حوارات عامة

حوار مع الشاعر الكبير يحيى السماوي (1-3) / عصام شرتح

yahia_alsamawi س1ـ عصام شرتح: ناقد واديب / سوريا: ما مصدر موهبتك الشعريّة؟

ومتى بدأت الخوض في غمار هذه التجربة؟

ج1: يحيى السماوي: المصدر كان حكايا والدي رحمه الله في ليالي الشتاء في بيتنا الطيني وما يتخلل تلك الحكايا من شعر أفهم  قليله وأجهل كثيره، لأجدني بعد   ذلك أقرأ ما استطعت من ديوان المتنبي والمعلقات وبضعة كتب أخرى من بينها نهج البلاغة، كتب لا يتعدى عديدها أصابع يديّ، فبدأت تقليد ما أقرأ بأبيات ساذجة لكن والدي كان يبالغ في مدحها، حتى حدث الإنقلاب الكبير في حياتي عندما طلب منا مدرس اللغة العربية الأستاذ شمخي جبر ـ في الصف الثاني متوسط ـ  كتابة موضوع في درس الإنشاء والتعبير عن بيت النابغة الذبياني :

لا مرحبا بغدٍ ولا أهلا ً به

إنْ كان تفريقُ الأحبة في غدِ

فوجدت نفسي أمضي الليل مع أكثر من ورقة بيضاء محاولا نسج بضعة أبيات على نسق بيت النابغة الذبياني، حتى إذا  غفت آخر نجمة وبدأت الشمس تفرك أجفانها، كنت قد كتبت ثمانية أو تسعة أبيات ..  حين قرأتها في الصف صفق لي المدرس وأعطاني درجة كاملة، ولم يكتف ِ بذلك فطلب مني قراءتها  خلال الإستراحة  في غرفة المدرسين، ومن ثم أهداني في اليوم التالي كتاب النظرات للمنفلوطي وديوان معروف الرصافي على ما أتذكر، وبعد مضيّ بضعة أيام وجدت أبياتي ـ رغم سذاجتها ـ  تتصدر النشرة الجدارية التي يشرف على تحريرها طلاب الصف الخامس، لكن المفارقة أن هذه القصيدة تسببت في تعرضي للصفع من خالي " رسول " رحمه الله  لاعتقاده أنني كتبتها تغزلا  بإحدى بنات جيراننا .. كانت الأبيات ساذجة  أتحدث فيها عن جمر الشوق وعن طعم القبلة الأولى  وعن نهدين متوثبين مثل صقرين يكادان يمزقان القميص ليحلقا نحو  شجرة يديّ   .. أتذكر منها:

 

لا خيرَ في عيشي إذا محبوبتي

بعدتْ ولم تعطف عليّ بموعد ِ

صافحتها عند المساء فأشرقتْ

شمسٌ وجاء النجم يسكر من يدي

يا حلوتي لا ترحلي فمدينتي

لولاك ما كانت نشيدَ المنشد ِ

 

هي مجرد أبيات  عادية لا تعدو كونها نظما ً أكثر  يباسا ً من قرون الوعل كتبها الصبيّ المراهق الذي كنته ..

 

س2: عصام شرتح: ـ إنك- أخي يحيى- تعرف موضع الإثارة في القصائد الشعريّة الحديثة ..  ما هو موقفك من تجربتك من  خلال المزاوجة بين إيقاعي القصيدة الكلاسيكية/ والقصيدة الحداثية؟

ج2: يحيى السماوي: أصدقك القول، إنني وضعت لنفسي مبدأ مفاده : " إغرس وردتك وامض ِ "أيّا كان لون هذه الوردة، فالمهم هو أن أساهم في إضافة وردة إلى حديقة المحبة الكونية بمعزل عن لونها وشكلها، فالمهم أن تكون ذا شذا وأن  تُشغِل مكانا للحيلولة دون ظهور شوكة .. أعني أنني أولي اهتمامي للهدف أوغائية القصيدة أولا، ومن ثم شكلها .. وأما عن المزاوجة بين إيقاعي القصيدة الكلاسيكية والحداثية، فأرى أنه إذا كان يخدم القصيدة فلا مناص منه، فالحداثة كما أعتقد لاتعني إعلان البراءة من الأمس بقدر ماتعني الإرتقاء به ليتواءم مع اليوم والغد (وهذا ما يؤكده رائد الحداثة العربية أدونيس) .. إن الشجرة الباسقة هي تلك التي تكون جذورها أكثر توغلا في الأرض ..

 

س3: عصام شرتح: ما هو موقفك من القصيدة الحداثية في سوريّة، وبالأخص تجربة الشعراء التالية أسماؤهم: نزار قباني-أدونيس-فايز خضور-نزيه أبو عفش-عبد الكريم الناعم-عبد القادر الحصيني-محمد عمران- محمد الماغوط؛ صقر عليشي؟

ج3: يحيى السماوي: أزعم أن الشام هي الرَّحِمُ الذي نما فيه جنين الحداثة العربية وحاضنته الأولى فالشاعر العملاق أدونيس هو عرّاب الحداثة في القصيدة العربية ورمزها ومُنظّرها، والشاعر الكبير نزار قباني مدرسة شعرية بمفرده استطاع  أن يجعل شعره فاكهة يومية للذائقة الأدبية .. والماغوط يبقى الشاعر الأمهر والأشهر بين شعراء قصيدة النثر العرب .. وسليم بركات أحد أهم رموز قصيدة النثر العربية ..  الأمر نفسه بالنسبة للشعراء المبدعين المائزين فايز خضور ونزيه أبو عفش وعبد الكريم الناعم والحصيني ومحمد عمران و صقر عليشي  ومثلائهم ... هؤلاء المبدعون قد أضافوا دما جديدا للقصيدة العربية أسهم في عافيتها الراهنة .

 

 س4: عصام شرتح: ما هي تطلعاتك المستقبلية لتطور مسار القصيدة الحداثية؟ هل برأيك أن القصيدة الحداثية حققت هدفها/واكتملت؟! أم أنها مازالت تفتقر إلى الكثير من الرؤى والمواقف والمتغيرات الوجوديّة؟

ج4: يحيى السماوي: لايمكن عزل تطور الأدب العربي بشكل عام عن تطور الأمة العربية على الصُعُـد كافة بدءا من تطورها اقتصاديا مرورا بتطورها من أمة ردود أفعال إلى أمة أفعال  وانتهاء بتطور منظوماتها السياسية  على أن يحدث ذلك كله في ظل الحرية والديمقراطية وردم الهوة السحيقة بين جموعها الغفيرة من الفقراء، والفئة القليلة المتخمة .. القصيدة الحديثة  ـ  وإنْ طرقنا بابها متأخرين ـ لم تحقق هدفها لأن البستان الإبداعي العربي ـ شأنه شأن بقية البساتين العربية الإقتصادية والسياسية ومؤسسات المجتمع المديني ماتزال مريضة غير معافاة وتشكو الوهن   ومازالت متخلفة عن القطار الحضاري المعاصر بعقود زمنية ـ بل وبعضها مازال متخلفا بقرون، ولا أدلّ على ذلك من نسبة ماتخصصه حكوماتنا العربية من موازناتها المالية للبحوث وبقية مناحي المعرفة قياسا بما تخصصه لشراء أسلحة ينتهي بها الأمر خردوات حديد باستثناء القليل منها المستخدم لحماية كراسي السلطة لا من عدوّ خارجي، إنما من غضب الجماهير الشعبية ..

 

س5: عصام شرتح: إني لاحظت في بعض لقاءاتك الصحفية امتلاكك لذائقة نقديّة متميزة؟ كيف تنظر إلى واقع القصيدة المعاصرة في لبنان؟ وما هي التجارب الشعريّة التي تركت بصمة في مخيلتك الشعريّة وأثرت معالم القصيدة لديك؟ وبالأخص ما هو رأيك بتجربة الشعراء التالية أسماؤهم:

جوزف حرب - محمد علي شمس الدين - غسان مطر - شوقي بزيع-وإلياس لحود؟

 

ج5: يحيى السماوي:  أعتقد أن كل شاعر هو ناقد أيضا، بمعنى أنه أوّل مَنْ يُمارس نقد قصائده من خلال إعادته النظر في قصيدته قبل إطلاق سراحها من أوراقه ومكتبه نحو  فضاءات النشر المختلفة ..

بالنسبة لهؤلاء الشعراء الأفذاذ الذين ذكرتهم، فإنهم قد أعادوا الإعتبار إلى شعر المقاومة  النضالي فأصبحت لبنان حاضنته بعدما خفت صوته  عربيا ... شعراء أضافوا إلى بندقية  المقاومة في لبنان الرصاصة الكلمة أو القصيدة الرصاصة .. هم وإنْ كانوا سربا ً واحدا إلآ أن كلّ واحد منهم ينشد بحنجرته الخاصة، لكن شعرهم يتسم بذهنية بلاغية ومنطقية وتشعّ بالأمل مبشّرة بالغد العربي الأبهى وبانتصار إرادة الشعوب على أعدائها المتمثلين بالإمبريالية وأداتها الإقليمية إسرائيل ... شعر مستوفٍ كل مستلزمات الإبداع وليس شعرا ً خطابيا حافلا بالشعارات والصراخ ..صحيح أن هؤلاء الشعراء لبنانيون جنوبيون ـ لكن الصحيح أيضا أنهم ناطقون بلسان الضمير العربي ومعبّرون عن إرادة الشعوب العربية أكثر من كونهم معبرين عن إرادة الجنوب اللبناني .

التجربة الشعرية التي تركت بصمة في مخيلتي هي تجربة محمود درويش بخروجه من فضاء الهمّ الذاتي إلى فضاءات الهمّ الإنساني الأرحب  دون أن يتخلى عن جرحه الوطني .. لقد حقق الإنسجام بين طرفي المعادلة الصعبة : الإلتزام تجاه وطنه وتجاه العالم في آن ٍ واحد، فكان بحق شاعرا عربيا وكونيا ، ورحيله المفاجئ كان خسارة للأدب العالمي وليس العربي فحسب ..   

 

 س6: عصام شرتح: ما هي المخاطر التي تمر بها القصيدة العربية الحداثية؟ ومتى ترتقي قصائدنا الحداثية إلى المصافي الإبداعية العالمية؟ وتحقق علوها الإبداعي؟ ما رأيك بشعريّة القاسم ومحمود درويش؟

ج6: يحيى السماوي: مأزق القصيدة العربية الحداثية هو ذات مأزق الشعوب العربية : غياب الحرية والديمقراطية  ... أما بالنسبة لشعرية سميح القاسم ومحمود درويش فهما قامتان شعريتان  مبهرتان، وبخاصة محمود درويش الذي ارتقت شعريته إلى مصاف العالمية، فقد  ترك بصمته على أكثر من جيل شعري .. لقد غفا إغفاءته الأخيرة لكن الخلق النقدي والأدبي سيبقى منشغلا  طويلا  بمنجزه الإبداعي ..

 

س7: عصام شرتح: ما هو سبب ابتعاد جمهور قرّاء القصيدة الحداثيّة؟ ولماذا لم تحقق شرعيتها في أذهان الكثيرين منهم؟

ج7: يحيى السماوي: السبب في الطارئين على القصيدة الحداثية وليس في القصيدة الحداثية ذاتها .. فقد استسهل هؤلاء كتابة الشعر دون أن يكونوا مؤهلين ثقافيا و لغويا ونقديا فظنوا أن التفجير اللغوي يعني تهشيم اللغة وليس  اكتشاف غير المستكشف بعدُ من عالمها الشاسع ..  إنهم شعراء بلا  شعر، ساعدت الشبكة العنكبوتية على نشر كتاباتهم .. هؤلاء  هم سبب ابتعاد الجمهور عن القصيدة الحداثية .. نقل لي صديقي وأخي وأستاذي الشاعر الريادي بلند الحيدري رحمه الله أنه قال لأدونيس يوما : أنت شيّدتَ قصرا ضخما، لكن الفئران تسللت إليه .

الأزمة هي أزمة  شعر وليست أزمة  قرّاء .. كما أنها ليست أزمة نقد، فالناقد الجيد يحتاج إلى شعر جيد يجري عليه بحوثه في مختبره النقدي ..

 

س8: عصام شرتح: ما هي أهم المواضيع التي تمّ إهمالها في قصائدك؟ ولم يسلط النقد الضوء عليها بعد؟ هل أنت ترى الأزمة المعاصرة أزمة نقاد أم أزمة شعراء؟

ج8: يحيى السماوي: لقد تناول عدد كبير من النقاد تجربتي الشعرية المتواضعة كدراسة السيدة إنصاف الحسني لنيل شهادة الماجستير والموسومة " شعر يحيى السماوي بين الرؤيا والإبداع " ودراسة الأستاذ محمد جاهين بدوي ـ أستاذ النقد الأدبي في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر ـ في كتابه الموسوم " تجربة العشق والإغتراب في شعر يحيى السماوي / قليلك لا كثيرهن أنموذجا " ودراسة الأستاذة الدكتورة فاطمة القرني في كتابها " الشعر العراقي في المنفى .. يحيى السماوي نموذجا " ودراسة الدكتور حسين سرمك حسن في كتابه " إشكاليات الحداثة في شعر الرفض والرثاء .. يحيى السماوي أنموذجا) وكتاباك الثران  " آفاق الشعرية / دراسة في شعر يحيى السماوي " و " موحيات الخطاب الشعري / دراسة في شعر يحيى السماوي "  وغيرها من الدراسات قد سلطت الضوء على مناحي تجربتي الشعرية، كلٌّ من هؤلاء النقاد الأعلام قد تناول وجوها من تجربتي الشعرية المتواضعة وإضاءة غير المرئيّ منها، وقد استفدت منهم جميعا في تقويم وتقييم مساري الشعري .. لكنني أعتقد أن  البيئة والمكان  يجدر تناولهما بشكل أكثر ـ وقد قرأت مؤخرا فصولا من دراسة  كتبها الشاعر والناقد الأستاذ سردار محمد سعيد حول أثر بيئة السماوة والمحيط العائلي والمديني في شعري .. والأستاذ سردار شاعر وناقد وفنان تشكيلي قدير ..

 

س9: عصام شرتح: أنت  تعلم أخي يحيى أنّ الشاعر لا يعيش بمعزل عن الأنثى؛ فهي ربّة الشعر؛ وهي ملهمته أيضاً، لماذا غابت عنك الأنثى في بعض الدواوين؟ أم أنك اتخذت موقف أبي العلاء المعري في الأنثى... في مرحلة ما من حياتك؟

ج9: يحيى السماوي: لم تغب الأنثى في ايّ من مجاميعي الشعرية .. إنها حاضرة بقوة، لكنها تختفي أحيانا  بين تضاريس الوطن، وهذا ماكنت أقصده في إهدائي بعض قصائدي "  إلى  حبيبة من ماء وتراب ونار، وإلى وطن من لحم ودم " ... أعني أنني أخاطب الحبيبة أحيانا من خلال الوطن، كما أخاطب الوطن من خلال الحبيبة .. فالمرأة / الحبيبة والوطن هما ضفتا نهري الشعري  ..إنهما  عنصران رئيسان متحدان اتحاد العطر بالوردة  والرفيف بالنبض .. إذا كان الرجل وردة، فإن المرأة هي عطرها .. وبالنسبة لي شخصيا، أرى أن الجنة دون المرأة لا تعدو كونها شكلا من أشكال الجحيم .

 

س10: عصام شرتح: إني ألمس في بعض قصائدك جرأة نادرة أثارتني في كثير من الأحيان، لدرجة أني أحببتك؛ إذ لمست في هذه الجرأة جرأة العمالقة والقادة العظام، كيف تنظر إلى جرأة المشاعر والاديب في خلق تميّزه؟

ج10: يحيى السماوي: الحقيقة كالحب والوطن .. فكما أنه لايوجد نصف وطن أو نصف حب، فإنه لاوجود لنصف حقيقة  ..  ولأنني أؤمن بأن على الأديب الإنتصار للحقيقة فإن عليّ الجهر بها  في قصائدي  أيا كانت انعكاساتها السلبية عليّ ... فالحكمة تقول : أنْ يكون المرء  جنديا في كتيبة الأسود،  خير له من أن يكون قائدا للأرانب أو النعام  .

 

س11: عصام شرتح: إنّ الولادة وحياة الطفولة والبيئة تلعب دوراً مهماً في تشكيل الأديب وتشكيل ملامح الشخصية عموماً؟ ما أثر مولدك؛ وفي أي محافظة ولدت ونشأت وترعرعت ونهلت المعارف؛ وما هي المؤثرات التي حفزتك لكتابة الشعر؟! ودفعتك إلى خوض غمار القصيدة رغم صعوبتها واكتنافها بالمخاطر والمحظورات؟

ج11: يحيى السماوي: أنا ابن أم قروية وأب كان يبيع البرتقال على أرصفة المدينة قبل أن يستأجر دكانا صغيرا للبقالة .. ولدت في مدينة السماوة، في بيت طيني من بيوت حيّ " الغربي " المتلاصق البيوت تلاصق تلاصق قطيع ماعز في حظيرة ضيّقة .. سطوحنا مفتوحة على بعضها .. وأبوابنا لا أقفال لها .. الأمهات يرضعن أطفال الجيران مع أطفالهن  .. في هذه البيئة عرفت معنى التكافل الإجتماعي فتعلقت به مؤمنا بدوره الفاعل في إقامة المدينة الفاضلة .. ومن خلال هذه البيئة عرفت أن الفقراء هم أكثر طبقات المجتمع طيبة وأنقاها محبة ومروءة ومكارم أخلاق وحبا للوطن، فكانوا من بين أهم موادّي  الشعرية مثلما كانوا السبب وراء انتمائي المبكّر لأحد الأحزاب  السياسية المحظورة المنافحة عن الفقراء والكادحين والعدالة وسيادة القانون الذي سأتعرض للتعذيب والفصل والمطاردة بسببه حتى بعد توقفي عن العمل الحزبي .

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1942 الاربعاء 16 / 11 / 2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2011-11-16 01:07:05.