د. منير لطفي
ا. د. عبد الله الفيفي
ميلاد عمر المزوغي
د. علي المرهج
ا. د. محمد الدعمي

المخرج السوري محمد عبد العزيز: دائما أقول لنفسي لن أموت بقذيفة هاون أو رصاصة

fatima badriرغم تواضع حضور السينما السورية على الساحة العربية والعالمية يطل علينا المخرج الدمشقي الشاب محمد عبد العزيز بخطوات واثقة وبرؤية فنية متفردة جعلت اسمه يكتسح عالم السينما تدريجيا.تجربة قد تكون في محطاتها الأولى ولكنها تحمل بوادر ولادة مخرج سينجح في إخراج السينما السورية من خانة العروض الداخلية.وفي وهران حيث قدم للمشاركة بعرض فيلمه "الرابعة بتوقيت الفردوس" في فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان وهران الدولي للسينما العربية كان لنا لقاء مع محمد عبد العزيز وتحدثنا مطولا عن عرضه الأخير وعن قناعاته وأفكاره ومشاريعه الكبيرة في عالم السينما فكان هذا الحوار.

 765-ftima

1) "الرابعة بتوقيت الفردوس" عنوان يبعث على الكثير من التأويلات فما هي القراءة التي وضعتها أثناء اختيارك لعنوان الفيلم؟

- الحقيقة أن "الرابعة بتوقيت الفردوس" هو أكثر أفلامي التي بحثت فيها مطولا،فالنسخة الأولى التي كتبتها للعمل كانت تحت إسم "ذاكرة بيضاء"،والنسخة التي قدمناها لمؤسسة السينما كانت بعنوان "الملائكة خلف الباب السابع"،والنسخة التي اعتمدناها اثناء التصوير كان اسمها "ملائكة النهار"،لتستقر النسخة النهائية على "الرابعة بتوقيت الفردوس".والفيلم حقيقة انتقل عبر سلسلة من الاسماء وهذا دليل على أنني كنت بصدد البحث بشكل عميق وجدي عن عنوان يكون مدخلا لفلسفة الفيلم ويحمل عدة مستويات من الفهم والقراءات.فالرابعة بتوقيت الفردوس هو صفر الوقت الذي ينتهي فيه الفيلم،فعندما ينتهي الفيلم بتوقيت الرابعة في قلب دمشق مع ذكر وانثى في دائرة الرحم هنا يبدأ وقت الفيلم،أي أن الرابعة ليست النهاية بقدر ما هي عملية خلق لبداية جديدة.كما أن "الرابعة بتوقيت الفردوس" يحمل دلالتين الأولى الدلالة التوراتية عن الجنة التي نزعنا عنها القشرة الأسطورية التوراتية بالمشهد الأخير.والدلالة السياسية التي تعني دمشق الخراب ولكننا نقرؤها بشكل فني في صورة الفدردوس السوري حتى لو كان هناك خراب وحطام.

 

2) المتابع للفيلم يفهم للوهلة الأولى ان الفيلم يدخل في خانة الأعمال المعارضة،ألم تخشى أن توضع في خانة التصنيفات السياسية وتعامل كمخرج معارض؟

- لا لم اخف لانهم حاولوا كثيرا تصنيفي،فمثلا في فيلم "دمشق مع حبي" هناك الكثير من الأصدقاء المقربين قالوا لي أنت تنتحر فنيا لأنك تؤنسن يهود دمشق ونصحوني بعدم الاقدام على هذه التجربة،ولكنني مع ذلك قدمت الفيلم.وعموما لا اجد مبررا للخوف لأن المعارضة ترى أنني تخليت عن الجانب المعارض داخلي وأعمل لصالح النظام،فيما مازال النظام ينظر إلي بعين الريبة على اعتبار انني معارضا ومندسا،والمكون العربي يعتبرون أن لدي جذور كردية وأحاول الترويج لهذه الثقافة،و الأكراد يعتبرونني مستعرب لأنني أعمل بالسينما باللغة العربية.ولهذا فأنا أجد نفسي متناغما مع هذه الدوامة من القراءات التي تحيط بي لأنني اعتبر نفسي شخص معني بكل قضايا الإنسان بصرف النظر عن كونه سوري أو عربي أو كردي أو علوي أو سني او أي انتماء آخر. وعملي "الرابعة بتوقيت الفردوس" ينبع أساسا مواقفي السياسية والإنسانية ليست فقط بعد الثورة وإنما قبل ذلك أيضا،ولهذا لا يمكن أن أصنف كمخرج معارض، أنا فقط لي ملاحظات كبيرة جدا على شكل النظام السياسي في سوريا وهذا ليس معطى جديد باعتباري من المعارضين للنظام السياسي ولحزب البعث منذ فترة الإعدادي وهذا معلوم لدى كل الدوائر الأمنية في سوريا.وفي الوقت ذاته أنا أحمل نفس القدر من الملاحظات عن المعارضة السورية التي تديرها اليوم ثلاث مراكز استخبارات رئيسية في المنطقة وهي المخابرات العسكرية التركية والمخابرات القطرية والمخابرات السعودية وبالتالي فقدت شرعيتها للتغيير.ولكن هذه المواقف بقيت في دائرة الاعتدال والتمشي السلمي باعتبار أنني كنت من الداعين إلى تغيير السلطة بسوريا بشكل سلمي يمتد إلى عشرات السنوات من أجل حفظ السلم الأهلي.أمنت بهذا الشكل من التغيير لأن سوريا تضم بيئة اجتماعية متعددة الطيف وأي تغيير للبنى فيها بطريقة خاطئة كان سيحملنا إلى كارثة ونحن نعيش هذه الكارثة حاليا.

 

3) اعتمدت في مواقف مختلفة من الفيلم الرمزية كتقنية فهل كانت موظفة للهروب من الرقابة أو كانت في دائرة التقنيات السينمائية البحتة؟

- جزء من هذه المشاهد كان هروبا من الرقابة والحقيقة أنني لا أستطيع ذكر بالضبط أي من هذه المشاهد،ولكن الأكيد أنها استطاعت تشريح وتعرية جوانب معينة رميت إليها كصاحب نص ومخرج.وأما بالنسبة للجانب السينمائي فأنا حاولت الدمج بين نمطين سينمائيين مختلفين وغير متوائمين وأعني الواقعية والرمزية بدرجات محددة وقد وفقت في بعضها وكانت عبء في مواضع اخرى،ولكن الأكيد أن ليس هناك أي اغراق في الرمزية كما يقول البعض لان العمل أساسا واقعي.وعموما يبقى للنقاد والمتلقين المساحة الكبيرة لرؤية العمل وإعادة تركيبه من خلال مخزونهم البصري والمعرفي.

 765-ftima2

4) الفيلم صور وسط أجواء حرب في سوريا فما هي اللحظات أو الأجواء التي ظلت عالقة أكثر من غيرها لديك أو لدى الفريق عموما؟

- القذائف التي كانت تطلقها المعارضة الاسلامية بشكل وحشي على دمشق المدينة ونحن بصدد التصوير وكان البعض منها قريبا.ومن أشد المواقف التي ظلت عالقة هو يوم قصف المعهد العالي للفنون المسرحية لأنه كان يعنينا شخصيا لأننا جميعا خريجي هذا الصرح،وكان قد استشهد هناك عدد من الطلاب.

 

5) كيف تقبلت نتائج الدورة الثامنة من مهرجان وهران الدولي للسينما العربية بعد المديح الهائل لفيلمك يوم العرض وحتى بعد ذلك؟

- تقبلت النتائج بشكل عادي ...

 

6) بماذا تفسر توجه لجنة التحكيم في مهرجان وهران وفي أغلب المهرجانات العربية إلى الاحتفاء بالأسماء الكبيرة وإسناد جوائز غير مستحقة على حساب أسماء شابة أثبتت تألقها؟

- في السينما لا توجد أسماء كبيرة وصغيرة هناك دور وطريقة أداء ومدى الاشتغال البحثي الفني الرصين على هذا الدور.وميل لجنة التحكيم في وهران إلى منح تقديراتها إلى الجيل الكلاسيكي شخصيا لا أعرف أسبابه ولا يعنيني وليس بالضرورة أن تكون قرارات المنح صائبة أو خاطئة،الأمر يتعلق برؤية ما هو طليعي ومعاصر علينا ابرازه وتمكينه.هل نبرز سينما المقاولات بنمطها الجديد ام السينما التي تقتطع جزءا من الحياة وتضعه على الشاشة بلا رتوش أمام المتلقي ليرى واقعه العربي والإسلامي بعلقمه بلا عمليات وبلا مساحيق تجميل كما في الفيلم اليمني المنفرد مثلا.

 

7) ما هي مشاكل السينما العربية برأيك؟

- ربما المشكلة الأساسية للسينما العربية تكمن في مصادر التمويل،فإما مصادر حكومية تحاول تكريس سياساتها في جسد المادة الفنية وإما اموال خاصة هدفها الأولي ربحي وفي أغلبها عمليات تبييض أموال أو تمويلات صغيرة ليست لديها القوة الكافية لترسيخ وفرز رؤى متعددة لخلق مناخ سينمائي حقيقي يرتقي لمصاف ما ينتج في العالم.والمشكلة الأخرى هي ليست أقل كارثية بالدرجة الأولى أن الايديولوجيا والخطاب الانشائي الاخلاقي يغلب على معظم نتاجات الافلام في العالم العربي.وبدرجة ثانية تحكم جيل كلاسيكي تقليدي بأغلب مفاصل الصناعة السينمائية.

هناك لحظات متناقضة في سوريا أظنها ساحرة لأي سينما

 

8) وبعيدا عن هذه مشاكل السينما العربية نتجه إلى مسائل اخرى في فيلم "دمشق مع حبي" تحدثت عن الأقليات اليهودية والمسيحية فهل أردت القول وخاصة في مثل هذه الظروف أن الاضطهاد يمس فقط هذه الأطياف؟

- هناك حقيقة وهي أنه منذ 14 قرن ومع بداية الغزوات العربية وانتشارها في المنطقة عانت الاقليات الأصلية في كل العالم العربي والإسلامي من اضطهاد شديد،ولهذا فإن الاعتراف التاريخي والاعتذار من هذه الشعوب الآشورية والسريانية والكردية والارمنية وغيرها من المذاهب الأخرى بمسؤولية أعتقد أنه واجب انساني وثقافي. وأنا كسينمائي كنت معني بهذه المسألة لأن هذه الاقليات (بين قوسين على حد تعبيره) هم سكان أصليين ولم يأتوا في صحون طائرة من فضاء خارجي وتعرضوا إلى اضطهاد ممنهج،ولهذا كان اهتمامي نابع من الوعي بأهمية القضية ومحاولة خلق باب للحوار والنقاش حول تعايش هذه الفرق دون اضطهاد او ميز.كما أن عائلتي الشخصية خليط كردي وارمني وعربي وهذا سبب آخر لأسلط الضوء على مثل هذه القضايا.

 

9) وهل التوقيت مناسب لطرح مثل هذه القضايا وأنت تعيش على وقع حرب مستعرة ومن بين مشاكلها الطوائف؟

- الوقت دائما مناسب وأفضل مواقيت الإصلاح وفتح الملفات هي ظروف الحرب،كما أن الموقف من الحريات العامة لا يتجزأ.وانا أقولها أن عدم الاعتراف التاريخي بهذه الأقليات هو بالتأكيد بسبب العنصر العربي السني ويجب أن تقال هذه الحقيقة في أي زمن أو ظرف.

 765-ftima3

10) صورت في الفيلم جانب كبير من التسامح بين الطوائف أو الأديان في الفيلم "دمشق مع حبي" والحقيقة أن أسباب التطاحن اليوم سببه غياب عنصر التسامح فهل كنت تتحدث عن واقع مشوش أو تطرح تصور مستقبلي تريده كمخرج وإنسان؟

- جزء منه واقعي لأنني أومن كثيرا أن هناك حد كبير من الصراع الديني مفتعل،وأعتقد أن المنطقة والأفراد اليوم ليست بحاجة إلى الديانات السماوية بقدر ما هي بحاجة للمعرفة للمعاصرة وللعلم لا إلى عقل تغييبي قائم على الاساطير والخرافات.ولكن الجزء الأكبر هو تصوري ورؤيتي التي أرغب أن تكون عليها الديانات في الواقع رغم أن الحوادث حقيقية وجرت في سوريا.وربما في أعمالي كان لي تركيز أكبر على مسيحيي دمشق بل وكانوا دائما أبطال أعمالي لانني على قناعة ان هؤلاء كمكون ثقافي وليس كديانة كانت لهم أيادي بيضاء بعشرات القرون من بناء حياة مدنية في دمشق،إلى جانب دورهم في الجانب التنويري للمجتمع.

 

11) بالنسبة للسينما السورية بقيت خجولة من ناحية الكم ما هي الأسباب؟

- ليست هناك جهات تنتج أعمال سينمائية عدا المؤسسة العامة للسينما ومؤسسة خاصة أنتجت لي حتى الآن فيلمي "نيكوتين" و"دمشق مع حبي"، ولم تقدم أي جهة أخرى سورية على انتاج فيلم منذ 38 سنة لقناعة مفادها أن سوق السينما خاسر.كما أن معظم المنتجين السوريين تجار لا تعنيهم الثقافة والفن ولهذا انصب الثقل على المؤسسة العامة للسينما.

 

12) لكن هناك توجه نحو دعم الدراما؟

- لأن الدراما تخدم السلطات وحتى التي تمرر حد معين من نقد السلطة تأتي بتوجيهات أمنية،ولهذا فإنني اعتبر ان الدراما العربية واعني خاصة المصرية السورية والخليجية ساهمت في إفساد ذائقة المتلقي ولم يعملوا على عناصر جمالية او فنية حقيقية وبقيت مجرد تقاطع مصالح مع قنوات البث.

 

13) مع تنامي الأحداث في سوريا هل تعتقد ان هذه الظروف ستكون بوابة لانتشار السينما السورية كما حصل مع السينما الفلسطينية؟

- اعتقد أنه لو اتيحت للمخرجين والفنانين السوريين فرص تمويلية أكبر ودخلت إلى سوق الانتاج شركات أكثر فإننا سنشهد ثورة سينمائية سورية حقيقية،والسبب الاساسي هو فعلا التفجر الشعبي متعدد المستويات الذي ذهب في عدة اتجاهات عنيفة وخلق مناخ غني جدا لأي سينما يمكن أن تنهل منه.

 

14) أمام غياب التمويل وجهات الانتاج والوضع الأمني في البلاد هاجر العديد من الفنانين والمخرجين السوريين لماذا اخترت البقاء؟

- هناك اسباب اهمها انني في بداية الثورة كنت من المساهمين وإلى الآن أومن ان معركة التحول الديمقراطي تأتي بانتهاج مسار سلمي يخاض من الداخل، لهذا كنت ضد فكرة خروج القوى العلمانية والمدنية من دمشق والتعامل مع المخابرات القطرية والتركية السعودية بشكل مشين وفاضح. وأنا وجدانيا مرتبط جدا بدمشق حتى أنني لا أتوقع أنني قد أؤسس علاقة وجدانية اخرى مع مدينة أوروبية وأبدأ من جديد رغم أن امكانية السفر قائمة.وربما بقائي غريزي أكثر لان غريزة الحياة عندي إلى الآن لا أعدها مهددة رغم القذائف والقصف والانتشار العسكري،وأنا دائما أقول لنفسي لن أموت بقذيفة هاون ولا برصاصة.ولولا المعارضة الاسلامية التي تحيط بدمشق فإن الحياة في دمشق لم تتغير وهذا لا يدخل في إطار الترويج للنظام ولا لاي طرف ولكن هذا ما اعيشه.وهناك شيء آخر مغري للبقاء في سوريا قد يكون مؤلم جدا ولكنه مهم وهو أن تكون شاهد على الانهيار التام للبنية المجتمعية،هناك لحظات متناقضة أظنها ساحرة لأي سينما لحظة انهيار احياء واختفاء احياء سكنية بكاملها،وهناك أحياء أخرى يتم زرع الورود فيها والاعتناء بها.

 

15) ماهو مشروعك الكبير كسينمائي؟

إلى اليوم لم أصل إلى إنجاز الفيلم الذي أطمح إلى إخراجه لعالم السينما،وكل ما أنجزته هو ما يتوافق قليلا مع الجهة الممولة.ومشروعي الأساسي هو "الكائنات التي أحرقت الجنة" وهو عمل تدور أحداثه في مكان صعب وأعني المنطقة الكردية وتحديدا في المثلث الحدودي وهو ما يجعل إمكانية تمويله صعبة جدا،بالإضافة إلى أن لا احد يحب الأقليات ويتاجرون بها.فهذا النوع من السينما روحيا يعنيني كثيرا واجد فيه درجة عالية من الصدق وسيبقى دائما طموح مطروح.ولكن حاليا لدي فيلم بعنوان "الحرائق" انتهيت من مونتاجه الأولي وأظنه من أنضج الاعمال التي قدمتها وسيعرض السنة القادمة.  

 

حاورته: فاطمة بدري

صحيفة المثقف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3208 المصادف: 2015-06-18 13:45:04