثبيطها "انتي امرأة بالاول والاخير" وأن تتأخذ من هذه الجملة تنويرة حكيمة لانني أمرأة أولا وأخيرا لابد أن نكون كما يجب أن أكون عونا وسندا لمجتمعي بغض النظر عن الأراء التي تنعق كالغربان المعذرة على اللفظة لكنها الحقيقة لو أن كل أمرا التفت إلى حقيقة وجوده في الحياة لوجد أنه له رساله في  الوجود ولابد أن يتخذ من ذلك منهجا لتحقيق تلك الرسالة الإنسانية .

س) هل من تقدم او بالاحرى تطور نحو النماء في حياتها العامة والكيان المشترك مع الرجل ؟

ج) حياتها كلها عامة أو خاصة تحتاج منها إلى جلد وصبر وسعة صدر وهدف تسعى له كحقيقة وجود أما غير ذلك فهو تكميلي ربما تزيله السنون يوما، لذا عليها أن تبني نفسها وأن تكون جاهزة لكل شيء

وتعقيبا على شق من سؤال حول الكيان المشترك مع الرجل فأختصرها لك " من أكرمها فقد أكرم نفسه ومن أتخذ غير ذلك فقد عذب نفسه فرفقا بالقوارير لم يقلها الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه عبثا .

س) المراة فلترالحياة عبارة عظيمة ..

ارى ان الرجل يراى المراة فعلا الحياة بكلها ...

ربما انها لم تدرك تلك النظرة العالية الشان من قبل الرجل  فلم تمنحه سوى مايختص بكونها انثى ورغم عظمة هذه السمة الا ان المراة تتولد لديها الشعور بالنقص والحرمان فحجب عنها التمتع بجماليات الحياة واتمام جوانب نقص الرجل منها.؟ ماذا تقول المدربه مريم في هذا؟

ج) لا تستطيع أن تطلق حكما بالاجماع ككل .. فعبارتك أن الرجل يرى المرأة الحياة بكلها فهي حقيقة منتقصة ليس كل رجل يرى ذلك، وليس كل رجل يؤمن بالمرأة .. هناك من يساندها وللأسف يحسبون قلة في عداد الكثرة الذين يزرعون العوائق في طريق نجاحها خصوصا أن كانت هي متميزة وتمتلك مايفوق الكثير من الرجال .. ما أتمناه أن يتجرد كل من المرأة والرجل من كل ما أختزلته عقولهم آنفا وأن يبدأو من جديد كعنصريين تكامليين خلقتهم السجية هكذا كلاهما يحمل على عاتقه مسؤولية .

لا اعتقد أن المرأة تشعر بالنقص، أما عن نفسي فأنا أكثر البشر أيمانا بنفسي وذاتي وأن الله ماخلقني إلا لرسالة أنسانية وجودية لذا لم أشعر بالنقص على الاطلاق في أي لحظة مضت ولن ياتيني هذا الشعور بأي لحظة لاحقة لاني اؤمن بعظمة ذاتي التي منحني الله أياها.

س) كلمة اخيرة توجهيها في هذا اليوم العالمي للمرأة ..

عزيزتي المرأة انت غالية حينما ترين أنك غالية، واثقة الخطى حينما تثبتين قدمك بشموخ وارادة، قادرة حبنما تؤمنين بنفسك وبذاتك وان الله ماخلق شيئا عبثا، 

هذا العالم لايحيا بدونك ايتها المرأة لاتنسي ذلك .

 

اجراء الحوار..بسام فاضل 8مارس2017م

 

 

 

 

الحوار مع مبارك عمان هو حوار يجر إلى الكثير من الصدقية والمكاشفة الجريئة لا على مستوى طرحاته الفنية، أو أرائه الإشكالية في الساحة الفنية التشكيلية في المغرب، فهذا الفنان خريج المعهد العالي للفنون الجميلة والذي يوثر الاشتغال الحر بعيدا عن المدارس والمفاهيم التقنية، يبدو في مشواره ومشروعه الجمالي أشبه منه بالعصامي، عن الفنان صاحب التكوين الأكاديمي، مبارك عمان يبقى فنان إشكالي ومثير للجدل إلا أنه أحد الجادين والطموحين على مستوى الاشتغال وكثافته، وسعيه الحثيث إلى نشر رسالته الفنية، عبر معارضه ومدرسته الخاصة للفن أو حتى على صعيد اشتغاله الجمعوي مع الشباب

 

- كيف كانت بداياتك مع التشكيل؟

- لا أستطيع أن أتذكر، أو أن أحدد لك تاريخا محددا بدأت فيه الرسم، فمنذ نعومة أظافري أقول (تعجبني هذه العبارة يضحك) إلى اليوم، يصعب أن تضبطني في وقت أو مكان لا أخربش فيه على ورقة، الرسم هوايتي وحرفتي، طبعا بعد تخرجي من المعهد العالي للفنون الجميلة، دخلت الفن بشكل احترافي، وصرت أعطي لهذا اللعب اللذيذ بالألوان والأشكال جدية أكبر داخل حياتي، لهذا تجد أن المشروع الجمالي الذي أشتغل عليه، يمتح من متخيل الإنسان البدائي، الرسم على الكهوف تلك المحاولات الأولى للعنصر البشري في التعبير عن نفسه وأحاسيسه، الرسم لدي هو ذلك الإنصات الهادئ لصوت الأقاصي، حيث أتجاوز تعلماتي ومكتسباتي الأكاديمية، لأقول ما أمكن سؤال الإنسان العاري أمام الطبيعة والوجود، متخففا إلى الحد الأقصى من كل ما هو صناعي تفرضه العولمة على إنسان اليوم.

تستطيع القول أني أرسم الذات وسؤالها الوجودي الأول، ذلك السؤال الذي مازال علماء الفيزياء والطبيعيات يتكلمون عنه، كإحدى أهم الحلقات المفقودة داخل سلسلة العلوم الحديثة.. العلوم الحقة من رياضيات وكمياء لم تُجب إلى الآن عن سؤال واحد من أسئلة الإنسان الرئيسية، المتعلقة بماهيته ككينونة لهذا دعونا قليلا في ربوع الفن ومسروداته الجمالية، نوسع من هذه الأسئلة ونلتف عليها مثل ليمونة نقشرها من الحواف إلى أن نصل للب

 

- لماذا لديك هذا الإصرار على الاشتغال على “تيمة” الإنسان البدائي، وعوالم الحياة ما قبل الحضارة؟

- ما أحاول إبراءه في لوحتي هو سرد سيرة الإنسان، على مر العصور إنها أنطولوجيا تشكيلية تستدعي مشروعها لتحكي قصتنا جميعا، قصة هذا الكائن التائه في أزقة الحضارة الحديثة وحروبها المدمرة على الإنسان نفسه والبيئة.

 

- هل لك طقوس خاصة في الرسم؟

- عمليا لا يمكنني قول ذلك، فالفنان المحترف يمارس الرسم بشكل يومي.

أنا أحيا داخله وأمارسه بلذة وشغف وببعض الجنون، لا أستطيع القول إن لي طقوسا خاصة أثناء الرسم، لأنه مسيطر علي، فلست أنا الذي أذهب إليه، وأحضر نفسي له، بل هو شيء مسيطر علي يكفي أن أستيقظ حتى تجدني مع قهوة الصباح، أخربش (كروكيات) جديدة، الرسم هواي ومهواي، إنه خطتي لمواجهة العالم والحرب التي يقودها يوميا ضدنا جميعا.

 

- كيف ترى للفن اليوم؟ ما دوره؟

- الفن والثقافة ليسا ترفا زائدا، كما يروج لذلك بعض السياسيين اليوم والمتنطعين، بل الفراغ الحاصل في تأطير الأطفال والشباب بالفن والثقافة هو سبب هذه الآفات الاجتماعية.. الفن قادر على تحقيق الوعد الذي انفجر منه. شعب بلا فن أو قيم جمالية هو شعب ميت ومفلس في أرصدة التاريخ..

 

– مشروعك الجمالي يرتكز على أرضية فلسفية بينة وواضحة، وهو ما يثمر بصمتك الخاصة وتفرد أسلوبك، ماذا يعني لك هذا الحوار بين التشكيل والفلسفة؟

- الحوار بين التشكيل والفلسفة هو شيء لازم إنهما قطبا عملية يكملان بعضهما البعض، إن ما أعمل عليه هو رسم أسئلة تسيل فوق أرضية اللوحة ببعد جمالي، يجنب المتلقي ذلك المجهود الذهني المجرد، هنا أنتقل إلى تصوير بداوتنا وحميميتنا الخاصة والمفرطة. أقول ليس من الضرورة أن تكون خريج (كامبدرج) حتى تخامرك أسئلة الوجود والكينونة، إني أرسم تلك التساؤلات البسيطة والساذجة، التي تخامر أي إنسان في أي لغة وزمان، وأضفي عليها طابع الفتنة والسحر.. أجعلها محسوسة قريبة ناطقة عبر موسيقية اللون في تعبيرية حلمية شاسعة، داخل مربع اللوحة حيت أعمل على خلق فضاءات تشكيلية ثقافية يمكن لأي كان أن يجد فيها نفسه وأسئلته.

 

- كيف ترى لواقع الساحة التشكيلية المغربية؟

- لست ناقدا، ولا أعتبر من اختصاصي تقييم المشهد التشكيلي، عموما أنت أجدر مني علىفعل ذلك بكل حال.. أنا فنان مرسمي يبتلع ثلثي وقت يومي، إلا أني أستطيع الحديث عن بعض الظواهر غير الصحية التي تُخيم على الوضع أبرزها دخول كثير من المتنطعين للساحة الفنية، على أساس أنهم فنانين مستفيدين من عدم مواكبة قوية من النقاد للساحة وعدم وجود منابر إعلامية متخصصة، هناك فعلا فراغ مهول يسمح لهؤلاء المزيفين (فنانو يوم الأحد) بالتسيد بمرح على الصورة، مستغلين عدم تملك المتلقي العادي للمفاتيح الأساسية لقراءة اللوحة التشكيلية، تجدهم مختبئين وراء شعار النسبية، وعدم قدرة البعض التفرقة بين مدارس فنية كالسريالية والخزعبلات..

 

- هنا نطرح السؤال حول دور النقد ومدى مواكبته للمشهد التشكيلي؟

- لا أريد أن أدخل ذلك الطقس الحزين والمستهلك، بإعادة سرد كبوات النقد المغربي، حيت مازال يرزح تحت تأثير المجاملة والشللية .. النقاد الموضوعيين عددهم قليل، زيادة على استقدام البعض لجهاز مفاهيمي مترجم في نسخة رديئة، عن كتابات غربية حيت تفتقر للأصالة في مواكبة اللوحة المغربية، زيادة على هذا يصعب أن نمسك بيدين واضحتين مشروعا فكريا متناسقا لدى الناقد المغربي.. مقالات ومداخلات في جرائد وملتقيات تغلب عليها طابع الظرفية والمناسباتية، لقد تجاوز التشكيل المغربي مراحل بأكملها وقطع أشواطا كبيرة، حيت نجد اليوم أسماء صار لها هذا الانتشار البارز على الصعيد الدولي، إلا أنه للأسف النقد لم يصل بعد للمستوى المنشود في مواكبة الساحة التشكيلية. إلا أنه والشيء بالشيء يذكر الناقد المغربي أيضا يعاني من غياب مؤسسات فاعلة ومستقلة تدعمه، فمع قلة الجوائز الأدبية ورمزية قيمتها، إلى جانب عدم الاهتمام الواضح من الوزارة الوصية بهذه الفئة الدينامية داخل الحراك الثقافي المغربي. الناقد المغربي يشتغل بدافع ومقومات شخصية صرفة وهو ما يصعب معه توجيه اللوم والمسائلة له في ضل الوضع الهش الذي يعاني منه.

 

يرتبط الفن الفوتوغرافي عموماً بالمكان ارتباطاً عضوياً، ولا يستثني من ذلك حضور الإنسان وجوداً وارتباطاً، وليس بمقدور احد ان يحط من جدوى الصورة في أثارة الانتباه، فقد مارس الإنسان التصوير بشكل أو بآخر منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، وقد احتاج إليها منذ ان اخذ المجتمع البشري يتشكل، ولعل أقدم النماذج التي وصلتنا والتي عثر عليها ما تركه لنا السومريون منذ منتصف القرن الرابع قبل الميلاد. فالصورة هي تلك التي عرفناها بوصفها العمل التوثيقي الرائع الذي امتلك سر بقائها أو ديمومتها على نطاق واسع بين الأفراد والتجمعات الإنسانية، واتسمت بخصائص متفردة تجاوزت الأزمنة وعلقت بذاكرة الأجيال اللاحقة، بل هي تلك الإضاءة التي مابرحت تلمع من نسيج تنتمي إليه جميع الفنون الإبداعية، وهي لابد ان تكون كذلك؛ فقد تعلقت بقدر كبير من الجمال الذي أبعدها  قليلاً عن الواقع وان كانت محاكاة له، ولعلها تجلت عبر مسيرة طويلة من المواقف والأحداث والذكريات والمسرات والأوجاع، كما رافقت كل الحروب والهزائم التي شارك فيها الإنسان وشهدها التاريخ الحديث، وهي في المحصلة الأخيرة اتسمت باتحاد العين والعدسة " الكاميرا " واستأثرت باهتمام بالغ من قبل الجميع، غير إننا نجد في تعالق العين والعدسة صلة توفيقية بالزمن التقليدي الذي ينعكس على حياة الإنسان وطبيعة المكان بصورة عامة، في أي زمان ومكان، ومن هذا المنطلق كانت لنا وقفة مع الفنان والمصمم محمد إسماعيل النواس الذي يعد واحداً من الفنانين المعبرين عن المدرسة الواقعية في العراق، نظراً لما تمتاز به أعماله من وضوح وتوازن ودقة تبلغ حد الصرامة في تجسيد كل التفاصيل الصغيرة، يعمل بجدّ وصمت بالرؤيا وفكرتها، وأراد ان يتجاوز خطاب الصورة بعيداً عن ممارسة المهنة، فقد وجد في فن التصوير بعض السلوى، ووجد فيه فرصة للوجود والبقاء واثبات الذات، وهذا ما عمل عليه. والنواس فنان له حضوره الدائم في المشهد الثقافي العراقي، وغالباً ما نجده يلتقط صور من زوايا خفية بطاقة غير محسوسة، إذ لايمكن البرهنة على وجود الضوء كطاقة، إلا عندما يصطدم بجسم ما من حيث إن الانعكاس هو الذي يبرهن على الصلة الأولى، والذاكرة عند الفنان ان لم تصتدم بجسم ما، فالرائي هو الذي يدرك إبعاد الحيز ومعناه من خلال معادلة الضوء والجسم، حيث أنها تشكل معادلة مكونة من ثلاثة أبعاد وهي في الاخير تمتلك معناه. وهذا ماجعلنا نلتقيه في حوار عابر ليحدثنا عن أهمية الصورة وإبعادها الإنسانية .

* ما أهمية الصورة الفوتوغرافية اليوم مع ما نشهده من تطور هائل أحرزته التكنولوجيا، وهل تعتبر الصورة لغة؟ 

- في العصر الحديث ازداد الاهتمام بالصورة، حتى إن البعض يطلق على عصرنا هذا " عصر الصورة " لأن وسائل الاتصال المعاصرة أتاحت من وسائل العرض ما جعل الصورة بديلا  للكلام، إن لم تكن بديلا للواقع نفسه، وأصبحت تشكل صناعة محكمة لتوجيه الرأي العام بحيث تجعله ينساق إلى تصديق أمور أو تكذيب أمور أخرى دون رؤية أو فكر، فيشتري سلعا بدون وعي، ويضيع من ثرواته وأوقاته بدون وعي، لقد أصبحت الصورة ساحرة العصر الحديث وذلك لأن الصورة لا تحمل المعاني فقط بل توحي بالمشاعر والعواطف أو تصنعها، فهناك صورة توحي بالفخامة والجلال، وأخرى توحي بالفقر وسوء الحال، هذا الإيحاء المنبعث من الصورة يمكن أن يسمى مجازا - لغة، مثلما نقول مثلا : لغة العيون، ولغة القلوب، والمقصود أن هذا التركيب البصري قد يؤدي الوظيفة التي تؤديها اللغة، وهي التوصيل والتواصل، بل إن الصورة قد تؤدي هذه الوظيفة بشكل أعمق وأجود وأجمل من كثير من التعبيرات اللغوية، كما أنها تقوم بنقل الواقع في أسرع وقت. وكما هو معروف عن الممثل شارلي شابلن كان يقدم الفلم الصامت بالأسود والأبيض ولكن كان يرسل رسالة يفهمها الجميع.

* ما التقنيات التي تعتمدها في معالجة الصورة؟

- هناك العديد من المعالجات للصورة، وغالباً ما أركز على العينين مع الوجه بتركيز بالغ من أجل اضهار عناصر أخرى اقل أهمية من غير أن أهمل التركيز على اليدين والقسم الأعلى من الجسم فهما مفتاح الشخصية، ومما تجدر الإشارة إليه هو ان العدسات التي أعمل عليها في التقاط الصور هي عدسات ذو كفاءة عالية وغالبا ما تمتاز بسرعتها العالية وقدرتها الفائقة على التقرب من الجسم. كما لاننسى فقد طور الفنان من أدواته بعد الاستعانة بتقنية نظام البرنامج المعالج " الفوتوشوب " في إضفاء مسحة جمالية على الصورة وبث الأفكار وتوزيعها بما يتناسب والرؤية الفنية التي تحمل رسالة ما والتي  يجهد الفنان من إيصالها للمتلقي، فضلاً عن اختيار الزوايا الفنية " للموديل " لنحسس معناها للمتلقي.

* يقال ان الصورة التي تنتج بواسطة الكامرا التقليدية أكثر ديمومة من الصورة التي تعالج بالديجيتال ما صحت ذلك؟

- كامرا الديجيتال أكثر مرونة من حيث قدرتها على الخزن والمعالجة، وميزتها أنها ذات بعد بؤري أكثر سعة من الكامرا التقليدية، بالرغم من ميزة الصورة التي  تؤخذ بالكامرا بالتقليدية، وكما يقال أنها تدوم لمدة ماتئي عام تقريباً بينما صور الديجيتال في أحسن الأحوال لا تصمد إمام الزمن أكثر من خمسة وعشرين عاما، علماً ان التعامل بها غالبا ما يشتت المشاعر وينثرها في جوانب أخرى، فضلاً عن ما يسبب بضعف الذاكرة وتبعثر الحواس الشعورية والبصرية، ولكن يبقى الديجيتال أكثر قدرة وحيوية  في انجاز العمل وهذا ما يعطيه أهمية ومساحة تتسم بالسرعة والابتكار. ونحن أبناء هذا العصر فلابد من مجارته بشكل او بآخر. 

* من أين يستقي الفنان قيمه الجمالية في تشكيل الصورة الفوتوغرافية؟

- فن التصوير مدرج تستقر علية أفكار وخيال الفنان بحرية ليقدم ما شاء للمتلقي مما هو غير مألوف ليشعر بالإعجاب والسعادة وهذا جزء من طبيعة عمل الفنان، من حيث ان الكاميرا تتعامل  مع الحيز " المكان" وما يشتبك فيه من حركة وتفاعل مع الطبيعة والناس الذي يتميزون بخصائص متفردة جلهم من النخب الفنية والأدبية والفكرية الذي يخطون مساحات واسعة في المشهد الثقافي والحراك العراقي بكافة تنوعاته. حيث تجدني دام الحضور والمشاركة في فعاليات " المركز الثقافي البغدادي " يوم الجمعة، محاولاً تسجيل ما أمكنني من ذلك بالإضافة إلى المشاركة في بقية الفعاليات والمهرجانات التي تقام هنا وهناك من كل أسبوع، ولم تكن مشاركاتي لمجرد الاحتفاء بالوجوه المبدعة بقدر ما كان التركيز والاهتمام ينصب على ألفات النظر إلى قيم وجماليات المكان وما يحيط به، ولم استثني من ذلك تصوير الأمكنة والوجوه المتعبة التي طواها الغبار وأهملها النسيان. 

 

 

 

يعتبر الشاعر العراقي قاسم سعوي، من شعراء الحساسية الجديدة في القصيدة العراقية المعاصرة، هذا الشاعر الذي ضمن لنفسه ومتنه، مند وقت مبكر إقامة خاصة في تصنيف التميز، فبتمسكه الشديد بالالتحاف بفضيلة الاختلاف، وتنويع الجماليات داخل عمود قصيدته، يكون حقق ما به استحق هذا الانتباه النقدي الكامل لأعماله ومجاميعه الشعرية.

قاسم سعودي الشاعر والكاتب المتخصص في أدب الطفل، نرافقه هنا من خلال هذا الحوار، ليفتح لنا أبواب إفصاحه عن مضامين أساسية ورؤى كاملة في مشروعه الجمالي، ومواقفه من واقع الحال بالساحة الشعرية اليوم.

 

كبداية لهذا الحوا، ما فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة؟ خبرنا قليلا عن البدايات؟

- نعم، هي ورطة كبيرة، ورطة محببة وقاسية وهائلة، لكنها أجمل ما حصل في حياتي، ربما نص الحياة بمعنى أن تنظر إلى النجوم من ثقب في قميص شهيد، البدايات في الاكتشاف والتوق الأعمى إلى فتنة الشعر ثم فجأة تصطدم بجدار الرعب تدفع عربة الحلوى بعد أن تعود إلى المدرسة وتحلم أن تكتب نصاً شعرياً ينقذك من سخونة البلاد، لكنها كانت طفولة للتنقيب عن الرزق ومواصلة العيش وتسجيل بعض المقاطع اليتيمة التي كانت بالنسبة لي كيس هواء كبير في غرفة ميتة..

 

لديك رغبة عارمة في الكتابة، ما يوضحه غزارة إنتاجك؟ ماذا عن طقوسك الكتابية ؟

- لا أميل كثيرا إلى مصطلح “طقوس الكتابة” نحن لسنا كائنات ميكانيكية نكتب بصحبة الشموع والقهوة او نقترح جنوناً نمارسه لحظة الكتابة، أنا أكتب في العراء لا طقوس لدي سوى النظر إلى وجه النظر إلى وجوه الضحايا وهذا العالم الذي يدهسنا مثل قطار مجنون.

 

تقول “أنا أميل إلى الشعر كثيراً وأتمنى أن يميل عليّ” في منظورك ما وظيفة الشاعر اليوم؟

- حقاً هذا كل ما أتمناه أن يميل الشعر قليلاً عليَّ، وأظن أن وظيفة الشعر جمالية إنسانية هدفها الدفاع عن إنسانية الإنسان بعيداً الأغراض الشعرية المعرفة، قريباً من التنوير وملامسة ثنائية الأمل والألم بمشرط جراح ماهر لا يراه المريض .

 

 تكتب قصيدة مشبعة بروح الإنسان وبحركة الناس والأشياء والحب والحرب والموت والصوت الداخلي للضحايا الذي يتحول إلى قصيدة أمل ووجع خاص. أما زال الشاعر صوت شعبه، في وقت يتجه فيه شعراء قصيدة النثر لتفاصيل اليومي والاهتمام بالذات، بدل قضايا المجتمع وهموم الناس السياسية ؟

- الشاعر الحقيقي هو الذي  يصل بقصيدته إلى روح الشعر، عندها تكون قد وصلت إلى حنجرة الناس، تلك الحنجرة التي تضيء دواخلنا وتعمل جاهدة على ترميم الخراب والدفاع عن إنسانية الإنسان بمعنى أن تنظر من الخاص الذاتي إلى العام وتتفاعل معه. لا يمكن للشعر أن يغير شيئاً، لكنه يلامس ذلك الشيء، ولعله يجعلنا أجمل وأشجع في سؤال المحنة والمعنى والخلاص، وأظن أن المهم في الشعر هو وظيفته الجمالية التي تكمن في الدفاع عن الجمال والبراءة والحلم، ولا بأس أن يكذب الشاعر من أجل حياة أقل توتراً ورعباً ..

 

أنت شاعر وقاص دون مفاضلة، في أي الجنسين تجد نفسك أكثر؟

- لا أعرف حقاً صديقي، رغم فتنة الشعر التي تتلبسني والتي أحب والتي تجعلني أجمل، لكن من أكثر اللحظات دهشة وشغف، هي تلك اللحظات التي تكتب فيها نصاً للطفل، شعور عجائبي وسحري فاتن، لا تضاهيه رئة قصيدة مضيئة هنا أو هناك، على صعيد الشعور الداخلي طبعاً، رغم الإقرار بصعوبة الكتابة الجيدة والخاطفة لذهن الطفل ومزاجه وثقافته المكتسبة وذائقته العنيدة بعض الشيء.

 

أنت من المهتمين بأدب الطفل لك إصدار في الباب-  فاز بجائزة مرموقة عربيا – كيف تنظر لواقع هذا الأدب اليوم؟

- قلة الملتقيات النقدية الخاصة بأدب الطفل والورش والأمسيات الخاصة بالأطفال، الذي يكتبون القصة أو الشعر، قد يكون ملمحاً واضحاً في المشهد الثقافي العربي رغم الجهود المبذولة بهذا الشأن، الجهود التي أرى أن توجه بوصلتها نحو ضرورات تفاعلية أكثر وأعمق، وأقصد هنا إعطاء مسافة أكبر لحلقات نقاش عملية يشارك بها الأطفال أنفسهم، أطفال يكتبون، أطفال يناقشون، أطفال ينقدون، ثلاثية جمالية ستعمل بلا شك على خلق المناخ الإبداعي الكفيل بتطوير أدائهم القصصي والإنساني والمجتمعي، لذلك كان مشروعي التطوعي “تعال نكتب في بغداد ” لتعليم طلاب المدارس الابتدائية كتابة القصة القصيرة للطفل.

 

ماذا أضافت جائزة أثير الشعرية لقاسم سعودي؟

- جائزة أثير الشعرية أضافت لي الكثير، الرهان على قصيدة النثر ورائحة العاصمة العمانية مسقط تلك الرائحة التي تجعلك أجمل، رائحة الناس والأماكن والقلوب النبيلة، وأجمل ما حصل لي في الجائزة أن أمي الراحلة قد فرحت بها كثيرا، أمي التي لا تعرف القراءة والكتابة لكنها أشعر منا جميعاً .

 

في نصوصك ثمة دعوة جديدة لإعادة النظر في الكتابة الشعرية المضادة للحرب.. هذا هو قدر الجيل الشعري الراهن ،هل تجد أن الشعر العراقي يقرأ كشعر خالص متخلص من إقحامه في خندق أدب المقاومة أو الشعر السياسي؟

- أظنها ليست دعوة جديدة تختبيء في معطف أدب المقاومة أو غيره، بمقدار ما هي محاولة من أجل فتح الباب الخلفي للحرب، باب الضحايا الذين تركهم جثمان الشهيد، باب الندوب الكبرى والمصائب الكبرى والتفاصيل الصغيرة الكبرى في العائلة والمدينة والوطن، ربما نفشل في فتح هذا الباب أو ننجح، ليس هذا مهماً، نحن قراصنة نصطاد الدموع ونساعد الأيتام ونشعل نارا صغيرة قرب برد الوطن.

 

في مجموعتك الشعرية ” حين رأيتكِ أخطأتُ في النحو” نلاحظ اشتغالك على القصيدة الشعرية فلسفيا دون السقوط في لبس الغموض، ترى ما هو سبب اختيارك لهذا الاتجاه؟ وعلى ماذا تراهن؟

- لا أراهن على شيء، وربما المجموعة كانت مغامرة، والشعر مع المغامرة، إما بالنسبة للنافذة الفلسفية في مكنونات النصوص فقد خرجت هكذا مثل صرخة من فم طفل رضيع عفوية وصادقة ولا تتحمل الكثير من الغوص في الرؤى والاستبصارات المعرفية والجمالية بمقدار ما هي صرخة بسيطة أو لون بسيط في لوحة الخراب التي يطارده الأمل من أجل بعض الضوء.

 

 

 

 

يعتبر ستار نعمة أحد الفنانين العراقيين المغتربين، الذين وسعوا من أفق مشروعهم الجمالي، دون الارتهان للجاهز، أو التماهي مع المفردات الشكلية لمقولات الحداثة، فخريج أكاديمية "سانت جوست" ببروكسيل اختار مند وقت مبكر، الانزياح عن الخط العام للمفاهيم الفنية المدرسية، ليؤسس مسارا خاصا دالا عليه ومتفرد، ما جمل أكاديمية "سانت جوست" تتوجه بجائزتها إضافة لميدالية "فان كوتسيم" لأفضل عمل فني لعام 2013 .

في هذا الحوار نفتح كوة صغيرة مع تكبير الزوايا، للاقتراب أكثر من هذا الفنان، نساءل مساره ونتطرق لمحطات تظل لازمة في منجزه.

 

كيف تستطيع أن تخبرنا عن بداياتك الأولى مع التشكيل؟

- البداية كانت حين انتبهت إلى أن البصر حاسة خاصة تبتعد كثيرا عن باقي حواسنا، حاسة تشبه النافذة التي نطل من خلالها على الوجود، انتبهت إلى روعة الأشكال والألوان، روعة أن تشارك بعملية التشكيل تلك.

كيف تتعامل مع النقد؟خاصة أن كتابات كثيرة تراكمت حول منجزك؟

النقد مأطر للنتاج الإبداعي سواء كان تحليلا أو تأويلا، لا يمكن للمبدع أن يدير له ظهره، أتابع دائما ما يكتب عني وأشعر بالارتياح حين يتحدث الناقد عن جوانب لم اكتشفها في أعمالي، جوانب فنية أو فكرية، تدفع بي إلى التركيز و التأمل و والمعرفة .

في أعمالك ميلٌ واضح نحو التجريد،والنثر الحر للون، ما الفلسفة الكامنة وراء ذلك؟

- مرات كثيرة أشعر بأن الفن ساحة صوفية عظيمة للرقص والتحليق، التجريد يترك الحرية للروح أن تقول وأن تحمل الشكل واللون رموزا فلسفية بليغة، أرواحنا مجردة و وحيدة وغامضة، لذا فالتجريد يتيح لها هذه الفرصة بأن تطرح ثقل الغموض خارجا وتنثره ليتنفس .

اشتركت مع الشاعر المغربي طه عدنان في تجربة فوتوغرافية شعرية، كيف تستطيع الحديث لنا عن هذه التجربة؟ وعن حوار الشعر بالتشكيل؟

- تجربة المزاوجة بين أجناس الفن والأدب ليست جديدة وتجربتنا كانت امتداد لتلك التجارب، كانت تجربة جميلة، و طه عدنان شاعر شفاف و وجميل، التجربة منحت الشعر فرصة أن يلتقط صورا،والصورة كذلك،حفزت المخيلة الشعرية، إنها لذة المصاحبة،وقد شعر كل بها من حضر تلك التجربة التي أتمنى أن تتكرر.

لوحاتك محتشدة بالكثير من استعارات اللغة التعبيرية عبر وجوه الشخصيات الغائمة، وعبر ما توحي به أجسادهم المتشظية والغامرة، هناك وجود طافح للاغتراب ومستوى الإحساس به في لوحتك، كيف ترى لهذا الحضور في أعمالك؟

- لا أعلم إذا كان الاغتراب يغلف أعمالي، ولم أكن اقصد ذلك، لكن يبدو أن لا مفر من الشعور بخسارة الجغرافيا التي نبتت بها أقدامي، ذاك المكان الذي صنعني بمدنه و ناسه وتفاصيل تاريخه وتنوع الأشكال فيه، يا الهي كم أحب دوائره ومربعاته وخطوطه التي شكلتني، وعلى ما يبدو بأننا نمتلك ذاكرة خفية لا يمكنها مغادرة الجغرافيا الأولى، ذاكرة نشيطة تنضح منَا دائما، وبخصوص التعبيرية، فقد منحت ذاك الدفق شكله، دون أن أحاول اعادة تشكيل الحيرة لتنتج حيرة جديدة، أحاول تشظية الأجساد لكي أتأكد من صفة التشظي الذي هو جزء من كينونتها كما اعتقد، أنه استنطاق للشكل بعجنه أو بصفعه.

تحاول تعرية مرجعيات العنف الفلسفية والأيدلوجية والأخلاقية، وأعمالك هي رسائل في مواجهة الاستبداد والانغلاق الظلامي، هل تجد أن الفن اليوم قادر فعلا على النهوض بهذه الرسالة، بدل الارتهان إلى هشاشته الجمالية ومجاليته التعبيرية المتعلقة بالفرجة لا أكثر؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن الفن لا يمتلك مقومات التصدي باعتباره مخمليا وحالما، لكن لو حاولنا مثلا أن نهتم بتدريس الفن في المدارس والميديا مثلما نهتم بتدريس الديانات، أن نرصد للفن مؤسسات وميزانيات مثل التي تمتلكها المؤسسات الدينية والسياسة أو على الأقل بأن نعطي الفرصة للفن أن ينضج بيننا بدل القمع ولنرى النتيجة بعد ذلك .

ثم إني لا أعتقد أن الفرجة فعل هش وهامشي ؟ وأن المتفرج حين يمر من أمام عمل فني ينتهي منه بعد عبوره وكفى، شركات الإعلان فهمت اللعبة وهي تحشو أبصارنا بكل دقيقة لكي نستسلم بعدها ونلهث وراء السلع بلا شعور وبلا حاجة حقيقية لتلك السلع، طبعا أنا لا أريد للفن البصري مثل هذا الدور الخبيث والمخادع ولكن هنالك مفاتيح بأيدينا لا يجب إغفالها من أجل التصدي للعنف والرجعية والظلام.

تقول: أنه لا يمكن فصل الفن عن الفلسفة , الفن هو مزيج بين فكرة وجودية وفيض وجداني، ألا تخشى بهذا من تحوير فكرة الفن أو اختزاله في إرسالية أو تبليغية معينة لا أكثر؟

- (لايمكن فصل الفن عن الفلسفة) بمعنى أن الفلسفة من أهم مغذيات الفكر والفن، كما أن ربط الفلسفة بالفن لا يمكن أن ينزع عن الفن وجدانيته بل يدعمه، رحابة الفلسفة بخيالها ومنطقها هي الدعم الحقيقي للفن، ذاك النتاج المتمرد على الأشكال والأفكار والتقنيات، يحصل ذلك بمحرضات كثيرة، الفلسفة أهمها .

درست الفن والتصميم الطباعي ببغداد في الثمانينات، وأكملت دراسة الفنون التشكيلية في بلجيكا، كيف تستطيع الحديث لنا عن أجواء الجامعة العراقية في تلك الفترة؟

- الجميع يتذكر تلك الأيام بالكثير من الحسرة إنها مرتبطة أيضا بالشباب والحيوية وفورة الطموح رغم قسوة الواقع حينها، فالحرب لا تبعد سوى 100 كيلو متر عن بغداد، (أتحدث عن الثمانينات والحرب العراقية الإيرانية)، كنا نحاول اللحاق بأساتذتنا ونرسم صور مستقبلنا من خلالهم، نرسم ونتصنع السلوكيات العبثية باعتبارها شكل نمطي للفنان والمبدع في ذاك الزمان، نعشق وكانت لنا أحلاما كبيرة، وكنا نحاول أن نفتح نوافذ على المستقبل بأصابعنا وعيوننا وقلوبنا المليئة بالفن .

 

حاوره: عبد الواحد مفتاح

 

 

متحدثا عن تجربته مع ثور هايردال المخرج ناصر حسن: رافقت جميع مراحل بناء قارب دجلة في سلسلة من التقارير الاسبوعية للتلفزيون العراقي

اعتزازا بمرور اربعة عقود على تجربة قارب "دجلة" الذي صنعه الرحالة النرويجي "ثور هايردال" عام 1977 في مدينة القرنة وانطلق من هناك على متنه ليعبر المحيط الهندي ذهابا وايابا، جاء هذا الحوار مع المخرج "ناصر حسن" الذي رافق مراحل صنع القارب في مدينة القرنة عبر سلسلة من التقارير المصورة الذي كان يعدها للتلفزيون العراقي كما تابع القارب ايضا حينما وصل الى البحرين وتوقف هناك لعدة ايام، تحدث ناصر حسن عن تجربته مع هايردال وذكريات تلك المرحلة عبر الحوار التالي:

 

* انت ممن رافق توثيق بناء تلك التجربة عن قرب تحدث لنا عما تتذكره في تلك الايام؟

- قبل وصول البروفيسور ثور هيردال للعراق كنت صدفة استمعت له في لقاء براديو مونت كارلو وبقى الموضوع عالقا في ذهني، في عام 1977 ابلغني مدير تلفزيون بغداد الاخ جبار يوسف بان الوزارة تريد تغطية شاملة ومستمرة لعملية بناء القارب "دجلة" من قبل تور هيردال ومساعديه من موقع بناء القارب الواقع في مدينة القرنة، قرب دار الاستراحة عند شجرة آدم، على مقربة من ملتقى دجلة والفرات.

قمت بتشكيل فريق التصوير المكوّن من المصور المبدع الراحل جبار غريب ومساعده ستار جبار ومساعدي علي ناجي وصودف انه لم نحصل على سيارة من التلفزيون لذا ذهبنا للقرنة بسيارتي الشخصية فوكس واكن. 

 

* ماذا اعددتم عن تلك التجربة؟

- قمنا باعداد تقارير اسبوعية تبث كل جمعة تحت عنوان (القارب البردي)، وانجزنا فلما يصل لحوالي 50 دقيقة يوثق تلك التجربة. انذاك كان التصوير الخارجي بالتلفزيون سينمائيا ملونا قياس 16 ملم وحققنا ذلك اسبوعيا ولمدة 6 اشهر مما عرفنا المشاهد العراقي على تفاصيل مشروع ثور هيردال عن الفكره والهدف ومراحل بناء القارب. كنا نعمل المستحيل من اجل انجاز العمل، انذاك لم يكن هناك ستلايت واتصالات متطورة، كنا نصور الشريط السينمائي ونرسله بالطائرة الى بغداد ويتم تحميضه وطبعه وبثه.

 

* انت وفريقك هل رافقتم هايردال على متن القارب؟

- رافقنا هايردال في بداية انطلاق القارب من القرنة وتركنا القارب بعد وصوله للمياه الاقليمية، ثم حينما توقف القارب في البحرين ذهبنا الى هناك من اجل تغطية القارب وبقينا عدة ايام نرصد القارب من خلال التقارير، وكان يفترض ان نرصد وصول القارب الى مصر ولكن هايردال احرقه قرب جيبوتي احتجاجا على منعه من عبور تلك المنطقة الا برفقة قطعات عسكرية. اعتزازا بما نقوم به من تغطية اعلامية اهداني هايردال نموذجا مصغرا من القارب فقدته للاسف حينما غادرت العراق لاحقا.

 

* هل ذلك الارشيف المصور الذي قمتم بانجازه عن القارب والذي استمر لعدة اشهر لازال موجودا؟

- للاسف الشديد لا امتلك شيئا من ذلك الارشيف، على الاغلب انه مفقود، اتمنى على كل من يعرف شيئا عن تلك المواد الفلمية او يعثر عليها ان يقدمها للجهات المعنية.

 

* كيف شاهدت القارب؟

- القارب بني من القصب والبردي، يبلغ طوله 18 مترا، وعرضه 6 امتار، صنع له هيكل من الخشب الصندل ليكون اشبه ببيت داخل القارب، تم تحشيته بباقات من البردي، كان يرأس الفريق العراقي الذي يساهم بصناعة القارب من عرب الاهوار الحاج كاطع من اهالي القرنة. كان برفقة هايردال في صناعة القارب اربع من سكان امريكا اللاتينية، وكانوا من الفلاحين الذين يعيشون باجواء مشابهة لاجواء الاهوار وتعاملوا مع البردي وكانوا ذوو خبرة جيده واتذكر انهم من بوليفيا وكانوا بعيدين عن الحضارة قياسيا باهل الاهوار. كان شراع القارب يحمل صورة لزقورة اور والشمس، هايردال كان يردد بان الشمس تعني الشرق.

 

* كيف كان تفاعل العراقيين الذين يشاهدون هايردال وهو يبني القارب ويبحر فيه؟

- كان الناس يشاهدون بشغف مراحل بناء القارب عن قرب، كانوا يزورون موقع بناء السفينة باستمرار، من البصرة ايضا قدمت بعض المجموعات لمشاهدة ما يحصل وبينهم صحفيون وكتاب. حينما انطلق القارب ايضا من القرنة استقبل من قبل جماهير البصرة في شط العرب باحتفالية كبيرة، الكل مبتهجون ويطلقون منبهات السيارات والقوارب.

 

يذكر ان الفنان ناصر حسن متخرج من كلية الفنون الجميلة في بغداد قسم المسرح عام 1971. عمل مبكرا في الاذاعة والتلفزيون مخرجا للعديد من الاعمال المسرحية، البرامج، المسلسلات والافلام. شارك في عشرات المهرجانات الفنية في داخل وخارج العراق.

حوار - جمال الخرسان

 

 

الشاعر والمترجم العراقي المقيم بالدانمارك قحطان جاسم ولد عام 1952 في العراق. نشر أولى نصوصه في طريق الشعب عام 1977.

ساهم بأصدار مجلة ثقافية (الموقف الثقافي) صدرت في سوريا عام 1985. نشر العديد من القصائد والمقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية. نشر العديد من الترجمات عن الموسيقى، الفن، السينما والشعر.

صدر له كتاب (نظرة في تأريخ العراق السياسي الحديث) 1992. له ديوان (رؤى في مملكة الغياب) صدر عام 1992. وديوان (تجليات العزلة). وآن الذهول، شظايا الوقت.

يكتب في الصحافة الدانماركية، وحاصل على شهادتي ماجستير واحدة في علوم الدولة والعلاقات الدولية 1998 والثانية في العولمة والاندماج 2005.

أنهى أطروحة الدكتوراه في تحليل (خطاب الاسلاميين والديمقراطية في العراق ومصر) 2010.

 

 

1- ما فاتحة النص الذي ورّطك في عالم الكتابة؟

- أن الاجابة عن سؤال كهذا يتطلب استعادة حياة كاملة...حيث عشت طفولة مرتبكة متوزعة بين مدن تتغير رافقتها عاطفة ساذجة تبحث عن حنان مغّيب ..وحنين دائم عن أمان مفقود ..أسئلة غير مكتملة أو واضحة المعالم عن عذابات لا دخل لي فيها أو كنت مرغما أن اعطي رأيي في وقت مبكر عنها ...الخوف من أنهيار العائلة ..موت مبكر لاخت لم تبلغ الأربعة اشهر ..أب متبرم يتهكم من كل شيء حتى من طفولتنا .. ودوره في توريطي بالكتابة ...كان أبي يكتب الشعر الشعبي "الابوذية "-  نوع من الرباعيات الشعرية تكتب باللهجة العاميّة في العراق -  وكانت له مكاتبات مع شعراء من مدن أخرى، وكان كثيرا ما يلقي على مسامعنا ونحن صغارا بعض تلك الابيات وهي تصف محنته وأحزانه ومسيرة حياته ..كان يجمع تلك الاشعار في دفتر خاص وقد تسنى لي أن اتلصص على ذلك الدفتر وأقرأ بعض اشعاره ..لم تدم تلك المتعة اذ اكتشفها ذات يوم فقام بتمزيق الدفتر بكاملة وكان في حالة من الغضب لا انساها ابدا ...ربما لانني أكتشفت بعض اسراره ورأى في ذلك أنهيارا لكبرياءه االبطرياركي..ولا ننس تلك الدموع المكتومة لأم كانت ترى في أنصياعها الى الله الحل الامثل لكل المحن......أذن يمكن القول أن كتاب الحياة هو الذي ورطني كما غيري في محنة الكتابة .

 

2- كيف كانت بدايتك الأولى في النشر؟

- البدايات دائما مغلقة وعصية ..لا اعرف اين قرأت ذلك ..ولكنها حقيقة .المرأة هذا المخلوق السامي والاجمل من بين كل المخلوقات هو الذي فجر في داخلي ينبوع الكلمة ..اذا لم أقل الشعر..كنت في الثالثة عشر عندما استعرتُ كتاب الانكليزية المدرسي للصف السادس الابتدائي من أمرأة شقراء كانت تكبرني بعشر سنين،لقد سحرت بجمالها فكتبت لها قصيدة ووضعتها بين دفتي الكتاب ..ومنذ ذلك اليوم لم أتحدث الى تلك المرأة وتحاشيت تماما اللقاء بها .ونسيت القصيدة التي كتبتها لها . بقيت صورتها في مخيلتي لسنوات وكنت ارتعش كشجرة كلما مر طيفها بذاكرتي ..لا يمكن تسمية تلك المحاولة كبداية عقلانية أو اختيار ذاتي لكتابة الشعر بل شعور أنساني عفوي .. تكررت المحاولة بعد سنوات عندما اقيم مهرجان شعر عام 1969 وكنت حينها طالبا في المرحلة الاعدادية ..كان المهرجان تحت أشراف "الاتحاد الطلابي" التابع للسلطة . قدمت للجنة المهرجان قصيدة حب ولانني لم أكن عضوا في الاتحاد فقد رفضت قصيدتي ولكن عبرعلاقات صداقة تم قبولها، لكنني قرأت قصيدة سياسية بدلا عنها ..وقد تعرضت بعدها للمساءلة ..كانت مغامرة غير ذكية ....في السبعينات عندما كان الشاعر سعدي يوسف مشرفا على برنامج للشعر في الأذاعة العراقية غامرت بارسال قصيدة الى البرنامج،التي اعتبرها التجربة الحقيقية الشعرية الاولى في حياتي وتم قراءتها من الاذاعة ..كنت أترقب البرنامج كطفل يترقب ايام العيد ..لا يمكنني وصف حال الفرح الذي تملكني آنذاك... ثم مرت بضعة سنوات حتى نشرت اولى قصائدي وكانت في الطليعة الكويتية وطريق الشعب العراقية..

 

3- ماذا عن تفاصيل طقوس كتاباتك؟

-  الكتابة عميلة معقدة ..قد انهض قبل االثلث الخير من اللليل وفي رأسي فكرة او مقطع شعري فأسجلها..واحيانا أعدّ نفسي لكتابة قصيدة في وضح النهارعن موضوع أختاره مسبقا..الكتابة معاناة شأنها شأن اي عمل أبداعي لانها توحد تام مع الذات ..لا أحد يشاركك الفكرة عندما تكتب ..أنها الفرصة الوحيدة التي يختلي فيها الانسان تماما مع نفسه..أنا بطيء في الكتابة اذا لم أقل كسولا ...بالنسبة لي القصيدة لا تكتب مرة واحدة ولهذا فانني كثيرا ما أعيد كتابة قصائدي وأغيّر فيها وربما يوضح هذا الأمر أبتعادي عن النشر أو ندرته .. يمكنني أن أنقطع فترة طويلة متوحدا مع الكتابة والقراءة اذا ما قررت أن أنجز عملا ما، منفصلا تماما عن كل ما يجر ي في العالم ...أميل الى الألمام الممكن بالموضوع الذي أود الكتابة عنه او الانشغال به وهذه واحدة من نواقصي أذ انني لا اكتفي بقراءة الموضوعات منقولة عن آخرين ولدي رغبة دائمة بان اذهب الى المصدر الاصلي ..مما يجعلني أضيع في تفاصيل لم تكن في الحسبان ..ولهذا أحسد احيانا بعض الكتّاب الذين لديهم القدرة على النشر بمجرد انهم اطّلعوا على بعض الكتب او الدراسات ..

 

4- كيف تنظر إلى الشعر العربي؟ ماذا عن حاضره ومستقبله؟

- لم يعد الشعر ديوان العرب لكي يصف حالهم وأحوالهم ...فقد حلت سبل وطرق جديدة للتعبير عن ذلك....رغم أن التصاق العرب بالشعر أمر تاريخي ..ولكن لأننا موصوفين بأعتبارنا أمة صوت فلا يمكن لنا أن نتوقف عن كتابة الشعر..لكن ابداع الشعر موضوع آخر ..فتمكنك من كتابة قصيدة لا يعني أنك ابدعت قصيدة .. الشعر العربي في حالة أزدهار مضطرب ..ما أعنيه هنا ..هناك نشر واسع ..كثرة تكتب الشعر وتنشر بدون تحفظ وبصورة لم يسبق لها مثيل ..لكن القليل ممّا ينشر يمكن تسميته شعرا .ثمة مشكلة ..لقد غابت أسماء كبيرة وهذا الغياب خلق أرباكا وحالة فراغ ...هذا لا يعني عدم ظهور أسماء جديدة تمكنت من أن تتبوأ مكانتها الشعرية الراقية بل يعني  أنحسار القلق الوجودي والمعرفة الشعرية لدى العديد من كتّاب الشعر ...على الرغم من ذلك فأن الشعر العربي سيواصل طريقه ويفتح أفاقا جديدة بفعل الخزين الهائل الذي تمتلكه الشعوب العربية من تراث أدبي وشعري ومعاناة حسيّة ومعايشتها لهزّات معرفية هائلة .

 

5- في ظل الجدل الدائر حول قصيدة النثر ودورها في المشهد الثقافي العربي ومستقبلها، هل تعتقد أن هذه القصيدة مؤهلة للبقاء وكيف ترى حظوظها؟

- ألاشكال الادبية والفنية شأنها شأن نماذج الحياة ذاتها في حالة تطور وتجدد. تموت وتحيا بفعل عوامل كثيرة ..قصيدة النثر في سياق تطورها وأزدهارها اللاحق لم تمثل أستثناء من قانون الموت والحياة هذا....يمرّ العرب بمخاضات فكرية وحضارية وأجتماعية كبيرة.. العالم أصبح أكثر من أي وقت آخر في متناول اليد ..وقد رافق هذا الأنفتاح سيل كبير من المعارف والتجارب الانسانية، حيث البحث الدائم عن الحرية والابداع والتجديد..قصيدة النثر جاءت لتبقى..أنها وليدة مخاضات وتحولات ثقافية وادبية لم تعد الاشكال الشعرية السابقة قادرة على احتواءها أو ربما قصورها في تمثل هذه التحولات..قصيدة النثر هي قصيدة النزوع الكلي نحو الحرية ..بيد أن هذا النزوع نحو الحرية تم أساءة أستخدامه ..فبدون توفر شروط هذه الحرية تغدو ممارستها شكلية في الواقع العملي أو الكتابة وأدعاء سطحيا لا يلمس معنى الحرية. ..لذلك نرى بعض الشعراء عندنا، الذين حاولوا التشبه بسلوكيات شعراء وأدباء أوروبيين كانوا قد مارسوا حياتهم بحرية قصوى، قد فشلوا في نقل تجربتهم وسلوكهم وأفكارهم لسبب بسيط هو غياب الحرية عندنا في شكلها الاجتماعي أو السياسي .. يمكن القول أن هناك أستثناء ..أذ يمكن الاشارة الى ثلاثة مبدعين عرب مارسوا الحرية حياة وكتابة وهم محمد شكري من المغرب، عبدالأمير الحصيري وجان دمو من العراق ..ولذلك جاءت تجاربهم الحياتية والدبية صادقة واصيلة .. تجربة جان دمو الشعرية تحتل مكانة خاصة في قصيدة النثر لانه مارس الحرية في الكتابة والحياة كما أحسهما وعاشهما تماما مدعومة بمعرفة عميقة بحرفيات الادب.. أود تكرار ما قلته في مكان آخر: الشعر معرفة كما هو موهبة وأحساس متقد وذهنية متأملة .. ما نقرأه من شعر اليوم يمر بمخاضات عديدة وصعبة ..كانت القصيدة العمودية وقصيدة الشعر الحر تفترض قيودا لغوية وعروضية، ولذلك كانت الكتابة صعبة وتتطلب مرانا وتجربة ومعرفة .. استسهل البعض كتابة قصيدة "النثر" بسبب تحررها من قيود العروض، واعتقدوا أن قصيدة النثر ستتيح لهم بفعل تحررها من الاشكال والقيود أن يصبحوا شعراء بحيث أن كلّ شيء متاح لهم..من حق الناس أن تكتب ما تشاء فلا وجود لقضاةٍ على الشعر ..الا ان كتابة الشعر عملية معقدة..معظم ما يكتب اليوم هو نصوص .وليس شعرا ..محاولات تجريبية تقوم على تلفيق لغوي ساذج خالي من اي معنى وتجربة..وأقل ما يمكن ان نطلق عليه، أنه شعر الحِكم...والسرد ..شعر وصفٍ لا يمس تعقيدات الظواهر الوجودية والانسانية بل يبقى معلقا عند غلافها الخارجي السهل.. وهو أمر معيب ويحط من قيمة الشعر ..

 

 6- لك إطلاع كبير بالأدب الدنماركي،راكمت العديد من الترجمات من هذا الأدب للعربية؟ ما الذي جذبك لهذا الأدب؟ وهل هناك نقاط تقاطع أو تشابه بين بنية النص العربي والدنماركي؟

- لا أدعي أن اطلاعي شاملا على الادب الدانماركي ولكن يمكن القول أنني سعيت أن اتواصل معه عبر علاقات مع بعض الادباء أنفسهم أو قراءة الاصدارات الادبية والثقافية في الدانمارك .. ان ترجماتي لا تزال متواضعة رغم أنني نشرت العديد من الترجمات لشعراء وأدباء دانماركيين ولي ترجمة جاهزة للنشر لمختارات شعرية دانماركية..ما يجذبني للادب الدانماركي هو عمقه ..انه يتعامل مع المعنى ويتناول قضايا الانسان الخالدة ..الحرية، الموت، الحب والخديعة، الانتحار وغيرها. لا يمكن المقارنة بين بنية النصوص لمجتمعات مختلفة ..فطريقة الكتابة واللغة التي تكتب بها النصوص تلعب دورا كبيرا في بنية النص..لكن يمكن العثور على هذه التقاطعات في القضايا التي يتناولها النص العربي والدانماركي ..الأثنان منشغلان بقضية الوجود والانسان والطبيعة والكون والله..يمكننا العثور على بعض المساعي في االادب الدانماركي لنقل تجارب من النص العربي وثيماته وهذا ما نراه واضحا في بعض كتابات سورن كيرككورد حيث يستخدم فن الحكاية المعروف لدينا في التراث العربي وخصوصا في ألف ليلة وليلة، والمعروف أن كيرككورد كان يقتني كتاب الف ليلة وليلة في مكتبته..كما أن هناك تقاطع بين رؤية كيرككورد الى االله والحب وافكار المتصوفة العرب وكتاباتهم ..كما نرى التأثر الواضح بألف ليلة وليلة ايضا في كتابات ه.س. أندرسن..أما من الادباء المعاصرين فيمكن أعتبار الشاعر أريك ستينوس الذي كتب قصيدته الشهيرة عن بغداد واحدا من الذين تأثروا بالنص العربي..وحسب علمي لا توجد دراسات مقارنة حول هذا الموضوع ..وللعلم فأن النص العربي غير غائب عن المكتبة الدانماركية ..فنصوص كملحمة جلجامش، المعلقات السبعة، الف ليلة وليلة، نصوص من الشعراء المتصوفة والكثير غيرها مترجمة الى اللغة الدانماركية ..

 

 7-  ما مدى تواصلك مع الوسط الشعري العراقي وأنت بعيد.. وما مدى تواصلك مع الثقافة الدنماركية؟

- قراءتي للشعر العراقي والعربي عموما لم تنقطع كما أنني اعرف الخريطة الشعرية العراقية بصورة جيدة كما أتابع الدراسات النقدية الشحيحة التي تصدر هنا وهناك ..ولي صداقات واسعة مع أقراني من الشعراء ..كنت أستغل فرص سفراتي السياحية الى المغرب ومصر وتونس لكي اقتني من الكتب التي تساعدني على الاطلاع على ما ينشر في العراق..في السنوات الاخيرة تفضل العديد من الاصدقاء الشعراء من ارسال بعض دوواينهم وكتاباتهم لي ..واليوم تتوفر فرصة اكبر لقراءة ما يكتب بفعل الانترنت وادوات الاتصال الأخرى. أعتبر وعيي نتاج ثقافات متعددة ..لكن تواصلي مع جذور ثقافتي بقي متواصلا رغم انني توقفت عن الكتابة لفترة طويلة باللغة العربية واكتفيت الكتابة بالدانماركية ..أجدني اكثر تحررا عندما اكتب بلغتي الام ..ولهذا كتب الروائي والشاعر الجزائري مالك حداد الى أمه : أني ارطن يا أمي" تعبيرا عن معاناته حين يكتب باللغة الفرنسية.متابعتي للثقافة الدانماركية جيدة ومتنوعة ..لأن فيها الكثير..في الدانمارك اكثر من الف دار طبع ونشر.. والترجمة من كل انحاء العالم جارية على قدم وساق ,ويتم ترجمة الكتب التي تصدر في العالم وبلغات عديدة الى الدانماركية وهذا ما يتيح لي أن اطلع على الكثير من المعارف المنقولة اليها اضافة الى ما تتيحه لي قراءاتي بالسويدية والنرويجية والانكليزية .

 

 9- كمترجم كيف تعيش مغامرة نقل متن من لغة إلى أخرى؟ خاصة من الدنماركية التي طالما اعتبرت لغة بعيدة وملغزة وغير مقروءة لدى القارئ العربي ؟

- اللغة الدانماركية واللغة الاوربية عموما هي لغة رياضيات ..لكن هناك مرونة فيما يخص الكتابة الادبية ويمكنك أن تقرأ خروجا على قواعد اللغة في العديد من النصوص دون أن يقابله ذلك أستهجانا .. اذ يبحث النقاد والمختصون في دواعي هذا الخروج ويسعون لتأويله وتفسيره باعتباره جزء من العملية الادبية ..وهذا غير ممكن بالنسبة لنا في العربية لأرتباط الللغة العربية بالمقدس، أي هناك العديد من التابوات التي تمنع من أي محاولة تجديد أو خروج على ما تم صياغته قبل 14 قرنا. هذه ليست دعوة للفوضى كما قد يخيل للبعض ولكن دعوة للنظر في التحولات الجارية في علم اللغة الأتصال واشكال الكتابة ..الترجمة نشاط ابداعي ومعرفي ..وهو نشاط صعب ويتطلب صبرا كبيرا .. من مميزات اللغة العربية وجود غنى المترادفات اللغوية لكن هذا قد يخلق مشكلة في الترجمة ..فالترجمة ليست تعويض كلمة بمفردة أخرى شبيهة لها بل تتطلب معرفة كاملة بالنص وحيثيات كتابته..وأود أن اعطي مثلا ملموسا على ذلك هو صدور أنطلوجيا عن الشعر الدنماركي كانت مليئة بالأخطاء كما أن ترجمة سورن كيرككورد عن لغات أخرى غير الدانماركية أعتبره عملا بلا فائدة ..فمثلا يميز سورن كيرككورد بين كلمة angst وfrygt اللتين يتم ترجمتهما عربيا الى "الخوف " وهي كارثة ..لأن كل فلسفة كيرككورد تميز بين هذين المفهمومين ..وعدم ترجمتهما بصورةى صحيحة يعني الاضرار بكل فلسفته. كما ان هناك مفردات لا تتوفر سوى في اللغة الدانماركية لما لها من مرونة كمثال على ذلك مفردة menneskelige

 والتي تعني" أنساني" الا أن سورن كيرككورد يقسمها الى نصفين وهو يتحدث عن قضية الحب فيقول menneske-  lige

بمعنى أن البشر متساوون وهذا الامر يصعب ترجمته دون معرفة باللغة الدانماركية.

 

10- إن الاغتراب لَيحْضُر، بكثافةٍ، في الأدب والفن، ويدخل في نسْج خيوط بنية الأدباء والفنانين على اختلاف مستوياتهم العلمية، هل تشكل الغربة تيمة في كتاباتك؟

- الاديب والشاعر هو أنسان قبل أن يكون أي شيء أخر..وتدخل القضايا التي تشكل تحديا لوجوده في نصوصه..والاغتراب يمكن ان يتحقق وانت تعيش في وطنك أو بين اقرب احبائك..أما الغربة، اي النزول في ارض أخرى وبين بشر لا تشاركهم ثقافتهم او لغتهم فانا لم اشغل نفسي بهذا الموضوع مباشرة ..ولكن عدم الانشغال لا يعني غياب الاحساس بالغربة ومعاناتها ..ولهذا يمكن القول انني تناولت الأغتراب أكثر مما تناولت الغربة ..الغربة حققت لي حرية أكبر في الكتابة ومنحتني خبرة ووسعت من آفاقي الشعرية والفكرية والانسانية ..

 

11- أطروحتك للدكتوراه كانت عن (خطاب الإسلاميين والديمقراطية في العراق ومصر (كيف تنظر لهذه الموجة من التيارات الإسلامية التي اجتاحت العالم العربي مباشرة بعد ما سمي بربيعه؟ ألا تخاف على منجز القصيدة العربية من هذا الخريف الذي يهدد بالرجوع إلى فترات ما قبل الأسئلة التي أنتجت بنية القصيدة ؟

- لقد أُطلقت على أنتفاضات الربيع العربي خطأ أسم "الثورة" ..ولهذا من الضروري أولا ان نتفق على تعريف للثورة..الثورة تعني تحولات بنيوية جذرية في المجتمع والثقافة. ولهذا فأن الربيع العربي ليس ثورة بل خاتمة ممكنة للأزمات المستعصية التي مرت وتمر بها الحكومات العربية ..وهي أزمات لا تزال سارية ..وتنخر في جسد المجتمعات العربية بعمق.. لم يكن مستبعدا صعود التيارات الاسلامية ..فهي لم تغب عن الساحة ولم تواجه مستوى القمع الذي واجهته القوى السياسية الاخرى خلال العقود الاخيرة . هذا لا يعني أن بعض وجوهها السياسية لم تتعرض للملاحقة بل يعني أن الحركات الاسلامية كانت تتمتع بديناميكية أكبر للحركة والتوسع بين الجماهير وبعلم الدولة ذاتها. لقد ساهمت الحكومات العربية، التي غالبا ما يوجه لها الاسلاميون النقد االحاد بأعتبارها حكومات علمانية، بنشر الدين والحفاظ على البنية الثقافية الدينية عبر أنتهازية غبية للموازنة بين القوى السياسية ولتقويض نشاط القوى الديمقراطية والعلمانية، التي تعتبرها هذه الحكومات الخطر الحقيقي على وجودها..الحكومات العربية التي قامت بعد الاستقلال هي دول تنمية وتحديث وليست حداثة ..فالحداثة تتطلب تحقيق الحرية الشخصية للمواطن وفصل الدين عن الدولة.. ألا أن ما قامت به حكومات ما بعد الاستقلال هو قمع الحريات وتوسيع القاعدة الثقافية والاجتماعية الدينية عبر تعزيز دور المؤسسات الدينية الرسمية ـ التي تمثل بحد ذاتها مصدرا حقيقيا للقوى الاسلامية. ومثال على ذلك يمكن الاشارة الى الدور الذي لعبه الأزهر في مصر،منذ جمال عبدالناصر وحتى مبارك،في الحد من انتشار الفكر النقدي للدين..كما انه ساهم عبر أقامة مئات من المدارس الدينية بتخريج الآلاف من الطلبة والائمة، الذين ساهموا بنشر الفكر الديني..وقد لمسنا نفس الامر في دول عربية أخرى حيث لعبت المؤسسات الاسلامية بدور نشط في الحفاظ على البنية الثاقفية الدينية وهذا يعني أن الافكار الاسلامية لم تغب لحظة واحدة عن دورها الفاعل في المجتمع العربي وبقيت تمارس دورها بأعتبارها الحاضن الاساسي للبنية الثقافية التقليدية في المجتمع العربي،حتى حين تعرض التيار الاسلامي في سنوات معينة الى الملاحقة من قبل السلطات، بينما لم تتوفر نفس الفرصة للقوى السياسية العلمانية الاخرى التي كانت تتبنى افكارا ومفاهيم حداثية يمكن القول عنها أنها تمتاز ببعض غرابتها عن المحيط الثقافي العربي وتحتاج الى وعي ومعرفة اكبرلهضمها من قبل الجمهور..أضافة الى ذلك فأن القوى الاسلامية وجدت لها دعما اقتصاديا كبيرا من قبل دول أخرى لها مصالح مشتركة بنشر الفكر الديني المحافظ لم يتحقق لقوى أخرى. لكن صعود الحركات الاسلامية لا يعني أختفاء الازمات في الوطن العربي، بل بالعكس يعني تعمقها واشتداد حدتها ..لانه لا يمكن اقناع المواطن العادي عبر شعارات تحشيدية بلاغية ودينية ..المواطن يريد حلا ملموسا لمشكلاته المستعصية في قضايا السكن والعيش والدراسة والحريات السياسية وغيرها ..وهنا فان الاسلاميين سيقعون في ورطة اما الاكتفاء بأتباع أيديولجيتهم الدينية وشعاراتهم التهييجية وبالتالي الفشل في تقديم حلول عاجلة للازمة، او الانصياع الى الامر الواقع والاقرار بعلمانية القرارات السياسية التي تتطلب مشاركة اوسع تقوم على مفهوم المواطنة وفصل الدين عن الدولة وفي كلا الحالتين فانهم الخاسرون مستقبلا...لانهم سيقعون في تناقض مع أنفسهم والجمهور ..بالمقابل يتطلب من القوى العلمانية والديمقراطية ضم القوى الاسلامية وعدم عزلها باعتبارها قوى تمثل جزء من الواقع القائم..وبالتالي عدم تغريبها وجعلها في حالة حوف دائم من المستقبل .

 أنني ارى في هذه التحولات رغم كسوفها وارتدادها حاليا جانبا ايجابيا ..لقد فتحت عين المواطن العادي على اهمية الحرية ..وفي مجتمعات يشكل فيه الشباب اكثر من60% من مجموع السكان فأن شعار الحرية سيكون هو الشعار الاكثر اهمية لها مستقبلا، وهذا بحد ذاته يخدم الابداع عموما والقصيدة العربية خصوصا لانه سيوفر مناخا اكبر، اي مناخ الحرية التي لا يمكن بدونها أن يتحقق ابداع حقيقي..

 

 12- في كلمات:

 محمود درويش: شاعر تمكن من استعادة وطن لم يكن ممكنا استعادته على أرض الواقع..كما انه اسس لقصيدة الحشد .. القصيدة التي لا يمكن التمتع كليا بها الا مع الجمهور.

 حميد العقابي

 شاعر وروائي يسعى عبر كتاباته أن يتحرر من آهوال الخوف التي تركها القمع في بلده العراق على روحه وايضا التحرر من التابو والثقافة التي ترفد ذلك القمع .

 الدنمارك

بلد الحرية والمعرفة وبلدي الثاني الذي منحني ما عجز ان يمنحني أيّاه بلدي الاول العراق ..

Lis Lindebæk Jasim

زوجتي وحبيبتي التي علمتني أن اصغي الى انسانيتي وأن احب الآخر بدون أن يتضمن هذا الحب مشاريع الربح والخسارة.. ساعدتني أن ارى ومضة الامل المشتعلة في الحياة رغم كل ما يحيطها من موت وخراب وكراهية .

القصيدة

وجعٌ كلي ّ وتبصر دائم في الكون والأنسان والوجود

 العراق

 الوهم الذي لا يغادرني ..

 

حاوره عبد الواحد مفتاح

 

 

الهوية الملتبسة من الظواهر التي تقود نشاط الإنسان في المجتمع المعاصر، فإذا كان المكان هو الذي يساعد على بلورة الشخصيات والمجتمع سابقا بسبب ضعف الحركة وبطئها واستغراق وقت طويل للتنقل، فإننا اليوم نعبر القارات بلمح البصر، ونعيش في مكان ونفكر بغيره. ويبدو أن الهوية الملتبسة واضحة في معاناة الإنسان العربي، لاسييما أن العرب أمة موزعة على دويلات. وهذا يختلف عن الأوروبيين. فهم شعوب توزعوا على دول مستقرة، وأول دليل على ذلك هو الاختلاف في اللغات. وما يترتب عليه من إشكالات في التواصل، لا أنكر أن اللغة الألمانية عابرة للحدود، وكذلك الفرنسية. لكن اللسان الإنكليزي محصن بالمياه التي تحيط به من كل جانب. ولو نظرت إلى العراق لا تزال هناك مناطق مختلف عليها مع بلدان الجوار. كالأحواز والكويت وإقليم كردستان. وربما أشهر كاتب يحمل أعباء التباس الهوية هو عبد الرحمن منيف.

توجهت بسؤال حول هذه المسألة للدكتور قصي الشيخ عسكر باعتبار أنه روائي يعيش في المنفى من أكثر من ثلاثة عقود. ويحمل جنسيتين، عربية عراقية ودانماركية. ويتكلم بثلاث لغات. بالإضافة لما سبق الإنكليزية لأنه يقيم في إنكلترا من حوالي ربع قرن. الدكتور الشيخ عسكر مرشح لتمثيل مشاكل التباس الهوية. وهو خير من يعيش هذا الهم النفسي والوجودي.

 

* عبد الرحمن منيف

سألته هل  برأيك أن الروائي ذائع الصيت عبدالرحمن منيف  سعودي الجنسية ويعكس هموم وحساسيات العراق في الفن والاقتصاد السياسي والسياسة؟..

رد يقول:  عبد الرحمن منيف كاتب سعودي، ومشروعه (مدن الملح) يؤكد ذلك. ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد ما يتعلمه من العراق والرواية العراقية.

 

س- ألا تعتقد معي أن (مدن الملح) عمل موسوعي ويغطي منطقة البادية الممتدة بين شبه جزيرة العرب وبلاد الشام ووادي الرافدين.

ج- طبعا، هو عمل كبير الحجم ويعكس الطبيعة الأنانية لمنيف، فخماسيته تقفز من فوق الواقع ولا تعرف كيف تتعامل مع الإنسان الطبيعي البسيط.

 

س- لكن منيف قدم لليسار العربي خدمات جليلة وأصبح رمزا من رموزهم. وأعتقد أنه اشترك مع المرحوم سعد الله ونوس في نشر كتاب غير دوري صدر في دمشق بعنوان (شهادات) استقطب أهم الأقلام العربية.

ج- يا عزيزي دار نقاش عن وجود الشيطان وذكائه وقدرته على الغواية، هذا اعتراف أنه موجود لكن لا يعني إطلاقا أنه يقدم للإنسانية خدمات باهرة أو إنجازا رائعا.

 

س- ألست معي أن لمنيف إلماعات وهفوات مثل أي كاتب، من ينسى عمله الهام (حين تركنا الجسر) و(شرق المتوسط) وكلاهما فاتحة لموسم نقد السلطات سواء من ناحية سوء إدارة أزمة المجتمع العربي أو سوء إدارة الأرض وخسارتها في حرب ال 67. ومن لا يتذكر (قصة حب مجوسية) التي ترقى لفصل من فصول (آنا كارنينا)، والإشارة للحفل الراقص الذي يقيمه الكونت لتقريب زوجته الشابة من حياة النبلاء.

ج- هذا ليس دليلا على شيء، أريد أن أقول إن منيف مصاب بالنرجسية، والكاتب اليساري يجب أن يتسم بالتواضع. لا يوجد كاتب إنساني ومؤثر لكنه مريض بالعنجهية وبداء التكبر والانحياز لمصالحه.

 

س- نعم، لكن موضوعنا هوية الكاتب كما تعكسها أعماله، منيف كاتب شمولي، فهو عربي ولا يمكن حصره بتصنيفات خانقة وحشره في هوية لبلد ناشئ سياسيا، فهو يكتب عن البوادي وهي ظاهرة مشتركة، إنما تكلم كثيرا عن سياسة واقتصاد النفط، وكلا العراق والسعودية يعتمدان على هذه الثروة.

ج- مع ذلك فقد كان ميالا للواقع السعودي، يوجد في ضميره جيب أسود يشده إلى السعودية، وكل ما عدا ذلك جزء من العموميات.

 

* شفيق الكمالي

س- سمعت منك أن شفيق الكمالي من البو كمال وهي مدينة في سوريا. ومع ذلك شغل منصب رئيس اتحاد الكتاب في العراق ووزارة من وزارات الدولة في عهد البعث. ألا يوجد هنا التباس نظامي معاكس لغموض المعارضة التي يمثلها منيف؟.

ج- الكمالي إنسان نظيف، ولو أنه بعثي فهو طاهر السريرة، وشعره مجدد. ويعكس هذه الإرادة الروحية في  النظافة والوضوح.

 

س- ولكن ألم يلتزم بفلسفة العصا والجزرة التي تغشنا بها حكوماتنا.. نأكل مما نصنع و نتلقى الضربات لنهضم ما أكلنا؟.

ج- هذا لا علاقة له بشعرية شفيق الكمالي. حتى أنه دفع حياته ثمنا لعدم رضاه على سياسة صدام، وإذا أشيع أنه مرض وتوفي فهناك أيضا أقوال تؤكد أنه مات مسموما أو في ظروف غامضة. كان رحمه الله قلقا ونفد صبره في أواخر حياته من سياسة صدام الأهوج واختفى ليس من المنصة ولكن من الحياة كلها، وتشير أصابع الاتهام لمخابرات صدام.

 

س- هل يمكن أن تصفي المخابرات شخصية أدبية لامعة مثل الكمالي؟.

ج- بالطبع، كان صدام حاقدا عليه ووضع اسمه في قائمة التصفيات. واعتقل لثلاثة شهور في 1983 ثم خرج من المعتقل يئن من الأمراض والأوجاع واكتشف الأطباء أنه مصاب بسرطان الدم، ولم تكن لديه فرصة للعلاج.

 

س- وهذا الموت المحقق وراءه مكيدة سياسية؟.

ج- على الأغلب فقد أخبر زوجته بعد الإفراج عنه أن الأطباء حقنوه بمصل ضد ارتفاع ضغط الدم ولكن هو يشك أنه حقنة قاتلة.

 

س- ولماذا صمت وهو يعلم أنه ميت لا محالة؟.

ج- لتنجو زوجته و أولاده.

 

س- وأين هذه المعاناة في شعره؟.

ج- شفيق الكمالي مولود في سوريا عام 1929 وانتسب في الأربعينات للبعث، وشارك صدام منفاه في القاهرة، لذلك هو يعرف عنه أشياء كثيرة ويجد من الحكمة التكتم عليها. وعلى الغالب إن تكتمه هو سبب اهتمامه بالشعر الوطني وليس السياسي. وكان هو مؤلف النشيد الوطني العراقي، وحين يردده الطلبة  في المدارس كان هو يقبع في أقبية الأمن تحت التعذيب. ومن كلمات هذا النشيد قوله:

وارتدى مجد الحضارات وشاحا

بوركت أرض الفراتين وطن

عبقري المجد عزما وسماحة

هذه الأرض لهيب وسنا

وشموخ لا تدانيه سماء

جبل يسمو على هام الدنى

وسهول جسدت فينا الإباء

بابل فينا وآشور لنا

وبنا التاريخ يخضل ضياء

نحن في الناس جمعنا وحدنا

غضبة السيف وحلم الأنبياء

حين أوقدنا رمال العرب ثورة

وحملنا راية التحرير فكرة.

 

س- واضح أن الرموز لوادي الرافدين ولا توجد إشارة لبلاد الشام أو بني أمية..

ج- هو شاعر عراقي، وأساسا في العشرينات كانت الحدود غير مرتسمة بين سوريا والعراق فالاستقلال أنجز الحدود السياسية الحالية. ثم كان ولاؤه لبغداد واضحا كما في قوله:

بغدادُ ما سطّرت للعزّ ملحمة

إلاّ وأنت لها العنوان والصّورُ

وقوله:

بغدادُ يا جنّــة الدّنيـا وزهوتهـا

ويا حقيقـة ما قالوا وما سطّروا

بغدادُ كنتِ لكلّ العــربِ مفخرةٌ

واليـومَ أنت لكـلّ العربِ مفتخر

 

س- إذا الملحمة السياسية التي حرضت شفيق الكمالي هي البعث والعراق؟.

ج- بالضبط. فقد خدم بغداد في اتحاد الطلبة ووزارة الشباب والإعلام وكان سفيرا في مدريد. واختتم حياته بإدارة مجلة (آفاق عربية). وكانت النهاية الاعتكاف في البيت بعد أن سحب الأمن منه سيارة هي هدية من صدام.

 

س- هذا يدل على التباس سياسي أيضا، فهو يعاني من أعراض الشخصيات الإيديولوجية القلقة بتعبير عبد الرحمن بدوي لو اعتبرنا الإسلام منظومة أفكار أو إيديولوجيا. ولكن لماذا انقلب عليه صدام؟..

ج- لأنه عرف أكثر مما ينبغي، كان معه عضوا في مجلس قيادة الثورة وفي انتخابات الطلبة في مصر، وحاز على غالبية الأصوات لتمثيل طلاب العراق في المنفى بينما حاز صدام على 2-3 أصوات، ولربما حقد عليه من ذلك اليوم.

 

*جبرا إبراهيم جبرا

س-  أنت تذكرني بسليمان العيسى، هو أيضا من البعث ولكن لم يستلم أي منصب، وكان يعيش بعيدا عن الأضواء في اليمن كمعلم مدرسة. أيضا غوركي اعتكف في إيطاليا بحجة الاستشفاء من مرض السل ومات بعيدا عن اتحاد الكتاب الذي أسسه، ناهيك عن تروتسكي الذي قضى في البرازيل، وكان حكم الإعدام مسلطا على رقبته طوال الوقت لأنه لا ينصاع لأوامر ستالين. المناشفة والبلاشفة يكررون أنفسهم في البعث، يوجد بعث ليبرالي وبعث سلفي، ندفع ثمن أخلاقه الرجعية والضيقة حاليا، فهم زمرة من المؤمنين بأنفسهم وبالتسلط، حتى أن فكرة السلطة لا يفهمونها، وينظرون للبلاد على أنها مائدة مفتوحة وجاهزة للسرقة والنهب والاستغلال. كان العيسى أيضا حاملا لهوية ملتبسة، فهو من مواليد اللواء، المنطقة التي ترزح تحت حكم الأتراك والتي قدمتها فرنسا لقمة سائغة للجمهورية كرشوة مقابل الإجهاز على بقايا العثمانيين. هذه السياسة تضعنا على المشرحة في ضوء النهار. نحن جثة جاهزة للسلخ. وإذا كنت لا أدعو لعودة اسكندرون إلى سوريا، فأنا أفكر متى تبتلع تركيا حلب أو مدينة أصغر محاذية للحدود. المهزلة أو الكوميديا السياسية مستمرة، ولا مجال للتردد في الاعتقاد أننا في غرفة العناية المركزة. ولكن لا ضرورة لمناقشة هذه المواجع، ولننتقل إلى حالة جبرا الشاعر والروائي المعروف. فقد لمع اسمه كروائي عراقي مختص بالقضية الفلسطينية، ونحن نعلم من مذكراته أنه من نازحي 1948، واستقر في بغداد وتزوج من لميعة العسكري المسلمة. وقد أضاف ذلك عدة التباسات على شخصيته، بالإضافة إلى أنه مسيحي، كما أن أول رواياته (صيادون في شارع ضيق) مكتوبة بالإنكليزية وتفسر الواقع المتردي لبغداد، كيف تنظر لشخصيته؟. وما دورها في ميوله الفنية؟.

ج- جبرا مثل الكمالي، هما ألصق بالهوية العراقية من ناحية البناء النفسي والفني، ويقترن اسم جبرا بغائب طعمة فرمان، لا يمكن أن تذكر (السفينة) لجبرا دون أن تذكر  (خمس أصوات) لفرمان. كلاهما لديه محبة لجو العراق. وكل صفحة من أعماله تنبض بهذه العاطفة.  وهذا الكاتب المبدع من بيت لحم كما أظن، إنه مثل الكمالي المولود في البوكمال السورية. لا يمكن أن تعزل أي واحد منهما عن المشهد الأدبي في العراق، بخلاف منيف، فهو أقرب للبداوة ولجو السعودية المتصحر.

 

 س- لماذا تشن حملة على عبد الرحمن منيف وهو  ليبرالي وله تأثير واضح على شريحة واسعة من المثقفين العرب لا يدانيها أحد غير إدوارد سعيد.

ج- اليساري إنسان متواضع، يستوعب من معه ويحاول امتصاص من عليه، ولكن منيف ليس كذلك وهو غير محبوب في العراق، إنه يتعالى على نفسه يا رجل.

 

س- تعتقد أن عبد الرحمن منيف منفصل عن مشهد الأدب في العراق، ويحمل صفة سياسية عامة تستهوي اليساريين بشكل عام. لست ضد الجزء الأخير من الجواب، فرواياته تهتم بالظلم السياسي دون تحديد جهة أو مكان، (شرق المتوسط) يمكن أن تكون سوريا أو العراق أو الاردن. و(سباق المسافات الطويلة) هي عن حكومة مصدق في إيران، بينما روايته (حين تركنا الجسر) تكيل الهجاء للسياسيين دون أية إشارة محددة تدل عليهم، هل هم سياسيو مصر أم الأردن أم سوريا، فالفكرة الأساسية تشبه توبيخ الذات على هزيمة نكراء. منيف كاتب شمولي. لا يحدد الأمكنة التي يتكلم عنها، ولذلك هجائياته تنصب على مرحلة وشخصيات نموذجية، يعني هو ناقد لعصره وليس لبلد معين. باستثناء (عروة الزمن الباهي) فهي مديح غريب الشكل لصعلوك مثلما فعل الطيب صالح في روايته الوثائقية (منسي إنسان نادر على طريقته). وباستثناء (سيرة مدينة) التي يمتدح فيها عمان.

ج- ربما لا أريد أن أدخل معك في هذه التفاصيل، وكنت أنوه بالقطيعة التي تحملها حالة منيف، فهو كاتب لا ينتمي لا للعراق ولا لأدبنا العراقي الحديث.

 

س- ولكن توجد حالات كثيرة تعكس مواقف غير منتمية والإسقاطات عامة بسبب تشابه الظروف في الشرق الأوسط.

ج- هذا إجحاف بحق كثير من الأدباء الذين لديهم أزمة لغة وأزمة عرقية، ولكنهم عاشوا في العراق و أحبوه وحملوه في جوانحهم  وأصبحوا سفراء لهذا البلد أينما حلوا. نستطيع أن نذكر من هؤلاء بلند الحيدري أحد رواد الأدب الحديث وهو يشكل خطا من خطوط المربع الذهبي، نازك والسياب والبياتي. بلند كردي القومية ولا يكتب باللغة الكردية، جده كان يحمل رتبة شيخ الإسلام زمن الدولة العثمانية، أخوه صفاء الحيدري شاعر شعره بالعربية، وهناك أيضا الشاعرة المبدعة لميعة عباس عمارة، هي مندائية لغتها الأصلية الآرامية، وهي ابنة خال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد الذي هو مندائي، لميعة كتبت بحوثا جميلة عن الكلمات المندائية في لغتنا العربية، وكلاهما لميعة وَعَبَد الرزاق يكتب الشعر باللغة العربية، ولدينا الشاعرة ناجية المراني المندائية التي تكتب بالعربية. أذكر كذلك الأديب العراقي أنور شاؤل رائد القصة العراقية ١٩٠٤-١٩٨٤ الذي يكتب بالعربية مع أن لغته الأم العبرية، أنور  لم يهاجر إلى إسرائيل بل مات في بريطانيا، ومثله الأديب مير بصري حتى أنه حين هاجر إلى لندن أوصى أولاده أن يتحدثوا في الشارع الإنكليزية أما في البيت فقد ألزمهم أن يتكلموا العربية مع أن لسانه الأصلي عبري. ولا بد من الإشارة لجعفر الخليلي، كان أبوه يعمل في وزارة الخارجية الإيرانية والابن في العراق، وهو من رواد القصة العراقية مع أنور شاؤل، وهذا التداخل بين أصول فارسية ولسان أو هم عراقي يحمل أكثر من دلالة. تاريخيا يشير لسياسة التتريك وحركات مقاومتها. فالعراقيون كانوا يهربون من خدمة الجيش العثماني بتسجيل أنفسهم في التبعية الإيرانية، ولكنهم ماتوا عراقيين، إنه أسلوب للتملص والمناورة، وللأسف استغله صدام حسين أسوأ استغلال واستفاد منه في استبعاد المعارضة، وتسفيرهم إلى إيران. لو دققت النظر في أعمال الخليلي لن تجد أمامك غير قصة عربية تحمل الصفات الهجينة لكتابات الرواد. لكن الواقع المحلي واضح، إنه الهم العراقي المحلي  بطبيعته المتميزة.  لقد فكرت في يوم من الأيام أن أضع معجما للشعراء غير العرب المعاصرين  الذين لم يكتبوا بلغتهم الأصلية بل بالعربية  عنوانه "شعراء مستعربون" لكني أعرضت عن الموضوع لأسباب خاصة.

 

س- يا دكتور هؤلاء يكتبون بلغة الضاد فهم من مجال اختصاص الأدب العربي و ليس العراقي؟.

ج- ما الفرق، العراق جزء من مشروع العقل العربي، مع ذلك كنت أقصد أنهم انغمسوا بحياة الداخل العراقي وكانوا يعايشون الهموم العراقية، وأسماء الشوارع والمدن في أعمالهم عراقية. كانت هويتهم ملتبسة لكن شخصيتهم الفنية واضحة ولا تعاني من الخلل، إنهم جزء من العراق ومن تاريخه، وكتاباتهم وثيقة عن تطور المجتمع والإنسان في العراق الحديث طبعا ضمن إطار الثقافة العربية. فهذا  واقع مستمر منذ سقوط العثمانيين وحتى الوقت الحالي، ولم ينجح أحد في إلغاء هذه الشخصية المتميزة وامتدادها.

 

س- كيف تعامل الكتاب الغربيون مع هوياتهم الملتبسة، فالحائز على نوبل غونتر غراس بولوني من غدانسك وكتب ثلاثية غدانسك بعنوان (طبل الصفيح). لكنه ينشر باللغة الألمانية وبعد سقوط هتلر أقام في برلين، وكان ضابطا في جيش هتلر برتبة ضابط إشارة. هل لديك فكرة كيف كانت تبدو أعمال غراس بهذا الخصوص، هل تعامل مع واقعه الغامض بطريقة ملتوية انعكست على رواياته؟؟!.

ج- لكنه ليس أجنبيا على ألمانيا، هو ألماني ويكتب بالألمانية وأعماله مترجمة إلى لغات مختلفة بخاصة بعد حصوله على نوبل عام١٩٨٨ وفق ظني، وقد مات في løbek شمال ألمانيا فهو لم يعش في بلد آخر ويكتب لغة البلد الآخر.

 

س- فاتتك هنا حقيقة أن غدانسك هي مقر نقابة التضامن التي وضعت حدا للنظام الشيوعي في بولونيا. لقد ولد غراس فيها، وحملها معه في قلبه، وكتب عنها أولى وأضخم رواياته (الطبل الصفيح) وأتبعها بـ (قط وفأر) ثم (سنوات الكلاب)، وكلها عن غدانسك وطفولته وتشرده على سواحلها. وفي عمله المتأخر (مئويتي) مونولوجات في مديح غدانسك.

ج- عفوا كنت أظنه ألمانيا لأن المقاطعة التي ولد فيها يتكلم معظم أهلها الألمانية مثل الألزاس واللورين التي ضمت إلى فرنسا ومثل جنوب الدنمارك الذي تم ضمه سنة ١٨٨٨ بالقوة في ألمانيا حين خسرت الدنمارك الحرب.

 

س-  توجد التباسات شديدة الإرباك في بولونيا. فالكهول في غليفتسة،  وهي من مقاطعة سيليزيان، يتكلمون الألمانية لكن الشباب واليافعين يتقنون الروسية المفروضة عليهم بالقوة. هذا التردد في الهوية اللغوية له عواطف متناقضة، كبار السن يحبون لغتهم الأم وهي الألمانية، والصغار يكرهون لغة التعليم السياسي وهي الروسية. ولذلك يوجد تمزق في المجتمع، وله انعكاسات على الوضع التربوي والعقلي. فهل يوجد خلل في كتابات غراس، هل فيها شقوق تنم عن هوية مكسورة وحائرة؟.

ج- برأيي إنه على شاكلة أمين معلوف، لبناني ولد في القاهرة عام ١٩٤٩ وعمل في الصحافة العربية في لبنان ثم هاجر بعد اندلاع الحرب إلى فرنسا. ورواياته التاريخية تنظر بعيون الفرنسيين لماضينا الإسلامي أو العربي المعاصر. وتحمل شكلا من أشكال المقاربة للماضي. وهي مختلفة عن أعمال جرجي زيدان المكتوبة للتسلية. إن إسقاط لغة غريبة على جزء هام من الذات كالماضي التاريخي يدل على التزام بالجذور. كما هو حال غراس، بولوني ويكتب بالألمانية عن بولونيا.

 

س- مفهوم، لكن ماذا عن تجربتك الشخصية. فأنت بجواز سفر دانماركي ومقيم في إنكلترا، ومتعلق بالمشكل السياسي العراقي. (قصة عائلة) عن انقلابات ما بعد الاستقلال. و(الرباط) عن متاعب الهجرة والغربة. و(المقصف الملكي) عن الحب في أزمنة الفتن والحروب الداخلية. لماذا لم تندمج في البلد الحاضن وتركت مسافة بينك وبينه، وركزت على الماضي الذي انسلخت عن آلامه وعذابه. ونفس السؤال أكرره عن كثير من الأدباء الذين يعيشون في منفاهم، مثل فاضل العزاوي فهو لم يكتب إلا عن العراق ومن خارجه.

ج- العزاوي من القومية الكردية، ويكتب بلسان عربي. أما نحن بشكل عام نكتب عن مشاكل العراق بلغة الرقابة، ليس التسلط ولكن الحساب والنقد والتوضيح دون اهتمام بالممنوعات والمحظور سياسيا أو دينيا. مهمتنا نقد العيوب وأسبابها. ووجودنا في المنفى وحملنا لجنسية غريبة تفرض علينا منطقا مختلفا، فنحن من موقعنا الجديد ننظر للحاضر والماضي ونخاطبه بتراكيب وصيغ لا يعرفها من يعيش في جحيم الداخل، وهذا لا يعني أننا بلا معاناة، العكس هو الصحيح، فمعاناتنا لا حدود لها ولا يمكنك تقدير حجمها. وأنا شخصيا لا أعرف معنى الراحة من أربعين عاما هي فترة اغترابي. وإذا كانت هناك ملاحظات يوجهها إلينا الأساتذة الأفاضل المتخصصون باللغة العربية، ولا سيما بخصوص التراكيب والنحو الذي نميل إليه، فهذا لأنهم يكيلون بمكيال قديم وجامد. اللغة كائن حي. وهدف الكاتب توظيف لغة يفهمها القارئ المعاصر ويستوعبها المغترب الذي يقرأ ولكن لا يكتب، فنحن شريحة وأعدادنا بالملايين وربما تنوف على عدد من يعيش داخل حدود العراق. من واجبنا أن ننبه إلى هذه الشخصية المركبة وطريقة تفكيرها والهم الذي تحمله، فنحن لدينا عين على الداخل وعين على واقع المنفى، و أعتقد أن هذا يحتاج لأدب بعينين وليس لكتابة مسطحة وذات بعد وحيد.

 

س-  ولكن الهوية الملتبسة شكلت بعض التحدي للكتاب في المنفى، فلا هم عرب عاربة ولا هم أوروبيون أو من العالم الجديد. الشعر واضح، خذ حالة يحيى السماوي، فهو في أستراليا ولكن إصداراته تأتي من دمشق أو بغداد وتحمل شخصية مضعضعة تبكي وتذرف الدموع على واقع المأساة وحال النكبة الذي يعيش فيه العرب. كل كلمة وكل صوت لديه مغموس بدماء عربية ومعجون بتراب وحجارة عربية. لكن لو ابتعدت قليلا باتحاه كاتب مثل نيبول، تلاحظ أنه يتكلم عن الغربة والتشرد بلا أي ارتباط بالأرض، فهو يفكر بالحياة ولا يعيشها. ويكتب عن المأساة دون أن يحاول تخفيف آثار العاطفة المأساوية. ومعظم رواياته عائمة. تدور أحداثها بين الهند ومصر وأنغولا والكاريبي، والقائمة لا نهاية لها. كاتب ضائع وشريد. كيف تفسر عدم التزام اللغة بالوطن اللغوي أو الوعاء الحاضن، حتى الإنكليزية مقسومة إلى لسان إنكليزي وآخر أمريكي؟.

ج- الأدب العالمي متداخل في الأشكال ولغة التعبير. فالإنكليز هم غير البريطانيين. والفارق يعود لمشكلة الأصل العرقي وليس لمشكلة اللغة أو اللسان. الأصل يبدل أسلوب التعبير حتى لو أن اللغة من عائلة واحدة، ولكن في اسكندنافيا يختلف الوضع حسب الجيل. كبار السن من المهاجرين يعانون من اللغة بينما أبناؤهم ينصهرون بها. هناك حوار في رواية علاء الدين وهي مخطوط لي لم يطبع بعد يقول فيه وضاح لبطل الرواية: أقول لك حكمة اسمع مني وضعها حلقة في إذنك. نحن الذين لم نولد هنا نعيش حياتين. هناك نتحدث مع الدنماركيين وهناك فراغ. بيننا وبينهم شيء غامض لندركه. أما الجيل الذي يولد هنا فليست هناك من عقدة عنده ولداي الآن ينتميان لهذا المجتمع وكذلك ستكون ذريتك فلا تيأس.

عندما كنت في الدانمارك قرأت عن الأدب الدانماركي في بداية القرن العشرين وما قبل. كان الدانماركيون يسمون أمريكا بلد الذهب والحليب. وكانت الرحلة تستغرق شهرا بالباخرة. وعندما يصلون هناك يصدمهم الواقع فلا حليب ولا ذهب.على الأغلب الإنسان يتمسك بلسانه. فهو أقدر لكشف ما لديه من كنوز فكرية. لكن في الأجيال التالية تضعف العلاقة. خذ اليهود على سبيل المثال إنهم يتكلمون في بيوتهم بلغة موطنهم ولكن يكتبون بلغة البلد الذي ينتسبون إليه. اليهودي العراقي يكتب أدبا عراقيا واليهودي البريطاني يكتب أدبا إنكليزيا والأمريكي أدبا أمريكيا.. مع ذلك أقول الدم يحن. حينما كنت أستاذ مدرسة في الدانمارك التقيت بطفلة هي حفيدة غسان كنفاني. جلست في حضني عدة مرات. وروت لي أن أباها ألف قاموسا دانماركيا عربيا. وكان يتحدث العربية بلهجة فلسطينية و له علاقة مشروعة مع امرأة يونانية الأصل.

 

س- آسف ضعت في هذه التفاصيل. سؤال واضح من خبرتك الشخصية.. لماذا يكتب الكاتب العربي المهاجر عن إشكاليات وطنه ولا يذوب في المجتمع المضيف ودائما يلجأ لأساليب  تنسف تراث الحكايات العربية من جذورها؟.

ج- لأن الكاتب يتجاوز حدود بلاده ويميل نتيجة ظروف الغربة لمخاطبة موطنه الجديد.

 

س- عفوا هنا نقطة نظام. أهداف سويف في (خارطة الحب) اختارت موضوعا فلسطينيا وتكلمت عنه بلغة إنكليزية مع أنها من مصر. ومقيمة في بريطانيا.

ج- هذا وارد أيضا. فالأدباء العرب في المهجر من ثلاثة أشكال: إما أنهم يفضلون تجاوز حدود الهم الخاص لينسوا المعاناة من فراق الماضي والذي يتجسد أحيانا بصفة ذاكرة وتاريخ. أو أنهم يكتبون عن خبراتهم الماضية بسبب العزلة التي يعيشون فيها في المنفى ولكن بأساليب تفرضها شروط الحياة الجديدة. والغلبة في الرواية والقصة للغرب بلا منازع. فأساليبه مباشرة وبسيطة لو قارنتها مع البلاغة العربية المعقدة والتي تموت حتى في بلداننا وتفسح الطريق لقطار التقنيات الغربية. ويوجد اتجاه تاريخي مثل حالة أمين معلوف. يستمد كل شيء من لا شيء. بلغة أخرى إنه يبقى في الماضي.. الأحداث عربية ومن التاريخ الإسلامي والأسلوب غربي لكن من أيام بلزاك والذي أصبح تراثا أوروبيا. فرواياته لا تحفل بالتجريب ولا يضرب رأسه بجدار التقنيات المتسارعة للتبدل والانقلاب على الأصول.

 

حاوره: صالح الرزوق

 

 

يشكل فن القصّ احد وجوه الأدب، لما له من أهمية تذكر في التعبير عن طموحات الإنسان وقضيته الأساسية في امتلاك الحرية والاستقرار والعيش الرغيد. ولهذا نجد القاص هنا لايتواني من استلهام التجارب والحيوات الإنسانية، إذ يتمثلها بأسلوب فني ولغة متينة معبرة عن رؤية للواقع المفترض بشكل يعزز من عمق التجربة، ومن هولاء الكتاب عادل المعموري الذي سبق وان أعطى رؤية شاملة لعمله الفني عبر مجموعتيه القصصيتين " العزف على وتر الفجيعة " عام 2015 و" خطوات ثقيلة " عام 2016 بالإضافة إلى مشاركته في المجموعة القصصية " 33 أيقونة عراقية " عام 2016 والتي ساهم فيها 10 كُتّاب عراقيين. وفي أحدا نصوصه من مجموعته الأولى والتي تحمل ذات الاسم نفسه يرسم لنا تجربة حية تعد واحدة من أكثر إشكاليات الزمن المتشظي فقد انطلقت بحزمة من المشاعر الجياشة للعراقيين وللعالم برمته، حيث كانت آثارها  قد بدت تطغى على أسبابها ويلف الغموض الأسباب الموجبة التي قامت من أجلها الجريمة النكراء وتكون بعيدة عن مسببات إعلانها حيث يصور لنا ذلك المشهد المأساوي الذي احتضن الجريمة :" مدينة مترامية الأطراف لايعرفون عنها شيئا، جنود جلبوهم من مدن الجنوب للتدريب في هذا المعسكر الكبير، وقعوا في كماشة أهالي المدينة والعدو القادم من خلف الحدود، سكان تلك المدينة التي تضم المعسكر الكبير، تعاطفوا مع الغزاة لتشريد وقتل الجنود التابعين للجيش الوطني، من التزام الحياد، فلم يرحب بالغازي الذي قدم المدينة وكذلك لم يرحبوا بجنود الجيش النظامي، لا فائدة من طرق الأبواب، لامأوى لأحد، وقع الجنود بين نارين، نار العدو القادم من خلف الحدود، ونار أهالي تلك المدن، أين المفر".

وقد قدر لنا ان نلتقي الكاتب والقاص عادل المعموري في حوار عن تجربته السردية.

 

* ما أهمية القصة في الأدب العربي، وهل لها من أثر على تشكيل الوعي الجمعي؟

- لاشك أن واقع التخلف نتيجة للصراعات السياسية في العراق كان لابد من وجود طبقة مثقفة تأخذ على عاتقها القيام بإصلاح المجتمع ونبذ مظاهر التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتزرع الرغبة الجادة في المفكرين والمثقفين لأداء دورهم الريادي في تصوير الواقع وتقديم الحلول الناجعة للنهوض بالواقع، وهذا ديدن القصة العراقية منذ أوائل تأسيسها على يد الرواد محمود أحمد السيد وأنور شاؤول وذنون أيوب، ولاننسى تجربة غائب طعمه فرمان التي شكلت نقلة نوعية في تطور ماهية السرد، وانعطافة فؤاد التكرلي التي أمدت الأدب القصصي بنسغ جديد، سواءً في الشكل أو في البناء الفني، وإلى عصرنا هذا تنطلق أهمية القصة في كشفها وتعريتها للواقع. وقد مرت القصة بعدة مراحل منذ أوائل الثلاثينات من القرن الفائت حتى اليوم، كما عبرت في تلك العقود عن مسايرتها للواقع وتشخيص سلبياته والإشارة إلى ايجابياته عبر مرتكزات السرد والتكنيك الفني، مع تطور تجارب القصاصين عبر تلك المراحل واستقاءها من المدارس الفنية ومواكبتها لتقديم نتاجات تساير الأدب العالمي.

 

* القارئ لبعض نصوصك يلمس بوضوح حجم المعانات والآلام التي رافقت شخصيات نصوصك، إلى أي مدى تكون لديك ذلك الإحساس؟

- الكاتب يعبر عن واقعه وما يعتمل في داخله، إذ أنه لايحمل هم نفسه فقط كما يتصور البعض، ولأن واقعنا مازال يرزح تحت مطرقة الألم والحزن واضطراب الواقع السياسي والطبقي حتما يؤثر ذلك كله وينعكس بالنتيجة على معاناتنا في قصصنا من حيث ندري أو لا ندري، إن لم نسكبها على الورق، فستسقط رغما عنا مع سيل الدمع .

* في " العزف على وتر الفجيعة " كثيراً ما نجدك تقترب من سيول الدم الأرجواني كمن عايش الحدث، كيف تهيأ لك بناء الأحداث والشخصيات بهذا الشكل؟

- تلك مجموعتي الأولى التي كتبتها تزامنا مع واقعة سبايكر فكان عليّ أن اجعل أحدى قصص المجموعة تؤرخ وتؤرشف لجريمة العصر التي يندى لها جبين الإنسانية، فمهما كتبنا لن نستطيع ان نفي حقها في تصوير ما حدث من مجاز بحق الإنسانية.. وما كتب عن سبايكر من قبل القاصين والروائين قليل جداً، سبايكر جريمة إبادة جماعية ينبغي ان لاتفارق أقلام الكُتّاب وبخاصة الذين عايشوها عن قرب، تلك مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الكاتب  حتما .

 

* أين تجد موقعك من القارئ والناقد كقاص؟

- من مفروض السؤال ..أجد أن لي جمهورا واسعا يقرأ نتاجاتي القصصية عبر الصحف والمجلات الورقية والالكترونية ومنجزاتي المطبوعة، والأهم من هذا عبر الفيس بوك، لا أكتمك سرا، أن القراء العرب بمن فيهم من كان داخل الوطن العربي أو ممن يعيش في المهاجر ويتوزع في الشتات الأجنبية يقرؤون ليّ أكثر ممن كان في الداخل " العراق "، والدليل على ذلك ما لمسته من خلال الردود والإجابات وإشادة الكثير من النقاد العرب الذين تناولي أعمالي القصصية بالقراءة والنقد من مصر وتونس والمغرب وبلدان أخرى، قياسا إلى ما كتب عن تجربتي الناقد العراقي، أما لماذا؟ فهو سؤال يطول الجواب عنه .

 

* مزج الواقع بالأسطورة، في القصة القصيرة هل يعتبر تقنية لتوصيل موقف معين إلى المتلقي، أم أنه يعبر عن رؤية إبداعية في الكتابة السردية؟

- الحقيقة أنها رؤية إبداعية في الكتابة السردية لمواكبة النتاج العالمي، مزج الواقع بالأسطورة ليس جديدا على  السرد وبخاصة بعد الحداثة ومابعد الحداثة، تطورت الأساليب التكنيكية والفنية، القصة لم تعد سردا كلاسيكيا وواقعيا انتقاديا، القصة أصبحت خلقا جديدا لها عناصرها المستقاة من كل المدارس، لم يعد القاص يكتب وفق منهج مدرسة معينة، إنه يطلق العنان لقلمه لكسر كل " التابوات " التي كانت مفروضة، الإبداع لا يقيده شيء مطلقا .

 

* كيف تمت معالجة موضوعة المرأة في نصوصك السردية، ومن أي جانب تنظر إليها؟

- أنا مُتهم بانحيازي للمرأة، واقعا أنا لست منحازا لسلبياتها، ولكني منحاز لآلامها ومعاناتها، المرأة أكثر كائن حي تعرض للظلم من قبل الرجل وقيود المجتمع الذكوري، تضحيات المرأة لا حدود لها، ولكن لم أجد من ينصفها، نحن الشرقيون تحكمنا القيود الدينية والعشائرية والمجتمعية، فنحمل تلك القيود لنضعها قلادة في جيد المرأة لتنوء بأحمالها الى يوم يبعثون .

 

عبد الرضا غالي الخياط

 

 

 

قال إن الشعر لا يحتمل السيلكون ولا ترميم التجاعيد ولا شدّ البشرة.. أخاف على طائفية الشعر ومذهبيته وانتمائه إلى الأحزاب المتناحرة

نهيد درجاني: لم أولد مهيأ لهذا الداء .. لا أحد من سلالتي أُصيب بجذريّ الشعر

هو مبدع حقيقي قلّ نظيره في زمن الغوغاء ومشهد مرتبك شانه مثْلبُ التجنّي المبالغ فيه، على الشعر خصوصا، بحيث تفاقمت حمّى استسهال عوالم التعاطي مع هذا الأخير حدّ إفساد الذوق وتفشّي موجبات هجرته إلى بدائل تعبيرية كالرواية.

حدّ خلط الخاطرة بديوان العرب.

بذلك طفت أعراض جانبية تنمّ عن حالة مرضية وشيكة متربّصة بجيل مهزوز الرؤية ومتخبّط بين هواجس أعباء الذاكرة ومغريات الانفتاح على الآخر وغير عابئ بسلّم الأولويات في بناء الذات والهوية والمحيط.

جيل تسرقه الأحلام من واقعه، فيتوهمّ الشرعية والمبرّر لحرق المراحل" إبداعيا" وكأنه عن قصد أو غيره، خلف تخوم اجترار الأدب المهجّن والدخيل، دونما استساغة أو غربلة، يسعى إلى حتفه وطمس ملامح هويته الثقافية، مثلما تزيّن ذلك وتريده له مرايا مضللة ما تنفكّ تحرّضه على القطيعة مع الموروث والتحرّر من عقدة الأب.

فلنرحب جميعا بالشاعر اللبناني البديع نهيد درجاني، عبر هذا الحوار الأثيري يشفع لنا فضولنا المعرفي والجمالي، خطوات الولوج العاشق وماتع الغوص في خلفيات ألوان النص المفتوح إذ يدشّن رمزيا وتجريبيا حجر التقعيد لكتابة حقبة ما بعد قصيدة النثر .

 

*بداية شاعرنا، هلاّ تتكرّم بتقريب المتلقي من معالم حياة وشخصية وتجربة نهيد الإنسان والمبدع كلاهما؟

 - لا أخفيك بأنني أشعرُ بقرصة بردٍ جرّاء كلمة: شاعر . كما أشعرُ بارتفاع مفاجئ في حرارة جسدي جرّاء كلمة: مبدع . اسمح لي أنْ أصوّب بوصلة ذاتي أولا: في أحد نصوصي أقول: لم أولد مهيئا لهذا الداء لا أحد من سلالتي أُصيبَ بجدريّ الشّعر .. نعم . الشّعر داءٌ، عضالٌ . لا شفاء منه .لم ولن أحشر نفسي في خانة الشّعراء، ليس تواضعاً ولا دعةً ولا هروباً من المقاييس، بل توصيفا جوّانياً لحقيقة ذاتي، فأنا بحمد ربي، أعيش بجوار مرآةٍ صقلتها جيداً كي لا أفترسَ ظلّي مع انحدار قوس الشمس . أنا كاتبُ نصٍ، نصٍ هجين، لا هو نثري بالتمام ولا شعري بالكمال . أكتبه كي أقتلَ الضجرَ، أكتبه كيلا يقتلني الضجرُ، أكتبه كيلا تنسى رئتاي أن تقوما بعملهما . بدأت محاولة الكتابة بسنٍ مبكّرة، حاولت كتابة القصيدة المحكية لسنوات، لكن المرادفة والمفردة العامّية كانت تضيق وتضيق كلما توغّلت في الكتابة . ثم هربت إلى محاولة كتابة بعض القصائد العامودية، فرأيتني مجددا أختنق في كل قصيدة، لأتوقّف عن المحاولة لفترة طويلة، قرأت خلالها جماً من الشعر، إلى آن وجدت نفسي كاتبا فيسبوكيا يوميا من العام ٢٠١١ .

 

*ثمة من يعتقد باختزال عمر الشاعر في قصيدة وحيدة يتيمة، قد تجيء كباكورة للمنجز على ترامي ظلاله، وقد تتوسطه أو تذيله.. القصيدة ذات مطلع" إذا الشعب..." لأبي القاسم الشابي، مثلا.. إلى أيّ حد يمكن تزكية هذا الطرح أو تفنيده؟

- أعتقد جازما بأن هناك ظُلامة مريرة باختصار أبي القاسم الشابي بقصيدة . نتحدث هنا عن شاعر عاش ٢٥ سنة فقط، حتى اختصار الشابي بقصائده المغناة من كبار المغنين العرب لهو من الظلامة بمكان . الشاعر هو مسيرة، خلاصات، عصارات، توتّرٌ إيقاعي (بالضرورة أن يكون تصاعدياً)، والحكم على المنجز الشعري خارج هذه المقاييس هو ظلم بحق الشاعر . بل أذهب إلى أبعد من ذلك: ليس من العدالة بمكان تجزئة التجربة الشعرية لشاعر ما، فهي أشبه بفرط عقد بديع من اللؤلؤ حبّة حبّة، فلا يبقى من بداعته شيء .

 

*هل القصيدة بخير حاليا؟

 - وهل يجب أن تكون القصيدة بخير؟ القصيدة تجدّد خلاياها، تُقشّر جلدها، تغربلُ زؤانها . القصيدة التي لا تعاني من الفطريّات هي مومياء لا رطوبة فيها ولا حياة .

 

*أتاح فضاء النّت إمكانية النشر الحر، بعيدا، سواء عن مبدأ اللاغائية والعبثية التي تنتهجها منابر إعلامية كثيرة، تعوزها الخبرة والدراية في تقييم وفرز الصالح من الطالح فهي تشرع الباب على مصراعيه لمن هب ودب في مجال الإبداع عموما، تحشو كل ما يعرض عليها، يهمها تأثيث صفحاتها فقط، وأخرى وإن متخصصة تقع فريسة لخيوط سمّ الاصطفافية والاكتفاء بأسماء القيدومين وإقصاء الأصوات المبتدئة مهما بدت جودتها وجديتها وحدة زوايا معالجتها للراهن.. هل للنص الرقمي معايير يجدر بالواعدين مراعاتها؟

- أستاذي الغالي، فتحت بي جرحاً عميقاً بسؤالك هذا، هذا السؤال الذي يحتاج لصفحات ونقاشات طويلة . سأوجز: أمام ما يجري اليوم، أشعر كمصاب بذي القطبين . تعتريني سعادة كبيرة حين أرى الشعر وقد أضحى طاعون العصر وموضته، وكآبة عظمى من هول التعظيم والإكبار على التفاهات والاجترار والقص واللصق .... أشعر بالاعتزاز والفرح لنمو المنتديات الشعرية، وبالكآبة لكيفية إدارتها . قلتُ وأقول: الشّعر لا يحتمل السيلكون، ولا ترميم التجاعيد ولا شدّ البشرة . الشّعر لا يحتمل عقود البيع والشراء في دور النشر . الشعر لا يحتمل (جحا وأهل بيته) أخاف على الشعر من قطاع الطرق، من تجّار الرقيق، من مهربي القصائد كحشيشة الكيف .... أخاف على طائفية الشعر على مذهبية الشّعر على انتسابه إلى الأحزاب المتناحرة ....

 

*هل تحمل الجوائز والأوسمة والمهرجانات دلالة ما قد تجذب إليها مبدع دون سواه؟

- مهما تأنّق الشاعر وتسامى، لا بدّ أن يسيل لعابه لجائزة أو وسام أو مهرجان مفتوح كليمونة حامض على مصراعيها . إنما، المبدع هو من أبدع في حسم الصراع بين نقاء روحه ومغريات الأيام، فاختار ما يليق بقامته إذا أتاه من غير طلب أو استجداء .

 

*هل من حلول مُسعفة لانتشال القصيدة من أزمتها؟

- فلندع القصيدة بعيدة عن أهوائنا وميولنا وغرائزنا . القصيدة لا تحتاج لأكثر من ذلك .

 

 *يسرّنا أن تقتطف لنا بعض الذي يدغدغ جوارحنا، ويسلّمنا طائعين لرعشة الإصغاء لزقزقة آخر ما جادت به أناملك.. تفضل:

- "لا أحمل هويتي في جيبي الخلفي،

كي أرحلَ كالغرباء .

فأنا وُلدتْ من أبٍ غريبٍ وأمٍ غريبة، في غرفة غريبة من بيت غريب.

وكبرتُ في شارع غريب من بلدةٍ غريبة في وطن غريب .

ولا أحملُ جواز سفري بيدي،

كي أرحلَ كسنونوة ضجرتْ من النوم في حقلٍ ضجرَ من تكرار حشيشِ جسده .

ولا أحملُ حقيبة، أخاف أن أضعَ في بطانتها امرأة وفي سحّابتها قصيدة .

ولا أحملُ حالي،

سأتركه لكم،

وأرحل كالغرباء ."

 

*كلمة الختام:

- شكراً لتفانيك في الإضاءات الدائمة على مشاريع (شعراء) وبشكل غير مسبوق . شكرا لأسلوبك في النقد، هذا الأسلوب الحد اثوي، البعيد عن حشو الكلمات التقنيّة التي اعتادها النقّاد، فيأتي نقدهم موجها لنقاد آخرين، كتبارٍ زجليّ في قاعة مقفلة . شكرا لوقوفك إلى جانبي في أكثر من محطة، خصوصا بأني كاتب فيسبوكي لا أكثر، لا أملك ديوانا مطبوعا ولا مقالا في جريدة ولا نصا في صفحة ثقافية . وأولا وأخيرا شكرا لك من شين الشكر إلى رائه . احمد الشيخاوي كما ولدتك أمك من غير لقب: دمت رسولا من رسل القصيدة .

نشكرك شاعرنا أن أتحفتنا بهذه الباقة من الإدلاءات التي قربتنا أشواطا من جبّ أسرارك وكنوز عندياتك، فأهديتنا بقلب مفتوح غيبوبة الاغتراف من بعض بوحك العميق والجميل المتسربل بنزعته الفلسفية والوجودية، وأغدقت علينا بمعسول أنهارك الأخرى مثلما عهدنا بك، تجري دافقة رقراقة وراقصة على إيقاعات النبض الهامس لصفحاتك عبر الفيسبوك كمتاهة زرقاء ليس عمومها طلاسم وهذيان وعتمة.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي