حوارات عامة

حوار مع الباحث العراقي وليد الكبيسي

وليد الكبيسي كاتب و باحث سياسي عراقي نرويجي الجنسية، يعمل في الحوار الثقافي ويصدر مجلة "المسلمون المتنورين". يعتبر أحد المدافعين الشرسين عن الفكر التنويري، والداعين له، نشر أول كتاب له سنة

 1996 My faith, your myth: Islam meets Norwegian everyday 

وهو كتاب تجميع لمقالاته. ترجم لمجموعة من الشعراء من العربية إلى النرويجية .

 

تقول أن التطرف ليس ذنب المسلمين وحدهم، كيف تشرح لنا ذلك؟

- التطرف حالة خلقها الإسلاميون بالدعوة إلى التفسير السياسي، ونقل الإسلام من زمن الرسول إلى عصرنا. الإسلام لكل زمان ومكان، تعني أن الإسلام يمكن تأويله وتفسيره ليناسب كل المجتمعات. بينما فهم المتطرفون أن الإسلام الذي مارسه المسلمون في صحراء الجزيرة ينقل ميكانيكيا إلى أوروبا: فآمنوا بالجهاد العنفي وهذا ما أدى إلى الإرهاب. آمنوا بحجر المرأة وعزلها، وهذا ما أدى إلى الحجاب وإشكالياته، بينما لم يفرض الحجاب الإسلامي ولا توجد آيه تسمى آية الحجاب بمعنى اللباس الإسلامي، وكان الرسول يأخذ النساء معه ليمرضوا الجرحى بمعنى أنه ليس عندنا مشكل دين وإنما مشكل تدين.

أثارت محاضرتك "العربية كلغة عالمية ثالثة" زوبعة من ردود الأفعال، أبرزها عن شق ضرورة رفع القداسة عن اللغة العربية ، كيف استقبلت ذلك؟

- دعني أصوغ الأمر بعباراتي. أنا دعوت إلى تقديس اللغة العربية، بالتعامل معها على أنها ليست تابوت أموات أو قبر مولى. بالعكس أردت تقديس العربية بالنظر إليها كعامل حضاري حاسم في وحدة شعوبنا وبلداننا، ومنحها الحرية والقابلية على التطور والازدهار، ومواكبة الزمن. أنا طالبت وأطالب بالتعامل مع اللغة العربية كما تعامل القرآن الكريم معها: طوّرها، فجّر إبداعها، بسّطها، أغناها، جعلها لغة حضارة بعدما كانت لغة عربان وبدو.

قمت بترجمات مهمة للعربية، ومازلت تعمل على بعضها، ما سبب هذا التأخر العربي الخطير في ميدان الترجمة، وما هي العقبات التي تصادفك كمترجم؟

- انظر إلى الوضع من خلال معرفة وتقييم مرحلتنا الثقافية: نحن في تدهور علمي وحضاري. شعوبنا ممزقه ومسلوبة الإرادة ويخيم عليها الجهل والظلام. والترجمة  تمثل مرحلة إرهاص حضاري. عصر التنوير الإسلامي  من القرن الثالث إلى 1258 طبع بطابع الانفتاح، بترجمة الإرث الفلسفي اليوناني وحكمة الرومان ومدنيتهم.  الدولة العربية تأسست حين تم تعريب الدواوين في العراق من الفارسية إلى العربية، وفي الشام من الرومانية إلى العربية. أي ترجموا العلوم السياسية من الفارسية والرومانية. ونحن نعيش انحطاط علمي وثقافي.  فقط دولة النرويج التي تعداد نفوسها أربعة ملايين، تترجم من اللغات الأخرى أكثر بكثير مما يترجم من اللغات العالمية إلى العربية ونحن أكثر من 300 مليون ممن يقرأ العربية.

ما السبيل لتحسين صورة العرب في الغرب ؟أو ليس هذا الغرب أيضا يستمتع بشيطنة الأخر والتخويف منه؟ أيّ غربِ تتحدث عنه؟ الغرب السياسي؟ أم الغرب الثقافي؟

- أنا انظر للغرب الثقافي على أنه في نزاع أبدي مع الغرب السياسي.

الغرب الثقافي هو منظمة العفو الدولية (الامنستي)، منظمات حقوق الإنسان، فولتير و هنريك ابسن، التنوير والثورات الديمقراطية، منظمة أطباء بلا حدود، إلى آخره. هذا الغرب لا يشيطننا بل يدافع عنا كبشر بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والإثنية.

أما الغرب السياسي فهو الرأسمالية والشركات متعددة الجنسيات، والتنازع الاقتصادي والمنافسة على الأسواق، ومصالح الدول.

الغرب حين يحاربنا يشيطننا كما نفعل نحن، لأن العداوة والحرب تخلق الشياطين.  والغرب كذلك. وأشعر أن نمطاً من الشيطنة يمارسه الغرب لقرون: حين حاربت روما هانيبال وهو قائد سامي من شمال إفريقيا اسمه حني بعل (وحني خادم أو عبد . بعل هو الله أي اسم حني بعل هو عبد الله)

كجزء من حرب روما ضد هانيبال كان الإعلام الروماني يضخم بخطر هانيبال حتى صارت الأمهات اللاتي تدعو أبنائها للعودة إلى البيت، من اللعب بالشوارع تقولن لهم: هنانيبال على بوابات روما. أي أنهم يرضعون أبنائهم الخوف من العدو. عايشنا ذلك في حرب الغرب ضد العراق حيث ضخم الإعلام الغربي خطر صدام وصواريخه الكيمياويه بأنها تبيد بريطانيا. فأنتفض الغرب لتحطيم العراق و ظهر أن كل ما خلقه الإعلام هو مجموعة أكاذيب ومبالغات.

ما العوامل الرئيسية التي انبثق عنها هذا الجحيم الطائفي الشرق الأوسط ؟ وهل من استراتيجيات ممكنة للإنعتاق منه قريبا؟

- الجحيم الطائفي سببه غياب السلطة المركزية وانفلات الهوية الوطنية. والذي حدث هو مشروع متبادل شارك به العرب،  واستقبلته أوروبا برد فعل معروف تاريخيا.

صدام والأسد حكام غير ديمقراطيين، ووحدوا بلدانهم بالعنف  المتبادل، بينهم وبين الشعب. صدام استخدم سلاح كيمياوي في مدينة حلبجة، والأسد استخدم عنف كبير ضد الإخوان المسلمين، الذين اعتبروا الحكم علوي طائفي واستبعدوا السنة. العنف يولد عنف. لكن بالمقابل فقد بنى صدام مجتمعا متطورا وأسس لدوله قويه . وكما تعرف فمشروع توحيد العرب ضمن الفكر القومي قائم. فأحتل الكويت ولو تردد الغرب في الرد والتدخل لأحتل السعودية وسوريا ودول الخليج. في ذلك الزمن كان صدام قائد محبوب للعرب. الغرب لا يعبأ بالسلام وبشعوبنا بل بمصالحة . والغرب يتحسس من أي نهضة علمية في الشرق الأوسط. أيام محمد علي في مصر حدثت نهضة في مصر بحيث كاد محمد علي أن يحكم الدولة العثمانية. بريطانيا وفرنسا اتحدا من اجل محاربة نهضة محمد علي، بينما في نفس الوقت حدثت نهضة اليابان فلم يجيشوا الجيوش ضدها بل تعاملوا معها ضمن التنافس الاقتصادي.

ليس لدي جواب غير أن المستقبل مشرق بعد مراحل من الآلام والكوارث. أوروبا مرت بهذه المرحلة واختفت فيها طوائف ومجموعات أثنية ودينيه وانقرضت بسبب الطائفية. أدركت أوروبا أن العنف والتطرف سيجعلهم ينقرضون فأحلوا التسامح والتنوير والثورات الديمقراطية. هذا ما سيحدث لدينا أكيد ولو بعد مدة ليست بالقصيرة.

 

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-03-19 03:30:14.