hatam hamidmohsinواجه الليبراليون الامريكيون والديمقراطيون الاجتماعيون الاوربيون مهمة شاقة في البحث عن طريقة لصنع قرار جماعي من أجل حل المشاكل الاجتماعية باسلوب عقلاني. لكن ما هو مرغوب كان عكس ذلك تماما: كلما كانت القرارات الجماعية التي يتخذها الأفراد قليلة كلما كان ذلك هو الأفضل. ان الصيغة المعاصرة لهذه العقلانية اللامحدودة، التي لا تخشى من تحويل كل شيء الى سياسات تحت شعار الجماهيرية المدنية تسمى "نظرية الخيار الاجتماعي"(1)، التي ترتبط بكل من كينيث ارو Kenneth Arrow و امارتيا سين Amartya Sen الحائز كل منهما على جائزة نوبل. سنتوصل في هذا المقال الى ان "الخيار الاجتماعي"هو في افضل حالاته غير مثمر، وهو خطير في اسوأ الأحوال.

اقتصاد الرفاهية القديم

لـ "الخيار الاجتماعي" جذوره في الفلسفة النفعية وفي اقتصاد الرفاهية. جرمي بنثام و جيمس مل و جون ستيوارت مل حاولوا تعريف الرفاهية العامة كمجموع للمتعة الخالصة او المنفعة الفردية في المجتمع وذلك وفق اثنين من الافتراضات: ان كل فرد يُحسب كشخص واحد، وانه من الممكن مقارنة منفعة فرد واحد مع منفعة اي فرد آخر. ان اصرار جون ستيوارت مل (1861) بوجود متع عالية ومتع متدنية بقوله "ان سقراط غير راض هو افضل من خنزير راض"(2) – كان خطوة في الاتجاه بعيدا عن مقارنة بانثام الاجتماعية وهو ما قاد مل للاستنتاج ضمناً بان الناس مختلفون جدا لدرجة يصعب اضافتهم الى بعضهم . وعلى الرغم من شكوك مل، لكنه هو ذاته والاقتصاديون اللاحقون اصرّوا في بحثهم عن طرق لتجميع المنافع لصياغة الناس علميا. لذا هم بحثوا عن معيار جديد للرفاهية العامة يتجنب المقارنات الاجتماعية التي وجد مل من الصعب جدا قبولها او اعتبارها عادية.

وهكذا، في نهاية القرن التاسع عشر اقترح باريتو(3) معيارا للرفاهية لا يحتاج فيه كل فرد لحساب منفعته الذاتية ويسمح لـ "سلطة خارجية "لمقارنة وتجميع منافع الافراد المقاسة. معيار باريتو كان مرتكزا على تصنيف الافراد لأفضلياتهم بشكل ترتيبي، وهذه المواقف الاجتماعية المقبولة بلا معارضة يمكن النظر اليها باعتبارها مرتكزة على احكام قيمية مقبولة من الجميع. ان الإجماع الذي عرضه باريتو كان في ادنى حد وهو يصلح مهما كان عدد غير المصوتين . تحسّن باريتو يحدث عندما فرد واحد على الاقل يصبح في موقف افضل دون حدوث اي ظروف سيئة للآخرين. وعليه، فان معيار باريتو هو غير تام. انه لا يحاول تنظيم جميع المواقف الاجتماعية الممكنة والتغيرات في السياسة، لأنه لايذكر شيئا حول التغيرات حين يحصل تحسّن لدى البعض بينما يخسر الآخرون. ايضا، انه يضع جانبا اعتبارات التوزيع، لأن تحسّن باريتو يتم تفضيله حتى عندما يكون الفرد الذي تحسنت ظروفه بليونيرا وموقف جميع الآخرين لم يتغير. لازلنا نرى هناك مجموعة كبيرة من المواقف المقبولة باريتويا، حيث جميع التجارة في السوق الحر تجعل طرفي التبادل في وضع افضل بينما الآخرون يبقون كما هم.

وهناك خط آخر مختلف للدفاع عن حساب الرفاهية عرضه آرثر بيغو. مل فحص بعناية الاستثناءات لقاعدة عدم التدخل الحكومي في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي (1848) حين تحتاج عيوب السوق الى التصحيح.بيغو وسّع قائمة مل للتدخلات الحكومية المرخصة في كتاب اقتصاديات الرفاهية عام 1920. بدأ بيغو من النموذج المثالي للسوق التام ثم ادرج الانحرافات الواقعية عن الوضع التام، واقترح اخيرا ضرائب وإعانات لتصحيحها. كل طبعة من ذلك الكتاب احتوت قائمة طويلة من مظاهر فشل السوق ومسؤوليات واسعة للمنظمين العموميين. هكذا، بدت تحليلات بيغو وباستمرار وقتية تفتقد للتخطيط لتشكل مجموعة من الأعذار لتدخّل الدولة بدلا من ان تكون نظرية للسياسة العامة. بعد ذلك نأتي الى النقد المدمر لـ لونيل روبنس الذي اصدر منعا لمقارنة المنافع بين الافراد من اجل حساب الرفاهية الاجتماعية. وكما اشار (1932-35)، بان المقارنات الاجتماعية التامة للسعادة هي مستحيلة. هذا يأتي لسببين:

1- انه من المستحيل قياس المنفعة لكل فرد طالما ان الرقم الدال على الكمية سوف لن يبقى ثابتا للوحدات المختارة.

2- ان مقارنة حالات السعادة المتصورة ذاتيا بين الافراد هي ايضا مستحيلة نظرا للاختلافات في المشاعر والاحاسيس .

اقتصاد الرفاهية الجديد

الرفاهية القديمة للاقتصاد، خاصة في شكلها النفعي اُعلن بانها غير كافية. حتى برنامج بيغو في "عيوب السوق" اعتُبر فاقداً للاساس المنهجي. لذا فان اقتصاد الرفاهية جرت صياغته بدعم من معيار باريتو. نقطة البداية كانت مرة اخرى مثالا للسوق التام وان اقتصاد رفاهية جديد صيغ ويتلخص بفرضيتين:

1- اي توازن تنافسي هو نموذج باريتو المثالي

2- اي خطة مثالية للانتاج يتم اختيارها من قبل المخطط يمكن انجازها عبر عمليات السوق التنافسي.

هاتان الفرضيتان تبدوان ذات الشيء لكنهما ليس كذلك. انهما يضعان الاطار لنظرية "علمية" للسياسة العامة للخمسين سنة القادمة، وبهذا:

1- طالما ان الاسواق الرأسمالية الحقيقية لم تكن ابدا تنافسية ولا هي في توازن، فهناك حاجة مستمرة لسياسة تدخّلية لتحقيق اقتصاد باريتو المثالي.

2- المجتمع العادل يمكن خلقه بخطة معرّفة سياسيا وهذه الخطة يمكن وضعها قيد التطبيق بإحالة تنفيذها للسوق التنافسي.

الفرضية الاولى جرى تفسيرها لتعني ان الاقتصاد الاشتراكي المخطط جيدا قد يقترب من مثالية باريتو اكثر مما يقوم به السوق الرأسمالي. الفرضية الثانية يُنظر اليها لتشير الى امكانية تقسيم العمل بين المخطط والسوق لخلق جماعة اشتراكية مثالية. هاتان الفرضيتان لإقتصاد الرفاهية الجديد جرى عرضهما اول مرة من جانب انريكو بارون عام 1908 وجرى اثباتهما تحليليا من قبل اوسكار لانك عام 1942. عنوان مقالة بارون كان ينبئ بمناخ من الشر للأجيال اللاحقة التي عرفت الفاشية والشيوعية. اراد بارون ان يبين ان الحكومة الجماعية يمكنها:

1- قيادة المجتمع للمثالية في الانتاج

2-إعادة توزيع ما استهلكه الرأسماليون انفسهم في "نظام فردي" بعد إعادة استثمار الجزء الاكبر من الربح. المخطط سيكسب من خلال 1- اكتشاف معظم الوصفات الاقتصادية التركيبية للعناصر عبر التجربة والخطأ بوسائل تغيير الأسعار 2- سيعيد المخطط توزيع الفائض طبقا لأفضليات المساواة بين الناس.

باختصار، الاقتصاد المخطط سيعمل بالضبط كاقتصاد السوق الفردي التام حيث تكاليف الانتاج في ادنى حد ممكن وهي مساوية للسعر، وان السمتين الاشتراكيتين لهذا الاقتصاد هما فقط الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والتوزيع العادل للفائض الذي كان الرأسماليون يستهلكونه في السابق.

بالطبع، وكما اشارا لودوج فون مايس و فردريك هايك، ان الاقتصاد الاشتراكي لبارون اعتمد على عدد من الافتراضات الصامتة عن مدى المعلومات التي يحيط بها المخطط.

ا- المخططون سيعرفون التأثير الكامل لأي تغيير في الاسعار على التشكيلات الحالية للعناصر الحقيقية والممكنة، يسمح لهم بوضعها واختيارها او تعديلها بما يتلائم مع الخطة.

ب- سيعرف المخططون ما يريد الافراد استهلاكه من السلع فيغيرون طبقا لذلك اسعارهم لتجنب النقص او الفائض.

ج- المخططون سيضبطون ايضا نسبة الفائدة على التوفير لكي يضمنوا الاستثمار لغرض النمو

د- الناس سيعرفون ويقبلون ولو بتحفظ بتوزيع الفائض المقرر من قبل الدولة. ان استحالة جمع هكذا معلومات جعل مقترحات بارون غير مجدية كما بالنسبة لـ لانك.

لانك، المعجب بستالين، طبّق هذه الفرضيات لصياغة نسخته الخاصة بـ "اشتراكية السوق". في الاقتصاد المخطط، يمكن للحكومة الشيوعية تحديد اهداف الخطة الخمسية (بما فيها الاهداف الاجتماعية) ومن ثم تلعب في الاسعار في سوق تنافسي مصطنع لكي تساوي المعروض من السلع التامة الصنع مع الطلب عليها: المخطط سيسأل المنتجين عن مقدار الكمية التي يجهزونها في ضوء جداول الاسعار، ويسأل المستهلكين كم سيدفعون لمختلف الكميات المعروضة. وبعد سلسلة طويلة من الصعود والنزول سيصلون الى نقطة التوازن التي يكون فيها السوق فارغا.

ان مايس وهايك (1920، 1935) بيّنا الاستحالة النظرية لهذا الجدال لسببين: الاول ان جمع المعلومات الضرورية حول ملايين الاسعار وتغيّراتها في اقتصاد السوق هو غير عملي، والثاني ان المنتجين والمستهلكين ستكون لهم في كل الاحوال مصلحة بعدم كشف افضلياتهم للمخطط . في محاضرة لأوسكار لانك في مدرسة لندن للاقتصاد قبل شهور قليلة من وفاته عام 1965 أعلن ان الكومبيوتر سيتولى عمل حسابات اشتراكية السوق ويجعلها ممكنة، غير ان انهيار "الاشتراكية الواقعية"عام 1989 اكّد صوابية آراء النقاد.

الخيار الاجتماعي

ان المدافعين عن الخيار الجمعي شعروا بالحاجة لطريقة في صياغة وتقييم السياسات العامة طبقا لميثدولوجية فردية وليس كتوجّه من المخطط الخارجي. هذا المسار الجديد جرى اطلاقه من جانب ابرام برجسون عام 1938 وبول ساملسون عام 1947 اللذان عرّفا الهيكل العام لطرق تنظيم المجتمع عقلانيا بوسائل مقبولة منهجيا في تحويل الافضليات الفردية الى افضليات اجتماعية. هذه التحولات تُعرف عادة بدالة الرفاهية الاجتماعية SWF. التحول من الفردي الى الاجتماعي يجب ان يحقق شرطين: 1- ان دالة الرفاهية الاجتماعية ترتبط بشكل صارم برفاهية الافراد ذلك لأنه عندما يتحسن موقف الافراد فان تحسنا مماثلا يحصل في دالة الرفاهية الاجتماعية.

2- ان أي من هذه الدالات للرفاهية الاجتماعية ترتّب وبشكل دائم جميع الحالات الاجتماعية الناتجة من الأسوأ الى الافضل. ضمن هذه الحدود الواسعة سيكون الفلاسفة قادرين على الحكم بين دالات الرفاهية المقترحة والتي بموجبها يتم افضل تراكم للحاجات الاخلاقية للفرد، وبهذا يُحكم على العدالة في اقتصاد السوق.

فريق الرفاهية تلقّى هجوما قاسيا من اشهر قادته - كينيث ارو عام 1952 في "فرضية ارو بالاستحالة" Arrow impossibility theorem.هذه الفرضية اثبتت عدم وجود دالة رفاهية اجتماعية تستطيع انجاز الشروط الاربعة التالية، وهي:

1- انها تنطبق على جميع الخيارات الممكنة.

 2- انها تنال اتفاق تام.

 3- يتم اختيارها وفقا لخصوصيتها وليس لما يقال عنها.

 4- ان لا تُفرض من جانب شخص واحد على بقية الناس.

 الاستنتاج كان مدمرا: أثبت آرو بانه من المستحيل للمجتمع ان يتفق على ترتيبات الرفاهية حتى عندما يفضّلها افراد ذلك المجتمع بالإجماع. وكما يشير الى ذلك اندريه ماس كوليل عام 1974: بان الجماعة الاجتماعية التي تحاول تطبيق دالة الرفاهية الاجتماعية ستجد في النهاية انها لا تستطيع ان تقرر او تقول عقلانيا كما لو كانت شخصا منفردا.

من المفيد تعقّب التقلبات والمنعطفات لمدرسة الخيار الجمعي كي ننقذ جزءا من اقتصاد الرفاهية "العقلاني"وندمج فيها الاقتصاد العام ونظرية التخطيط، وكذلك نظرية الدولة ونظرية العدالة الاجتماعية. ولهذا الغرض، بيّنت المدرسة بان القواعد التي يجب تطبيقها يمكن ان تعمل جيدا اذا جرى تقييد الافضليات. ايضا، محدوديات الاتفاق التام لباريتو بشأن توزيع الدخل والثروة يمكن التغلب عليها جزئيا اذا سُمح بشكل ما بمستويات المقارنة بين الاشخاص. والظروف الغير دكتاتورية (عدم تبنّي دائم لأفضلية معينة) يمكن تجميدها في القرارات المؤثرة على الحريات الاساسية وحيث يمتلك الفرد الحق في التصويت ضد بعض التعليمات والنظم الاجتماعية.

في النهاية وبعد الكثير من التأكيدات المنطقية، اعترف سين ذاته (1970) بان لا وجود هناك لقاعدة ذهبية منفردة لتنظيم المجتمع وفق خطوط الرفاهية. هو انتهى بالقول ... بينما النقاء مزية غير معقدة لزيت الزيتون او هواء البحر او هيروين الحكايات الشعبية، فهو ليس كذلك في انظمة الخيار الاجتماعي.

العودة الى روبنس

في مقدمة كتابه عام 1970، قام سين وبدون قصد بالفصل الحاسم بين اسئلة نظرية اجراءات القرار واسئلة الفلسفة السياسية. ان المساهمة الرئيسية للخيار الاجتماعي هي اكتشاف ومحاولة ايجاد حلول لإشكالات وتناقضات القرارات التي تتخذها هيئة من الناس، وان الخطر الرئيسي للخيار الاجتماعي هو محاولة تعريف المجتمع العادل وفرضه على الناس. بالطبع، نحن يجب علينا اتخاذ قرارات جمعية، هياكلها ونتائجها ليست واضحة. آلياتها المنطقية يجب استكشافها، مثلما حين نحلل مأزق التصويت او شيوع المستهلك المجاني للخدمات العامة. لكن هذه الدراسات يجب ان لا تلتبس مع اخلاق القرارات الجمعية.

يوبخ (سين) بذكاء منع روبنس لمقارنات المنفعة بين الناس بالاشارة الى ان منع مقارنة الافضليات بين الناس قد يُرفع اذا كان اولئك المشتركون مستعدين للنظر في نتائج خياراتهم عند مناقشة امكانية الإبقاء على افضلياتهم. هم يرون وبشكل غير مباشر تلك القيم والافضليات باعتبارها ليست اساسية، اي، هم مستعدون لتعديلها او التخلي عنها باسم العدالة. هو يقول "يجب ان يكون واضحا" "لا فائدة كبيرة يمكن قولها حول العدالة بدون جلب بعض المقارنات الشخصية". غير ان هذا لا ينسجم مع تعريف العدالة طبقا لهيوم كما سنرى.

"المواطنون يتخذون خيارات اجتماعية ولكن سوف لن يكون هناك "خيار اجتماعي"".حين عرض روبنسن المقارنات الشخصية في الرفاهية الاقتصادية، فهو بالضبط اراد الدفاع عن الرؤية النمساوية للعدالة في المجتمع. في نظام السوق الفردي لا يمكن لأحد القول ان المجتمع عادل او غير عادل، ولا القول ان المكافئات غير مستحقة او ان توزيع الملكية غير عادل. الناس هم العادلون وليس الانظمة. بالطبع في الديمقراطيات تُتخذ خيارات اجتماعية طبقا للمصالح وللاحكام الاخلاقية لمختلف الافراد ذوي العلاقة. هذه الاحكام يمكن تقييمها او نقدها عبر الاشارة فيما اذا كانت تاثيراتها متناقضة ام ايجابية. هذا يختلف كثيرا عن محاولة صياغة وتطبيق دالة رفاهية اجتماعية معدّلة لتجنّب "تناقضات ارو". المواطنون يعملون خيارات اجتماعية ولكن لا يمكن ان يكون هناك "خيار اجتماعي".

هذا الرفض لعمل حكم اجتماعي جماعي هو منسجم مع فكر ديفد هيوم الذي اعتبر الواجبات الاخلاقية للناس تنبع من الحس الاخلاقي وليس من العقل .

وهكذا فان العدالة او احترام ملكية الاخرين ومراعاة الوعود اصبح التزاما ويكتسب سلطة على البشرية. واذا اتفقنا مع هيوم، فان اي محاولة للاختيار الاجتماعي انما تعود الى عالم الاحلام الجمعية التي يمكن ان تتحول بسهولة الى كوابيس. الخيار الجمعي يتحرك في عالم بدون مؤسسات وبدون منافسة وبدون تاريخ. العالم العقلاني للقرارات يرتكز على المعرفة التامة بافضليات الفرد.

الخطورة هي ان بعض السلطات او الحكام يبدأون العمل على اساس انهم يعرفون ما هو الافضل للآخرين. سين عرّف الحرية الفردية كونها تتضمن التمتع بما سماه "المتع" او functionings – طعام كافي، صحة جيدة، حياة طويلة، فرص للسعادة، احترام الشخصية، المشاركة في حياة الجماعة. هناك مقاطع لام فيها موقف المسحوقين من الناس في المجتمعات غير العادلة، حيث المعاناة من الجوع والموت مبكرا وفقدان معظم الاطفال ونقص التعليم والمعاناة من التمييز .هم لا يسيطرون على حياتهم ولا لديهم المقدرة على الخيار الفردي. لذا هو يدافع عن مواصفات الخيار الاجتماعي للحرية التي تقارن ما يبرز (حقا) مع ما يختاره الفرد سواء اختار فعلا ام لم يختر.

هذا يمكن فهمه باننا نستطيع فرض الحرية على الناس الذين بسبب الفقر والجهل لايستطيعون عمل الخيارات التي نراها ملائمة لهم. هذه الكلمات تستعيد ظلال انديرا غاندي التي فرضت تحديد النسل او سياسة "الطفل الواحد"في الصين الشيوعية.

احد اهداف الخيار الجماعي والرفاهية الاجتماعية لسين عام 1970 هو بيان انه من المستحيل ان تكون ليبرالي كلاسيكي وتجسد السوق الحر كواحد من بين الترتيبات الاجتماعية القليلة حيث يسود الاجماع. "استحالة الليبرالية الباريتووية" تلخص في تعبير واحد هذا المأزق. الحل البارز لهذا المأزق وغيره في الخيار الاجتماعي هو المؤسسات التي تطورت في المجتمعات الغربية منذ عهد الرومان، اعني، الملكية الخاصة. هذه المؤسسة تجزّأ عالم قواعد باريتو لكي يكون بالنسبة للاشياء التي يمتلكها الفرد يستطيع التصويت ضد قرار بقية المجتمع، والذي هو جوهر الحريات الانسانية او "حقوق الانسان". حماية الملكية الخاصة في المجتمعات الغربية لاتنال الدعم فقط لتأثيراتها الايجابية على الانتاجية، لانها في النهاية ومن خلال شراء او استئجار الموارد سوف تقع في ايدي المستعمل الاكثر كفاءة. حقوق الملكية ايضا تعمل على حماية الحريات الفردية.

تصحيح عيوب السوق بواسطة المؤسسات الناشئة

 الحجة الرئيسية لأنصار سياسات التدخل ضد حرية السوق هي وجود عيوب في السوق. هم يبدو لم يقرأوا رونالد كوس ونظريته عام 1960 (4). كوس في سنواته الاخيرة ابتعد عن تفسير نظريته ليبيّن ان عيوب السوق المفترضة تختفي في الظروف التي تُعرّف بها حقوق الملكية بوضوح والاقتصاد في منافسة تامة. رفاهية التجارة المحسنة خلقت حقوق ملكية وعملت تحت المنافسة غير التامة – المثال البارز هنا كان نمو الرأسمالية في الصين الحالية.

The poverty of social choice, Library of economics and liberty, November 2015

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) نظرية الخيار الاجتماعي تمزج عناصر من اقتصاد الرفاهية مع نظرية التصويت. انها نظرية فردية لكونها تراكم الافضليات وسلوك افراد المجتمع لتكوّن في النهاية أحكاما معقولة للخيار الاجتماعي وبناء دالة (وظيفة) الرفاهية الاجتماعية. جرمي بنثام جادل بان الافضليات ودالات المنفعة للافراد يمكن مقارنتها بين الافراد، ولهذا يمكن اضافتها الى بعضها للوصول الى قياس للمنفعة التراكمية.اخلاق النفعيين تسعى الى تعظيم هذا التراكم. غير ان لونيل روبنس Lionel Robbins رفض امكانية قياس مثل هذه المنفعة ومن ثم نظرية الخيار الاجتماعي القائمة عليها.فهو يقول انظر الى قانون تناقص المنفعة الحدية الذي يؤكد بان المنفعة من استهلاك كميات جديدة من السلعة تتناقص تدريجيا حتى تقترب من الصفر.هذا القانون استُخدم كتبرير لتحويل الثروة من الاغنياء الى الفقراء باعتبار ان الغني لا يحصل على منفعة من وحدة اضافية للدخل بقدر ما يحصل الفقير. روبنس جادل بان هذه الفكرة تتجاوز العلم الوضعي، فلا احد يستطيع قياس منفعة شخص آخر ولا ذلك مطلوب ايضا من النظرية الوضعية.

(2) يقول (مل) من الأفضل ان تكون انسانا غير مقتنع بدلا من ان تكون خنزيرا مقتنع. افضل لك ان تكون سقراط غير مقتنع بدلا من ان تكون غبي مقتنع، واذا كان للغبي رأي مختلف ذلك بسبب انه يعرف فقط جانبا واحدا من السؤال (جانبه هو).

 (3) فاعلية باريتو او افضلية باريتو هي الحالة التي يتم فيها توزيع الموارد بطريقة اكثر فاعلية بحيث يستحيل فيها إعادة التوزيع لجعل احد الافراد افضل حالا دون جعل فرد آخر اكثر سوءاً.المفهوم يعود الى المهندس والاقتصادي الايطالي فلفريدو باريتو(1848-1923) الذي استخدم المفهوم في دراساته للفاعلية الاقتصادية وتوزيع الدخل.

 (4) مساهمة كوس الشهيرة في الاقتصاد كانت نقده لفكرة فشل السوق الناتج عن وجود المؤثرات الخارجية externalities (وهي الحالة التي يستفيد فيها او يتضرر منها طرف ثالث لا علاقة له بالنشاط الاقتصادي).أدخل كوس فكرة "تكاليف الاجراءات"وذكر ان هناك كلفة لإستعمال آلية الاسعار، حيث توجد جزر من التنظيمات الأمرية وسط بحر من سوق التبادل.فهو يرى ان اتجاه علم الاقتصاد كان تطبيق نظرية السعر لتوضيح الأسئلة الاجتماعية، بينما المطلوب هو العكس."الاقتصاد لايزال ذات الموضوع الذي خلقه آدم سمث، ويواجه نفس المشاكل"، فلابد من عمل تجريبي من النوع الذي يغيّر حقا الطريقة التي ننظر بها الى المشكلة. ان تكاليف الاجراءات تعتمد على عمل النظام القانوني (نظام حقوق الملكية، وفرض حقوق الملكية، والمقدرة على التنبؤ بما ستكون عليه القرارات القانونية). انها ايضا تعتمد على النظام السياسي وهي متداخلة مع انظمة اجتماعية اخرى. اراد كوكس تطبيق الاقتصاد الجزئي لحل مشكلة كيفية ادارة الموارد المحدودة من خلال تدخّل الدولة المباشر بدلا من الاعتماد على نظام اسعار معيب.

 

ali mohamadalyousifتمهيد: اوضحت دراسة الردود التي طرحها الفلاسفة الغربيون عبر العصور ازاء مشكلات الخوف من الموت وطبيعته، ان اي رد على الموت يسعى اليه فرد ما ويجده مرضيا يعتمد في نهاية المطاف على موقف هذا الفرد من الحياة، وشدة خوفه من الموت والنوع الخاص من الخوف الذي يعانيه. غير انه من الجلي كذلك ان مثل هذا الرد لايمكن ان يكون تأمليا فحسب وانما يتعين بالفعل تقبله وتبنيه. وينبغي ان نضيف ان الرد الذي يبدو مرضيا على الموت في وقت ما قد لايكون كذلك في وقت آخر. وهكذا فانه لايمكن ان يكون هناك رد شامل دع عنك ان يكون هناك رد صحيح على نحو شامل. وقد لاتكون المصالحة مع الموت في الحقيقة امرا ممكننا بالنسبة للبعض، بينما بالنسبة للبعض الآخر فان اي حجة على وجه التقريب قد تعدل من فهمهم للموت وتحررهم من أليأس بازاء حتميته وعبثيته الواضحة الجليّة. وهناك نتيجة اخرى لما نقدمه  تتمثل في تحديد مكانة (مشكلة الموت) ودوره في الفكر الفلسفي الغربي. ومن ثم فان من المناسب ان نبحث باقتضاب ما قدمته حقيقة الموت للفلسفة ومدى ما يمكن الذهاب اليه في القول بان الموت هو موضوع التأمل الفلسفي بل وعبقريته الملهمة(1).

وحسب شوبنهاور فأن الفلاسفة جميعا اخطأوا حين وضعوا العنصر الميتافيزيقي غبر القابل للأفناء والخالد عند الانسان في الذهن. في حين انه يكمن في الارادة التي تختلف كلية عن الذهن وتتسم وحدها بالاصالة.

اما الذهن فهو ظاهرة ثانوية يتحدد بالمخ وبالتالي يبدأ منه وينتهي معه. اما الارادة فهي وحدها التي تحدد انها جوهر كافة الظواهر فهي متحررة من الاشكال الخاصة بالظواهر التي ينتمي اليها الزمن. والتي هي ايضا قابلة للفناء. ووفقا لهذا فانه من المؤكد انه مع الموت يضيع الوعي لكن لايضيع الذي ابدع الوعي واستدامه. تنقضي الحياة ولكن لاينقضي مبدأ الحياة(2).

المتن (الموت الوجودي للانسان / استقصاء فلسفي – ديني)

يقول يوربيدوس: حينما يدنو الموت، لا أحد يرغب في الهلاك، ولا تغدو الشيخوخة عبئا، ويضيف من ذا الذي يعرف ان كان ما نسميّه بالموت ليس حياة وان الحياة ليست موتا. اما اسخيلوس: شتاءٌ وعناءٌ هي حياة الانسان وما من وجود للخلاص والسلام، ويقيناً هناك حياة افضل تحفها البركة والقداسة، لكنها حجبت في رحم الغيوم والظلام، وهكذا فاننا نتشبث يائسين بروائع هذا العالم الخداعة، لا لشيء إلا لأننا لا نعرف حياة اخرى، وما عين بشرية تخترق ظلال الموت، وأوهام الايمان تضللنا. وسوفيكلس فيقول : من عجائب الحياة العظمى جمعيا، ليس هناك ما هو اعظم من الانسان. الموت وحده هو الذي لا يجد الانسان له شفاءاً. في كتابات ارسطو الاولى كان شديد التأثر باستاذه افلاطون في موضوعة خلود النفس.

وانما يؤكد كذلك على وجود النفس السابق على وجود البدن وكذلك انتقالها–النفس او الروح- من جسم لآخر. اما هيرقليطس فيعبر جاك شورون عن رأيه بالموت وعلاقته بالنار والعود الابدي قائلا; (واذا ما افترضنا ان كل ما يقصده هرقليطس بهوية الحياة والموت هو ان الفرد يفنى لكن النوع يبقى. فأن اجابته ستكون استباقا لما قدمه ارسطو وعلم الحياة لمشكلة الموت.غير انه يبقى فارق مهم بالنسبة للعلم الحديث الذي يعترف بأن الانواع يمكن ان تفنى بل وأن الحياة كلها قد تتوقف.  وهرقليطس لم يقل بفكرة الاحتراق العام بمعنى فناء الحياة. بل قال ان هذا العالم واحد بالنسبة للجميع. لم يخلقه أحد من الأزل الالهة او البشر. لكنه كان ومنذ الازل وما زال وسيبقى الى الابد نارا حية تشتعل بمقدار وتخبو بمقدار. مما حدا بالبعض القول بأن هرقليطس يقول بفكرة الاحتراق الكلي التي ترتبط بفكرة تجدد العالم على فترات كبيرة من الزمان. وهذه فكرة العود الابدي والسّنة الكبرى التي شاعت عند القدماء وخاصة الرواقيين. ومبدأ العود الابدي احياه نيتشه عقب ذلك بالفي وخمسمائة عام كان بمعنى ما من المعاني رد هرقليطس على الموت)(3).

وعن فكرة هيراقليطس عن الاحتراق الكلي ان الملفت للانتباه ان احدث النظريات العلمية الآن تذهب الى ان الشمس تستهلك كميات من الهيدروجين الكوني ومن المحيط الفضائي لكوكب الارض بمتواليات هندسية عالية جدا وسريعة مستمرة قد لاتدوم اكثر من بضعة الاف من السنين على الارض. يعقبها انخفاض تدريجي في درجة حرارة الشمس الواصلة الى الارض وادامة الحياة عليها.وباختلال النظام الشمسي في بقاء واستمرار الحياة على الارض ينعدم الوجود ويفنى. وعليه تكون حتمية انعدام الحياة على الارض مسألة وقت متفق عليها علميا وتلقى قبولا كبيرا لدى العديد من العلماء والفلاسفة من بينهم براتراند رسل.كما ان المؤتمرات الدولية بشان الحفاظ على الحياة في الارض ومعالجة الاحتباس الحراري وغيرها من التغيرات المناخية متشائمة جدا عن مستقبل الحياة على الارض.

ان اقدم نص يتحدث ان الموت فناء شامل وان الجسد والروح تتحللان الى مكوناتهما الاولية كانت شذرة انكسماندر610-547 ق.م. تناولت الشذرة الطابع الفاني للاشياء. ويرد على لسان جاك شورون في كتابه المشار له سابقا ان انكسماندر ارّقَهُ وعذّبهُ السؤال الضخم لماذا يتعين ان يفنى كل ما يظهر الى الوجود وكل ما له حق في الوجود. وما قيمة الوجود اذا كان عارضا زائلا.؟ (ص39 من الكتاب).

من الملاحظ بوضوح ان كل هذه الشذرات القديمة عادت وشكلت دعائم الفلسفة الوجودية الحديثة في القرن العشرين.وكما يقول سقراط: ألم تعلموا جميعا ان الطبيعة حكمت عليّ بالموت منذ لحظة ميلادي. وهذه بذرة جوهرية في ادبيات فلسفة الوجودية الحديثة ايضا.

هذا التعبير الوجودي واضح جدا على انه تعبير فلسفي ناضج متأخر وحديث، وليس قبليا يعود للحضارات البشرية القديمة. ففي اقدم ميثولوجيا في اورك هي ملحمة كلكامش ،كما لدى حضارات وادي الرافدين كالسومرية والبابلية والآشورية وفي مصر الفرعونية كان التسليم مطلقا بأنه يجب ان تكون حياة اخرى بعد الموت. وان الموت ليس فناءا تاما للانسان بدليل دفن الملوك والملكات والكهنة مع كامل زينتهم ومجوهراتهم وخدمهم ايضا.

ويؤكد مونتاني ان الموت هو نهاية ابدية للحياة وليس هدفها كما ذهب بعض الفلاسفة. ويؤكد ان مرض العقل – اكثر الامراض شراسة – هو الذي يدفعنا الى خيانة وجودنا الحق. ويجعلنا نحتقر وجودنا في حين ان علينا ان لانقبله فحسب وانما ان نحبّه ونبرز احسن ما فيه. هنا في هذا المعنى يعتبر مونتاني وجودنا الحق او الحقيقي هو ما نعيشه في حياتنا الارضية.على اعتبار انه لادليل مؤكد يعطينا بان وجودنا على الارض زائف كما يقول هيدجر. وانه بعد الموت لم يتاكد ايضا انه سيكون لنا وجود ثان اكثر حقيقية من وجودنا الحالي على الارض. فمونتاني كما مر بنا يعتبر الموت نهاية كل شيء وخاتمته وليس الموت هدف كل شيء في الحياة. وعلى اهمية ان وجودنا الحالي الارضي هو الوجود الوحيد المتاح لنا وامامنا. وجود محكوم بالقصر الزمني لذا يؤكد مونتاني ان قيمة الحياة ليست في امتدادها وانما في استخدامها. ويضيف الآن وانا ارى حياتي محدودة في الزمن اود ان امدها بالوزن –يقصد بالوزن القيمي ومعايير الخير واللذة التصوفية والحسية في الحياة وكل ما له شأن يعطي الحياة تفاؤلا وسعادة . اود ان ادرك والكلام لمونتاني سرعة انسياب الحياة من خلال سرعة قبضتي وقوة استخدامي لها للتعويض عن سرعة تدفقها. وبمقدار ما يكون امتلاك ناصية الحياة قصيرا يتعين عليّ جعلها اكثر عمقا وامتلاءا. في هذا التفاؤل الوجودي لحياة الانسان يبتعد مونتاني كثيرا عن جميع الفلسفات الوجودية المتشائمة التي تستهين بالوجود الانساني الارضي وتعتبره عبُثا ومأساة.

في القرن الثامن عشر اصبح انكار خلود النفس الاكثر اصالة. وكما كان حال الفلاسفة الماديين الفرنسيين ومعهم الفلاسفة الانسانيين خلال عصر النهضة اذ كان تأكيدهم على الحياة وليس الموت، الامحض حادث طبيعي مؤلم لايمكن تجنبه. وفي اتفاق مع روح التنوير المسرف المتوهج بقوى العقل جرى التركيز على القول بان الحياة يمكن تحسينها.ان السعادة يمكن تحقيقها في هذه الحياة الدنيا. وهي الحياة الوحيدة التي يمكن ان توجد والوحيدة التي لها اهمية.اما الخلود فهو اكذوبة كهنوتية يتعين كشف زيفها لتحقيق حياة افضل في اطار من الحرية والسعادة(4).

ويعتبر هولباخ 1723 -1789 مؤلف كتاب نظام الطبيعة الذي كان له عميق الاثر على الفلسفة التي يرى انها يمكن ان تعرف على النحو السليم بوصفها تأملا للموت. وبهذا يخالف هولباخ بشدة مقولة اسبينوزا بان الفلسفة تأمل الحياة وليس الموت. ويؤكد هولباخ علينا ان نجعل ما هو حتمي مألوفا لدى نفوسنا ونواجه الموت بهدوء وان لا ندعه يفسد علينا متعة الحياة. فالخوف من الموت هو العدو الوحيد الحقيقي الذي يتعين قهره. وعدم وجود حياة اخرى يحررنا من سلطة القساوسة.

لايؤمن هيوم بنظريةٍ الخلود كما ينكر ان يكون هناك ذاتا self ويعتبر هيوم الذات مجموعة او حزمة من الادراكات الحسية ينعدم فيهامفهوم الذات غير المدرك الذي ندعوه الانا. وبعد اصابته بسرطان الامعاء لم يكن يخشى الموت وبقي محافظا على رباطة جأشه حتى قال عنه ادم سميث ان مرح صديقي هيوم عظيما جعل  الكثيرين لم يصدقوا انه كان يحتضر.

وكما يعبر كانط ايضا انه مامن احد سيكون بمقدوره حقا ان يتباهى بانه يعرف ان هناك الهاً وحياة مستقبلية. واذا كان يعرف ذلك فسيكون الشخص الذي سعيت له طويلا دون جدوى. ويعلن بجرأة اني أؤمن حتما بوجود إله وحياة مستقبلية واني على يقين انه ليس هناك ما يهز هذا الايمان عندي. ويشير صراحة ان هذا الايمان ليس منطقيا عقليا وانما هو يقين اخلاقي قائم على اساس ذاتي. ويشعر كانط بعدم الاقناع المطلوب فيقول لاشك يكون موضع تساؤل ان نقيّم هذا الايمان على اساس افتراض العاطفة الاخلاقية.

اما عن نيتشة والعود الابدي فمن الخطأ الافتراض بان نيتشة كان يعتبر نفسه مكتشف العود الابدي. فهو يلاحظ ان هيرقليطيس ربما كان ادرج هذا المبدأ في تعاليمه. وان الرواقيين يفصحون عما يشي به. غير ان ما لم يدركه نيتشة هو ان اخرين طرحوه كثيرا. وانه على امتداد القرن التاسع عشر كان هناك اشارات عديدة الى هذا المبدأ وتأملات حوله. فالمرء يجده عند هايني وهولدرين وبلانكي وجويو. واشار له بغموض سبنسر وبايرون. ورغم ذلك فان نيتشة كان اول من بحث هذه الفكرة لا باعتبارها امرا ممكنا بل امرا مؤكدا. وبوصفها قانونا للكون.بل انه حاول اثباتها علميا ودرس الرياضيات والفلك والطبيعة والاحياء لهذا الغرض. وقد خذله البرهان العلمي لكن على الرغم من ذلك فان نظرية العود الابدي اصبحت الفكرة التي سيطرت عليه. وتملكت ناصيته تماما وغدت حجر الزاوية في فلسفته (كل شيء يمضي كل شيء يعود وتدور الى الابد عجلة الوجود. كل شيء يموت كل شيء يتفتح من جديد. وخالدا يمضي زمن الوجود. الاشياء كلها تعود ونحن انفسنا كنا بالفعل مرات لاحصر لها ومعنا كل الاشياء.)

كما انه ليس هناك تناقضا بين مبدأ العود الابدي ومبدأ ارادة القوه (السوبر مان) لدى نيتشه. وفي تعبير مدهش يقول فيخته عن الموت البيولوجي وليس الوجودي (الموت حيلة الطبيعة كضمان مزيد من وفرة الحياة).

ماكس شتيرنر وهو اسم مستعار 1806-1856 فيلسوف الماني مؤسس النزعة الفردية كان في شبابه على صلة بالهيجليين الشبان من بينهم ماركس وفويرباخ قبل انشقاقهم على وفق فلسفات متباينه عن الهيجلية لابل نسفتها. يذهب شتيرنر الى ان الحقيقة الوحيدة في نظره هي الانا وكل فرد هو نفسه مصدر الاخلاق والعدالة. وطالب بالمحافظة على الملكية الخاصة للافراد حيث ان ذاتية الانا ماثلة فيها.

وباسم الفرد العيني شن سورين كيركارد احد اقطاب الوجودية هجومه على هيجل ودعمه بذلك معاصره شتيرنر قائلا الانسان المطلق ليس الا شبحا او خيالا. وان الفرد هو وحده الحقيقي. الفرد ذو النزعة الانوية الذاتية الاوحد الذي لايهتم الا بجعل العالم ملكا له.

اما رأي سارتر ابرز واهم اقطاب الوجودية الحديثة فهو يرى الموت انه ليس ابدا ذلك الذي يمنح المعنى للحياة. وانما هو على العكس من ذلك فهو الذي يحرم الحياة بالفعل من كل مغزى. واذا كان علينا ان نموت فان حياتنا تخلو من المعنى ومشكلاتنا لاتتلقى اي نوع من الحل. لأن معنى المشكلات ذاته يظل دونما تحديد. وعن الانتحار فيعتبره سارتر حدث من احداث الحياة وهو بالتالي عبث يؤدي الى ان تغدو الحياة غارقة في العبث. كما يحدد سارتر الوجود الانساني في ضربين من الوجود. الوجود في ذاته وهو عالم الاشياء اي العالم الموضوعي المحدد الذي لا أثر فيه لنشاط او تطور او حرية. اما الوجود لذاته او من أجل ذاته فهو الوجود الانساني الذي يعتمد على النشاط الحر ولا يستند الى قوانين موضوعية. والوجود من أجل ذاته ان وجود الانسان ينشأ لأن الوجود يعدم ذاته. وهو بالأصح لا وجود لأن العدم في داخله كالدودة. والانسان حامل العدم. والميلاد والموت واحد وهو ما يدعوه سارتر بالوقائعية التي هي صفة ما هو حادث وواقع على الانسان من احوال ليس له فيها القدرة على الاختيار او الارادة فيما يحصل له من امور سلبا او ايجابا. واذا كان من العبث ان نولد فمن العبث ان نموت. – عبارة استنفدت نفسها فلسفيا من كثرة تردادها على لسان اكثر من فيلسوف منذ زمن الاغريق –.

والمفهوم الفلسفي للحرية لدى سارتر يختلف عن المفهوم التجريبي العام الذي يأتي نتيجة الظروف السياسية والتاريخية. فالحرية الفلسفية وهي ما يؤكدها سارتر تعني حرية الارادة في الاختيار. وان الانسان فانٍ حر وليس حراً من اجل الموت. وما يعنيه سارتر ان الانسان بمقدوره ان يختار الموت لكنه لا يستطيع الموت بمشيئته. ويعبر سارتر بان الانسان مسؤول حر عن العالم باجمعه لكنه وحيد في هذا العالم الذي يتحمل مسؤوليته كاملة. ويرتبط على نحو لا فكاك منه بتلك المسؤولية. ومن حقه رفض التحرك والبقاء سلبيا بمحض اختياره.

ويؤكد سارتر ان الانسان نتاج الوقائعية التي تنعدم فيها تماما ارادة الاختيار من الميلاد وحتى الموت. ويكرر سارتر موت الرب كما ورد عند نيتشة وهذا اقتبسها من سابقيه في لامعنى الخلاص الديني قائلا : ما الذي يستطيعه الفاني الحر القيام به في مواجهة الموت في عالم مات فيه الرب.

ويرى سارتر ان الموت في جنبته الايجابية هو تحرر فعلي للانسان من عبء الوجود. وان الموت خير من (.....) الوجود. والموت الذي يحرم الحياة من اي معنى فهو يجعلها عبث بلا مغزى. رغم تاكيد سارتر الاخير بان علينا استخدام حريتنا بقوة بالغة وجديدة في البحث الجاد وايجاد معنى للحياة.

ماكس شلر (1874-1928) فيلسوف اجتماعي فينولوجي ألماني، أخذ بمنهج الظاهريات عند "هوسرل" وطبقة في مجالات الاخلاق والفلسفة والدين والحضارة. من مؤلفاته "احكام القيمة الاخلاقية" 1914 و"مساهمات في الفينومونولوجيا " 1913 و" الشكلية في علم الاخلاق" بمجلدين الاعوام 1913-1916.

يؤكد ماكس شلر ان الانسان كان سيعرف الموت مدركه حتى وان كان وحيدا في العالم، ولم يسبق له قط ان شاهد كائنات حية اخرى غيره تعاني من التغيير الذي يؤدي بها الى تحولها جثة. ورأيه ان الموت بالنسبة للانسان "قبلي" سابق على اية ملاحظة، او على اية تجربة استقرائية لتغير كل مسار حقيقي للحياة. حيث ان الموت ليس احتضاراً عرضياً بدرجة او اخرى يدركه الانسان هذا او ذاك، وانما هو جزء لا يتجزأ من الحياة. كما يعبر امام عبد الفتاح امام ان الموت يرتبط بالخلق من العدم ومن هنا كانت الحياة.بسبب انها مخلوقة مرتبطة بالموت. كان الوجودلانه خلق من العدم يحوي في جوفه ذلك العدم الذي خرج منه. ومن ثم يصبح كل وجود يميل بطبعه الى الفناء. وكل حياة يكمن الموت في جوفها.

يؤكد الكسندر كوجيف في كتابه (مقدمة لقراءة هيجل) على الدور الهائل الذي لعبته فكرة الموت في فلسفة هيجل الجدلية او الانثروبولوجية. فهي في التحليل النهائي فلسفة للموت او والمعنى واحد فلسفة للالحاد. ويمضي كوجيف ان الانسان في فلسفة هيجل هو الفرد التاريخي الحر. ويعني بذلك انه متناه على الصعيد الانطولوجي وانه دنيوي او يرتبط بالمكان والزمان على المستوى الميتافيزيقي. وبانه فانٍ على المستوى الفينومينولوجي. والانسان هو المرض القاتل للطبيعة. والانسان ليس فانيا وحسب وانما هو تجسيد للموت. ان موت الانسان وبالتالي الوجود الانساني الحق هما بمعنى انتحار واعي بذاته تطوعي.

في عبارة  (لاجديد تحت الشمس فكل شيء موجود وكان موجودا باستمرار). تأكيد ان الموت عملية تغّير وتحول وليس فناءا.انه تغير في الحالة الطبيعية والكونية في اللامتناهي. ولا يفهم من ذلك ان الموت تناسخ ارواح دائمي او نوع من الحلول الانتقالي المستمر. ومن اشهر المنادين بهذا المعنى(برونو) فالانسان عنده اذ يسعى نحو اكثر الاهداف نبلا ومشروعية والمتمثل بالكمال اللامتناهي يتوافق مع الكون حيث ينتظر هناك كل كائن الخلود والتحقق.

و قبل الانتقال الى الموت في اللاهوت المسيحي يتوجب الاشارة الى اهمية افلوطين 204-270م فتأثيره كان كبيرا على الفكر الديني المسيحي من خلال تأكيده على الوجد التصوفي واهمية ان يكون للروح او النفس ملاذا اخر غير الجسد الذي يحكم سيطرته على الروح ويمنعها من الانطلاق المتسامي. وأكد افلوطين أهمية استقلال الروح عن اطار الجسد الذي تسكنه متجاوزا بذلك تناقضات افلاطون حول خلود النفس.

وكان كتب باسكال في خطاب مؤرخ في 17 اكتوبر 1651 الى شقيقته بمناسبة موت ابيهما علينا ان لاننظر الى الموت كوثنيين وانما كمسيحيين اي بأمل. ان خطأ الفلاسفة انهم نظروا الى الموت باعتباره أمرا طبيعيا للانسان. تلك كانت نظرة طفولية قاصرة. فالانسان خلقه الله ليحيا معه لذا فهو لايموت.الموت مخيف من غير يسوع. لكنه في المسيح مقدس ورقيق. وهو فرحة المؤمن الحق.ولكن كيف يصبح المرء مسيحيا حقا؟ ليس من خلال العقل وانما من خلال القلب.

واضح ان عبارات باسكال الواردة هي حث وتثبيت للايمان الديني المسيحي التصوفي البسيط الذي بمقدور اي انسان الحصول عليه عملا بقول باسكال (افعل كما لو كنت مؤمنا.) براجماتية  الايمان الفطري.

اما شوبنهور يعتبر الموت هو الهدف الحق للحياة. وقصر الحياة الذي يثير الاسى بلا انتهاء قد يكون افضل صفاتها. وان طبيعتنا الحقة غير قابلة للافناء ، معتبرا الموت ملهم الفلسفة معيدا الى الاذهان مقولة سقراط ان الفلسفة هي معرفة الموت. وبدون الموت لاتوجد فلسفة. ورأي شوبنهور في الانتحار الارادي المفروض انه يتماشى مع فلسفته التشاؤمية الا انه يعتبر الانتحار عملا احمق ولا يحل مشكلة الموت وخلاص الانسان من بؤس وعبء الحياة. بقوله ان الانتحار ينفي الفرد فقط لاالنوع. وربما غاب عن ذهن شوبنهور بان الموت الطبيعي للانسان هو الآخر ايضا يمثل نفي الفرد وليس النوع. وفي مخاتلة مع تجربة الموت يلجأ شوبنهور الى القول ان طبيعة الانسان الحقة – اي الارادة – باعتبار ان الحياة ارادة قبل كل شيء حسب فلسفته وان هذه الارادة لاتفنى بالموت. لان عدم قابلية طبيعتنا الحقة على الافناء.والنقطة الاساسية في حجة شوبنهور انه ليس هناك خلق من العدم. واننا اذا اكدنا هذه الفكرة فان علينا ان نوافق كذلك على ان الموت هو النهاية المطلقة اي العدم. وان اكثر الاسس صلابة لخلودنا هو المبدأ القديم(00لاشيء يخرج من لاشيء وفي العدم لاشيء يستطيع العودة من جديد.. ).

كما يؤكد شوبنهور طالما هناك افتراض بأن الانسان خلق من عدم فنهايته الاخيرة بعد الموت الى عدم ايضا.ويقول ان نهاية الشخص حقيقية كما هو شأن بدايته. وبالمعنى ذاته الذي لم نكن به موجودين قبل الميلاد فاننا لانعود موجودين بعد الموت. غير انه لايمكن من خلال الموت افناءاً اكثر مما انتج من خلال الميلاد. ويمهد شوبنهور الطريق امام بلورة افكار الوجودية الحديثة لاحقا عندما يقول:( الرغبة في ان تكون الفردية خالدة تعني حقا التطلع الى دوام الخطأ بلا انتهاء.فكل فرد هو في اساسه خطأ  فحسب، خطوة زائفة شيء كان من الافضل ان لايكون. ) كما يعلن ان الموت هو الهدف الحقيقي للحياة. وهذه العبارات تكررت لدى اكثر من فيلسوف وجودي معاصر بدءا من كيركارد وليس انتهاءا بهيدجر او سارتر.

ويعالج شوبنهور مسألة الارادة على انها تمثل نوعا من الخلود فيقول: – ان السلام والهدوء المرتسمين على ملامح معظم الموتى يستمدان اصلهما من هذا التوضيح... فموت رجل طيب يكون عادة هادئا ويسيرا. اما الموت طوعا وغبطة وابتهاجا فهو امتياز المستسلم الذي ينكر ارادة الحياة. فهو وحده الذي يريد ان يموت حقا وليس ظاهرا. وهو يتخلى مختارا عن الوجود الذي نعرفه. وما يحصل عليه لقاء ذلك في تصورنا هو لاشيء. لان وجودنا بالقياس الى هذا هو لاشيء. والديانة البوذية تدعو ذلك بالنيرفانا. ان الموت هو الفرصة العظيمة لئلا اكون انا.وذلك بالنسبة لمن يستخدم هذه الكلمة وخلال الحياة تكون ارادة الانسان دون حرية. ويقع عمله على اساس شخصيته غير القابلة للتغيير في سلسلة الدوافع... والموت يفصم هذه العرى. فتصبح الارادة حرة والحرية تكمن في الوجود وليس في العمل(5).

وبالنسبة للرومانتيكيين وشلنج فقد منح الموت يقينا مسيحيا من خلال الاقتناع بالوحدة الحقيقية لله والطبيعة التي غدت متجلية في المسيح. واليقين بأن المسيح اجتاز الموت وارسى من جديد الارتباط بين الطبيعة والعالم الروحاني.

وبذلك تحول الموت بالنسبة لشلنج فوزا نتقدم نحوه كما يتقدم المحاربون نحو نصر اكيد. وعلى الرغم من ان رد شلنج على الموت هو رد المسيحية فان استبصاراته الفلسفية تلمح الى احتمالات اخرى وهي تساؤله الشهير (لماذا كان ثمة وجود اصلا ولم يكن ثمة عدم؟) وهو ذات التساؤل الذي ارق فلاسفة الوجودية الحديثة ايضا.

يعتبر انصار فرويد ان غريزة الحنين الى الموت التي نادى بها الرومانتيكيون تتطابق مع صحة نظريتهم.ويلاحظ شلنج انه بدلا من الموت فان التعبير الصحيح هو في التخلي عن الروح. والروح التي يتخلى عنها المرء في غمار الموت انما هي روح الرغبة المتمحورة حول الانا. والخلاص لا في قمع الارادة المتمحورة حول الانا. كما اشار افلاطون(6).

 

علي محمد اليوسف

...............

(1) جاك شورون- الموت في الفكر الغربي هامش ص 279.

(2)جاك شورون مصدر سابق نقلا عن شوبنهاور العلم كارادة –الجزء الثالث ص 291.

(3) جاك شورون – الموت في الفكر الغربي – ص 42-43.

(4) جاك شورون، المصدر السابق، ص83.

(5) جاك شورون–مصدر سابق هامش ص323– نقلا عن الجزء الثالث من العالم كارادة لشوبنهور ص307-.

(6) جاك شورون مصدر سابق هامش ص318.

 

 

khadat jleedالفلسفة بنت زمانها: إنّ الفلسفة عند هيجل هي تعّين في الزمان والمكان وبالتالي يمكن أن نعتبر هذه الحقيقة هي نقطة الانطلاق في فلسفة هيجل الحقيقية، لأنه كثيرا ما تنعت فلسفة هيجل بأنها ذات نزعة مثالية، وكثيرا ما تفهم أيضا بأنّها فلسفة حالمة غارقة في الميتافيزيقا وبعيدة عن الواقع ولكن الرجوع إلى فلسفة هيجل ونصوصه الأصلية وسياقها التاريخي، كل هذه المرتكزات والمعالم تشير إلى عكس ذلك تماما فالفلسفة حسب هيجل هي إفراز لمنطق العصر ونتيجة من نتائجه وهي بذلك تتلون بظروفه الواقعية وملابساته التاريخية يقول هيجل مؤكدا هذه الحقيقة في كتابه المهم (أصول فلسفة الحق): « فمهمة الفلسفة هي أن نفهم ما هو موجود لأنّ ما هو موجود هو العقل، إنّ مهمة الفلسفة لتنحصر في تصور ما هو كائن لأنّ ما هو كائن ليس إلاّ العقل نفسه ولو أننا نظرنا إلى المسألة من جهة نظر الفرد لرأينا أنّ كلا منا ابن عصره وربيب زمانه، وبالمثل يمكن أن نقول عن الفلسفة إنّها عصرها ملخصا في الفكر وكما أنّ من الحمق أن نتصور إمكان تخطي الفرد لزمانه فإنّه لمن الحماقة أيضا أن نتصور إمكان تجاوز الفلسفة لزمانها الخاص » (01) .

ومن هذا السياق الفلسفي الهيجلي يمكننا أن نفهم شيئا واحدا وهي أنّ فلسفة هيجل جاءت لفهم الواقع، الواقع الألماني الباهت والداكن في مطلع القرن التاسع عشر، هذا الواقع الذي كان يتقهقر ويتراجع أمام قوى أوربية محيطة كانت في طريقها إلى التقدم والرقي مثل بريطانيا في نهضتها الصناعية وفرنسا في ثورتها السياسية وتطورها الفكري، لقد كان هيجل يتجرع الألم والخيبة وهو ينظر إلى الواقع الألماني المفكك والمجزأ، هذا الواقع الذي رفض أن ينظر إليه نظرة سطحية محكومة بمبدأ الصدفة، بل أراد أن ينظر إليه نظرة عقلية عميقة يكتشف من خلالها المبادئ الثابتة والضرورية من خلال الأعراض المتغيرة « ومعنى ذلك أنّ هناك نظرتين للواقع، نظرة سطحية هي نظرة الفهم، تراها مفككة متناثرة لا تجمعها رابطة قوية لأنّها تظهر بفعل الصدفة أو الهوى أو العشوائية ثمّ هناك نظرة فلسفية هي نظرة العقل وهي التي يدعونا هيجل إليها، وهي التي ترى خلف الأحداث مبررا قويا وسببا ضروريا هو الذي جعلها على هذا النحو » . (02)

وإذا جاءت فلسفة هيجل لتخترق الأشكال لتنفذ إلى الجواهر في فهم الواقع الألماني على ضوء مبدأ العقل والعقل وحده لأنّ كل ما هو واقعي عقلي وكل ما هو عقلي واقعي، فإنّها جاءت أيضا لتنتقد تلك المقاربات الفكرية والسياسية من قبل الألمان لواقعهم المأزوم، هذه المقاربات التي رأى هيجل أنّها بعيدة عن العقل وأنّها تعبر عن تصورات قبلية يسودها مبدأ الصدفة لا الضرورة ويرى هيجل في هذا المعنى « إنّه من العسير عادة على أواسط الناس إلى تكوين عادة عقلية هي التعرف على الضرورة والتفكير فيها فتراهم يحشرون حشرا مجموعة من الأفكار والتصورات بين الأحداث وتفسيرها ثمّ يلجأون بالشكوى لأنّ ما حدث لم يتفق مع تصوراتهم والأعجب من ذلك أنّهم يلتمسون الأعذار لتصوراتهم وأفكارهم بحجة غريبة هي أنّه في حين أنّ الضرورة هي التي تسودها فإنّ ما يسيطر على الأحداث هي الصدفة، إنّهم في الواقع يفسرون الأشياء على أنّها مجرد أحداث فردية معزولة ولا ينظرون إليها على أنّها نسق من الأحداث تحكمه روح واحدة » (03) .

وانطلاقا من النصوص الفلسفية الصريحة والواضحة لهيجل ومن مواقفه السياسية يتبين لنا أنه كان ضد تيار تبرير الواقع، بل إنّه كان يتمنى في أعماقه واقعا آخرا لألمانيا، واقعا يسود فيه العقلي والكلي لا الصدفة والفردية، ومن هنا كانت مسؤولية هيجل التاريخية على الأقل بالنسبة له أمام نفسه وهو ضرورة تغيير ألمانيا من الناحية السياسية والفكرية والإقتصادية والإجتماعية . ولقد جاءت فلسفته كلها في سبيل تحقيق هذا الهدف وهذه الغاية، ولا عجب بعد ذلك إذا وجدنا هيجل يهتم بالسياسة لأنّ السياسة هي مصدر القرار وقوة التغيير وأداته المباشرة، فلقد كانت السياسة اهتمام هيجل وهاجسه طوال فترة نضجه وعطائه الفكري وبروزه الإجتماعي « وفيما بين البداية والنهاية ظل اهتمام هيجل بالسياسة وفلسفتها مستمرا طوال حياته حتّى ذهب البعض إلى القول بأنّه كانت في حياة هيجل منذ بدايتها رغبة جامحة للتأثير في الحياة السياسية والإهتمام السياسي العملي في حين ذهب آخرون إلى أنه ثارت في نفسه تطلعات كثيرة فقد كان يحلم أن يصبح مكيافلي عصره » (04)

ولا شك أنّ الإنشغالات السياسية لهيجل وهواجسه الوطنية والقومية في رؤية ألمانيا أحسن من واقعها قد انعكس على أفكاره واهتماماته الفكرية والعقلية وقد تجلّى ذلك واضحا في كتابه (دستور ألمانيا ) الذي يصف فيه الواقع الألماني المريض، فلقد كان هذا الكتاب يعالج قضايا سياسية مباشرة لحالة ألمانيا « ولا شك أنّ هناك عوامل كثيرة دفعت بهيجل إلى هذا الإهتمام بالسياسة منها أسرته وتربيته وثقافته لكن أهمها جميعا أحداث العصر الذي عاش فيه وما شاهده من تغيرات سياسية سريعة وهائلة فقد سيطرت الثورة الفرنسية إبان سنوات تكوينه وامتدت إلى ما بعد نضجه، فقد كان في التاسعة عشر عند سقوط الباستيل وفي الخامسة والأربعين عندما وقعت معركة واترلو ومات بعد عام واحد من ثورة يوليو » (05) .

وفي هذا الإطار يمكننا أن نقول أنّ الواقع الألماني والتغيرات الدولية المحيطة تعتبر العوامل الأساسية في توجيه فلسفة هيجل، ولقد جاءت فلسفته لتستوعب تناقضات الواقع من خلال الكشف عن المبادئ الحقيقية التي تحكمه وبالتالي أراد أن يجري مصالحة بين الفكر والواقع، وفي هذا المعنى يقول الدكتور زكريا إبراهيم: « والواقع أنّ هيجل قد عاصر فترة حرجة من فترة الحضارة الأوربية فلم يكن من الغرابة في شيئ أن تجيئ فلسفته مصبوغة بتلك الصبغة الدرامية أو المأساوية التي اتسم بها عصره، وهذا مما حدا ببعض النقاد إلى القول بأنّ نظرية هيجل في السلب والتناقض ليست سوى مجرد انعكاس لروح التمزق والتصدع التي سادت العالم الغربي في مطلع القرن التاسع عشر وليست عبارات التوتر والإنقسام والإغتراب والإزدواج والتعارض والتناقض سوى مجرد تعبير عن إحساس هيجل بالحاجة إلى الوحدة والهوية والتوافق والتصالح والألفة والإنسجام، ومن هنا فقد ذهب هيجل إلى أنّ المهمة الأساسية التي تقع على عاتق الفلسفة، إنّما هي العمل على محو المتعارضات من أجل بلوغ أعلى درجة من درجات التصالح أو التوافق » (06) .

لقد كان هيجل يبحث إذن عن الإنسجام بين الفكر والواقع ولكن قبل حصول هذا التصالح فلا بدّ من تشخيص الواقع الرمادي الذي أنجز دورته بالفعل، والفلسفة في نظر هيجل هي التي تقوم بهذا الدور التاريخي والحضاري لأنّها تأتي دائما متأخرة، يقول هيجل: « بقي أن نسوق كلمة أخرى حول العالم الذي ينبغي أن يكون والذي يقال إنّ الفلسفة تبشر به، إذ يبدو أن الفلسفة تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي بالنسبة لهذه المهمة فهي بوصفها فكرة العالم لا تظهر إلى حين يكتمل الواقع الفعلي وتنتهي عملية تطوره، إن الدرس الذي تعلمه لنا الفكرة الشاملة، وهو أيضا درس يكشف التاريخ عن أنّه ضروري ولامحيص عنه هو أنّه حين ينضج الواقع الفعلي فعندئذ فقط يبدأ المثل الأعلى في الظهور ليجابه عالم الواقع ويواجهه وليبني لنفسه في صورة مملكة عقلية، ذلك العالم الواقعي ذاته مدركا في وجوده الجوهري، وحين ترسم الفلسفة لوحتها الرمادية فتضع لونا رماديا فوق لون رمادي، فإنّ ذلك يكون إيذانا بأن صورة من صور الحياة قد شاخت أو أن شكلا من أشكال الحياة قد أصبح عتيقا، لكن ما تصنعه الفلسفة من لون رمادي فوق لون رمادي لا يمكن أن يجدد شباب الحياة ولكنه يفهمها فحسب، إن بومة منيرفا لا تبدأ في الطيران إلاّ بعد أن يرخي الليل سدوله » (07) .

وما يمكن استنتاجه من هذا النصّ الفلسفي الواضح لهيجل هو أن الفلسفة تأتي لتلخّص الواقع في الفكر ويأتي تلخيصها لهذا الواقع بعد أن يصل إلى مرحلة النهاية وبالتالي ضرورة الانتقال من واقع رمادي إلى واقع جديد ولشرح هذه الفكرة أكثر يقول الدكتور إمام عبد الفتاح إمام «والمقصور هو أنّ الفلسفة تعبّر عن قمّة البناء الذي هو القمّة والنهاية في آن معا، فبناء الواقع لأنه وصل إلى القمّة وبدأت النظرات الفلسفية تلخصه في الفكر فإن ذلك يعني أنه على وشك الأفول، وحين تقوم الفلسفة برسم لوحتها فإنها لن تستطيع تجديد شباب هذا البناء الهرم فإذا كان البناء السياسي شائخا أو باهتا فمهما وضعت الفلسفة من ألوان رمادية ومهما لونته من نظريات فلا بدّ له لأن ينهار، ومهما دافعت عنه الأفكار الفلسفية فإنّها لن تعيده شابا من جديد، بل إنّه حين يوضع في نظريات فلسفية فإنّ ذلك يعني في الحال أنّه وصل إلى تمامه وأنّه على وشك الأفول» (08) .

وما يمكننا قوله أنّ فلسفة هيجل واقعية في تأسيسها وأسسها وأنّ هيجل يحبذ المتحقق في الفكر حتى ولو كان بسيطا وقليلا على الفكر الذي لم يتحقق ولو كان واسعا وعظيما وبعد ذلك أو ليس هو القائل « إنّ أصغر عمل متحقق لهو أكبر قيمة من أجمل فكرة لم تستطع أن تتجاوز دائرة الإمكان فبقيت مجرد مشروع » (09) .

وهذا هو باعتقادنا الدرس الكبير الذي يجب أن نتعلمه من فلسفة هيجل، إنه درس كبير ويحتاج منّا كلّ الإصغاء والنظر والتأمل .

هيجل وأزمة ألمانيا:

إذا كان الإنسان إبن عصره وزمانه، وهي مقولة هيجلية في عمقها، فإنّ من يجسد هذه المقولة بحق هو هيجل نفسه، فلقد كان التأخر التاريخي الألماني خاصة في جانبه السياسي هو بؤرة اهتمامه الفكري بالإضافة إلى المشكل الديني، فلقد كان هيجل يحمل في ذاته شكلا من أشكال الوعيالشقي، إنّه يحمل في ذهنه واقعا أفضل لألمانيا هذا الواقع الذي هو في طور المثال ولم يتحقق بعد أمام الواقع الراهن الذي تبدو فيه ألمانيا دولة عجوزا، ومن هنا فإنّ هيجل كان مدفوعا دفعا للتفكير في أحداث عصره، هذه الأحداث التي كانت سريعة ومفاجئة في عمومها، لذلك فإنّ المشكلة السياسية عند هيجل تشكل الركن الركين وحجر الزاوية في فلسفته بصفة عامة وهذا ما يؤكده الدكتور زكريا إبراهيم عندما يقول «ولكنّ هيجل لم يقتصر في هذه المرحلة على الإهتمام بالمشكلة الدينية وإنّما هو قد أبدى أيضا إهتماما كبيرا بالمشكلة السياسية، وقد كانت ألمانيا في ذلك الوقت ضحية للفساد السياسي وسوء الإدارة والإنقسامات الداخلية فكان من الطبيعي لمفكر وطني مثل هيجل أن يشغل نفسه بالتفكير في حل ناجح لمشكلة بلاده والواقع أننا لو أمعنّا النظر إلى تطور هيجل الروحي خلال الفترة التي قضاها في توبنجن لتحققنا من أنه كان على وعي تام بأنه كان يحيا في فترة أزمة: أزمة خارجية هي أزمة ألمانيا نفسها وأزمة داخلية هي أزمته الدينية الخاصة، والذين يقيمون ضربا من التعارض بين هذين الإهتماميين إنّما يتناسون أنّ هاتين الأزمتين لم تكونا في الحقيقة سوى واجهتين لمشكلة واحدة بعينها، ومن هنا فإنّ كل تطور هيجل الروحي في تلك الآونة، إنّما كان متجها نحو البحث عن حل لتلك الأزمة المزدوجة » (10) .

لقد كانت الأطر الإجتماعية للعصر والتحولات التاريخية تقولب الفكر الهيجلي وتوجهه إلى مصيره وهو التفكير في الواقع الألماني من خلال التفكير في مفهوم الدولة والشعب والسيادة، بل يمكن أن نقول أنّ هيجل قد ربط مصيره بمصير ألمانيا، وبالتالي لم يكن ليقبل أن تكون صورته امتدادا لصورة ألمانيا، وبالتالي كان اهتمامه بالسياسة إهتاما مصيريا ويمكننا أن نقول: « أنّ السياسة كانت موضع اهتمام هيجل، بل وشغله الشاغل طوال حياته، فقد كان يعيش في عصر تاريخي إلى أقصى حد وكان يتتبع الأحداث يوما بيوم فهو القائل: (إنّ قراءة الصحف هي لون من ألوان صلاة الصبح) مستوحيا إياها من قضايا الساعة وليس من قبيل المصادفات أن يكون أول وآخر أعماله المنشورة والتي اهتم بدفعها إلى النشر بالفعل عبارة عن كتابات سياسية وليست أعمالا فلسفية خالصة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة » ( 11) .

ومن أبرز كتبه التي تناول فيها أزمة الواقع الألماني بالتشخيص وبنبرة حادة كتاب (دستور ألمانيا) وهو من الكتابات المبكرة لهيجل الشاب الذي يعكس من خلاله أحلامه الوطنية وشعوره القومي، وهذا الكتاب في حقيقة الأمر « وصف رائع للتمزق الذي كانت تعاني منه الأمة الألمانية في عصره ، فالأمبراطورية الألمانية تجزأت إلى دويلات صغيرة بغير قانون موحد ولا دستور واحد ولا مجلس نيابي قادر على سنّ التشريعات المختلفة أو عملة واحدة ويصف هيجل حالة ألمانيا بقدر غير قليل من الحزن والأسى حيث يقول: (لم تعد ألمانيا دولة) ولهذا سقطت مترنحة تحت أقدام الغزاة من الفرنسيين فعندما طرقوا الباب طرقات خفيفة انفتح على مصراعيه ولا أحد يدافع عن ألمانيا سوى بالخطب والكلمات والعبارات الرنانة » (12) .

إنّ إدانة هيجل للواقع الألماني يعني إثارة الشعور الوطني والقومي للألمان أمام شعوب أوربا الأخرى التي كانت تعيش أوضاعا أحسن من الوضع الألماني المأزوم، فلقد كان هيجل يقول بمرارة ( إنّ ألمانيا لم تعد دولة ) وهذا صحيح من الناحية العملية لأنّ ألمانيا لم تكن « لتشكل هيئة سياسية قومية، لقد كانت أمبراطورية تتألف من 360 دولة حتّى أنّ وسط ألمانيا وغربها كان عبارة عن فسيفساء سياسية تضم دولا صغيرة جدا تتألف الواحدة منها من دوقية أو قصرا أو مدينة أو إمارة كنسية وإذا كانت بروسيا تضم 2.5 مليون نسمة من السكان وهي أكبر دوقية فمن الممكن تصور حال الدول الأخرى » (13) .

ولا شك أنّ الوصف الهيجلي لحالة ألمانيا لم يكن نابعا من قناعات نظرية أو افتراضية أو مثالية فمقولة ألمانيا لم تعد دولة قد تأكدت على أرض الواقع، وأنّ تاريخ الإمبراطورية الألمانية العظيم لم يشفع لها أمام الجيوش الفرنسية التي حطمت أسطورة التاريخ الأبدي الخالد للإمبراطوريات التقليدية، ولقد كان هذا هو المعلم البارز في صدقية أفكار هيجل حول أزمة ألمانيا وبعبارة أخرى إنّ « المحك الأساسي الذي لجأ إليه هيجل ليؤكد على أساسه أنّ ألمانيا لم تعد دولة هو الضربات التي وجهها جيش الثورة الفرنسية للدولة الألمانية الكبرى أو نظام الرايخ وتاريخه القديم، ولم ينظر هيجل إلى هذه الحرب على أنّها نزاع بين أمتين أو حركتين قوميتين، ولكنه نظر إليها على أنّها صدام بين نوعين من الدول ونظامين من النظم السياسية، ومن هنا فإنّ انتصار الجيوش الفرنسية كان دليلا على قوّة الدولة الحديثة وتماسكها على نحو ما صهرتها القوى الثورية في فرنسا، أمّا النظام الألماني للإمبراطورية القديمة فغدا نظاما متخلفا من العصور الوسطى عاجزا تمام العجز عن الوقوف أمام هذه القوى الإجتماعية » (14) .

لقد كان هيجل في تحليله للوضع المأساوي لألمانيا يدعو إلى شيئ واحد وهو التبشير بعصر جديد تسود فيه القيم الإنسانية والحضارية الجديدة التي حملتها رياح الثورة الفرنسية كالأخوة والحرية والعدالة والمساواة بالإضافة إلى المفهوم الحديث للدولة التي تقوم على فكرة المؤسسات وهذا ما حاول أن يبرزه هيجل في كتابه المهم (أصول فلسفة الحق) وكان لا مناص لهيجل من كل ذلك من خلال وعيه بالوضع القائم والمهمة الجديدة أن يناهض الفكر الرجعي وكل ما يرتبط بالنظام التقليدي القديم لقد أراد هيجل بكل وضوح أن يستبدل القانون الطبيعي بالقانون العقلي في المجتمع وكان يؤمن يقينا « أنّ اتجاها جديدا نحو السياسة قد ولّد إبان الثورة الفرنسية وأعني به القضية التي تحاول الكتابات السياسية لهيجل نشرها وإذاعتها فجميع كتاباته السياسية تدل على أنّه انغمس في هذا الإتجاه وأنّه ثار ضد خصمه وهو الإتجاه التقليدي الرجعي أو الموقف الطبيعي ونستطيع أن نسمي هذا الإتجاه الجديد باسم مبدأ القانون العقلي كمضاد لمبدأ القانون الوضعي الذي أدانه هيجل بقوة، والإيمان بالقانون العقلي بوصفه المعيار الوحيد المشروع لقياس جميع القوانين والمؤسسات والدساتير، هو البند الأول الأساسي في عقيدة هيجل السياسية » (15).

وبالإضافة إلى ذلك، كانت الحرب الفرنسية الألمانية المحك والأداة التي كشفت زيف الواقع الألماني والفكر الرجعي الزائف الذي كان يبرر هذا الواقع ويؤدلجه لمصالحه وهذا مما دفع بهيجل على إعطاء قيمة إيجابية للحرب في هذا الإتجاه ليس في جانبها التدميري العنيف لكن في الإتجاه الذي يجعل الإنسان يكتشف ذاته على حقيقتها بحيث تسقط جميع الأقنعة وتتهافت جميع الخطابات التي تعطي الأولوية للكلام على الفعل، لأنّ حالة الحرب تكشف عن حقيقة الوجود الداخلي للشعب ومدى قدرته وتماسكه ومن ثمة مدى قدرة الدولة على مواجهة الأحداث والتحديات، ويرى هيجل في هذا الإطار « أنّ صحة الدولة بصفة عامة لا تكتشف بوضوح في هدوء السلم بقدر ما تكتشف في لهيب الحرب، فالسلم هو حالة الإستمتاع والنشاط المنعزل، لا سيما إذا كانت الحكومة من النوع الأبوي المتزن الذي لا يطلب من رعاياه سوى مطالب عادية مألوفة، أمّا في حالة الحرب فإنّ قوة الترابط التي تربط الأفراد جميعا بكل وضوح تصبح واضحة للغاية وهذا الترابط هو الذي يحدد مبلغ ما يطلب من الأفراد وقيمة ما يقدمونه هم بدافع من داخلهم ومن صميم فؤادهم سواء بسواء » (16).

وحقيقة ما أراد أن يعبر عنه هيجل بكل وضوح هو أنّ الحرب تثير الشعور القومي للشعب وبالتالي يحدث التلاحم والإرتباط وتتناسى الأحقاد وتفجر الطاقات المكبوتة والمختزنة للأفراد ويندمج الفرد في إطار الكل وتصبح المسؤولية مشتركة والقضية قضية وجود ومصير، إمّا أن نكون أو لا نكون، إمّا أن نكون أسيادا أو عبيدا، إمّا أن نكون مستقلين وأصحاب إرادة أو تابعين وخاضعين « ومن ثمّ فإنّ ألمانيا في حربها مع الجمهورية الفرنسية تستطيع أن تتعرف بخبرتها ذاتها أنّها لم تعد دولة فهي قد أصبحت واعية بوضعها السياسي تماما في حالة الحرب بقدر ما وعته في حالة السلم التي أطبقت عليها، فالنتائج الممارسة لهذه الحرب هي ضياع أجزاء من أجمل الأراضي الألمانية وفقدان بضعة ملايين من سكانها فضلا عن عبء الديون وهي ديون كانت امتدادا لبؤس الحرب في وقت السلم، وهناك نتيجة أخرى، هي أنه إلى جانب أولئك الذين وقعوا في قبضة المحتلين والقوانين والعادات الأجنبية سوف تفقد ولايات كثيرة أعظم خيراتها وأعني به استقلالها » (17).

كما أنّ هيجل من جهة أخرى يدعو في نقده السياسي للواقع الألماني إلى تأمل الأوضاع في حالة السلم والتعلم دروس التاريخ، هذه الدروس التي هي بحاجة إلى من يتعلمها حتى تكون بمثابة نقاط ضوء تنير طريق المستقبل، ولعل الدرس الأكبر في نظر هيجل الذي يجب أن يتعلمه كل شعب في كل زمان ومكان هو أنّ « كل دولة إنّما تعبّر عن روح شعب ما أو مصير أمّة محددة في نطاق حقيقة كلية أوسع منها ألا وهي التاريخ، وإذن، فإن كل شعب، بل كل دولة إنما هي لحظة من لحظات المطلق في تطوره عبر التاريخ » (18).

إن هيجل يرفض النظرة التجزيئية للواقع ويدعو إلى النظرة الكلية الشاملة التي تقوم على مبدأ العقل والتأمل الباطني للأشياء، وإذا كان هاجس هيجل السياسي هو ضرورة تأسيس دولة ألمانية حديثة على أسس جديدة ونظم متطورة ووعي تاريخي جديد يكون قادرا على إستيعاب أحداث العصر والعالم والتحديات الجديدة التي أفرزها التاريخ الجديد .

إنّ هذا الوعي التاريخي الجديد في نظر هيجل يتجسد أكثر في حالة السلم . فكيف يدفع السلم في نظره إلى إدراك هذه الحقيقة وإلى تقييم النتائج المأساوية وانعكاسها على الشعب الألماني ومستقبله ؟ يرى هيجل أن السلم « يتيح الفرصة المناسبة لكي نتدبر بإمعان الأسباب الداخلية لهذه النتائج وروحها ونتأمل الطريقة التي يمكن أن تصبح بها هذه النتائج وحدها المظاهر الخارجية الضرورية لتلك الروح، كما أن هذا التدبر سوف يناسب هو ذاته أي شخص لم يذعن لما قد حدث لكنه يريد أن يتعرف على الحادث وضرورته، وهو بهذه المعرفة يفصل نفسه عن أولائك الذين يرون الصدفة والعشوائية وحدهما الذين يقنعهم حمقهم أنّه كان من الممكن ترتيب كل شيئ بحكمة أكثر وبحظ أوفر، إنّ هذه المعرفة لعلى جانب عظيم من الأهمية لمعظم الناس » (19) .

وما يمكننا إستنتاجه من هنا وهناك أنّ المذهب الفلسفي لهيجل يستبطن عقيدته السياسية، وأنّه يبرز هيجل كمفكر وطني وقومي قبل كل شيء، لأنّ العالم يبدأ من عتبة بيوتنا وأنّ وعي العالم يبدأ من وعي الذات وهذا حتى لا تنطبق علينا مقولة هيجل الشهيرة التي تقول: (إنّ كلّ ما نتعلمه من درس التاريخ هو أنّه لا أحد تعلّم من هذا التاريخ) ولا شك أنّها حكمة خالدة تستدعي منّا النظر والعمل .

هيجل والثورة الفرنسية:

لقد شكلت الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 منعطفا حضاريا حاسما وتحولا تاريخيا كبيرا في أوربا بصفة عامة وألمانيا بصفة خاصة، ولقد تفاعل المفكرون والأدباء الألمان مع هذا الحدث التاريخي تفاعلا إبداعيا ورؤية عقلانية للتاريخ مليئة بالتفاؤل، وخاصة هيجل الذي رأى في هذه الثورة ملامح عصر جديد وفجر جديد يزيل الظلام عن أوربا الذي كان يلفها في غياهب التخلف ولقد كانت الثورة الفرنسية في هذا الجانب أيضا بالنسبة لهيجل بمثابة الشمس الساطعة والحقيقة الحارقة لكل الأجوبة الأبدية والشمولية ولكل قيم وعادات العصر التقليدية التي كانت تختزل الفكر والإنسان في أهواء الملوك ورغباتهم، وعلى هذا الأساس، فقد «أولى هيجل إهتماما خاصا بهذا الحدث كما فعل مع غيره من الأحداث الأخرى ، لقد نظر إليها باعتبارها نقطة فصل في التاريخ كرست القطيعة مع الماضي على الصعيد العملي وجسدت الأزمنة الحديثة في واقع الممارسة السياسية الثورة الفرنسية إذن بالنسبة لهيجل هي تحقيق ما كان يراه هيجل نموذجا للحرية الإنسانية، لذلك فقد أعجب بها وبمبادئها المستوحاة من روح العصر، واعتبرها الحدث السياسي الذي دشن الحداثة بالفعل وتأكد من خلاله أنّ الروح يحكم العالم » (20) .

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتساءل مع هيجل على هذه المعطيات منطلقين من مجموعة من الإستفهامات: كيف تعامل وتفاعل هيجل مع أحداث عصره، خاصة الثورة الفرنسية ؟ كيف كانت نظرته إليها وكيف كان تقييمه لها ؟ وما مدى إنعكاس الثورة الفرنسية كحدث تاريخي على وعي هيجل وفلسفته ومنطلقاته النظرية ومواقفه العملية؟اخيرا وليس آخرا، هل كان اهتمام هيجل بالثورة الفرنسية وبأحداث عصره من باب الترف الفكري أم من باب المسؤولية التاريخية ؟ .

وقبل الإجابة على هذه التساؤلات لابدّ أن نؤكد على حقيقة جوهرية وهي أنّ فلسفة هيجل يجب فهمها والنظر إليها انطلاقا من واقعها وليس من مفاهيمها الميتافيزيقية، بل حتى هذه المفاهيم الميتافيزيقية تظل مغلقة وملتبسة بمحتوى ومضمون من الواقع، وبالتالي فإنّ الواقع بالنسبة لهيجل يشكل ورشة عمل حقيقية لنحت وإبداع المفاهيم الفلسفية، فالفلاسفة لا يخرجون من الأرض كما تخرج النباتات الفطرية بل هم ثمرة عصرهم ومجتمعهم، وهذا ما يسميه هيجل روح العصر أو إنتماء الفيلسوف لروح العصر، ومعناه المعاصرة الوجدانية والفكرية لمنطق العصر والتقيد بإشكالياته الكبرى ومحاولة الإجابة على تحدياته واستفهاماته « هكذا إذن كان موقف هيجل إن لم نقل مواقفه من الثورة الفرنسية تعبيرا صادقا عن اهتمام هيجل بأحداث عصره، فهيجل قد عاصر حقبة كاملة عرفت أحداثا دينية وثقافية وسياسية كانت تنذر بميلاد حقبة جديدة وعصر جديد، لقد واكب هيجل هذه الأحداث لا فقط لمسايرتها، وإنّما كذلك لتحويلها إلى آراء نظرية، هكذا إذن تكون دلالة الحماس الهيجلي إزاء الثورة وليدة اهتمام خاص يوليه هيجل للتاريخ وأحداثه الكبرى، لم يكن إذن ذلك التأييد والإنفعال مع الثورة وليد الصدفة أو لمجرد الترف الفكري، بل كان دافعه الأول والأخير هو الإرتباط بالعصر أو ما يسميه هيجل الإنتماء لروح العصر » (21) .

إنّ الإنتماء لروح العصر يعني بالنسبة لهيجل على صعيد الوعي والفكر مسؤولية الفيلسوف التاريخية أمام واقعه ومجتمعه، خاصة إذا كان هذا المجتمع يمر بمنعطفات وتحولات جذرية في بنيته الداخلية والخارجية ومن هنا يمكننا أن نطرح التساؤلات التالية: كيف عاصر هيجل أحداث الثورة الفرنسية ؟ وكيف تجسدت واقعيا في فكره وسلوكه السياسي ؟ وهل موقف هيجل الشاب من الثورة الفرنسية هو نفسه موقف هيجل الكهل والناضج ؟ وللإجابة على هذه التساؤلات لا بدّ أن نعود بخطوات منهجية وزمانية إلى الوراء وأعني إلى بداية قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 حيث في هذا التاريخ تحديدا « ولم يكن هيجل يومها قد بلغ العشرين من عمره، وكان خلال هذه المرحلة يتلقى تكوينه التيولوجي في إطار ما يسمى بملتقى تبنجين، وقد جاء أول تعبير عن مساندة الثورة حينما شكل هيجل وهولدرلين وشيلينغ النادي السياسي لطلبة هذا المعهد، وحيث بدأ هيجل يلقي خطبا حول مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، كما أنّه قد عبّر عن نفس الحماس والتأييد طيلة حياته معتبرا أنّ الثورة الفرنسية هي الحدث الذي تتمحور حوله كلّ تحديدات الفكر الفلسفي في علاقته بالزمن» (22).

لقد كان حماس هيجل للثورة الفرنسية يرتقي إلى مستوى الإيمان والإعتقاد، فليس في الإمكان إبداع أحسن مما هو كائن من حيث الأفكار والمبادئ والقيم الإنسانية وفي طليعتها قيمة الحرية التي هي ماهية الإنسان وجوهره الحقيقي، وكخطوة رمزية وعملية من هيجل ورفاقه بإيمانهم بمبادئ الثورة الفرنسية حيث في يوم من الأيام « وفي صباح يوم أحد في ربيع عام 1791 إنضمّ هيجل إلى مجموعة من الشباب المتحمسين للحرية الذين ذهبوا إلى أحد المروج خارج مدينة توبنجن ليزرعوا شجرة الحرية وهم ينشدون نشيد المارسليزيه ويتلون قصيدة شيلر (أنشودة الفرح) التي استخدمها بيتهوفن فيما بعد في السيمفونية التاسعة » (23).

لقد شكلت الحرية إذن بالنسبة لهيجل محور فكره الفلسفي وتأملاته النظرية في الواقع والتاريخ خاصة ما اتصل منها بتاريخ الأمم والحضارات، إنّها المفتاح الإستكشافي لكل نسقه الفلسفي، بحيث لا يمكن فهم نظرية ما عند هيجل بدون إحالتها وربطها بمفهوم الحرية، ألم يقل هيجل نفسه في كتاباته الفلسفية أنّه (إذا كان الثقل ماهية المادة فإنّ الحرية هي ماهية الفكر) ولقد رأى هيجل على ضوء أحداث عصره وانطلاقا من مفهومه للحرية أنّ من يجسد هذا المبدأ على أرض الواقع إنّما هو نابليون الشخصية التاريخية والعالمية والذي يسميه هيجل (روح العالم) ، حيث وفي ليلة 12 أكتوبر ضرب نابليون (يينا) بالقنابل، وفي اليوم التالي دخلت قواته المدينة وكانت لا تزال أوراق الكتاب (ظاهريات الروح) في جيب هيجل الذي كتب إلى نيتامر يقول « لقد رأيت الأمبراطور روح العالم ممتطيا صهوة جواد يستكشف المدينة إنّه لإحساس عجيب أن ترى مثل هذا الفرد متمركزا هنا في نقطة واحدة ممتطيا صهوة جواد، ومع ذلك يعبر العالم ويتحكم فيه » (24) .

يبدو لنا من الوهلة الأولى أنّه من الصعب علينا أن نتفهم هذا الموقف الهيجلي من الإحتلال فبأيّ منطق وبأية فلسفة يمتدح هيجل نابليون كل هذا المدح وهو المحتل لوطنه وشعبه ويصفه بروح العالم ؟ لا شك أنّ هناك نظرة أخرى لهيجل من هذا الحدث وهذا التوصيف الأسطوري، خاصة أنّ هيجل ظلّ طوال حياته يحمل هموم ألمانيا ومآسيها في عقله ووجدانه، لقد كان يمثل نابليون لهيجل فيما نعتقد القيم الإنسانية الجديدة التي يمكن أن تنقذ المأساة الألمانية، إنّه العصر الجديد الذي يأتي على أنقاض العصر القديم، لقد كان الهاجس الحقيقي والفعلي لهيجل وهو يتأمل الثورة الفرنسية هو الواقع الألماني ذاته، كما اعتبر هيجل هذه الثورة من جهة أخرى أنّها تمثل حدثا إنسانيا وعالميا وهذا عندما يصف هيجل نابليون بأنّه (روح العالم) لقد كان ينظر إليه بأنّه الناطق الفعلي والشرعي لضمير الإنسانية وليس للأمة الفرنسية وحدها، ومن هنا عالمية وكونية هذه الثورة بأبعادها ومبادئها التي هي مبادئ كل إنسان في كل زمان ومكان، ومن هنا أراد هيجل أن تكون فلسفته فلسفة للثورة الفرنسية التي تبقى في نظره أمل ألمانيا وأوربا في تحرير شعوبها من القيود الفكرية والسياسية والإجتماعية خاصة أنّ الثورة الفرنسية رفعت شعار (حرب على الملوك وسلام مع الشعوب) .

ولا شكّ أنّ الإندماج الفكري والوجداني لهيجل مع أحداث عصره خاصة الثورة الفرنسية يجسد لديه بحق مقولة الإنتماء لروح العصر، إذ الإنتماء لروح العصر «هو الشرط الضروري الذي بتوفره يمكن أن يوصف الإنسان هيجيليا بكونه إنسانا حديثا، وهو كذلك الشغل الشاغل بالنسبة للتفكير الفلسفي الهيجلي، لذلك فإنّ الإهتمام بالثورة هو تعبير عن الإنتماء لروح العصر، فلسفة هيجل إذن أرادت أن تكون فلسفة للثورة الفرنسية، لأنّ هيجل يرى أنّ الثورة بنت الفلسفة كما يرى كذلك أنّها دافع إلى التفكير الفلسفي لأنّها كانت الوسيلة التي من خلالها تنبه المثقف في ألمانيا إلى أنه يعيش واقعا مرفوضا، فعلى أساس توجهاتها إنبنى نقد الأوضاع في ألمانيا، لقد كانت الثورة الفرنسية بالنسبة لهيجل هذه الشمس التي ترفع في سماء فرنسا وتضيئ بنورها الساطع المأساة الألمانية»(25).

ولكن الثورة الفرنسية كحدث سياسي وتاريخي والتي جسدت فلسفة عصر الأنوار والمفكرين الموسوعيين قد مرت بمراحل وتحولات ظرفية وتاريخية إلى أن أنقلبت على نفسها ودخلت في أزمة حقيقية وقامت حكومة الإرهاب والمقاصل الجماعية وتحولت الحرية إلى رعب والثورة إلى فوضى وسادت المقولة السياسية الشهيرة (الثورة تأكل أبناءها) ومن هنا أخذ هيجل يتساءل بعمق « فما الذي جعل الفكر العقلي الحي ينقلب على هذا النحو إلى طوفان مدمر؟ » (26) .

وبعد أن تأمل هيجل مبادئ الثورة الفرنسية وتجسيداتها العملية والتطبيقية وجد أنّ هناك تناقضا بين المادة والصورة، بين المفاهيم النظرية ومحتواياتها الواقعية، بينما هو كائن وما يجب أن يكون، ويقول هيجل في هذا الإطار معلللا « السبب أنّ رجال الثورة لم يسمحوا بالتطبيق العملي الجاد للأفكار التي نادوا بها، ذلك لأنّ تحقق هذه الأفكار بالفعل يحد من حرياتهم لأنّ قيام المؤسسات الدستورية وسيادة القانون وإعطاء كل ذي حق حقه سوف يعني في الحال أن تتحول الحرية المطلقة إلى حرية مقيدة متناهية محددة، ولهذا راحت الثورة تدمر ما تقوم هي نفسها ببنائه » (27) .

إنّ تراجع الثورة الفرنسية وانقلابها على نفسها جعل هيجل يفكر كثيرا في محتوى مفهوم الحرية، فلا وجود لحرية طبيعية أو حرية عمياء في نظره، فالحرية هي الخضوع الواعي لمبدأ أو قانون عام، ولا وجود لحرية مطلقة، وبالتالي فإنّه على ضوء أخطاء الثورة الفرنسية في مساراتها قام هيجل بتأمل وتصحيح الكثير من المفاهيم السياسية والفلسفية كمفهوم الحرية تحديدا، لذلك فإنّ الثورة الفرنسية في نظره وإن نجحت على صعيد المبادئ والشعارات واندفاعاتها الأولى المبكرة والمبشرة فإنها أخفقت على مر الزمن في تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع، ومع ذلك فقد «ظل هيجل طوال حياته يحتفل بيوم الباستيل وظلت الحرية الشغل الشاغل في فكر هيجل، وفي سنواته الأخيرة كان يسترجع روح عام 1789م، لقد كان سقوط الثورة الفرنسية عند هيجل وعند كثير من معاصريه في خوف مطلق يمثل أعمق أزمة للروح ويحاول قسم هام في أول كتاب كبير لهيجل (ظاهريات الروح) أن يعرض للإرهاب ويفسره بأنه كان نتيجة للحرية التي أكدت نفسها بطريقة مجردة على أنّها شيء مطلق لا يرتبط بسياق العلاقات الأخلاقية أو تنظيم المؤسسات»(28).

وما يمكن إستخلاصه من كل هذا أنّ الثورة الفرنسية شكلت المنظور العام لهيجل في رؤيته لتاريخ العالم، وبقدر ما ألهمت الفكر الألماني بصفة عامة والفلسفة الهيجيلية بصفة خاصة فإنّها سمحت لهيجل بمراجعة هذه الثورة على صعيد الوعي النظري خاصة في جوانبها العملية، لقد كانت الثورة الفرنسية في نظر هيجل مبادئ مجردة بدون ضوابط أخلاقية أو قانونية، وهذا ما ألهمه في كتابه (أصول فلسفة الحق) ليركز على مفهوم الدولة الواقعية وفكرة المؤسسات والمجتمع المدني، فالمؤسسة هي القالب الواقعي للمفاهيم النظرية والفلسفية، وبالتالي فإنّ ما يتحقق ولو قليلا هو أكثر غنى واتساعا مما لم يتحقق ولو كثيرا، وذلك هو جوهر فلسفة هيجل في مقاربته للواقع العيني وفي رؤيته الفلسفية في المطابقة بين الفكر والوجود والمصالحة بين المجرد والعيني.

 

الدكتور قادة جليد

....................

هوامش البحث

(1) هيجل: أصول فلسفة الحق، تر: د. إمام عبد الفتاح إمام، 1996، مكتبة مدبولي، مصر، ص:116.

(2) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر، 1993،ص: 22.

(3) نفس المرجع، ص: 43،42.

(4) هيجل، أصول فلسفة الحق، مرجع سابق، ص:27.

(5) نفس المرجع، ص: 29.

(6) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مكتبة مصر، 1970، ص: 24،23.

(7) هيجل، أصول فلسفة الحق، مرجع سابق، ص:119-120..

(8) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 79.

(9) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مرجع سابق، ص:10.

(10) نفس المرجع، ص: 38.

(11) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر 1985، ص: 59.

(12) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 6.

(13) نفس المرجع، ص: 13.

(14) نفس المرجع، ص: 18.

(15) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية، مرجع سابق،ص: 85.

(16) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 40.

(17) نفس المرجع، ص: 41.

(18) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مرجع سابق، ص:76.

(19) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 41.

(20) د.يعقوب ولد القاسم، الحداثة في فلسفة هيجل، مركز الكتاب للنشر، مصر، ط1، 2003، ص 85.

(21) نفس المرجع، ص: 81.

(22) نفس المرجع، ص: 85.

(23) ليود سبنسر /أندرزجي كروز، هيجل،تر: إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، ص21.

(24) نفس المرجع، ص: 58.

(25) د.يعقوب ولد القاسم، الحداثة في فلسفة هيجل، مرجع سابق، ص82.

(26) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 7.

(27) نفس المرجع، ص: 7.

(28) ليود سبنسر /أندرزجي كروز، هيجل،مرجع سابق ، ص22-23.

 

 

ali mohamadalyousifبالنسبة للرومانتيكيين وشلنج فقد منح الموت يقينا مسيحيا من خلال الاقتناع بالوحدة الحقيقية لله والطبيعة التي غدت متجليّة في المسيح. واليقين بان المسيح اجتاز الموت وارسى من جديد الارتباط بين الطبيعة والعالم الروحاني.

يعتبر انصار فرويد ان غريزة الحنين الى الموت التي نادى بها الرومانتيكيون تتطابق مع صحة نظريتهم. ويلاحظ شلنج انه بدلا من الموت فان التعبير الصحيح هو في التخلّي عن الروح. والروح التي يتخلى عنها المرء في غمار الموت انما هي روح الرغبة المتمحورة حول الانا. والخلاص لا في قمع الارادة المتمحورة حول الانا.كما اشار افلاطون. (1)

لايمكن ان يكون اخلاص الرومانتييكيين مثار شك للموت. ومعظمهم عاشوا تقارب حميم مع الموت ومات اغلبهم شبابا. وكان نوفاليس مصدورا حينما لفظ انفاسه الاخيرة في التاسعة والعشرين من عمره. ونقرا في مذكراته قوله لن انجز شيئا هنا وسأقول وداعا لكل شيئ في ريعان شبابي. وقد مضى الموت راحلا بأخيه الاثير اراسموس. اما بطلة حبه العظيم صوفي فون كين فقد قضت نحبها في الخامسة عشرة من عمرها ومعها مات العالم باسره بالنسبة لنوفاليس. (2)

وعبارة ايفان في قصة الكاتب الروسي دوستوفسكي الاخوة كرامازوف التي وردت على لسانه- (اذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح للانسان.) وقد عالجها باهتمام كبير نيتشة.كما اقتبسها سارتر فيما بعد. وتولستوي ايضا.

وعن الموت في اللاهوت المسيحي، فحينما يتحدث اللاهوتيون المسيحيون عن الموت فانهم يعطونه معنى ثلاثيا، فهناك بادئا ذي بدء "الموت الطبيعي" الذي هو نهاية الحياة العضوية.

ثم هناك "الموت الروحي" ويعبّر عنه وضع الانسانية خارج الايمان المسيحي، وهناك اخيراً "الموت الصوفي" وهو المشاركة في الحياة الالهية التي تجري بالفعل خلال هذا الوجود الارضي على الرغم من الموت الطبيعي.وقد جعل المسيح الوصول اليه ممكنا، إذ يقول القديس بولص "بموتكم تتوحد حيواتكم مع المسيح الرب" ويعد الموت الصوفي انتصاراً على الموت العضوي، وما البعث الا مرحلة اخرى في هذا الموت الصوفي الذي هو في الوقت ذاته حياة خالدة.

بينما يعد الخلود في الفكر الاغريقي سمة باطنية للنفس يكون في الرؤية المسيحية الله وحده يمكنه ان يخلع حياة جديدة على الانسان الفرد كهبة لايستحقها هذا الانسان بسبب طبيعته الخاطئة. وقد اقرّ بعض اللاهوتيين المعاصرين صراحة صعوبة اثبات مبدأ البعث والخلود.

وقد استعيض لدى البعض خلود السماء بخلود الانسان على الارض. وراودهم حلم امكانية البقاء اللامتناهي للحياة البشرية على الارض.بل وفي بعض الاحيان طرحت براهين لاهوتية لتاكيد ذلك. وزعم جون اسجيل في كتيب له ظهر اوائل القرن

الثامن عشر في لندن انه وفقا لعهد الحياة الازلية الذي كشف عنه النقاب في الكتب المقدسة سينقل الانسان الى الحياة الازلية دون ان يمر بالموت. وكانت ردة الفعل عليه عنيفة فاحرق الكتيب علنا وحرم المؤلف من مقعده في البرلمان.(3)

ويذهب جاروسلاف في كتيبه-(شكل الموت)-ان موت الانسان لايمكننا فهمه بمعزل عن الموت لدى آدم والمسيح. والصليب يترك اسئلة دون اجابة وشطرا من الموت دونما اشتهاء الانطلاق ومصاحبة المسيح. ولاقت الفكرة صدى صوفيا بليغا لدى القديس اغناطيوس الانطاكي فيما كان يستعد لاستشهاده الوشيك في مدرج روما. اتجهلون اننا كل من اعتمد المسيح اعتمدنا لموته. وقذفنا معه في المعمودية للموت حتى كما قام المسيح من الاموات بمجد الرب.

هكذا نسلك نحن ايضا في هذه الحياة. ان انساننا العتيق صلب معه ليبطل جسد الخطيئة.(4)

كما تشير "فيكي بيل" في بحثها "فوكو والجنسانية" الى فينومينولوجيا الروح، وطريقة تكونها الانطولوجي الوجودي من الخارج، فالذات هي من عناصر "الحيز" اما النفس (الروح) فهي الحيز او الفضاء الذي تتحرك فيه الذات حينما تتجه الى الداخل.

اما ميشيل فوكو فيأخذ الموت في جنبته البيولوجية –السيسيوتاريخية ,وليس في جانبه الوجودي الفلسفي فيقول: كان الملك في القرون السابقة تحديدا القرون السابع عشر ,الثامن عشر, والتاسع عشر, يمارس حقه في الحياة بتشغيل اساليب حقه في القتل وهو لا يثبت سلطته على الحياة الا بالموت , ان الحق الذي يصاغ كحق على (الحياة والموت) هو في واقع الامر الحق في الاماتة او الابقاء على الحياة , وبعد فلقد كان يرمز الى نفسه بالسيف. اما الحروب اليوم منذ القرن التاسع عشر والعشرين لم تعد تجري بأسم الملك الذي يتوجب الدفاع عنه , ولكنها باتت تجري بأسم وجود الجميع ,وقد غدت شعوب بكاملها تتقاتل فيما بينها بأسم ضرورة ان تحيا , وصارت المجازر حيوية مديرة للحياة والموت, للاجساد والجنس ,وقادت كثير من الانظمة كثيرا من الحروب بقتلها كثير من الناس.(5)

الموت في العهد القديم (التوراة)

الفريسيون، فرقة في اليهودية تعني حرفيا "المنعزلون" او المنشقون، وهم يؤمنون بالبعث وقيامة الاموات، وان التوراة خلقت منذ الازل. والصدوقيون، هم فرقة اخرى وتسميتهم نسبة الى الصادق الكاهن الاعظم في عهد سليمان وهم ينكرون البعث والحياة الاخرى ويوم الحساب، ويرون ان جزاء الانسان يتم على الارض في الدنيا. وعندهم حتى التوراة غير مقدّسة.

والقبالة او القبلانين فهي نزعة صوفية مارسها رجال الدين اليهود للكشف عن المعاني الخفية والرمزية في الكتاب المقدس، لاسيما اسفارهم الخمسة، وكلمة القبالة مشتقة من الاحرف الاولى الخمسة من الوزراء اختارهم شارل الثاني عام 1667. وسفر الزوحار هو مجموعة نصوص صوفية يهودية كتبت معظمها باللغة الآرامية كانت تسمى سفر الجلال انعشت الحياة الصوفية التي كانت تمارسها القبلانية في البحث عن المعاني الرمزية والخفية لنصوص الكتاب المقدس. وافكارهم تصوفية من نوع ما.

ان العهد الجديد لم يعتبر خلود النفس من المسيحية في شيء وانما هو من امور الوثنية. وعقاب يوم الدينونة هو عقاب الاجسام الميتة التي تبعث من جديد. وهذا ماأكده بولص الرسول في احدى خطاباته ماأثار سخرية الفلاسفة الوثنيين.

اما ابيقور صاحب مقولة: الموت لا يعنينا في شيء فهو يقترح علاجا للروح باسم العلاجات الاربع، لسنا بحاجة الى تخوف من الله، الموت يعني غياب

الاحساس، من اليسير تحقيق الخير من اليسير احتمال الشر، ويقول ابيقور: " اللاجدوى كلمة يقولها الفيلسوف ولا تخفف أي معاناة للانسان"، والابيقورية ارادت

التهوين من نهاية الموت فنادت بان الروح هي الاخرى تنحل بعد الموت، حالها حال الانحلال الجسمي للجثة، وبذلك جعلت من جميع المخاوف الدائرة حول معاناة النفس وعذابها بعد الموت اموراً لا اساس لها. وتذهب الابيقورية انه ما دامت الروح موجودة فانها تبتلى بالمرض الذي تسببه المعتقدات الدينية من خشية الالهة وعذاب العالم الاخر، وهكذا نجد في الابيقورية احالتها الآلهة على التقاعد و وبذلك تكون بذرت البذرة الاولى في الالحاد، الذي تبنّاه نيتشه وهيدجر وفويرباخ وسارتر.

كما دعت الابيقورية الى اللذة ومتعة الحياة بغير ابتذال ففناء الحياة أمراً يمكن الاستمتاع به، لأنه خارج اطار لا نهائية الزمن الذي يستبعد شوق الانسان للخلود. وفيما دأبت الابيقورية في منهجها التخفيف من رعب الموت, فانها تعارض أولئك الذين ينتقصون من قدر الحياة مؤكدين ان الخير الاسمى هو ألا يولد المرء، وهنا نعثر في الابيقورية على البذرة الثانية في فلسفة الوجودية الحديثة (سارتر، هيدجر، كيركارد) التي تذهب في مقولتها الشهيرة: ما معنى ان نولد وما معنى ان نموت!؟

ومن هنا تجد الابيقورية ان من يشكو انه ولد فانيا. وهذه الحقيقة انطولوجية انثروبولوجية لا يبالغ في الانين, وفي هذا تحاول تخفيف هواجس الرعب لمرحلة ما بعد الموت، لا في ما قبله، وبهذا تعود الابيقورية لتبذر بذرة وجودية اخرى، في قولها خواء الحياة ورتابتها، اليومية، فنحن دائما منهمكون غارقون في المشاغل. ان هجعة الموت تبعث العزاء في هذه الابيات:

لـ"لوكر يشيوس" لا لشيء إلا لأن الحياة

مؤلمة وحافلة بالعذاب.

سوف ترقد ولن تستيقظ ابدا

وعندما تفارق الحياة تتخلى عن ألمك العنيف

واسوأ ما يمكن ان يحل بك

هوسبات عميق وليل طويل

فكل الخطايا الكئيبة الموحشة التي ينشدها الشعراء

تثبت صحتها على الارض لا في الجحيم

استخلاص

- الموت موضوع ومحرك للفلسفة

تعد مشكلة الخوف من الموت وطبيعته تقليديا من اختصاص الدين.والدين ينكر عادة الطابع المتناهي للموت اذ يؤكد استمرارية الشخصية الانسانية في شمولها النفسي-البدني, او كنفس متحررة من البدن. مؤكدا طابعها المميز المألوف.ومن ثم فان الفلسفة لم تشرع في الاهتمام بالموت الا حينما اصبح التاكيد الذي يطرحه الدين مشكوكا فيه وموضع ريبة. او حينما بدا هذا التاكيد في تناقض لامفر منه مع شهادة حواسنا المباشرة التي لاجدال فيها. وحينما اصبح الرد الديني موضع تشكك سعت الفلسفة الى دعمه بحجج عقلانية. وعندما غدا الامر متعلقا بالتناقض راحت الفلسفة تسعى الى الوصول من خلال النظر العقلي الى رد مؤكد مماثل لذلك الذي طرحه الدين منذ وقت طويل او تصدت للوصول الى التصالح مع الموت منظورا اليه باعتباره عدما نهائيا او بحسبانه خلودا غير شخصي.

من هنا فاننا في غياب اقتناعات دينية محددة تماما كما كان الامر في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد في بلاد الاغريق على سبيل المثال. او في القرنين الثاني والاول قبل الميلاد في روما نجد الموت لا كموضوع للفلسفة وحسب وانما كمحرك لها ايضا. ولكن مع مجيء المسيحية ووعدها بالبعث والحياة الخالدة في العالم الاخر تقلصت الضرورة الحيوية لقيام الفلسفة بتناول الموت حيث بدت المشكلة وكأنها قد حلّت.

اضف الى ذلك ان حل مشكلة الموت لم يكن سوى احدى مشكلات الحياة والفكر المسيحي. حيث غدت الفلسفة ذاتها لاسباب عديدة تابعة للاهوت. لكنه سيكون من قبيل الخطأ الاستنتاج بان الانشغال بالموت اختفى في العصر المسيحي. ولكن ادّى الظهور التدريجي لتصور محدد للحياة الاخرى التي طورها اللاهوت وجعلها الشعر والتصوير والنحت واقعية بصورة مرئية. وتزايد التأكيد على صعوبات الخلاص من الموت الابدي ادى الى تكثيف الخوف من الموت والاحتضار الذي بلغ ذروته خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر في نوبة تسلط الموت على الاذهان والقلوب. حيث اثارت لحظة الموت الفزع والشؤم في هروب النفس من الجسد المحتضر وهي الفرصة الاخيرة لقوى الجحيم من السيطرة على هذه النفس.

ونجد مع استئناف التفكير الفلسفي المستقل في عصر النهضة ان الفلاسفة يميلون فيما يتعلق بمشكلة الموت الى انكار الخلود الشخصي. ويمكن ان يقال انه منذ اللحظة التي انحاز فيها بيترو بومبو ناتزي الى صفوف القائلين بانكار الخلود, اصبح انكار خلود النفس بصورة تدريجية هو الموقف الفلسفي غير المنازع في القرن الثامن عشر في فرنسا والقرن التاسع عشر في المانيا. غير ان ذلك لايعني الاهمال الكامل لمشكلات الموت في الفلسفة. فحتى الماديون الفرنسيون في غمار انكارهم خلود النفس ووصفهم بانه (كذبة كهنوتية) – وانه عقبة في وجه تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الا انهم تناولوا الموت بالدراسة. وذلك على الرغم من ان المشكلة قد ضاق نطاقها وانحدر الى مستوى السيطرة على الخوف من الموت ومنعه من افساد بهجة الحياة. وكان هناك دائما جهد دائب من جانب بعض الفلاسفة لاثبات خلود النفس. غير انه بصفة عامة مع تحول الفلسفة الى فرع مستقل من فروع المعرفة راحت تطور وتركز على مشكلاتها الفلسفية بصفة خاصة واصبح الموت كموضوع للتفلسف استثناءا. وهكذا فانه بالاضافة الى الفوارق بين الفلسفات فيما يتعلق بنوعية الرد الذي تقدمه على الموت فان هناك فارقا تتعين ملاحظته يتمثل فيما اذا كانت تتناول مشكلة الموت او تهملها كلية.

واقعة الموت في عجز الفلسفة

ان جميع الفلسفات التي تتناول مشكلة الموت تظهر العلاقة بين واقعة الموت والبحث الفلسفي في ثلاثة جوانب هي:

1. يمكن ان يكون الموت مصدر الهام للفلسفة وقوة الدفع الكامنة وراء التفلسف الذي يهدف اساسا الى السيطرة على الخوف من الموت والتصالح مع حتمية الموت. وتلك هي على نحو ما رأينا نظرة شوبنهاور الى هذه العلاقة.

2. يمكن ان يكون الموت اداة الفسلسفة التي تزعم انها وحدها تناسب الوصول الى فهم الوجود والكشف عن طبيعته الحقة التي يتخللها اللاوجود فيما يقول هيدجر.

3. اخيرا فان الموت كما يقول افلاطون يمكن ان يكون الوضع المثالي للتفلسف وحالة يمكن فيها وحدها ان يتحقق سعي الفيلسوف وراءالمعرفة الحقة.

واذا ما فهم الامر على وجهه الصحيح في اطار المثالين الاولين امكن القول بان الخوف من الموت وليس واقعة الموت اي اليقين المرعب من الموت. او القلق الذي يكشف فيه اللاوجود عن نفسه هما مصدر الوحي او اداة الفلسفة على التوالي.

اما في المثال الثالث فليس الموقف الانساني من الموت وانما طبيعة الموت هي التي تمثل منطلقا. وهذه الطبيعة يفترض بصورة تعسفية انها تعرف باعتبارها انفصال النفس الالهية الخالدة عن الجسم الفاني.

اما الميل الى تجاهل موضوع الموت وهو ما يزعم بعض مؤرخي الفلسفة انه قد بدا تحت تاثير اسبينوزا, فكان يؤكد نفسه بصورة متزايدة واصبح سائدا في حوالي منتصف القرن التاسع عشر.

ولقد سهّل استبعاد مشكلات الموت عن الفلسفة الى حد كبير ذلك التحوّل الحاد الذي طرأ على البحث الفلسفي بكامله تحت تاثير ضروب التقدم المذهلة التي احرزتها العلوم الدقيقة.وساعدت التخمة المتزايدة من التفكير الميتافيزيقي على سيطرة الرؤية العلمية والوضعية. وكنتيجة لذلك لم يكن الفلاسفة يميلون ولا يتوقع منهم احد ان يفعلوا الى الرد على الاسئلة الهائلة والمطلقة التي تطرح حول الغرض من الكون والمصير النهائي للانسان. وبالتالي ترك الموت ومشكلاته على قارعة الطريق.

وعلى اية حال فقد اعلن انصار النزعة العلمية حماس احتضار الموت بينما اعترف به في اسى ممثلو الدين التقليدي. فيكتب مراقب معاصر مقالا بعنوان احتضار الموت يقول: - ان الموت كمحرك قد احتضر... لقد فقد الموت ضروب افزاعه -.

وكتب اخر يقول :– ان القرن العشرين اكثر انشغالا من ان يشغل نفسه كثيرا بالمشكلات التي يطرحها الموت وما يعقبه. فالرجل المحّنك يكتب وصيته ويؤمن على حياته ويزيح موته جانبا باقل صور التاديب.

 الموت والروائيين

يجد ارثر شنتزلر انه كالمعتاد ما من شخص جدير بالاحترام لايفكر بالموت في ساعة هادئة. وبينما انسحب الفلاسفة المحترفون الى البحث المتخصص وراحوا يفكرون في معالجة مسائل لا تقل اهميتها عن مشكلة الموت. اعرب كتاب وشعراء من امم عديدة عن ادراكهم للموت واساهم ازاء الظل المعتم الذي يلقيه على كل ما يحيى ويتنفس وعلى وجودهم بصفة خاصة. فهناك تولستوي الذي كانت فكرة الموت تطارده دونما توقف والذي واصل التساؤل في يأس (– اي حقيقة يمكن ان توجد اذا كان هناك موتا) -. وهناك اونا مونو الذي كانت شهوته للخلود نهمة وشكّه في الحياة بعد الموت يجعلانه ينشد عبثا الهرب من المعنى الماساوي للحياة بان يكرر لنفسه دونما توقف ان على المرء ان يؤمن بالايمان ذاته. وهناك ريلكه الذي اصيب بعذاب الزوال وناضل ببسالة ليحوّل الموت من شبح مفزع الى اعظم حدث في الحياة. وهناك بروست الذي سعى للوصول الى مهرب من المرور الفاني للزمن من خلال محاولة استرجاع الماضي بأمل باطل هو انه اذا كان بوسعه القيام بذلك فان كلمة الموت لن يعود لها معنى بالنسبة له. واذا كان الادب ذو المعنى في عصرنا يصلح كمؤشر للمزاج الحديث فيكفي ان نشير الى همنجواي-فوكنر-مالرو-كامي-اليوت-وديلن توماس- فالموت يثقل كاهل شريحة هامة من الانسانية المعاصرة.

ومع بداية القرن الحالي على وجه التقريب فحسب حدث رد فعل في الفلسفة ضد استبعاد الموت من التأمل الفلسفي. فتمرّد وليم جيمس وهنري برجسون على استبعاد جميع العناصر الشخصية من الفلسفة. ولاحظ جورج زمل بأسى ان  جانبا بالغ الضالة من المعاناة الانسانية شق طريقه الى الفلسفة .

الموت والفلاسفة المعاصرين

هناك انقسام حاد بين الفلاسفة المعاصرين فيما يتعلق ان كان من الضروري اعتبار الموت موضوعا مناسبا للفلسفة من عدمه. وذلك غالبا جاء من نطاق فصل الفلاسفة التحليليون عن اولئك الذين يتعاطفون مع تصور اشمل لمهمة الفلسفة. باعتبارها تعنى كذلك بمسائل المصير النهائي للانسان. ولكن هناك كذلك اشكالا آخر لهذا الانقسام فمثلا كان يعتقد ان اهتمام مارسيل جبريل الفيلسوف اللاهوتي الوجودي بالموت كان اهتماما مرضيا وانعدام الاهتمام عنده بالموت يرجع الى واقعة ان هذه المشكلة بالنسبة له قد حلت بالفعل حيث ان الوجود الانساني يكتسب في مؤلفه ( فلسفة الروح) معنى لايمكن للموت ان يقضي عليه.

لدى نيكولاي هارتمان 1882 – 1950  وهو فيلسوف مثالي الماني صاحب مذهب الانطولوجيا النقدية كما وضع مذهبا للاخلاق ونظرية القيم وعلم الجمال ونظرية المعرفة. له اسباب اخرى حول الانقسام الفلسفي اتجاه الموت. فهو يتحدث عن رجال الميتافيزيقيا الذين يعذّبون انفسهم وينكر عليهم اهتمامهم الفلسفي بالموت لان تعذيب الذات امر لااخلاقي. ويذهب الى القول بانه اذا لم يكن الموت الا عدما فانه لايمكن ان يكون شرّا. والمشكلة ان الانسان ينظر الى نفسه بأكثر مما ينبغي من الجدية. ولو انه احتفظ بالمنظور الصحيح فانه سينظر الى نفسه على ما هو عليه بالفعل. اي بوصفه قطرة في غدير الاحداث الكلية. ويكف عن جعل ضرورة موته قضية تثار باستمرار وعلى الدوام.  غير ان شلر يسخر من العبث الميتافيزيقي للفلاسفة الذين لايرغبون في معالجة المسائل المطلقة ومشكلة الموت بشكل خاص.

ويكتب بردياييف قائلا... انني لااميل الى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل تولستوي على سبيل المثال لكني شعرت بألم حاد ازاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في اعادة الحياة لكل من ماتو. وبدا لي قهر الموت هو المشكلة الاساسية للحياة. فالموت حدث اكثر اهمية وحيوية من الميلاد.

ينبغي لعبارة بردياييف ان تجعلنا حذرين ازاء محاولات تفسير كل اهتمام بالموت وبالمشكلات الناشئة منه على انها نتيجة للخوف من الموت. فهي توضح لنا ان الضيق بمشكلات الموت يعادل فصل الفلسفة عن اعمق الموضوعات التي حيرت وضايقت ولازمت البشرية منذ الازل. والمبرر الاخر لعدم اهتمام المرء بالموت هو ان مشكلة طبيعة الموت تنتمي لعلم الاحياء.كما ان مشكلة الخوف منه تنتمي الى علم النفس وعلم النفس المرضي. لكن الامر يقتضي الكثير من حدة الذهن ليدرك المرء على سبيل المثال ان قضية خلود الكائنات وحيدة الخلية هي اساسا مسالة تهم التفسير والسيمانطيقا او السيمائية وهي احد فروع علم اللغة ويبحث في دلالات الالفاظ وتطورها.

وفي ما يتعلق بمشكلة الخوف من الموت فانه على الرغم من الاسهامات الهامة التي قدمها التحليل النفسي في هذا المجال لاتزال مشكلة القلق باسرها ابعد ما تكون عن الوضوح. ولا يزال التساؤل قائما حول ما اذا كان الخوف من الموت هو في نهاية المطاف القلق الاساسي. وفكرة ابيقور القائلة بان مهمة الفلسفة مداواة جراح القلب لاتزال وثيقة الصلة بالموضوع حينما تكون هذه الجراح بسبب موت المرء او موت اولئك الذين نحبهم.

مشكلة الموت حياتيا واجتماعيا

ان الحجة القائلة بان الاهتمام بالموت يؤدي الى اهمال المهمة المحدد والملحة المتمثلة في تحسين الوضع الانساني والاهتمام بالرخاء الانساني تتجاهل واقعة ان الموت بدوره ينتمي الى الوضع الانساني. وان الابحاث التي اجريت في السنوات الاخيرة مقنعة بما يكفي لاظهار ان الشخص العادي يفكر بالموت اكثر بكثير مما كان يفترض عا دة  حتى الان.وذلك على الرغم من ضيق نطاق هذه الابحاث. وان اهمال المشكلات العاطفية والعقلية النابعة من واقعة الفناء يساوي التراجع عما ينبغي ان يعتبر المسؤولية الخاصة للفيلسوف ازاء مهمة يمكنه هو وحده القيام بها في وقت تنحسر فيه المعتقدات الدينية.

صحيح ان الانسان قادر على ان يعيش حياة طيبة على الصعيد الاخلاقي دون ان يكون على يقين مما اذا كان للوجود الانساني معنى يتمتع بالحصانة ازاء القوة المدمرة للموت. بل يجد البعض ان بالامكان الحياة بقناعة ان الحياة عبث. وانها مجردة من المعنى. ولكن بغض النظر عن مسالة المرض المحتمل الكامن وراء هذا الموقف الاخير فانه ليس بمقدور انسان عرف وفكر في مصير زهرة الرجال كافة في اوربا وامريكا والخسائر الحربية والمدنية التي اسفرت عنها الحربان العالميتان ان يغلق عينيه ازاء الجانب العبثي لمثل تلك الصراعات ويقمع بضمير خال التساؤل عن معنى الحياة التي تنتهي قبل الاوان وعلى نحوا مفزع.

ولكن ضروب الموت اللامعقول ستستمر حتى عندما يتوقف الانسان عن التسبب فيها. ويجعل التساؤل عن معنى الحياة الذي وضعته في بؤرة حادة ضروب الموت السبقة لاوانها والمجردة من المعنى الردود المعقولة التي طرحت فيما يتعلق بالموت الطبيعي تبدو سطحية وموضع تشكك طالما انها ليست قابلة للتطبيق على ضروب الموت الاخرى ايضا. وقد اقر فولتير بالفعل حق الانسان هذا المخلوق المثير للاشفاق في ان يتذمر في اتضاع وان يجتهد لفهم السبب في ان القانون الكلي لايشمل خير كل فرد.

ومما لايمكن تجنبه ان هذا المازق الذي شغل بسكال طويلا يحتل بؤرة حادة في الحضارة الغربية بتركيزها على القيمة اللا متناهية للكائن البشري الفرد. اذ كيف يمكن التوفيق بين هذه الفكرة الاساسية وبين فناء الفرد الذي يبدو شاملا في الموت.

ويقدم مالرو صياغة بليغة لذلك حينما يقول ان الحياة رخيصة ولكن – في الوقت نفسه – لاشيء غال كالحياة.

قد يقال ان كل ما يمكن ان يطمح اليه البشر هو ان يعيش ذلك النوع من الحياة الذي يسمح لهم بالا يشعروا قبل ان يسدل الستار الاخير بما شعر به رابلييه من ان المهزلة قد تمت.

 

علي محمد اليوسف

..................

 المصدر الاساس الذي اعتمدناه في هذا البحث كاملا:  كتاب جاك شورون، الموت في الفكر الغربي صفحات 279 -289 ، ترجمة كامل يوسف حسين، مراجعة وتقديم د. امام عبد الفتاح امام، سلسلة عالم المعرفة الكويت.

ونود التنبيه الى اننا اهملنا تثبيت المصادر والاقتباسات التي اعتمدها المؤلف في اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية بضمنها احالات وهوامش المترجم والمراجع ايضا.

...........

 

هوامش

(1) جاك شورون مصدر سابق هامش ص318 -.

(2) المصدر السابق جاك شورون ص 148.

(3) جاك شورون-مصدر سابق هامش ص313.

(4) المصدر السابق هامش ص316-.

(5) ميشيل فوكو-حق الموت والسلطة على الحياة- تاريخ الجنسانية- ارادة العرفان ص113 -114.

 

الجواب الخامس: "الحب" مبدأ جديد للأخلاق والمعنى

لماذا نريد مرة أخرى الذهاب إلى ما هو أبعد، لماذا بعد كل شيء لا نبقى عند حدود "نيتشة" ووضوحه اللاذع؟ لماذا لا نكتفي كما فعل الكثيرون بتوسيع برنامجه وبإملاء الخانات التي ما زالت فارغة وبالتطريز حول الموضوعات التي أورثنا إياها؟ وإذا كنا لا نحبه أو كنا نجد أنّ فكره يقارب إلى حد بعيد وقاحة وعقائد الفاشية  – الحمراء أو السمراء – لماذا لا نرجع إلى الخلف، إلى حقوق الإنسان مثلا، أو إلى الجمهورية، أو إلى الأنوار؟

إنّ أي تاريخ للفلسفة، ومهما كان مبسطا لا يمكنه تجنّب هذه الأسئلة؛ لأن التفكير بالعبور من حقبة إلى أخرى ومن نظرة للعالم إلى أخرى يعتبر حاليا جزءا من الفلسفة نفسها.

إنّي أقول وببساطة ما يلي: إنّ تفكيك معبودات علم ماوراء الطبيعة كشف من الأشياء ما لا يمكننا عدم أخذها في الحسبان. ولا يبدو لي، ولا من الممكن ولا من المرغوب فيه، أن نعود إلى الوراء. إنّ " الرجوع المتكرر إلى ... " ليس له أي معنى: لو كانت المواقف الأخرى موثوقة ومقنعة بالقدر المطلوب لما أمكنها تحمل قسوة النقد، ولما توقفت عن أن تكون في مكانها المناسب. إنّ إرادة إحياء الفراديس المفقودة تنتج دائما عن نقص في الحس التاريخي. إن المشاكل التي على الديمقراطيات حلها لم تعد هي نفسها التي كانت في القرن الثامن عشر: فالانتماءات الطوائفية لم تعد هي ذاتها، والتطلعات تغيرت، وكذلك علاقاتنا مع السلطات وطرق استهلاكنا، إنّ حقوقا وفعاليات سياسية جديدة (اللأقليات العرقية، النساء، الشباب، ...) قد ظهرت ومحاولة حجب وجوهنا لا تفيدنا بشيء.

إنّ الأمر ذاته يحصل في تاريخ الفلسفة. وسواء أردنا ذلك أم لا، فإنّ " نيتشة " قد طرح أسئلة لم يعد من الممكن التغاضي عنها. لم يعد بإمكاننا التفكير بعده كما كنا نفكر قبله، وكأنّ شيئا لم يحصل، أو كأنّ المعبودات الشهيرة ما زالت في كامل تماسكها؛ لأن الواقع لم يعد على هذا النحو بكل بساطة. لقد حصلت زعزعة، ليس فقط مع " نيتشة " بل مع كل فلاسفة ما بعد الحداثة: لقد مرّ الطليعيون من هنا ولم يعد بإمكاننا التفكير والكتابة والرسم أو الغناء تماما كما في السابق. لم يعد الشعراء يتغنون بضوء القمر، ولا بمغيب الشمس. لقد حصل نوع من الخيبة من العالم، ولكن رافقته أشكال جديدة من الحرية أيضا. من منا في هذه الأيام يريد العودة جديا إلى زمن " بؤساء " فكتور هوغو، أي الحقبة التي لم يكن فيها للنساء حق الاقتراع ولا للعمال إجازات، والتي كان أثناءها الأولاد بسن الثانية عشر يعملون، وكنا نستعمر بنشوة أفريقيا وآسيا؟ لا أحد، ولهذا السبب فإنّ الحنين إلى الفراديس المفقودة ليس سوى تصنّع وإظهار للضعف.

أين نحن من كل هذا إذن؟ ومرة أخرى، إذا كان من غير الممكن تجنب " نيتشة "، فلماذا لا نتوقف عنده ونكتفي كما فعل الكثير من مريديه، مثل: ميشال فوكو، وجيل دولوز، بمتابعة عمل المعلم؟

إنّ هذا ممكن، فعلا، ولكن السؤال الذي يُطرح: إلى أين ستؤدي الدعوى المستمرة المقامة ضد " معبودات " الأنسية باسم نفاذ البصيرة والفكر النقدي؟ أي مخطط تخدم؟ هذا سؤال ليس ممنوعا طرحه، ولما لا، بما أنّ هذه المسألة هي بامتياز مسألة علم الأنساب أيضا، ولا شيء يمنع من إعادة السؤال إليه، من أين أتت؟ لأنّ خلف المظاهر الطليعية والجريئة للتفكيك وخلف ادعاء ابتكار " ثقافة مضادة " معارضة " للمعبودات " المتبرجزة، هناك، وبشكل متناقض، احتمال لانتصار التقديس المطلق للواقع كما هو، وهذا بالأحرى منطقي: إذ لشدة اسقاط أهلية المعبودات المعروفة وعدم قبول أفق آخر للفكر غير أفق " الفلسفة بالمطرقة "، كان من المحتم أن ننتهي كما توصل " نيتشة " إلى السجود أمام الواقع كما يسير. هذا معناه أنّ التفكيك الذي كان يريد تحرير العقول وكسر أغلال التقليد، قد انقلب إلى عكسه، أي إلى خضوع خائب أكثر من كونه واعيا، إلى الواقع القاسي للكون المعولم الذي نغوص فيه.

كيف يمكن في هذه الأوضاع تجنب مصير قدامى مناضلي الثورة الذين بدّلوا قناعاتهم للالتحاق بـ " عالم الأعمال "، والذين صاروا " وقحين " بالمعنى الأكثر سوقية للكلمة، أي فاقدين للأوهام ولأي طموحات غير تلك الرامية إلى تكيف فعّال مع الواقع؟ وفي هذه الشروط،. هل يجب فعلا، وباسم وضوح فكر يحتوي على الكثير من الإشكاليات، التسليم بإعلان موت " العقل " و " الحرية " و " التقدم " و " الإنسانية "؟ أليس هناك بين هذه الكلمات التي كانت في الماضي القريب محملة بالضوء وبالأمل، شيء يمكنه الإفلات من صرامة التفكيك والاستمرار بعده؟

هذه في نظري هي الأسئلة التي تفتح للفلسفة المعاصرة طريقا غير التمديد اللامتناهي لـ " مذهب التفكيك ". إنّها ليست كما يمكن أن تشك في ذلك طريق عودة إلى الوراء، إلى " الأنوار "، إلى " العقل "، إلى " الجمهورية "، وإلى " الإنسية "، إذ من الممكن أن لا يكون هناك معنى لذلك، بل محاولة إعادة التفكير فيها تستوجب مشقّات جديدة، ليس " كما من قبل " ولكن " على العكس، كما من بعد وعلى ضوء التفكيك الذي حصل ". لأنّ عدم القيام بذلك يعني أنّ الخضوع للواقع كما هو قد ينتصر.

نأتي الآن إلى ما أعتبره فلسفتي الخاصة، المرتبطة بتلك الحقبة الخامسة من التفكير، التي نحياها الآن، وقد سميتها " الإنسانوية الثانية ". إنّها خلافا لإنسانوية " ديكارت " و " الأنوار "، إنسانوية ما بعد التفكيك، تعطي معنى لأبعاد الوجود الإنساني التي حرّرها القرن العشرون المتميز بابتكارات باهرة وبالبلى الكامل للتقاليد. فبدل أن تقصر هذه الإنسانوية الجديدة قيمة الحياة الإنسانية، كما تفعل الأنوار على ما يتبع العقل والحقوق والتاريخ والتقدم، فإنّها تبدو إنسانوية قائمة على الحب – وسنرى لماذا أصبحت كذلك – . إنّ الدور المركزي الذي تعطيه الإنسانوية الجديدة لهذا الشعور الفريد للغاية هو الذي مكنّها في هذه الرؤية الخامسة للعالم من الإجابة عن مسألة معنى الحياة.

إنّ الحب ليس واحدا من بين مشاعر أخرى يمكن مقارنته بالخوف والغضب والاستياء على سبيل المثال، بل أنّه أصبح مبدأ ميتافيزيقيا جديدا؛ إذ هو الذي يعطي حياتنا معنى. وبالفعل هو وحده القادر على إضفاء طابع مثالي على كل ما يمكن أن يكون محبوبا، على وجه الدقة، في جميع الفرديات الإنسانية، مع إيجاد مثل جمعية جديدة، لأننا نريد أن نترك عالما يمكن العيش فيه ويكون أكثر ما يمكن استقبالا لمن نحبهم، لأطفالنا وللأجيال القادمة. ومن هذا المنظور يؤدي الحب اتجاه الأقرباء إلى الاهتمام بالانسان الآخر المثيل (وهو عكس القريب، اي من لا نعرفه)، كما نرى ذلك بالخصوص في نشأة الانسانوية الحديثة منذ " هنري دينان ".

الحب قيمة في تزايد، هذا بارز للعيان ! (لا أحد بوسعه على كل حال أن ينكر أنّ كل المثل التقليدية  – الدينية منها والأخلاقية والوطنية والثورية – فقدت قوتها وبريقها في الجذب، على الأقل في الديمقراطيات الكبرى، بحيث يبدو الحب، بشكل ما هو القيمة الوحيدة " في تزايد ") إلا أنّ أغلب المثقفين لا يهتمون بذلك، أو أنّ اهتمامهم غير كاف، إذ لا يزالون حبيسي المبادئ القديمة. ففي بلادنا لا أحد أو يكاد مستعد للتضحية من أجل الاله، أو في سبيل الوطن أو الثورة. إنّ هذا العدول عن الدواعي التقليدية للتضحية السياسية في سبيل كبريات القضايا، وهذا التراجع للمثل التي تؤدي إلى جلد الذات والتي قتل باسمها عشرات الملايين من الأفراد، ذاك في نظري أفضل حدث من أحداث القرن ! وفي المقابل نكون مستعدين للتضحية بأنفسنا من أجل من نحبهم، إذا لزم الأمر بالطبع، ليس سعيا وراء لذة التضحية، بل لأنّ حياتهم في خطر أو أنّنا كنا من جديد في حالة حرب على سبيل المثال.

إنّنا نعيش " ثورة حب ". إنّ ما أسميه " ثورة الحب "، هو الانتقال في أوروبا – بعد الثورة الصناعية – من الزيجات المعدّة في القرى أو العائلات بحسب مصالح المجموعة أو تقاليدها، إلى الزواج القائم على الاختيار الحر من قبل الشبان. إنّها إذن نشأة العائلة الحديثة في مقابل العائلة التقليدية التي لم تكن على أساس الاختيار، بل كانت مفروضة. وفي الواقع، فإنّ الاعتبارات المصلحية، وكذلك الخضوع لمختلف الضغوط الاجتماعية التي تمارس على الشباب في المجتمعات التقليدية، تضعف من الآن أمام الاختيارات التي تمليها عاطفة الحب وحدها. فيعلو شأن الحب أكثر من أي وقت مضى؛ لأنه فيه تعبير عن الفرد الذي تحرّر من إكراهات التماثل الاجتماعي، فبحث عن حياة موفقة في الانفتاح على الآخرين. هكذا يتضح كيف أنّ الضعف الذي عانته المثل التقليدية جعل من الحب المصدر الكبير لمعنى وجودنا، ليس في دائرة الحياة الخاصة فحسب، بل وأيضا في دائرة الحياة الجمعية. إنّ السياسة نفسها ستتغير كليا إذ أنّ مسألة الأجيال القادمة ستحل شيئا فشيئا، بمفعول هذا التاريخ للحياة الخاصة، محل مواطن المعنى القديمة التي كانت تحدو السياسة التقليدية (الوطن بالنسبة إلى اليمين، الثورة بالنسبة إلى اليسار). إني أعتقد أنّ مسألة معرفة أي عالم سنتركه لمن نحبهم، ستحل تدريجيا محل الغايات التي كان النقاش الديمقراطي يدور حولها إلى ذلك الحين. وهذا ما يبيّن من جهة أخرى، أنّ الحركة المدافعة عن البيئة هي وحدها الحركة السياسية الجديدة منذ ظهور الليبرالية والاشتراكية، لأنّها بالأساس الحركة الأولى التي طرحت في صلب النقاش السياسي مسألة الأجيال القادمة. وهكذا، عوضا عن الإنسانوية ألأولى، وهي إنسانوية الأنوار وحقوق الإنسان، تقوم إنسانوية ثانية، موسّعة للغاية: إنسانوية جديدة متّسمة بالأخوة والتعاطف، لم تعد تضحي بالإنسان لفائدة الأمة أو الثورة أو حتى التقدم (وهي مثل اشتهرت بأنّها خرجت عن الإنسانية ومتعالية عليها)، بل تجد في محايثة وجودنا ذاتها وفي مشاعرنا تجاه الآخرين مصدر يوتوبيا إيجابية يحملها المشروع المتمثل في توريث من سيأتون بعدنا عالما يوفّر لكل واحد وسائل التحقق.

قد يتساءل البعض عن أيّ شيء نتكلم حين نذكر الحب؟ هل يتعلق الأمر بـ " إيروس " ذلك الحب التملكي والغيور الذي يأخذ ويستهلك؟ أم بـ " فيليا "، أي حب الصداقة الذي يبتهج بمجرد وجود الآخر؟ أم بـ " أجابي "، أي الحب الذي يُعطي مجانا دون أن ينتظر أيّ مقابل ويمكن أن يتسع ليشمل حتى العدو؟ أم هل يتعلق الأمر بالثلاثة معا؟ من اعتبار هذه الأشكال الثلاثة للحب يستخلص " أندري كومت سبونفيل " درسا يستحق التفكير: ((إنّه من الواضح أنّه لا يمكنني أبدا، بمعنى " فيليا " أن أحب أكثر من عشرة أو عشرين شخصا في هذا العالم. يبقى إذن كثير من الناس، أكثر من خمس مليارات في الحقيقة، خارج حقل هذا الحب. وبالنتيجة في ما وراء فيليا، فإنّ الأخلاق، والاحترام الشرعي، المجرد، وفي الحقيقة اللامبالي، هو الذي يأخذ المكان. إنّه هو الذي يسمح لي بالتصرف مع أولئك الذين لا ينقصني نقصهم وغيابهم أبدا، ولا يعنيني وجودهم في شيء، تقريبا، كما لو كنت أحبهم. وهو الذي يأمرني بتوجيه شيك إلى أكثر الناس احتياجا، والمشاركة في مظاهرة ضد هذا الظلم أو ذاك. أو ببساطة أكثر قبول فكرة أنّ حريتي تتوقف عندما تبدأ حرية الآخر. وإجمالا حد أدنى من الاعتبار والمراعاة تقوم لدينا غالبا، وإذا مرّ كل شيء على ما يرام ، مقام " أغابي ". إنّ أغابي قد تحول الأخلاق إلى شيء تافه، ولكن هذا الحب مجاني جدا، ومنزه جدا إلى حد أنّه يبدو منيعا كليا على الإنسان، لذلك يصير ما هو تافه، أي الأخلاق، في نهاية التحليل، ضروري جدا. " تصرف كما لو كنت تحب ... " تلك هي الكلمة الأخيرة في القضية. إنّه شيء قليل، من دون شك، بالنظر إلى المثال المسيحي، ولكنه قد يكون كثيرا، بل حتى غير مؤمل لو فكرنا في إيجابية العالم كما يسير)). إلى هذا التحليل أود فقط أن أضيف هذا الشيء: إذا كانت " فيليا " هي التي تدخل الأسرة مع مجيء الفردانية الحديثة، فهل من العبث تخيل أنّها تجعلنا أكثر حساسية تجاه فضائل " أغابي؟ قد يُعترض على هذا بدون شك بأنّ الحب أناني، وأنّ الأسرة، وهي الدائرة الخصوصية بامتياز، لا تهتم بما هو جماعي إلا بقدر التأثيرات التي يمارسها عليها: فالآباء ينشغلون بالوضع الاقتصادي عندما يشكل تهديدا لأطفالهم، وبالمدرسة أو الجامعة عندما يدخلون إليها، وبمستقبل الطب والضمان الاجتماعي عندما يمرضون ... كل هذا ليس خاطئا. ولكن بين هذه الأنانية المتعددة من جهة، والأخلاق المجردة للأوامر الكونية من جهة أخرى، هناك فيما يبدو لي، حلقة متوسطة، رابطة، وحدة ملموسة، لا تصير مدركة واقعيا إلا فيما بعد وبدخول " فيليا " إلى الحياة الخاصة. فأن ننشغل أولا وقبل كل شيء بأقاربنا، فإنّ هذا لا يمنع من إنّنا نشعر بشفقة معينة أمام معاناة أولئك الذين نعرف الآن بأنّهم بشر مثلنا. وبالفعل، فإنّ بدون هذا التوسط لا يمكن أن تكون ثمة رحمة ممكنة تجاه الجنس البشري برمته. والحال إنّ هذا التعاطف المحسوس هو الذي سيقود، فيما يبدو لي، إلى تنسيب الحدود الضيقة للتناقض، تناقض الأنانية والغيرية، الذي كان الحب الحديث يحبس ذاته فيه – لقد كان هذا التناقض ضروريا لكي لا تظل أخلاق الواجب تجريدا محضا، ولكي تكون، إذا جاز لنا القول، ملحقة بـ   " أغابي ". فمن المستحيل بالنسبة لمن يحب أطفاله أن يظل غير مبال كليا بالمصائب التي تضرب " أشباههم "، ولو كانوا في أقصى الطرف الآخر من العالم. وفي إطار ديمقراطي تتطور فيه فكرة أن ليس هناك اختلافا في الطبيعة بين الأفراد، فإنّ الأنانية محكوم عليها، مهما كان ذلك قليلا، بتجاوز نفسها بنفسها. إلا أنّ هذا التجاوز ليس، في أغلب الأحيان، حتى في حاجة إلى أن يكون أثرا لاستدلال أو لنهج فكري. فعلى هذا العمق الجديد سوف تنطلق مغامرة العمل الانساني أواسط القرن التاسع عشر. ولعل بفضله سيمكنها أن تنوب عن دين مسيحي سبق لبنيته التقليدية سلفا، بنية اللاهوتي – الأخلاقي، أن دمرتها تماما تقدم الفردانية.

يفتح لنا الحب تجربة ما نسميه مع " هوسرل " بـ " التعالي في محايثة الحياة "، أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. فالحب يفرض نفسه كبعد من أبعاد المطلق والمقدس في صميم جواز وجودنا بالذات. والدليل على ذلك أنّنا نستعد لكل شيء من أجل من نحبهم. وفي هذا تذهب الحقبة الخامسة من الفلسفة إلى أبعد مما كانت عليه حقبة التفكيك التي سبقتها: ففي نفس الوقت الذي تتبنى فيه الحقبة الخامسة بقدر كاف من الاتساع إعادة النظر في القيم المشتهرة بأنّها عليا وخارجة عنا، نجدها تكتشف في اتجاهها إلى آخر هذا الحراك شكلا من أشكال التعالي يتنزل هذه المرة برمته داخل تجربتنا الدنيوية، وهو تعال سنتمكن بفضله من إعادة تأسيس مثل مشتركة، ولكنها لن تكون مقامة " ضد الحياة " كما كان " نيتشة " يخشى قبْليا من كل تعال. إذن نجد من جديد تعاليا للمعنى في تجربة الحب؛ لأنّه يجعلنا نخرج، تقريبا، من ذواتنا، ومع ذلك نحس هذا الشعور، ليس باعتباره موجودا في عالم أخروي ما، بل بكل بساطة باعتباره متجذرا في الأرض، في قلوبنا كبشر. فالحب يضطرنا إلى تجاوز ذواتنا، بحكم تعالي الآخر فقط، تعالي الشخص المحبوب الذي يتغلب على أنانيتنا الطبيعية، إلا أنّ هذا التعالي الذي يحْمله إنّما نعيشه ضمن المحايثة الأكثر حميمية، محايثة حياة القلب الباطنية. وبمعنى آخر: عندما أقع في الحب، ليس هناك من شك في أنّي خضعت لغواية كائن خارجي بالنسبة إلي، من قبل شخص لا سيطرة لي عليه، لا بل في الغالب أخضع له. في هذا المعنى هناك حتما سمو، لكن من الواضح أنّني أشعر به في نفسي، لا بل أكثر من ذلك، إنّ موقعه، إذا جاز القول، قائم في أعمق أعماق كياني أي في دائرة الشعور أو كما يقال عن حق " في القلب ". إنّ من غير الممكن إيجاد استعارة للملازمة أجمل من صورة القلب هذه؛ ذلك لأنّه هو وفي آن معا موطن السمو بامتياز – سمو حب الآخر الذي لا فضل لي فيه – وموطن ملازمة شعور الحب في أعمق أعماق شخصي. إنّه سمو في الملازمة إذن. إنّ ما نحياه ليس نهاية المقدس أو المعنى، بل على العكس هو بروز صورة جديدة لما أسميه  " المقدس ذو الوجه الإنساني ".

ليس لما تقدم فحسب تذهب الحقبة الخامسة إلى أبعد مما أنجزته فلسفات التفكيك، بل، أيضا؛ لأنّ هذه الأخيرة تعطي الأولوية للقوى اللاواعية التي لا نحس آثارها إلا بصفة غير مباشرة، بينما تسعى قوة الحب بالذات إلى تأسيس الحياة الطيبة على شعور نحسه مباشرة في بداهة المعيش.

يمكن أن نتوجس في هذا بروز وثن جديد بالمعنى النيتشوي، ولكن لا شيء من ذلك البتة؛ إذ ليس الحب مثلا سماويا نحاول فرضه على الحياة الدنيوية، بل على العكس هو الحياة ذاتها. فأنا على استعداد لكل شيء من أجل الحبيب، مستعد على كل حال لصنع الكثير: وهنا من الأكيد أنّ الأمر يتعلق بتعال، ولكنه لأول مرة تعال إنساني صرف، روحاني وجسمي في آن واحد. ومن هنا فصاعدا تتخذ فكرة التضحية في نظرنا معنى متجاوزة حتى من نحبهم ومن هم أقرباؤنا، ولكنها تعني على كل حال أشخاصا أكثر مما تعني كائنات مجردة. فهنالك من زاوية فلسفية شيء غير مسبوق: هنالك تعال يعطي في النهاية معنى قويا جدا للحياة، ولم يعد في نفس الوقت متعاليا على الوجود الإنساني؛ إذ الحبيب في الأرض وليس في السماء. وبذلك لا تقع إنسانوية الحب تحت طائلة النقد النيتشوي للأوثان.

من ألآن فصاعدا، تكون القيم الخاصة هي ما يؤسس لأقوى انتظارات المجتمع في الدائرة العامة، وبالتالي للجدل والعمل السياسيين. ذاك على نحو متزايد شأن المجالات التي تشمل الصحة والتربية والبيئة والشغل وإعادة التأهيل والوقاية من الحوادث، الخ. أيّ عالم سنتركه لمن هم الأحب إلينا، أي لأطفالنا، وبوجه أعم للشباب، أعني الإنسانية التي تأتي بعدنا؟ تلك هي المسألة السياسية الجديدة. إذن يفتح الاهتمام بالأجيال القادمة فضاء مشتركا بين الدائرة الخاصة (العاطفة التي تزدهر في الأسرة وتؤدي إلى تقديس من تُجَمّل صورتهم) والدائرة العامة  (مستقبل الشباب وفيما بعد مستقبل البشرية قاطبة). ذلك أنّ العالم الذي سنتركه لأطفالنا يتطابق مبدئيا مع العالم الذي سنتركه لكل البشر، وأنّه من جهة أخرى عندما نختار للجميع توجهات سياسية نحكم بأنّها أفضل ما يمكن لأطفالنا نحن، فإنّنا ننطلق من معيار على قدر كاف من المصداقية للبحث عن الحلول الأكثر صوابا وسخاء والأفضل رويّة. مثلا، عندما كنت وزيرا للتربية الوطنية، لم يكن يخطر ببالي أن أقوم بإصلاح لفائدة بناتي الثلاث فحسب، بل كنت أفعل ذلك، بداهة، لفائدة أطفال فرنسا جميعا؛ إذ كان مَرَدّ هذا الأمر إلى ما هو جمعي، وليس إلى الحياة الخاصة. ولكني مع ذلك كنت أطرح على نفسي بلا انقطاع هذا السؤال الذي أعتقد أنّه يشكل أفضل معيار: إذا كان هذا الإصلاح لا بد أن يُطبق على البنات الأحب إلي، هل كنت أنجزه بنفس الصيغة، هل يكون هو عين الإصلاح الذي كنت أختاره؟ ذاك هو ما أسميه " سياسة في الحب " ذلك أني لا أتفق مع الفكرة القائلة بأنّ السياسة تحرّكها المصالح، بل أعتقد على العكس من ذلك أنّ الإنسانوية الثانية تُدخل أو تستدعي على الأقل، في السياسة بعدا من التعاطف والأخوة أشد حضورا وتحديدا مما يُتصور، ويبدو لي إنّ السياسيين يمكن أن يغنموا، إن تعلقوا بهذا البعد، أكثر مما يفعلون. من هذا المنظور اقترحت أمرا واجبا جديدا، متميزا عن الأمر القطعي الكانطي، وقد صغته تقريبا على النحو الآتي: " افعل بحيث يمكن لقاعدة فعلك أن تُطبق على من هم الأحب إليك ". ويبدو لي أنّه لو امتثلنا لهذه القاعدة لعاملنا الأجانب والمعطلين عن العمل بغير ما نفعل اتجاههم. لنتخيل أطفالنا مكانهم، ماذا سنفعل؟ فلو تفحصنا كل القرارات السياسية بحسب هذه القاعدة، لما كان هنالك أي شك في أنّ الاختيارات المتبناة وفق هذا المعيار قد تكون مختلفة بدرجة بالغة عما هي عليه في الإطار المعهود. وبالطبع هناك نصيب من اليوتوبيا في مثل هذا الأمر أو الواجب. ولكن على عكس اليوتوبيات التي أدمت القرن العشرين، فإنّ هذه اليوتوبيا إنسانية صرف، وبناء عليه فهي غير قاتلة.

إنّ الإنسية " اللاماورائية " لا تزن شيئا بالنسبة للعقيدة المسيحية، وخاصة بالنسبة للوعد الذي تعطينا إياه بقيامة الأجساد وبلقاء من نحبهم بعد الموت. نعم، لاشيء يمكن منافسة المسيحية على مستوى التجربة الأولى لعقائد الخلاص، ولكن شرط أن نكون مؤمنين، وإذا لم نكن كذلك – ولا يمكننا بالطبع إجبار أنفسنا عليه ولا ادعاؤه – فيجب عندها أن نتعلم النظر بشكل مغاير إلى المسألة النهائية لكل عقائد الخلاص، أي مسألة الحداد على الكائن المحبوب.

إنّني أعتبر أنّ على كل منا صياغة حكمة حب خاصة به، بصمت، ولكن يبدو لي أنّ علينا، وبعيدا عن البوذية والمسيحية أن نتعلم أخيرا العيش وأن نحب الراشدين ونحن نفكر، إذا توجب الأمر ذلك، كل يوم في الموت. ليس تحت تأثير سحر مرضي أبدا، بل على العكس، من أجل البحث عما ينبغي القيام به، هنا، والآن، وبكل فرح مع أولئك الذين نحبهم والذين سنفقدهم، إلا إذا فقدونا هم قبل ذلك. ومع أنّني بعيد كل البعد عن امتلاك هذه الحكمة، فإنّني متأكد من أنّها موجودة ومن أنّها تشكل تتويجا لأنسية متخلصة من أوهام علم ما وراء الطبيعة ومن الدين. (48)

لنلاحظ كيف تمكّن " فيري " من عرض فلسفة كاملة. إذ أنّه قدّم لنا من خلال " مبدأ الحب " سبيلا جديدا لبناء فكر في المحاور الثلاثة المكونة لكل فلسفة كبرى (نظرية، وإتيقا، ومذهبا في الخلاص):

على مستوى النظرية: اقترح " فيري ": " فكرة مبتكرة للسمو "، أعادت الاعتبار للسمو، لكنها أعطتها دلالة جديدة استطاعت بها الإفلات من الانتقادات الآتية من " المادية المعاصرة والتموضع في مجال فكري ليس " لما قبل " بل " لما بعد " " نيتشة.(49) وقد أوضحنا ذلك فيما تقدم.

وعلى مستوى الأخلاق قدّم لنا " فيري " أخلاقا مبنية على تقديس الغير: " تأليه ما هو إنساني ": يؤكد  " فيري " على إنّنا نستمر، سواء كنا ماديين أم لا، بالاعتقاد أنّ بإمكان بعض القيم عند اللزوم دفعنا إلى المخاطرة بالموت. فالعديد منا ما زالوا يعتقدون بأنّ حفاظ الشخص على حياته، برغم كونها أثمن موجود، ليس بالضرورة وفي كل الظروف القيمة الوحيدة المعتبرة. إنّك وبدون شك قد ترتكب أعظم المخاطر في سبيل إنقاذ من تحب. من هنا يستدل " فيري " على وجود هذه القيم السامية التي تعلو فوق الحياة المادية أو العضوية، ولكنه يرفض أن يكون هذا السمو هو سمو الله أو الوطن أو الثورة كما هو الحال عند السابقين، ويختلف مع المادية المعاصرة التي تستبدل السمو بالملازمة الجذرية. وبعبارة أخرى: لم يستبدل " فيري " أنواع السمو الماضية – سمو الله أو الوطن أو الثورة – بالملازمة الجذرية العزيزة على الماديين ولا بالعودة عن ما هو مقدس متزامنا مع التضحية، بل بالأحرى بأشكال سمو جديدة، أفقية وليست عمودية، إذا أردنا، بل متجذرة في ما هو إنساني، أي في كائنات موجودة على ذات المستوى بالنسبة لنا، وليس في كيانات قائمة فوق رؤوسنا. إنّه يؤكد أنّنا نعيش حركة تأليه أو تقديس لما هو إنساني: لقد بتنا قادرين – بحسبه – على ركوب المخاطر من أجل الانسان الآخر، إذا لزم الأمر، وليس بالتأكيد من أجل كيانات الماضي، مثل الوطن أو الثورة – بالطبع، يمكننا أن نبقى محبين للوطن، لكن معنى الوطن قد تغير: صار يعني الأرض بشكل أقل من البشر التي يعيشون عليها، كما صار يعني الوطنية أقل من الأنسية –. يعطينا " فيري " مثالا على ما تقدم، إنه ينصح بقراءة كتاب " هنري دونان " – مؤسس الصليب الأحمر، وبعيدا عن هذه المؤسسة الخاصة مؤسس العمل التطوعي الإنساني الحديث الذي خصص له حياته – " ذكرى من سولفيرينو ": لقد استخلص " دونان " من معاناته التي مرّ بها درسا صار مبعث الثورة الأخلاقية الحقيقية التي تمثلها المنظمات الإنسانية. إنّها الثورة التي اعتبرت أنّ الجندي ما أن يُطرح أرضا، مجردا من السلاح وجريحا، فإنّه لا يعود منتميا إلى أمة إو إلى معسكر، ليصبح إنسانا فقط، يستحق بسبب هذا الحماية والمساعدة والعناية، بغض النظر عن ارتباطاته السابقة بالصراع الذي شارك فيه. وإذا كان " دونان " يلتقي هنا بالفكرة الأساسية لحقوق الإنسان، فإنه يذهب أبعد من ذلك؛ لأنّه دعانا أن نتغاضى أيضا عن الانتماءات بطريقة تطلب بها المجموعات الإنسانية، كوريثة للمسيحية، أن نعامل، من الآن فصاعدا، عدونا الشخصي، ما أن نجده في حالة الكائن البشري غير المؤذي، بطريقة وكأـنه صديقنا. (50)

أما على مستوى الخلاص فإنّ " فبري " يقترح علينا إعادة التفكير في " مسألة الخلاص " من خلال ثلاثة عناصر: " لزوم الفكر الموسع، حكمة الحب، تجربة الحداد ":

فكرة " الفكر الموّسع " لم تعد تعني فقط، كما عند " كانط "، إلزامية الفكر النقدي واللزوم البرهاني (وضع النفس في موضع الآخرين من أجل فهم أفضل لوجهة نظرهم)، بل طريقة أخرى للرد على التساؤل عن معنى الحياة: بالتعارض مع الفكر " المحدود " يمكن تعريف الفكر الناقد، للوهلة الأولى كفكر قادر على انتزاع نفسه من نفسه. من أجل " وضع نفسه مكان الآخرين "، وهذا ليس فقط من أجل فهمهم بشكل أفضل، بل من أجل النظر إلى أحكامه الشخصية، في عودة إلى ذاته، من وجهة نظر يمكنها أن تكون لآخرين. على المرء من أجل وعي ذاته أن يكون بطريقة ما " على مسافة من نفسه ". هناك يبقى الفكر المحدود منغمسا في طائفته الأصلية لدرجة يحكم معها إنّها الوحيدة الممكنة، أو على الأقل، الوحيدة الصالحة والشرعية. يتوصل الفكر الموسع، بأخذه بقدر المستطاع بوجهة نظر الغير، إلى تأمل العالم كمشاهد صاحب مصلحة وحنون. وبسبب قبوله بعدم مركزة منظوره الأصلي وبانتزاع نفسه من الدائرة المحدودة للأنويّة، يتمكن الفكر الموسع من الدخول في العادات والقيم البعيدة عن تلك التي يتبناها، ثم ولدى عودته إلى نفسه، ووعي ذاته بطريقة متجردة وأقل جزما، فإنّه يُغني وجهات نظره الشخصية. إنّ هذا المسار هو الذي يُعطي للحياة معناها ويبرّرها: علينا انتزاع أنفسنا من الأنّوية، إنّنا بحاجة إلى الآخرين لكي نفهم أنفسنا، وبحاجة إلى حريتهم وسعادتهم، إذا أمكن ذلك، لإتمام حياتنا الخاصة. وفي هذا يشير الاعتبار الأخلاقي، من تلقاء ذاته، نحو إشكالية أعلى: إشكالية المعنى. ففي التوراة، أن نعرف يعني أن نحب. وإن أردنا قول الأمور بفجاجة: عندما نقول عن شخص ما " لقد عرفها توراتيا "، هذا يعني أنّه ضاجعها. إنّ إشكالية المعنى هي علمنة هذه المعادلة التوراتية: إذا كانت المعرفة والحب نفس الشيء فإنّ ما يُعطي معنى لحياتنا، عندئذ وفوق كل شيء، ويُعطيها كذلك توجها ودلالة، هو مثال " الفكر الموسع " عينه، فهو وحده، فعليا، وبدعوته لنا للسفر بكل ما للكلمة من معنى، وبِحثّنا على الخروج من ذواتنا من أجل إيجاد أنفسنا بشكل أفضل، يتيح لنا أن نعرف وأن نحب الآخرين بشكل أفضل. لأجل هذا ولا شيء غير هذا ينفع أن نشيخ، من أجل توسيع رؤيتنا وتعلم حبّ فرادة الكائنات والأعمال، وكذلك من أجل إلغاء الزمن الذي يوفره لنا وجود هذا الحب عندما يكون قويا. وفي هذا نتوصل، ولكن في بعض اللحظات، وكما كان يدعونا إليه اليونانيون، إلى تحرير أنفسنا من ظلم الماضي والمستقبل، لكي نسكن هذا الحاضر الخالي من الشعور بالذنب والآمن، والذي فهمت الآن إنّه كان مثل " لحظة خلود "، ومثل هنيهة لم يعد يعني فيها الموت من الخوف شيئا بالنسبة لنا.

لكي نفهم أفضل الفكر الذي تبشر به العبارات السابقة، علينا أن نذهب أبعد من ذلك وأن نحاول اكتشاف كيفية وجود " حكمة حب " أو نظرة لـ " الحب " تتيح الادراك الكامل للأسباب التي من أجلها يعطي وحده، على الأقل من منظور الأنسية، معنى لحياتنا. لكي نحيط بـ " حكمة الحب " بشكل أفضل علينا الانطلاق من معرفة ما يميز أيّ عمل فني كبير، لأنّه وفي أي مجال كان يتميز في البداية بفرادة سياقه الثقافي الأصلي. إنّ ما يميّز العمل الفني العظيم، وخلافا للفن الشعبي، هو أنّه لا يرتبط بشعب خاص، بل إنّه يرتقي إلى العالمية. إنّ وصول العمل إلى المستوى العالمي – بحسب " غوته " – لا يُكتسب عن طريق الاستخفاف بخصوصيات الأصل، بل بالقبول بواقع الانطلاق منه ثم الانقطاع عنه من أجل تحويله إلى شيء آخر ولكن دائما في فضاء الفن. لهذا السبب يتحدث العمل العظيم، بخلاف الأعمال الأخرى إلى كل الكائنات البشرية مهما كان المكان أو الزمان الذي نعيش فيه. إنّ ما يلزم فهمه هنا، لكي نفهم في أيّ ميدان يُعطي الحب معنى، هو أنّ بين الواقعين الخاص والعالمي، يوجد مكان لأجل متوسط: الفريد أو الفردي. إنّما هذا الأخير وحده، وفي آن معا، موضوع حبنا وحامل المعنى. لكي نفهم هذه الفكرة الأساسية التي تمثل الجسر الرئيسي في البناء الفلسفي لللإنسانية المعلمنة، لا بد من الانطلاق من بيان ما نعنيه بـ " الفرادة ": إنّنا إذا قصدنا بـكلمة " فرادة " أو " فردية " خصوصية لم تتوقف عند ما هو خاص بل ذابت في أفق أعلى لكي تصل إلى عالمية أكبر، عندها سندرك في أيّ مجال يقدم عمل فني عظيم النموذج الأكثر كمالا عنها. كوننا ما زلنا نقرأ " أفلاطون " أو " هوميروس " أو " موليير " أو " شكسبير " أو نسمع " باخ " أو " شوبان "، فهذا يعود بالمعنى الدقيق إلى أنّهم مؤلفون لأعمال فريدة ومتجذرة، في آن معا، في ثقافتهم الأصلية، وفي زمانهم، لكنها أيضا قادرة على التوجه لكل البشر وفي كل الحقبات. هذا هو الأمر بالنسبة لكل الأعمال العظيمة وحتى لكل الآثار التاريخية الكبرى. لأنّها ارتقت إلى المستوى الأعلى من " الفرادة " ، ولأنّها لم تتوقف، لا عند الخاص الذي كان يشكل، كما عند أيّ إنسان، موقع الانطلاق، ولا عند العام المجرد والروحي، مثل التركيبة الكيميائية أو الرياضية، مثلا. إنّ ما نحب في العمل الفني هو تلك الفرادة التي ليست خاصة فقط ولا عالمية بالكامل. إنّك ترى هنا بأية وسيلة تلحق الفرادة مباشرة بمثال الفكر الموسع: عندما أنتزع نفسي من نفسي من أجل فهم الغير، وعندما أوسّع حقل تجاربي، فإنّي أتفرد بما أنني أتجاوز ما هو خاص في وضعي الأصلي من أجل التوصل إما للعالمية أو على الأقل لمراعاة إمكانيات الإنسانية جمعاء. إذا اتبعنا خيط التميّز الذي قادنا إليه الفكر الموسع، علينا إضافة بعد الحب إليه؛ لأنّه وحده القيمة والمعنى النهائيين لكل تطور " التوسيع " الذي يستطيع كما يجب عليه أن يقود التجربة الإنسانية. إنّه لهذا الاعتبار، نقطة وصول الإنقاذ الأنسي والجواب الوحيد المُرضي عن التساؤل عن معنى الحياة، وبهذا نكرر القول، تظهر الأنسية اللا ماورائية وكأنّها علمنة مسيحية. إنّ التميّز بعد ذاتي شخصي للكائن البشري كما هو. إنّ هذا البعد، دون الآخرَين، هو الموضوع الرئيسي لحبنا. إنّنا لا نحب الخاص لأنه خاص ولا العالمي المجرد الفارغ. إنّ الفرادة وحدها بتجاوزها في آن معا الخاص والعام، يمكنها أن تكون موضع حب. إذا توقفنا عند المزايا الخاصة/العامة وحدها فلن نحب أحدا بشكل حقيقي. إن ما يجعل كائنا ما محبوبا وما يُعطي الشعور بأنّ بالإمكان الاستمرار في حبه، حتى ولو شوهه المرض، لا ينحصر في صفة واحدة مهما كانت مهمة. إنّ ما نحبه فيه (وما يحبه فينا) وما يجب علينا بالنتيجة تنميته بالنسبة للغير كما لأنفسنا، ليس الخصوصية الصرفة ولا الصفات المجردة العامة، بل الفرادة التي تميزه وتجعله غير شبيه لأحد. إنّنا نستطيع القول مثل " مونتاني " لمن نحبه أو نحبها " لأنه كان هو ولأنني كنت أنا " وليس " لأنه كان جميلا أو قويا أو ذكيا " ... وهذه الفرادة ليست معطاة منذ الولادة، إنّها تصنع بألف طريقة دون وعي منا، بالضرورة، لا بل بالعكس. إنّها تصاغ طوال الوجود والتجربة، ولهذا السبب بالضبط، لا يمكن استبدالها بالمعنى الحقيقي. إنّ الرضع يتشابهون كلهم مثل صغار القطط، إنّنا نحبهم كثيرا، بالتأكيد، ولكن فقط عند بلوغه الشهر الأول ومع ظهور أول ابتسامة له، يصبح صغير الإنسان محبوبا " إنسانيا "، وذلك لأنّه منذ تلك اللحظة يدخل في قصة إنسانية حقيقية، ألا وهي العلاقة بالغير. في هذا المجال، وباتباعنا الدائم للخيط الأحمر للفكر الموسع وللفرادة المفهومة هكذا، يمكننا إعادة تزويد المثال اليوناني بهذه " اللحظة الخالدة "، أي هذا الحاضر الذي وبسبب فرادته بالضبط، لاعتبارنا أنّه لا يستبدل، ولأنّنا نقدر حجمه بدل إلغائه باسم الحنين لما سبق أو الأمل بما يمكن أن يتبعه، يتحرر من مخاوف الموت المرتبطة بالنهائية والزمن. من جديد وفي هذه النقطة تلاقي مسألة المعنى مسألة الخلاص. إذا كان الانتزاع من الخاص والانفتاح على العام يشكلان تجربة فريدة، وإذا كان هذا التطور المزدوج يجعل حياتنا فريدة ويوصلنا في آن معا إلى فرادة الآخرين، فإنّه يمنحنا بالتزامن مع وسيلة توسيع الفكر وسيلة وضعه في احتكاك مع لحظات فريدة، لحظات نعمة حيث يغيب الخوف من الموت المرتبط دائما بأبعاد خارجية بالنسبة للحاضر.

نحن نعلم أنّ ما يقال عن الخلاص هنا لا يزن شيئا بالنسبة للعقيدة المسيحية، لا شيء يمكنه منافسة المسيحية على هذا المستوى، ولكن على غير المؤمنين أن يتعلموا النظر بشكل مغاير لكل عقائد الخلاص، أي مسألة الحداد على الكائن المحبوب. هناك ثلاث طرق للتفكير بالحدادعلى شخص نحبه: الطريقة الأولى: توصي البوذية بـ " عدم التعلق "، ليس بدافع عدم الاكتراث، أي أن نحب ونصادق دون أن نقع في " فخ التعلق ": " أن تكون متعلقا " لا يعني فقط " أنك ستُحرم من السعادة والطمأنينة "، بل يعني أيضا " أنّك مربوط " وغير حر . الطريقة الثانية: على العكس تماما، ما توصي به الديانات الكبرى، وخاصة المسيحية: إنّها توصي بأن نمارس مع الكائنات العزيزة " الحب في الله "، أي الحب الذي يطال ما فيهم من وجه خالد وليس فانيا. وهي تعدنا إذا ما فعلنا ذلك بأن نحصل على سعادة لقياها، مما يعني أنّ التعلق ليس محظورا، شرط أن يوظف في موضعه.الطريقة الثالثة: لا يرى " فيري " في عقيدتي الخلاص السابقتين اللتين تعالجان بشكل متناقض تماما إشكال موت الكائنات العزيزة علينا، ما يناسبه، فهو في نفس الوقت الذي يؤكد فيه أنه لا يستطيع منع نفسه من التعلق، بل ليس لديه أية رغبة بالعزوف عن ذلك، والعيش وحيدا، يجد أنّ العرض المسيحي أكثر جذبا بكثير، ولكن إلى الدرجة التي لا يستطيع معها الإيمان به. قد لا يكون في وسع المرء أن يعمل شيئا غير انتظار الكارثة، ولكن قد يكون في وسعه، أن ينمّي، فقط لنفسه، بهدوء وبدون وهم نوع من " حكمة الحب ": الكل يعلم، مثلا، أن على المرء التصالح مع أهله – إذ لا مناص من توترات خلقتها الحياة – قبل أن يرحلوا، لأنّ الأوان بعد ذلك يكون قد فات، مهما قالت المسيحية عن ذلك. إن كنا نعتقد أنّ الحوار مع الكائنات العزيزة علينا لا يمتد إلى ما لا نهاية، فمن الواجب علينا استخلاص النتائج من ذللك. ما علينا أن نفعله، وبعيدا عن البوذية والمسيحية، أن نتعلم العيش وأن نحب الراشدين ونحن نفكر، إذا توجب ذلك كل يوم في الموت. ليس تحت تأثير سحر مرضي أبدا، بل على العكس، من أجل البحث عما ينبغي القيام به، هنا والآن، وبكل فرح ، مع أولئل الذين نحبهم والذين سنفقدهم، إلا إذا فقدونا هم قبل ذلك. " حكمة الحب " هذه هي التي تشكل تتويجا لأنسية متخلصة أخيرا من أوهام علم ما وراء الطبيعة ومن الدين. (51)

 

رضا حسن الغرابي

...................

الهوامش

48 - لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص303 – 310، ص354، ص382 – 387. وانظر أيضا: لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، ص129 – 133. وأيضا: لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص59-66، ص317-338.

49 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص346-354.

50 – المصدر السابق، ص360-364.

51 – المصدر السابق، ص346-387..

 

zouhair khouildiلقد أشكلت الفلسفة على الإنسان أيما استشكال واستعصت على الفهم أيما استعصاء سواء من جهة العبارة أو الفكرة أو المنهج أو الموقف. ولقد زاد هذا الغموض عند قيام الاتجاهات الفلسفية وبروز الفلاسفة الكبار واكتساح المدارس الفكرية والمذاهب العلمية واندلاع نزاع العمالقة حول الوجود.

إذ تبدو الفلسفة من جهة أولى تجربة فكرية صعبة تجلب الحيرة والارتياب وتوقع الذهن في الكثير من المزالق ومن جهة أخرى يمكن حفظ قواعدها واستعمال طرقها في الحياة والتعويل عليها في التطور.

لم تقل هذه الحيرة ولم يتناقص هذا الالتباس إلا عندما تم اعتبار الروح الفلسفية هي بلوغ نصيب من المعرفة بشكل متأني بالاعتماد على مسالك منهجية معلومة والتمتع بجرعة من سعادة الحكمة المرحة.

لقد ربط الفلاسفة حينئذ التفكير بالحياة والمعرفة النظرية بالاهتمام بالمعلومات المفيدة وجعلوا عملية اكتساب الحقيقة مقترنا بإنتاج المنفعة وصناعة الذكاء وابتكار الآلة واختراع القانون وإضفاء القيمة.

بيد أن الفلسفة ليست مذهبا تام التكوين ولا عقيدة جامدة تشكلت بصورة مكتملة ولا تتضمن نسقا مغلقا وإنما هي فلسفات أوجدها العديد من الفلاسفة وتوجد في التاريخ وترتبط بالواقع وتعرف حدوث عدة تغيرات والكثير من المراجعات بحيث تتجدد فيها المفاهيم وتنمو عبرها المناهج وتتوالد المقاربات.

بهذا المعنى تحبذ الفلسفة التفكير الحر عبر آليات السؤال والحوار وتمارس النقد والتفكيك والتأويل والتغيير وتشيد النظريات المعرفية وتبني الأنساق المفتوحة وتدفع اللغة إلى وصف الواقع الطبيعي.

غير أن تاريخ الفلسفة شهد ظهور مجموعة من الأزمات وبروز الكثير من الظواهر الملغزة والمسائل المستعصية مما دفعت بالعقول إلى الاستنجاد بالتجربة التطبيقية حينا أو الاعتصام بالرياضيات أحيانا.

في هذا السياق يعتبر أرسطو 384- 322 قبل الميلاد من أول الفلاسفة الإغريق الذين كانوا على وعي تام بحدة الأزمة التي عصفت بالمدينة وعجلوا بتوجيه الفلسفة نحو تفقد مقولاتها للرد على التحديات.

تبدو الملامح الأولى للأزمة بشكل واضح في نوع علاقة التلميذ أرسطو بالأستاذ أفلاطون أو في علاقة فيلسوف سابق بفيلسوف لاحق التي تدعو إلى ممارسة الابتكار والإضافة والخروج عن السابق من ناحية أولى والى الوفاء والالتزام والإيمان باستمرارية وتواصل القيم الفلسفية من ناحية ثانية.

بعد ذلك تكمن أهمية أرسطو، ثانية، في وضعه جملة من المباحث الأساسية كالميتافيزيقا والمنطق والإيتيقا والسياسة والفيزياء ولكن الأكثر استشكال هو طرحه قضية العلل الأولى ومبادئ القصوى.

من جهة ثالثة انتمي أرسطو إلى اللحظة التأسيسية للفلسفة الإغريقية التي دفعت بالعقل إلى القطع مع الخرافة ولكنه ظل يُعتَبرُ أول الفلاسفة الإغريق الذين حاولوا أن يكونوا طبيعيين بلا حاجة للأساطير.

على مستوى رابع تبني أرسطو تصورا موسوعيا للفلسفة وأنتج نظرة كونية للأشياء واحتلت مسألة الكلي منزلة محورية في فكره ولكنه دعا إلى التعمق في دراسة الظواهر ودافع على التخصص وكان أول الذين قسموا المعرفة إلى علوم دقيقة وميزوا حقل التجربة إلى دوائر معلومة وأدراج متصلة.

على هذا الأساس تطرح العديد من الأسئلة حول نظريته في المعرفة وفكرته عن الطبيعة ونظرته للكون والمنهج المنطقي للتفكير وعلاقة النفس بالجسم ومنزلة المادة من الحياة وتصنيف العلوم لديه. إذ كيف يكون واضع علم مابعد الطبيعة وعلم الطبيعة في الآن نفسه؟ وبأي معنى قام ببناء المنطق من مقولات عن اللغة والفكر والوجود وأصناف من الكائنات الحية والتاريخ الطبيعي مثل النوع والجنس؟

1- الحكمة النظرية:

لقد انطلق أرسطو من الآراء اليقينية حول الأشياء المجهولة والمدركة والمظاهر الموثوق بها من قبل عدد كبير من الناس واعتبرها حقائق تقودنا إلى إدراك الوقائع و معرفة منزلتنا في الكون والتفلسف.

لقد اعتبر الحياة الإنسانية تتضمن ضرورة الحاجة إلى البحث والتحرك ومطلب تحصيل كل المعرفة وممارسة التفلسف والنظر في الطبيعة والاعتبار من الظواهر الكونية وبلوغ الحكمة من خلال التفكر.

لقد تصور الحكيم على أنه الإنسان المتحصل على معرفة بجميع الحقائق لكل الأشياء في كل الأزمنة والقادر على بلوغ السعادة من خلال الرغبة في المعرفة وليس عن طريق انتماء سياسي لنظام عادل.

لقد قاد الفكر الموسوعي الذي تبناه أرسطو إلى بناء معرفة شمولية تنظر في الكون من جميع جوانبه الظاهرة والخفية وكذلك الأجسام الهائلة والأجسام الدقيقة وأيضا الظواهر البعيدة والظواهر القريبة.

لقد ارتكزت المعرفة الفلسفية عند أرسطو على التأمل النظري وطاردت الكلية وبحثت عن المطلق ولكنها في ذات الوقت أدخلت الملاحظة إلى الفكر وعولت على حركة اليد المتجهة إلى الأرض من أجل الاحتكام إلى التجربة والعودة إلى التاريخ الطبيعي واستعان بالسبر والاستقراء بعد الاستنباط.

لقد اعتمد أرسطو على الرياضيات في مقاربته الفيزيائية والمنطقية للطبيعة التي استقاها من العلماء الإغريق الذين سبقوه على غرار فيثاغورس وطاليس وأرخميدس وإقليدس وديمقريطس وهرقليطس. ولكنه ظل مشدودا إلى أستاذه أفلاطون في تعويله على مبدأ اللّوغوس من حيث هو تفكير عقلاني قادر على النظر إلى الطبيعة من جهة العلاقات التي تتكون منها الوقائع والتعبير عنها عبر خطاب متماسك.

في المقابل خالف فيلسوف الأرض أرسطو فيلسوف السماء أفلاطون- حسب الرسام رافيال في لوحته الشهيرة- بمنح الرأي والخطابة والشعر والمجاز منزلة في الشغل المعرفي الذي يؤديه الفكر الفلسفي.

من المعلوم أن أفلاطون جعل الفلسفة في قطيعة جذرية مع الرأي واعتبر محب الرأي فيلسوف مضاد والآية على ذلك أن الرأي هو مجرد عتمة يجب على النفس جبه من أجل الشروع في التأمل والتفكر، واعتبر السفسطائيين شياطين ومهرجين لزعمهم امتلاك الحكمة واستعمالهم اللغة للخداع والهيمنة.

إذا كان أفلاطون قد أجاز اعتماد التفكير الفلسفي على جل الأساطير من أجل بلورة الأفكار وتوضيح المفاهيم فإن أرسطو ابتعد عن ذلك وعَوَّلَ على تجميع ملاحظات عن الحياة المشتركة واللغة الجارية.

علاوة على أن أرسطو تفلسف بشكل مغاير حيث اعتبر الأفكار المشتركة وألفاظ اللغة المتداولة نقاط انطلاق نافعة من أجل بناء معرفة يقينية بالكون واتخذها أصلا ومصدرا لكل حكم عقلي على العالم.

كما أعاد الاعتبار للسفسطائيين حينما أخذ محمل الجد الدور المعرفي لتقنيات الكلام في فن الخطابة وثمن التوازي بين النحو كنظام اللغة والمنطق بوصفه نظام التفكير، بين حسن القول وحسن النظر.

لقد جعل أرسطو من تجربة التفلسف مقترنة بالدهشة والتعجب عند النظر إلى الموجودات وطرح سؤال لماذا؟ وقام بتفريع ذلك إلى أسئلة أخرى على غرار ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ومن؟ ولمن ؟...

من هذا المنطلق يقر أرسطو بوجود ترابط أصلي بين بنية الوجود وبنية الفكر وبنية المعرفة، ولما بقي الوجود يقال على أنحاء عدة والفكر يقطن بين الكلي والجزئي فإن المعرفة تقال على أنحاء عدة أيضا.

كما أن الوجودêtre  إلى دلالة واحدة لا يشير وإنما يتم الإشارة إليه من زوايا مختلفة والتدلال عليه بطرق شتى وهذا الرأي ينطبق على كل نوع وكل جنس بنفس الكيفية. لكن إذا كان أفلاطون قد بحث عن كيفية إرجاع كثرة الموجودات وتعدد الأشياء إلى مبدأ موحد أسماه الأيدوسeidos أو المثال وأقر بوحدة الحقيقة والقيمة والأصل ووضع معايير كونية وخصائص عامة تميز المعرفة العلمية عن الظن والرأي والوهم وفتش عن ماهية الفضيلة في حد ذاتها عند كل تحديد واستقر به الأمر على إعلاء قيمة العدالة عند الحكام والجشاعة عند الحراس والاعتدال عند العامة من أجل بلوغ السعادة فإن أرسطو على العكس من ذلك أبقى على حركة الموجودات في تنوعها واعتبر الاختلاف الموجود بين الفضائل أمرا لا يقبل الإرجاع إلى أي مبدأ أول مهما كان شرفه وحتى إن زادت منزلته أو نقصت.

من ناحية ثانية إذا تعذر على الفكر الفلسفي بلوغ معرفة موحدة وشاملة يفترض أرسطو وجود علم أسمى أطلق عليه تسمية علم الوجود بماهو موجود وتم نعته في مقام آخر بالفلسفة الأولى والميتافيزيقا.

لقد ميز أرسطو بين خمسة فضائل هي التقنيةtechné  والمعرفة epistimé والحذر phronésis والحكمةsophi a والعقل nous ، كما قسم أرسطو ميدان المعرفة إلى ثلاثة مجموعات كبرى:

- علوم نظرية théorétiques تدرس المعرفة الخالصة مثل الفلسفة الأولى والمنطق أو الفيزياء

- علوم تطبيقية pratiques تتعلق بقوى الفعل وأغراضه وخاصة الأخلاق والسياسة والاقتصاد.

- علوم إنشائية poïetiques تمس عناصر الإنتاج والخلق في التقنية الصناعية والفنون التشكيلية.

في الواقع ، يفرق أرسطو هنا بين théorétiques وthéoriques  وذلك لوجود تقارب كبير في المعنى بينهما ويرى أن النظري لا تنطبق هنا على العلم بقدر ما تنطبق على موضوعه. كما أنه يفرق بين المتقاربين poïetiques و poétiques ويرى أن الجذر الإغريقي poïesie قد تفرع عنه لفظ الشعرpoésie والذي يعني الإنتاج بينما العلوم التشكيلية يمكن أن تدل على العلوم الموهوبة بالشعر.

بعد ذلك يرفض أرسطو القول بوحدة الحقيقة وينفي وجود معيار كوني ويبرر ذلك الرفض باحتمال إسناد صفة التقريب والمرجح والممكن والجائز والعرض على بعض جهات الوجود ومناطق المعرفة.

كان أفلاطون قد اعتبر الجدل صعود روحاني للنفس نحو المثل فإن أرسطو قلل من وظيفة هذا المنهج وذلك لما أطلق تسمية منطق الاحتمال على الجدل بالتعارض من المنطق الذي يعالج الحقيقة اليقينية.

فماهي الفروقات التي يكشف عنها أرسطو بين منطق ضعيف للاحتمال ومنطق قوي للبرهان؟

والحق أن المنطق البرهاني هو الفكر القادر على الحكم في القضايا والبت في الأحكام والتمييز بين الحقائق. وبما أن الوجود يقال على أنحاء عدة ولما افتقد فعل الوجود المعنى نفسه بين عبارة "هذا أبيض" وعبارة "انه إنسان" وعبارة "انه جالس" فإنه يجب تعريفه عبر المحمولات الممنوحة له.

في هذا الصدد يميز أرسطو بين عشرة محمولات التي لا تعني لوحدها شيئا ولذلك ينبغي أن تدخل في علاقة مع محمولات أخرى ويجب أن تخضع إرادة القول لبنية الخطاب عن الوجود لكي تمتلك معنى.

تتبلور قائمة المقولات العشرة على النحو التالي: الجوهر، الكم، الكيف، العلاقة، المكان، الزمان، الوضع، الملكية، الفعل ، الانفعال. وتمثل هذه المقولات أجوبة على الأسئلة التي يمكن طرحها حول أي كائن بالشكل الآتي: من؟ ماذا؟ كيف؟ كم؟ مع من؟ أين؟ متى؟ بأي طريقة؟ من ماذا؟ وبماذا؟

يتكون المنطق الأرسطي من تعريفات وقضايا واستدلالات ونتائج، ويتمثل الاستدلال في التفكير أو الإحالة إلى مرجع واقعي من أجل استخلاص قضايا معينة تتكون من جملة من الملاحظات التجريبية والأوليات الرياضية التي يتم استنتاجها من قضية بديهية أخرى تكون لازمة بصورة ضرورية عنها.

إن الاستدلال هو مرور من المعلوم إلى المجهول ومن الضمني إلى المعلن ومن الباطن إلى الظاهر عبر آلية القياس التي تتكون من ثلاثة عناصر مترابطة فيما بينها بشكل منطقي ومتساوق: وهي المقدمة الكبرى تشير إلى القاعدة العامة التي والمقدمة الصغرى التي تمثل الواقعة الخاصة والنتيجة.

 يبلور القياس ترابطا بين طرفين يشكل الطرف الأول الموضوع ويمثل الطرف الثاني المحمول على النتيجة وبعبارة أخرى يجب إيجاد الحد الأوسط بين ذات القضية الكبرى ومحمول القضية الصغرى.

إذا كان الاستنباط عملية ذهنية خالصة تتم داخل التجربة الفكرية بالانتقال من العام إلى الخاص فإن الاستقراء هو تعميم عقلاني يجري داخل التجربة الميدانية ويقوم على استخلاص الكلي من الجزئي.

لقد رفض أرسطو نظرية المثل الأفلاطونية التي تفترض وجود معقول مغاير للوجود المحسوس وبين أن الكائنات تتكون بامتزاج وتشاكل بين المادة والصورة في كيفيات الليونة والسيولة والتجمد والتبخر.

لقد كان أرسطو المنظر الأول لعمل التجريد عن طريق انتزاع صور المحسوسات من الأشياء المادية والاستنجاد بالتذكر والتخيل والتصور والانتقال من حال الوجود بالقوة إلى وضع من الوجود بالفعل.

إن الفكرة أو المثال بالنسبة إلى أرسطو لا يتنزه لوحده في السماء العقلي بمرافقة الآلهة وإنما يكمن في الوجود ذاته ويقوم بتحديد نوعه وضبط جنسه ضمن نظام الوجود بواسطة الخاصة والعرض الذاتي.

المعرفة الفكرية تتطلب استخلاص الصور من المحسوسات بتجريدها من مواد الأشياء دون الاعتقاد بإعادتها إلى عالم مثالي وقع افتراضه مسبقا والاجتهاد بإخراجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

من هذا المنطلق تبدو الفلسفة الأرسطية فلسفة غائية لأن الأهم من وجود الموجودات ومعرفتها هو الغاية التي تصل إلى تحقيقها وتتشوق إلى محاكاتها ولذلك عرف الفلسفة بأنها علم المعلوم الأسمى.

يفهم أرسطو كلمة غاية بمعنيين: الهدف الذي يتطلب توفير جملة من الوسائل قصد بلوغه والعلة التي تمنح الوجود وتفسره ولذلك كان قد صرح أن الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا وأنها تتحرك من أجل غايات.

إذا كان أنكساغور قد رأى بأن الإنسان يفكر لأنه يمتلك يدين فإن أرسطو قد تصور العكس وقد أقر بأن الإنسان يحوز على يدين لأنه يفكر وبالتالي لا يكتفي بابتكار جملة من الأدوات والوسائل وإنما يتبع سلم تراتبي من الغايات ويحول غايات نسبية إلى وسائل بغية بلوغ غايات أسمى وأهداف مطلقة.

بطبيعة الحال ترتب عن ذلك تغيير في نظرة الفلسفة إلى وجود الله فإذا كان ما قبل السقراطيين يؤمنون بتعدد الآلهة على غرار ديونوزوس وأبولون وزوس ويدرجوها ضمن تصورات أسطورية فإن أرسطو في كتاب الميتافيزيقا يتحدث عن الله في المفرد لا في الجمع ويعرفه وفق ثلاثة صيغ ملغزة: محرك أول يحرك بقية الكائنات وهو لا يتحرك، العقل الذي يعقل ذاته، الحركة الخالصة. بهذا المعنى تم نفي الطابع المشخص للألوهية الذي كان موجودا في معظم التصورات الإغريقية الخرافية ولم يعد الله شخصا ولا يملك أي خاصية أخلاقية ولم تعد له قدرة خلاقة للكون وبقي له دور تنظيمي.

لقد أبقى أرسطو لله وظيفة كوسمولوجية بحيث يمثل الضرورة الفكرية وأساس السببية الطبيعية وأصل حركة الأشياء والعلة الأولى ومصدر التناغم والانسجام والنظام في الكون والمعشوق الأول للكائنات.

 من جهة ثانية قدم أرسطو فكرة عن عالمين ينتميان إلى حقيقة فيزيائية واحدة ويوجد الأول فوق القمر وتكون حركة الأجسام فيه دائرية وكاملة وترمز إلى الأبدية بينما ينتمي العالم الثاني إلى ما تحت القمر وتتحرك الأجسام الأرضية بصورة اضطرارية بالدفع أو الجذب في وضع ناقص باحثة عن كمال أول وفق مسارات متنوعة وتكون من الأسفل إلى الأعلى أو العكس ومن اليمين إلى الشمال أو العكس.

لقد كان أرسطو قد ميز بين أربعة أنواع من الحركة: الأولى هي العلة الغائية وتتمثل في اكتمال مشروع التمثال ، الثانية هي العلة المادة وتتمثل في المادة التي صنع منها التمثال، والثالثة هي العلة الفاعلة وتتمثل في يد النحات التي قامت بصنع التمثال، والرابعة هي العلة الصورة ويمثل في الشكل.

تمثل العلة الفاعلة، في التصور العادي، العلة الحقيقية لإحداث الشيء أو الفعل وتظل العلل الأخرى مجرد ظروف محيطة وشروط محددة ووضعيات معينة تحدث فيها الأشياء وتقع الأحداث والأفعال.

بيد أن أرسطو يخالف الموقف المعتاد ويعتبر العلة الغائية هي الأكثر أهمية بينما يطلق تسمية الأسباب على العلة المادية والعلة الصورية ويبرر ذلك بأن السبب هو الذي يمنح الشيء وجوده ويتيح معرفته.

اللافت للنظر أن التصور الأرسطي للعالم يندرج ضمن نظرية السطوح التي صاغها أيدوكس edoxe الذي جعل الكون متشكلا من مركز الأرض ومن مجموعة من السطوح الصغيرة التي تدور حولها.

لقد أخذ أرسطو كذلك عن بارمنيدس وأفلاطون نموذج الكون المسطح الذي يتضمن جملة من الأبعاد والعناصر والأحجام التي تكون صورة العالم من جهة كليته وكماله وتناهيه وأبديته وانغلاقه وتساوقه.

بناء على ذلك كان لأرسطو السبق في تشييد علم جديد اصطلح على تسميته فيما بعد بالميتافيزيقا ولقد تراوح معناها بين الفلسفة الأولى التي تدرس الوجود من حيث هو موجود وبالتالي الأنطولوجيا التي تهتم بمعرفة الماهيات والجواهر و مابعد الطبيعة تماشيا مع ما كان أندرونيكوس الروديسي قد قام به عندما وضعها في ترتيب المباحث بعد الفيزياء وجعلها تعني العلم الذي يدرس حقائق الوجود الواحد.

بهذا المعنى يفيد لفظ meta ما بعد الطبيعة وما وراء الظواهر وما فوق المحسوس ولقد عني هذا التقدم المجال الزمني والبعد المكاني والنظام المنطقي واقتصر في النهاية على الله والروح والعالم.

لقد أشار أرسطو إلى أن طبيعة الفلسفة من حيث الأصل الذي تنبع منه هي دهشة النظر في الوجود ونقد نظرية المثل الأفلاطونية التي تستمد موضوعيتها من قسمة الموجودات إلى المحسوس والمعقول واعتبر الشيء الحسي هو صورة الموجود الواقعي وأقر بالمحايثة بين الفكرة الحقيقية والشيء المادي. ولقد تعامل مع الفلسفة الأولى من حيث هي معالجة ليس للوجود كماهو وإنما للوجود بما هو موجود وللوجود بصفة عامة ، ويتضمن هذا المبحث أيضا مبادئ الاستدلال التي تتحكم في كل فكر إنساني وتتمثل في مبدأ عم التناقض الذي يقر باستحالة تضمين محمول إلى نفس الموضوع ونفيه في ذات الوقت وضمن نفس العلاقة ، ومبدأ الثالث المرفوع الذي يؤكد على أن قضيتين متناقضتين تكون واحة منهما صائبة وتكون القضية الثانية كاذبة ، ومبدأ الهوية الذي يقر باستمرارية تطابق الشيء مع نفسه.

 بعد ذلك قام أرسطو بالتمييز بين ثلاثة أنماط من الأنفس تماشيا مع ما يوجد في الطبيعة من النباتات والحيوانات والبشر وأوضح أن النفس النباتية حساسة والنفس الحيوانية محركة والنفس العاقلة مدركة.

إذا كانت النفس النباتية تسمح للكائن الحي بالتغذي والنمو والتكاثر وإذا كانت النفس الحيوانية أهم منها لأنها تسمح بالحركة والتنقل والتأقلم مع الظروف فإن النفس العاقلة أكثر أهمية بالنظر إلى أنها تسمح للكائن البشري بالتفكير والمعرفة وتمنحه الإحساس بالكرامة والحرية والكلام والوعي بالكمال.

إذا كان النموذج الرياضي يهيمن على فلسفة أفلاطون ويمنح المثل صور تامة التشكل ويجعلها حقائق أبدية ويمنح الكيانات العقلية أسبقية وجودية ويطلب من الكيانات الحسية محاكاتها والتشبه بها على قدر استطاعتها فإن النموذج العلمي المهيمن على فلسفة الحياة عند أرسطو هو النموذج البيولوجي الذي يجعل الصورة نتيجة تكوين معرفي وإدراك تجريبي للواقع الخارجي ويعطي قيمة للبعد المادي.

هكذا يميز أرسطو بين العضو والأداة ويرى أن العضو لا يصبح عضوا إلا إذا استكمل وظيفته على أحسن وجه وأن اليد البشرية تختلف عن اليد الصناعية من حيث صورتها وحركتها وفاعليتها وغايتها وينتبه إلى أن الجسم هو أكثر كلية من الكل وأنه يتفوق على عدد العناصر التي يتكون منها مجتمعة وبالتالي يفرق بين الكل والمجموع الذي يتكون من عدة عناصر مجموعة مع بعضها البعض فحسب.

بطبيعة الحال يضع أرسطو الكل الطبيعي في مرتبة متقدمة على الكل الاصطناعي وذلك للتداخل والاندماج في العناصر التي يتكون منها في حين يمكن إنقاص أو زيادة عنصر في تكوين الثاني. وتجدر الإشارة إلى أن الفن الكلاسيكي عند الإغريق يرى أن الثر الفني لا يكون جميلا إلا إذا شكل كلا تاما ولذلك ظل الفن رهين الطبيعة ضمن نظرية المحاكاة وظل الكل الطبيعي مرجعا أولا للجمال، في حين تم معاملة الآثار اللاّمكتملة والناقصة والمبتورة والمشوهة بوصفها غير جملية وغير لائقة.

غاية مراد الحكمة النظرية عند أرسطو هي نفي وجود اللانهائي على المستوى البيولجي والفيزيائي والإستطيقي وذلك بالنظر إلى أن اللانهائي مترامي الأطراف وهوته متسعة بينما النهائي تام ومكتمل.

لكن ماهي تبعات الحكمة النظرية في المجال التطبيقي؟ وكيف أسس أرسطو الحكمة من حيث الفعل؟

2- الحكمة العملية:

لقد قام أرسطو بتقديم الإيتيقا على السياسة والقانون على التربية وميز في المستوى الأخلاقي بين الفضائل العقلية التي تتطلب تربية فكرية والفضائل الأخلاقية التي تبقى ناتجة عن الإيتوس ethos أي من العادة.

لقد تناول أرسطو المسألة الأخلاقية في عدد من المؤلفات والرسائل، ولعل أهمها هي رسالة إيتيقا إلى إيديم التي كتبها في الفترة التي سبقت تأسيسه المعهد ودرس فيها قضية الموضوعات السلوكية بطريقة مبسطة ومقتضبة ، ثم رسالة إيتيقا إلى نيقوماخوس التي جمع فيها جملة المقاربات التي حلل بها المشاكل الأخلاقية ووضع فيها دراسة متأنية عن طبيعة الفضيلة والخير الأسمى والطبائع الضرورية لبلوغ هذه الفضيلة.

لقد حدد أرسطو الإيتيقا بوصفها حقل العلم العملي وراهن على دراستها من أجل السماح للكائنات البشرية من أجل قضاء حياة جيدة بالتقيد بالفضائل الأخلاقية مثل العدالة والشجاعة والاعتدال على الرغم من مزج عناصر متنافرة من البعد العقلاني مثل التعقل والبعد الغرائزي مثل العواطف والبعد الاجتماعي كالعادات.

لقد اتجهت الإيتيقا تماما مثل السياسة والاقتصاد نحو البحث عن الخير واصطبغت بنزعة طبيعية تعتبر المدينة مجرد خلية عضوية لا تستطيع أن تتطور وتحافظ على كيانها الوجودي بلا عدالة ومحبة وصداقة.

إذا كان أفلاطون قد ظل يعتقد في أن دراسة العلوم والميتافيزيقا هي التي تمنح الإنسان فهما عميقا بطبيعة الخير والفضيلة فإن أرسطو صار ينظر إلى أن الحياة الجيدة هي التي تستوجب على المرء اكتساب القدرة على فهم نوعية الأفعال المطابقة للعقل في كل حالة والالتزام بقيمها وتطبيقها وفق الوضعيات المناسبة.

ماهو هام بالنسبة إلى المرء ليس إتباع قواعد عامة في وضعيات خاصة وإنما العمل على تحصيل عن طريق استعدادات تداولية وعاطفية واجتماعية اقتدارات لفهم أعمق بالوجود الأحسن في المجال العملي.

بهذا ليس الهدف من الإيتيقا معرفة ماهية الفضيلة وغايتها وإنما بيان الكيفية التي تجعل المرء يكون سعيدا ولا تعد الإيتيقا نسقا من الأوامر والنواهي بل تمثل حقلا مستقلا لا يحصل على أي خبرة من حقول أخرى.

لقد أمن أرسطو بأن الإنسان في حياته لا يرغب إلا في أن يكون سعيدا وبالتالي كان تفكيره الأخلاقي منصبا على تحصيل هذه الغايةّ، ولكن إذا كان جميع الناس يرغبون في السعادة فإنهم اختلفوا حول الوسائل التي يمكن إتباعها من اجل بلوغ هذا المطلب، فالبعض طالب بالمواطنة الفاعلة في المدينة، بينما البعض الأخر اعتقد في الحياة المنعزلة عن الناس والتمتع بالملذات الجسمانية، من جهة ثالثة حذر فريق آخر من الاستغراق في تجرد التصوف أو طلب منافع مادية تدور حول راحة الجسم لما تجلبه من ضرر وشقاء.

لقد أعلن أرسطو أن كل فعل بشري يرنو إلى الخير الذي هو غايته وما تم تسميته خيرا أولا أو خيرا أسمى اعتبره أرسطو في ذات الوقت منبع السعادة والحياة الجيدة ولذلك لأن الوجود السعيد هو الغاية القصوى للكائن البشري بالمقارنة مع الغايات الأخرى التي تحقق خيرات جزئية مثل امتلاك الثروة والصحة واللذة الجسمانية والسلطة والشهرة تبقى تابعة للخير الأسمى وتظل مجرد غايات جزئية مشروطة بالغاية التامة.

على هذا النحو يتصف الخير الأسمى بثلاثة خصائص وتتمثل الأولى في أنه مرغوب فيه لذاته والثانية في أنه غير مرغوب فيه من أجل خيرات أخرى والثالثة هي أنه لا يرغب في الأخرى إلا من أجل بلوغه هو.

بهذا المعنى تعتبر الإيتيقا هي المرجع التكويني للسياسة عند أرسطو وذلك لأن التحكم في الحياة يستوجب المعرفة بالخير الأسمى ويتطلب امتلاك علما معماريا بامتياز هو السياسة التي تحدد الضروري للمدينة.

إن الغاية الجوهرية للكائن البشري هي مهمته في الحياة ووظيفته في المجتمع والتي تتمثل في استعماله للقسم العاقل من ماهيته لشكل متطابق مع الفضيلة ومن أجل تحقيق الأسمى بالنسبة إلى الوجود البشري، وانه لكي يعيش المرء حياة جيدة مطالب بأن يمارس الأنشطة طوال حياته تحين فضائل العاقلة من النفس.

توجد تصورات مختلفة عن السعادة وربما الصورة الأكثر عمومية هي التي تقع في الخلط بينها وبين اللذة ولكن هذا التصور عن السعادة هو الخاص بالغالبية العظمى من الناس ويشتركون فيها مع معظم الحيوان. بعد ذلك هناك شكل أعلى من السعادة يرتكز على التقدير التي يمنحه المجتمع من خلال الاعتراف بالنجاح ويحقق للمرء الرضا والراحة والإشباع ويعتبر بمثابة اللذة المطلقة من حيث هي لذة خالصة وليست مادية.

بيد أن شكل آخر من السعادة أكثر سمو من السابق يظل ممكنا بالنسبة إلى الكائن البشري ويتطلب التأمل من أجل البحث عن الحقيقة والسعي إلى ماهو ثابت وأبدي وذلك بالارتقاء إلى مستوى بلوغ الغاية السامية ويتعلق الأمر في هذا الشكل بتحصيل الأشياء الإلهية والعناصر الكونية والقيم المطلقة والمبادئ الأساسية.

لقد رفض أرسطو النظرة المثالية الزهدية عند أفلاطون التي تحصر السعادة في الغبطة النفسانية ولقد قادته نظرته الواقعية إلى التفكير في أخلاق الممكن بالانطلاق من الرغبة في السعادة من حيث هي مطلب كوني تجمع بين هدوء النفس وسلامة الجسم وتربط اللذة بالحركة وتشترط إتباع الفضيلة لتحصيل السعادة.

على أثر ذلك طرح أرسطو في كتبه الأخلاقية الصريحة إيتيقا الحد الأوسط التي تعترض على أخلاق القداسة وتعتمد فضيلة التعقل والحذر قصد إصابة الحد الأوسط في كل مسألة دون إفراط أو تفريط والتي تتفادى الزيادة أو النقصان وتكتفي بالضروري والمطلوب واللازم والمتاح والممكن والطبيعي والمعقول.

كل الناس الأحرار يولدون ولهم الإمكانية لكي يصيروا فاضلين أخلاقيا وذلك لأن الفضيلة ليست مجرد اقتدار في حالة معينة وفي ظرفية خاصة وإنما هي تحقيق لفعل مستمر في كل حالة وفي جميع الظروف. إنها ترتبط بالموضع والمقام والطبع والعادة على الفعل الجيد وحسن التصرف التي يتقنها المرء في حياته.

إذا كانت الفضائل العقلية تتقوم بالتعليم الذي يتحصل عليه المرء أثناء تجاربه الحياتية فإن الفضائل الأخلاقية تظل من إنتاج العادة وتتطلب ممارسة الأفعال العادلة بالتعقل والتروي والحذر وقوة التمييز.

وإذا كانت الفضائل العقلية تتضمن المعرفة التي تستند على الاستقراء وتشتغل على القياس والتقنية التي هي فن يعمل من خلال استعداد مرافق للقاعدة الصحيحة على غرار المعمار وإذا كان الحذر هو التروي الصائب حول الأعمال الجيدة والمفيدة وإذا كان الفهم بالحدس هو التجربة المدركة للمبادئ بشكل مباشر فإن الحكمة النظرية تعتبر أكثر الفضائل الفكرية علوا وأكثر صور المعرفة قربا من الحقائق اليقينية. لهذا السبب يحتل الحذر عمليا مركز الثقل في شبكة الفضائل الأخلاقية وذلك لأنه يعد الحكمة العملية بامتياز.

لقد تفطن أرسطو إلى أهمية فضيلة التعقل في سبيل إصابة الحد الأوسط في جميع الأعمال وبرر ذلك بأن الشخص غير المعتدل لا يتبع العقل وإنما يتصرف وفق الانفعالات المتقلبة ويظل عرضة لتأثير الأهواء، بينما الفضيلة الأخلاقية تستلزم الاعتدال وتختار التوسط بغية تفادي الوقوع في رذائل التفريط والإفراط.

اللافت للنظر أن أرسطو استخرج أربع أشكال من الغلو وهي التوتر الناتج عن الإفراط اللذة والغضب والعجز الناتج عن التفريط فيهما ، وأقر بأهمية التربية الذاتية التي تقويها العادة ويقودها العقل وتشحذها الإرادة ويتحكم فيها ميزان الاعتدال وحذر من لعبة الأهواء وفوضى الباثوس المضاد لنظام اللّوغوس.

توجد ثلاثة عوامل مهيمنة هي التي تحدد الفعل والحقيقة وتتمثل في الإحساس والعقل والرغبة ويقر بأن الرغبات لا تقود إلى الخير في أغلب الأحيان ولكنها تقدر على قيادة المرء إلى توفير الإشباع المباشر.

لكي يفعل المرء بطريقة جيدة كان لزاما عليه أن يتبع أوامر العقل وأن يتروى في الاختيارات ويتفحص في الإمكانيات المتاحة أمامه ويدرس الوسائل التي يستطيع استعمالها ويفضل الغايات الممكنة التحقيق.

يلخص أرسطو العوامل الثلاثة التي تمثل حوافز من أجل الفعل وهي الجميل والنافع واللذيذ ويطلق على أضدادها تسميات القبيح والضار والمؤذي ويترك المجال للتروي في الوسائل والاختيار العقلاني منها.

لا يتم التعقل حول الغاية في حد ذاتها بل يدور حول الوسائل الممكنة التي تفضي إلى بلوغها ولهذا تتمثل جودة الروية في الاختيار التفضيلي الصائب وحسن التمييز بين الرذائل والفضائل واستهداف الغاية التامة.

لا يستعمل أرسطو مفاهيم حرية الاختيار والمسؤولية طالما أنها اختراعات الذات الحديثة بل يقتصر عمله على الإرادة والتفضيل والتعقل من خلال الدراية وبواسطة المعرفة وليس عن جهل وفي ظل غلبة التقليد.

التفضيل يتطلب فعلا إراديا وميزة إنسانية وتعقلا واعيا ومقصدا غائيا وليس أمرا مشتركا عند جميع الناس بما في ذلك غير العقلاء الذين ينقادون نحو الميولات والأهواء ويتبعون الغرائز ويتأثرون بنداء العواطف.

على هذا النحو تقود الإرادةُ المرءَ إلى الغاية المنشودة ويقود التفضيل نحو فرز الوسائل التي تستهدف هذه الغاية والإنسان يطلب غاياته ويفاضل بين وسائله بالتعقل والتروي وليس بالجهل أو إتباع الغرائز العمياء.

اللافت للنظر أن الفرونيزيس عند أرسطو لا يدل فقط على الحذر بالمعنى الذي صار عليه عند اللاتينيين فيما بعد وليس نتيجة انشطار داخل العقل واعتراف بهذا الانشطار من حيث هو شرط لعقلانية نقدية جديدة وإنما متطابق مع فضيلة التعقل الذي هو قسم من النفس يتدبر كل ماهو حادث واحتمالي وجائز وعرضي.

إذا كان أفلاطون قد تصور العلاقة بين المثل والأشياء على منوال العلاقة بين الأصل والنسخة وانتهى إلى ضرورة حضور الوسائط لردم الهوة بين المعقول والمحسوس والسماح بالمشاركة بين المثالي والمادي فإن أرسطو يقسم العالم الواقعي نفسه إلى قسمين يسميهما الضروري والحادث أي الجوهري والعرضي وبعبارة أحرى الكلي والجزئي ويمنح التعقل الشرعية الفلسفية لردم الهوة بينهما بعد العجز الذي وقع فيه العلم عند محاولته معرفة الجزئي والحادث بالرغم من كونهما الميدان الخاص بالفعل والتجربة والتاريخ.

بهذا المعنى يقيم التعقل صلة وثيقة بالحدس من أجل إحراز الحد الوسط وتحقيق سرعة الانتقال من المعلوم إلى المجهول ويجمع بين التفكير الثاقب والفعل الحصيف ويلقي النظر بشكل دقيق على المنشود والمتوقع.

بناء على ذلك توصل أرسطو على الصعيد الأخلاقي إلى نظرية في المقيس تعتمد على الاعتدال في الحكم والتوسط عند اتخاذ القرار والتروي عند التفضيل وتستهدف الفاضل اللائق من جهة التربية والفن والطبع.

لكي يصير المرء فاضلا ينبغي أن يبلغ هدفا يتنزل في مقام وسط بين احتمالين مستبعدين بصورة واسعة. زد على ذلك تساعد نظرية الكيل mesureعلى فهم خصائص الأفعال الفاضلة وتقوم بتمييزها عن الأفعال الشريرة وتفرض احترام الأسرة التي تعمل على التربية بإتباع الفضائل وتولي عناية بالشيم الاجتماعية .

من هذا المنطلق يعتبر أرسطو الفضيلة وسط بين رذيلتين، فالشجاعة هي فضيلة تتوسط رذيلة أولى هي التهور الذي ينتج عن الإفراط والزيادة في الثقة ورذيلة ثانية هي الجبن الذي ينتج عن التفريط في القوة.

اللافت للنظر أن الحد الأوسط ليس موقفا ضعيفا ولا يسير إلى تعليق الحكم كما الشأن عند الريبيين وإنما يمثل الحكمة العملية بامتياز ويتطلب دراية بالظروف وإحاطة بالكليات والجزئيات وقدرة على التصميم.

من هذا المنطلق كل الذين لا يمنحون الفضائل قيمة يسقطون في أفعال مشينة ويوصفون بأبشع النعوت وينحرفون نحو الرغبة في الهيمنة والبهرج ويسقطون في رغبات غير قابلة للإشباع ولا يعرفون حدودا ويفقدون القدرة على العيش في تناغم مع الكون وفي سلام داخلي مع النفس وفي تلبية غاية الحياة الجيدة.

يبرهن أرسطو على ذلك بقوله: " أن عصفور واحد لا يصنع الربيع" ويشير بذلك إلى أن فضيلة واحدة يتمتع بها المرء لا تجعل منه متخلقا وكائنا فاضلا على الدوام بل يجب أن يكون الخير صادرا عن تعقله وترويه صدورا بديهيا ويفترض أن يحوز على الشيم الأخلاقية بصورة دائمة وليس بشكل عرضي.

يضرب أرسطو من أجل أن يستدل أيضا على ضرورة الفضيلة وحقيقة الخير في الاجتماع البشري في جميع الأحوال مثالا عن خضوع عصابة من السرّاق إلى مبدأ عدالة تقسيم المسروق على الأعضاء.

على هذا النحو تختلف العدالة عن المنفعة العامة وتعتبر أقل منها درجة في السلم المعياري، لأن العدالة يطلبها الإنسان من أجل نتائجها وتبعاتها في الوجود الاجتماعي بينما تطلب المنفعة العامة من أجل ذاتها.

بيد أن معنى العدالة يختلف عن معنى المساواة، ولذلك يميز أرسطو بين المساواة العددية الكمية التي تعترض أن يحصل الجميع على نفس الحصة والمساواة الهندسية التناسبية التي تقر بحصول كل واحد على حصة تناسب وظيفته واستحقاقه ، وبعد ذلك بكثير صارت العدالة الجزائية تفيد المساواة المطلقة وأصبحت العدالة التوزيعية تعني المساواة النسبية أي الإنصاف من حيث هو حق وليس وفق القانون.

على هذا الأساس يتضمن النسق القيمي للحياة الاجتماعية عدد كبير من الفضائل التي تتعارض فيما بينها وتطرح على المرء العديد من الإحراجات ولذلك يلجأ إلى المداولة والتروي والاختيار التفضيلي للأحسن.

على خلاف أفلاطون الذي افترض وحدة الجميل والحسن والنافع والحقيقي ضمن إطار أحدية مثال الخير الأسمى يسجل أرسطو التعارض الممكن بين الفضائل المختلفة وخاصة عندما يكون المال النافع أحد منابع الخسائر والأضرار وعندما يتحول الكاذب والزائف والوهمي في المحاكاة إلى مصدر لتشكيل الجميل. فإذا كان أفلاطون مبدئيا بجعله الخير الأسمى أساس الحياة الأخلاقية ومصدر الأفعال الحسنة فإن أرسطو اتخذ خيارا استتباعيا وأسند صفة الخير إلى الأفعال التي ترنو إلى السعادة في غاياتها وتتجنب الضرر والشقاء.

من هذا المنظور ربط أرسطو بين الأخلاق والسياسة من خلال فضيلة المحبة وأضاف إليها مبدأ الصداقة وكانت النتيجة هي اعتماد أخلاق المحبة وسياسة الصداقة وفي شأن آخر أخلاق الصداقة وسياسة المحبة.

من المعلوم أن أرسطو لا يمنح مشاعر الحب أي قيمة في فلسفته ولا يترك لها أي مكان في نسقه القيمي ولكن المحبة كانت حاضرة بقوة على اعتبار أنها فضيلة شاملة وقيمة أخلاقية وسياسية في ذات الوقت. ويبرر ذلك بأن المحبة تسمح للمرء بالتقيد بالفضائل المرادفة على غرار الحلم والطيبة والتآخي والعفو والتواضع والنصيحة والتعارف وتشكل فرصة للجود ومناسبة من أجل البذل وتقوى من تلاحم الاجتماع وتشيد أرضية مشتركة يتقاسمها الناس المتساوون والأحرار وتترجم نجاح التواصل البشري بامتياز. لكن ماهو النظام السياسي الأمثل عند أرسطو؟ هل هو المدينة الدولة الإغريقية أم يفيد الحكم السياسي الفاضل؟

لقد تراوحت البحوث السياسية عند أرسطو بين تحليل ظواهر المدينة والعبودية والمواطنة والتأكيد على أهمية التربية والقوانين والعدالة ولقد وقعت في النظرة الطبيعية إلى المؤسسات المدنية والأفعال السياسية ولقد أثمرت نظرية عامة في الحكم عملت على التمييز بين عدة دساتير وحكومات ولقد أعطت الفاعل السياسي الدور الطليعي من أجل قيادة الاجتماع البشري نحو التحضر والمدنية وترسيخ القيم المواطنية.

إذا كان العلم السياسي عند أرسطو هو علما مدنيا عن الخير والسعادة لكل المواطنين وإذا كانت الدولة الأكثر اكتمال هي التي يتسنى فيها لكل مواطن أن يمارس الفضيلة ويبلغ السعادة على أحسن صورة فإن السياسة لا تقتصر على الفلسفة السياسية بل تضم التربية والإيتيقا والاقتصاد وتعالج طرق وشروط خلق ووضع وتشييد وبناء الأنظمة السياسية المتوازنة وتفتش عن وسائل وأدوات من أجل تقويتها والمحافظة عليها وتدمج في برامج عملها ميادين علم القانون وفقه القضاء وفن الحرب وتدبير المنزل وفن الخطابة.

لكي ينتج النظام السياسي مجتمعا سليما ينبغي أن يمارس حكما عادلا وأن يجعل من مبدأ العدالة فضيلة اجتماعية تنظم العلاقات بين الأفراد وأن يُرفِقَهَا بفضيلة المحبة من أجل البحث عن الخير للعين والغير.

كما يجب أن تكون القوانين التشريعية صائبة وجيدة وواضحة في تفريقها بين العدل والظلم وبين الجائز والممنوع وأن تتحول العدالة من مجرد قيمة أخلاقية الى معيار تشريعي من اجل وضع قوانين دستورية.

لقد أقام أرسطو فكره السياسي أيضا على مبدأ الصداقة أو المحبة وميز بين ثلاثة أنواع منها وهي الصداقة التي تبنى على المصلحة وتبادل الخدمات بين الطرفين وثانيا الصداقة التي تبنى على المنفعة المادية واللذة وفي مستوى ثالث الصداقة الحقيقية التي تخلو من التبادل ويحب فيها الصديق صديقه لذاته ودون غرض.

إن الصداقة الحقيقية هي المحبة الخالصة التي ترتقي إلى مستوى الفضيلة السياسية التي يبنى عليها النظام السياسي والقانوني وتمكن الجميع من المشاركة في الحياة العامة وتقاسم بصورة عادلة المنفعة المشتركة.

إذا حضرت المحبة الخالصة في المدينة بقوة وظهرت للعيان بصورة ملموسة في مستوى العلاقات بين المواطنين وانعكس ذلك في مستوى علاقات القربى والمجاورة والضيافة فإن الحكم يزدهر ويتقوى وإذا غابت بشكل ملحوظ وحلت محلها العداوة والبغضاء في العلاقات فإن النزاعات تتكاثر والحكم يتهاوى.

تلعب التربية دورا هاما في نظرية أرسطو السياسية ولذلك خصص في مؤلفه السياسة عدة فصول بهذا الموضوع وطالب المشرع بأن يضع أوامر صارمة يكون غرضها تربية الناس وتحثهم على طلب العلم وجعل مسألة تربية الأطفال والعناية بهم منذ الصغر من مسؤوليات المشرع ولقد تعارض مع النزعة الجماعية عند أفلاطون ونظر إلى التربية على أنها الوسيلة التي تصل الفرد بالجماعة وتمنح الدولة التي تتكون من كيانات فردية وعناصر كثيرة الوحدة والانسجام ولذلك حرص على توحيد نظم التعليم فيها.

من المفيد هنا الإشارة إلى التمييز الأرسطي بين تربية العقل وتربية الجسم وثنائه على التربية الفنية وعنايته بالرياضيات والموسيقى من جهة نظرية روحية وبالألعاب الرياضية من جهة مادية وجسمانية.

لقد كانت الألعاب الأولمبية أحسن مثال عند أرسطو لكي يضمن الرياضة بعدا تربويا ولكي يمنح التربية دورا سياسيا ولقد انتبه إلى حيازة المشاكل السياسية في المجتمع على حلول رياضية ومخارج تربوية.

لقد تعامل أرسطو مع المدينة والقوانين الذي تنظمها بوصفها أشياء طبيعية وفسر تشكل المجتمعات والدول بالعوامل الطبيعية التي تساعد على النمو والتي تخضع لها كل الكائنات الطبيعية وبالتالي قد رأى في تقابل الذكر والأنثى فرصة للتزاوج والتوالد وتكوين الخلية الاجتماعية الأولى التي هي الأسرة والتي عندما يتكاثر عددها تتكون الاجتماعات الصغرى والوسطى والكبرى وتظهر العديد من القرى والمدن والدول.

لقد وجد أرسطو في انقسام الناس إلى عبيد وأسياد من الأمور الطبيعية وذلك لأن هناك من وجود ليعمل بالجهد العضلي وهناك من وجد ليحكم بصفة طبيعية بالجهد الذهني ويأمر بإتباع العقل واحترام القانون.

من هذا المنطلق الإنسان حيوان سياسي ويصيح كائنا يعيش في مدينة ويشكل مع غيره من الناس مجتمعا سياسية يتكون من شبكة من العلاقات تتسم بالتعاون والتبادل وتنظمها فضيلة العدالة وتقاسم الخير العام. غير أن مفهوم الطبيعة البشرية مازال غائبا عن الفكر السياسي زمن أرسطو ولذلك انحصر الاهتمام بالبعد الإنساني الذي لا يتم تحقيقه إلا عندما يقع تحويل الإنسان من عبد بالطبع إلى إنساني نصف اله أي مواطن.

على هذا ينبغي أن يتصف المواطن بصفات القاضي والحاكم وأن يكون في مقدوره الحكم على الأفعال والتمييز بين العمل المحمود والعمل المذموم وقادرا على إتباع مبادئ الفضائل وتفادي ارتكاب الرذائل.

بهذا المعنى تتكون المدن العادلة التي ينظما دستور وتشرف عليها حكومة متوازنة من مواطنين فاضلين ولكن المواطن يمكن أن يظل مواطنا حتى خارج المدينة وفي ظل غياب الحكومة وعدم التقيد بالقانون.

هكذا يحمل أرسطو تصورا تراتبيا للاجتماع البشري يقصي فيه الطفل والمريض والنساء والغريب من المواطنة ويحرم فيه المواطنين من ممارسة الحكم إذا لم يحوزوا على القيم الفاضلة ويبتعدوا عن المفاسد ويضع فيه الناس الأحرار في الدرجة العليا ويمنحهم قيادة المجتمع ولذلك لما يتمتعوا به من إرادة وتعقل.

إذا كانت مهمة الطبقة السفلى من العامة هي الشغل من خلال الجهد الجسماني من أجل المحافظة على البقاء فإن مهمة الطبقة العليا هي تحقيق وظيفة القيادة والحكم ونيل السعادة من خلال الحكمة والعمل بها.

لهذا كانت المهمة الأكثر أهمية عند السياسي هي وضع النواميس وعملية التشريع nomothetês ولذلك شبه أرسطو السياسي بالحرفي والصانع الذي يبدع في عمله ويتقن حرفته ويجعل الموضوع يبدو جميلا وكذلك السياسي يعمل على إصلاح ماهو ضروري في النظام واستعماله بصورة مشروعة وان تعذر عليه يحرص على تغييره ووضع مكانه نظاما سياسيا أكثر مواءمة وتناسب وانسجام مع الظروف والأوضاع وذلك بتطويع المبادئ الكلية والقواعد العامة مع تحولات التجربة وتغيرات التاريخ وتقلب أمزجة الناس.

إن المواطن حسب أرسطو هو من يحوز على حق المشاركة في الحياة العامة ويؤدي دورا بارزا وأساسيا وينخرط بصورة طوعية في الأنشطة التي تفيد الناس من جهة التربية والثقافة ومن جهة التمدن والتطور..

أما المدينة السعيدة مثل أثينا وأسبرطة وقرطاج وملطية والاسكندرية وروما فهي التي شهدت قيام حكومة جيدة تعتمد على دستور صالح وعلى تنظيم قانوني محكم وعلى مواطنين ضمن طبقات اجتماعية تراتبية.

في هذا الإطار يفرق أرسطو بين مؤسسات صحيحة تعتمد على القانون وتؤدي وظيفتها على أحسن وجه ومؤسسات محرفة تعتمد على الأهواء وتعاني من صعوبات في مستوى الأدوار التي أوكلت إليها الدولة.

بينما نجد من الحكومات العديد من الأشكال على غرار الحكومة المَلَكِية والحكومة الأرستقراطية والحكم الدستوري والحكم المطلق الذي ينتج الطغيان والحكم الجماعي والحكم الفردي والجمهورية والديمقراطية.

إذا كانت الديمقراطية هي نظام شعبي يعتمد بالأساس على السلطة المنبثقة من الشعب فإن الأرستقراطية هي نظام لا يحكم بالوراثة بشكل ضروري ولا من خلال أفضلية المولد وإنما الشخص الأحسن المستحق.

بطبيعة الحال يفترض أرسطو أن يتم اختيار الحكام بالانطلاق من خصالهم الأخلاقية ومواهبهم السياسية واستعداداتهم الطبيعية وأن يكونوا قادرين بالفعل وبصورة ملموسة على الحكم وأن يضمنوا الخير للجميع.

بهذا المعنى رفض أرسطو معايير الثروة والنسب العائلي والدرجة الاجتماعية عند اختيار الحكام بشكل تام وأبقى على صفات الجدارة والكفاءة والأهلية والاستحقاق والتي تتحقق باقتناع الجمهور والرضا التام عنه.

إن الحكومة الجيدة هي تلك التي تساوي بين الأغنياء والفقراء أمام القانون وتستهدف حياة جيدة للمواطنين من خلال أعمال نافعة وبإتباع قواعد منطقية وطرق منهجية وتضع دوام السعادة للمجتمع هدفها الأبرز.

كما أن الجماعات السياسية الناجحة هي التي تشكلت من عدد كبير ممن انتموا إلى الرتبة المتوسطة والتي عرفت عدد القليل من الفقراء ومن الأثرياء وإمساك الحكم من المعتدلين المنحدرين من وسط المجتمع.

لقد عُدَّ أرسطو في المجال السياسي فيلسوف الحد الأوسط ، ولقد كان على خلاف مع أفلاطون الذي ظل يعتقد بوجود نظام سياسي أفضل يوضع في مرتبة عليا بالمقارنة مع أنظمة سياسية أخرى اعتبرها فاسدة. لقد انطلق أرسطو من أنظمة سياسية متعددة هي الأرستقراطية والملكية والجمهورية الدستورية وحاول أن يصوغ نظاما سياسيا مختلطا يتفادى به السلبيات والرذائل التي رآها فيها ومبقيا على ايجابياتها وفضائلها.

إذا كان رذيلة الطغيان هي فساد الديمقراطية بسيطرة الأقلية على الأغلبية وإذا كانت رذيلة حكم الفوضى هو فساد الأرستقراطية باكتساح ثقافة العامة مجالس الخاصة فإن رذيلة الديمقراطية هي فساد الجمهورية بالاحتكام إلى الرأي العام بدل اعتماد العلم اليقيني ووضع ممثلي السكان بالاقتراع بدل تكليف خير الأكفاء.

غني عن البيان أن معيار التمييز بين الشكل الخالص للحكم والشكل الفاسد هو مكانة المصلحة العامة بالمقارنة مع المصلحة الخاصة ، فإذا هيمنت المصلحة العامة يتحقق الشكل الخالص للحكم السياسي سواء في الملكية أو في الأرستقراطية أو في الجمهورية وإذا هيمنت المصلحة الخاصة يظهر منها الشكل الفاسد للحكم السياسي سواء في الطغيان أو في حكم الفوضى أو في الديمقراطية التي تعجز عن التعبير عن الكل.

لقد انتبه أرسطو إلى أن الحشد، حيث يعجز كل عضو أن يكون إنسانا فاضلا ، بواسطة اتحاد الكل، يمكن عندئذ أن يصير في مقام أحسن من النخبة منطلقا من المدنية الطبيعية للبشر والحاجة الغريزية للتعاون، ولكنه اشترط حضور الوازع من أجل حثهم على طاعة القوانين طالما أنهم ليسوا آلهة ولا معظمهم بلهاء.

بهذا المعنى يكون الإنسان حسب أرسطو كائنا اجتماعيا بالطبع وإذا اختار الحياة بمفرده ولعيدا عن الناس فإنه يترجم عجزه عن الحياة مع الآخرين ويفشل في تلبية حاجياته ويفقد إنسانيته وينحط إلى مرتبة الأبله.

لقد عاصر أرسطو الحقبة التاريخية التي عرفت سقوط المدينة الإغريقية وتلاشيها ولكنه ظل على مستوى الإطار الفكري متعلقا ومتأثرا بالمناخ السياسي الذي شهدته أثينا في مستوى ازدهارها وتطورها المدني.

لقد راهن على أن الإنسان الأثيني لن يصير مواطنا صالحا ولن يحقق ذاته ويبلغ غايته إلا ضمن الوجود الاجتماعي وعندما يتحول إلى عنصر فاعل في المدينة ويبلغ السعادة عن طريق اكتسابه لدرجة الحرية.

والحق أن الفلسفة السياسية عند أرسطو تتضمن مجموعة من المسلمات الضمنية والخلفيات الفكرية التي بقيت تتحكم في تصوره للمدينة وتؤثر على نظريته في الدولة وتحدد النطاق الذي يتحرك ضمنه الحق وتتمثل في مبادئ الغائية والكمال وأسبقية الجماعة على الفرد وخضوع الحكومة للقانون وقاعدة العقل التي تستوجب قيادة الجوانب العقلانية في الطبيعة البشرية للجوانب اللاعقلانية التي تتكون من الأهواء.

هذا التصور الفلسفي السياسي دفع به إلى مواجهة تلميذه الأسكندر المقدوني الذي تخطى مستوى المدينة التي تُنظمها عدة قوانين تُجمَعُ في دستور وقام بغزو العالم ساعيا إلى بناء إمبراطورية عن طريق القوة.

لكن كيف يمكن الإفلات من اللاّتجانس بين الوطنية عند أرسطو والنزعة الكوسموبولوتية لدى الإسكندر؟

لقد ارتكب أرسطو العديد من الأخطاء السياسية أبرزها تبرير العبودية وموافقته على الاستعمار اليوناني للبلدان المجاورة والتوسع في المجال البحري المتوسطي عن طريق الآلة العسكرية وشن الحرب عليها.

لقد كان أرسطو عصريا في المجال السياسي ولكنه ظل يتبني نزعة محافظة في المجال الاجتماعي ولقد تصور العلاقة الضرورية بين الحكام والمحكومين على منوال العلاقة الهرمية التي تتم بين الأسياد والعبيد وكان يذم العمل العضلي للعبيد ويعلي من شأن العمل الذهني مصرحا بأن الآلات لو اشتغلت لوحدها لكف الاحتياج إلى العبيد وقد تبنى رؤية مادية للتاريخ تؤمن بأن العبودية قدر مع بقاء أدوات الإنتاج على حالها.

إذا كان أفلاطون قد سبق غيره في الحديث عن مواضيع ذات صبغة اقتصادية وعرضها ضمن مشاكل فلسفية في مشاريع مثالية حالمة فإن أرسطو كان أول المنظرين للعملة ضمن النشاط الاقتصادي وأقر بوظيفتها القانونية التعديلية للنشاطات المالية ضمن عمليات التبادل والتوزيع للمنافع والخيرات المادية. لقد قام أرسطو على خلاف أفلاطون بوضع العملة من حيث هي وسيط بين البائع والمشتري في المعاملات التجارية وعمل على تسويغ طلب الثراء من خلال تحقيق الكثير من الأرباح وتفادي الوقوع في الخسائر.

لقد تناول أرسطو مواضيع اقتصادية في الكتاب الخامس من إيتيقا إلى نيقوماخوس في الفقرة الخامسة وفي الفقرة رقم 1.8.10 من كتاب السياسة ولقد تركز بحثه على الخيرات الجزئية والفوائد المادية وضرورة التفريق بين العدالة التوزيعية التي تسعى إلى إقامة توازن عادل وتتفادى تقسيم متساو بين أشخاص غير متساوين والعدالة الجزائية التي تميز بين تبادل إرادي في المنافع وتبادل عير إرادي وبالتالي غير عادل

لقد تفطن أرسطو إلى حاجة النشاط الاقتصادي إلى وجود طبقة عاملة متدربة بشكل جيد من اجل الزيادة في الإنتاج وتشغيل الآلات ولكي تكون في خدمة الطبقة الحاكمة من الأسياد والتي تهتم بالتفكير والتدبير.

علاوة على ذلك انتبه إلى الحاجة في التبادل لصك النقود وتوحيد العملة من أجل تحقيق التوازن في السوق بين المعروض والمطلوب وبين الإنتاج المحلي والإنتاج الوافد ولكنه نفى أن يمتلك المال قيمة في حد ذاته أن يكون ذا طبيعة جوهرانية وأقر بالقيمة الاستعمالية للنقود والخاصية الاتفاقية للعملة وتسهيلها للتبادل.

اللافت للنظر أن أرسطو نبه من مخاطر تطور الاقتصاد السوق على الجوانب الاجتماعية وركز على أهمية الجوانب الأخلاقية في المعاملات المالية والمبادلات التجارية في سبيل بناء نظام اقتصادي إنساني.

لقد ترجم التحليل الاقتصادي الجهد العقلاني الذي بذله من أجل فهم الظواهر الإنتاجية والمعاملات المادية وأسس النظام الاقتصادي عبر تبادل حر للمنتجات بواسطة التجارة البحرية التي تمثل نقطة قوة الإغريق.

بطبيعة الحال قام بمدح الثراء المادي وما يجلبه من سعادة للمرء وما يدفعه للحصول على بعض الفضائل وفي المقابل عمل على تحقير الفقر وما يسببه من شقاء وتعاسة وبؤس وما ينعكس عليه من رذائل ومفاسد.

بيد أن أرسطو بقي يتحرك ضمن دائرة أخلاقوية في حكمه على القيم المادية ونصح بأن يبقى المال مجرد وسيلة ورفض تحويله إلى غاية في حد ذاته وانتبه باكرا إلى الفرق بين القيمة الإستعمالية والقيمة التبادلية.

لماذا اعتبر أدم سميث النظرية الاقتصادية عند أرسطو قد فرملت الحرية والنمو الاقتصاديين واتجه إلى تعويضها بنظرية علمية أكثر اتساعا وأكثر ديناميكية من تصوراته الطبيعية عن النشاط الاقتصادي؟

3- الحكمة الذوقية:

إذا كان أفلاطون في مجال القيمة الفنية عمل على إدانة نظرية المحاكاة ومحاصرة المقلدين لما تفضي إليه من تشويه للطبيعة وابتعاد عن الحقيقة وانتبه إلى أن المحاكاة تشتغل على المظاهر وتهمل الوقائع الحقيقية فإن أرسطو في كتاب افن الشعر أمسك عن نعت الشعراء بالكذب وبرر المحاكاة من خلال تأكيده على أهمية التمثيل في الاقتراب من الظواهر الواقعية ومعرفتها والتحكم فيها وإعادة تشكيلها وإعادة إنتاجها.

لقد برهن على أطروحته من خلال نموذج التراجيديا في المسرح التي تتماشى مع القدرة على التقليد باعتبارها موهبة طبيعية تجعل جميع الناس يميلون إلى المحاكاة بحكم الغريزة مثل بقية الكائنات الحية ويستخدمون آلية التمثيل من اجل التحكم في الانفعالات وتسكين الأهواء والتطهير من مشاعر الخوف والكراهية والحزن وتقوية مشاعر المحبة والشفقة والفرح وتغليب الرغبة في الحياة على نازع الفناء.

لقد قدم أرسطو نقدا منهجيا للمسرحيات والنصوص الأدبية من خلال تركيزه على ثلاثة وحدات تتحكم في وصف تقنيات الإنتاج الفني لهذه المؤلفات وتتمثل في وحدة في الزمان ووحدة في المكان ووحدة في الفعل.

من ناحية أخرى ترك أرسطو نظرية في الزمان فيها الكثير من المفارقات وحيرت العقول وذلك حينما ربطها بالحركة بالنسبة للأشياء في الكون وبحدس اللحظة بالنسبة إلى شعور النفس بتدفق نهر الديمومة.

إذا كانت الفلسفة الإغريقية تفتقد إلى مباحث فكرية مستقلة وخاصة بظاهرة اللغة بالرغم من نعت بعض من السوفسطائيين بعشاق الكلام وعلى الرغم من دراسة بعض الفلاسفة طبيعة اللسان وأصوله وعلاقته بالحق والخير والجمال والنافع وجعلهم النطق ميزة إنسانية جديرة بأن ترفع الكائنات البشرية إلى مرتبة العاقلية فإن أرسطو هو الفيلسوف الأول الذي صاغ قواعد من أجل فن الخطاب ووضع شروط الإقناع وألف كتاب الخطابة من أجل قيس القدرة التي يمتلكها المرء من أجل السيطرة على الغير بالاعتماد على الكلام وأول من اعترف بوجود صلة بين الخطابة والجدل ودحض المزاعم التي رددها السفسطائيون.

لقد أعطى باعث المعهد في النظام التعليمي لفن الخطابة استقلالية كانت غائبة عند أفلاطون واهتم بالحجج المنطقية التي تسمح بإنتاج خطاب إقناعي وفتح باب هذا الفن ليس على المختصين فحسب بل على الجميع.

من هذا المنطلق تجمع التجربة الإنشائية عند أرسطو التي تدور حول استعمار اللغة بين الصور الرمزية والعلامة والاستعارة والتشكيل والمحاكاة والتخييل والمجاز وتضم فن الشعر وفن الخطابة وفن السفسطة.

فن الخطابة هو قبل كل شيء فن نافع يتم التعويل عليه من المرء بغية الدفاع على وجهة النظر الخاصة به ويستعمل الملكة الضرورية في كل مسالة من أجل تقديم الجواب الشافي والتوضيح المقنع بالنسبة للآخر.

زيادة على ذلك يتم استخدام فن الخطابة من أجل البرهنة على صحة الكلام والتأثير في المتقبل واستمالته وذلك بالانطلاق من معان مشتركة وعناصر عقلانية ومقدمات ضرورية وحقائق مشهورة ووقائع مألوفة.

لقد قام أرسطو بتشييد الخطابة بشكل مستقل عن الفلسفة وضمن المنطق وعدها علما شفويا يضبط العلاقة التواصلية الاقناعية بين الباث والمتقبل وبين المتكلم والسامع وبين المرسل للصور والمشاهد المتلقي لها.

يستخرج ثلاثة أنواع من الخطاب البلاغي ويفرق بينهما من جهات الزمن والحركة والقيم والحجة، فإذا كان الخطاب الحكمي يتعلق بقرار القاضي حول الماضي ويتراوح بين الاتهام والدفاع وبين العدالة والظلم ضمن حجة إستنتاجية وإذا كان الخطاب البياني يتعلق بالمادة المقررة التي يتلقاها المستمع في الحاضر وتتراوح بين القبول والرفض وبين المحبة والكراهية ضمن حجة تدعيمية فإن الخطاب التداولي يتعلق بالحضور ويتجه نحو المستقبل ويتراوح بين النصح وعدمه وبين النفع والضرر ضمنة حجة استقرائية.

والحق أنه توجد أربع حجج من أجل البرهنة على منفعة هذا الفن وتتمثل الأولى في إمكانية خدمة الخطابة للحق والعادل، والثانية تكشف أنه ليس علكا دقيقا بشكل تام بل معرفة مقنعة بالنسبة لعدد كبير من الناس. أما الحجة الثالثة فتشير إلى كون فن الخطابة قادر على الدفاع على الدحض التام للمتخاصمين الضالين وعلى البرهنة على وجهات نظر متعارضة ومواقف متناقضة وليس انحيازا لدعوى والابتعاد عن أخرى. في حين أن الحجة الرابعة تكمن في حقيقة أن الخطابة هي وسيلة سلمية للدفاع بالأساليب المدنية والنافعة وتمسك عن استعمال القوة بصورة مفرطة وتخلو من كل مظاهر العنف والكذب والأساليب الهمجية.

علاوة على ذلك يتحقق الإقناع الأرسطي وفق ثلاثة طرق هي التداولي والبياني والقضائي ويضع ثقته في المشاهد المتقبل من حيث هو يؤسس معيارا رئيسيا من أجل البت في القضايا الشائكة والتمييز بين الأنواع.

بهذا المعنى يفترض أن يراعي الحكم الحالة المستقبلية للمعني بالأمر في القضية المثارة وأن يتضمن القرار مجال لممارسة التروي وفرصة قصد القيام بالاختيار التفضيلي بين احتمالات على أحسن وجه.

إن وظائف ومقاصد الأنواع الكلامية متميزة عن بعضها البعض، فإذا كان النوع التداولي يؤدي وظيفة هو الترغيب والترهيب وتكون غايته إظهار النافع والضار وإذا كانت وظيفة النوع البياني هو المدح والذم وغايته إظهار الحسن والقبح فإن وظيفة النوع القضائي هي الدفاع والاتهام وغايته إظهار العادل والجور.

اللافت للنظر أن أرسطو يتحدث هاهنا عن منهج تعقلي مشترك يرجعه إلى أنماط متميزة من الإقناع ويسمي النوع الأول الحجاج المتعقل ويربط النوع الثاني بطبع الخطيب والنوع الثالث بحالة المتقبل.

لا يتعلق الأمر هنا بالاستدلال الاستنتاجي الذي يبني قياسا على أوليات يقينية وإنما يدور التعقل حول مقدمات ظنية ومنطلقات احتمالية وقضايا تقريبية تحتاج إلى تأييد المتقبلين من أجل تصير أحكام معقولة.

يطرح أرسطو قواعد الخطابة وشروط الإقناع وخصائص البلاغة ليس فقط ضمن كتاب فن الخطابة وإنما أيضا في الكتاب الخامس والكتاب السادس من الأورغانون الذي يعتبر النواة الصلبة التي تشكل منطق القيم وحدد الأمكنة الخطابية ضمن كتاب التبكيتات التي ضم إطار الإمكانيات الحجاجية بين أجزاء متعددة.

بيد أن كتاب الخطابة لا يحتوي فقط على نظرية في الإحالة البلاغية للإقناع وإنما يشمل أيضا نظرية في الانفعالات والتهذيب في الكتاب الثاني ونظرية في الأسلوب في الكتاب الثالث الذي يتناول مسألة التأثير.

من هذا المنطلق أمكن لأرسطو التطرق إلى الحجاج الخطابي بدل القياس البرهاني والتثبت التجريبي، وواضح تأثير طبع والأحوال النفسية للمتقبل في مسار الحجاج ونتائجه ودور العوامل الذاتية في القرار وأهمية المعرفة التي يمتلكها الخطيب عن السامعين من أجل استمالتهم والتأثير فيه وتوجيههم إلى مراده.

بعد ذلك يأتي كتاب فن الشعر Poétique في المرتبة الأخيرة في المدونة الأرسطية ولكنه الكتاب الأكثر شهرة بالمقارنة مع كتب أرسطو الأخرى والأقل معرفة وإلمام من طرف المتابعين للنظريات التي شيدها.

 فن الشعر هو علم إنتاج موضوع معين يسمى أثرا فنيا ويتوزع هذا الفن إلى الشعر والنحت والرسم والموسيقى والرقص وتهتم جميعها بالتراجيديا والملحمة وتضع المؤلف أو الكاتب في منزلة الفاعل وذلك لأنه لا يقتصر على المحاكاة بالنسبة للأحداث الطبيعية وإنما يحاكي الأفعال الإنسانية التي تتخيل الواقع.

بهذا المعنى لا يكون الشاعر مؤرخا متابعا يقول ما وقع فعليا بصورة مطابقة وضرورية وإنما يقول ما يحتمل أن يقع وما قد يحدث في نظام الممكن. من هذا المنطلق يتضمن الشعر بعدا فلسفيا أكثر من المتابعة التاريخية والتعليق على الأحداث لأن الشعر يتناول العام ويصف أنماط الشيء بينما المؤرخ يهتم بالجزئي ولأن التراجيديا تنقل الأحداث التاريخية بصورة مضخمة وبشكل انتقائي والتاريخ أهم من الخصائص.

تعمل التراجيديا على تنظيم العمل الفني من خلال العناية بوحدة الحركة ووحدة الزمن وتبتعد بالسرد عن اللامعقول وعن اللامنطق وتوجهه نحو الأحداث الضرورية والمحتملة وتحقق انسجام الجمهور المتفرج.

هكذا ترتبط التراجيديا بالتطهير أي تهذيب الأهواء وتسكين الانفعالات والسيطرة على الغرائز وذلك بترك المتلقي يستمتع بالعرض على الصعيد العاطفي ويرضي شهواته ويتحرر على المستوى التخيلي والممكن.

يوجد تأويلان للتطهير من الانفعالات، الأول كلاسيكي ويتمثل في دفع التراجيديا المتلقي إلى جلب النافع وترك المضر، أما التأويل الثاني فهو طبي ويركز على ما يحدث في نفس المتلقي من استراحة واستمتاع.

لقد أحصى أرسطو أربعة عشر من الانفعالات المتعارضة التي تخرج النفس من الهدوء إلى الاضطراب وتتمثل في المحبة والكراهية، والغضب والكياسة، والخشية والضمان ، واشترط على الخطيب أن يجيد استعمال هذه الانفعالات من أجل تحويل الحكم وينطلق من قناعات المتقبل وأحكامه المسبقة بغية إقناعه.

بعد ذلك يجدر بالفكر الفلسفي التطرق إلى شبه الدراسة التي تركها أرسطو عن النوم وما يلحقه من الرؤيا في الأحلام والفرق الذي وضعه بينهما وبين اليقظة والأحداث الواقعية وما تمثله من تطوير للأفكار التي قدمها في كتاب النفس ومحاولته تنمية الظواهر النفسانية بالانطلاق من وعلى أساس قواعد فزيولوجية.

يرفض أرسطو على غرار كزينوفان وهرقايطس الأفكار المتداولة عند الإغريق التي ترى في الحلم تعبيرا عن رؤيا تنبؤية بالمستقبل وينفي أن يكون الحلم علامة أو سببا لواقعة قد تأتي في وقت لاحق ويبدو غير مهتم برمزية الحلم وبعها السردي مركزا انتباهه على الوهم الذي ينتجه عند الإنسان والهلوسات التي تنجر عنه ويبتعد كذلك عن موقف أفلاطون في محاورة الجمهورية الذي يسند للنفس قدرة على التحرر من المكان والزمان أثناء النوم واستفاقة في اتجاه البحث عن الحقيقة ويستبعد فرضية أن ينتج الإنسان النائم معرفة من الجانب المدرك من النفس أو الجانب العقلاني ويفسر بروز الأوهام بكونها من انتاجات الخيال.

كما يفسر ذلك بأن الإنسان عندما يكون نائما تصاب كل واحدة من حواسه بالعطالة ويظهر عليه العجز تنتقل مختلف الانطباعات والتي لم يشعر بها أثناء النوم إلى مركز الحساسية وتصبح واضحة تماما لديه.

على هذا النحو يفسر أرسطو ظهور الأحلام عند النوم بأنه انبعاث للتجارب التي عاشها الإنسان في حياته عند اليقظة ولكن على شاكلة ضعيفة لأن الادراكات المتحققة طوال النهار لا تترك على الروح سوى أثار وبالتالي تمثل الأحلام بواقي من الإحساس تشكلت بصورة آلية ليس لها غائية ولا وظيفة وليس لها دلالة.

أما المبادئ التي وضعها أرسطو من أجل تأويل الأحلام فهي تدور حول معرفة المتشابهات ودرك النظائر والأشياء المتماثلة بما أن صور الأحلام تشبه الى حد كبير الأشياء الممثلة عندما تنعكس على صفحة الماء.

على الرغم من ذلك التفت أرسطو الى تجربة الحلم الواضح الذي يمثل شاهدا مكتوبا على قدرة المرء أثناء النوم على مراقبة أحلامه وإمكانية وعي الحالم بعملية تكوينه لحلمه وتوجيهها نحو رغباته وتحقيق آماله. ألم يبقى فرويد أرسطيا لما وضع التشابه على أنه الأساس الأول في عملية تكوين الحلم لدى الإنسان؟ وأليس المطلوب من الخطيب أن يظهر بمظهر لائق وأن تكون سمعته أخلاقية حسنة لكي يقنع الناس؟

 خاتمة:

 لقد بقي أرسطو إلى جانب أفلاطون وسقراط من اكثر المفكرين تأثيرا في العالم ومن الفلاسفة القلائل الذين تناولوا مختلف ميادين المعرفة في زمانه حينما اهتم بالبيولوجيا والفيزياء والميتافيزيقا والمنطق والرياضيات وفن الشعر والخطابة والسياسة والاقتصاد ولما جعل من الفلسفة تتساءل عن العالم وتبحث عن المعرفة من أجل المعرفة وليس من أجل منفعة أخرى وتنتج نظرة موسوعية عميقة وعلم العلوم.

لقد تضمنت المعرفة الفسلفية عنده ثلاثة ميادين هي العلم النظري أو التأملي الذي يمثل استعمالا حسنا للعقل في تفسير الطبيعة وتحليل الواقع ومواكبة العصر ويجمع بين الفلسفة الأولى من حيث هي ميتافزيقا وفلسفة الطبيعة التي تتضمن الفيزياء والرياضيات، والعلم العملي الذي يصوب نظره بشكل مباشر نحو الفعل ويمارس الالتزام وينخرط في البراكسيس من أجل التغيير في الميدان الأخلاقي والسياسي، أما العلم الإنشائي فهو يغطي مجالات يكثر فيها استعمال اللغة من أجل التأثير والإقناع وخاصة الخطابة والشعر.

لا يعتبر أرسطو المنطق علما وإنما آلة تسمح للعلوم الأخرى بأن تعي ذاتها وتراجع مكوناتها وتجدد نفسها ولذلك عمل أرسطو على عرضه في صورة أورغانون أو منهج يتكون من مبحثين هما القياس والمقولات.

من جهة أخرى يبدو مفهوم الطبيعة مقولة هامة في فلسفة أرسطو وتحتل مكانة بارزة وذلك لكون الأشياء المادية تمتلك في حد ذاتها مبدأ حركتها وبذلك تحوز على جملة من الماهيات وعدد من الطبائع الجوهرية.

هذه الحقيقة تسمح للفيزياء بأن تختص في دراسة الحركات الطبيعية التي تتسبب فيها المبادئ الخاصة بالمادة وتتيح للميتافيزيقا أن تهتم بالماوراء وتنظر إلى الله من حيث هو المحرك الأول الذي يمنح الحركة للأشياء في العالم دون أن يقوم هو نفسه بحركة ودون أن تؤثر حركة الكائنات الأخرى على كماله الذاتي.

من الناحية العملية يتميز الكائن البشري عن بقية الكائنات الحية بامتلاكه النفس الناطقة التي تمنحه قدرة إدراكية على التمييز وطاقة ذهنية على التعقل والفهم واستطاعة وجدانية يسيطر بها على الأهواء ويتحرر.

في نفس السياق تتمحور الحياة الإنسانية حول مبدأ الفضيلة ويرى أرسطو أنها تتحقق من خلال بلوغ توازن بين حدين فيهما زيادة أو نقصان و يعتبر الإنسان المتعقل هو الذي يجد شجاعة في إصابة الحد الأوسط بين التفريط في القوة عن طريق الخوف والإفراط في استعماله من خلال ارتكاب أعمال عنيفة.

لقد غطى مفهوم الحكمة العملية مختلف الأفعال التي يسعى بها الإنسان إلى بلوغ سعادته وتوجهت أنشطة المرء على الصعيد الأخلاقي والسياسي والاقتصادي نحو الخير الأسمى من أجل تحقيق خيرات جزئية ولكنها وجدت في مفهوم الفيليا من حيث هو محبة أو من جهة كونه صداقة قاعدة إيتيقية هامة للتصافي.

مهما يكن الأمر بالنسبة لفلسفة أرسطو فإن الفضل يعود له بإحداث ثلاثة حواضن ثقافية أساسية ظلت تقوم بأدوار تربوية وفنية وعلمية تتمثل في بناء المعهد والمكتبة والمتحف بدل الأكاديمية والمعبد والملعب. بعد ذلك قام أرسطو بوضع المعرفة على ذمة السلطة وقرب العقل من ميدان الحكم وأشركه في تدبير الشأن لمدينة ونزل الحكمة النظرية ضمن الممارسة العملية وزاوج ميدان التشكيل اللغوي بالمهارة الصناعية.

بهذا المعنى لا يلقى الفيلسوف الكبير تألقا في عصره فحسب وإنما معنى أثره يظل راهنا دون انقطاع على مر العصور الموالية ويبقى فكره موضوع للنقاش والنقد ومحل تحليل وتأويل بصورة غير قابلة للاكتمال.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..............

المصادر والمراجع:

Aristote, œuvres complètes, sous la direction de Pierre Pellegrin, édition Flammarion, Paris, 2014

 

 

jamil hamdaouiالمقدمة: لقد انصب اهتمام الظاهراتية (phénoménologie) على دراسة الظواهر (الفينومين)، ولاسيما المدركة منها عن طريق الوعي أو الشعور في الزمان والمكان، أو دراسة تجارب الذات الإنسانية المعاشة في هذا العالم المشترك و المدرك في علاقة وثيقة بالغير أو الآخر، أو البحث في محتويات الشعور ومضامين الوعي . ويعني هذا أن الظاهراتية لاتدرس النومين الذي تحدث عنه إيمانويل كانط، والذي يتمثل في معرفة الله، وبداية العالم، ودراسة النفس أو الروح الإنسانية؛ لأن هذا سيخرجها عن نطاقها العلمي الموضوعي الصارم والدقيق. ومن هنا، ترفض الظاهراتية الاشتغال الميتافيزيقي. وبالتالي، لا يهمها سوى إدراك الوجود الظاهري، أو ما يبقى في الذاكرة الإدراكية من مدركات راسخة. لذلك، تنكر هذه الفلسفة كل الأشياء التي لايمكن إدراكها وجوديا.

إذاً، ما الفلسفة الظاهراتية؟ وما سياقها التاريخي؟ وما مرتكزاتها النظرية؟ وما موقفها من الميتافيزيقا؟ هذا ما سوف نتعرف إليه في هذه المطالب التالية:

المطلب الأول: نشأة الفلسفة الظاهراتية

ارتبطت فلسفة الظواهر بالفيلسوف الألماني إدموند هوسرل (1)(Edmund Husserl)(1859-1938م)(2)، وقد كان رياضيا في بداية الأمر؛ إذ نشر كتابا بعنوان (فلسفة الحساب) سنة 1891م، " وقد قادته الرياضيات إلى الفلسفة كما كان شأن كثيرين من المحدثين، فقد استوقف نظره دقة الرياضيات ومتانتها واتفاق العقول عليها، بينما العقول مختلفة على النظريات الفلسفية وعلى منهج معالجتها، فأراد أن يجد للفلسفة أساسا لايتطرق إليه الشك، ويسمح بإقامتها علما بمعنى الكلمة أي برهانيا، وتوسل إلى غرضه باصطناع فكرة القصد كما بينها فانتز برانتانو(1838-1917م)، وشرع يبني مذهبه، فنشر كتابا (في المنطق) في مجلدين (1900-1901) وكتابا ( في الفينومنولوجيا) (1913)، وآخر في الموضوع نفسه (1928)، و(تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينومنولوجيا) (1931) وهو مجموعة محاضرات ألقاها في السوربون."(3)

ومن هنا، فقد ظهرت الفلسفة الفينومنولوجية في بداية القرن العشرين بألمانيا، بعد أن أرسى دعائمها النظرية الفيلسوف الظاهراتي إدموند هوسرل. وقد انتعشت جامعات ميونيخ وكوتينجان بتأسيس مختبرات علمية تعنى بالفسلفة الظاهراتية في منحاها العلمي والرياضي والموضوعي.

وقد انتشرت فلسفة الظواهر على يد مجموعة من الفلاسفة الألمان، أمثال: مارتن هيدجر(Martin Heidegger)، وإيديث شتاين (Edith Stein)، ورومان إنجاردان (Roman Ingarden)، وأوجن فينك (Eugen Fink,)، وماكس شيلر(Max Scheler)، ونيكولاي هارتمان (Nicolai Hartmann)، إلى جانب أتباعها الفرنسيين كبول ريكور (Paul Ricœur)، وإيمانويل ليفيناس (Emmanuel Levinas)، وجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre)، وموريس ميرلوبونتي (Maurice Merleau-Ponty)… أما أعضاؤها في الولايات المتحدة الأمريكية، فهم ألفرد شوتز ((Alfred Schütz)، وإيريك فوجلان (Eric Voegelin)...

وقد تأثرت هذه المدرسة بالفلسفات الحديثة للقرن السابع عشر الميلادي، كما تأثرت بالرياضيات المنطقية للقرن التاسع عشر. علاوة على تأثرها بالظاهراتية المتعالية لهوسرل (Husserl) (1859-1938م)(4)، والفلسفة الوجودية عند سانت أوغستين (St. Augustin) (354-430م) (5)، وباسكال (Pascal) (1623-1662م) (6)، وكيركغارد (Kierkegaard) (1813-1855م)(7)...

المطلب الثاني: مفهوم الفلسفة الظاهراتية

تعنى الفلسفة الظاهراتية بدراسة الوجود في ظاهره، دون النفاذ إلى باطنه وعمقه، أو البحث عن علله ومبادئه الأولى، أو رصد الأمور المجردة التي توجد ماوراء الطبيعة، بل تحاول الظاهراتية أن تنساق وراء البحث العلمي الطبيعي والرياضي؛ حيث تدرس الفلسفة وفق هذا المقترب الموضوعي الدقيق والصارم، وإن كانت الفلسفة بصفة عامة، والميتافيزيقا بصفة خاصة، تتنافى، بشكل ما، مع المقاربات العلمية والتجريبية بشكل كبير.

علاوة على ذلك، فقد اهتم هوسرل بالعلم ونتائجه الدقيقة والرصينة، فقرر دراسة الوجود دراسة علمية موضوعية(8)، باستعمال الملاحظة في دراسة الوجود بشكل ظاهري وخارجي. أي: أرد أن يبني فلسفة وفق النسق العلمي، دون الانطلاق من فرضيات أو مسلمات أو أطر قبلية، بل لابد من الارتكان إلى التحليل العلمي المنطقي والتجريبي في دراسة الوجود من الظاهر. ولكن هذه النظرية الفلسفية لم تستطع أن تثبت نفسها في الساحة الفلسفية الغربية، مادامت تهدف إلى علمنة الفلسفة، وربطها بالظاهر الموضوعي والمرصود. وفي هذا، يقول عبد الرحمن بدوي، في كتابه (تاريخ الفلسفة الحديثة): "إنه يضع مبدأين: أحدهما سلبي والآخر إيجابي، المبدأ السلبي أنه يجب التحرر من كل رأي سابق، باعتبار أن ما ليس متبرهنا ببرهان ضروري فلاقيمة له". والحالة النفسية المطلوبة هنا تشبه حالة الشك الكلي عند ديكارت مع هذا الفارق وهو أن هوسرل لايستند مثل ديكارت إلى أسباب للشك فلاينكر العالم الخارجي ولايرتاب في وجوده ولكنه يطلب إلى العقل أن يضع بين قوسين الوجود الواقعي للأشياء لكي يحصر نظره في خصائصها الجوهرية كما هي ماثلة في الشعور، ومع اعترافه بأن هذا الموقف غير طبيعي وأنه مؤقت يتيح للعقل أن يتناول الموضوع بريئا من كل واسطة مشوهة فينظر فيه نظرا صافيا."(9)

أما المبدأ الإيجابي عند إدموند هوسرل، فيدل على " ماهية هذا الموضوع؛ إذ يقول: إنه يجب الذهاب إلى الأشياء أنفسها. أي: إلى الأشياء الظاهرة في الشعور ظهورا بينا، مثل اللون الأزرق أو الأحمر والصوت والحكم وما إلى ذلك من ماهيات ثابتة مدركة بحدس خاص."(10)

ويعني هذا كله أن الظاهراتية فلسفة تكتفي بماهو ظاهري وحسي ومدرك من قبل الوعي الراصد، دون النفاذ إلى عمق الأشياء وجواهرها وماهياتها غير الظاهرة . وبذلك، ترفض الظاهراتية كل ماهو ميتافيزيقي وماورائي غير مدرك في الزمان والمكان من قبل الذات المدركة.

المطلب الثالث: مبادىء فلسفة هوسرل

ترتكز فلسفة هوسرل الظاهراتية على مجموعة من المبادىء الأساسية التي يمكن حصرها فيما يلي:

1- القصدية : وتعني أنه لايمكن الحديث عن إدراك للذات بدون موضوع، فوعي الذات مقترن بالشيء أو التفكير في الموضوع الخارجي. ومن ثم، لا يمكن الحديث عن الأنا دون الغير، أو دون الواقع الخارجي الموضوعي. فالمقصدية هي المسؤولة عن ملء البياضات والفراغات بفهمها وتأويلها. وهنا، رد واضح على ديكارت الذي يقول: أنا أفكر، إذاً، أنا موجود. والصحيح: أنا أفكر في شيء مقصود، إذاً، أنا موجود.

ومن هنا، فقد تشكلت القصدية مع الفلسفة الفينومنولوجية، ولاسيما مع الفيلسوف الألماني هوسرل(Husserl) الذي أثبت مدى الاتصال الملتحم بين الذات العارفة والموضوع الذي تعرفه. وليس هناك فاصل أو حاجز بينهما. وقد تبعه في ذلك مجموعة من الوجوديين المعاصرين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فقد كان الفلاسفة، قبل ذلك، يفصلون بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. بيد أن هوسرل رفض هذا الفصل بين الذات والموضوع، وجعل الذات والموضوع معا يتفاعلان تواصلا وترابطا وتشاركا، ويحضران معا، بتواجدهما الحي، في عالم مشترك واحد.أي: لا يمكن فصل الذات عن الموضوع، ولا الموضوع يمكن فصله عن الذات. ومن هنا، فقد كان هوسرل يرد على الذين كانوا يعتبرون العقل مثل صندوق يحتوي على الأفكار الذهنية بمعزل عن محتوياته وموضوعاته.

كما رفض هوسرل تصور ديكارت القائم على الأنا المفكرة في انفصال تام عن موضوعها المعرفي. بمعنى أن الذات تفكر في موضوع ما. أي: ثمة قصدية تربط الذات بالموضوع المفكر فيه. وتعني القصدية أن كل وعي هو وعي بشيء، وكل فكرة هي فكرة عن شيء، وهكذا، " لقد أخذ هوسرل على ديكارت قولته:" أنا أفكر..." دون أن يذكر لنا في أي شيء يفكر، لأن الفكر بغير شيء يتعلق به ضرب من المحال."(11)

ويقول إدموند هوسرل موضحا القصدية بنقده للكوجيطو الديكارتي الذي يركز على الأنا مفصولا عن الموضوع الخارجي: "إذا بقيت البداهة المتعلقة بالقضية " أنا افكر، أنا موجود عقيمة، فذلك راجع إلى أن ديكارت قد أهمل اعتبارين هما: الأول، إنه أهمل كليا توضيح المعنى المنهجي الخالص لمفهوم التعليق المتعالي للحكم؛ والثاني، أنه لم يأخذ بعين الاعتبار أن بإمكان الأنا، عن طريق التجربة المتعالية، أن يوضح ذاته بذاته بشكل لامتناه ومنظم، مما يعني أنه قد أهمل إبراز أن الأنا يشكل لوحده مجالا خاصا ممكنا للبحث والتفكير. لهذا سنقوم بتوجيه أضواء البداهة المتعالية ليس إلى الكوجيطو (الأنا المفكرة بالمعنى الديكارتي الواسع)، بل إلى أفعال الوعي المتعددة، أي إلى تيار الوعي الذي يشكل حياة الأنا هاته (الذات المتأملة). تستطيع هذه الأنا في كل لحظة أن تتخذ من هذه الحياة الذاتية موضوعا لتفكيرها، سواء كان إدراكا أو تمثلا أو حكما وجوديا قيميا أو إرادة (...). إن إدراك هذه الطاولة مثلا هو، قبل أي شيء، إدراك لهذه الطاولة بالذات؛ وعليه سيكون كل وعي بشكل عام وفي ذاته وعيا بشيء ما، مهما كان الوجود الواقعي لهذا الشيء(...)؛ لهذا السبب، فإنه من الضروري توسيع مضمون عبارة أنا أفكر بأن نضيف إليها عنصرا جديدا، فنقول بأن كل ذات مفكرة أو كل حالة وعي تقصد شيئا ما، وأن هذا الوعي يحمل في ذاته ذلك الشيء الذي يفكر فيه.على أن كل أنا مفكرة تمارس ذلك بطريقتها الخاصة؛ فإدراك المنزل يقصد أو يتعلق بمنزل، أو بالتدقيق يقصد منزلا فرديا محددا بطريقة واعية. أما استذكار المنزل، فيقصد المنزل كذكرى، بمثل ما أن التخيل يقصده كصورة خيالية. أما الحكم المنطقي الذي يتخذ المنزل المائل أمامي موضوعا، فيقصده بطريقة الحكم المنطقي. وأخيرا إن الحكم القيمي سيقصد ذلك المنزل بطريقته الخاصة...إلخ.

إن حالات الوعي هاته نسميها حالات قصدية، ولاتدل كلمة قصدية سوى على الخاصية الأساسية والعامة المميزة للوعي بوصفه وعيا بشيء ما؛ وعي يحمل في ذاته، بوصفه أنا مفكرة، الشيء المفكر فيه..."(12)

إذاً، تعني المقصدية انفتاح الذات أو الوعي على العالم، وانفتاح العالم على الذات أو الوعي بشكل عكسي.

2- الإدراك الظاهري: تهدف المقاربة الفينومينولوجية إلى إدراك الشيء أو الموضوع في ظاهره بطريقة علمية موضوعية، دون مساءلة الجواهر المجردة التي لايمكن إدراكها ظاهريا وعلميا. أي: تهتم فلسفة الظواهر بكيفية إدراك العالم أو الوجود بطريقة ظاهراتية علمية تجريبية. ومن ثم، فالفينومنولوجيا هي العلم الذي يدرس الظواهر التي تدركها الذات، أو يدركها الوعي أو الشعور، بفهمها وإدراكها ووصفها كما تظهر للذات الباحثة أو المتفلسفة.

وعليه، فلقد ركزت الظاهراتية على القصدية في علاقتها بالوعي والموضوع. بمعنى أن كل وعي مرتبط بقصد ما، أو تفكير في شيء ما، كأن يكون ذلك، مثلا، طاولة، أو قلما، أو شجرة،...ومن ثم، يستحيل الفصل بين الذات والموضوع... فما هو مدرك فهو موجود، وما ليس مدركا، فهو غير موجود. فما ندركه - مثلا- عبر النافذة فهو موجود. وإذا أغلقنا النافذة فما لا نراه لا يعد موجودا، على الرغم من وجوده الحقيقي. وفي هذا السياق، نتحدث عن مدرك لذاته.

وما يهمنا في هذا التيار الفلسفي ما يقوله ميرلوبونتي عن الإدراك الذي بواسطته تنقل الذات الواعية التجارب المعاشة في العالم. أي: إن الإدراك عبارة عن بعد حيوي إيجابي يساعد على انفتاح أساسي على العالم المعاش. ومن هنا، فكل وعي هو وعي إدراك. ويتم هذا الوعي بتوظيف الجسد في التقاط تجارب هذا العالم المدرك. وهنا، يصبح الجسد المخالف للعقل جسدا مقصديا. ومن ثم، ينبني الإدراك على الذات المدركة من جهة أولى، والعالم الخارجي المدرك من جهة ثانية، ويكون الإدراك بمعطيات حسية ظاهرة من جهة ثالثة.

وغالبا، ما يدرك العالم الظاهري بواسطة الزمان، والمكان، والأشكال، والأشياء. ويشكل هذا كله ما يسمى بالعالم الخارجي. والدليل على تأثر سيميوطيقا التوتر بالظاهراتية وجود مصطلحات عدة، مثل: الإدراك، والحضور، والحقل، والناحية، والعمق، والقصدية، والظاهر، والحسي...

وعليه، فالظاهراتية هي منهج في البحث والدراسة، ووصف للظواهر والتجارب المدركة أكثر مما هي فلسفة مدرسية.

3- تجاوز الميتافيزيقا وتخطيها: ترفض الفينومنولوجيا الميتافيزيقا التي تتعامل مع الظواهر المجردة والبعيدة عن إدراك الوعي أو الشعور. وبالتالي، فالمعرفة العلمية الحقيقية هي معرفة الجواهر الثابتة التي لاتتغير، كما يدركها - فعلا- الوعي أو الشعور، برصد بنياتها وتوصيفها، ولو باستخدام الحدس الذي يتعامل معها وفق منطق القرب، والتعاطف، والتعايش الظاهري.

4- ارتباط الذات بالموضوع: إذا كانت المدرسة الشعورية الذاتية قد أعطت أهمية كبرى للشعور، أو لتدفق المشاعر والأحاسيس والعواطف، وإذا كانت العقلانية الديكارتية قد أعطت أهمية كبرى للشعور، أو للأنا، أو للوعي، كما يبدو لنا ذلك جليا في الكوجيطو (أنا أفكر، إذاً، أنا موجود)، فإن الظاهراتية (La Phénoménologie) تقول بالشعور المستقل بمحتوى خارجي. أي: يرتبط الشعور بموضوع مدرك ما. فكل شعور هو أن يكون شعورا بشيء، أوشعورا بموضوع ما. وهنا، ترتبط الذات بالموضوع والمقصدية. ومن هنا، ندرك ألا وعي بدون موضوع، ولا ذات بدون موضوع. وبهذا، يكون الشعور بشيء ما، ولايمكن الحديث عن الشعور كقوة مستقلة، وإلا فهي قوة وهمية لاوجود لها. ومن ثم، فالشعور مرتبط بالعالم الخارجي، وبمحتويات الشعور نفسه؛ تلك المحتويات التي تلازمه وتلاصقه. ومن ثم، تجمع الفينومينولوجيا بين الذاتية والموضوعية بشكل متوازن. وينصب الوعي الإنساني أو الذاتي على موضوعات مدركة، ضمن تفاعل إدراكي معاش في العالم.

5- فلسفة الحضور: ويعني هذا حضور الذات في العالم عبر الجسد في الزمان والمكان، وعبر مجموعة من التجارب الإنسانية الذاتية والموضوعية المدركة. ومن هنا، فالحضور هو حضور الذات في العالم، وتأكيد الوجود الإنساني.

هذه هي أهم المبادىء النظرية التي ترتكز عليها الفلسفة الظاهراتية، وتدل كلها على فلسفة التواجد الحسي الظاهري القائم على ثنائية الذات والموضوع، وثنائية الوعي والقصدية...

الخاتمة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سلف ذكره، أن الظاهراتية قد اكتفت بدراسة الظاهر أو الفينومين بدل الاهتمام بالنومين الكانطي، وقد سعت جادة إلى مقاربة الفلسفة وفق مقترب علمي موضوعي، بتجاوز الميتافيزيقا وإنكارها وتخطيها، والاكتفاء بدراسة الظواهر المدركة عن طريق الحس والشعور دراسة علمية موضوعية . ومن ثم، لم تكتف الظاهراتية بالتصورات الفلسفية فقط، بل اهتمت كذلك بالسيكولوجيا.لذا، يصعب الفصل بين الفلسفة وعلم النفس الفينومنولوجيين. وبالتالي، تنتقد الظاهراتية كل التيارات والمدارس التي تتعامل مع الإنسان والعالم باعتبارهما أشياء موضوعية. ويعني هذا أن الظاهراتية ذاتية بشكل كبير، على الرغم من انفتاحها على العالم الخارجي الموضوعي.

وعلى الرغم من نجاعة هذه المقاربة في ربط الذات بالموضوع، وربط الوعي بالقصدية، فإن هذه المقاربة قد جنت كثيرا على الفلسفة عندما حاولت علمنتها وفق مقترب فيزيائي موضوعي دقيق وصارم، بإنكار الميتافيزيقا برمتها، والدعوة إلى تخطيها وتجاوزها وتعويضها بالعلم الظاهري الحسي. في حين، يعتبر الإنسان حيوانا ميتافيزيقيا بامتياز، لا يمكن أن يعيش بالظاهر دون الاهتمام بالغيبيات والروحيات، أوالانشغال بالقضايا الكونية والأنطولوجية والميتافيزيقية، بل أصبح العلم - اليوم- خاضعا للتصورات الميتافيزيقية، يدافع عنها بإخلاص، وصدق، واستماتة لانظير لها.

 

د. جميل حمداوي

...............

(1) إدموند هوسرل فيلسوف ألماني ومؤسس الظاهراتية. ولد في موراویا في تشيكوسلوفاكيا في عام 1859م. درس هوسرل الرياضيات في لايبزغ وبرلین على کارل وایستراس وليوبولد کرونکر. ثم ذهب إلى فيينا للدراسة بإشراف ليو کونیکس ‌برکر في عام 1881م.

(2) Edmund Husserl : Leçons pour une phénoménologie de la conscience intime du temps, Ed.: Presses universitaires de France, 1996 ; L'Idée de la phénoménologie, Paris, PUF, 1992.

(3) عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الخامسة، 1986م، ص:460.

(4)-Edmund Husserl: Leçons pour une phénoménologie de la conscience intime du temps, Ed.: Presses universitaires de France, 1996.

(5) القديس أغسطينوس كاتب وفيلسوف أمازيغي من أصل نوميدي. ولد في عنابة بالجزائر.ويعد أحد أهم الشخصيات المؤثرة في المسيحية الغربية. تعتبره الكنيستان الكاثوليكية والأنجيليكانية قديسا وأحد آباء الكنيسة البارزين.

(6) بليز باسكال (Blaise Pascal) فيزيائي ورياضي وفيلسوف فرنسي، اشتهر بتجاربه على السوائل في مجال الفيزياء، وبأعماله الخاصة بنظرية الاحتمالات في الرياضيات . وهو من اخترع الآلة الحاسبة.

(7) كيركغارد فيلسوف ولاهوتي دانماركي. كان لفلسفته تأثير حاسم في الفلسفات اللاحقة، ولاسيما في ما سيعرف بالوجودية المؤمنة. ومن أشهر من تأثر به وأذاع أفكاره الفيلسوف الألماني كارل ياسبرس، واللاهوتي البروتستانتي كارل بارث.

(8)-Edmund Husserl : La philosophie comme science rigoureuse, traduction Q. Lauer, Paris, PUF, Epiméthée, 1954.

(9) عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، ص:460.

(10) عبد الرحمن بدوي: نفسه، ص:460.

(11) زكي نجيب محمود: نافذة على فلسفة العصر، سلسلة كتاب العربي، الكويت، الكتاب السابع والعشرون، 1990م، ص:53.

(12) E.Husserl:Introduction à la phenomenology, éd.Vrin, Paris;pp26-28.

 

الجواب الثالث: المبدأ الإنسانوي (الانسانوية الأولى) الخلاص بالتاريخ والتقدم

المصالحة بين أنسنة الخلاص واستقلالية العقل هو التحدي الذي ستخوضه الحقبة الثالثة (بدءا من عصر النهضة)، حيث ستقوم هذه الأخيرة بتأسيس معنى الوجود، ليس على الكوسموس أو الألوهية بعد، وإنما على الانسان بما هو انسان، على عقله وحريته، على الاقتناع أنه بفضل قواه الذهنية وحدها، يستطيع، بل ينبغي أن يصبح صانع مصيره الخاص. فلأول مرة سوف لا يستقي الخلاص مصدره ولا غايته القصوى من كينونة خارجة عن الإنسانية ومتعالية عليها، بل من الانسان ذاته.

هذه الأفكار بدأت في القرن الخامس عشر مع مفكرين كبار ذوي شأن مثل " بيك دي لاميرندول " فبعد أن فتحت المسيحية أفقا فيسحا لإثبات استقلالية الأفراد (قيمتهم الذاتية المستقلة عن أشكال التراتب الاجتماعية الارستقراطية)، وبعد أن قبلت استدماج عناصر عديدة من فلسفة أرسطو، لم يبق سوى خطوة واحدة للاستقلال عن كل مرجعية دينية وللانقلاب نحو الحقبة التي نحن بصددها الآن. إنّ الفكرة الأساسية التي تحدو هذه الحقبة، منذ تعبيراتها الأولى عند " لاميرندول " هي التالية: لا وجود لطبيعة إنسانية، ولا لأي نظام طبيعي، يكون الانسان ملزما بالامتثال لهما، بوسع الانسان أن يتخلص من الطبيعة لأنّه حر، ولأنّه حر فله حقوق وله تاريخ، بمعنى آخر لأن الانسان لا شيء (مما تحدده الطبيعة)، يستطيع أن يصبح كل شيء (أن يبني شتى ضروب التاريخ والمصير المختلفة). إنّ خصوصية الانسان وعظمته تتأتيان من أنه يتنزل ليس في وسط الطبيعة – كما هو المقبول فيما قبل " لاميرندول" – بل بكل بساطة خارج العالم، بمعنى أنّ له القوة على تغيير الاكراهات الطبيعية بفعل إرادته الحرة، وبالتالي على التموقع تقريبا خارج الطبيعة (إن " لاميرندول " يحدث بذلك ثورة حقيقة في الفكر، بقطيعة أساسية مع العالم القديم). وبما أنّ الانسان يصنع مساره الخاص في الوجود، فسوف يستطيع أن يكون طيبا أو قبيحا، وأن يختار الخير أو الشر ... وهكذا، فإنّ رؤية أخلاقية جديدة للعالم، إتيقا خاصة بحرية الاختيار ترتسم، كما نرى، في أفق هذا التعريف الجديد للانسان.

مع ديكارت سيُعطى في القرن السابع عشر لهذه الرؤية للعالم أساسا أوليا صلبا. وبذلك سيخطو بالفلسفة خطوة حاسمة على طريق أنسنة الأجوبة عن معنى الحياة. يرى ديكارت أننا مهما شككنا، سنمسك أخيرا بفكرة تفلت من الشك (يسميها بداهة)، سيكون بوسعنا انطلاقا منها إعادة بناء صرح العلم والفلسفة برمته. إن الهدف من عملية الشك الديكارتية يكمن في البحث في صميم التجربة الانسانية – مهما تكن ناقصة ومحدودة – عن عنصر حقيقة مطلقة على أساسه سيكون بالإمكان إعادة بناء رؤية موضوعية للعالم بوسائلنا الخاصة. إنّ المسألة تدور هنا حول استبعاد كل حجج السلطة بواسطة الممارسة الحرة للروح النقدي، أي رفض الخضوع بلا تمحيص للأفكار الجاهزة المتقبلة من الخارج، وذلك على اعتبار مقتضى أساسي، وهو أن نفكر بأنفسنا. على هذا النحو يحرر ديكارت البشرية من الالزام الصعب التجنب إلى ذلك الحين بالبحث عن مصدر معنى حياتها خارج ذاتها، سواء في النظام الكوني أو في روعة الآلهة. وأخيرا بوسع البشر، كما يقول صراحة، أن يصبحوا " وكأنهم أسياد الطبيعة ومالكوها ".

يمثّل " كانط " التحقق الفلسفي الأكثر اكتمالا للمبدأ الانسانوي؛ فأعماله تغطي المسائل الأساسية في الفلسفة برمتها (نظرية في المعرفة، في الأخلاق، وفي مذهب الخلاص) محدثة في نفس الوقت قطيعة مطلقة ونهائية مع الكسمولوجيات القديمة. يبيّن " كانط " : إذا كان الكون، كما تؤكد ذلك " فيزياء نيوتن " لم يعد سوى فوضى بلا قيمة (إنّه محايد من الناحية القيمية)، حقل من القوى تنتظم بالتأكيد، لكن في نطاق الصدمات، دون تناغم ولا دلالة من أي نوع، فمن الوضح أنّ المعرفة لم تعد تأخذ شكل تأمل خالص. وبالتالي سوف يكون من اللازم صياغة نظرية أخرى في نظرية المعرفة والحقيقة. إنّ الانسان ذاته، وفي هذه الحالة العالِم، هو الذي سيضطر من الآن إلى إدخال بعض النظام في عالم يكاد لا يقدم بعدُ للوهلة الأولى أيّ نظام. من هنا جاءت المهمة الرائعة الجديدة بحق، التي يضطلع بها العلم الحديث ولا تقوم في التأمل، وإنّما في عمل وصياغة نشيطة وبناء تنصب كلها على قوانين تسمح بإعطاء معنى لكون خال بعدُ من السحر. وعلى سبيل المثال، سيحاول العالِم "المحدّث "، مستعينا بمبدأ السبيية إقامة علاقات منطقية، روابط ما بين أسباب ومسببات (بين ظواهر معينة يعتبرها مسبَّبات وأخرى معينة يتوصل إلى أن يكتشف فيها أسبابا بفضل المنهج التجريبي). لذا يتسأءل نقد العقل المحض عن قدرتنا على صنع " توليفات "، " أحكام توليفية "، أي بالمعنى الاشتقاقي للكلمة " روابط "، وبالتالي قوانين علمية تقيم صلات متماسكة ومضيئة بين ظواهر لم يعد تنظيمها معطى، بل هو مبني.

في ضوء ذلك سيكون من تحصيل الحاصل أن تتغير المسألة الخلقية؛ إذ لم يعد أيّ نموذج طبيعي قادرا من الآن على الإجابة عن المسألة الكلاسيكية: " ماذا يجب علي أن أفعل "؟ فكيف لنا أن نحاكي نظام الكون إذا كان هذا النظام بكل بساطة غير موجود؟ إنّ الطبيعة لا تبدو البتة طيبة في حد ذاتها، ليس هذا فحسب بل في أغلب الأحيان يبدو حتى أنّنا نضطر إلى التصدي لها والصراع ضدها لنيل بعض الخير أيا كان. أما الأمور في داخلنا فقد تكون أسوأ بكثير: إن أنصّتُّ إلى " ميولي الطبيعية "، فالأنانية أكثر غريزية لا تفتأ تتكلم فيّ بقوة وتأمرني باتباع مصالحي الخاصة على حساب مصالح الآخرين. كيف إذن أستطيع للحظة أن أتخيل أنّي أتوصل إلى الخير المشترك والمصلحة العامة، إذا كنت أكتفي بالانصات إلى تلك الميول فحسب؟ الحقيقة: إنّه مع هذه الميول بوسع الآخرين الانتظار على الدوام ! ومن ثم تطرح مسألة الأتيقا المصيرية في كون حديث قبل بموت الكسمولوجيات القديمة: في أيّ كينونة يمكن تكريس نظام جديد، كوسموس مكرّر إن شئنا، يكون في ذات الوقت ضد الطبيعة ولاعلاقة له بالدين؟ يجيب المبدأ الانسانوي بما يمثل تأسيسا له سواء في المستوى الخلقي أو في الدائرتين السياسية والحقوقية: على إرادة البشر وحدها، شريطة أن يقبلوا بوضع حدود لأنفسهم إدراكا منهم بأنّ حريتهم لا بد أحيانا أن تقف حيث تبدأ حرية الغير. هذا الكوسموس الجديد، وهذه " الطبيعة الثانية " سيطلق عليهما " كانط " عبارة " ملكوت الغايات " (أي عالم مبني قدر المستطاع بأفعال الأفراد الحرة وغير النفعية ومن أجلها). إنّ مبدأه الأعلى هو احترام الآخرين الذي يمثل الشيء الأقل طبيعة في العالم ويفترض جهدا منصبا على الذات، إرادة تفلت من الميول القائمة على الأنانية. ومن هنا نجد أنّ القانون الأخلاقي يفرض نفسه في شكل أمر وواجب؛ إذ هو على وجه التحديد ليس بالقانون الطبيعي، ولا تحصيل حاصل، بل يفترض بذل مجهودات و" طيب الارادة " أو بتعبير أفضل " الارادة الطيبة ". إذن: مثلما أنّ المعرفة لم تعد نظرية، أي تأملا، أي أصبحت عملا يتمثل في "التوليف " والربط، فإنّ هذا الكوسموس الإيتيقي الجديد هو أيضا كون أخلاقي " اصطناعي "، مبني بناءا تاما، عالم يوجد فيه الانسان بعيدا عن أن يكون قطعة صغيرة جدا لا قيمة لها من كل يحويها من جميع الجوانب، وعن أن يكون كائنا يمكن " استخدامه أداة " بحكم ما يتطلبه الكل الكبير، فيصبح الانسان " غاية في ذاتها "، مبتدأ ومنتهى كل قيمة وكل كرامة أخلاقيتين. وباختصار، يتعلق الأمر بكون لم يعد معطى تماما من قبل الطبيعة، بل هو على العكس يُصنع بإرادة الكائنات البشرية، ومن أجلها (أي الارادة).

من الواضح – بحسب ما تقدم –: إنّ الخلاص لم يعد بالإمكان أن يقوم في الذوبان في العالم بعد أن تشظى النظام الكوني، ومن ناحية أخرى بالنسبة لمن عدلوا عن الإيمان لا ينبغي أيضا البحث عن أجوبة من جهة الدين. كيف إذن سيصبح مذهب الخلاص في ظل الفلسفة الجديدة؟

في أفق هذه الفلسفة الجديدة، ترتسم سمتان ستميزان الحياة الطيبة من منظور الانسانوية الحديثة:

الأولى: تُعلي من شأن المعارف والثقافة والتربية التي تمدّن وتؤنسن لتجعلنا نرتقي إلى ما يسميه كانط بـ " الفكر المتسع ". يملك " كانط " تصورا للتأمل يسمح له بطرح مسألة معنى الوجود الانساني في صياغة جديدة. يكمن التأمل في أصل ما يسميه " الفكر المتسع " في تعارض مع " الذهن القصير النظر ". ذلك أن " الفكر المتسع " هو بالذات الفكر الذي يتوصل بفضل التأمل إلى الإفلات من وضعه الأصلي الخاص ليرتقي إلى فهم الغير. ولإعطاء مثال بسيط يمكن القول: حين أتعلم لغة أجنبية، لا بد من أن أبتعد عن ذاتي – عن الشرط الأصلي الخاص الذي يلازمني، وهو في هذه الحالة الفرنسية – للدخول في دائرة أكثر اتساعا وكونية، حيث تحيا ثقافة مغايرة ومجموعة بشرية أخرى. فحين أفلت من خاصياتي البدئية أدخل في مزيد من الإنسانية. وبتعلم لغة أخرى أرتقي نوعا ما من الخاص إلى العام، بمعنى أنّه ليس بوسعي التواصل مع عدد أكبر من الكائنات البشرية فحسب، بل أكتشف أيضا عبر اللغة مفاهيم أخرى وأشكالا أخرى من العلاقة بالغير وبالعالم. وعلى هذا النحو أوسّع الأفق وأدفع الحدود الطبيعية التي يوجد عليها الذهن المشدود إلى جماعته. إذا تجاوزنا المثل الخاص باللغة، فإنّ المقصود هنا هو كل معنى التجربة الإنسانية. فإذا كان فعلا المعرفة والحب ليسا سوى شيء واحد، كما يريد ذلك الكتاب المقدس، فإنّي أدخل زيادة على ذلك في بعد من أبعاد الوجود الإنساني يكون – بمعنى لاهوتي يمكن وصفه بالمعلمن – مبررا لهذا الوجود ويعطيه معنى بحق، أي في آن واحد دلالة واتجاها. وبمعنى آخر: إذا كان الحب والمعرفة يشكلان وحدة، فإنّك تدخل لدى توسيع أفقك ولدى تثقفك في بعد من الوجود البشري " يبرر " هذا الوجود ويعطيه معنى، أي في ذات الوقت مغذىً وتوجهاً. إنّ هذه الفكرة حتى لو كانت لا تنقذنا من الموت، فإنّها على الأقل تعطي معنى لمواجهته. إذن إلى جانب التجربة المسيحية – التي يواصل " كانط " تبنيها – تحملنا أيضا فلسفته شيئا فشيئا إلى إجابة ذات نفس لائكي، وبهذا تقودنا إلى عتبة الفكر المعاصر.

أما السمة الثانية، فتتمثل في اقتناع المرء بأنه أوجد تبريرا لحياته، وأنقذها تقريبا حين قدم بفضل عبقريته الأدبية والفنية أو عظمة فعله أيضا إسهامه في التاريخ ولبنته الصغيرة في تشييد صرح التقدم وبناء مستقبل أفضل إلى كل الكائنات البشرية. سيُرسم اسم هذا العبقري، جزاءا لما قدمه على الرخام أو على يافطات الشوارع، وقد يقام له تمثال أو ... الخ. وهنا مجددا، نجد العلاقة بالموت، وفكرة أن إسهاما متميزا في مسيرة البشرية نحو مستقبل أفضل وأفضل حرية وعدلا وعلما، يعطي صاحبه بعدا من أبعاد الخلود. وكأننا أذ نرسم اسمه في التاريخ والمكتبات والمعالم، نشترك في اللانهاية. هذا الخلود يبدو في العالم الانسانوي واللائكي، والملحد إن اقتضى الأمر، بديلا عن الخلاص المسيحي، حتى لا نقول عوضا لا يضاهيه في القيمة. وهذا هو السبب في أنّ الانسانوية ستدخلنا شيئا فشيئا في عهد " أديان الخلاص الدنيوي " الكبرى التي ستمثل الماركسية أوجها بلا منازع.

يبدو المثل الأعلى للخلود في المبدأ الانسانوي هشا، فإذا كان أفضل ما يمكن أن يأمله الفرد هو أن يكون إحدى الآليات التي لا تحصى في تقدم البشرية العام، فلا بد من الإقرار بأن نصيب حياتنا المؤهل للنجاة من الموت ضئيل وتافه إلى حد ما (إذ لن يبقى منا في أحسن الحالات إلا اسم مع ذكرى أعمالنا). خلافا لكل انتظار يقع المبدأ الانسانوي هكذا في صعوبة شبيهة بتلك التي يثيرها ذوبان الفرد في النظام الكوني لدى الفلاسفة اليونانيين (مثلما إن البشر في الكوسمولوجيا اليونانية لم ينجو إلا بصفتهم قطعا كونية، كذلك لا ينجو المرء في منظور الانسانوية الحديثة إلا باعتباره قطعة من تاريخ التقدم، ومجرد اسم منحوت على الرخام). وهذا مجددا غير مرض تماما إذا ما قارناه بالوعد المسيحي بخلاص المرء كشخص محبوب سيلتقي ثانية بأشخاص يحبهم. ذاك ما يفسر من جانب آخر ، لماذا لن تقدر الانسانوية الحديثة على طرد المسيحية من المشهد الأوربي.

إنّ المبدأ الانسانوي لا يعاني فقط من هشاشة المثل الأعلى للخلود، بل أنه يعاني أيضا عوزا ورؤية ضيقة لما هو إنساني تهمش جوانب كاملة من الوجود. وهي تفعل ذلك بصفة واعية؛ لأن الأمر يتعلق بالتركيز على سمات الانسان الأكثر تجريدا وكونية، وعلى الاستعدادات للحرية والعقل الكامنة في كل شخص والتي سيسمح لنا نموها بتأمين سيادة متزايدة على مصيرنا. ولا يمنع ذلك كون الانساني الذي نحيطه بهالة من المثالية هو نوعا ما غير مكتمل. فماذا نصنع آنذاك بهذا النصيب من الانسانية المتعين الملتحم بالجسم الذي تركه المبدأ الانسانوي، تقريبا، على حدود معنى الحياة. إنّ هذا السؤال النقدي يدخلنا في الحقبة الرابعة من تاريخ الفلسفة، حقبة  " التفكيك ". (46)

الجواب الرابع: مبدأ التفكيك

إنّ " نيتشة " يبيّن بصورة جلية مصادر ودواعي وحركية " حقبة التفكيك " في نصوص تظل أساسية لفهم الخيط الناظم لهذا التاريخ. " نيتشة " بالفعل هو من ابتكر فكرة التفكيك قبل " هيدغر " و " دريدا " بكثير. إنّه يريد على حد قوله أن " يتفلسف بالمطرقة " لتحطيم " الأوثان "، أي المثل العليا التي تحملها الأديان والميتافيزيقا الكلاسيكية، ولكن تحملها أيضا الأيديولوجيات " التقدمية " التي تدعي باسم العقل والاخلاق والتاريخ إخضاع الحياة لـ " قيم مثالية عليا " مزعومة – الشيوعية، الديمقراطية، حقوق الانسان، العدالة الاجتماعية، الخ. إنّ الأمر يتعلق بفتح السبيل لشكل مغاير تماما من المقاربة النقدية سوف يكون بوسعنا انطلاقا منه الكشف عن الحوافز الخفية لدى " المثاليين " من كل الآفاق: يكفي آنذاك أن نخلع قناعهم المتلبس بحكمة مزيفة لرفع المشروعية عن استدلالاتهم الأكثر صلابة في الظاهر، وذلك ببيان نواياهم المستترة. مع هذه الفلسفة المتوسلة بالمطرقة لا تتعلق المسألة بمناقشة صلاحية استنتاجات خصومها، بل بتحطيم هذه الاستنتاجات من الأصل والكشف عما تعبر عنه من تلاعب مزدوج ومتفاوت من حيث الوعي، وذلك من خلال نسف الأوهام التي تشكلها تلك الاستنتاجات وكأنّها على حد سواء ضروب من البهرج الكاذب. يقدّم " نيتشة " نفسه على أنّه في آن واحد وريث للأنوار وخصم لها، أو بتعبير أفضل على أنّه خصم لها لأنّه وريثها: إنّه ينتسب إلى هذا الروح النقدي الذي أخذه الموسوعيون من " ديكارت "، ولكنه يريد أن يدفعه حتى نتائجه القصوى، الأمر الذي يجعله يدير الروح النقدي ضد الأنوار ذاتها، المذنبة في أنّها توقفت في الطريق أثناء صراعها ضد الأوهام الميتافيزيقية؛ إذ لم تستطع الكشف عنها في الأوثان الجديدة التي أنشأتها الانسانوية. فيرى " نيتشة " في الاعتقاد في التقدم وفي فضائل العلم والديمقراطية وحقوق الانسان نفس القدر من السمات الدالة على دين بوسعه أن يكون دين خلاص دنيوي، ولكنه مع ذلك يظل دينا: إنّ تلك المثل شأنها في ذلك شأن المثل في كل دين، تزعم تبرير التضحية من أجلها وإدانة كل من يرفض الخضوع لها وتبرير فرضها على الجميع بصفتها المصدر المشروع الوحيد للمعنى بالنسبة للوجود الانساني. وباختصار: يُفترض أن تلك المثل تشكل حقيقة تعلو على الحياة، وأنّه لا بد للحياة أن تطمح إلى بلوغها، ولو أدى الأمر إلى أن تقمع في ذاتها كل ما يكون غير صالح للمشروع. إنّ هذا النفي للحياة باسم قيم يُفترض أنّها تتجاوز الحياة، هو بالضبط ما يحكم " نيتشة " بأنّه وهمي وخطر وشاذ: فهو وهمي؛ إذ يستحيل علينا في واقع الأمر ونحن في الحياة أن نحكم بشأنها " من الخارج "، وهو خطر؛ لأنّه يؤدي إلى إضعافنا، إلى إخماد قوانا الحية، وهو شاذ؛ لأن هذا الكبت لغرائزنا يحملنا على إعادة إيجادها خفية لإشباعها من خلال المظاهر الخادعة التي تبدو عليها أكثر الأخلاقيات نبلا. صحيح أنّ تقدم الأنوار والثورة الصناعية سيعلنان عن موت الاله وعلمنة المجتمعات الحديثة، وعن خيبة الأمل في العالم. ومع ذلك يكون من السذاجة تماما في رأي " نيتشة " أن نتصور أنّنا نكون قد أنهينا الأمر مع المثل التي تنفي العالم الواقعي؛ لأنه بعد الكوسموس وبعد الاله يتم إيجاد إنسان الانسانوية، بما هو سيد نفسه كما هو سيد الكون. إنّ إضفاء طابع مثالي على التاريخ، على الأقل بالنسبة إلى من يضيفون لبنتهم الصغيرة إلى صرح التقدم، يحل في رأي " نيتشة " محل الأديان التقليدية ويخلق من جديد توهّم معنى للحياة ومثل أعلى يتفانى في خدمته، وقضايا كبرى يضحي من أجلها. وهكذا عوّض الانسان الاله والكوسموس، ولكنه مع ذلك ظل مشدودا إلى المثل العليا. فبعد قتل الاله سيكون من الواجب قتل إنسان الانسانوية، ذلك الانسان المثالي في الأنوار، الخالي من اللاشعور، المغترّ بتوهم أنّه شفاف تماما مع نفسه. ذات مطلقة، موحدة، قادرة على أن تخضع لإرادتها الواعية الدوافع المتناقضة والقوى الحيوية أو الاجتماعية، بينما هو في حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون نتاجها اللاإرادي بقدر كبير.

إنّ أعمق قيمة في الحياة، " ما وراء الخير والشر " هي قوّتها. لذلك تسعى فلسفة " نيتشة " كلها إلى هدف أقصى: وهو البحث عن توافق متناغم بين القوى الحيوية فينا، توافق لا بد أن يسمح لها بأن تنمو بأكثر ما يمكن من الفعالية، دون قمع بعضها أو تشويهه لمنح الأحقية للبعض الآخر. ذاك نموذج الفنان العبقري الذي تحمل أعماله بأعلى درجة من الثراء والقوة كل الموارد الكامنة فيه في توازن خاص به يفرض نفسه مباشرة دون التواء ولا برهان. من هذا المنظور سيقدم " نيتشة " من خلال مفارقة نادرة جوابا جديدا عن مسألة معنى الحياة ، بينما كان قد فند على وجه التحديد كل ادعاء لرسم مَثَل متعال. فحالما تُحطّم الأوثان، لن تبقى أي وجهة نظر مطلقة، خارجة عن الواقع أو متعالية عليه، يمكن انطلاقا منها الحكم بشأن القوى الحيوية وترتيبها هرميا. وعندئذ يمر الجواب عن مسألة الحياة الطيبة من خلال هذا الاهتمام غير الخارج هذه المرة عن المحايثة التي تظل مرسومة في مجال الحياة دون ادعاء لخلق أي قيمة تعلو عليها (أي الحياة) لإصدار أي حكم بشأنها وتشويهها. إنّ الأصل في هذا الفهم الجديد للحياة الطيبة يستقي قوته من خاصية اللذة، التي يلخصها " نيتشة " في العبارة الجميلة التالية: " كل لذة تطلب الأبدية ". فعندما نعرف لحظات قوة وحرية قصوى، عندما يكون المرء محبا إلى حد الجنون على أساس حب متبادل، أو حين يتوصل إلى إبداع عمل يكشف لنا عن جانب مجهول من العالم أو من التجربة الإنسانية، فإنّه يحس ما يسميه " نيتشة ": " خفة الراقص "، يحس شعورا بالتصالح مع الواقع يبلغ من القوة ما يجعله لا يتمالك عن رجاء استمرار تلك اللحظات إلى الأبد. إنّها لحظات توافق كامل مع الحاضر الذي يقيم فيه المرء آنذاك بلا احتراز ودون التفكير في الماضي ولا في المستقبل، بحيث لم تعد اللحظة الراهنة نسبية بالنظر إلى الذكريات والمشاريع، بل تصبح وكأنّها بذرة من الأبدية. ذاك هو العود الأبدي. وهنا ننجو من الحيرة أمام الموت، ونلامس الأبدية، وتزول الحيرة في تلك اللحظات من التصالح مع الحاضر. تلك هي رسالة " نيتشة " التي نقطع بها مرحلة جديدة في تاريخنا. إذ يقترح " نيتشة " من هنا فصاعدا سبيلا يمكّن من انبعاث شروط الحياة الطيبة في صلب الوجود الدنيوي بالذات. ها هي إذن القيم الخارجة عن الإنسانية والمتعالية عليها، وقد ألغيت نهائيا: ذاك هو عين المبدأ في فلسفات التفكيك، التي ستكون معادية لكل أشكال التعالي الماضية، سواء كانت كونية أو إلهية، أو حتى إن بقيت إنسانية. والتي ستحرّر أبعاد الوجود الإنساني التي حجبتها الإكراهات المثالية: ذلك أنّ الدوافع واللاشعور واللامعقول ستُعتبر عن وعي ومن بين أبعاد أخرى موضوع اكتشاف وتثمين. سيتم التكفل أخيرا بهذه " المواد البشرية " في كل تنوعها الذي سيسهم في تحديد الحياة الطيبة بما هي حياة قوية وحرة. فنكون في آن واحد قد تغلبنا على المبادئ المتعالية التي كانت تحدّد تقليديا معنى الحياة، وغرسنا مسألة المعنى هذه في كائن بشري أكثر التحاما بالجسد مما كان عليه يوما في ما مضى.

لقد تمكّن " نيتشة " بعد أن قام بتفكيك جذري لفكرة الحقيقة الموضوعية وللمبادئ الأخلاقية والمثل العليا من عرض فلسفة كاملة. فقد اكتشف " نيتشة " – انطلاقا من تفلسفه بالمطرقة وتفكيكه للمثل – سبيلا غير مسبوق لبناء فكر في المحاور الثلاثة المكونة لكل فلسفة كبرى (نظرية في المعرفة، وإتيقا ومذهبا في الخلاص).

فيما يخص نظرية المعرفة، كانت نظريته، هي بالتأكيد لا نظرية. إنّ لا نظرية المعرفة هذه التي تكوّن المسعى الجينالوجي، تكتسي وجهين: من جهة تقوم بنقد جذري لكل يقينياتنا، ناسفة على سبيل المثال القناعة بأنّ وعينا شفاف مع ذاته، وأنّ حقائق العلم الموضوعية تستحق أن نخضع لها لأنها فوق الأهواء الإنسانية، وبأنّ قيمنا الأخلاقية لا بد أن تفرض نفسها علينا لأنها كونية. ومن جهة أخرى تفتح (لا نظرية المعرفة) بعدا جديدا في المعرفة، يتمثل في سبر أعماق تمثلاتنا على نحو ما، لاكتشاف حوافزها الدفينة المرتبطة بدوافعنا واستراتيجياتنا اللاواعية المُعدّة لتبرير علاقتنا الحذرة بالحياة. لم يعد لجوهر الحقيقة والجوهر الأكثر حميمية للإنسان، بالنسبة لـ " نيتشة "، أي شيء كوني أو إلهي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا تندرج نظرية المعرفة ضمن أصناف الرؤية. إنّها ليست تأملا أو مشهدا سلبيا كما كانت عند القدماء. وهي ليست محاولة لإيجاد روابط بين الأشياء بهدف إيجاد شكل جديد لنظام ولمعنى ، كما عند المحدثين. إنّها، على العكس، " تفكيك " سماه " نيتشة ": " علم الأنساب ".

أما فيما يخص الإتيقا: الكل يعرف، دون أن يكون قارئا جيدا لأعماله، أنّ " نيتشة " عرّف نفسه بـ " اللا أخلاقي " بامتياز، وأنّه لم يتوقف عن مهاجمة المحبة والعطف والغيرية بكل أشكالها، مسيحية كانت أم لا، وأنّه كان يحتقر فكرة " المثال "، وينتمي إلى أولئك الذين لا يهدأ غضبهم أمام الصيغ الأولى للعمل الخيري الحديث التي لا يرى فيها إلا أثرا معتلا للمسيحية، بل أنّه كان يستسيغ الكوارث. أليس ادعاء الكلام عن " أخلاق نيتشة " أمرا شاذا؟ وفي النهاية، ما الذي يستطيع أن يقدمه في هذا المجال؟ إنّ " نيتشة " يستبدل الأخلاق التقليدية بـ " لا أخلاق " بأخلاق " اللاأخلاقي "، وإذ يعلم هذا الأخير أنّه لا وجود لقيم كونية، نجده يسعى إلى تحقيق تناغم بين القوى الكامنة فيه ليبلغ على شاكلة الفنان شدّة قصوى في الحياة. إنّ جواب " نيتشة " على الصعيد الإيتيقي – (إذا ما استبعدنا نهائيا تأويل من يقدّمون لنا نيتشة على أنّه فوضوي، من أنصار مذهب اللذة، منظّر قبل الأوان لتحرّر الأجسام والجنس والحواس، ونظرنا إلى جوابه بالمعنى الأوسع للكلمة، بما أنّ الأمر يتعلق بالنسبة إليه بتحديد ما يمكن أن يجعل الحياة أفضل دون السقوط في أوهام المثل الأعلى أو القيم المتعالية) – إنّ هذا الجواب يقف على النقيض من الانسياق الجامح وراء تجاذب الأهواء. نموذجه الكبير هو ما يقدّمه الفن الكلاسيكي اليوناني، وحتى الفرنسي في ثناياه: تراتب القوى فينا، إن اقتضى الأمر تحت إشراف العقل الواضح. فبالتحكم في القوى وإيجاد تراتب بينها وبتنظيمها في داخلنا بحيث لا تقوّض ولا تشوّه بعضها البعض ولا تتناحر فيما بينها، سوف نحصل على أقصى حد من القوة، وبالتالي أعلى درجة من البهجة والشدّة، ونحس بحق إنّنا نحيا. وهذا ما يسميه " نيتشة " الاسلوب الكبير "، وهو أخلاق أو " لا أخلاق " قائمة على " التحكم في الذات " والعظمة و " الانتصار على العدو الداخلي ".

أما بالنسبة لمذهبه في الخلاص: يتخذ " نيتشة " مجددا عكس أشكال الحكمة الدينية والميتافيزيقية أو الإنسانية التقليدية (التي بلا استناء تحط في نظره من قيمة الحياة في محايثتها) ليفضل عليها حكمة مغايرة تماما: وهي حكمة " العود الأبدي "، حكمة حريصة على تمجيد قوة الحياة في الحاضر، كما هو واضح مما تقدم.

يمكن أن يقال عن فلسفة " نيتشة " ما كنا قلناه عن الفكر المسيحي، أي أنّها تمثل في ذات الوقت تقدما وتراجعا. فإذا نظرنا من زاوية المنطق الذي يحكم أنسنة مبادئ المعنى (وهو منطق يفترض في آن واحد تفكيكا للتعالي واعتبارا لأبعاد جديدة من الوجود الإنساني)، فإنّ الفلسفة الماسكة بالمطرقة لدى نيتشة تشكل تقدما ذا أهمية حقيقية وذا أفق يجعل من المحال أي رجوع إلى الوراء. غير أنّ ذلك يثير مشكلتين أساسيتين: فمن جهة يؤدي تفكيك الأخلاق بـ " نيتشة " إلى تقريظ الحرب ونقد الشفقة وما يمكن تسميته اليوم بـ " الاهتمام الإنساني "، ومن جهة أخرى إنّ نقده للحقيقة ينتهي بنا إلى نسبوية مطلقة يصبح تجذرها أمرا لا يطاق. فحين يُعلن أن  " لا وجود لوقائع بل ثمة مجرد تأويلات ". كيف نتبع هذا الرأي أمام الترهات التحريفية مثلا؟ إنّ الذين ينتسبون إلى فكره مضطرون بلا انقطاع إلى استعمال خطاب مزدوج، إذ يتم التسليم بوقائع يقينية تماما، مع الادعاء التام بأنّ الحقيقة المطلقة مجرد وهم، ويقع إصدار أحكام أخلاقية بشأن الناس جميعا وفيما يخص الجار، مع التصريح للتو بأنّ كل أخلاق عدمية، الخ. وباختصار يتم التلاعب على جميع الأصعدة، مما يثير الحنق في بعض الأحيان. (47)

 

رضا حسن الغرابي

........................

الهوامش

46 - لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص222-223. وانظر أيضا: لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص38-46، ص149-161، ص204 – 210.

47 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص238، ص263. وانظر أيضا: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص46-56، ص285-302.

 

raed jabarkhadomالاختلاف لا الخلاف، والتنوع والتعدد في الآراء والافكار، هو ما يميز الفلسفة والفكر الفلسفي عن غيره من أنماط التفكير، وهذا ما شكل طريقة تفكير الفيلسوف، وأدى الى تعدد الفلسفات وكثرة الفلاسفة وتنوع المناهج والمذاهب الفلسفية، وقد تعددت الخيارت الفلسفية لدى المتلقي، واصبح من حقه أن يختار ما يريد وما يرغب وما يرفض من أفكار وفلسفات، حسب حريته الفكرية والثقافية واختياره المعرفي، وهذه الحرية والاختيار المتواجد في التفكير الفلسفي تتسم بالمسؤولية والاقتناع الشخصي التام بما يتجه اليه الشخص من افكار وآراء ونظريات، وهو ايمان وقناعة وحرية لا تتاح الا في المجال الفلسفي والعلمي، بينما في انماط التفكير والمجالات الاخرى قد تكون السلطة اكثر ضغطاً وعنفاً ومركزية وهيمنة على الانسان، ولا تتيح له تعدد الخيارات وتمحيص الافكار ونقدها ورفضها، وليست هنالك مساحة من الحرية واتاحة الاحتمالات ومحاربة المسلمات والقضايا المطلقة ومحاولة اكتشاف صدقها من كذبها، هذا ببساطة ما جعل الفلسفة نظاماً معرفياً وفكرياً مغرياً للبعض، وعصياً ومرعباً للبعض الآخر، ومرفوضاً من قبل التقليديين من المتلقين، ومحاربة ومواجهة من يتبنى ذلك النمط الحر من التفكير على مر التاريخ، وقد دفع أتباع الفكر الحر والفكر الفلسفي تحديداً ضريبة كبيرة وتضحيات جسيمة جراء ذلك الواقع السيء وتلك الخصومة والعنف الفكري والنفسي والجسدي الذي تعرضوا له طوال التاريخ ولا يزال.

والفلسفة النيتروسوفية (Neutrosophic philosophy)، هي نمط معرفي وعلمي وفلسفي جديد، له خصوصيته وفاعليته وخصائصه، وهي تعني الفكر المحايد، والنيوتروسوفيا (Neutrosophy) كلمة مؤلفة من مقطعين Neutro الأول بمعنى محايد، والثاني Sophia  بمعنى حكمة، ومن ثم اصبح معنى الكلمة  معرفة الفكر المحايد، وهو فرع جديد للفلسفة التي تدرس أصل وطبيعة ومجال الحياد، بالإضافة إلى تفاعلاتهم بالأطياف التصورية المختلفة. وهي فلسفة جديدة تم طرحها من قبل فلورنتن سمايرنديكي (Florentin Smarandache)، العالم والمفكر والفيلسوف والاديب الروماني الامريكي(*). وتتبنى هذه الفلسفة المواقف المحايدة دائماً، والتي ترفض الثنائيات، وتؤمن بالابعاد المتعددة والمتنوعة للافكار والاراء والمواقف وقضايا العلم والفكر والفلسفة والحياة والمجتمع، والاختلاف في الاختلاف، ليعطي لنا رأياً جديداً، قد لا يكون موافقاً ولا رافضاً وانما رأياً ثالثاً ورابعاً وخامساً، وهي ايضاً كما يعبر عنها مؤسسها بأنها فلسفة في الفلسفة وفكر في الفكر، يحاكم جميع الآراء والافكار المطروحة، أبيضها وأسودها، وكذلك رماديها، ليقدم رؤية جديدة، وأحتمالاً آخراً يضاف الى سلسلة الحقائق، ويوسع من الحقيقة نفسها، ولا يقرنها ولا يحصرها بحدين فقط، بين حق وباطل، وخير وشر، وجمال وقبح، وصادق وكاذب، بل يوسع كل الدوائر ويبحث حتى في المستحيلات، فلا شيء يقف امامه، ولا يوجد مطلق في الفلسفة النيتروسوفية، حتى المطلق نفسه، فكل شيء يخضع لمنطق المعالجة والاحتمال والتعدد، وهذه الفلسفة وهذا المنهج والمنطق ما كان ليكون لمؤسسه لولا الجانب والفكر والتخصص العلمي الذي ينطلق منه في الدراسة والتحليل، وهي ليست فلسفة مادية كما قد يظن البعض من خلال منهجها العلمي والفلسفي، بل لها بعداً ميتافيزيقياً وسحرياً جميل، يجذب نحوها الكثير من المتلقين، لما تعطيه من مساحة وسعة في الطرح والتفكير والتحليل. وتناقش الآراء والافكار الدينية والصوفية والميتافيزيقية الى جانب الافكار العلمية والفلسفية والفيزيقية، فهي فلسفة ومنهج وطريقة جديدة في التفكير تضاف الى المناهج والفلسفات المتعددة. وقد وضع سمايرنديكي فلسفته النيتروسوفية في العديد من مؤلفاته العلمية والفلسفية والتي منها:

Neutrality and Many-Valued Logics.

Neutrosophic Dialogues.

Neutrosophy in Arabic Philosophy

(الفلسفة العربية من منظور نيتروسوفي) وقد أشترك معه في تأليفه الدكتور صلاح عثمان، أستاذ الفلسفة والعلم في جامعة المنوفية في مصر، وتم ترجمته من قبل الاخير عام 2007، ويتألف الكتاب من قسمين، حيث كتب القسم الاول منه سمايرنديكي والقسم الثاني كتبه صلاح عثمان. هذا بالاضافة الى العشرات من المؤلفات والكتابات والبحوث التي وضع سمايريرنديكي فيها فلسفته النيتروسوفية، تلك الفلسفة التي فيها من العلم والرياضيات والفلسفة والفن والادب، بتنوع العلوم والفنون.

وتمتاز طريقة التفكير حسب الفلسفة النيتروسوفية بالسمات الاتية :

1ـ تقترح قضايا، ومبادئ، وقوانين، ومناهج، وصيغ، وحركات فلسفية جديدة.

2ـ تميط اللثام عن نمط اللاتحديدية المكتنف لعالمنا.

3- تؤول غير القابل للتأويل.

4ـ تنظر – من زوايا مختلفة – في التصورات والأنساق القديمة، حيث توضح أن أية فكرة صادقة في نسق إسنادي معين يمكن أن تكون كاذبة في نسق آخر، والعكس بالعكس.

5-  تسعى إلى نشر السلام بين الأفكار المتحاربة، وإلى إيقاد نار الحرب بين الأفكار التي تعيش في سلام.

6ـ  تقيس مدى استقرار الأنساق غير المستقرة، ومدى عدم استقرار الأنساق المستقرة.

وبمثال تبسيطي نبين فيه طبيعة التفكير النيتروسوفي في قضية منطقية تم اقتباسها من الكتاب الذي أعتمدناه في كتابة هذا الموضوع، والذي هو:

لنفرض أن (أ) هي فكرة، أو قضية، نظرية، حدث، كيان ...، وأن (ليس أ) هي نفي (أ)، وأن (نقيض أ) هي مضاد (أ). ولنفرض أيضاً أن (حياد أ) تعني ما لا هو (أ) ولا (نقيض أ). أي أن الحيادية تقع فيما بين النهايتين . ولنفرض كذلك أن (أ ) هي نسخة من (أ). وعلى هذا النحو نجد أن (ليس أ) مختلفة عن (نقيض أ)، فعلى سبيل المثال:

إذا كانت (أ) = أبيض، فإن (نقيض أ) = أسود (تناقض الدلالة).

لكن (ليس أ) = أخضر ، أحمر ، أزرق، أصفر، أسود،...إلخ (أي لون فيما عدا الأبيض ).

بينما (حياد أ) = أخضر، أحمر، أزرق، أصفر، ... إلخ (أي لون فيما عدا الأبيض والأسود ) .

ولعل سائل يسأل ما هو الهدف من هذه الفلسفة وما جدواها، وما هي المرامي التي سعى من اجلها مؤسسها، والنقاط الآتية تبين جدوى تلك الفلسفة وهدفها الاساس وهي :

1ـ تهدف إلى بناء مجال موحد في الإنسانيات.

2ـ تستكشف الاختلافات بين: المفكرين ،المدارس، والحركات، والنظريات، والمبادئ الفلسفية؛ 3ـ تميط اللثام عن أنه ليس ثمة مدرسة فكرية أفضل من أخرى، وليس ثمة فيلسوف أعظم من آخر.

4ـ هي محاولة للتوفيق بين وجهات النظر الأبية والمسالمة.

5ـ تُوضح أن الصدق قد لا يكون منفصلاً عن الكذب.

6ـ إذا صرح فيلسوف ما بقضية معينة (ق)، حاول أن تفكر في عكسها، وأن تقارنها أيضاً بـ (حياد ق).

التفكير النيتروسوفي من ميدان العلم والفلسفة الى ميدان المجتمع والحياة

اشتغال المفكر سمايرنديكي في ميدان الرياضيات والعلم والفلسفة جعله يسعى للتوظيف بين هذه الحقول المعرفية، وأن يداخل ويمازج بين التخصصات، ليستفيد من خصائص وطريقة كل واحد منها ويمازجه مع الأخر، وهذا ما جعله رائداً في مجال فلسفة العلم، والاستفادة من العلم والفلسفة في مجالات مختلفة، وهذا التمازج بين الحقول المعرفية المختلفة هو الذي جعله مؤسساً لنمط جديد من التفكير، ومنطقاً ومنهجاً مغايراً للتفكير العلمي والفلسفي، ولكنه يقتبس منهما ويختلف عنهما في نفس الوقت، انها الفلسفة النيتروسوفية، او التفكير النيروسوفي، والمنطق النيتروسوفي، الابن الجديد للفلسفة والعلم والرياضيات، الذي لديه من الصفات والخصائص ما لدى الابن من آبائه وما يختلف عنهما في نفس الوقت.

فعلاً ان ما فعله سمايرنديكي انما هي ضربة فنان، انه يحترف الرسم والشعر والادب، الى جانب الرياضيات والعلم والفلسفة، وبالتالي تأسيسه لهذا النمط من التفكير ينم عن ذكاء وفطنة وموهبة، في توظيف كثير من الفنون والعلوم والمناهج، بمختلف معارفها ومناهجها ليؤسس لنا نمطاً اشبه بالفسيفساء الجميلة التي تحمل الكثير من التنوعات والاختلافات التي تجذب الكثير، وهذا النمط من التفكير يقوم اساساً على الاختلاف والتنوع ومتعدد الابعاد، لا ثنائي ولا ثلاثي، بل رباعي وخماسي وسداسي....الخ، نمط جديد من التفكير يغادر انماط التفكير الاحادية والمتفردة وذات الانساق المتصلبة والمنطق السكوني، ويؤمن بالحركة والامتداد والاحتمالية، نمط من التفكير متعاون مع الجميع، يأخذ ويعطي، ولا يعادي أحد، ولا يؤمن بالاقصاء والتهميش، فما أحرانا الى هكذا نمط جديد من التفكير نستعين به لمعالجة الكثير من قضايانا العلمية والعملية والحياتية والاجتماعية، وهذا فعلاً ما عمل على تطبيقه سمايرنديكي وسعى اليه جاهداً في فلسفته الجديدة، وهي محاولة نقل هذا النمط من التفكير من ميدان العلم والفلسفة الى ميدان الاجتماع والحياة والممارسة، ليمكن الاستفادة من صفات وخصائص هذه الطريقة من التفكير في حياتنا، لتسهم في ايماننا بذواتنا وايماننا بالآخر ايضاً، على درجة واحدة من الاهمية والضرورة، لنؤمن بأننا ذوات مختلفة في هذا العالم لا ذاتاً واحدة، لنؤمن بضرورة الاختلاف والتنوع كضرورة الاتفاق والانسجام بين الاشياء، فهذا هو منطق الحياة والتاريخ والوجود، منطق متعدد القيم والاحتمالات.

لقد اراد سمايرنديكي الاستفادة من هذا المنطق وطريقة التفكير تلك وتوظيفها في ميدان المجتمع والحياة، فاذا كانت تلك الطريقة قد اثبتت نجاحها وجدواها في مجال الرياضيات والعلوم والفلسفة، فما احوجنا لتطبيقها على المجتمع والواقع الذي نعيشه، وأن نكتسب صفات وخصائص ذلك التفكير، لأنه يؤمن بالآخر والمختلف، وهو يحرر الذات من عقدها ومن فزعها من الآخر، الذي لا ينسجم وما تصبو اليه الذات من تطابق وتوافق، وبالتالي قد يكون هذا المختلف وفق التفكير النيتروسوفي، شريكاً أو عضواً أو رقماً أو عنصراً في تكوين معادلة ما، أو قضية أو مسألة ما، من مسائل الحياة أو المجتمع او العالم الذي يجمعنا بمختلف تنوعاتنا واختلافاتنا وتوجهاتنا، وبالتالي سيكون لكل شخص أو جماعة أو مكون ما خصوصية وكينونة تحمل بصمته الخاصة به، كالتي للعناصر الكيمائية والفيزيائية والارقام والرموز الرياضية، وعند ذلك سيكون لكل موجود ولكل فرد في هذا العالم أثراً ووظيفة يؤديها، كل حسب بيئته ومحيطه ومجتمعه وظروفه الخاصة به، على أن لا تكون تلك الخصوصية والهوية والانتماء الذي يمتلكه الشخص عبئاً على الآخرين، وأن لا تكون أيديولوجية مطلقة وموجهة ومفروضة على الجميع، وانما يكون روح الحوار والنقاش والاقناع هو الوسيلة التي يؤمن بها الجميع، من دون قمع أو عنف أو اكراه، وهذا هو المنطق والتفكير الذي نحتاج اليه اليوم في ممارسة حياتنا، واستمرار وجودنا، وتحقيق أهدافنا الانسانية في هذا العالم.     

       

د. رائد جبار كاظم 

كاتب وباحث أكاديمي عراقي. أستاذ الفلسفة والفكر العربي المعاصر المساعد في الجامعة   

...................

 (*) الدكتور فلورينتين إسمرنديجي  Florentin Smarandache) ) (1954ـ ) أستاذ مشارك في الرياضيات في جامعة نيو مكسيكو في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في الرياضيات والعلوم . وهو من اصول رومانية، وهو صاحب الفلسفة النيتروسوفية، وقد نشر أكثر من 75 كتاب و100 مقالة وملاحظات في الرياضيات والفيزياء والفلسفة وعلم النفس والأدب واللغز. بحث في الرياضيات في نظرية العدد والهندسة الغير إقليدية والهندسة الصناعية والتراكيب الجبرية والإحصائيات والمنطق النيوتروسوفي والمجموعة النيوتروسوفية والاحتمال النيوتروسوفي (تعميم الاحتمال الكلاسيكي والغامض). وكذلك قدم مساهمات صغيرة في الفيزياء النووية والذرية وفي اندماج المعلومات (نظرية ديزرت إسمرنديجي عن الحجج المعقولة والمتناقضة 2002) والفلسفة (النيوتروسوفي تعميم للجدل) وعلم النفس (قانون الأحاسيس والمحفّزات) وعلم الاجتماع (تناقضات اجتماعية) وعلم اللغة (تناقضات وترادفات سيمانطيقية).

في الأدب بدأ في 1980 حركة التناقضات، المستندة على الاستعمال المفرط للتناقضات والأضداد في التخليق. وفي الفنّ، في احتجاج ضد الفنّ العشوائي حيث اعتبر كل شيء فنًا، ناشد تهكميا للفنّ الخارجي الذي يعني عملا فنيا مقلوبا، وبمعنى آخر: لدراسة الفنّ بطريقة غير مفترضة، جعل الفنّ قبيحا وسخيفا وخاطئا بقدر الإمكان، وعموما مستحيلا بقدر الإمكان. وفي الفلسفة عمّم في 1995 الجدل إلى النيوتروسوفي الذي هو فرع جديد للفلسفة التي تدرس أصل وطبيعة ومجال الحياد، بالإضافة إلى تفاعلاتهم بالأطياف التصورية المختلفة. وتأخذ هذه النظرية بعين الاعتبار كلّ فكرة أو فكرة <س> سوية مع مضادها أو نقيضيها <معادي س> وطيف "الحياد" <حياد س> (يعنى الأفكار أوالأخيلة المستقرة بين النهايتين، غير المؤيدة ل <س> ولا ل<معادي س>). إن أفكار <حياد س> و<معادي س> معا تدعى باسم <غير س>. وطبقا لهذه النظرية تميل كلّ فكرة <س> إلى أن تكون محايدة ومتوازنة من قبل أفكار <معادي س> و<غير س> كحالة للتوازن. ولاسمرنديكي العشرات من المؤلفات والكتابات التي تؤسس لفلسفته وفكره ومنطقه النيتروسوفي، الذي يتشكل من مجموعة من العلوم والفلسفات والمناهج.

 

13 - فيما يلي سأعرض باختصار ما عرضه " فيري" بالتفصيل في مجموعة من كتبه حول الأجوبة الفلسفية الخمسة الكبرى عن سؤال الحياة الطيبة، ومن ضمنها إجابته.

الأجوبة الفلسفية الخمسة الكبرى

ثمة أسئلة متعددة تطرح نفسها هنا: لماذا تغيرت الفلسفات في مجرى التاريخ؟ كيف نفسر أنّه رغم كل شيء لا تنفك أقدم الفلسفات تخاطبنا؟ وفي ظل تعدد الفلسفات التي تدعي كل واحدة منها الحق، أو ليس يُنتظر إما أن يقود العقل إلى حل واحد مشروع، وإما أن يُنتج سلسلة متتالية من ضروب التقدم باتجاه أجوبة مرضية أكثر فأكثر، وذلك على شاكلة نموذج العلم؟ ولكن ألا يعني الافتراض الثاني أن تصبح فلسفات الماضي في نظرنا لا قيمة لها تذكر، مع أن الأمور لم تجر على هذا النحو؛ إذ ما زالت الانساق الفلسفية جميعها تخاطبنا؟ بما أن ثمة أجوبة متعددة عن مسألة الحياة الطيبة، أليس أعلى درجات الحكمة الاقتصار على الشك؟ ألا يقدّم تعدد الفلسفات على أرضية المثل الشائع " الحقيقة واحدة والخطأ وحده متعدد " حجة ذات وزن لفائدة الريبية؟ إذ لو اكتشف الفلاسفة الحقيقة لعلم بذلك الناس، أليس كذلك؟ ولما كانت هناك سوى فلسفة واحدة، كيف نجيب على هذا الاعتراض؟ كيف القبول بتعدد الفلسفات مع عدم الوقوع في فخ الريبية؟

الاجابة الاجمالية التي يمكن تقديمها هنا: إنّ تاريخ الفلسفة يشبه تاريخ الفن أكثر مما يشبه تاريخ العلم، ففي الأول يمكن أن نحب رؤى للعالم مختلفة تماما (الكلاسيكيين كما الرومانسيين، الفن القديم والفن الحديث على سبيل المثال)، وسنرى لماذا يكون الشأن نفسه بالنسبة إلى رؤى العالم الفلسفية الكبرى، وكيف أن الأجوبة الكبرى التي تقترحها في مسألة الحياة الطيبة هي كلها لا تزال بوجه ما إلى الآن " قابلة لأن نقيم فيها " نحن. (43)

الجواب الأول: تناغم الكوسموس

ظهر أول جواب منذ فجر العصر القديم اليوناني ثاويا في البدء في القصص الاسطورية. وفيما بعد استعيد هذا الجواب ونُقل وتمت علمنته (تخليصه من الآلهة) في خطاب مفهومي ومدعّم بحجج عقلية من قبل مفكرين كبار ينتمون إلى التقليد الفلسفي اليوناني (افلاطون، ارسطو، الرواقيون).

يقوم هذا الجواب على فكرة أساسية، وهي أنّ العالم ليس فوضى وعدم انتظام، بل هو على العكس متناغم تماما، وهو ما يطلق عليه اليونانيون اسم " الكوسموس " أو النظام الكوني، وبالتالي فهو عادل على الاطلاق، جميل وحسن، لكل كائن في صلبه منزلة محددة تتفق مع الدرجة التي يحتلها في التراتب الشامل بالنظر إلى صفاته الطبيعية.

الكون إذن، بالنسبة لـ " نظرية " الجواب الأول، وبعيدا عن الكوارث التي تُعتبر أحداثا عابرة ومؤقتة، متناسق في الأساس، وستترتب على هذا نتائج عظيمة على المستوى العملي (أي الأخلاقي والحقوقي والسياسي). لهذا السبب فإنّ الطبيعة الكاملة التناسق ستصلح، بشكل ما، أن تكون مثالا يحتذى للإنسان في سلوكه. بمعنى آخر: إذا سألنا: أيّ علم للأخلاق يتطابق مع " النظرية " التي وصفناها بإيجاز فيما تقدم؟ الجواب دون شك: التواصل والتلاؤم مع الكون، هذا هو سرّ كل عمل صحيح وعادل، والمبدأ الأساسي لكل أخلاق ولكل سياسة؛ لأنّ العدالة أولاً سداد الرأي: فكما أنّ الحرفي الماهر أو العوّاد يضع قطعة الخشب في مكانها المناسب ضمن مجموعة أوسع، فإنّه ليس من شيء أفضل نقوم به سوى أن نبذل جهدنا للتلاؤم مع النظام المتناسق والصحيح الذي بينته لنا " النظرية ".

لن تكتفي الفلسفة بـ " النظرية " ولا بـ " المبادئ الأخلاقية " التي يمكن استنتاجها من النظرية، والتي يجب أن يعمل بنو البشر بموجبها. بل أنّها ستمضي إلى غايتها القصوى، المتجسدة في البحث عن " الخلاص " أو " الحياة الطيبة ": تقضي الحياة الطيبة وفق هذا الجواب بإلغاء كل خوف مرتبط بالمحدودية أو بفكرة مرور الزمن والموت.

وهنا نرى في الأثناء كيف أنّ الجزء النظري من الفلسفة (الجزء الذي يهتم بالمعرفة) يهيئ للجزء العملي (أي الجزء الذي يرسم الأخلاق وسمات الحياة الطيبة). فكلما ازداد احساسنا بأنّنا نشارك في ألوهية التناغم الكوني السرمدي – وهو منبع كل قيمة حقيقية ومنتهاها – قلّ خوفنا من الموت، ذلك لاعتبارنا قطعة من هذا النظام السرمدي المسمى " الكوسموس "، وبحسب هذه الرؤية للعالم، لن يفقدنا الموت بالأساس إلا النصيب الأتفه من وجودنا الفردي، ولن يستطيع القضاء على ذلك البعد من حياتنا الذي يشترك في الروعة غير القابلة للزوال والمميزة لقوانين الكون. من هذا المنظور فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن ارتكابه من قبل الانسان هو الافراط في تقدير أنفسنا أكثر مما نحن عليه، بحيث يخرجنا من المنزلة التي أسندت إلينا، بل يجعلنا على هذا النحو نهدد بالقطع مع التناغم الآلهي للكوسموس. والاساطير والمسرحيات المأساوية مليئة بالترميز إلى هذا المعنى ... وبوجه عام يكون المرء قد أعطى مبررا لحياته وجعل منها حياة طيبة وسعيدة حين يجد منزلته الخاصة ومكانه النوعي في النظام الكوني. من لا يظل في منزلته يتعرض تماما لافتقاد الرشد وللتيه في الخلط على اعتباره فردا، ويُدخل في آن واحد عدم التوازن في التناغم الكوني. هذا بالضبط ما يطلق عليه اليونانيون اسم " إبريس " وهو ذلك الافراط في الغرور وافتقاد الحكمة الذي يؤدي إلى الحياة القبيحة. تلك هي الفكرة التي ستسود العالم اليوناني، وتُلهم كل العالم القديم، عمليا حتى الثورة الفرنسية، وعلى كل حال حتى عصر النهضة .

والآن يبرز السؤال الآتي: ما الغاية القصوى من هذا الجواب الأول الكبير عن مسألة الحياة الطيبة؟

إن الماضي والمستقبل في نظر اليونانيين يبدوان وكأنّهما شران كبيران يُثقلان على الحياة البشرية، فالماضي يمنعنا من الإقامة في الحاضر، إما لأنّه كان سعيدا ويشدُّنا في شباك الحنين، وإما لأنه كان شقيا ويُغرقنا في ما يسميه سبينوزا بتعبير جميل " الأهواء الحزينة "، وفي ضروب الأسف والندم والخجل والشعور بالاثم التي تصرفنا عن الفعل وتلجم مبادراتنا وتضعف قدرتنا على اغتنام الوجود والعيش في اللحظة الراهنة. وعندئذ تساورنا الرغبة في الارتماء بين أحضان خيال وهمي آخر، متجه هذه المرة نحو المستقبل: وهو الأمل، بيد أنه لا يملك الأمل أن يقودنا إلا إلى الهلاك: إنه لا يزيف علاقتنا بالواقع الراهن فحسب، وإنما يُفرغه من قيمته المباشرة لفائدة تخمينات حول مستقبل غير مضمون. في نظر اليونانيين الحنين كما الأمل والماضي كما المستقبل، كلها إن هي إلا عدم؛ لأنّ الماضي زال والمستقبل لم يحن بعد، فلا يُمثلان إلا تقديرات خيالية تفقدنا البعد الواقعي الوحيد للزمن، وهو الحاضر، فنكاد لا نقيم فيه. وعلى حد تعبير " سينيك " – أحد الواقيين الكبار – فإننا من فرط العيش في الماضي او في المستقبل " تعوزنا الحياة " وهنا نلتقي بقولة هوراس الشهيرة: اقطف اليوم الحاضر دون أن تتلهى عنه بمشاعر الغم على الآتي من الأيام أو الحنين إلى الماضي ... حين يلتحق كائن بشري بـ " مكانه الطبيعي " ، ويستعيد منزلته في التناغم الكوني، حينها فحسب يحس (وهذا بداية الحكمة) أنّه قطعة من الكوسموس، وبالتالي قطعة من الخلود [وسيعلم أنّ هذا الوصف، أي أنّه قطعة من الكوسموس ومن الخلود، هو وصف ثابت له في كل لحظة من لحظات حياته] ومنذ تلك اللحظة لا يكون الموت سوى عبور وانتقال من حالة إلى أخرى [لأنّ الموت – كما ذكرنا فيما تقدم – لن يفقدنا بالأساس إلا النصيب الأتفه من وجودنا الفردي، ولن يستطيع القضاء على ذلك البعد من حياتنا الذي يشترك في الروعة غير القابلة للزوال والمميزة لقوانين الكون]. الحكيم الذي يفهم هذا المعنى قادر على التغلب على كل ضروب الخوف بدءا بالخوف من الموت وتبعا لذلك لا شيء يمنعه الآن لا من [التصالح مع هو موجود في العالم أو تقبل العالم كما هو في أي لحظة من لحظات حياته] ولا من الإقامة في الحاضر بنفس مطمئنة. إنّ الرهان الروحي الذي يسعى المرء لكسبه من خلال التمرن على تنقية نفسه من التعلق الثقيل بالماضي والمستقبل واضح إذن، ويقضي بقهر المخاوف المرتبطة بمفهوم المحدودية. هناك لحظات نعمة في الحياة، هنيهات نشعر خلالها أنّنا متصالحون مع العالم. كمثل نزهة في غابة أو غروب شمس أو حالة عشق أو شعور هادئ وبهيج بعد أداء عمل جيد أو أخيرا كحالة صفاء ذهني تأتي أحيانا بعد لحظة إبداع عظيمة، لا فرق. على كل حال عندما يصبح التطابق بيننا وبين العالم المحيط بنا كاملا، عندما يحصل الوفاق من تلقاء نفسه دون إكراه، أي في حالة تناغم كامل، يبدو لنا فجأة وكأنّ الزمن قد اختفى تاركا مكانه لحاضر مستمر، لحاضر ذي كثافة لا يمكن معها لأي شيء من الماضي أو المستقبل أن يفسدها. إنّ العمل على جعل الحياة بأكملها مشابهة للحظات كهذه هو، في العمق، المثل الأعلى للحكمة، وفي هذه النقطة نلامس شيئا من قبيل الخلاص، بمعنى أن لا شيء يمكنه تعكير السكينة التي يولدها محو المخاوف المرتبطة بأبعاد الزمن الأخرى. عندما يتوصل الحكيم إلى هذه الدرجة من تفتح الذهن فإنّه يستطيع العيش " كإله " في أبدية اللحظة التي لا يقلل منها شيء، وفي سعادة لا يفسدها أيّ قلق. هكذا ندرك أنّنا هنا نمسك بإجابة رائعة عن مسألة الحياة الطيبة تدعونا إلى تجنب فخاخ الماضي والمستقبل، وإلى الاقامة في الحاضر، كما تدعونا إلى التغلب بهذا الشكل على الخوف من الموت. (44)

الجواب الثاني: المبدأ المسيحي

على المستوى النظري: كفّ الإلهي عن التماهي مع النظام الكوني وتجسّد في شخص المسيح، فالعقل الذي عرفنا كيفية اختلاطه، حسب الجواب الأول، بالمنظومة اللاشخصية والمتناغمة والإلهية للكون بأكمله، سيتماهى عند المسيحيين مع شخص فريد هو المسيح. على الرغم من اعتبار اليونانيين لذلك فضيحة، فإنّ المؤمنين الجدد أعلنوا أنّ العقل، أي ما هو إلهي، لا يتساوى أبدا، كما يدعي الجواب الأول، مع النظام المتناغم للعالم كماهو، بل تجسد في كائن استثنائي هو المسيح. ليس الإلهي فقط هو من يتغير هنا بالكامل ليصير كائنا مشخصنا، بل أيضا النظر، أو إذا أردت، طريقة تأمل هذا الكائن وفهمه والتقرب منه. على وفق هذا الجواب لم يعد العقل الملكة النظرية المثالية، بل الإيمان. مما سيدفع الدين للتنطح، وبكل قواه، لمجابهة العقلانية التي كانت قلب الفلسفة، ثم إنزال الفلسفة ذاتها عن عرشها.

ستبلور المسيحية – مستندة إلى هذه " النظرية " الجديدة التي تستند هي أيضا إلى مفهوم لا سابق له للإلهي وللإيمان – أخلاقا تختلف جذريا مع العالم اليوناني حول العديد من الموضوعات الحاسمة. أول هذه الموضوعات: حرية الاختيار (حرية الفكر) أصبحت أساس الأخلاق، وفكرة المساواة في الكرامة لكل بني البشر ظهرت لأول مرة. مع المسيحية خرجنا من العالم الارستقراطي لندخل في " عالم الجدارة " أي في العالم الذي سيعطي قبل كل شيء القيمة ليس للمزايا الطبيعية المعطاة منذ البداية، بل للجدارة التي سيتحلى بها كل واحد لدى استعمالها. الانقلاب الثاني مرتبط مباشرة بالأول: وهو يقضي بالتسليم، على المستوى الأخلاقي، بأنّ الروح أهم من الحرف، وبأنّ الميدان الداخلي أهم من التطبيق الحرفي لقانون المدينة الذي يبقى قانونا خارجيا. المقطع من الانجيل الذي يصلح نموذجا هو المقطع المعروف حيث يدافع المسيح عن المرأة الزانية التي كان الكل متحضرا لرجمها تطبيقا للقانون، فقد اتخذ المسيح موقفا مغايرا خرج به من دائرة " العقلاء " الذين لا يفكرون إلا بالتطبيق الحرفي والآلي للقانون. لقد خاطب ضميرهم بما معناه: في عمق ذاتكم هل أنتم متأكدون من أن ما تقومون به جيد؟ وإذا تفحصتم أنفسكم هل ستجدونها أفضل من هذه المرأة التي قد تكون زنت بسبب الحب؟ من منكم بلا خطيئة فليضربها إذن بأول حجر. التجديد الثالث: ظهور الفكرة الحديثة للإنسانية، التي اتخذت مع انتشار المسيحية بعدا جديدا؛ إذ أنّها اكتسبت بحكم استنادها إلى المساواة في الكرامة بين كل بني البشر، دلالة أخلاقية لم تكن تملكها سابقا. فمنذ أن وضع الفكر الحر في أساس العمل الأخلاقي، ومنذ أن صارت الفضيلة تكمن ليس في المواهب الطبيعية الموزعة دون مساواة، بل في اختيارنا لكيفية استخدامها، متمتعين بحرية كلنا متساوون فيها، صار من المفروغ من أن يكون كل الناس متساوين، على الأقل من وجهة النظر الأخلاقية؛ لأن من الثابت أنّ المواهب الطبيعية تبقى دائما موزعة بشكل لا متساو، لكن في العمق لا أهمية لذلك على المستوى الأخلاقي.

في مسألة الخلاص جدّدت المسيحية بطريقة غير مسبوقة، موجهة بذلك ضربة قاضية للفلسفة: ففي الوقت الذي كان الجواب الأول يصوّر الموت وكأنّه عبور من حالة شخصية إلى حالة لا شخصية، أو كأنّه انتقال من وضع الفرد الواعي إلى وضع الجزء الكوني اللاواعي، لم تتردد الفكرة المسيحية عن الخلاص في أن تعدنا أخيرا وقطعيا بالخلود الشخصي. إنّ الخلود الذي يعدنا به الجواب الأول لا ينقذ شيئا من تجربتنا الشخصية؛ فهو يذيبنا في نظام وواقع خارجين عنا تماما ولسنا فيهما سوى قطعة. هذا هو أحد دواعي بروز إجابة جديدة قائمة على الدين المسيحي، وهو ما مكّن هذا الدين من الاتساع والحلول محل النموذج اليوناني الروماني؛ فبينما الفلسفة اليونانية لا تترك للأمل سوى خلود جزئي جدا، لا واع، أعمى، يذيب الفرد في نظام كوني لا شخصي أسمى من البشر. فإنّ العقيدة المسيحية على العكس من ذلك، تأخذ على عاتقها فكرة البعث " جسدا وروحا " للأفراد في تفردهم، بحيث ستكون نجاتنا على اعتبارنا أشخاصا، وليس بصفتنا مجرد قطع. فلم نعد فتات نظام كوني خفي، بل فرديات مخصوصة يجعلها خالدة حب الآله. ما يحقق لنا الخلاص في نظر المسيحية لنا هو إله له سلفا – إن أمكن القول – وجه إنساني؛ لأنه إله شخصي. ثمة سلفا حركية مضاعفة في الأنسنة بالنسبة إلى الجواب المسيحي: نوعا ما أنسنة للالهي وتأليه للإنساني (وهنا تجدر الاشارة إلى أن مايسميه اليونانيون بـ " الالهي " هو بكل بساطة، الكوسموس، النظام السرمدي للكون، فالآلهة اليونانية – وبالذات الجيل الأول – ليست على وجه الدقة أشخاصا، فهي قلما تكون مفردة لأنها وقبل كل شيء قطع من الكوسموس وقوى في الكون، جايا = الأرض، أورانوس = السماء، بنتوس = السيول، بوسيدون = البحار، التارتار = باطن الأرض ... وهكذا)

إنّ الجواب المسيحي هو في ذات الوقت أكثر إنسانية من جواب اليونانيين، لأنه مشخص أكثر، وهو في آن واحد أقل إنسانية، بمعنى أنّ العقل اليوناني يُزاح جزئيا لصالح الوحي والإيمان. إن الجواب المسيحي بهذا المعنى يسجل تقدما من جهة وتأخرا من جهة أخرى (التقدم والتأخر هنا مأخوذان بمعنى محدد عند " فيري "، فالتقدم إنما يكون كلما كان الجواب عن الحياة الطيبة أقرب إلى التجربة الانسانية ومستندا إلى العقل، وعلى العكس من ذلك يكون التأخر بابتعاد الجواب عن التجربة الانسانية وإخضاع العقل لسلطة أعلى) فالتقدم يتمثل في أنّ المبادئ التي تقوم عليها تصورات الحياة الطيبة بينما كانت في الجواب الأول خارجة عن الإنسانية ومتعالية عليها، أصبحت تقترب أكثر فأكثر من التجربة المعاشة، وتستوعب أبعادا متزايدة باستمرار من التجربة الإنسانية. أما التأخر فيتمثل في أنّ ما يتضمنه الجواب الثاني من خضوع العقل للايمان يمكن أن يبدو تراجعا بالنظر إلى استقلالية العقل التي كان الفلاسفة اليونانيون صانعيها الكبار. بهذا المعنى تسجل المسيحية تراجعا بالنسبة للعقلية اليونانية، فهي تُلجم حرية التفكير النقدي وتُبقينا على الاعتقاد في حقيقة منزلة، ملغزة بالأساس، ولا بد أن تظل كذلك. وبتعبير آخر: لا يستطيع العقل أن يحل محل الوعي.

ليست فكرة الخلاص الشخصي – رغم أنها مرضية كثيرا قياسا بما نحن فيه، بحسب الجواب الأول: لسنا سوى قطع أو فتات نظام كوني خفي – هي التي مكنت المسيحية من أن تغيّر الفكرة التي تتصورها الانسانية عن ذاتها تغييرا ذا أهمية، ولكنها بالأحرى ستحقق ذلك بتغيير فهم التجربة الانسانية. فمن جهة اعتبار أنّ البشر لهم نفس القدر من الكرامة قائما على قدرتهم على إظهار إرادة طيبة باستعمال حريتهم في الاختيار، هذا الاعتبار يعطي الجميع نفس الامكان في تحقيق الذات على نحو كامل من حيث هم بشر. ومن جهة أخرى هذه الأولوية التي تحظى بها الارادة الطيبة إذ تفتح السبيل إلى خلاص شخصي، تستلزم تبخيس التقيّد الحرفي بالشعائر والأوامر لفائدة التوافق التلقائي لحوافزنا وأفعالنا مع روح القانون. بفلسفة الحب ستقطع المسيحية مع التراتب المعقول اليوناني ومع التقليد اليهودي الذي يسند دورا مهيمنا للقانون. في هذه النقطة يستعين " فيري " بتحليل " هيجل " لما يسمى " عظة الجبل " (إنها تبين فيم الحب في أقصى الحالات هو أهم من القانون، وكيف لا يقضي على القانون في شيء، بل يمكّن من تحقيقه أو بتعبير أفضل من الالتزام به وإعطائه معنى لا يتوفر عليه بغير الحب) حيث يبين هيجل أنّ ذلك القطع مع العالمين اليهودي واليوناني يتضح عند الوقوف على رؤية حادثة الطوفان من قبل اليونان واليهود: اكتشف الناس بعد حادثة الطوفان أنّ عداوة الطبيعة يمكن أن تتحول الى كارثة وتصبح قاتلة، وسوف تعتبر هذه العداوة من قبل اليونانيين ظرفية فحسب، بحيث سيعود التناغم الكوني بعد الحادثة مباشرة، ويمكن من جديد استخلاص القانون من نظام الكون الذي ينبغي على المدينة العادلة والعدل أن يحاكيا تناغمه الكامل (بحسب هذا التأويل خرجت البشرية من الانشقاق والتمزق، ولم تعد منفصلة عن المطلق، عن الالهي). وعلى العكس من ذلك – بحسب اليهود – لن يتم التصالح أبدا مع الطبيعة، بل لا بد من الهيمنة عليها لحماية أنفسنا، بحيث سيكون القانون مضادا للطبيعة (الموجودة فينا كما الخارجة عنا) يفرض نفسه بالقوة عليها في شكل واجب إلزامي. سيستعان للهيمنة على الطبيعة بالخضوع للإله، بواسطته يصبح الانسان " سيدا ومالكا للطبيعة ". ومن هنا ظلت اليهودية – بتعبير هيجل – حبيسة القطيعة والتمزق، حيث يستحيل التصالح مع الإلهي إلا بالخضوع المطلق والأعمى له، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكون التناغم مع الطبيعة ضربا من اللامعقول. أما المسيح فسيقترح سبيلا آخر: توافقا بين الطبيعة (النوازع الطبيعية) والقانون، ولكن على نحو مختلف جذريا عما سلكه اليونانيون. المسيح لا يريد البتة تغيير القانون، ولكنه يعني أنّ مجرد العمل الحرفي بالقانون لا يكفي مع ذلك للدخول في ملكوت السماوات. وبتعبير آخر: لا يدعونا المسيح إلى العمل أقل من القانون بل أكثر: ينبغي إضافة الروح إلى حرفية الفعل. فاتباع القانون حتى أشد ما يكون لا قيمة له بتاتا إن لم يكن فيه إحساسا بالقلب. هذا " التحقيق " للقانون، الذي هو " تجاوز " أيضا، سيسمح به الحب الذي نستمده من الاله. الحب وحده سيعطي هذا النفس، ويسمح بتحقيق القانون مع الالتزام بروحه، والعمل به على نحو مغاير لمجرد طاعة " العقل العملي ".

هذه النظرة السريعة لعقيدة الخلاص في العهد المسيحي ولامتداداتها لم تخل من تناقضات رهيبة، فمن جهة أن المسيحية أضفت معنى جديدا بالخلاص الشخصي وفهم التجربة الانسانية، ولكنها سرعان ما قامت في صلب الكنيسة والمجتمعات التي أصبحت فيها المرجعية المركزية بإعادة إنشاء نظام تراتبي وقواعد قسرية وصورية تعبدية أقل ما يقال فيها أن اتساقها مع الرسالة الانجيلية ليس بالأمر البديهي. ثم إن الفلسفات التي نمت على أساس المسيحية فضلت لمدة طويلة – كما بينا – استخدام جديد للفلسفات القديمة كان مفعوله إعادة إدخال مقدار معين من المبادئ الأرسطية وإضفاء القداسة على القانون الطبيعي. والحق – وكما يقول هيجل – فإنّ جانبا من أطرف ما يوجد في الرسالة المسيحية لم يلق تحقيقا مقنعا بالفعل إلا متأخرا وفي إطار فلسفات إنسانوية أو ما بعد إنسانوية مستقلة تماما عن الدين. إذن مضى كل شيء وكأن المسيحية، من زاوية فلسفية على كل حال، ظلت لمدة طويلة ممزقة بين انشداد الماضي الذي ألغته وبين مستقبل يكون فيه تأثيرها بارزا بقدر ما يصبح طي النسيان أنّها كانت الأصل فيه. ذاك بالتحديد ما يؤدي بنا إلى الحقبة الموالية، وهي حقبة الانسانوية. (45)

 

...............

الهوامش:

43 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص21-23.

44 - لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص54-66، ص88-90. وانظر أيضا: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، 23-31.

45 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق: ص100-127. وانظر أيضا: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص31-37 و ص126–145.

 

 

(كان القرن العشرون قد بدأ بإعلان "موت الفلسفة" وقد انتهى بالتحقق من "عودتها". مع التراجع، كان تشخيص الوفاة مبكرا؛ ذلك أنّه ما دام الانسان سيتساءل عن قدره ووجهته فإن الفلسفة ستجد مكانها في الفكر الإنساني ... الفلسفة أبدية وخالدة، لكن الفلسفات بنات عصرهن. فقد انطرحت دائما المسائل المتعلقة بالمعرفة والحقيقة والعمل والأخلاق والسياسة وفن العيش الخ، لكنها تتخذ في عصرنا وجها محدّدا بدقة) (1)

هدف هذه المقالة هو إثارة النقاش حول موضوع الأخلاق في العصر الجديد، الذي يمثّل أحد الموضوعات الكبرى التي تشغل بال الفلاسفة المعاصرين، من خلال عرض الرؤية الفلسفية للفيلسوف الفرنسي المعاصر " لوك فيري "، التي يقدم لنا فيها " الحب " على أنّه المبدأ الجديد للأخلاق والمعنى، والتي هي واحدة من النظرات والرؤى المتعددة في هذا المجال: (" مبدأ المسؤولية " لهانس جوناس، " اخلاق التواصل " لكارل أوتو آبل وجورجن هابرماس، " أخلاق الكمون " لروبير مسراحي ومارسيل كونش وأندريه كومت سبونفيل، " دوائر العدالة " لمايكل والرز، ...، الخ).

في كل فلسفة حق، أو كما يقول " جان فال ": " ليس ثمة رأي لا يوجد فيه شيء من الثراء ". (2) وهكذا هو حال الرؤية الأخلاقية لـ " فيري ": فعلى الرغم من أنّها تنتمي إلى ما يُطلق عليه حاليا " مذاهب أخلاق المحايثة " الحريصة على البقاء في ميدان عالمنا ذاته، والرافضة لكل ما يتعالى عليه، وهو أمر لا يستقيم مع ما نعتقد به كمسلمين، لا تخلو هذه الرؤية – فيما نرى – من العديد من الأفكار المفيدة كما هو الحال في تأكيدها على " الحاجة الفطرية للتعالي " والتدليل عليها، وكذلك في تأكيدها على " أهمية الدين ودوره في بناء الأخلاق " وأيضا في افكارها التي تكشف عن " تنااقضات التفكيك " وترفض " التنازل لصالح العدمية ".

فيما يأتي من النقاط عرض مختصر لفلسفة الأخلاق والمعنى عند " فيري ":

1 – تأتي محاولة " فيري " مع العديد من المحاولات الأخرى في سياق ما يشار إليه على أنّه عودة للفلسفة الأخلاقية، بعد أن كان هجرها قسم كبير من المفكرين في فترة ما بين الحربين العالميتين. (3) إذ (تود نهاية هذا القرن، ليس دون تباه أحيانا، أن تتعين تحت الرعاية الملاطفة لـ " عودة الأخلاقية "، وكما بتناقض غريب مع الجو السائد فإن خطاب القيم يُعلن عن نفسه في كل مكان: في انبعاث المنظمات الإحسانية، في المعارك ضد العنصرية والإقصاء، في متطلبات أدبيات أكثر صرامة بالنسبة لوسائل الاعلام والاتصال، في تخليق الحياة الاقتصادية والسياسية، في الانشغال بالبيئة، في صعود سلطة القضاة، في الأخلاقية البيولوجية، في الصراع من أجل حماية الأقليات ضد التحرش الجنسي ... إنّ اللائحة لا تنتهي عن هذه الأوامر المطلقة الجديدة التي قد يمكنها فيما يبدو أن تجعل فكرة انشغال جديد ومعمم من أجل الخير مقبولة). (4) كل شيء اليوم يبدو أنّه يُعلن العودة للفلسفة الأخلاقية النظرية، كل شيء يجري كما لو أنّ السنوات الراهنة كانت سني تجدّد أخلاقي [ أو كما يعبّر " فيري ": كل شيء يتم كما لوكان الشعور بالمقدس رغم " موت الله " لا يزال قائما. (5) ]، أجل إنّ الأخلاق النظرية تحتل " المنزلة الأولى " على مستوى الفكر العالمي، وإنّ الطلب الأخلاقي يبدو أنه ينمو نموا لا محدودا. (6)

2 – لم ينتج انبعاث الفلسفة الأخلاقية من عودة النظام الأخلاقي بل نتج عن ظواهر اجتماعية أخرى كثيرة، مثل: إفلاس المعنى، غروب شمس الأيديولوجيات والمثاليات، الوعي بالمشاكل التي ولّدّها تزايد السيطرة على الطبيعة، ظهور تقانات جديدة محدِثة زيادة قاسية في قدرات الانسان، فقدان الثقة في أفق العلم، زوال حظوة السياسي وازدهار الفردانية، التقلبات التي شهدتها العائلة، حق التدخل في البلدان التي تعيش حروبا أهلية، الانجاب الصناعي، التعديلات الجينية، الدفاع عن البيئة و... الخ

يقول " فيري " في بيان العوامل التي أدت إلى انبعاث فلسفة الأخلاق ما نصه: (إنّ الفلسفة تولّد اهتماما متزايدا، وربما الأمل في العثور على علامات ومعنى لوجودنا، وذلك في عالم متأزم حيث يبدو أن منطق المنافسة الخاص بالعولمة ينتشر على نحو أعمى، دون أن يستطيع أحد تغيير مساره، لا رؤساء أقوى الدول ولا أرباب الشركات المتعددة الجنسيات. فالرغبة في الافلات من هذا الاحساس بضياع مصيرنا من أيدينا تتعاظم بقدر ما أنّ المثل التقليدية والسير الكبرى – الروحية والوطنية أو الثورية – التي كانت تستلهم لتوجيه حياتنا افتقدت على نحو واسع قوتها في الاقناع حيال واقع لم يعد لها تقريبا أي نفوذ عليه. ومنذ اللحظة التي لم نعد فيها نؤمن بتلك المثل والسير إيمانا كافيا، فإنه لم يبق لنا من اختيار سوى البحث عن سبيل للنجاة، اللهم إلا إذا انسقنا راضين بنوع من الغيظ المتسم بالحنين. ترى ما الذي يجعل الحياة في أعيننا تستحق أن تعاش رغما عن الموت، ويبرّر أن نصرف فيها أهم جهودنا؟ لا عجب البتة إنّ كان هذا السياق يساعد على بروز قدر جديد من من الاهتمام بالفكر الفلسفي ... الذي ثبُت أننا ما نزال بحاجة إليه لإضفاء معنى على حياتنا؛ فالعلم – رغم خصوبته – لا يخبرنا أي ضرب من الحقيقة نستطيع بلوغه، ولا يكفي لإضفاء مشروعية على قيمنا الأخلاقية، بل لا يروي تعطشنا إلى الظفر بإجابة عن تساؤلاتنا عما ينبغي أن تكون عليه حياتنا، حياة طيبة لنا نحن البشر الفانون، حياة كفيلة بإنقاذ وجودنا من السخف الذي به يتهددنا قصر وجودنا وجوازه (فضلا عن انّه هو نفسه أصبح موضع تهديد؛ فالعلم لأول مرة في تاريخه، يقدّم للجنس البشري وسائل دماره بالذات، وهذا يصدق بالطبع ليس على الأخطار الحاصلة داخل المجتمعات الحديثة جراء الاستعمال الصناعي للتكنولوجيات الجديدة، ولكن على الأخطار الناجمة عن استعمالها من قبل الإرهابيين). والإجابة عن هذا التحدي بالوسائل الانسانية الصرف التي يوفرها التفكير العقلي إنما هي تحديدأ موضوع الفلسفة الأقصى). (7)

ومما تجدر الإشارة إليه أنّه على الرغم من أنّ العديد من الظواهر الاجتماعية التي أدت إلى إنبعاث فلسفة الأخلاق في الغرب، هي ظواهر عالمية لا تنحصر تأثيراتها على المجتمعات الغربية فقط، بل تمتد إلى المجتمعات الأخرى، نرى أنّ " فلسفة الأخلاق " غير مطروحة بالشكل المطلوب في أجواء المثقفين في المجتمعات الإسلامية.

يُرجع البعض سبب ذلك إلى أنّ أفراد المجتمعات الإسلامية، سواء على مستوى عامة الناس أو على مستوى النخبة من أهل الفكر والثقافة، يعيشون أمرا موهوما وهو أنّنا نملك قيما أخلاقية عالمية، وبالتالي لا حاجة بنا إلى البحث في العلوم الأخلاقية، نحن نشعر دائما أنّنا بحاجة إلى طرح مسائل اقتصادية، ونشعر أنّنا بحاجة إلى طرح بحوث سياسية؛ لأننا نتصور أنّنا متخلفون واقعا في الجانب الاقتصادي والسياسي، ولكننا لا نشعر أبدا أنّنا متخلفون أيضا في الجانب الأخلاقي. وبما أنّنا لا نشعر بهذا الشعور فالمسائل الاقتصادية والسياسية ستتصدر سلّم الأولوية في دراساتنا. وأما المسائل الأخلاقية فتأتي بالدرجة الثانية على مستوى الأولويات، في حين أنّ الإنحطاط الأخلاقي والتخلف المعنوي ليسا بأقل من التخلف السياسي أو الاقتصادي في مجتمعاتنا. (8)

لا أعلم حقا لِم يربط الكلام السابق بين تراجع البحث في الفلسفة الأخلاقية – والذي هو على الدوام بحث نخبوي – وبين ما يعتقده عامة الناس؟ فمن الناحية المعرفية لا يرتبط البحث الفلسفي لا من بعيد ولا من قريب بمعتقدات عامة الناس، فلهذا البحث أصول ومصادر ليس منها، بالتأكيد، هذه المعتقدات، اللهم إلا ما كان منها على مستوى البداهة. نعم، من نواحي أخرى غير معرفية، إذا كان ذلك هو المقصود، ربما يكون لما يعتقده الناس تأثير على البحث الفلسفي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: حتى لو كانت جميع النخب الفكرية تؤمن بأنّنا نمتلك قيما كونية، فإنّ ذلك لا يبرّر غياب فلسفة الأخلاق عن أجواء هذه النخب. نعم قد يبرّر ذلك غيابها عن أجواء النخب التي لا تؤمن بالفلسفة. ولكن ماذا عن النخب الفلسفية، التي تؤمن بأهمية الفلسفة ودورها الإيجابي، والتي من طبيعتها أنّها لا تؤمن بشيء من خارج الفلسفة من دون أن تدعّم إيمانها بذلك الشيء من خلال الفلسفة؟ لماذا لا تظهر فلسفة الأخلاق، بالشكل المناسب، في أجواء هذه النخب؟

ما نراه: هناك العديد من الأسباب، لا يسعنا المجال لبحثها هنا، تقف وراء جمود التفكير الفلسفي بشكل عام في مجتمعاتنا الإسلامية: إنّ جميع البحوث الفلسفية ليست متداولة في محافلنا الفكرية بشكل عميق، وهذا الأمر لا يختص بـ " فلسفة الأخلاق "، فكما لا توجد دراسات وبحوث عميقة ترتبط بـ " فلسفة الأخلاق " فكذلك لا توجد مثل هذه الدراسات العميقة في مجال " فلسفة الذهن "، " المعرفة "، " فلسفة علم المعرفة "، " فلسفة العلم "، " فلسفة الفن "، " فلسفة المنطق "، فهذه البحوث والدراسات تكاد تنعدم في مجمل أوساطنا العلمية. (9)

3 – تشير " جاكلين روس " في مدخل كتابها " الفكر الأخلاقي المعاصر إلى " مفارقة أولية "، تتمثل في أنّ الأخلاق النظرية المعاصرة ضرورية وإشكالية: (إنّه مطلب أحجية: فعندما يكبر طلب الأخلاق النظرية، وعندما تتكاثر النظرات الأخلاقية والأوامر العتيدة من كل جانب، وفي كل مجال، لا يستطيع المراقب الفطن، إلا أن يشير، مع ذلك، إلى المفارقة التي تلازم مجتمعاتنا، مجتمعات " ما بعد الحداثة " (تلك التي تفرغ المسارد الشمولية الكبرى). إنّ الأخلاق النظرية، وهي محل طلب في كل مكان، تغرس بمشقة معاييرها وقيمها في أرض هي أساسها ومسوغها. بل إنّها تبدو أحيانا مما يتعذر العثور عليه. فمن " كارل – أوتو آبل " إلى " بول ريكور "، ثمة مفارقة يُعنى بها عدد جم من المفكرين: إنّ زماننا الشغوف بصنع النظريات الأخلاقية يحيا، مع ذلك، في ظل أخلاق نظرية إشكالية في الغالب ... والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كنا من جهة أولى بحاجة إلى أخلاق نظرية، ومن جهة أخرى، تبدو مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية لما بعد الحداثة، تبدو أحيانا أنّها مهمة يائسة، وأنّ المعايير الأصلية ترتسم في الأفق بعسر. فكيف، من ناحية أخرى، يمكن أن يكون الأمر على غير هذا المنوال؟ إنّ مهمة التأسيس تبدو بطبعها ذاته أقسى غرض لعصرنا. فإذا كان التأسيس يعني أن نجلب للأشياء المعطاة هنا – الآن مبدأ معقولية، ومسوغا، تحديدا، بصورة صحيحة أو كلية، للحقل النظري أو العملي، فكيف ننهض بمثل هذا المشروع ، وكيف نرقى لنبلغ فكر التأسيس الأخلاقي النظري؟ ) (10)

لقد أِشار " فيري " إلى " الثغرة الفاغرة بين الطلب الأخلاقي النظري والعمل التأسيسي "، وحاول علاجها، وتقليص المسافة بين الحاجة والبناء المبتغى من خلال " تفكيك التفكيك " وفضح مساوئه؛ لأنّه يعتقد إنّ التفكيك هو المسؤول الأول عن هذا الوضع. ولذلك ولكي تسير الأمور على غير هذا المنوال، كان لا بد من تجاوز التفكيك، أو بمعنى أدق كان لا بد من تجاوز مساوئ التفكيك، دون التضحية بمكتسباته. سيتبين لنا مما سيأتي لاحقا: كيف أن " فيري " وإن كان لا يُنكر أنّ تفكيك معبودات علم ما وراء الطبيعة كشف من الأشياء ما لا يمكننا عدم أخذها في الحسبان. بحيث لا يبدو لنا، ولا من الممكن ولا من المرغوب فيه، أن نعود إلى الوراء: " لا يمكننا التفكير في ما بعد التفكيك كما كنا نفكر قبله ". إلا أنّه مع ذلك يرى أنّ ثمة مخاطرة كبيرة تكمن في متابعة التفكيك وعدم تجاوزه.

السؤال الذي يمكن أن يثار هنا هو الآتي: إذا كان يصدق على " الأخلاق النظرية المعاصرة " في الغرب إنّها ضرورية وإشكالية في نفس الوقت. فهل إذا صدق على " الأخلاق النظرية المعاصرة " في مجتمعاتنا الإسلامية، على ألأقل من وجهة نظر النخب الفلسفية، أنّها ضرورية، سيصدق عليها أيضا أنّها إشكالية؟ هل ستبدو لنخبنا الفلسفية أنّ مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية هي مهمة يائسة؟

ما يمكن قوله هنا: إنّ مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية ستبدو للنخب الفلسفية في مجتمعاتنا الإسلامية أكثر يسرا مما هي عليه لدى النخب الفلسفية في الغرب. ذلك أنّ معظم النخب الفلسفية في المجتمعات الإسلامية لا تعيش أزمات نفسية وعقد فكرية في مسألة " المقدس "، فما دام يمكنها من الناحية المعرفية إدراج " المقدس " أو أيّ مفهوم له علاقة به " في أطروحاتها الفكرية، طالما كان ذلك من طريق الاستدلال العقلي الحر، فإنّها لن تتحاشى التصريح بذلك والانتصار له، وبهذا فإنّها لن تعاني أزمة في الأخلاق النظرية أو قل أنّها لن تعيش في " الفراغ الأخلاقي النظري "؛ إنّها لا تحصر نفسها في مساحة ضيقة. أما النخب الفلسفية في الغرب فإنّها وإن كانت تعلم أنّها يمكنها من الناحية المعرفية إدراج " المقدس " وكل ما له علاقة به في إطروحاتها إلا أنّ قليلا من تلك النخب سيجازف بإعلان ذلك والدفاع عنه، ذلك أنّها تعلم أنّ ذلك سيكون مدعاة للسخرية. هذه هي الأجواء التي تحيط بالنخب الفلسفية في الغرب، إنّها أجواء " التفكيك ": فـ (منذ نيتشة وحتى الفلاسفة الفرنسيين في الستينات من القرن العشرين، كانت الفلسفة معظمها تفكيكا للفلسفة المثالية الألمانية وللفلسفة الذاتية كما وضعها " ديكارت " وطوّرها فيما بعد " لا يبنيز " و" هيجل " وربما " ماركس ". إنّها إعادة نظر في الطابع الديني للأنساق الكبرى، لكل ما يسمى " الأوهام الميتافيزيقية "). (11) لقد بات (الفكر الغربي يغرق في العدمية، التي تعني، بوجه الدقة، إنّ كل المرجعيات أو معايير الإلزام تتبدد، وإنّ القيم العليا تخسر قيمتها. العدمية تدل على الظاهرة الروحية المرتبطة بموت الإله والمثل فوق الحسية. ومن هذه العدمية يتولد " الفراغ الأخلاقي النظري " ... إنّ الأخلاق النظرية في الغرب تجد ذاتها اليوم مزعزعة من حيث منطلق ممارستها ذاته. فالأمر الأساسي (الأسس) يعوزها اليوم. (12)

4 – رغم نقده للتفكيك، يقدّم لنا " فيري " فلسفته على أنّها تمتثل للمعايير التي تواضع الفكر الغربي الحديث على مراعاتها: على الفلسفة أن تصل إلى غاياتها من خلال استقلالية العقل وحدة الوعي، بالوسائل المتاحة وحدها – إن صح القول – وبفضل القدرات وحدها التي يمتلكها الكائن البشري بنفسه. (13) إنّ الحضارة الأوربية - بحسب " فيري " –: هي بؤرة تنصهر فيها ثقافة هائلة، قائمة على الاستقلالية، ستطبع العلوم والفنون والفلسفة، وكذلك السياسة والعادات: إنّها ستتحرر تدريجيا من كل الصيغ التقليدية والدغمائية التي يتخذها التعالي. وبهذا تتوفر الحضارة الغربية على ما هو فريد وريادي ورائع. (14)

وفي وصف جوابه الفلسفي عن سؤال الأخلاق والمعنى، يقول " فيري ": يفتح لنا الحب على كل حال تجربة ما نسميه مع " هوسرل ": " التعالي في محايثة الحياة ": أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. (15) فهو جواب قادر في آن واحد على الاحتفاظ بمكتسبات التفكيك وتجاوز تناقضاته (16) بمعنى آخر: يبيّن " فيري ": إنّ جوابه الفلسفي وإن كان قد تجاوز " التفكيك " الذي يقف بالضد من كل أنواع التعالي والتقديس إلا أنّ ذلك لم يكن على حساب الامتثال لمعايير الفكر الغربي الحديث الملتزم بالاستدلال العقلي والمتحرّر من كل الصيغ الدغمائية التي يتخذها التعالي.

5 – تنتمي الرؤية الأخلاقية لـ " فيري "، والتي ترتكز في الأساس على مفهوم " التعالي في المحايثة " إلى ما يطلق عليه اليوم: " مذاهب أخلاق المحايثة "، التي تدل على طائفة من النظريات القيمية المعقلنة، على مذاهب ما وراء الأخلاق، الحريصة على البقاء في ميدان عالمنا ذاته. وعندئذ تجد القيم أنّها مؤكدة، لا بالانطلاق من مرجعية مثل أعلى كلي، وليس من بعض " ما وراء العالم "، بل في قلب ما هو معطى لنا هنا الآن. (17)

إنّ " التعالي في المحايثة " – بحسب فيري – لون من التعالي يختلف عن التعالي الذي كان القدماء يسخرونه لوصف " الكوسموس " أي الكون، (إذ أنّ الالهي عند اليونانيين، باختلافه عن إله المسيحيين، ليس كائنا من خارج العالم، بل هو إذا جاز القول تنظيمه بالذات بما أنه كامل. إنّ كلمة " سام " تُفهم هنا بالنسبة للانسانية. إنّها تدل على واقع يتجاوز البشر دون أن يكون في مكان خارج العالم. إنّ السمو ليس في السماء بل فوق الأرض). وهو يختلف أيضا عن مفهوم التعالي الذي ينطبق على إله الديانات التوحيدية الكبيرة (إذ إنّه يشير ببساطة إلى واقع أنّ " الكائن الأسمى " قائم، بعكس الإلهي عند اليونانيين، أبعد من العالم المخلوق من قِبَله، أي أنّه في ذات الوقت خارجي ومتفوق بالنسبة للخليقة جمعاء. الأمر هنا يتعلق بسمو لا يحدد مكانه بالنسبة للانسانية فقط، مثلما هو الحال عند اليونانيين، بل أيضا بالنسبة للعالم نفسه باعتباره مخلوقا يخضع وجوده لكائن خارجي بالنسبة له). إنّ " التعالي في المحايثة " ليس معبودا جديدا أو اختراعا من علماء ما وراء الطبيعة أو من المؤمنين، وهو ليس خرافة " أبعد من " ما قد يستخدم للحط من من قدر الواقع باسم المثال، بل إنّه فعل وإثبات فعل وبعد لا شك فيه من الوجود الانساني المدون في قلب الواقع نفسه. إنّه تعال يظهر في داخلي في فكري وفي احساسي، وبرغم تموضعه في ذاتي (محايثة أو ملازمة) كل شيء يحدث وكأنه يفرض نفسه على ذاتيتي أو كأنّه قادم من مكان آخر. من أجل هذا، لا يمكن لهذا التعالي أن يسقط تحت ضربات الانتقادات الكلاسيكية الصادرة ضد المعبودات من قبل الماديين أو من مختلف دعاة التفكيك، إنّه بهذا المعنى ليس ما ورائيا، بل " ما بعد نيتشويا ". وببساطة أكبر – كما يعبّر " فيري " -: نحن لا نخترع لا حقائق رياضية، ولا جمال مؤلف ما ولا ضرورات أخلاقية، وكما يقال، " إنّنا نقع في الحب " أكثر من أن نقرّر ذلك بخيار متعمد. إنّ سمو القيم في هذا المعنى، واقعي جدا، لكنه معطى في هذه المرة في تجربة محسوسة جدا وليس في خرافة ما ورائية أو على شكل معبود كـ " الله " أو " الجنة " أو " الجمهورية " أو " الاشتراكية "، الخ. إنّ بإمكاننا أن نجعل منه " ظواهرية "، أي وصفا بسيطا ينطلق من الشعور الملّح بضرورة ما، ومن وعي استحالة التفكير أو الإحساس بشكل مغاير: إنّ " 2 + 2 = 4 "، وهذا ليس مسألة ذوق أو اختيار ذاتي، إنّه مفروض عليّ وكأنّه آت من الخارج، بيد أنّ هذا السمو حاضر في داخلي حتى يكاد أن يكون ملموسا. إنّ القيم الأخلاقية من وجهة النظر هذه، وببساطة، ليست مفروضة علينا باسم حجج سلطوية ولا مستنتجة من خرافة ما ورائية أو دينية ما. طبعا، إنّنا نكتشف ولا نخترع حقيقة اختراع رياضي كما أنّنا لا نخترع جمال المحيط أو شرعية حقوق الإنسان. ورغم ذلك، فإنّ هذا ينكشف في داخلنا وليس في أيّ مكان آخر. إذ لم تعد هناك سماءُ أفكار ما ورائية ولم يعد هناك إله، أو على الأقل، لم نعد ملزمين بالإيمان به لكي نقبل فكرة وجودنا أمام قيم تتجاوزنا رغم أنّها غير مرئية في أيّ مكان غير أعماق وعيي الذاتي. (18)

6 – الحاجة إلى (المتعالي) هي الحاجة التي جبل عليها الشعور الانساني الأكثر عمقا. (19) ولهذا – والتعبير لأريك فروم –: تجد أنّ الانسان الذي يحاول أن يعيش دون اعتقاد (لايربط فروم الاعتقاد بدين معين ولا بفكرة إله محدد بقدر ما يعتبره خاصية إنسانية جد مهمة، يمكن أن تتمظهر في أشكال أخرى) يصبح عقيما، دون أمل وخائفا في عمق وجوده. (20) يؤكد " فيري " هذا المعنى باستمرار، وهو يشير إلى أن هذه الحاجة المتجذرة في الانسان هي التي تدفعه باستمرار إلى أن يسدها بأشكال مختلفة، وإذا كنا في الوقت الحاضر نرى أنّ تلك الأشكال مبتذلة، فهذا لا يلغي أنّ الحاجة إلى التعالي ما زالت قائمة. يتساءل " فيري ": (هل يمكن لأخلاقياتنا الخالية من كل تعال أن تعوض هذا الاختفاء للالهي؟ وهل ينبغي لها أن تفعل ذلك؟ وهل يمكن لحجب الحكمة القديمة أن يكون أساسيا إلى درجة أنّ المسألة الجوهرية المتعلقة بمعنى الحياة قد صارت ببساطة لاغية وغير ذات موضوع؟ وهل لا خيار لنا حقيقة إلا بين أديان مكونة والعلاجات النفسية؟ أو الشجاعة بالنسبة لمن يرفض هذه وتلك؟ فالأولى تقدم خدماتها عن طيب خاطر، وتعود، كما على طريقة التهريب، بمناسبة أدنى حداد. أما الثانية، فهي تبيع لنا مساعيها الحميدة وتعلمنا كيف نتقنه في ستة مراحل وبمساعدة العقاقير المحركة. فهل لا فائدة في أمل التركيز على نمط آخر تحت طلب المعنى الذي يفرض نفسه علينا في هذه اللحظات المقدسة؟ إنّه قد يكون من الأفضل، على الأقل، التأكد من ذلك بأنفسنا بدل الهرب من التساؤلات التي تلاحقنا، سيما وأنّ حياتنا العاطفية قد سارت منذ ما يقرب من القرنين من الزمان في اتجاه طائش). (21)

يبين لنا " فيري ": إنّ الحاجة إلى التعالي هي التي تفسر لنا كيف أن عشرات، بل مئات الملايين من الناس قد اعتنقوا الماركسية بكل قواهم، فلقد كانت الماركسية حتى في صيغها الأكثر دنيوية تتضمن فكرة " ما وراء " للحياة الحاضرة، بل أكثر من ذلك، كانت تتصور هذا الماوراء بكيفية لاهوتية ... لقد كانت تمنح دلالة شاملة لمشروع نضالي يقوم على التضحية بالذات باسم قضية، إذا كان من المفروض أنّها مادية، فإنّها مع ذلك متعالية. ورغم إلحاد مبدئي فلقد عرفت الماركسية كيف تمفصل هذا التعالي المطلق للمثل الأعلى على المحايثة الجذرية للدنيوي، فالمناضل كان يعمل من أجل المستقبل، من أجل الأجيال المقبلة، من أجل مجئ المجتمع الكامل، الجنة الأرضية، ولكن هذا التطلع إلى الماوراء كان يتجسد في سلسلة الممارسات الملموسة التي كانت تزعم منح دلالة معينة لأدنى تفاصيل الحياة الأرضية. (22)

7 – هل ثمة حدود واضحة المعالم يمكن ترسيمها بين فلسفتي الأخلاق والمعنى؟

يشدّد " فيري " على أنّ وظيفة الحياة الأخلاقية تنحصر في توفير قواعد تجعل العلاقات الانسانية ممكنة، مدنية ومسالمة. ولا علاقة لها بما يثوي حقا في في صميم المعنى الذي نضفيه على حياتنا، والذي يندرج تحت دائرة القيم الروحية. ومن هنا هو يوصي بضرورة عدم الخلط بين ما ينتمي إلى دائرة القيم الروحية، وما ينتمي إلى دائرة القيم الاخلاقية. يحاجج " فيري " كالآتي: لنفترض أننا نعيش حياة أخلاقية: لا حروب، ولا جرائم قتل، ولا أشكال من الإبادة الجماعية، ولا خوف من وقائع الاغتصاب والسرقة، فيُستغنى عن الجيوش وعن فرق الأمن والسجون ، ومن المحتمل أن يُقضى على اللا مساواة الاجتماعية، أو على الأقل على أكثرها فظاعة . هنا بالذات ستدركون في الحين الفارق بين القيم الاخلاقية والقيم الروحية. فحتى مع تحول هذا الافتراض الاسطوري إلى واقع، فإنّه سوف يصيبكم الهرم، وتفنون لا محالة، ولن يحول ذلك أيضا بينكم وبين معاناة محنة الحداد المرعبة أثر وفاة أحد الأحباء أو فراق شخص عزيز عليكم. فلو شهدت البشرية تحولا خارقا للعادة نتيجة هذا " السحر الأخلاقي " لما منع ذلك في شيء وفاة من نحبهم، ولما دفع عنا الموت، ولا قصص الحب ذات النهاية البائسة، ولما حال ببساطة بيننا وبين القلق الناجم عن حياة يومية في غاية الرتابة. وتلك موضوعات مفعمة مع ذلك بقدر هائل من الانفعالات والقيم. إنّ هذه القيم بعينها – يقول " فيري " –: هي التي أنعتها بـ " الروحية " أو " الوجودية " لأنّها تمس مباشرة مسألة الحياة الطيبة بالنسبة للبشر الفانين. ومن هنا يتبين أنّ الحب ينتمي إلى دائرة " القيم الروحية". (23)

ما يعدّه " فيري " تمييزا بين دائرتي القيم الأخلاقية والقيم الروحية. يراه آخرون تمييزا بين دائرتين من القيم الأخلاقية، فليس ثمة شيء مما ينتمي إلى دائرة القيم الروحية بخارج عن القيم الأخلاقية. وغاية ما في الأمر: إنّ للحياة الأخلاقية ثلاث وظائف وبإمكانها أن تتوافر على ثلاثة أنواع من النتائج والمعطيات: أولها: توفير الغايات الاجتماعية، ومنها (النظم، الأمن، الرفاه، العدالة، الحرية). وثانيها: توفير الغايات النفسانية، ومنها (السكينة، البهجة، رضا الباطن، إيجاد معنى للحياة). وثالثها: إيجاد تحول روحي لدى الانسان. وهؤلاء يشككون في إمكانية أن تتحقق الغايات الاجتماعية لمن يعيش الحياة الأخلاقية، بدون أن يكون لذلك أي أثر في توافره على الغايات النفسانية، وبالتالي إيجاد تحول روحاني لديه. (24)

ويبدو لنا عند التأمل في ما كتب في فلسفتي الأخلاق والمعنى، ومنها ما كتبه " فيري " نفسه، أنّ هاتين الفلسفتين متداخلتان إلى حد، يكون معه، من المتعذر حقا ترسيم حدود واضحة المعالم بينهما.

8 – ما الغاية من الفلسفة؟ وما هو موضع " الأخلاق " و" المعنى " من تلك الغاية؟

لم يكن " فيري " مقتنعا بالرؤية التي تذهب إلى أنّ نظرة في آفاق تاريخ الفكر الفلسفي تسمح بالتعرّف على ثلاث " وضعيات أو مواقف " تعايشت دائما على مرّ الزمن (تنظر الأولى إلى الفلسفة على أنّها " تفكير نقدي "، وتعزو لها الثانية " طموح إيجاد الحقيقة النهائية "، أما الثالثة " فترى أنّ هدف الفلسفة هو تعليم كيفية العيش الحسن ")؛ فليس هناك سوى وضعية قصوى للفلسفة على مر التاريخ، رغم الاختلافات الظاهرية بين الفلسفات المختلفة. ترى ما الحياة الطيبة بالنسبة إلى بني الانسان المعرضين للفناء؟ تلك هي المسألة القصوى في كل الفلسفات الكبرى؛ إذ ولا واحدة منها غضّت الطرف عن هذه المسألة، وهي جميعا قدمت أجوبة كبرى وقوية. (25)

يبيّن " فيري " بهذا الصدد: (لتبديد سوء فهم محتمل، نقول: تنقسم الفلسفة بكل بداهة إلى مجالات متعددة: المعرفة (ما الحقيقة؟)، الأخلاق والسياسية (ما العدل؟)، مسألة معايير الجمال، مسألة الخلاص (ما الحياة الطيبة؟). وهناك العديد من الموضوعات الأخرى. ومن الواضح أنّ بعض الفلاسفة لم يعالجوا في حياتهم إلا موضوعا واحدا من هذه الموضوعات، فميكافيلي قصر اهتمامه على السياسة، ولم يعترض أحد على انتمائه لتاريخ الفلسفة. الفكرة الأساسية هنا: إنّ مسألة الحياة الطيبة بالنسبة إلى البشر الفانين، هي المسألة القصوى في الفلسفة، تلك التي تحكم في السر بدرجات متفاوتة سائر المسائل: فإذا كان سبينوزا والرواقيون – مثلا – يصوغون نظريات في الفلسفة " تقول بمذهب الحتمية "، فذلك للوصول في النهاية إلى تعريف للحكمة بما هي توافق مع العالم وحب للواقع. إنّ هذا التساؤل حول الحكمة نجده في كل الرؤى الفلسفية الكبرى التي تتسم بالكلية والشمول، ذلك بلا استثناء على الاطلاق وحتى لدى الفلاسفة الأكثر معارضة للفكر القائل بمثل أعلى، بل حتى لدى كبار التفكيكيين أمثال " نيتشة أوهيدغر "، كذلك نرى هذا جيدا لدى اسبينوزا؛ إذ يعدنا بأنّه إذا اتبعناه في السبيل الذي يفتحه كتابه الكبير " الإتيقا " فسنصل إلى " خلود من البهجة ". غاية الفلسفة إذن ليست نظرية فحسب، أي ليس الوصول إلى الحقيقة فحسب، بل هي أيضا أن نحيا جيدا (وبديهي أنّ الوسيلة للحياة الجيدة لا بد من الانطلاق من الحقيقة). وعلى هذا النحو تثبت الفلسفة ذاتها في ما أسميه " الروحانية اللائكية ". إنّه لأمر بسيط وعميق للغاية في آن واحد أنّنا في حاجة لإضفاء معنى على حياتنا – وحتى اسبينوزا وشوبنهاور يقولان هذا صراحة – فيكون معنى صالحا بعيدا عن المتغيرات الطارئة التي تفرض نفسها علينا، معنى لا يقوضه الموت كليا. والفلسفة إنما تأخذ على عاتقها تحديد الشروط والوسائل الكفيلة بإيجاد هذا المعنى بواسطة الموارد البشرية وحدها، وبالتالي بواسطة مواردنا نحن تماما، تلك المتمثلة بالعقل وحدة الذهن دون المرور بالآله والايمان. وبذلك ستبدو الفلسفة على المدى الطويل لتاريخ الفكر الأوربي هي المنافسة الكبرى للأديان). (26)

على أن نشير هنا إلى أنّ " فيري " ينبه إلى أنّه: حتى لو كان البحث عن الخلاص بدون الله في صلب أية فلسفة كبيرة، إذا اقترضنا أنّ هذا هو هدفها الأساسي والأخير، فإنّ من المفروغ منه أنّ هذا لا يمكن أن يحصل دون المرور بتفكير معمق حول فهم ما هو موجود – وهذا ما يسمى عادة بـ " النظرية " – وكذلك ما يجب أن يكون أو ما يجب فعله – والذي يشار إليه عادة تحت اسم الأخلاق أو " المبادئ الأخلاقية "، وبعبارات أخرى – يوضح فيري -: إنّ معادلة " الموت + الوعي بأنّنا فانون " تشكل مزيجا يحمل في طياته بذرة كل التساؤلات الفلسفية. فالفيلسوف هو ذاك الذي يعتقد أنّنا لسنا هنا لنتسلى كسيّاح ، أو بالأحرى، هو الذي حتى إذا وصلت به الأمور إلى الاعتقاد، على عكس ما قلته سابقا، بأنّ وقت التسلية وحده جدير بأن يُعاش، فذلك هو نتيجة فكر، وتفكير، وليس ردة فعل عفوية. هذا يفرض المرور بثلاث مراحل: مرحلة " النظرية "، مرحلة " الأخلاق "، ثم مرحلة اكتشاف " الخلاص " أو " الحكمة ". بحسب هذا الفهم تقضي المهمة الأولى للفيلسوف ، أي النظرية، أن يكتسب الحد الأدنى من معرفة العالم الذي سنقضي فيه حياتنا، ولكن ليس بدون التساؤل عن " الوسائل " الموجودة في متناولنا لكي نعرف. هاتان المسألتان، مسألة طبيعة العالم، ومسألة أدوات المعرفة المتوفرة لبني البشر، تشكلان، إذن، جوهر القسم النظري من الفلسفة. إنّما ومن المسلّم به أنّه يتوجب علينا هكذا، علاوة على معرفة العالم والتاريخ الذي تتموضع فيه حياتنا، الاهتمام بسائر الآدميين أولئك الذين سيشاركوننا في لعبة الحياة، كيف نعيش مع الآخرين، ما هي قواعد اللعبة التي يجب اعتمادها، كيف نتصرف بطريقة عادلة مع الآخرين؟ هذه مسألة القسم الثاني من الفلسفة، الذي ينتمي لـدائرة " الأخلاق ". لكن لماذا بذل الجهد لمعرفة العالم وتاريخه، لماذا بذل الجهد حتى للعيش بوئام مع الآخرين؟ ما هي غاية أو معنى كل هذه الجهود؟ بالأحرى، هل يجب أن يكون لهذا معنى؟ كل هذه الأسئلة وغيرها من نفس المجال تقودنا إلى دائرة الفلسفة، تلك التي تلامس المسألة النهائية لـ " لخلاص " أو " الحكمة ". (27)

ربما يسأل البعض: إذا كان " فيري " يرى أنّ على الفيلسوف أن يبني فكرا في المحاور الثلاثة (النظرية، الأخلاق، الخلاص)، فهل فعل " فيري " ذلك، أم أنّ جهده الفلسفي استهدف محورا من هذه المحاور دون غيرها؟

" فيلسوف الخلاص " هو اللقب الذي يطلقه البعض على " فيري "؛ لأنّ فيري يعطي لمسألة " الخلاص " المساحة الأكبر من فلسفته، تماشيا مع ما يعتقد به من أنّها تمثّل المسألة القصوى للفلسفة، دون أن يعني ذلك أنّه يُهمل المسائل الفلسفية الأخرى، فأعماله – وكما سيتضح لاحقا – غطت المسائل الفلسفية الأساسية برمتها (النظرية، الأخلاق، الخلاص).

9 – ما طبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة؟

بحسب " فيري ": تتصارع الفلسفة مع الدين في تقديم رؤى توضح لنا من خلالها طبيعة العالم، وكيف نعيش مع اللآخرين، وترسم لنا معنى للحياة. فبينما تستعين الأديان، في فعل ذلك، بشكل أساسي بـ " الإيمان " الذي يتطلب التمتع بفضيلة التواضع التي تتعارض في نظرتها مع غطرسة وغرور الفلسفة. تستعين الفلسفة " بقوانا الذاتية وبنعمة العقل وحده ". هنا تكمن بامتياز، على الأقل من وجهة النظر الدينية، الغطرسة الفلسفية، وجرأة لا تطاق يمكن ملاحظتها لدى الفلاسفة على امتداد التاريخ.

يُفضّل " فيري " كفيلسوف الفلسفة على الدين، لسببين - في رأيه – بالغي الأهمية ويشكلان دون ريب أصل الفلسفة: الأول: إنّ ما تعدنا به الأديان أجمل من أن يكون حقيقة. والثاني: صعوبة التوفيق بين الصورة التي يقدّمها الدين عن الله وبين التكرار الذي لا يطاق للمجازر والمآسي التي تنوء الإنسانية بحملها. وينتهي الأمر – كما يوضح فيري - بأن يشك الفيلسوف بأن الأجوبة التي يقدمها الدين في هذا المجال لا تكفي، وبالتالي إلى التفكير بأنّ الإيمان بالله، الذي يأتي بشكل صدمة معاكسة، كمواساة لنا قد يجعلنا نخسر من وضوح الرؤيا أكثر مما يُكسبنا من الطمأنينة. تفضيل التفلسف على الإيمان، يعني في العمق، تفضيل وضوح الرؤيا على الرفاهية، والحرية على الإيمان. في الحقيقة وبمعنى من المعاني يتعلق الأمر بـ " إنقاذ الذات "، ولكن ليس بأيّ ثمن. (28)

لا يرفض " فيري " دور الدين في تكوين المعرفة والأخلاق والمعنى، لا بل إنّه يؤكد إنّه يستقي معظم إلهامه من المسيحية، (29) لكنه يشترط أن يكون ذلك من خلال بوابة الفلسفة. وبلغة " فيري ": يمكن للفلاسفة إدراج فكرة الإله في مذهبهم، بل يمكنهم حتى إيلائها دورا مركزيا. ولكن رغم كل شيء يبقى مسعاهم، وإن في هذه الحالة، مختلفا عن المقاربة الدينية، بمعنى أنّ إسهامهم الفلسفي في حد ذاته لا يقوم على الإيمان ولا على سلطة النصوص المقدسة، وإنما على ممارسة الاستدلال الحرة. (30)

يرى " فيري ": إنّ الأجوبة الدينية شأنها في ذلك شأن الأجوبة القديمة تبقى مشتملة على عناصر مغرية جدا، بل قد تكون من نواح معينة أقدر على الاقناع مما في النظريات الحديثة أكثر. ثم يتساءل: ما السبب الذي يجعل هذه الأجوبة لا تحتفظ بكونها جذابة وحسب، بل أيضا بشكل من الراهنية قد يبدو باستمرار مضيئا على نحو خارق؟ وفي إجابته عن هذا السؤال يعتقد أنّ ذلك يرجع أولا إلى أنّ كل جواب كبير يكشف عن طريقة جديدة في مجابهة عمق الحيرة الوجودية التي تحسها كل الكائنات البشرية في ذواتها. وهو يميل إلى القول بأننا " نسكن " فلسفة ما، طواعية أكثر من فلسفة أخرى بحسب ما تبدو لنا أقدر على التغلب على مخاوفنا ... ومن هنا هو يتفهم وجود عدد كبير من الناس يتبنون إلى الآن جوابا دينيا سواء اعتمد على أحد الأديان التوحيدية الكبرى (اليهودية، المسيحية، الإسلام) أو ارتبط بتقاليد أخرى ذات أصول أبعد . (31)

يعتقد " فيري ": إنّ الدين ما زال ينبوعا حيا للأخلاق. فهو يرى: إنّ مثل الوزنات الوارد عند متى، هو بلا شك مقطع الأناجيل المعبر بأكثر قوة عن الانقلاب في وجهة النظر، الذي أدى بالمسيح إلى سحب المشروعية عن القيم الأرستقراطية لاستبدالها بقيم المساواة والحرية. ويمكن أن يصلح كخيط مثالي ناظم لفهم ما تقدمه لنا إلى الآن الثورة اليهودية المسيحية على الصعيد الإيتيقي ... لا بد أن ندرك جيدا ما يحويه هذا المثل من بعد إيتيقي. إنّه يمثل في عالم ما زال مليئا بالإيتيقا الارستقراطية زلزالا بحق، ثورة لا بد أن نقدرها. إنّها تُدرج لأول مرة فكرة المساواة كما سنجدها في العصر الحديث: معنى ذلك إن الطفل المصاب بالمنغوليا له نفس الكرامة هو وأينشتاين وأرسطو أو نيوتن. ... إنّ الرؤية التي يحملها مثل الوزنات هي أحد إسهامات الأناجيل الذي بفضله سينفتح العالم المسيحي على العالم الانسانوي والديمقراطي ... ومثلها عظة الجبل. إنّها تبين فيم الحب في أقصى الحالات هو أهم من القانون، وكيف لا يقضي على القانون في شيء، بل يمكّن من تحقيقه، وإعطائه معنى لا يتوفر عليه بغير الحب (وهذا موضوع ذو دلالة عميقة للمؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء). (32)

في كتابه " الانسان المؤله أو معنى الحياة " ينصح " فيري " الإنسية الحديثة الرافضة لتأويلها ماديا، والمؤكدة على جانبها الروحي أن تعمل على إعادة تأويل إنسي للمفاهيم الرئيسية للدين المسيحي. بمعنى آخر لا بد لهذه الإنسية – بحسبه – من إعادة استثمار معين للمعجم، ومعه لرسالة الديانة المسيحية. وهو يقدّم في هذا السبيل مجموعة من الحجج، تعمل لفائدة إعادة بناء الديني هذه. (33)

إنّ اعتقاد " فيري " بأنّ الدين ما زال ينبوعا حيا للاخلاق والمعنى، سوف ينعكس بشكل واضح في جوابه الفلسفي، فالحب كمبدأ للأخلاق والمعنى يمتلك رصيدا كبيرا في الدين.

ثمة أمور لا بد من الإشارة إليها قبل الانتهاء من هذه الفقرة.

أ – من المؤسف حقا أن يضخّم الاختلاف بين الدين والفلسفة حول أهمية العقل ودوره في تكوين المعرفة والأخلاق والمعنى، فالدين، في الأصل، لا يختلف كثيرا عن الفلسفة في تقدير أهمية " قوانا الذاتية ونعمة العقل "، لا بل أنّه يشدّد على أنّ بداية المسير لا بد أن تنطلق من العقل وحده. إنّه يرفض رفضا قاطعا " الإيمان الأعمى "، ويرحب فقط بالإيمان الذي يقرّه العقل ويصدق به. لا بل أنّ محاججاته إنّما تقوم على هذا الأساس : إنّ الدين – وانطلاقا من ثقته بأنّ الاستدلال العقلي الحر لا بد وأن ينتهي إلى الإيمان – يحاجج بالشكل الآتي: إذا لم ينته بك الاستدلال العقلي إلى الإيمان، فيمكنك، في مثل هذه الشروط، التفتيش في مكان آخر والتفكير في طريقة أخرى. ولكن إذا قادك الاستدلال العقلي إلى الإيمان الذي يترتب عليه أن تعترف بالحدود التي ينبغي لعقلك أن يقف عندها ولا يصارع فيها الدين، فلماذا تسمح لعقلك أن يتجاوز الحدود التي رسمها له الإيمان الذي قادك له الاستدلال العقلي. لا صراع، إذن، بين الدين والعقل، بل هناك مرحلتين من الحوار: المرحلة الأولى (مرحلة ما قبل الايمان): يحاور فيها الدين العقل حول ضرورة الايمان من دون أن يفرضه عليه. المرحلة الثانية (مرحلة ما بعد الإيمان): يحاور فيها الدين العقل ليلزمه بما ألزم به نفسه. ما يفرضه الدين على العقل في هذه المرحلة مبني على إلزام العقل نفسه بذلك. أما الفلسفة فهي من جهتها لا تمانع أن ينتهي العقل إلى نتائج تتطابق مع ما يطرجه الدين، فهي لا تهدف إلا لبلوغ الحقيقة من خلال العقل أيا كانت طبيعة هذه الحقيقة. الفلسفة، في الأصل، لا تحدّد، بشكل مسبق طبيعة الحقيقة التي ينبغي أن تصل إليها من خلال الاستدلال العقلي الحر.

ب – بعد أن أوضحنا أنّ الفلسفة والدين كلاهما يبدأ مسيرته بالاستدلال العقلي، نقول: من الطبيعي أن يفرق المؤمن بين الفلسفة والدين على أساس أنّ الفلسفة نتاج بشري وأنّ الدين معطى من السماء. ولكن من الصعب أن نقبل من الملحد أن يفرق بينهما بشكل جوهري؛ فكلاهما من وجهة نظره نتاج بشري. ينبغي للملحد أن ينظر إلى الفلسفة والدين على أنّهما نوعين من الفلسفة، والفرق بينهما يكمن في أن النوع الأول منهما (الفلسفة) يقودك إلى جميع نتائجه من طريق الاستدلال العقلي، بينما يقودك النوع الثاني (الدين) من خلال الاستدلال العقلي إلى نتائج أولى يلزمك من خلالها أن تتقبل منه ما سيأتي لا حقا من نتائج أخرى من دون أن تطالبه بالاستدلال العقلي عليها. وعلى ضوء هذا الفهم لا يحق للفلسفة أن تناقش الدين في النتائج من النوع الثاني؛ لأنّ هذه النتائج لا تقدم نفسها على أنّها حصيلة للاستدلال العقلي، بل هي تقدّم نفسها على أنّها نتائج ألزمتك نتائج سابقة على الإيمان بها دون استدلال. نعم يحق للفلسفة أن تناقش الدين في النتائج التي يدعي أنّها حصيلة الاستدلال العقلي. من هنا نفهم أنّ " فيري " لم يكن محقا بشأن الأسباب التي بها فضّل الفلسفة على الدين، لأنّ تلك الأسباب تناقش نتائج تنتمي – فيما يبدو – إلى فئة النتائج من النوع الثاني، التي تقدّم لنا نفسها على أنّها نتائج تلزمنا نتائج سابقة على الإيمان بها من دون استدلال.

جـ – من الغريب ذلك التناقض الواضح الذي يقع فيه العديد من الفلاسفة الغربيين، ومنهم " فيري " : فهم من جهة، حينما يتحدثون عن الاستدلال العقلي الحر، لا يضعون حاجزا أمام ذلك الاستدلال لدرجة أنّهم يذهبون إلى أنّه من الممكن للفلاسفة إدراج فكرة الاله في مذهبهم، بل يمكنهم حتى إيلائها دورا مركزيا، بمعنى أنّه من غير المستبعد، منطقيا، العودة لفكرة الآله بمعناها الديني. طالما كان ذلك قائما على الاستدلال العقلي الحر. ولكنهم من جهة أخرى، حينما يتحدثون عن تاريخ الفلسفة، يعتقدون أنّ الفلسفة تسير باتجاه لا يمكن معه العودة إلى معبودات ما وراء الطبيعة، إنّهم يحكمون بشكل مسبق على الإمكانات المتاحة أمام الاستدلال العقلي، فهم يعتقدون أنّ خطا موجها سيظهر بداهة في نهاية التاريخ، ويمكن الحكم بأنّه إيجابي على الأقل إن كنا إنسانويين؛ لأنه يتوافق مع وجود منطق في أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة.

د- يفضل " فيري " الفلسفة على الدين، ولكنّ الأسباب التي يُقدّمها، هي مجرد إشكالات قابلة للنقاش، ولا تكفي لإثبات ذلك. نعم، للفلسفة دور مهم وإيجابي و(فيها محاولات لتفسير معنى الحياة وشيء من إجابات سؤال الموت وأسئلة ميتافيزيقية أخرى، لكن الدين هو مصدر التفسير الأخصب والأثرى لمعنى الحياة والموت، وغير ذلك من الأسئلة الميتافيزيقية، وكل أسئلة المبدا والمصير والخلود ... إنّ الدين هو ما يروي الظمأ للمقدس، ويشبع الحاجة للخلود، بوصف الكائن البشري ينزع للكمال، وهو في توق أبدي للخلود، ولا يشبع الشغف بالكمال والخلود سوى الحق تعالى، وهو ما يحدّد الدين السبل للوصول إليه). (34)

10 – يتخذ تاريخ الفلسفة في ضوء إجابة " فيري " عن سؤال الأخلاق والمعنى منعرجات غير متوقعة، فهو ينكشف حاملا على الأقل شكلا معينا من التدرج على مدى الزمن، وذلك في مستويين متكاملين ، إن لم يكن حاملا لمنطق ما: فمن جهة نجد أن البحث عن هذه الحياة الطيبة، التي كانت توضع أصلا في ما هو خارج عن الإنسانية وأسمى منها (تناغم الكوسموس، الألوهية)، سيقترب أكثر فأكثر مما هو حميمي في صميم التجربة الانسانية (في العقل ثم في الحرية، وأخيرا في معيشنا المباشر أو في أحاسيسنا). ومن جهة أخرى سيحرص هذا البحث على أن يدمج من حقبة إلى أخرى أبعادا من الوجود منسية إلى هذا الحين مهمشة أو مقموعة (الجنسانية، نصيب الأنوثة لدى الرجال ونصيب الرجولة لدى النساء، الطفولة الحيوانية، الطبيعة فينا، اللاشعور، المحددات الاقتصادية، الخ. (35)

إذن، آمن " فيري " بالتقدّم: بمعنى أنّ المبادئ التي تقوم عليها تصورات الحياة الطيبة، وهي في البداية خارجة عن الانسانية ومتعالية عليها، تميل إلى الاقتراب أكثر فأكثر من التجربة المعاشة، وتستوعب أبعادا متزايدة من التجربة الانسانية. وعلى الرغم من أنّه يدعو لتدقيق فكرتي " التقدم " و" التأخر "؛ (ففي الفلسفة والفن، لا تقدم بالضرورة، بل ثمة بالأحرى تصورات مختلفة للعالم، متعاقبة بالتأكيد في التاريخ، لكن لا يمكن الحكم بشأنها وترتيبها هرميا إلا شريطة أن نوضح جيدا مقياسنا في الحكم. فلا بد دوما من تدقيق وجهة النظر التي يمكن انطلاقا منها القول بأنّ خطا ما موجها يظهر في ذلك التاريخ. بل أكثر من ذلك بأنّ خطا يتجه نحو الأفضل). غير أنّه مع ذلك يصرح منذ البداية بأنّه يعتقد أنّ خطا موجها سيظهر بداهة في نهاية التاريخ، ويمكن الحكم بأنّه إيجابي على الأقل إن كنا إنسانويين؛ لأنه يتوافق مع وجود منطق في أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة.(36)

بغض النظر عما ينطوي عليه موقف " فيري " من مفهوم " التقدم " من تناقض؛ إذ أنّه من جهة يرفض " التقدم " كـ " مثل يشكل حقيقة تعلو على الحياة، وأنّه لا بد للحياة من بلوغها "، متفقا في ذلك مع نيتشة. (37) ولكنه من جهة أخرى يؤمن في مضمار البحث الفلسفي بوجود خط متصاعد باتجاه أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة. أقول بغض النظر عن هذا التناقض: فإنّ النظر إلى: " خط سير البحث الفلسفي في ابتعاده شيئا فشيئا عن التعالي والاقتراب أكثر فأكثر مما هو حميمي في صميم التجربة الانسانية " على أنّه يشكل تقدما، قد انتهى بالفكر الغربي إلى مأزق خطير؛ فالفكر الغربي بإقصائه للتعالي إنما يقصي تطلعا إنسانيا فطريا.

ويبدو أنّ الفكر الغربي المعاصر قد أدرك مأزقه، وهو يعيش معاناة حقيقية في محاولة الخروج من هذا المأزق، فهو من جهة أصبح يدرك أنّ التطلع نحو التعالي حالة فطرية ليس من الصحيح إقصاؤها، لكنه من جهة أخرى لا يجد نفسه مستعدا للتخلي عما يعتقده أنّه من مكتسبات الفكر الغربي، عما هو فريد وريادي ورائع في هذا الفكر، والمتمثل في تخليص الانسان من القيود الأيديولوجية والأوهام الميتافيزيقية، وتحريره أبعاد من الوجود لطالما ظلت مهملة أو مقموعة. إنّ المخاطرة – كما يؤكد " فيري " – كبيرة إذن في أن تؤدي متابعة لا محدودة للتفكيك إلى تحطيم باب مفتوح على مصراعيه. فالمسألة لم تعد للأسف، الاستمرار في كسر " أرجل الصلصال " الضعيفة للمثل التعيسة التي لم يعد بامكان أحد رؤيتها لكثرة هشاشتها وافتقارها لليقين. لم يعد ملحا بالتأكيد أن نهاجم " السلطات " التي لم تعد موجودة لفرط ما أصبح سير التاريخ آليا ومجهولا، بل على العكس، إنّ المطلوب هو العمل على بروز افكار جديدة، لا بل مثل عليا جديدة، لكي نستعيد الحد الأدنى من السيطرة على مسار العالم.(38)

وفي محاولات الخروج من هذه المعاناة يقترح بعض المفكرين الغربيين ومنهم " فيري " – ما يمكن تقييمه بحذر على أنّه خطوة في الاتجاه مجددا نحو التعالي – توليفة تعيد الاستحقاق للتطلع الانساني الفطري للتعالي وللمقدس، ولكنها في نفس الوقت تحافظ على مكتسبات الفكر الغربي. ما يقترحه " فيري " هو " شكل جديد للتعالي "، يتناغم مع ما يسميه هوسرل " التعالي في محايثة الحياة ". أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. إنّه شكل من التعالي يتنزل داخل تجربتنا الدنيوية. إنّ ما يقترحه " فيري ": " تعاليا للمعنى في تجربة الحب ". (39)

11 – في مقال تحليلي لكتاب " تعلُّم الحياة " لـ " فيري "، يشير الدكتور " سعيد الولي " إلى أن " فيري " في هذا الكتاب – وهو ما يصدق على كتبه الأخرى في حدود ما اطعلنا عليه – (عرض كل مراحل الفلسفة منذ نشوئها في اليونان القديمة وحتى المادية الجديدة ومرحلة ما بعد الحداثة والمرحلة التقنية في عصرنا الحاضر. وقد توقف طويلا عند بعض الأسماء الكبرى التي شكلت معالم في تاريخ الفلسفة وتطوّرها، بما فيهم الممثلين للفلسفة المسيحية، ولم يُهمل البوذية، لكنّ هذا العرض بقي، حسب رأيي، ناقصا ، خصوصا بالنسبة لقراء فرنكوفونيين، في فرنسا أو خارجها، إذ لا يُعقل لمن يتصدّى لتاريخ الفلسفة أن يجهل أو يتناسى أو " يهمل " " الفلسفة الاسلامية " و" فلاسفتها "، ولا سيّما أنّ الكل في الغرب يعترف بأهميتها ... إني أعتقد أنّ تخصيص مساحة مناسبة في هذا الكتاب للفلسفة الاسلامية ومفاهيمها كان، ليس فقط من المسلمات لدى فيلسوف بحجم " فيري "، بل ضروريا في أيامنا هذه حيث يُلقي تطرّف بعض المتشددين بظله على الدور الحضاري والفكري المهم للدين الإسلامي وعلى القيم الإنسانية التي بشّر بها، والتي يجب أن لا يجهلها الراغب في اكتشاف معنى الفلسفة). (40)

لم يكن " فيري " ينظر إلى الفلسفة الإسلامية على أنّها فلسفة أصلا: وما لدى فلاسفة المسلمين – بحسبه – ليس سوى فكر عميق، ولكن مهما كان الفكر عميقا، فإنّ ذلك لا يجعل منه فلسفة، إذ لا يمكن التفلسف دون التحرّر نهائيا من قبضة الدين. فالفلسفة لا بد أن تكون علمانية أو لا تكون. (41)

يبدو أنّ " فيري " لم يكن مطلعا بما يكفي على تراث الفلاسفة المسلمين، ليذكر ما ذكره. وإلا فإنّ الفلاسفة المسلمين كانوا كغيرهم من الفلاسفة لا يستندون في بحوثهم الفلسفية إلا إلى الاستدلالات العقلية فقط، وكانوا حريصين أن لا يخلطوا بين العلوم ومناهجها، فالفلسفة تُدرس بالمنهج العقلي المحض، والعلوم النقلية تُدرس بمنهجها الخاص بها. بيد أنّ ذلك لا يعني أنّه ليس بمقدورنا أن نصل إلى نتائج مشتركة بين علمين. (42)

12 – إنّ المنهج الذي اتبعه " فيري " في تتبعه لتاريخ الفلسفة لم يقتصر فقط على التتابع الزمني للفلسفات المختلفة، بل اعتمد – في الأساس – على رصد التحولات المذهلة في ما تطرحه هذه الفلسفات المتتابعة والمتعاقبة في إطار البحث عن الحياة الطيبة، ولذلك وجد نفسه إزاء خمس حقب زمنية كبرى تختلف فيما بينها، لا من حيث أمد كل حقبة، ولا من حيث عدد الفلسفات التي تنتمي لكل حقبة، بل من حيث الأجوبة التي قدمتها الفلسفات التي تنتمي لكل حقبة عن الحياة الطيبة.

الهوامش

* " لوك فيري " فيلسوف فرنسي معاصر، ولد عام 1952م. بلغ أعلى الدرجات الجامعية والأكاديمية. شغل منصب وزير التربية والتعليم ما بين عامي 2002-2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، حيث ابتعدوا بالفلسفة من المباحث الفكرية والمعرفية العويصة والمعقدة والتي لا يفهما إلا الخواص، واتجهو بها نحو الإنشغال بالواقع. تقوم فلسفته على البحث عن الخلاص بالاعتماد على القوى الذاتية ونعمة العقل دون اللجوء إلى قوى خارجية. من مؤلفاته: " النظام الإيكولوجي الجديد " و" الإنسان المؤله أو معنى الحياة " و" تعلّم الحياة " و" أجمل قصة في تاريخ الفلسفة " وغيرها.

 

رضا حسن الغرابي

...................

1 – جان فرانسوا دورتييه، فلسفات عصرنا، ترجمة ابراهيم صحراوي، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2009م، ص17-18.

2 – دراسات في الفلسفة المعاصرة، زكريا ابراهيم، مكتبة مصر، ص6.

3 – جان فرانسوا دورتييه، " نظرة عامة على الفلسفة في ساعة و12 دقيقة "، من كتاب فلسفات عصرنا لـ " جان فرانسوا دورتييه "، مصدر سابق، ص56.

4 – لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، ترجمة محمد هشام، أفريقيا الشرق، المغرب، 2002م، ص93.

5 – المصدر السابق، ص145.

6 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة وتقديم: د. عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، 2001م.

7 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، ترجمة محمود بن جماعة، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2015م، ص6-7، ص321.

8 – مصطفى ملكيان، جدلية الدين والأخلاق، ترجمة أحمد القبانجي، الانتشار العربي، بيروت، 2013، ص22، علما أننا قد تصرفنا بعض الشيء بكلام " ملكيان "، فبينما كان يتكلم هو عن واقع " فلسفة الأخلاق " في إيران، عممنا نحن الكلام على المجتمع الإسلامي.

9 – المصدر السابق، ص21.

10 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص10.

11 – لوك فيري، " المهمات الحالية للفلسفة "، من كتاب فلسفات عصرنا لـ " جان فرانسوا دورتييه "، مصدر سابق، ص84.

12 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص13-14.

13 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص17.

14 – المصدر السابق، ص67.

15 – المصدر السابق، ص64.

16 – المصدر السابق، ص59.

17 - جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص53.

18 – لوك فيري، تعلُّم الحياة، ترجمة د. سعيد الولي، مراجعة د. زهيدة درويش، أبو ظبي للثقافة والتراث. ص346-354

19 – عبد المجيد الشرفي، " مدخل إلى مقاربة إسلامية حديثة للتوحيد "، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد: 61-62، 2015، ص59.

20 – إيريك فروم، الإنسان المستلب وآفاق تحرره، ترجمة وتعليق: د. حميد لشهب، تقديم: د. راينر فونك، فيديبرانت، الرباط، ص10-11.

21 - لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، ص11-12

22 – المصدر السابق، ص14-15.

23 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص13.

24 – مصطفى ملكيان، جدلية الدين والأخلاق، مصدر سابق، ص65-66.

25 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص16.

26 – المصدر السابق، ص18-20.

27 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص37-43.

28 - المصدر السابق، ص35-37.

29 - المصدر السابق، ص391.

30 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص17.

31 - المصدر السابق، ص69-70.

32 - المصدر السابق، ص122-127.

33 - لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، 202.

34 – عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، 2016م، ص7.

35 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص6-7.

36 - المصدر السابق، ص35.

37 - المصدر السابق، ص45.

38 - لوك فيري، تعلُّم الحياة، مصدر سابق، ص327.

39 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص65.

40- لوك فيري، تعلُّم الحياة، مصدر سابق، ص400-402.

41 – حميد زنار، صحيفة العرب. حوار مع لوك فيري نشر في 13/3/2016 في العدد (10213)، ص12، بالاتفاق مع مجلة " الجديد " الشهرية الثقافية اللندنية.

42- السيد محمد حسين الطباطبائي، رسالة التشيع في العالم المعاصر، ترجمة جواد علي كسار، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، 1418ه، ص414.

 

hatam hamidmohsinفي القرن السابع عشر برز باروخ سبينوزا الفيلسوف الهولندي من اصل برتغالي - يهودي. ورغم ان سبينوزا كان رقيقا ومرنا، لكنه نُبذ من جماعته بسبب افكاره الراديكالية المشاكسة. اهم كتاب له كان كتاب الاخلاق Ethicsعام 1677 ويتعلق بعرض مضامين طبيعة الله في السعادة الانسانية. ومن المدهش ان هذا العمل هو ملائم جدا لزماننا الحالي، انه يساعدنا في فهم بعض القضايا المربكة في العلوم المعاصرة. سنحاول بيان ان ميتافيزيقا سبينوزا اضافة الى كونها نظاما جيدا نفهم من خلاله سلوك الجسيمات الاولية كما وصفتها ميكانيكا الكوانتم، فهي ايضا تسمح لنا بتوضيح ادق لمشكلة الجسم-الذهن في علوم الادراك.

موقفان ميتافيزيقيان حديثان

ليس من السهل تعريف ذلك الفرع من الفلسفة الذي يسمى ميتافيزيقا، لكننا نستطيع القول ان الميتافيزيقا عموما تتعلق بالافكار الاساسية التي تشكل اساس الحقيقة. انها تتعامل مثلا مع المادة، السببية، الهوية، والنشوء، وانها تعتمد على مقدرتنا في التفكير حول اشياء لا يمكن ملاحظتها او قياسها بشكل مباشر. في العلوم الحديثة هناك تاكيد كبير على الملاحظة والقياس والذي لسوء الحظ يميل لطمس اهمية النظرية في العلوم. موضوع الميتافيزيقا يساعدنا في جعل رؤيتنا العامة اكثر شمولية عبر دمج رؤى من العلوم ضمن فهمنا العام للحقيقة وهو الفهم الذي لا يمكنه الاعتماد فقط على الملاحظة.

هناك رؤيتان ميتافيزيقيتان هامتان معاصرتان هما الاختزالية العلمية scientific reductionism وهي الموقف المادي، والمثالية الرياضية mathematical idealism التي تؤمن بان اساس المكان والزمان ليس الجسيمات دون الذرة وانما هو حقائق رياضية معينة. كلا الموقفين ينطلقان من تقاليد طويلة في الفكر الغربي، وكلاهما يُنظر لهما بجدارة. الاختزالية العلمية تشتق قوتها من نجاحات العلم الحديث، والذي هو ذاته مشروع اختزالي الى حد كبير- بمعنى انه يميل لتوضيح العالم المعقد باعتباره طبقات من مكونات اساسية. المثالية الرياضية تحفزت خصيصا بنجاح علوم الكومبيوتر في خلق نماذج للعالم مرتكزة على اساس رياضي، وهي في الحقيقة كانت ناجحة جدا لدرجة اننا وجدنا في التيار الرئيسي للفلسفة دخول فكرة ان الكون ذاته هو برنامج محاكاة كومبيوتري انتجته حضارة متقدمة .

غير ان كلا الموقفين غير مقنعين. فمثلا، من غير الواضح ان سمات لتجاربنا يمكن اختزالها او التعبير عنها كليا باشياء فيزيقية. واذا كان العالم مركب من حقائق رياضية، فان السؤال الذي يبرز هو كيف نستطيع الحصول على اي معرفة بهذه الحقائق، كونها خارج الزمان والمكان؟ ايضا، اذا كنا نفترض ان هذه الاشياء الرياضية هي ذهنية في طبيعتها فنحن ربما ننتهي بجدال دائري: اذا كان الذهن يمكن اختزاله الى نشاط الدماغ، ونشاط الدماغ يمكن اختزاله الى التفاعلات بين الخلايا العصبية، العمليات داخل الخلايا العصبية تُختزل الى التفاعلات بين الجزيئات، والجزيئات الى الذرات، والذرات الى جسيمات دون الذرة، والجسيمات دون الذرة الى نقاط الزمان والمكان، وهذه الى مجموعة من الأعداد، واخيرا هذه المجموعة من الأعداد تُختزل الى قوانين رياضية تربط بينها - والتي يرى البعض انها بالضرورة كينونات ذهنية - وهذا ما سيعود بنا الى نقطة البداية.

ميتافيزيقا سبينوزا: المخطط العام

قبل ان نتخلى عن المشروع الميتافيزيقي ونأخذ برؤية الشك بان المحرك لهذا العالم الذي نلمسه لايمكن معرفته (او غير مثير للاهتمام)، لننظر في فكر سبينوزا والذي كما سنرى منسجما مع العلم الحديث. يرى سبينوزا ان الطبيعة – التي يساويها مع الله – هي تامة بالمطلق، ومقررة، لانهائية ولا يحدها زمن. هذا الاله اللامتناهي او الطبيعة ينطوي على كل شيء. جميعنا جزء منه ولاشيء موجود خارجه. نحن الكائنات الانسانية نستطيع ادراك خاصيتين لهذا الوجود اللامحدود وهما التمدد والتفكير، وكلاهما يعبّران عن جوهره اللامحدود، وهما يتطابقان مع بعضهما، لانهما يعبّران عن نفس الحقيقة. الى جانب التمدد والفكر هناك العديد من السمات اللامحدودة للوجود اللامحدود لا نستطيع بلوغها ولكنها مع ذلك تعبيرات عن نفس الوجود الذي هو ايضا غير مقيد بالزمان.

ولكي نثمّن عظمة هذا التفكير، تجدر ملاحظة ان الرؤية التي كانت سائدة ايام سبينوزا للكون في اوربا لازالت فكرة القرون الوسطى الموروثة من ارسطو وبطليموس عن الكون المحدود. وكما يشير جوزيف راتنر في (فلسفة سبينوزا، 2014)، ان رؤية سبينوزا للكون لاتتفوق فقط على نزعة القرون الوسطى، وانما ايضا على الرؤية المعاصرة السائدة عن الكون كنظام فيزيائي خالص. لذا دعنا نفصّل اكثر عن ميتافيزيقا سبينوزا ونعرض بعض الامثلة التي توضح لماذا هي مثيرة لأي شخص التبست عليه صلتنا بهذا الكون.

نظرية الوجود الواحد Spinoza’s Monism

كتاب الاخلاق لسبينوزا ينقسم الى خمسة اجزاء. الجزءان الاوليان يتعلقان بالميتافيزيقا ويناقشان الله وعلاقة الذهن بالجسد. في الجزء الاول يساوي سبينوزا بين الله والمادة المتفردة اللامحدودة التي تحكم كل الواقع. تجدر ملاحظة ان ما يعنيه سبينوزا بالجوهر substance (1) هو كلي متكامل لا يمكن لنا ممارسته مباشرة. بعض المعاصرين لسبينوزا يؤمنون بان هناك العديد من الجواهر. ديكارت (1560-1650) جادل بان هناك جوهران هما الذهن والمادة واللذان لهما سمات مميزة من التفكير والتمدد. هو ادّعى ايضا ان كل فرد هو بطريقة ما اتحاد متفاعل من هذين الجوهرين. بالمقابل، سبينوزا يؤمن ان هناك جوهر واحد فقط. ولأنه لامحدود ويشمل كل شيء، و مبدع، لذلك فهو مساوي لله. في المتبقي من كتاب الاخلاق يكشف سبينوزا مضامين هذه الرؤية لفهم العلاقة بين الذهن والجسد، ومن ثم لاحقا لغرض فهمنا للعواطف والمعرفة والاخلاق.

احد الاهداف التي يرسمها سبينوزا في الصفحات الاولى من كتاب الاخلاق هو إعطاء توضيح لوجود الاشياء. فمثلا، ربما يسأل احد هل ان سبب وجود الاشياء يقع ضمنها او خارجها؟ يجيب سبينوزا على هذا السؤال بالقول ان تعاريف الوجودات عادة لا تتضمن العدد المحدد من الافراد من ذلك النوع الموجود. فمثلا، لاشيء هناك ضمن الطبيعة الانسانية، او في تعريف "الانسان"، يحدد ان هناك حاليا سبعة بلايين انسان. هذا يشير الى ان جوهرنا وتعريف "الانسان"، لايقرران كم سيكون عدد الناس الافراد . ولذلك، فان وجودنا ككيانات فردية يتقرر بكيان اكبر من انفسنا. سبينوزا يعمم فيما بعد هذه الملاحظة ليقترح اذا كان هناك افراد عديدون لنوع الشيء، فان سبب وجودهم لا يمكن ان يكون ضمنهم، ولذلك فان جوهرهم لا يستلزم الوجود. هذا يستدعي السؤال: ما هو السبب الحتمي والنهائي لكل التنوع والتعقيد الذي نراه في الطبيعة اذا لم يكن تلك الاشياء ذاتها؟ يجيب سبينوزا بان المصدر النهائي لجميع الاشياء الموجودة – التي تحتوي على جميع الاشياء الاخرى الموجودة، والتي بدونه لن توجد – يجب ان يكون شيئا ما يستلزم جوهره الوجود فعلا.وبسبب تعريف هذه الكينونة لذا فانه يستلزم الوجود بالضرورة، انه لا يمكن ان يستلزم اي انكار للوجود. هذا يعني ان هذا الوجود غير مقيد، يشتمل على كل شيء، وغير محدد وابدي. هذه هي الخصائص المعرّفة للسبب الذي وراء كل ما في الوجود.

هذا يقود سبينوزا لتعريف الجوهر بـ "ذلك الذي في ذاته ويتم تصوره من خلال ذاته"(الاخلاق الجزء الاول، تعريف3). وبتعبير اخر، الجوهر هو ذلك الجزء او المظهر للطبيعة الخالق لذاته.وباستعمال مصطلح سبينوزا، الجوهر هو طبيعة نشطة، او nurturing nature – والذي هو يساويها مع الاله. علاوة على ذلك، بما ان الجوهر بحكم التعريف يستلزم وجودا ضروريا، فاننا لا نستطيع انكار وجود هذه الكينونة . وبسبب انها لامحدودة وتضم كل شيء، فسيكون هناك فقط جوهر واحد.

اقتراح ان هناك مظهر للطبيعة خالق لذاته هو ليس غريب على الذهن الحديث المطلع على نظرية البغ بانغ، و مع نظرية التطور. غير انه من الصعب قبول ان هناك فقط عملية خلق ذاتية واحدة (والتي بسبب تميّزها نسميها الله). كذلك، بسبب ان هذه الكينونة تامة بالمطلق ومتفردة فان وصفها بـ "العملية"ليست ملائمة تماما طالما ان مصطلح عملية يتضمن شيئا ما يتطور. الجوهر "substance" هو مصطلح اكثر ملائمة لوصف هذه الكينونة التي لاتفتقر الى اي شيء، ولهذا طبيعتها لن تتغير.

ان الذكاء الانساني يستوعب جوهر سبينوزا من خلال خاصيتيه الاثنتين التوسع والتفكير(2). وبهذا نستطيع الاعتراف بالجوهر اما عبر تأمل لامحدودية – كون فيزيقي متمدد، او عبر اعتبار ان لامحدودية الافكار ممكنة ضمنه. الواقع بالنسبة لسبينوزا هو كل من نظام للاشياء ونظام للافكار او تجسيداتهما.الكائنات الانسانية، مثلا، هم اجسام مركبة من اجزاء فيزيقية ولكنها ايضا تجسيدات representations، تشكل الاذهان الانسانية. وكما ذكرنا، ان جوهر سبينوزا يتضمن ايضا عدد غير محدود من خصائص اخرى غير معروفة بالاضافة الى الاثنين الذين نعرفهما. هذه الخصائص هي التي تجعل الشيء واقعيا ومتميزا – انها الوسائل التي من خلالها تتميز كينونة محددة واحدة عن غيرها. في اصطلاح سبينوزا، كل فرد في الطبيعة هو شيء معين لجوهر واحد.

يرى سبينوزا ان الفكر والتمدد هما مستقلان عن بعضهما مفاهيميا وسببيا، ولكن في نفس الوقت يتطابقان مع بعضهما. هذه المطابقة من السببية والمفاهيمية تُعرف بالتوازي parallelism وستكون هامة عند دراسة علاقة الذهن-الجسد.

ان الذهن لدى سبينوزا هو ليس سبب الكون الفيزيائي ولا ان الكون الفيزيائي سببا للذهن. سبينوزا يرى ان القوة الكامنة وراء وجود الطبيعة المادية ووراءعمل الذهن هي نفس الجوهر المتفرد والشامل لكل شيء، والذي ينطوي على كلا الخاصيتين بالتساوي.

الجوهر والعلم

لذا فان الله هو كينونة توجد بالضرورة، او بالتعريف. انه مظهر الطبيعة الخالق لذاته وسبب وجود اي شيء اخر. السؤال اللاحق هو لماذا الله/الطبيعة كما عُرّفت من جانب سبينوزا ملائمة لنا اليوم؟ الجواب هو ان هذه الفكرة توفر رؤية عن العالم منسجمة مع العلم المعاصر، والذي لايزال يفتقر لميتافيزيقا يمكنها استيعاب اكتشافاته المربكة.

اول مثال عن اكتشافاته المربكة هو ميكانيكا الكوانتم. لقد اصبح من الصيغ المألوفة بان لا احد يستطيع فهم السلوك الغريب للجزيئات الاولية التي تصفها ميكانيكا الكوانتم. فمثلا كيف يمكن للالكترون غير المُشاهد ان يكون في عدد لامحدود من الأماكن في وقت واحد ؟ او كيف يمكن لحزمة من الضوء –فوتون- الانتقاء من كل الفضاء لإختيار اسرع ممر بين نقطتين، مثلما يقول ريتشارد فينمان في تفسيره لميكانيكا الكوانتم؟الفكرة الشائعة في ميكانيكا الكوانتم هي بالضبط سلوك "غير مقيد"للجسيمات. هذا ينسجم مع فكرة ان هناك مظهر لامحدود في الطبيعة يحكم الواقع الذي نعيشه والتي هي بالضبط فكرة سبينزا عن الجوهر.

فكرة اخرى في ميكانيكا الكوانتم هي ان الجواب الذي تعرضه التجربة عادة يعتمد على السؤال الذي تسأله فمثلا، الموجة - الجزيئات الابتدائية يمكن رؤيتها تتصرف اما كموجات او كجسيمات اعتمادا على الكيفية التي تتأسس بها التجربة. كذلك، يبدو ان الملاحظة مطلوبة لمنح كينونات الكوانتم شكلا محددا. هاتين الخاصيتين للكوانتم يشيران بان هناك علاقة وثيقة بين الذكاء والطبيعة المادية في الكون تماما مثلما يرى سبينوزا. وفق تعبير سبينوزا، الذكاء واحداث الكوانتم المادية التي يراقبها الذكاء هما غير منفصلين لانهما مظهران لنفس الجوهر المتفرد والغير مقيد.

ان مبدأ وجود الانسان anthropic في علم الكون يشير الى ملاحظة مدهشة وهي ان الكون الذي نعيش فيه يبدو كما لو انه جرى ضبطه بطريقة تسمح بوجود الحياة. عدد من الحقائق الاساسية حول الكون، مثل حجم قوى معينة (مثل القوى النووية داخل الذرة) و طبيعة بعض الجزيئات دون الذرية هي ذات قيم دقيقة مطلوبة لتطوير المراقب الذكي كنحن. وكما يذكر الفيزيائي جون اي ويلر عام 1986، انه يبدو ان "عامل منح الحياة يكمن في قلب الماكنة الكلية والتصميم للعالم". هذا الوصف ينطبق بجدارة على تصور سبينوزا للطبيعة/الله.

باختصار، العلم الحديث يمنح دعما للوجود الواحد لسبينوزا بالاشارة الى ان هناك مظهر غير مقيد وخلاّق في الطبيعة، وايضا ان الذكاء والجسمانية هما مترابطان بقوة لاينفصلان.

المطابقة بين الذهن – الجسد

الآن نلتفت الى واحدة من اهم نتائج احادية سبينوزا، اي، عقيدة المطابقة بين الذهن والجسد.

في اول مقطع من الجزء الثاني من الاخلاق، متعاملا مع الذهن، يسعى سبينوزا ليكون واضحا في استنتاجاته حول الذهن مستتبعا رؤيته عن الله:"انا اسعى الان لتوضيح تلك الاشياء التي يجب اتباعها بالضرورة من كينونة الله او كينونة لامحدودة وابدية". كما لاحظنا، الله او الجوهر هو مظهر الطبيعة الخالق لذاته والذي، بسبب ضرورة وجوده، لايمكن تحديده باي شيء، ولهذا هو لانهائي.

بالنسبة لسبينوزا، الجسم الانساني له خاصية التمدد، والذهن الانساني له خاصية التفكير او التمثيل. كذلك، الذهن والجسم هما تجربتان متماثلتان لحقيقة اساسية واحدة، او نحن نستطيع القول ان الذهن والجسم هما نفس الشيء (جوهر) يُنظر اليه تحت مختلف الخصائص. في لغة سبينوزا التي ورثها من ديكارت، الفكرة هي تمثيل للشيء المرتبط بالفكرة. هذا يقود سبينوزا لاستنتاجه الشهير بان الذهن الانساني مساوي لفكرة الجسم الانساني. مطابقة سبينوزا تعني ايضا ان كل تغيير في جسم الانسان يجب ان يترافق مع تغيير في ذهنه :"مهما كان موضوع الفكرة المؤلفة لذهن الانسان يجب تصورها من جانب ذلك الذهن الانساني ... اي، اذا كان موضوع الفكرة المشكلة لذهن الانسان هي جسم، فلاشيء يحدث في ذلك الجسم الذي لم يتم تصوره من جانب الذهن" (الجزء الثاني، مقترح 12).

هذه العقيدة في مطابقة الذهن-الجسم هي ملائمة لتفكير العلم المعاصر، وحيث هناك اعتراف متزايد بالكيفية التي يرتبط بها الادراك والتجسيد. ربما نقول ان جدال سبينوزا يتضمن ان التجسيد الكلي الذي يشكل الذهن الانساني للفرد هو مساوي للنشاط الكلي للنظام العصبي لذلك الفرد، وكل واحد يعمل بالتوازي مع الاخر. لذا فان ميتافيزيقا سبينوزا تبين الكيفية التي يرتبط بها الذهن مع النظام العصبي. هذا الاتجاه في مشكلة الذهن-الجسم هو ملفت ايضا لانه يقترح ان الذهن ليس خارجيا للطبيعة وانما جزء من كل متكامل. بالنسبة لسبينوزا، المظهر المزدوج للشيء (المطابقة) ينطبق على كل شيء في الطبيعة، ولذلك، فان كل شيء في الطبيعة له نوع من الذهن. الكائنات الانسانية لاتشغل مكانا ميتافيزيقيا خاصا ماعدا ان الجسم الانساني هو الشيء الاكثر تعقيدا في الطبيعة، ولذلك فان تجسيده او الذهن الانساني هو الذهن الاكثر تعقيدا في كل الطبيعة. او كما يذكر سبينوزا:"بمقدار ما ان جسما ما اكثر قدرة من الاخرين في عمل عدة اشياء في وقت واحد، كذلك بنفس المقدار ان ذهنه اكثر قدرة من الاخرين في تصور عدة اشياء في وقت واحد"(جزء 2، مقترح 13، scolium ). بكلمة اخرى، تعقيد الذهن الانساني يتطابق مع تعقيدية الجسم الانساني.

استنتاج

طبقا للدراسات المعاصرة حول نظريات سبينوزا التي اشرنا لها، فان مظهر الطبيعة اللانهائي الخالق لذاته يتضمن:

1- السلوك اللامقيد للجزيئات في ميكانيكا الكوانتم

 2- كل وجود للعالم يدعم الذكاء

3- ظهور اشكال الحياة من خلال التطور

كل هذه الظواهر التي تبرز من جوهر واحد هي مترابطة: لا يوجد هناك ذكاء بدون تجسيد، ولا وجود لزيادة في تعقيدية التجسيد بدون التطور، ولاوجود للتطور بدون كون متفرد يسمح للحياة بالنشوء، واخيرا وكما تعلّمنا من ميكانيكا الكوانتم ومبدأ وجود الانسان، فلا وجود هناك لكون مادي ملاحظ دون وجود ذكاء فيه. وجود الكون والذكاء الذي ضمنه هما بالنهاية تعبير لجوهر واحد. خاصية التفكير والتمدد لا يمكن اختزالهما الى احدهما او الآخر ولكن كلاهما يشيران الى نفس الوجود الابدي اللامحدود. نفس القوة غير المقيدة المعبر عنها بتعقيدية جسم الانسان هي ايضا يُعبر عنها بقوى الذهن الانساني. القوة التي تقف خلف السلوك اللامقيد للجزيئات في ميكانيكا الكوانتم والمعبر عنها باتساع الكون، هي ايضا تعني التطور المستمر للمعرفة الانسانية. لايمكن ان يكون هناك اي شيء اكثر تأكيدا للحياة من هذا. هذا هو الذي يجعل سبينوزا اكثر ملائمة للفكر المعاصر.

Spinoza’s metaphysics and its Relevance for Science Today, philosophy Now June/July 2017

.................................

الهوامش

(1) ان مصطلح جوهراستُخدم ليلعب ادوارا نظرية مختلفة الانواع . فمثلا، يقال ان الجوهر هو 1- الوجود المستقل 2- الشيء الذي يستمر عبر التغيير 3- الخلفية التوضيحية للاشياء 4- الاتحاد الحقيقي 5- الجواب على سؤال ما هو الوجود؟. سبينوزا لم يعرّف الجوهر ضمن اي من العبارات اعلاه، هو يعرّف الجوهر بـ "بذاته ويُتصور من خلال ذاته".

(2) الخصائص Attributes هي اساس ميتافيزيقا سبينوزا، حيث نستطيع من خلالها التحدث وادراك العالم المتمدد وعالم التفكير بطريقة نفهم بها الاجسام والاذهان. لم يكن سبينوزا اول من استخدم مفهوم الخصائص، فهو تأثر بديكارت. لذا من الضروري العودة الى ديكارت لكي نفهم ما يقصده سبينوزا بالخصائص. في كتابه مبادئ الفلسفة يقول ديكارت ان الخصائص هي جوهر الشيء، لذا فان جوهر الذهن هو التفكير، وجوهر الجسم هو التمدد. ولكي يوضح لماذا هذا، يستخدم ديكارت مثال الشمع. عندما جلس ديكارت الى جانب موقد النار، فحص قطعة من الشمع وسأل نفسه ماذا يعرف عن الشمع. هو بدأ بادراج جميع الصفات المحسوسة للشمع، فهو ابيض وله رائحة معينة ويطلق صوتا معينا حين يُضغط باليد وهو صلب وله ذوق خاص.بعد ادراج جميع تلك الصفات قام بوضع قطعة الشمع الى جانب النار ولاحظ كيف بدأت القطعة تفقد كل تلك الخصائص: حيث تغيّر لونها ورائحتها ومذاقها. استنتج ديكارت ان جوهر الشمع بمقدار ما هو جسم، هو التمدد في الطول والعرض والعمق لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يبقى مستمرا بشأن الشمع. قطعة الشمع لاتختلف عن اي جسم آخر، اي ان جوهرها هو التمدد.كذلك استدل على جوهر الذهن بالتفكير من خلال الشك.الشك هنا لا يختلف عن الفهم، التأكيد، الانكار، الرغبة، التصور، اللارغبة. لهذه الاسباب يكون الفكر والتمدد هما الخاصيتان الرئيسيتان للجسم والذهن، وهما مستقلان عن بعضهما.وهو يرى ان اي جوهر مخلوق له خاصية واحدة بينما الله له خصائص لامحدودة.سبينوزا يتفق على بعض مظاهر ديكارت بينما يرفض الاخرى، هو يوافق بان الفكر والتمدد خاصيتان مرتبطتان بالجوهر لكن لايوافق بوجود خصائص لجواهر مخلوقة لانه يرفض وجود مثل هذه الجواهر .هو يرى ان الفكر والتمدد، واي خصائص اخرى موجودة هي خصائص الهية او خصائص لنفس الجوهر الواحد اللامحدود.

 

emadadeen ibrahimتستجلب فلسفة هيدجر يوما بعد يوم مزيدا من الاهتمام في الغرب، وخاصة بعد مرور السحابة النازية وما أثارته من زوابع فكرية، وما رانت به علي نصوص هيدجر من حذر وإهمال. وتتجلي أهمية هذه الفلسفة أولا في عمقها وفي جدة تناولها للعديد من القضايا الفلسفية كالحقيقة والماهية والتاريخ والإنسان، بالإضافة إلي كونها محاولة جدية لتشخيص الحاضر أو الحداثة عبر مختلف مكوناته كالعلم والتقنية والعقل. وتأتي أهمية فلسفة هيدجر من قدرتها علي تجاوز الجدل الذي دار طويلا بين الاتجاهات الفلسفية المختلفة حول أولوية الفكر علي الواقع والواقع علي الفكر، كما أنها أحدثت تغيًيرا جذرًيا في العديد من المفاهيم الفلسفية سواء نظرية المعرفة أو في فهمها للزمان. كما أنها استطاعت طرح السؤال عن الوجود علي مستوي أكثر أصالة من أي فلسفة آخري منذ فجر الفلسفة اليونانية.

 ويجب أن نشير إلي ملاحظة مهمة أن هيدجر يرفض أن يصنف بأنه فيلسوف وجودي، ويصف نفسه بأنه فيلسوف علم الوجود أو فيلسوف انطولوجي. والسؤال المحوري في فلسفة هيدجر هو سؤال عن الوجود منه تبدأ كل ودروبها وإليه تؤوب، وهذا لا يعني أن فلسفة هيدجر تفتقر إلي الجدة وثراء الممكنات، كما لا يعني أن تفكير هيدجر لم يخضع لتحول، إذ أن هيدجر الذي شق ضربًا جديًدا في التفلسف ابتداء من كتابه (الوجود والزمان) قد طرا عليه تطور ملحوظ فابتداء من محاضرته (ما الميتافيزيقا) التي ألقاها في عام 1935 بدا ينحو نحو البحث في الموجود بما هو موجود. ونشير بداية إلي حقيقة مهمة وهي أننا لا نستطيع أن ندرس الوجود عند هيدجر بدون دراسة الموجود الإنساني، لان الموجود الإنساني هو نقطة انطلاقه لدراسة الوجود. والسؤال المطروح الآن ما هو الموجود؟ وما هي الموجودات؟ يجيب هيدجر بقوله أننا نطلق كلمة الموجود علي أشياء كثيرة وبمعان مختلفة، فالموجود هو كل ما نتحدث عنه وما نسلكه حيال كذا، والموجود أيضا نحن أنفسنا نكونه . وإذا كانت كل الموجودات بما هي موجودات توجد وتظهر في نور الوجود، فهل بإمكان جميع الموجودات الاخري أن تكشف لنا عن هذا الوجود بنفس الدرجة أم أن من الموجودات ما تتجلي فيه الوجود بشكل أوضح عن باقي الموجودات؟ بطبيعة الحال هناك موجود بعينه يملك بطبيعة وجوده الكشف بشكل أوضح من سائر الموجودات  عن الوجود، أنه ذلك الموجود الذي يملك إمكانية التساؤل عن الوجود، أو بالاحري يملك إمكانية التساؤل عن وجوده هو ذاته، لان الوجود هو في الحقيقة وجوده، وهو يملك الوجود بالقدر ذاته الذي يملك به الوجود. إذن الوجود والإنسان ينسبان لبعضهما وينتميان لبعضهما، ووفقا لذلك فان الوجود نفسه ينتمي إلينا، لأنه يسكن فينا، يعني يحضر فينا علي نحو أصيل دون سائر الموجودات، وهذا الموجود يكونه كل منا. وعلي أيه حال يري هيدجر أن الوجود والموجود وخاصة الموجود الإنساني يتمتع دون سائر الموجودات بالأولوية لماذا؟ لأنه وجود حقيقي، كما أنه في نفسه انطولوجي. ويشير هيدجر إلي حقيقة مهمة وهي وجود علاقة وثيقة بين الإنسان والكينونة عبر عنها أن من ذكر اسم الإنسان فقد ذكر بالضرورة اسم الكينونة، أيضا إذا كان الإنسان مناط بالكينونة فان الكينونة مناطة بالإنسان. وحاصل القولين أن الأصل في الإنسان أنه كائن منطرح أو منقذف، وهو منطرح لا إلي العدم أو الخواء، وإنما منطرح إلي حقيقة الكينونة التي يسهر عليها ويحافظ عليها. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يفهم الكينونة، وهو الذي يهمه أمر الكينونة. فالكينونة في حاجة إلي الإنسان إلي احتياجها إلي كنهه حتى تنبسط. ثم يتدرج حديث هيدجر إلي الهوية من خلال كتابه الشهير (الهوية والاختلاف) ويري أن مفهوم الهوية قدم دوما من خلال المعادلة الشهيرة (أ=أ) غير أن حقيقة مبدأ الهوية تتجاوز هذا التعريف لمفهوم الهوية. ويقول علي لسان أفلاطون والذي يتكلم علي لسان الغريب في محاورة السفسطائي أن كل واحد منهم الآن مختلف عن الآخرين، ولكنه بذاته هو نفسه بالنسبة إلي ذاته . يريد هيدجر أن يقول أن مبدأ الهوية يفصح عن الصيغة التالية : أن كل واحد بالنسبة إلي ذاته وأن كل واحد هو بذاته مع نفسه، فالهوية فينا تستنتج منطقيا العلاقة المشار إليها بحرف الجر مع أي توسط وارتباط أي اتحاد مع الوحدة. ومن سمات الهوية عنده أنها تمثل وحدة، لكي تتمثل علاقة الهوية مع نفسها . ويري هيدجر أن الصيغة الجديدة للهوية تفصح عن كينونة كل ما هو موجود، وأن هذه الصيغة الجديدة ستخبرنا بالعلاقة الوطيدة بين الهوية والوجود. فكل كائن له الحق في ذاته والوحدة مع ذاته، فأينما كنا في الوجود فأننا

 نسمع نداء الهوية اي نداء الوجود . فنداء الهوية يتكلم انطلاقا من كينونة الكائن. ويري هيدجر أن الهوية تمثل انتماء مشترك بين الفكر والوجود، فهي تقوم كمماثلة بين الفكر والوجود.

بناء علي ما سبق أن الجوهر الحقيقي لفلسفة هيدجر هو السوال عن الوجود، لان من الوجود تنبثق المعارف الاخري، لذا يسمي هيدجر فيلسوف الوجود الأول. كما اتضح لنا وجود علاقة ووثيقة بين الوجود والهوية، لان نداء الهوية هو نداء الوجود الإنساني

 

بقلم د.عماد الدين ابراهيم عبد الرازق - اكاديمي مصري

 

zouhair khouildi"ينبغي أن تتعرض التربية إلى تحول كلي على ضوء هذين الواقعين: العدد الراهن من الناس والعجز الذي يوجد فيها الكثير منهم والذي يمنعهم من الوصول إلى الثقافة كما وقع تكوينها بصورة تقليدية"1

 يطرح أنطونيو غرامشي المسالة التربوية ضمن تناوله للمشكل الذي يمكن إثارته حول الزوج المفهومي الحضارة والثقافة وفي إطار حرصه على تكوين المثقفين تكوينا ثوريا وتنظيم الثقافة وإصلاح المدرسة بحيث تمنعا ظهور المثقفين العضويين والأكادميين المحافظين وتنتج مثقفين عضويين وأطر ثورية2.

من هذا المنطلق يرفض غرامشي وجهة النظر التي تقول بها الفلسفة المثالية حول عبارة اليوتوبيا السياسية التي تمنح للمفكرين والمثقفين وضعا استثنائيا وتعترف باستقلاليتهم ضمن المجال الإيديولوجي والسياسي.

و يمتحن مسألة إنتاج النخب الفكرية وتكوين شريحة من المثقفين العضويين داخل مجموع الأطر التربوية والمؤسسات التعليمية التي تمدرسوا فيها وضمن المناخ الفكري العام الذي أنتج تصورهم للعالم وللإنسان.

كما أن حضور بعض العلوم والمعارف والاختصاصات على غرار الفلسفة والعلم والأخلاق والقانون والإدارة والتربية بات ضروريا في بناء شخصية ثورية ومن أجل عقلنة الإيديولوجيا الدينية وتنويرها.  

زيادة على ذلك يرفض التمييز الذي يتم في نظم التعليم بين رجال الفكر والفلسفة ورجال الدين والقانون ويبحث عن توفير شروط اجتماعية تساهم في عملية زرع مفهوم المثقف داخل فضاء القداسة دون حدوث مشاكل ودون حصره في الفضاء الدنيوي والقيام بتجارب علمنة على الحياة الثقافية والتربوية بشكل عام .

والحق أن لفظ مثقف يمكن قبوله داخل مؤسسة تربوية تساهم من حيث البدء في إنتاجه وتضع المعايير التي تضبط بين الفعاليات الثقافية التي تنخرط فيها زمر اجتماعية والآراء المشتركة التي ترزح في الجهل. لقد صار الدخول إلى المدرسة أو العزوف عنها والانقطاع عن متابعة دروسها أو مواصلتها هو الذي يحدد المثقف من غيره ويميز المتعلم عن الأمي والمفكر الحر عن التابع الجاهل والإنسان العارف عن الصانع.

بهذا المعنى لا تعاني الحياة التربوية من غياب البعد الثقافي ومن تفشي الجهل والخرافة بل يئن من هيمنة المطالب الاقتصادية التي تطرح ضمن حاجيات السوق والوظيفة الإيديولوجية التي يقدمها التعليم للسياسة.

ثمة أخطاء من جهة المناهج المتبعة ضمن المنظومة التربوية ومن جهة نسق العلاقات بين جملة الفاعلين التربويين وقد أدت هذه الأخطاء إلى تعقد الوضعية وبروز مشاكل مستعصية أفرغت المدرسة من دورها التنويري ومن أبعادها التوعوية والتثقيفية وجعلتها تقتصر على التكوين والإعداد وفق البرمجة الإدارية.

إذا كانت المدرسة تفصل بين النشاط الذهني والجهد العضلي وبين التعليم النظري والفعل الميداني فإن خلق شريحة موهوبة من الخرجين تقتضي التأليف بين البعدين والجمع بين تمرين الذكاء وتقوية الجسم. على المدرسة أن تأخذ بعين الاعتبار تصورا للإنسان يضم الصناعة إلى المعرفة والتعمق في البحث إلى التوسع في الأبعاد وتضيف البراعة اليدوية إلى الموهبة الفكرية وشرط التخصص إلى النظرة الموسوعية. على هذا النحو يفترض أن يكون التعليم قادرا من جهة عناصره التكوينية والأسس التي استند عليها وتصوراته للعالم وتفسيره للحياة على تخريج العديد من المهن والمهارات من جميع الأصناف والحرف وأن يكون منبع ميلاد المثقف والمفكر والفيلسوف والفنان والخبير والسياسي والقانوني والإداري وغيرهم.

كما تعمل الثقافة الراقية على التقليل من المسافات الفاصلة بين الكائن البشري الذي يتقاسم مع غيره تصورا عن العالم من جهة ذائقته الفنية وضميره الأخلاقي والكائن البشري الملتزم بقضايا مجتمعه والمدافع عن القيم الكونية في النطاق السياسي الذي يخصه من خلال نشاطه الصحفي ونضاله السياسي.

بطالب غرامشي بأن يتحول الإنسان العارف والإنسان الصانع إلى كائن واحد من أجل تطوير مفهوم جديد عن المثقف العضوي يطرح المشاكل الفعلية التي تتناسب مع الحقبة الصناعية وينتج أشكال حياة جديدة. لكن كيف تقدر التربية التقنية التي ترتبط بالعمل الصناعي الأكثر بدائية وتعبا على تكوين مثقفين مبدعين؟

يطرح غرامشي قضية إصلاح التعليم في اتجاه التربية على الإبداع والالتزام ويطلب تشكيل مقاما وجوديا للمثقف الجديد الذي يتعدى الحضور الشكلي عبر الخطابة إلى الفعل في الحياة العملية بشكل ملموس من حيث هو مبدع ومنظم وموجه ومقنع بصورة محايثة وينتقل بالتجربة من تقنيات الشغل إلى العلوم التقنية.

لا يتم الخروج من العالم القروسطي بالنسبة المجتمعات المتأخرة إلا بإتباع سياسة تربوية تركز على تنظيم الحياة المدرسية وفق المقولات المتطورة والتجارب العصرية والنماذج الناجحة التي تمكنت من توسيع دوائر التثقيف في كل فرد وكل مجموعة ومن الإكثار من فئة المختصين والمبدعين للنمط العالي للثقافة.

بهذا المعنى يضع غرامشي على ذمة مشروع بلورة الثورة الثقافية كل الأجهزة الإيديولوجية التي تتشكل منها البنية الفوقية للمجتمع بما في ذلك المؤسسات التربوية التي تمثل الواجهة الأمامية للتحديث والارتقاء.

  بيد أن تنظيم المؤسسات التربوية قد يعتريه الخلل من جهة التخصص والتراتبية وغلبة الامتداد العمودي على الامتدادي الأفقي وهيمنة مادة التقنية الصناعية ومجال بناء الآلات على مادة العلوم الإنسانية والآداب التي تسهر على صناعة العقول والضمائر وتنتج أدوات الصعود الحضاري وقوى التحرر الاجتماعي.

على هذا الأساس يناضل أنطونيو غرامشي في اتجاه تضمين المؤسسات التعليمية بنية ديمقراطية في مستوى البرمجة والتدريب ويحرص على العودة إلى الواقع الملموس ومعالجة انخفاض الوعي والتصدي للبطالة والفقر ويتخلى عن التحرك فوق ميدان ديمقراطي مجرد تتحكم فيها مسارات تاريخية تقليدية.

 قد يؤدي اعتماد غرامشي على أسلوب السياسة المباشرة التي تتعهد بإصلاح فلسفة الحشود والانتقال من الحس المشترك إلى الحس السليم إلى تبني أسلوب التعليم عن قرب ومراجعة النزاعات الوضعية والمثالية. علاوة على ذلك يبتعد غرامشي عن تنزيل المسألة التربوية ضمن إطار العلاقة بين التعليم وعالم الإنتاج ويركز على القوى الاجتماعية الأساسية والوسائط المعرفية التي توكل إليها مهمة تنظيم الإدارة وبلورة الطوابق التي تكون البنية الفوقية بصورة هيكلية وعقلنة الروابط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

لقد أدى التوزيع المختلف لأنماط متنوعة من المدارس على الأرضية الاقتصادية إلى تكريس فجوة من حيث الجودة والمستوى بين مدارس المهن والحرف والفنون والمدارس الكلاسيكية التي تعيد إنتاج السائد. على الرغم من كون المؤسسات التعليمية الخاصة بالبرجوازية الريفية دأبت على إنتاج شريحة الموظفين وفئة المهن الحرة بينما تنتج تلك التي تخص البرجوازية الحضرية شريحة الصناعيين والتقنيين والخبراء.

بهذا المعنى تساهم  نظم التربية ومؤسسات التعليم في تمكين الهيجيمونيا من الهيمنة على الحياة السياسية وتحكم في بقية الشرائح الاجتماعية والفردية وتمنح المشروعية للدولة وتساعد النظام القانوني على الحكم.

يبدو أن المناخ العام الذي تشكلت فيه المدرسة في الحقبة المعاصرة ينبني على تعقد الأنشطة التطبيقية وتجذر العلوم في الحياة العامة وتغلغل التخصص في مختلف جوانب المعرفة البشرية والذكاء العملي.

على هذا النحو يميز غرامشي بين النمط الإنسانوي للمدرسة الذي يتعلق بالعصر القديم ويقوم بتطوير الثقافة العامة لدى الفرد من حيث القدرة على التفكير والمعرفة وتوجيه في الحياة الاجتماعية وبين النمط التخصصي الذي تفرد باختراع نسق من الاختصاصات التطبيقية التي تنمي لدى المتكونين جملة من المهارات وتدرب الملكات على عدد من الاقتدارات الدقيقة في مجالات صناعية فنية وأبعاد مهنية متنوعة.

لقد تفطن غرامشي إلى خطورة الأزمة التي يمكن أن يعاني منها القطاع التربوي بسبب غياب التنظيم وضعف البرمجة والكادر المؤهل وشيوع الفوضى وتعدد الأخطاء في المناهج المتبعة والتوجهات العامة.

كما أن المدرسة الكلاسيكية بقيت حكرا على الطبقات المهيمنة وتقوم بمهمة تخريج فئة المثقفين الذين يحافظون على هذه الهيمنة بينما المدرسة المهنية ظلت مشرعة أمام الشرائح الاجتماعية الصاعدة وتنتج فئة من التقنيين والحرفيين والصناع الذين يفتقدون إلى الثقافة العامة والوعي السياسي الضرورة للتغيير.

تتمثل الصورة العقلية لهذا التربوي المعاصر في بناء القاعدة الصلبة لكل تنمية اقتصادية وتوفير الموارد البشرية المؤهلة لكل انطلاقة تحديثية للمجتمع بالنظر لتمتعها بقدرة تكوينية تأسست على تراكم التحضر.  لذا يراهن غرامشي على نمط جديد من المدارس غير مكترث بالتكوين والتوجيه ومعني بالتثقيف والتنوير يغلب درجات الجودة والنوعية والكيفية والكفاءة والاقتدار على الكم العددي والمستقبل المهني للمتعلمين.

يطالب غرامشي بالتعويل على مدرسة موحدة مختصة في الثقافة العامة تجمع بين كسب القيم الإنسانية والمهارات التكوينية وتحقق التوازن بين تطوير ملكات النشاط الذهني وقدرات العمل العضلي واليدوي.

تتمثل الخطة المرصودة لهذه المدرسة في مراكمة الذكاء والابتكار والتشجيع على العمل الخلاق والحاذق وتنمية روح المبادرة لدى الأفراد واتجاه مختلف الممارسات المختصة في بعث حلقاتها الثقافية الخاصة. لكن كيف يمكن المرور من مدارس متخصصة في مهن دقيقة إلى المدرسة موحدة في التثقيف والتنوير؟

يتحدث غرامشي على المؤسسات التي تحتضن المبدعين في المرحلة التي تعقب التمدرس المختص ويشير إلى تنظيم الشروط الذاتية والأطر الموضوعية التي تسمح لكل فرد بأن يسير في اتجاه الارتقاء بمستواه الى درجة فوق مدرسية  postscolaire تفيض بالقيمة والمعرفة والتربية على الثقافة والسياسة3.

يمكن التمييز داخل كل جهاز إداري تربوي بين بعدين عضويين: الأول هو نشاط تحرري ثقافي والثاني هو نشاط تقني صناعي، ويفترض أن يكسب التمدرسُ الإنسانَ الخبرة في التحليل واتخاذ القرار الصائب.

 لا تهدف المدرسة إلى إنتاج معرفة مطابقة بشكل تقريبي للواقع الاجتماعي الذي تتوجه إليه ولا تمثل مرآة عاكسة للقضايا الشائكة للزمن التاريخي الذي توجد فيه وإنما هي ورشة عمل كبرى يشتغل فيها الفاعلون التربويون حول الطرق النظرية والمسالك العملية والدورات التدريبية التي تساعد المرء على خلق الحياة.

صحيح أن الدولة هي التي تشيد المدارس والمعاهد والكليات وتضع البرامج وتسهر على التوجيه والإدارة ولكن الفعل التربوي الهادف يظل من مشمولات الناشطين في هذا المجال وقدرتهم على التفاعل والابتكار.

كما يتطلب كل تحول مأمول في النشاط المدرسي تطويرا في التنظيم العملي للمدرسة من جهة تحسين في الأبنية وتغيير في المادة العلمية وخلق ديناميكية في الإطار الإداري وتجديد شباب المدرسين والأساتذة4. من ناحية أخرى يبحث غرامشي في العلاقة بين المعلمين والمتعلمين ويرى أنه كلما كان عددهم أقل كانت العلاقة أصعب وظهرت المراتبية والتعالي وكلما ازداد عددهم وتنوع كلما يسرت العلاقة وظهرت الأفقية.

هكذا تتوقف نجاعة المؤسسة التربوية وقدرته على تشريع القيمة وإضفاء المعنى على وجود المتعلمين في العالم على إيجاد علاقة تفاعلية بين المتعلمين والمعلمين وعلى بلورة تعاقد بيداغوجي وفق منطق حواري قوامه لعبة الأسئلة والأجوبة وضمن إطار تشاركي بين التخصصات المتنوعة يتحمل فيها الكل المسؤولية.

 من هذا المنطلق ينصب جهد المؤسسة في الفترة الأولى من التعلم على مسارات القراءة والكتابة والفهم ثم يقع التركيز على مهارات مركبة مثل الحساب ويتم الانتقال بعد ذلك نحو ماهو أكثر تعقيدا مثل تحليل المشاكل ونقد الدغمائيات وفتح الدوائر المغلقة وتأليف المتنافر وإقامة تصور جديد للعالم مكان ماهو قديم.

من المفروض أن تدخل المدرسة في صراع مع الجهل والخرافة والتقاليد البالية وأن تواجه جل العناصر الضارة من الفلكور وتجادل الخطابة وتنقي أقوال البشر من المغالطات وتتسلح بالمقاربات الموضوعية.

يعود غرامشي إلى الفترة التي تسبق عملية التمدرس وينصص على ضرورة أن تكون الأسرة هي الرحم التربوي الأول وأن تتضمن عناصر عامة تدرب على المعرفة وتدفع إلى التفكير وتوجه نحو حب الحكمة. بطبيعة الحال يصبح التنظيم العقلاني داخل المدرسة تتمة وتتويج للتنظيم الاجتماعي الذي كان انطلق في العائلة في مرحلة الطفولة ويتدعّم من قبل أجهزة الدولة في المرحلة المدنية ضمن سير الحياة الجمهورية.

يجد الطفل في الحياة الأسرية الطبقات الفكرية التي تمنحه العناصر التربوية والقواعد التوجيهية وتمثل تحضيرا جيدا للحياة المدرسية التي لن تكون سوى عمليات استنبات واستخراج واستكمال وتتمة لها 5.

 في ظل عملية التعميم والتوسيع والتبسيط التي تعرض لها التعليم وما خلفت من مشاكل وأزمات انعكست على مستوى البطالة والهجرة والأمية تحتاج المؤسسات التربوية بشكل استعجالي خارج المراوحة بين التنظيم الذي ظل سائدا في الفضاء الديني والطريقة العسكرية في ترتيب الأولويات والانضباط والأداء إلى إتباع تنظيم ديمقراطي وعقلنة ذاتية في التسيير تطور الحقوق والواجبات مع استحقاقات المجتمع والدولة.

لا يمكن الدخول في التسرع عند القيام بمراجعات للتنظيم المتبع في المؤسسات التربوية ويُفتَرَضُ التركيز على تيسير طرق التعلم لدى الناشئة ومجابهة الصعوبات وتمكين المتعلمين من وسائل التعبير والمعرفة. التحدي الكبير الذي يطرح في نمط التعليم ومضمون البرنامج وأسلوب النظام التربوي هو البحث عن التطابق مع التجربة المتراكمة لدى المعلمين والنفور من التجديد والمختلف وغياب الشخصيات النموذجية والأخلاقية التي تنقل المتعلم من مرحلة الضياع والتردد التي يعاني منها أغلب الشباب إلى مرحلة الكهولة.

 في هذا السياق يضع غرامشي يده على الداء الذي تعاني منه المنظومة التربوية ويكمن في صعوبة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة وبالتالي تشهد مرحلة المعهد حدوث العديد من التغيرات والمشاكل للمتعلم على الصعيد النفسي والعاطفي والاجتماعي والاقتصادي وتصادم رغبة انجاز الذات مع احترام أخلاق المجموعة التي ينتمي إليها ويتناقض مطلب الاستقلالية عن العائلة مع منطق المؤسسات القائمة.

يحاول المتعلم أن يجمع بين دوغمائية التواصل والاستمرارية في مستوى الرموز الثقافية والفولكلور وثورية الانفصال والقطيعة التي يطمح إلى بلورتها على صعيد الالتزام الوجودي والنضال السياسي.

يبدو المتعلم من جهة الذاكرة والتاريخ الماضي محافظا ومطيعا ولكنه من جهة العمل والخيال والحلم واعيا بأهمية الممارسة النقدية وضرورة التسلح بالأمل في تغيير الأوضاع الجماعية من أجل الانعتاق من الظلم.

الرد على التردي الذي تعاني منه التربية لا يكون بإعادة إنتاج السائد بشكل ميكانيكي وتكريس الامتثالية الاجتماعية والخضوع التام للقيم البالية وإنما يكمن في ممارسة الخلق والإبداع والثورة على البيروقراطية.

يدور محور العملية التربوية حسب غرامشي حول القيم الأساسية التي نادت بها النزعة الإنسانوية وبالخصوص التنوير العقلي بدل التعصب الايديولوجي والحرية بدل العبودية والكرامة بدل التشيؤ والاستقلالية الأخلاقية بدل الاغتراب الاقتصادي والانضباط الذاتي بدل الامتثالية الاجتماعية.

تنبني المدرسة الإبداعية على  تنمية الحس النقدي والشعور بالمسؤولية والتخصص المفيد والممارسة الخلاقة والتمرس بالمناهج والتطبيقات النافعة والاستعمالات الاجتماعية للنصوص والطاقة الايجابية.

يضيف غرامشي إلى المدرسة الخلاقة ecole créatrice مفهوم المدرسة النشطة أو الايجابية active ويمنحها خاصيات البعد التحرري وثيمة القيم الجديدة التي تتماشى مع الأجيال الناشئة وتواكب المستقبل وتنهل من المنبع الطبيعي بالقطع مع العقلانية الكلاسيكية والمرحلة الرومنطيقية وتبلور مناهج مبتكرة وتشكل صور غير معهودة وتوسع من دوائر التشاركية المرنة وتساعد نمو الشخصية المستقلة والمسؤولة.

اللاّفت للنظر أن التطرق إلى المدرسة الإبداعية يفترض أن يقترن بممارسة الإبداع والخلق والابتكار من طرف المتعلمين أنفسهم وأن يمتلكوا المناهج والآليات المساعدة على ذلك وليس النسخ والتقليد والتكرار.

 يتعلق الأمر بمرحلة وبمنهج في البحث وبمعرفة وليس ببرنامج محدد بشكل مسبق مع إلتزام بالأصالة والاكتشاف مهما كان الثمن. يتعلق الأمر بتدرب يتم عن طريق جهد عفوي ومستقل عن الأستاذ والمشرف وقد يفضي هذا المسار التحديثي إلى تحول الفضاء التربوي إلى مصنع للمكتشفين والمخترعين والمبدعين.

يدعو غرامشي إلى التخلي عن الإكراه السلطوي التي يمارسه المعلم على المتعلم وأن تكون العلاقة بينهما متأسسة على الاحترام والتقدير وأن يوجه المعلم المتعلمين بشكل ودي وإقناعي ويدفعهم إلى التعلم الذاتي ويساعدهم على تثقيف ذواتهم وصقل شخصياتهم بأنفسهم واكتشاف الحقائق الجديدة بملكاتهم التي تخصهم.

من المفروض أن تتشكل علاقة تفاعلية بين الجهد الذهني والعمل العضلي في حدثان المدرسة الموحدة وأن يؤدي الشغل داخل المكتبات والمخابر وحلقات النقاش ودروس التطبيقي والمسير إلى تراكم الإبداع.

لكن ماهو المبدأ التربوي الذي وقعه غرامشي ونادي بتلقيح الأجسام الثقافية والأجهزة الإيديولوجية به؟

من المعلوم أن المدرسة تقوم بدور الوسيط بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي وتردم الفجوة بين الثقافة والحياة وتقرب المسافة التي كانت تفصل بين أبناء الطبقات المالكة والمنحدرين من الطبقات الشعبية. ويزداد هذا الامتزاج والاختلاط والتلاقي في الفضاء الجامعي حيث تمحي الفوارق وتتوقف عملية الفرز ويتم الاحتكام إلى القيمة الأكاديمية في الانتقاء وإسناد الدرجات العلمية والجدارة المهنية وكفاءة التواصل.

من المفترض أن يتوازى البحث العلمي في الجامعة مع الأنشطة الثقافية في المجتمع المدني وأن يستفيد الحراك المدني في الحياة السياسية من الأعمال الأكاديمية التي يتم بلورتها في المؤسسات الجامعية وذلك من أجل التخلي عن المركزية وتمكين الجامعة من ممارسة وظيفتها التنويرية بالنسبة للمجتمع والأفراد.

يقوم المبدأ التربوي على السعي إلى طلب العلم في الحياة بأسرها من جهة وعلى تقديس قيمة العمل في اتجاه جلب المنفعة ودفع المضرة من جهة أخرى. بيد أن إحراز درجة عالية من الإنتاجية والتنمية غير ممكن دون تحصيل معرفة دقيقة بقوانين الطبيعة ودون احترام الترتيبات التي تنظم العلاقات بين الأفراد.

أن الأساس الأول الذي تستند إليه المدرسة هو نقد المستوى الثقافي للناس والارتقاء بدرجة الوعي المدني لديهم وتسليحهم بالأفكار الفلسفية التي تعتبر عن رؤيتهم للعالم وتحيين ذاكرتهم ضمن لحظتهم التاريخية6. على هذا النحو تكون المؤسسات التعليمية المستقلة هي المنارات التي يهتدي بها المجتمع زمن الاضطراب وتكون الشخصيات الأكاديمية هي البوصلة التي تحدد اتجاه الطريق المدني للشعوب وتمثل أطروحاتهم العلامات المرشدة إلى هذا الدرب الطويل والشاق الذي تتبعه الدول الحية نحو التحضر والانعتاق والتوحد. فإذا كانت البيداغوجيا المثالية تفرق بين التدريس والتربية وتنتج العقلية الدوغمائية التي تقنع بالجاهز وتركن إلى البديهيات وتتعامل مع المعارف على أنها حقائق مطلقة وتسلم بحصة النظريات إلى الأبد فإن التنظيم الجديد للحياة المدرسية يكرس التعددية من خلال الوحدة في التنوع والتنوع في الوحدة ويتبنى البيداغوجية النقدية التي تسعى إلى البناء والتشييد والتعمير وتمنح المتعلمين فرص التعلم الذاتي وتنمية المهارات وتمكنهم من معايشة الوضعيات التي ترفع المنسوب النضالي لديهم من أجل الوعي بالمسؤولية.

من المفروض أن يتم تنظيم المدرسة بحيث تجمع بين الحياة المشتركة وتقاسم الفضاء العمومي بين الأفراد المكونة لها وبين احترام الحياة الخاصة ومنح المتعلمين عدة فرص للتعبير عن نماء شخصياتهم وذكائهم.

إن تغلب المدرسة على أزمتها رهين التخلي عن الميكانيكية في البرمجة والتطبيق وعن الفصل بين الذهني والعضلي وبين الإنسان العارف والإنسان الصانع والتحلي بالتربية الذاتية الذهنية والاستقلالية الأخلاقية وامتلاك فاض القيمة من جهة الدقة الأكاديمية والتسلح بالمناهج والتجارب عند دعوة الوقائع والظواهر.

الوصفة السحرية التي ينادي بها غرامشي هي مدرسة الإبداع وبيداغوجيا الابتكار التي تؤمن بالتخصص والجدارة دون التحول إلى بيروقراطية وتحرض على بناء النظرة الموسوعية دون الوقوع في العموميات.

تكمن الوظيفة الايديولوجية لهذه المدرسة في التصدي لبرامج التسطيح والبلاهة ومقارعة الجهل والخرافة والتقليل من هيمنة الاقتصادوي على السياسي والاعتصام بالثقافي والإيتيقي وتقر بلزومية الإبداع الفني. بهذا المعنى تخرج المدرسة العناصر الاجتماعية من السلبية الفكرية ومن الثقافة الاستعراضية والمناسباتية وتمنحهم من خلال التنظيم العقلاني والانخراط العضوي من المنفعة العمومية والصلابة الاجتماعية وتجعل من النشاط العلمي القاعدة الأساسية للتغيير الاجتماعي والتحديث السياسي للشعب.

يطالب غرامشي بإدراج العمل الأكاديمي ضمن الأنشطة الثقافية التي تتم في الحياة المشتركة وفي عالم الشغل والإنتاج دون المرور بوساطة الدولة والمجتمع السياسي والتعويل على المجتمع المدني وأجهزته.

في هذا الإطار قد تساعد الجامعة من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والدروس والمحاضرات على تجنب الوقوع في العديد من الأخطاء وتفادي الكثير من المآزق والخيارات الفاشلة وفي المقابل توفر بشكل استباقي واستراتيجي الأبعاد التقنية للمشاكل الاقتصادية والقيم الأخلاقية للتحولات السياسية وعقلنة العمل الموجه نحو دراسة المجتمع وتخليد ذاكرته ومراجعة تاريخه وتفقد عناصر القوة في الاقتصاد الوطني7.

اللافت للنظر أن غرامشي يراهن على التلازم بين قيمة التمدرس وقيمة التربية وعلى الاقتران الضروري بين ارتفاع المستوى الإيتيقي وارتفاع المستوى التعليمي في العناصر التي تكون بنية المنظومة المدرسية.

لن يتحول التدريس إلى تربية إلا إذا كان المدرس يؤمن بشكل مبدئي بالوحدة العضوية بين المدرسة والحياة وصار واعيا عبر عمله الحي بالتناقضات بين نمط المجتمع والثقافة التي يمثلها بشكل غير معهود ونمط المجتمع والثقافة التي يتبناه المتعلمين من منظور الحس المشترك ويمثل النظام السياسي القديم. لعل مسؤولية المدرس كبيرة في هذه المهمة ، إذ لا يقتصر عمله على إيجاد حلول شعرية للمشاكل تصوريا وداخل إطار المؤسسة التي ينتمي إليها وإنما يضطر للنزول إلى الشارع والانخراط الميداني في الصراع لكي يؤثر في المتلقين ويكافح ضد النمط القديم من المدرسة ويفتح العالم التربوي على معنى مختلف. يطلب الآن من المربي أن يكون فنانا وفيلسوفا ومهندسا وحقوقيا وعالما لكي يتمكن من النفاذ إلى قلوب المتعلمين ووجدانهم من أجل امتلاك عقولهم وتدريب ملكاتهم على المعرفة والفهم والإحساس والاقتناع.

لا يوجه الصراع ضد البرامج بصورة شكلية ومجردة وإنما كل المجمع المركب الذي يمثله الأشخاص الذي يحملون البرامج القديمة ويحتلون المواقع ويشكلون عقبة نابذة لكل تجديد ومانعة لكل تطور وتقدم.

تلعب الصدفة دورا كبير ا في النجاح بالنسبة إلى البعض ويطلب من المتعلمين إتقان فن التعريف والقيام بتحليل صحيح لقضية معينة وإصدار حكم موضوعي على مسألة شائكة ولكن ذلك ليس دليلا كافيا على الارتقاء بالمستوى الثقافي والإيتيقي للمتعلمين على الرغم من الارتقاء في الدرجات وإحراز الألقاب8.

المفارقة أن مدرس جديد قد يبلد أذهان المتعلمين ويفرغ التعليم من محتواه عندما يظل يتحرك ضمن برنامج قديم ويشتغل بالطرق القديمة وأن مدرس قديم قد يشحذ الذكاء ويوقظ الوعي لما يعمل ببرنامج جديد ويبتكر طرق بيداغوجية مختلفة ويوجه الاهتمام نحو الحياة المألوفة ويغادر الموقف الطبيعي. ماهي مبادئ البيداغوجيا الجديدة التي يقترحها غرامشي؟

بيت القصيدة حسب غرامشي هو ضمان النجاعة التربوية للمؤسسة التعليمية وهو أمر لن يتم إلا إذا توفرت إرادة وجود للمدرسة العمومية تنظيما وبرمجة ورفع مستوى الحلم بعالم جديد ضمن الحياة. لهذا فإن فصل المدرسة عن الحياة وتجنيبها الصراع وقبول البرامج الحالية والتنظيم الإداري الراهن يعني تركز الأزمة تستفحل داخل المشهد التربوي وإعداد المتعلم من أجل مشاركة نشطة وفعالة هو بداية المخرج. إن التخلص من الانفعالية السلبية في مستوى التقبل لدى المتعلم ومن الصورة الميكانيكية في الدراسة على مستوى الإملاء والتلقين والحفظ والتكرار والنسخ عند الاختبار هو توجه جدي للقطيعة من التعليم القديم. على هذا النحو الهدف من قيام المدرسة الإبداعية ليس مهنيا فقط بل بناء التنمية الداخلية للشخصية بأن يكون ذاته بمعرفته لذاته وفق حداثة متعددة الأصوات وبحسن الوجود في العالم والالتقاء المفيد بالآخر. بناء على ذلك تظل الجامعة تدور في حلقة مفرغة من الإنتاج وإعادة الإنتاج وقد تشكل بيئة أكاديمية فقيرة وبعيدة كل البعد عن خلق كفاءات علمية مؤثرة وأطر معرفية مناضلة تستطيع أن تقود المرحلة التاريخية. بطبيعة الحال   يتضمن البرنامج التربوي التاريخ السياسي للدولة وعناصر النسق اللغوي ومبادئ الدين الحميد ومدونة القانون الوضعي والبعد الوطني الشعبي للثقافة ودراية بالمحيط الجغرافي والحضاري وبالعلوم الدقيقة.

اذا كانت المدرسة القديمة فاسدة ومهترئة وتسببت في نشوب أزمة عضوية فلأنها تناست الديمقراطية والتعددية وشجعت على الأوليغارشية والأنانية وسلحت المتخرجين منها بالطمع والشجع وقيم السوق. لقد ظلت عاجزة من جهة أنشطتها الدورية عن خلق عقول مفكرة تكون قادرة على التخطيط العلمي للمستقبل وقيادة المرحلة التاريخية المضطربة ومارست الإقصاء والازدراء على المجتهد والمبدع والمختلف.

رأس الأمر اليوم في المدرسة الإبداعية ليس الاكتفاء بتوفير الأيدي العالمة بل نحت المواطن الذي يصيرا حاكما لنفسه ومحكوما ضمن ديمقراطية سياسية يتساوى فيها بطريقة أفقية الحكام والمحكومين أمام الحق.

علاوة على أن المدرسة الإبداعية تقلل قدر الإمكان الدوغمائية والبيروقراطية والميكانيكية والمثالية في التعليم وتوسع دوائر العدالة عبر تبني نزعة نقدية تاريخية وعناية بالبراكسيس والمشاركة والتكيف9.

ترتكز المدرسة على الانفتاح والنشاط والحرية والارتباط بالحياة والصراع ضد النظام الطبيعي من أجل خلق الإنسان والعمل على تخطي العفوية والوعي بالزمن والاتصال بالتاريخ واستهداف حضارة جديدة.

" ينبغي أن تتعرض التربية إلى تحول كلي على ضوء هذين الواقعين: العدد الراهن من الناس والعجز الذي يوجد فيها الكثير منهم والذي يمنعهم من الوصول إلى الثقافة كما وقع تكوينها بصورة تقليدية"10

 يطرح أنطونيو غرامشي المسالة التربوية ضمن تناوله للمشكل الذي يمكن إثارته حول الزوج المفهومي الحضارة والثقافة وفي إطار حرصه على تكوين المثقفين تكوينا ثوريا وتنظيم الثقافة وإصلاح المدرسة بحيث تمنعا ظهور المثقفين العضويين والأكادميين المحافظين وتنتج مثقفين عضويين وأطر ثورية11.

من هذا المنطلق يرفض غرامشي وجهة النظر التي تقول بها الفلسفة المثالية حول عبارة اليوتوبيا السياسية التي تمنح للمفكرين والمثقفين وضعا استثنائيا وتعترف باستقلاليتهم ضمن المجال الإيديولوجي والسياسي.

و يمتحن مسألة إنتاج النخب الفكرية وتكوين شريحة من المثقفين العضويين داخل مجموع الأطر التربوية والمؤسسات التعليمية التي تمدرسوا فيها وضمن المناخ الفكري العام الذي أنتج تصورهم للعالم وللإنسان.

كما أن حضور بعض العلوم والمعارف والاختصاصات على غرار الفلسفة والعلم والأخلاق والقانون والإدارة والتربية بات ضروريا في بناء شخصية ثورية ومن أجل عقلنة الإيديولوجيا الدينية وتنويرها.  

زيادة على ذلك يرفض التمييز الذي يتم في نظم التعليم بين رجال الفكر والفلسفة ورجال الدين والقانون ويبحث عن توفير شروط اجتماعية تساهم في عملية زرع مفهوم المثقف داخل فضاء القداسة دون حدوث مشاكل ودون حصره في الفضاء الدنيوي والقيام بتجارب علمنة على الحياة الثقافية والتربوية بشكل عام .

والحق أن لفظ مثقف يمكن قبوله داخل مؤسسة تربوية تساهم من حيث البدء في إنتاجه وتضع المعايير التي تضبط بين الفعاليات الثقافية التي تنخرط فيها زمر اجتماعية والآراء المشتركة التي ترزح في الجهل. لقد صار الدخول الى المدرسة أو العزوف عنها والانقطاع عن متابعة دروسها أو مواصلتها هو الذي يحدد المثقف من غيره ويميز المتعلم عن الأمي والمفكر الحر عن التابع الجاهل والإنسان العارف عن الصانع.

بهذا المعنى لا تعاني الحياة التربوية من غياب البعد الثقافي ومن تفشي الجهل والخرافة بل يئن من هيمنة المطالب الاقتصادية التي تطرح ضمن حاجيات السوق والوظيفة الإيديولوجية التي يقدمها التعليم للسياسة.

ثمة أخطاء من جهة المناهج المتبعة ضمن المنظومة التربوية ومن جهة نسق العلاقات بين جملة الفاعلين التربويين وقد أدت هذه الأخطاء إلى تعقد الوضعية وبروز مشاكل مستعصية أفرغت المدرسة من دورها التنويري ومن أبعادها التوعوية والتثقيفية وجعلتها تقتصر على التكوين والإعداد وفق البرمجة الإدارية.

إذا كانت المدرسة تفصل بين النشاط الذهني والجهد العضلي وبين التعليم النظري والفعل الميداني فإن خلق شريحة موهوبة من الخرجين تقتضي التأليف بين البعدين والجمع بين تمرين الذكاء وتقوية الجسم. على المدرسة أن تأخذ بعين الاعتبار تصورا للإنسان يضم الصناعة إلى المعرفة والتعمق في البحث إلى التوسع في الأبعاد وتضيف البراعة اليدوية إلى الموهبة الفكرية وشرط التخصص إلى النظرة الموسوعية. على هذا النحو يفترض أن يكون التعليم قادرا من جهة عناصره التكوينية والأسس التي استند عليها وتصوراته للعالم وتفسيره للحياة على تخريج العديد من المهن والمهارات من جميع الأصناف والحرف وأن يكون منبع ميلاد المثقف والمفكر والفيلسوف والفنان والخبير والسياسي والقانوني والإداري وغيرهم.

كما تعمل الثقافة الراقية على التقليل من المسافات الفاصلة بين الكائن البشري الذي يتقاسم مع غيره تصورا عن العالم من جهة ذائقته الفنية وضميره الأخلاقي والكائن البشري الملتزم بقضايا مجتمعه والمدافع عن القيم الكونية في النطاق السياسي الذي يخصه من خلال نشاطه الصحفي ونضاله السياسي.

يطالب غرامشي بأن يتحول الإنسان العارف والإنسان الصانع إلى كائن واحد من أجل تطوير مفهوم جديد عن المثقف العضوي يطرح المشاكل الفعلية التي تتناسب مع الحقبة الصناعية وينتج أشكال حياة جديدة. لكن كيف تقدر التربية التقنية التي ترتبط بالعمل الصناعي الأكثر بدائية وتعبا على تكوين مثقفين مبدعين؟

يطرح غرامشي قضية إصلاح التعليم في اتجاه التربية على الإبداع والالتزام ويطلب تشكيل مقاما وجوديا للمثقف الجديد الذي يتعدى الحضور الشكلي عبر الخطابة إلى الفعل في الحياة العملية بشكل ملموس من حيث هو مبدع ومنظم وموجه ومقنع بصورة محايثة وينتقل بالتجربة من تقنيات الشغل إلى العلوم التقنية.

لا يتم الخروج من العالم القروسطي بالنسبة المجتمعات المتأخرة إلا بإتباع سياسة تربوية تركز على تنظيم الحياة المدرسية وفق المقولات المتطورة والتجارب العصرية والنماذج الناجحة التي تمكنت من توسيع دوائر التثقيف في كل فرد وكل مجموعة ومن الإكثار من فئة المختصين والمبدعين للنمط العالي للثقافة.

بهذا المعنى يضع غرامشي على ذمة مشروع بلورة الثورة الثقافية كل الأجهزة الإيديولوجية التي تتشكل منها البنية الفوقية للمجتمع بما في ذلك المؤسسات التربوية التي تمثل الواجهة الأمامية للتحديث والارتقاء.

  بيد أن تنظيم المؤسسات التربوية قد يعتريه الخلل من جهة التخصص والتراتبية وغلبة الامتداد العامودي على الامتدادي الأفقي وهيمنة مادة التقنية الصناعية ومجال بناء الآلات على مادة العلوم الإنسانية والآداب التي تسهر على صناعة العقول والضمائر وتنتج أدوات الصعود الحضاري وقوى التحرر الاجتماعي.

على هذا الأساس يناضل أنطونيو غرامشي في اتجاه تضمين المؤسسات التعليمية بنية ديمقراطية في مستوى البرمجة والتدريب ويحرص على العودة إلى الواقع الملموس ومعالجة انخفاض الوعي والتصدي للبطالة والفقر ويتخلى عن التحرك فوق ميدان ديمقراطي مجرد تتحكم فيها مسارات تاريخية تقليدية.

 قد يؤدي اعتماد غرامشي على أسلوب السياسة المباشرة التي تتعهد بإصلاح فلسفة الحشود والانتقال من الحس المشترك إلى الحس السليم إلى تبني أسلوب التعليم عن قرب ومراجعة النزاعات الوضعية والمثالية. علاوة على ذلك يبتعد غرامشي عن تنزيل المسألة التربوية ضمن إطار العلاقة بين التعليم وعالم الإنتاج ويركز على القوى الاجتماعية الأساسية والوسائط المعرفية التي توكل إليها مهمة تنظيم الإدارة وبلورة الطوابق التي تكون البنية الفوقية بصورة هيكلية وعقلنة الروابط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

لقد أدى التوزيع المختلف لأنماط متنوعة من المدارس على الأرضية الاقتصادية إلى تكريس فجوة من حيث الجودة والمستوى بين مدارس المهن والحرف والفنون والمدارس الكلاسيكية التي تعيد إنتاج السائد. على الرغم من كون المؤسسات التعليمية الخاصة بالبرجوازية الريفية دأبت على إنتاج شريحة الموظفين وفئة المهن الحرة بينما تنتج تلك التي تخص البرجوازية الحضرية شريحة الصناعيين والتقنيين والخبراء.

بهذا المعنى تساهم  نظم التربية ومؤسسات التعليم في تمكين الهيجيمونيا من الهيمنة على الحياة السياسية وتحكم في بقية الشرائح الاجتماعية والفردية وتمنح المشروعية للدولة وتساعد النظام القانوني على الحكم.

يبدو أن المناخ العام الذي تشكلت فيه المدرسة في الحقبة المعاصرة ينبني على تعقد الأنشطة التطبيقية وتجذر العلوم في الحياة العامة وتغلغل التخصص في مختلف جوانب المعرفة البشرية والذكاء العملي.

على هذا النحو يميز غرامشي بين النمط الإنسانوي للمدرسة الذي يتعلق بالعصر القديم ويقوم بتطوير الثقافة العامة لدى الفرد من حيث القدرة على التفكير والمعرفة وتوجيه في الحياة الاجتماعية وبين النمط التخصصي الذي تفرد باختراع نسق من الاختصاصات التطبيقية التي تنمي لدى المتكونين جملة من المهارات وتدرب الملكات على عدد من الاقتدارات الدقيقة في مجالات صناعية فنية وأبعاد مهنية متنوعة.

لقد تفطن غرامشي إلى خطورة الأزمة التي يمكن أن يعاني منها القطاع التربوي بسبب غياب التنظيم وضعف البرمجة والكادر المؤهل وشيوع الفوضى وتعدد الأخطاء في المناهج المتبعة والتوجهات العامة.

كما أن المدرسة الكلاسيكية بقيت حكرا على الطبقات المهيمنة وتقوم بمهمة تخريج فئة المثقفين الذين يحافظون على هذه الهيمنة بينما المدرسة المهنية ظلت مشرعة أمام الشرائح الاجتماعية الصاعدة وتنتج فئة من التقنيين والحرفيين والصناع الذين يفتقدون إلى الثقافة العامة والوعي السياسي الضرورة للتغيير.

تتمثل الصورة العقلية لهذا التربوي المعاصر في بناء القاعدة الصلبة لكل تنمية اقتصادية وتوفير الموارد البشرية المؤهلة لكل انطلاقة تحديثية للمجتمع بالنظر لتمتعها بقدرة تكوينية تأسست على تراكم التحضر.  لذا يراهن غرامشي على نمط جديد من المدارس غير مكترث بالتكوين والتوجيه ومعني بالتثقيف والتنوير يغلب درجات الجودة والنوعية والكيفية والكفاءة والاقتدار على الكم العددي والمستقبل المهني للمتعلمين.

يطالب غرامشي بالتعويل على مدرسة موحدة مختصة في الثقافة العامة تجمع بين كسب القيم الإنسانية والمهارات التكوينية وتحقق التوازن بين تطوير ملكات النشاط الذهني وقدرات العمل العضلي واليدوي.

تتمثل الخطة المرصودة لهذه المدرسة في مراكمة الذكاء والابتكار والتشجيع على العمل الخلاق والحاذق وتنمية روح المبادرة لدى الأفراد واتجاه مختلف الممارسات المختصة في بعث حلقاتها الثقافية الخاصة. لكن كيف يمكن المرور من مدارس متخصصة في مهن دقيقة إلى المدرسة موحدة في التثقيف والتنوير؟

يتحدث غرامشي على المؤسسات التي تحتضن المبدعين في المرحلة التي تعقب التمدرس المختص ويشير إلى تنظيم الشروط الذاتية والأطر الموضوعية التي تسمح لكل فرد بأن يسير في اتجاه الارتقاء بتكوينه. ودعا الى التمييز داخل كل جهاز إداري تربوي بين بعدين عضويين: الأول هو نشاط تحرري ثقافي والثاني هو نشاط تقني صناعي، ويفترض أن يكسب التمدرسُ الإنسانَ الخبرة في التحليل واتخاذ القرار الصائب. وبالتالي لا تهدف المدرسة إلى إنتاج معرفة مطابقة بشكل تقريبي للواقع الاجتماعي الذي تتوجه إليه ولا تمثل مرآة عاكسة للقضايا الشائكة للزمن التاريخي الذي توجد فيه وإنما هي ورشة عمل كبرى يشتغل فيها الفاعلون التربويون حول الطرق النظرية والمسالك العملية والدورات التدريبية التي تساعد المرء على خلق الحياة.

صحيح أن الدولة هي التي تشيد المدارس والمعاهد والكليات وتضع البرامج وتسهر على التوجيه والإدارة ولكن الفعل التربوي الهادف يظل من مشمولات الناشطين في هذا المجال وقدرتهم على التفاعل والابتكار.

كما يتطلب كل تحول مأمول في النشاط المدرسي تطويرا في التنظيم العملي للمدرسة من جهة تحسين في الأبنية وتغيير في المادة العلمية وخلق ديناميكية في الإطار الإداري وتجديد شباب المدرسين والأساتذة12. من ناحية أخرى يبحث غرامشي في العلاقة بين المعلمين والمتعلمين ويرى أنه كلما كان عددهم أقل كانت العلاقة أصعب وظهرت المراتبية والتعالي وكلما ازداد عددهم وتنوع كلما يسرت العلاقة وظهرت الأفقية.

هكذا تتوقف نجاعة المؤسسة التربوية وقدرته على تشريع القيمة وإضفاء المعنى على وجود المتعلمين في العالم على إيجاد علاقة تفاعلية بين المتعلمين والمعلمين وعلى بلورة تعاقد بيداغوجي وفق منطق حواري قوامه لعبة الأسئلة والأجوبة وضمن إطار تشاركي بين التخصصات المتنوعة يتحمل فيها الكل المسؤولية.

 من هذا المنطلق ينصب جهد المؤسسة في الفترة الأولى من التعلم على مسارات القراءة والكتابة والفهم ثم يقع التركيز على مهارات مركبة مثل الحساب ويتم الانتقال بعد ذلك نحو ماهو أكثر تعقيدا مثل تحليل المشاكل ونقد الدغمائيات وفتح الدوائر المغلقة وتأليف المتنافر وإقامة تصور جديد للعالم مكان ماهو قديم.

من المفروض أن تدخل المدرسة في صراع مع الجهل والخرافة والتقاليد البالية وأن تواجه جل العناصر الضارة من الفلكور وتجادل الخطابة وتنقي أقوال البشر من المغالطات وتتسلح بالمقاربات الموضوعية.

يعود غرامشي إلى الفترة التي تسبق عملية التمدرس وينصص على ضرورة أن تكون الأسرة هي الرحم التربوي الأول وأن تتضمن عناصر عامة تدرب على المعرفة وتدفع إلى التفكير وتوجه نحو حب الحكمة. بطبيعة الحال يصبح التنظيم العقلاني داخل المدرسة تتمة وتتويج للتنظيم الاجتماعي الذي كان انطلق في العائلة في مرحلة الطفولة ويتدعّم من قبل أجهزة الدولة في المرحلة المدنية ضمن سير الحياة الجمهورية.

يجد الطفل في الحياة الأسرية الطبقات الفكرية التي تمنحه العناصر التربوية والقواعد التوجيهية وتمثل تحضيرا جيدا للحياة المدرسية التي لن تكون سوى عمليات استنبات واستخراج واستكمال وتتمة لها 13.

 في ظل عملية التعميم والتوسيع والتبسيط التي تعرض لها التعليم وما خلفت من مشاكل وأزمات انعكست على مستوى البطالة والهجرة والأمية تحتاج المؤسسات التربوية بشكل استعجالي خارج المراوحة بين التنظيم الذي ظل سائدا في الفضاء الديني والطريقة العسكرية في ترتيب الأولويات والانضباط والأداء إلى إتباع تنظيم ديمقراطي وعقلنة ذاتية في التسيير تطور الحقوق والواجبات مع استحقاقات المجتمع والدولة.

لا يمكن الدخول في التسرع عند القيام بمراجعات للتنظيم المتبع في المؤسسات التربوية ويُفتَرَضُ التركيز على تيسير طرق التعلم لدى الناشئة ومجابهة الصعوبات وتمكين المتعلمين من وسائل التعبير والمعرفة. التحدي الكبير الذي يطرح في نمط التعليم ومضمون البرنامج وأسلوب النظام التربوي هو البحث عن التطابق مع التجربة المتراكمة لدى المعلمين والنفور من التجديد والمختلف وغياب الشخصيات النموذجية والأخلاقية التي تنقل المتعلم من مرحلة الضياع والتردد التي يعاني منها أغلب الشباب إلى مرحلة الكهولة.

 في هذا السياق يضع غرامشي يده على الداء الذي تعاني منه المنظومة التربوية ويكمن في صعوبة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة وبالتالي تشهد مرحلة المعهد حدوث العديد من التغيرات والمشاكل للمتعلم على الصعيد النفسي والعاطفي والاجتماعي والاقتصادي وتصادم رغبة انجاز الذات مع احترام أخلاق المجموعة التي ينتمي إليها ويتناقض مطلب الاستقلالية عن العائلة مع منطق المؤسسات القائمة.

يحاول المتعلم أن يجمع بين دوغمائية التواصل والاستمرارية في مستوى الرموز الثقافية والفولكلور وثورية الانفصال والقطيعة التي يطمح إلى بلورتها على صعيد الالتزام الوجودي والنضال السياسي.

يبدو المتعلم من جهة الذاكرة والتاريخ الماضي محافظا ومطيعا ولكنه من جهة العمل والخيال والحلم واعيا بأهمية الممارسة النقدية وضرورة التسلح بالأمل في تغيير الأوضاع الجماعية من أجل الانعتاق من الظلم.

الرد على التردي الذي تعاني منه التربية لا يكون بإعادة إنتاج السائد بشكل ميكانيكي وتكريس الامتثالية الاجتماعية والخضوع التام للقيم البالية وإنما يكمن في ممارسة الخلق والإبداع والثورة على البيروقراطية.

يدور محور العملية التربوية حسب غرامشي حول القيم الأساسية التي نادت بها النزعة الإنسانوية وبالخصوص التنوير العقلي بدل التعصب الايديولوجي والحرية بدل العبودية والكرامة بدل التشيؤ والاستقلالية الأخلاقية بدل الاغتراب الاقتصادي والانضباط الذاتي بدل الامتثالية الاجتماعية.

تنبني المدرسة الإبداعية على  تنمية الحس النقدي والشعور بالمسؤولية والتخصص المفيد والممارسة الخلاقة والتمرس بالمناهج والتطبيقات النافعة والاستعمالات الاجتماعية للنصوص والطاقة الايجابية.

يضيف غرامشي إلى المدرسة الخلاقة ecole créatrice مفهوم المدرسة النشطة أو الايجابية active ويمنحها خاصيات البعد التحرري وثيمة القيم الجديدة التي تتماشى مع الأجيال الناشئة وتواكب المستقبل وتنهل من المنبع الطبيعي بالقطع مع العقلانية الكلاسيكية والمرحلة الرومنطيقية وتبلور مناهج مبتكرة وتشكل صور غير معهودة وتوسع من دوائر التشاركية المرنة وتساعد نمو الشخصية المستقلة والمسؤولة.

اللاّفت للنظر أن التطرق إلى المدرسة الإبداعية يفترض أن يقترن بممارسة الإبداع والخلق والابتكار من طرف المتعلمين أنفسهم وأن يمتلكوا المناهج والآليات المساعدة على ذلك وليس النسخ والتقليد والتكرار.

 يتعلق الأمر بمرحلة وبمنهج في البحث وبمعرفة وليس ببرنامج محدد بشكل مسبق مع إلتزام بالأصالة والاكتشاف مهما كان الثمن. يتعلق الأمر بتدرب يتم عن طريق جهد عفوي ومستقل عن الأستاذ والمشرف وقد يفضي هذا المسار التحديثي إلى تحول الفضاء التربوي إلى مصنع للمكتشفين والمخترعين والمبدعين.

يدعو غرامشي إلى التخلي عن الإكراه السلطوي التي يمارسه المعلم على المتعلم وأن تكون العلاقة بينهما متأسسة على الاحترام والتقدير وأن يوجه المعلم المتعلمين بشكل ودي وإقناعي ويدفعهم إلى التعلم الذاتي ويساعدهم على تثقيف ذواتهم وصقل شخصياتهم بأنفسهم واكتشاف الحقائق الجديدة بملكاتهم التي تخصهم.

من المفروض أن تتشكل علاقة تفاعلية بين الجهد الذهني والعمل العضلي في حدثان المدرسة الموحدة وأن يؤدي الشغل داخل المكتبات والمخابر وحلقات النقاش ودروس التطبيقي والمسير إلى تراكم الإبداع.

لكن ماهو المبدأ التربوي الذي وقعه غرامشي ونادي بتلقيح الأجسام الثقافية والأجهزة الإيديولوجية به؟

من المعلوم أن المدرسة تقوم بدور الوسيط بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي وتردم الفجوة بين الثقافة والحياة وتقرب المسافة التي كانت تفصل بين أبناء الطبقات المالكة والمنحدرين من الطبقات الشعبية. ويزداد هذا الامتزاج والاختلاط والتلاقي في الفضاء الجامعي حيث تمحي الفوارق وتتوقف عملية الفرز ويتم الاحتكام إلى القيمة الأكاديمية في الانتقاء وإسناد الدرجات العلمية والجدارة المهنية وكفاءة التواصل.

من المفترض أن يتوازى البحث العلمي في الجامعة مع الأنشطة الثقافية في المجتمع المدني وأن يستفيد الحراك المدني في الحياة السياسية من الأعمال الأكاديمية التي يتم بلورتها في المؤسسات الجامعية وذلك من أجل التخلي عن المركزية وتمكين الجامعة من ممارسة وظيفتها التنويرية بالنسبة للمجتمع والأفراد.

يقوم المبدأ التربوي على السعي إلى طلب العلم في الحياة بأسرها من جهة وعلى تقديس قيمة العمل في اتجاه جلب المنفعة ودفع المضرة من جهة أخرى. بيد أن إحراز درجة عالية من الإنتاجية والتنمية غير ممكن دون تحصيل معرفة دقيقة بقوانين الطبيعة ودون احترام الترتيبات التي تنظم العلاقات بين الأفراد.

أن الأساس الأول الذي تستند إليه المدرسة هو نقد المستوى الثقافي للناس والارتقاء بدرجة الوعي المدني لديهم وتسليحهم بالأفكار الفلسفية التي تعتبر عن رؤيتهم للعالم وتحيين ذاكرتهم ضمن لحظتهم التاريخية14 .

على هذا النحو تكون المؤسسات التعليمية المستقلة هي المنارات التي يهتدي بها المجتمع زمن الاضطراب وتكون الشخصيات الأكاديمية هي البوصلة التي تحدد اتجاه الطريق المدني للشعوب وتمثل أطروحاتهم العلامات المرشدة إلى هذا الدرب الطويل والشاق الذي تتبعه الدول الحية نحو التحضر والانعتاق والتوحد.

إذا كانت البيداغوجيا المثالية تفرق بين التدريس والتربية وتنتج العقلية الدوغمائية التي تقنع بالجاهز وتركن إلى البديهيات وتتعامل مع المعارف على أنها حقائق مطلقة وتسلم بحصة النظريات إلى الأبد فإن التنظيم الجديد للحياة المدرسية يكرس التعددية من خلال الوحدة في التنوع والتنوع في الوحدة ويتبنى البيداغوجية النقدية التي تسعى إلى البناء والتشييد والتعمير وتمنح المتعلمين فرص التعلم الذاتي وتنمية المهارات وتمكنهم من معايشة الوضعيات التي ترفع المنسوب النضالي لديهم من أجل الوعي بالمسؤولية.

من المفروض أن يتم تنظيم المدرسة بحيث تجمع بين الحياة المشتركة وتقاسم الفضاء العمومي بين الأفراد المكونة لها وبين احترام الحياة الخاصة ومنح المتعلمين عدة فرص للتعبير عن نماء شخصياتهم وذكائهم.

إن تغلب المدرسة على أزمتها رهين التخلي عن الميكانيكية في البرمجة والتطبيق وعن الفصل بين الذهني والعضلي وبين الإنسان العارف والإنسان الصانع والتحلي بالتربية الذاتية الذهنية والاستقلالية الأخلاقية وامتلاك فاض القيمة من جهة الدقة الأكاديمية والتسلح بالمناهج والتجارب عند دعوة الوقائع والظواهر.

الوصفة السحرية التي ينادي بها غرامشي هي مدرسة الإبداع وبيداغوجيا الابتكار التي تؤمن بالتخصص والجدارة دون التحول إلى بيروقراطية وتحرض على بناء النظرة الموسوعية دون الوقوع في العموميات.

تكمن الوظيفة الايديولوجية لهذه المدرسة في التصدي لبرامج التسطيح والبلاهة ومقارعة الجهل والخرافة والتقليل من هيمنة الاقتصادوي على السياسي والاعتصام بالثقافي والإيتيقي وتقر بلزومية الإبداع الفني. بهذا المعنى تخرج المدرسة العناصر الاجتماعية من السلبية الفكرية ومن الثقافة الاستعراضية والمناسباتية وتمنحهم من خلال التنظيم العقلاني والانخراط العضوي من المنفعة العمومية والصلابة الاجتماعية وتجعل من النشاط العلمي القاعدة الأساسية للتغيير الاجتماعي والتحديث السياسي للشعب.

يطالب غرامشي بإدراج العمل الأكاديمي ضمن الأنشطة الثقافية التي تتم في الحياة المشتركة وفي عالم الشغل والإنتاج دون المرور بوساطة الدولة والمجتمع السياسي والتعويل على المجتمع المدني وأجهزته.

في هذا الإطار قد تساعد الجامعة من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والدروس والمحاضرات على تجنب الوقوع في العديد من الأخطاء وتفادي الكثير من المآزق والخيارات الفاشلة وفي المقابل توفر بشكل استباقي واستراتيجي الأبعاد التقنية للمشاكل الاقتصادية والقيم الأخلاقية للتحولات السياسية وعقلنة العمل الموجه نحو دراسة المجتمع وتخليد ذاكرته ومراجعة تاريخه وتفقد عناصر القوة في الاقتصاد الوطني15.

اللافت للنظر أن غرامشي يراهن على التلازم بين قيمة التمدرس وقيمة التربية وعلى الاقتران الضروري بين ارتفاع المستوى الإيتيقي وارتفاع المستوى التعليمي في العناصر التي تكون بنية المنظومة المدرسية.

لن يتحول التدريس إلى تربية إلا إذا كان المدرس يؤمن بشكل مبدئي بالوحدة العضوية بين المدرسة والحياة وصار واعيا عبر عمله الحي بالتناقضات بين نمط المجتمع والثقافة التي يمثلها بشكل غير معهود ونمط المجتمع والثقافة التي يتبناه المتعلمين من منظور الحس المشترك ويمثل النظام السياسي القديم. لعل مسؤولية المدرس كبيرة في هذه المهمة، إذ لا يقتصر عمله على إيجاد حلول شعرية للمشاكل تصوريا وداخل إطار المؤسسة التي ينتمي إليها وإنما يضطر للنزول إلى الشارع والانخراط الميداني في الصراع لكي يؤثر في المتلقين ويكافح ضد النمط القديم من المدرسة ويفتح العالم التربوي على معنى مختلف. يطلب الآن من المربي أن يكون فنانا وفيلسوفا ومهندسا وحقوقيا وعالما لكي يتمكن من النفاذ إلى قلوب المتعلمين ووجدانهم من أجل امتلاك عقولهم وتدريب ملكاتهم على المعرفة والفهم والإحساس والاقتناع.

لا يوجه الصراع ضد البرامج بصورة شكلية ومجردة وإنما كل المجمع المركب الذي يمثله الأشخاص الذي يحملون البرامج القديمة ويحتلون المواقع ويشكلون عقبة نابذة لكل تجديد ومانعة لكل تطور وتقدم.

تلعب الصدفة دورا كبير ا في النجاح بالنسبة إلى البعض ويطلب من المتعلمين إتقان فن التعريف والقيام بتحليل صحيح لقضية معينة وإصدار حكم موضوعي على مسألة شائكة ولكن ذلك ليس دليلا كافيا على الارتقاء بالمستوى الثقافي والإيتيقي للمتعلمين على الرغم من الارتقاء في الدرجات وإحراز الألقاب16.

المفارقة أن مدرس جديد قد يبلد أذهان المتعلمين ويفرغ التعليم من محتواه عندما يظل يتحرك ضمن برنامج قديم ويشتغل بالطرق القديمة وأن مدرس قديم قد يشحذ الذكاء ويوقظ الوعي لما يعمل ببرنامج جديد ويبتكر طرق بيداغوجية مختلفة ويوجه الاهتمام نحو الحياة المألوفة ويغادر الموقف الطبيعي. ماهي مبادئ البيداغوجيا الجديدة التي يقترحها غرامشي؟

بيت القصيدة حسب غرامشي هو ضمان النجاعة التربوية للمؤسسة التعليمية وهو أمر لن يتم إلا إذا توفرت إرادة وجود للمدرسة العمومية تنظيما وبرمجة ورفع مستوى الحلم بعالم جديد ضمن الحياة. لذا فإن فصل المدرسة عن الحياة وتجنيبها الصراع وقبول البرامج الحالية والتنظيم الإداري الراهن يعني تركز الأزمة تستفحل داخل المشهد التربوي وإعداد المتعلم من أجل مشاركة نشطة وفعالة هو بداية المخرج. إن التخلص من الانفعالية السلبية في مستوى التقبل لدى المتعلم ومن الصورة الميكانيكية في الدراسة على مستوى الإملاء والتلقين والحفظ والتكرار والنسخ عند الاختبار هو توجه جدي للقطيعة من التعليم القديم. على هذا النحو الهدف من قيام المدرسة الإبداعية ليس مهنيا فقط بل بناء التنمية الداخلية للشخصية بأن يكون ذاته بمعرفته لذاته وفق حداثة متعددة الأصوات وبحسن الوجود في العالم والالتقاء المفيد بالآخر. بناء على ذلك تظل الجامعة تدور في حلقة مفرغة من الإنتاج وإعادة الإنتاج وقد تشكل بيئة أكاديمية فقيرة وبعيدة كل البعد عن خلق كفاءات علمية مؤثرة وأطر معرفية مناضلة تستطيع أن تقود المرحلة التاريخية. بطبيعة الحال   يتضمن البرنامج التربوي التاريخ السياسي للدولة وعناصر النسق اللغوي ومبادئ الدين الحميد ومدونة القانون الوضعي والبعد الوطني الشعبي للثقافة ودراية بالمحيط الجغرافي والحضاري وبالعلوم الدقيقة.

اذا كانت المدرسة القديمة فاسدة ومهترئة وتسببت في نشوب أزمة عضوية فلأنها تناست الديمقراطية والتعددية وشجعت على الأوليغارشية والأنانية وسلحت المتخرجين منها بالطمع والشجع وقيم السوق. لقد ظلت عاجزة من جهة أنشطتها الدورية عن خلق عقول مفكرة تكون قادرة على التخطيط العلمي للمستقبل وقيادة المرحلة التاريخية المضطربة ومارست الإقصاء والازدراء على المجتهد والمبدع والمختلف.

رأس الأمر اليوم في المدرسة الإبداعية ليس الاكتفاء بتوفير الأيدي العالمة بل نحت المواطن الذي يصيرا حاكما لنفسه ومحكوما ضمن ديمقراطية سياسية يتساوى فيها بطريقة أفقية الحكام والمحكومين أمام الحق.

علاوة على أن المدرسة الإبداعية تقلل قدر الإمكان الدوغمائية والبيروقراطية والميكانيكية والمثالية في التعليم وتوسع دوائر العدالة عبر تبني نزعة نقدية تاريخية وعناية بالبراكسيس والمشاركة والتكيف17.

ترتكز المدرسة على الانفتاح والنشاط والحرية والارتباط بالحياة والصراع ضد النظام الطبيعي من أجل خلق الإنسان والعمل على تخطي العفوية والوعي بالزمن والاتصال بالتاريخ واستهداف حضارة جديدة.

لكن ما تأثير نظرية غرامشي الثورية في الثقافة على تصوره  الإصلاحي في مستوى الحقوق والحريات الفردية والمواطنة؟ وكيف يمكن الاستفادة من الدافعية الايديولوجية في تحريك عناصر الخلق والابتكار؟

 

د. زهير الخويلدي- كاتب فلسفي

.......................

الإحالات والهوامش:

[1] Béguin (Albert), Quelques aspect des rapports de l’prient et de l’Occident, in Humanisme et éducation en Orient et en Occident, entretien international organisé par l’Unesco, Paris, 1953. p63.

[2] Gramsci dans le texte, traduction de l’italien par  François Ricci, Jean Bramant, Armand Monjo, Gilbert Moget, éditions sociales, Paris, 1975.pp.595-638

[3] postscolaire

[4] Gramsci dans le texte, op.cit.p614.

[5] Gramsci dans le texte, op.cit.p615.

[6] Gramsci dans le texte, op.cit.p615.

[7] Gramsci dans le texte, op.cit.p618.

[8] Gramsci dans le texte, op.cit.p620.

[9] Gramsci dans le texte, op.cit.p633.

[10] Béguin (Albert), Quelques aspect des rapports de l’prient et de l’Occident, in Humanisme et éducation en Orient et en Occident, entretien international organisé par l’Unesco, Paris, 1953. p63.

[11] Gramsci dans le texte, traduction de l’italien par  François Ricci, Jean Bramant, Armand Monjo, Gilbert Moget, éditions sociales, Paris, 1975.pp.595-638

[12] Gramsci dans le texte, op.cit.p614.

[13] Gramsci dans le texte, op.cit.p615.

[14] Gramsci dans le texte, op.cit.p615.

[15] Gramsci dans le texte, op.cit.p618.

[16] Gramsci dans le texte, op.cit.p620.

[17] Gramsci dans le texte, op.cit.p63

المراجع والمصادر

Gramsci dans le texte, traduction de l’italien par  François Ricci, Jean Bramant, Armand Monjo, Gilbert Moget, éditions sociales, Paris, 1975.

Béguin (Albert), Quelques aspect des rapports de l’prient et de l’Occident, in Humanisme et éducation en Orient et en Occident, entretien international organisé par l’Unesco, Paris, 1953.

 

 

ali mohamadalyousifمنجز الإبداع الأدبي-الفني هو قدرة الإمساك بلحظة الإلهام الذي هو تركيز المخيال الحلمي المخصب في ما وراء المدرك والمتعين المحسوس ومحاولة سيطرة المبدع عليها وإدامتها أطول زمنية ممكنة بغية توظيفها في انجاز تقنية جمالية وتكوين إبداعي على شكل قصيدة شعرية، قصة، رواية، لوحة، نحت، تشكيل ...الخ. ويؤكد ماريو يوسا الروائي والكاتب البيروفي الحائز على جائزة نوبل في الاداب انه من دون الخيال سنكون اقل وعيا باهمية الحرية لتكون الحياة قابلة للعيش، وبالجحيم الذي تتحول اليه الحياة عندما يتولى امرها طاغية او ايدلوجيا او دين.

تركيز المخيال الحلمي المتعين في الأثر الإبداعي أو التعبيري الأدبي والفني، في حقيقته الجوهرية، الغامضة، المعقدة المتمثل في تكوين عمل إبداعي يتجلى في إمكانية وقدرة المبدع تحويله الخيال من تهويم أثيري إلى اثر إبداعي متعين في الزمكان . على وفق تقنية جمالية تحكمها تقنية بنائية في ترتيب الأفكار الجامحة وتضمينها العمل الفني بتناسق واستقبال يتركان في المتلقي ردة فعل وحسب. وكل عمل ابداعي مهما كان جنسه مرتبط بالخيال، وبوسيلة التعبير اللغة. وهو ذو وظيفة مزدوجة، فهو من جانب ذو بعد ذاتي تعبيري انفعالي كاشف عن الحالة الشعورية لصاحبه، وهو من جانب ثان يتوجه الى متلقي الاحداث والتغيير المتوخى في نفسيته ومواقفه .(1)

الأثر الإبداعي هو صب وتعليب الأفكار والمخيال في نمذجة جمالية وتشكيل نوعي من معمارية فنية، والمخيال الإبداعي هو اللامتناهي في القدرة على استيلاد الخامات الإبداعية التي هي الإخصاب الدائم المستمر للفكر والحياة والجمال، لكنه في النهاية يحتاج المخيال المبدع إلى ان يصبح (متعّينا) أدبيا أو فنيا .. وفي العلوم الطبيعية الخيال العلمي يكتشف أو يخترع قوانين جديدة لم يكن يعرفها الإنسان من قبل كمثل تحقيق رغبة الإنسان في الطيران وتحقيق حلم الإنسان في غزو الكواكب الأخرى ومثل ذلك في اختراعات واكتشافات وتطور علوم الطب، الفيزياء، الكيمياء، والتكنولوجيا المتطورة وغيرها . جميع المنجزات الإبداعية التي يلعب فيها المخيال العلمي استثارة البحث والتجريب والاكتشاف لم تكن تتعدى اكثر من لجم جموح الخيال غير المدرك ولا المحسوس ولا العقلاني في انطلاقاته السائبة غير المتعينة باتجاهات ولا وسائل ولا غايات، وتحويله إلى كينونة ومتعيّن في الجماليات الادبية والفنية والعلوم على حد سواء.

مخيال المبدع حدسي، غامض، معقد، كشفي، تصوفي، استبطاني، عصابي، مخصب للنفس والعاطفة والفكر والشعور، انه حالة من التنويم الحلمي المتخيل، يعي جيدا ذاته ويتأمل المحيط، وفي هذا تفريق واضح عن حالة التنويم الخيالي العقيم الذي يستهلكه متعاطي المخدرات في الحصول على المتعة المغيّبة عن الذات والمجتمع والمحيط، وهي متعة تخييلية زائلة معدمة لسلامة العقل في إنتاج منظومة الأفكار والأفعال وتدمير الذات والنفسية . من الظريف ان الدوس هكسلي دعا ضرورة تعاطي المبدع للمخدرات لاخصاب قدرة الإبداع لديه وهو تجاوز سن الستين عاما حين دعا لذلك واخذ يمارسه بنفسه ولم يضف لابداعاته السابقة شيئا ذا قيمة. وكما دعا الدوس هكسلي ضرورة توزيع وبيع المخدرات للناس مثل السكائر والكحوليات، نجد ان لب العقيدة الراستفارية، يتمثل في الاسهام الناتج عن استخدام مخدر القنّب، وهو مخدر يشبه الحشيش يطلق عليه بالانكليزية (الغانجا Ganga) .حيث يمكن لاتباع الرستفارية بمزيد من السهولة ادراك ان (هيلا سيلاسي) هو الاله المخلص، وادراك كذلك هوياتهم الشخصية على نحو كامل، وان افضل الحجج التي يمكن ان تؤيد تشريع الحشيش هو تناول الحشيش لجميع الناس .(2)

حالة تأطير المخيال الإبداعي في المتعيّن الأدبي أو الفني يحتاجها المبدع ليتحرر من سطوة ومهيمنات ترسانة المحسوسات والمدركات الواقعية من حوله، وهي قاطعة حادة في هندسيتها ومعمارها البنائي المتصلب، صعبة المطاوعة للفن والاستجابة لما هو فوق المحسوس، والفنان المبدع يحتاج ثنائية لجم الخيال الابداعي والامساك بلحظة التركيز الحلمي الالهامي من الافلات والضياع في الاعتيادي المألوف في مجرى سريان ظواهر المجتمع والحياة. هذا من جهة وهي مرحلة أولى تليها مرحلة ثانية في توظيف (الخامات) الإبداعية في متعيّن جمالي وفق آلية تقنية (صنعة) يأخذ المدرك المحسوس نصيبه الأكبر منها في ترتيب المنجز وخلق التناسق والتجانس في إكمال واستقبال المتلقي له.

والعمل الإبداعي بعيد جدا عن رياضيات التفكير بل هو محتاج دوما إلى خلق تقنية جمالية في متعيّن تعبيري أو فني تتلقفه الحواس والعاطفة والوجدان قبل العقل . الإبداع بحاجة دوما ان يكون (شكلا) في تأطيره للمخيال الإبداعي في متعيّن جمالي أدبي او فني هيكلاني منسق ومنظم يكمله المضمون.وفن الحداثة اليوم بضوء ثورة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا المتطورة جدا في تبنيها الفن التجريدي الغى جملة من الركائز الهامة للعمل الابداعي على يد رائد الفن التشكيلي (كاندنسكي) الروسي لتتحول الاعمال التشكيلية الى مجرد مساحات من الالوان والخطوط تتناغم احيانا وتتنافر احيانا، كما الغت ما بعد الحداثة (الفنون الرقمية) ان يكون للعمل الفني موضوع يجسده، ولايبقى بعد ذلك الا فكرة،كما هي الحال فيما يعرف بالفن المفهومي،ويؤكد الفنان المجري المبدع (فازريلي) رائد فن التجريد الهندسي قائلا : انني لا ارسم بل اضع معادلة اللوحة (3) .

ولقد تخلص الفن على المستوى المفهومي من ماديته بعد ان تخلص من موضعته،في الفن التجريدي ليبدأ رحلته صوب الصورية المحضة،فالافكار المجردة لها جمالها، ويذكر عن براتراند رسل قوله : ان الرياضيات ذات جمال من نوع اسمى (4) .

ثمة عناصر ثلاث من دونها يكون العمل المنجز إبداعيا تقانة حرفية تشبه حرفة النجارة أو الحدادة أو ميكانيك السيارات، وهذه العناصر تمثل مرحلة بدئية أولية في استكمال المنجز الإبداعي في ثلاثية : الحلم المبدع، المخيال المخصب، اللاشعور، بغير هذه العناصر لا يمكن الحصول على متعيّن (شكل) جمالي تعبيري أو فني، لايوجد شكل بلا مضمون ولا يوجد شيء من دون شكل، قد نحصل على مئات من تمظهرات الطبيعة والواقع هي/ في متعينات باشكال جمالية منوعة لكنها تبقى اثرا وشكلا من اشكال الصنعة الحرفية تقودنا إلى حتميات رقمية محنطة خالية من دفق الحياة وحيويتها. تغلب فيها الصنعة والحرفية على الجانب الفني الجمالي.

نجد هذه الصنعة الحرفية من بدئيات وأوليات وضرورات إقامة التاسيسات المعمارية الجمالية ذات التقنية والصنعة الهندسية والزخرفية وزاوية النظر الموظفة بشكل بنائي جميل .. وهذا يمكننا مشاهدته في بناء الجوامع والمساجد والأضرحة وفي الكنائس والمعابد، والكاتدرائيات، القلاع، والموروث من معمار الأديرة والقصور الفارهة الماثلة إلى يومنا عبر العصور.

في هذا النوع من التقنية المعمارية الجمالية يمكن للرائي المشاهد استقراء عنصري الحلم الإبداعي والمخيال الفنان المكملان لأدوات وسائل الصنعة الهندسية والتنفيذ يمكننا ان نجدهما أي عنصري الحلم والمخيال الفني بالمتعيّن المعماري الجمالي الماثل أمامنا لكن من الصعب جدا اكتشاف غير المتعين وغير المدرك في ما وراء هذه المتعينات المعمارية الجمالية في مساحة ما ابدعه اللا شعور.

ينتابنا حين نشاهد ونتفحص ونندهش بروعة وعظمة هذا المعمار العمراني الذي يأخذنا إلى نوع من التسامي الروحاني والحنين المؤلم في العودة إلى نوع من الطبيعية يغالبها خليط من الشاعرية الرومانسية والروحانية المحلقة في مشاهداتنا لتلك الروائع وفي تكرار المشاهدة أكثر من مرة لاثر واحد او اكثر يتملكنا البحث في أبعاد إنسانية لا نجدها، انغلاقات عصيّة على الغور في مجاهلها وتفكيك رموزها وطلاسمها وتعقيداتها المقيّدة، المنحبسة . ربما يكون مبعث هذه المشاعر وتأملات التلقي اننا نعيش عصرنا بالمقايسة والمعيارية المقارنة مع عصور تلك المعمارات المعجزة وفي هذه المقارنة وحدها تكمن عظمة تلك الاثار ورغبة التجاوز لدينا. غير ان الخاصية المزدوجة للابداع بوصفة يحقق الجمع بين كونه علامة مستقلة في جانب، وعلامة توصيلية في جانب اخر كما يذهب لذلك بعض السيميائيين، تفرض علينا ان نعير كبير اهتمام للحقيقة الماثلة امامنا كابداع في علاقتها بالمتلقي (الناظر) هنا الذي يدخل في جدل فعال مع هذه العجائب المعمارية المدهشة.

كما يشير احد منظري التلقي الى ان المعنى لايتم استجلابه بوصفه دلالة محددة، ومصورة بشكل دقيق،وانما بوصفه تمثلا او تصورا او بوصفه صورة جمالية.(5)

(2)

هل من الممكن ان يكون لحوادث الحياة اليومية العادية قدرة الاستحواذ والسيطرة على مجمل الفعاليات الإنسانية في مناحي الحياة الأخرى وعلى حسابها بحيث نجد أنفسنا نعيش الزمن ببعد واحد فقط من الحياة، كأن يكون البعد البايولوجي، الأكل، النوم، ممارسة الجنس!؟ بمعنى آخر هل من الممكن لنا ان نعيش الزمن خارج فاعلية الحياة المخصبة للزمن؟ هذه الفكرة تناولها (سارتر) في فلسفته الوجودية الحديثة وركّز عليها في كتابه (كلمات) الصادر عام 1960 . إذ اعتبر سارتر الزمن الوجودي في الحياة العادية وهما زائفا وان الإنسان لا يحيا حقيقة الحياة بل زيفها، وسبقه الفيلسوف الألماني فويرباخ في معالجته ما اسماه (ثيولوجيا الاغتراب) Alienation معتبرا ان جميع أشكال وأنواع اغترابات الإنسان في الحياة هي اغترابات زائفة غير حقيقية مصدرها الأساس الذي تتفرع عنه باقي الاغترابات منشأه اغتراب الإنسان الديني وأطلق على هذه الحالة (ثيولوجيا الدين) الذي أقام عليه كتابه الشهير (جوهر المسيحية)(*).

الاختلاف بين فوير باخ وسارتر، ان الأخير –سارتر- سحب الزيف الوجودي في الزمن مؤكدا على ثيمة وجودية أساسية ان الناس يعيشون رتابة الحياة اليومية، ويتصرفون، ويقدمون على اتخاذ القرارات غير مدركين أنهم يعيشون (وهم) الوجود وليس حقائق وجودهم(**) طبعا وفق هذا الفهم الفلسفي لسارتر تأتي (الواقعية الاجتماعية) في المجتمع والطبيعة،وفي الفلسفة والفن ابتذالا مأساويا لحقيقة الحياة والوجود الإنساني . لم يسع (سارتر) ولم يؤمن أيضا في أفكاره تشييئ الحياة الإنسانية إلى وقائع، بل عمد إلى جعل الإنسان الفرد وليس المجتمع المركز الذي يدور في فلكه حاضر ومستقبل الوجود الإنساني على خلاف كبير جدا مع تأكيد الماركسية لأولوية المجتمع، تلتقي الوجودية مع الماركسية في ان الإنسان الملموس الكائن الوحيد الذي هو موجود فعلا وهذا يعني ان الانطلاق هو من الذاتية على حد تعبير آرنستوساباتو . الوجودية والماركسية شعارهما (الإنسان أثمن رأسمال) باختلاف ان سارتر ضحى بالمجتمع من اجل الفرد في حين أكدت الماركسية على التضحية بالفرد ان كان في ذلك خدمة المجموع.

عمد سارتر إلى تشييئ شخوص أعماله الروائية والمسرحية بالتأكيد على نوع من اغترابية وجودية إنسانية استطاع بسهولة إثباتها الانطولوجي لكنه عجز عن تحقيقها كمنهج خلاص يقبل التطبيق والتسليم به في سعيه إثبات طموحه الفلسفي ألا هو خلاص الإنسان من محنته في الحياة . اما فوير باخ الذي كان سابقا على المفاهيم اللاحقة الجديدة في الوجودية الحديثة على أيدي سورين كير كارد وهيدجر فقد سحب الزيف الوجودي للإنسان إلى ان جميع أنواع الزيف الوجودي للإنسان أصلها ومنشأها (ثيولوجيا الدين)اللاجوهر الحقيقي للدين، لذا فان الإنسان اغترابي عن ذاته قبل وبعد كل شيء، اغتراب الذات لدى فوير باخ ثيمة فلسفته الأساس.

وعن محنة الحياة بالنسبة للانسان يعبر اونا مونو : اننا لانحيا الحياة وانما نحيا على متناقضات، ومن اجل متناقضات، فليس الحياة الا مأساة وصراعا مستمرا لايعرف الانتصار بل ولاحتى امل الانتصار، انها تناقض ولاشي سوى التاقض، ان فكرة الموت تقض مضجع الانسان وتقلق باله، وتكاد تلاحقه في حله وترحاله، حتى ان ضميره ليخفق دائما بتلك القشعريرة الاليمة التي يسببها له سر المموت، وما قد يجيء بعده .

وفي بحث الدكتور عبد الرحمن التمارة كتب : الاهتمام بالحياة التي يكون الاقبال عليها تخليصا للذات من عمق الاحساس بالانسحاق الوجودي امام جبروت الموت، وعنفه التراجيدي مادام يهدف الى اعادة الانسان الى اصوله الاولى(الارض - التراب) وبذلك يضمر الانشغال بالموت بوصفه فعلا ولحظة تحول وجودي مؤلم ان المعرفة الحقيقية للحياة لاتتأتى الا من خلال معرفة الموت.

(3)

الكثير جدا من أفكارنا المعرفية الأدبية الثقافية عبر اللغة هي نسخ كاربونية في تراكمها الكمي-النوعي التي هي ميراثنا والميراث البشري عبر العصور التي نتداولها باستمرار سبق لاكثرها ان قيلت وكتبت بأكثر جاذبية على يد اللذين سبقونا في الحياة . معارفنا الأدبية والثقافية نسخ مكررة معادة بالإضافة اليسيرة . الجديد فيها فقط شكل اللغة-المضمونية . كل ما يمكننا فعله اليوم بمعارفنا الأدبية والثقافية هو محاولة الإضافة البسيطة بالتحايل على وسيلة التعبير (اللغة) أو الهروب باتجاه تخوم عوالم من الفانتازيا التي تحاول اخذ سمات التجديد واللامألوف الاجوف السطحي، كي يخرج الإنسان من حياة الرتابة إلى عوالم غير مألوفة، لا واقعية، مغرقة في التهويم .أردأ أنواع العاطفة هي التي تستوعب اللغة صياغتها بسهولة ويسر وتعليبها واردأ انواع الافكار هي التي تسلم قيادها إلى اللغة بيسر وسهولةايضا .اذ تتحول الافكار بواسطة اللغة إلى مرئيات تصويرية استهلاكية وتخرج عن وظيفة نقل المعرفة الجادة في تأمل الحياة بجدية وتفاؤل في المسكوت عنه وغير المعلن فيما وراء النص اللغوي. عبّر عن ذلك (المتصوفة) المسلمين في استحالة نقل تجاربهم التصوفية الكشفية الاستبطانية عبر التوصيل باللغة لذا عاش معظم المتصوفة وجودهم الحياتي الإنساني باغترابية سلبية عن المجتمع مدمرة للذات.. باستثناء ممن كتبوا عن بعض تجاربهم وشطحاتهم الفكرية مثل الحلاج وابن عربي والنفري وعديدين آخرين استثنائيين . ومن المعروف ان التصوف لا يقتصر على (حكمة) الشرق، العرب، الفرس، الهنود، الصينيون وغيرهم . فالتصوف الفلسفي والديني على السواء له مشاهيره وأقطابه ومؤيدوه من فلاسفة الغرب واللاهوتيين والادباء والشعراء من الغربيين..

ويذهب نيتشه اذا كان الفكر الحديث ينظر الى الحداثة على انها انتصار الوعي الانساني، فان نيتشه ينظر الى الوعي الانساني باعتباره اغترابا للطاقة الانسانية المنفصلة عن نفسها والتي تعادي ذاتها، عندما تتماهى مع اله، وقوة غير انسانية، بل وتطالب الانسان بالخضوع لها، واهتم نيتشه بالشعور العفوي لدى الانسان بل اهتم بنوازعه وغرائزه التي جعل منها اهم العناصر داخل الانسان الامر الذي اعتبره تفريغا للطاقة الانسانية نفسها.

إذن الإبداع الأدبي هو تكرار اجتراري في إعادة شكل اللغة يسبق الإضافة والتجديد في المضمون وفي إنتاج الفعالية الجمالية في الفنون التشكيلية رسم، نحت، تشكيل تجريدي خارج بالكامل عن المألوف، تكون فيها اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة في حالة (كمون) خفي مستور خلف المنجز الإبداعي التشكيلي وليس كمثل لغة الأدب والثقافة المكتوبة أو المنطوقة . لذلك نجد ان تجديد الشكل في الفن يتغير ويتبدل أسرع وأكثر غرابة منه في الأدب التعبيري المكتوب. اللوحة أو المنجز التشكيلي هو تأمل في اللغة وليس تأمل في كيفية استخدامها أو توظيفها في حين نجد اللغة المكتوبة والمنطوقة توظيفاً صرفا لها في المتعين او الاثر الادبي المنجز.الرسومات الساحقة في القدم التي وجدت على جدران الكهوف وبعضها استخدم اللون في رسمها ونقشها الألوان الأبيض / الأسود، الأصفر، والأحمر إذ اكتشفت اعمال رسومات على جدران الكهوف بالالوان هذه الأعمال التي تعود إلى العصور الحجرية في كهوف استوطنها الإنسان في وادي الرافدين ومصر وأوروبا، واستخدام اللون في رسومات العصور الحجرية ابتداءا من تلك الرسومات والى يومنا هذا عصر العولمة والتكنولوجيا والتقانة والاتصالات وانتقال المعرفة عبر الأقمار الصناعية. كل ذلك أبقى الانسان دلالة انثروبولوجية مقنعة تؤكد بقاء الانسان (جوهرا) و(ماهية) قبل ان يكون وجودا متعينا (كينونة). بقي الإنسان ويبقى كينونة وجودية يسبق فيها (الجوهر) والماهية الوجود المفارق لحياة الحيوان منذ مغادرته عصر الصيد والالتقاط ودخل عصر صنع الحضارة حين عرف الزراعة والري. تناولت الواقعية ومن ثم الانطباعية فالرومانسية في التشكيل،فان كوخ، ماتيس رامبرانت، سيزان، وفي تعاقب أسلوبي متغير دائما وصل الفن التجريدي القمة في سيريالية (سلفادور دالي) الذي أراد تعبئة الإنسان ككيان وجودي شكلاني تلاعب دالي به بسخرية فائقة اراد بها تجريد الانسان من اسبقية ماهيته على وجوده وجوهره الحقيقي والاكتفاء به كينونة وجودية فقط، ولم يفلح ولم يفقد الإنسان ماهيته و(جوهره) الحقيقي. كانت نزعة التجريد في الفن وادب اللامعقول واللامنتمي جامحة في تفكيك الوجود الإنساني جسدا وروحا وجودا وجوهرا ومحاولة إعادة تشكيله من جديد على وفق أسلوب يتجاوز ما بعد الحداثة ولم تفلح إلا في تعرية الإنسان من ملابسه فقط. ليبقى الإنسان (ماهية) قبل كل شيء.في التجريد التكعيبي والوحشية لدى (بيكاسو) كانت القمة في اللعب في الشكل الوجودي للإنسان إذ أضاف بيكاسو على ثنائية الجسد والروح بعدا هندسيا ثالثا،بمعنى بعدا ثالثا من التهشيم، والعديد من الرؤوس النسائية في رسومات بيكاسو تملك عينا واحدة من الامام، وعينا واحدة من الجانب، مما دفع هذا (كانفلير) وهو جامع لوحات بيكاسو الى القول بأنه يخشى ان لايكون هذا النوع من الرسم مقبولا ومفهوما من الاخرين، مادام لايوجد هناك اتفاق واضح ومقبول عن هكذا نوع من الرسم، فيما اذا كان هذا الرسم صورة لامرأة حقيقية ام صورة وحش (6) فازدادت تجريدية بيكاسو صرامة وتقاطعات هندسية وعجز عن المساس الجوهري بكينونة الإنسان الوجودية، حقيقته في ماهيته وجوهره. حطم بيكاسو وبراك الشكل وهيكلية المعمار الفني من قبل التكعيبية الفرنسية، حيث سحقت الاشكال وتناثرت عناصر بنائها في وحدات تشكيلية صغيرة تتداخل وتتباعد،تستقيم وتنحرف، تتضخم تارة، وتتقلص تارة اخرى مكونة بناءا تشكيليا مستقرا على الرغم من شدة تشظيه (7) . ويمكننا سحب هذا العجز المستدام الملازم للإنسان إلى بدايات القرن الرابع عشر فروحانية دافنشي المتسامية وتحليق مايكل أنجلو وروفائيل الملائكية حين ارادوا بواسطة التشكيل التصويري الوصول إلى قمة رائعة تتوقف عندها محاولة المجاوزة في الشكل الابداعي الممزوج بروحانية أخاذة . وكان لا بد للفن التشكيلي من محاولة الإفلات من الفوتوغرافية التصويرية والخلاص من عجز الشكل حين لم يعد الواقع، ولا التسامي الروحاني الديني منقذا ايضا . دافنشي ومايكل أنجلو أرادا التسامي بالإنسان إلى مرتبة (الملائكة) وربما إلى ما بعدها كانت تلك عظمة لم يسبقهما إليها احد، لكن رغم كل هذا الإبداع الشكلاني بقى الإنسان كقيمة وماهية وجودية متفردة ملتصقة على جدران الكنائس والكاتدرائيات العملاقة مشيرة إلى عجز الفن إيصال الانسان إلى مرتبة ما فوق الإنسان.

(4)

مخيال المبدع هو القدرة الخلاقة في لا معنى النظام وفي افتقاده ايضا . ينطبق ذلك على صعيدي المنجز الإبداعي الأدبي والفني معاً، وفي المنجز السياسي عموما ايضا يعيش الإنسان بوحدة ثنائية من الجدل المعرفي المنطقي والحركي التطبيقي المتحقق . هذه الثنائية الجديدة المترابطة المتداخلة ليست دينامية وحدة الأضداد الديالكتيكي في إنتاج كيفية مغايرة تحمل في أحشائها وحدة جدلية الأضداد ثانية، كما جاء به (هيراقليطس) واستقبلها من بعده (هيجل) في التفسير المثالي للجدل ليخطو ماركس ابعد من الاثنين بل ابعد من الجميع من فلاسفة عصره ومن سبقه في مقولته : اكتفى الفلاسفة بتعريف وتحليل العالم بينما كان المطلوب تبديله وتغيره. فعمد ماركس إلى توظيف (الجدل) الذي يحكم المادة وقوانين الطبيعة وأقام بناءه على التفسير المادي للحياة والطبيعة والتاريخ .

الثنائية التي نعيشها اليوم تقوم كما في السابق على انفصام الجانب المثالي من حياة الإنسان بالمفهوم الفلسفي الأخلاقي وليس بمفهومه المعرفي الوجودي للإنسان وفك ارتباط لحمته بالجانب المادي لما يجب ان يكون عليه مستقبل الحياة اقصد بهذا مجتمعنا العربي تحديدا فيضيع أكثر من عمر نصف الإنسان في الجانب الغيبي من التفكير وممارسة الحياة المهدور عبثا ... استطاعت الإرادات لدى غيرنا من الأمم وشعوب الأرض ان تصنع (معظم) تاريخها وأقصت عن طريقها (الصدفة) ان تقوم كما فعلت على امتداد عصور طويلة جدا في سابق عصور البشرية من ترسيم وصنع معظم التاريخ البشري وحياة الانسان. وبرهنوا ان الإرادات القاصرة لاتصنع الحياة بما يليق بالإنسان وحين تنعدم الوسائل تموت الغايات.

 

علي محمد اليوسف

....................

الهوامش:

(1). دكتور عبد الفضيل الادراوي / عالم الفكر مج 41 ع 2 ص 344.

(2) الثقافة والمساواة – منشورات الكويت –بريان باري- ترجمة كمال المصري ص 74-75 .

(3) د.نبيل علي _ العقل العربي ومجتمع المعرفة_ سلسلة عالم المعرفة ج1، ع369، ص221 .

(4) نفس المصدر السابق ص222 .

(5) دكتور فضيل ادراوي / معيار التلقي / عالم الفكر مج41 ع2، 2012 ص 331.

(6) نفس المصدر السابق ص225 .

(7) مجلة الثقافة الاجنبية العراقية، الابداع وعملية التشويه عند بيكاسو،ع1،2010 ترجمة عن الفرنسية د.جبار حنون .

(*) لم يترجم الكتاب إلى اللغة العربية.

(**) يراجع تفاصيل ذلك في الفصل السادس من كتاب المؤلف (سيسيولوجيا الاغتراب) بعنوان الاغتراب في الوجودية الحديثة.

 

 

hatam hamidmohsinما هي الفلسفة؟ سؤال في غاية الصعوبة، واذا كان المطلوب تعريف يجمع الوضوح مع الإيجاز فسيكون الجواب مستحيلا. التعريف الموجز للفلسفة قد يكون "استكشاف اسئلة ذات اهمية دائمة " او "انها تتعلق بطبيعة العالم والذات" او "هي حول طبيعة الحقيقة المطلقة" او الترجمة الحرفية للفلسفة "حب الحكمة". جميع هذه الصياغات صحيحة، لكنها ليست مفيدة لو ابتدأ القارئ في معرفته من الصفر.

سيكون من المفيد لو اقتربنا من التعريف من خلال الموضوع subject matter وعبر طرق الفلسفة. التعريف البسيط الذي يرتبط عن قرب بهذا الاتجاه هو ان "الفلسفة فعالية، وطريقة في التفكير حول مجموعة محددة من الأسئلة". لنستكشف الآن ماذا يعني هذا. قبل وقت ليس ببعيد كان موضوع الفلسفة يغطي جميع حقول الدراسة. حاليا معظم موضوعات الفلسفة التي تتعلق بالمادة (العالم المادي) قد انفصلت كعلوم، مثل الفيزياء والكيمياء. بعض الجامعات القديمة لاتزال تصنف العلوم كفلسفة طبيعية (مثل جامعة St Andrews). الكثير من الفلسفة المتعلقة بالذهن انفصلت كعلم نفس وعلوم اعصاب، وهذه تُعتبر خاصية هامة للفلسفة. حالما يُنتج الجدال والخلاف نظرية ومنهجية قادرة على التعامل بفاعلية مع القضايا فان القضايا تنفصل عن الفلسفة ويمكن اعتبارها كموضوع مستقل. هذا احد اسباب صعوبة التعاريف المبسطة. فحدود الفلسفة ليست ثابتة، والموضوع يعيد تعريف نفسه باستمرار.

اذاً، ماهي الأسئلة المحددة التي تهتم بها الفلسفة؟ كلاسيكيا، تتعلق الأسئلة الكبرى بـ

- ماذا يوجد ؟ (ميتافيزيقا)

- ماذا نعرف؟ (ابستيمولوجي)

- ماهي الاخلاق؟ (اخلاق)

- ماهو الجمال؟ (الجمال)

- المنطق (عملية التفكير السليم)

في الاوقات الحديثة ظهرت مجموعة من التخصصات الفرعية كحقول مستقلة وبعضها كان اكثر فعالية من الحقول الرئيسية الاصلية . مثال على ذلك فلسفة اللغة وفلسفة الذهن (بالرغم من انفصال السايكولوجي لكن بعض المجالات الحيوية للذهن لازالت باقية في عالم الفلسفة). بعض الاسئلة الاساسية طُرحت منذ الاف السنين مثل "مالذي يجعل الفعل صحيحا او خاطئا؟، كيف يجب ان نعيش؟، كيف يجب ان نعامل الناس الآخرين؟، ما صلة كل هذا مع الحياة الواقعية؟ لايوجد هناك دليل اخلاقي مقبول لدى جميع الناس، لكن الدليل يمكن ان يوفر افكارا حول كيفية التعامل مع القضايا الاخلاقية الكبرى كمشكلة الإجهاض والهندسة الوراثية .

كيف يتم التعامل مع الأسئلة الفلسفية؟ يتم اولا تحليل السؤال ومن خلال التفكير النقدي والمنطق يتم صنع استدلالات لأحسن توضيح، وهو التوضيح الأكثر احتمالا ان يكون صحيحا. هذا سيثير نقطة هامة اخرى حول الفلسفة، انها لا تنتج جوابا نهائيا. التفكير السليم والحجة يمكن ان يقودا الى استدلالات مختلفة . المهمة المتبقية هي ان نقرر اي الجواب هو الافضل. حالما يصبح الجواب نهائيا فلن تبقى هناك حجج اساسية حول تلك القضية، ستكون لدينا حقيقة عن حقل جديد من الدراسة.

لكي نوجز: الفلسفة هي صياغة اسئلة حول قضايا تتعلق بالواقع، المعرفة والمسائل الاساسية الاخرى ومن ثم، البحث عن حلول وتوضيحات عبر التعليل والمحاججة.

دعنا ننظر عن قرب بهذه الفعاليات مستخدمين مشاكل في فلسفة الذهن كمثال. نحن نستطيع البدء بسؤال اساسي، "ما هو الفرد؟ من الواضح ان الفرد كائن معقد. هو يستطيع المشي والتحدث والرؤية. هو لديه وظائف دماغية تنظم الجسم . لكن الفرد يستطيع عمل اشياء تتجاوز وظائف الجسم مثل التفكير وعمل القرارات والرغبة والحلم. هذه الاوضاع الذهنية تبدو مختلفة جدا عن اوضاع الجسم. السؤال عن ماذا وكيف نعمل كان دائما من اهتمامات الانسان. هذا اعطى دفعا لحجم هائل من توضيحات المنطق السليم والعقائد التي يرى البعض انها تشكل نظرية، احيانا توصف بمقدرة الانسان على التنبؤ بسلوك وذهنية الآخرين. ورغم ان الفرد ربما لديه ايمان عميق ببعض هذه العقائد لكن العديد منها غير منسجمة مع بعضها، ومع القليل من التحقيق نكتشف انها تقوم على اسس ضعيفة. لننظر مثلاً في الايمان المبني على خلفية دينية بان هناك روح منفصلة كليا عن الجسد، وان روح الفرد مرتبطة بالجسد لكنها لا تموت معه. عند فحص هذه العقيدة سنواجه صعوبات قبل البدء بالتحقيق. اين تقيم الروح في الجسد؟ كيف تغادر الجسد عندما يموت؟ كيف يوجّه الذهن/ الجسم الجسد الفيزيقي بدون ممارسة بعض القوى الفيزيقية (بافتراض ان الروح خالدة)؟ لقد اصبح من الواضح ان اي محاولة لتسوية الاختلافات بين المنطق السليم والعقائد الدينية انما هي نوع من العبث، وان العديد منها لا يمكن ان يوجد الا بغياب الآخر. اذاً ما هي الفلسفة . انها تبدأ بصياغة الأسئلة الاساسية التي بحاجة للعلاج، التحليل الاولي والدقة التي تأتي معه هما ذات اهمية كبيرة. بعد ذلك ومن خلال عملية الجدال النقدي نطور توضيحات صالحة ومفيدة تجعلنا اقرب الى الحقيقة (على الاقل في انتاج اسئلة افضل). بالتأكيد لاشيء هناك نهائي وقطعي حول التفكير في هذا الحقل: حاليا هناك سبع مدارس للفكر حول مشكلة الذهن/الجسد. هل هذا يعني ان الفعالية هي بلا فائدة؟ كلا، من المؤكد هناك تطور واضح . في مجال الفلسفة المتعلقة بالذهن كانت هناك اختلافات متساوية حول فعالية الدماغ، وبالنهاية كانت هناك ميثدولوجيا و إجماع كافي لعلم النفس ليصبح كامل التطور.

الآن ومع ماتم انجازه من سلوك على اساس بايولوجي وتطور علم الاعصاب، جرى رسم معظم مجالات الدماغ . ربما لا يمكن حل مشكلة الذهن/الجسد ابدا على نحو من اليقين لكن الشيء المهم هو ان يبقى البحث مستمرا . من هذا النقاش الموجز لمشكلة الذهن/الجسم فان التعريف الاكثر فائدة ودقة ربما هو "الفحص النقدي لخلفيات العقائد الاساسية وتحليل المفاهيم الرئيسية المستخدمة في التعبيرعن هذه العقائد". ولكن حتى مع هذا لازلنا بعيدين عن الحقيقة . النظرية مفيدة لكن الفلسفة هي بالضرورة فعالية.

 

حاتم حميد محسن

 

 

zouhair khouildi"ظهرت العديد من الأفكار الى الوجود على شكل أخطاء وأوهام ولكنها صارت حقائق لأن الناس جعلوا موضوعها حقيقيا بعد فوات الأوان" – فردريك نيتشه- انسان مفرط في انسانيته،II، شذرة 190،

لقد أيد ديكارت في السياق اللاتيني تأويل ميتافيزيقا أرسطو حينما ضرب مثال عن الفلسفة الأولى في رسالة التصدير للطبعة الفرنسية لكتابه مبادئ الفلسفة باستعارة الشجرة وقارن بها مجموع العلوم حيث "الجذور هي الميتافيزيقا والجذع هو الفيزياء والأغصان التي تتفرع من الجذع هي كل العلوم الأخرى".

على هذا النحو إن الميتافيزيقا هي معرفة الله والنفس بواسطة العقل الطبيعي. وبرهنته على ذلك أن الفكر يطمح لبلوغ المطلق سواء بالمعنى الوجودي أو الأخلاقي بواسطة الحدس العقلي والاستدلال الرياضي. وبالتالي الميتافيزيقا هي جذر شجرة العلوم ولا تبحث في الله ووجوده وصفاته وفي النفس وخلودها فحسب وإنما تبحث أيضا في المبادئ التي تقوم عليها العلوم وفي أسس المعرفة بوجه عام. ومن هذه الناحية يهتم بالفلسفة بصفة عامة وبالميتافيزيقا بصفة خاصة ومعناها الحكمة ويقصد بها الفطنة التي يجب أن يتم السلوك في الحياة وفقا لها بل المعرفة الكاملة، وبالتالي فإن الفلسفة الأولى معرفة العلل الأولى والمبادئ القصوى. إن مضمون الميتافيزيقا هو تفسير الصفات الرئيسية المنسوبة إلى الله وتفسير كون أرواحنا لا مادية وإيضاح كل المعاني الواضحة القائمة فينا. أما منهجها فيقوم على استنباط النتائج من المبادئ. هكذا تبحث الميتافيزيقا عند ديكارت في أسس المعرفة وتشير إلى معرفة الأمور المعقولة.

غير أن لايبنتز في "خطاب حول الميتافيزيقا" يرى أن ديكارت أحدث انشقاقا في وحدة الميتافيزيقا باختلافها عن أرسطو في تفسير طبيعة المبادئ التي تهتم بها. إذا كان أرسطو قد أطلق اسم المبادئ على البديهيات والقضايا الأولية الأكثر عمومية في استعمال البرهان فإن ديكارت يفيد بكلمة مبادئ على جملة من الحقائق الفلسفية التي اكتشفها على غرار الكوجيتو ورأى أن أنا موجود هي في الحقيقة مبدأ أي ينبغي أن يبدأ التفكير منها، وبالتالي يجب التفريق بين مبادئ المعرفة مثل مبدأ عدم التناقض عن مبادئ الوجود.

" ان القول أنا هو نتيجة شعور مباشر بينما مبدأ عدم التناقض لا يمكن أن يدرك الا نتيجة سير تحليلي ارتدادي يرجع البرهان إلى الافتراضات الأولى التي بدأ منها".  لقد سعى لايبنتز الى أغناء ميتافيزيقا أرسطو وذلك بإضافة مبادئ عقلية جديدة إلى جانب مبادئ الذاتية أو عدم التناقض ينحت لايبنتز مبد العلة الكافية الذي يقر بأن لا شيء يحدث دون سبب. كما يضيف مبدأ الاتصال في أحداث العالم، والذي يقرر بأن الطبيعة لا تقوم بالفطرة بل كل ما فيها متصل مع بعضه البعض دون أي انقطاع. كما أضاف مبدأ الأحسن وقرر فيه بأن الطبيعة تسلك أبسط السبل في انجاز أفعالها والبشر يوجدون في أحسن العوالم الممكنة. لكن كيف واصل عمونيال كانط هذه المراجعة النقدية للميتافيزيقا التي بدأها لايبنتز؟ ولماذا جعل من ميتافيزيقا الحرية  إمكانية ميتافيزيقية مقبلة في صورة علمية تفتك لنفسها مكانا بين الضرورات؟

" كان فلاسفة القدم ينظرون إلى كل صور الطبيعة بوصفها حادثة والى المادة حسب حكم العقل العامي بوصفها أصلية وضرورية ولكن لو أنهم بدل ان ينظروا إلى المادة نسبة إلى كونها أسا للظاهرات نظروا إليها في ذاتها في وجودها لكانت فكرة الضرورة المطلقة تبددت على الفور". بهذا المعنى كان كانط يرى أن أشياء الميتافيزيقا هي غير يقينية وغامضة ومثيرة للحيرة ويسهل الشك فيها وتوقع المرء في المتاهات والمضيقات التي لا مخرج له منها وتنتشر حيث الظلامية والتعصب وتسبب التناقض والجهل.

بيد أن العقل البشري له من حيث الطبيعة هذا الميل نحو طرح عدة أسئلة التي لا يقدر على الإجابة عليها وذلك لكونها تتجاوز قدرته على المعرفة وبالتالي يسقط العقل عندما يحاول التفكير فيها التناقض والوهم.

" حقل معركة من هذه النزاعات التي لا تملك هدف معين. هذه هي ما سوف يكون الآن الميتافيزيقا"

لقد سميت الميتافيزيقا ملكة العلوم لأنها تهتم بالأشياء اللامادية مثل الله والروح وتتميز عن الدين وعن التويولوجيا بماهي تعبيرته العقلية ولكنها تتجاوز إلى ماوراء التجربة بواسطة مفاهيم مجردة ومقولات فارغة وبسبب ذلك لم تقدر على بلوغ الطريق الواثق للعلومية وأعلن كانط عن نهاية مباحثها العقيمة.

بيد أن كانط أبقي إمكانية قيام ميتافيزيقا مقبلة بعد الانتهاء من النزاعات التي غذت المعارك في حقلها.

تصبح الميتافيزيقا داخل الفلسفة النقدية تقييم المعارف التي تعود إلى العقل وحده بمعزل عن التجربة وترتبط بشروط ممارسته. هكذا لا يقدر العقل على معرفة الأشياء في ذاتها ( جواهر الأشياء) ولكن هذه الأخيرة تمثل نبض الإيمان العقلاني الذي يثبت المسلمات العقل العملي (الله والنفس والحرية). تتمثل وجهة نظر كانط في التمسك بإمكانية الميتافيزيقا حتى إن لم تكن في صورة علم بالمعنى الدقيق للكلمة.

لكن هل يمكن للتفكير الماورائي أن ينزل من سماء التجريد المثالي ويكون مقدمة لميتافيزيقا تجريبية؟

  لقد بين برجسن في كتابه الفكر والمتحرك أن الميتافيزيقا هي العلم الذي يطمح إلى تخطي الرموز ويسعى إلى امتلاك الحقيقة بشكل مطلق بدل معرفتها بصورة نسبية والانتقال إليها بدل معالجتها عن بعد من نقاط مرجعية مختلفة هي اللغة والذكاء الصناعي ويقوم الحدس بهذه المهمة بماهو معرفة مباشرة.

بهذا المعنى لا يوجد شيء مشترك بين الميتافيزيقا وتعميم التجربة بل تعرف التجربة التامة والحاسمة وتكون الروح هي الموضوع المحدد للميتافيزيقا والحدس هو المنهج الخاص بها. بيد أن الميتافيزيقا ليست أعلى علم وضعي ولا تأتي بعد العلم، بل تعتبر نفس الموضوع من أجل تحصل على معرفة أكثر علو. إذا كان العلم يهتم بالمادة فإن الميتافيزيقا يدرس الروح، ولما كانت المادة والروح يتماسان فإن الميتافيزيقا والعلم يحوزان على قدرة من تلاقحهما على طول المساحة المشتركة بينهما.

من هذا المنطلق تشير الميتافيزيقا إلى المعرفة التي تتجاوز من جهة مواضيعها المحدودة الهوة التي تفصل بين العلم البشري والحقيقة وتتمكن من بلوغ المطلق. من المعلوم أن الهوة التي تفصل المعرفة عن الحقيقة لا يمكن اجتيازها وذلك بفعل ثلاثة أسباب: كل تجربة تفترض موضوعا حقيقيا ، وكل تحريف لهذا الموضوع بواسطة معرفتنا يكون جائزا ويخضع لمعايير محددة وبالتالي نملك أداة لتجاوز هذا التحريف المختزل في لاتواصل المكان والارتباط بتلبية الحاجات التي تفترضها الحياة الانسانية.

إن الحدس هو قبل كل شيء الجهد الروحي المبذول في اتجاه الحقيقة الكلية والمعطى من هذا الواقع الذي تفترضه كل معرفة بالمطلق ويتطلبها تجاوز الحياة اليومية ببلورة الوحدة المفقودة بادراك الديمومة.

غير أن نظرية برجسن في الميتافيزيقا تطرح مشكلين هما: امتداد الميتافيزيقا من جهة موضوعها ومنهجها من ناحية ، وكذلك علاقتها بالعلوم من جهة نظرية المعرفة ونظرية الوجود من ناحية ثانية.

لقد كشف برجسن في مقدمة إلى الميتافيزيقا التي كتبها عام 1903 أن الميتافيزيقا تمتلك المشروعية بالمقارنة مع كل الواقع حتى ولون كان بطريقة خاصة وعلى كل المواضيع المحددة والوقائع الجزئية، وأن العلم مطالب بأن يتخطى منهجه الخاص وأن يستهدف الديمومة بواسطة جهود حدسية.

اذا كان الذكاء قادر على بلوغ الحقيقة المطلقة للمادة ضمن إطار المكان فإن الميتافيزيقا تضاعف هذا المحصول بأن تبلغ الحقيقة المطلقة للروح ضمن إطار الديمومة وتلتقي مع العلم في نفس التجربة. ويبدو من المفارقة التمييز بين الميتافيزيقا والعلم لأن العلم يحوز على بعد ميتافيزيقي عندما يطمح إلى بلوغ الواقع وأن الميتافيزيقا تتضمن بعدا علميا عندما تبتعد عن التعميم وتريد امتلاك موضوع محدد (الروح).

هكذا لا توجد ميتافيزيقا عامة وإنما تحمل على وقائع جزئية ومواضيع محددة تبعا لذلك تصور برجسن الميتافيزيقا على أنها علم وضعي وبالتالي هي اختصاص تقدمي يقبل الاكتمال والتكامل بصورة تدريجية.

لقد جسد برجسن ، وفق عبارة مرلوبونتي، بشكل تام المقاربة الميتافيزيقية للعالم والميتافيزيقي في الانسان وذلك حينما  حاول ردم الهوة  بشكل محايث في حضن الواقع بين بعدين من المعرفة أو العلاقة مع الواقع.

ثمة دائما في كل علاقة مع كل حقيقة وفي علاقة الذات بذاتها جانب ميتافيزيقي يستحق العناية واللحاق به.

-لكن كيف جعل مارتن هيدجر من ميتافيزيقا التقنية مطية من أجل استئناف السؤال عن الكينونة؟

تبحث الميتافيزيقا من وجهة نظر النزعة الوجودية في المعنى الشامل والعام للوجود البشري ولكن دون أن تقوم ببلورة نسق مغلق وفكرة كلية وتظل في علاقة مع الحرية وتجد اكتمالها على صعيد الفعل والأخلاق.

لقد أعلن ماراتن هيدجر نهاية الميتافيزيقا الغربية والاقرار في نفس الوقت باخفاقها وذلك بالانطلاق من الإرادة النتشوية التائقة نحو قلب الأفلاطونية. لقد ضاعت بالانشغال بالموجودات ونسيت الوجود ولذلك حرص هيدجر على الاستئناف عن طريق بناء الأنطولوجيا الأساسية ودفع الفكر نحو إعادة طرح السؤال الأساسي ماهو الوجود؟ ولقد دشن بذلك عصر العدمية بالنسبة للفلسفة الغربية. غير أن هذه النظرية الماورائية تعرضت الى موجة تشكيك وعملية هدم من طرف فلاسفة الرجة وخاصة نيتشه وفرويد ولقد تعامل الفكر الماركسي مع الميتافيزيقا تعاملا سلبيا واعتبرها بنية فوقية زائفة وفي تعارض مع الجدلية العلمية وسبب اغتراب الوعي وتشير إلى الوجود الثابت وغير الزمني وتؤدي إلى الإيديولوجيا الزائفة. 

فماهو مصير المطلق في ظل سيطرة النسبي؟ وبماذا يلبي المرء رغبته في المعرفة بعد اكتفائه بالعالم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

المصادر والمراجع:

Bergson Henry, introduction à la métaphysique 1903

Bergson Henry, Pensée et mouvant , 1907

Daval (Roger), la métaphysique de Kant, édition PUF, Paris,1951.

Descartes (René), Méditations métaphysiques (1641), II, 10-18, 1963,

Kant Emmanuel, critique de la raison pure, préface de 2 éditions,

Jolivet (Régis), l’homme métaphysique, collection je sais-je crois, troisième partie qu’est-ce que l’homme ?, Librairie Arthème Fayard, Paris, 1958.

Leibniz, discours de métaphysique, 1686

Lefranc (Jean), la métaphysique, édition Armand Colin, Paris, 1998.

Zarka (Yves  Charles) et Pinchard (Bruno), Y a-t-il une histoire de la métaphysique ?, édition PUF, Paris, 2005.

 ...................

 ديكارت (رونيه)، مبادئ الفلسفة، المقدمة.

 

 

ibrahim telbasilkhaيرى اشفيترز أننا نعيش اليوم فى ظل انهيار الحضارة، وأن الحضارة الغربية الراهنة بسبيل الانتحار، وهذا الوضع نتيجة لما بلغه هذا العصر من تقدم فى النواحى الصناعية والمادية، وافتقاره إلى المعتقدات الأخلاقية الأصيلة .

فالأحوال الاقتصادية اليوم تحاول أن تجعل من الإنسان كائنا بغير حرية ولا تفكير ذاتى ولا استقلال، تريد بقوة أن تجعل منه كائنا حافلا بالنقائض إلى حد أن يفقد صفات الإنسانية . لقد ضعف عدد النفوس الحرة المستقلة فى ظل المكاسب المادية الهائلة التى تحققت، فالصانع الذى كان سيد نفسه أصبح بقهر الآلات مجرد أداة فى المصنع، كما أن نظام المصانع يخلق باستمرار تجمعات للسكان متزايدة تصبح بالضرورة منفصلة عن الأرض التى تغذيها، والبيوت التى تسكنها، وعن الطبيعة . ومن هنا تقع الأضرار النفسية الخطيرة ذلك أن الحياة غير السوية تبدأ حقا بفقدان الإنسان لحقله أو مسكنه .(1)

وإلى جانب الافتقار إلى الحرية يمكن أن نضيف نشر الإرهاق، فلقد أصبحت القاعدة اليوم فى كل دائرة من دوائر المجتمع هى القيام بدور مفرط من العمل والنتيجة أن العنصر الروحى فى العامل لا يمكن أن يترعرع . وهذا الإرهاق يؤذيه حتى فى طفولته بطريق غير مباشر، لأن أبويه لا يستطيعان أن يخصصا وقتا وجهدا لتنشئته. كما يجب بسبب انشغالها بالعمل الذى لا يرحم وهكذا يفتقر نموه إلى عنصر لا يمكن أبدا تلافيه، فيشعر من بعد فى مجرى حياته حينما يصبح هو نفسه عبدا لساعات العمل المرهقة، يشعر بالحاجة المتزايدة إلى مرفهات خارجية وإمضاء الوقت ال(2)

لكن هذا كله يحتاج إلى توفر عقلى وضبط نفسى لا سبيل له إليهما . فهو لا يود أن يفكر ولا يبحث عما يصلح لنفسه، إنه يبحث عن تسلية من النوع الذى لا يتطلب من قواه الروحية إلا أقل مجهود . وعقلية هذا الجمع من الناس المتراخين روحيا، العاجزين عن حشد أنفسهم وخواطرهم لها آثارها فى كل تلك المنشآت التى كان ينبغى أن تخدم قضية الثقافة وبالتالى قضية الحضارة . فالمسرح الجاد أصبح فى مركز ثانوى بالنسبة إلى الملاهى ودور السينما، والكتاب الجديد توارى فى الظل مفسحا المجال للكتاب المسلى أو البوليسى، وتكيفت الثقافة بدورها مع هذه الحياة . فكل صحيفة بها الكلمات المتقاطعة لشغل وقت الفراغ، وكل صحيفة أصبح اهتمامها منصبا على المعلومات السطحية فى المقام الأول، على المعلومات التى يستسيغها القارئ بسهولة ويسر .(3)

والدليل على أن هذا الافتقار إلى القوة المفكرة قد أصبح طبيعة ثابتة فى الناس الآن، ما نجده إذا اجتمع شخصان للمناقشة، نجد أن كل منهما يحرص على أن يكون حديثهما لا يتجاوز نطاق العموميات ولا يتحول إلى تبادل فعلى للأفكار فليس عند أحد ما يعرضه . وكل إنسان يتسلط عليه نوع من الخوف حتى لا يتطلب منه شئ مبتكر وهذه الروح التى لا تركيز لها تفضى إلى تصور وضيع لما يجب أن يكون عليه الإنسان . ففى أنفسنا وفى غيرنا لا ننظر إلى القدرة على العمل المنتج، ونقنط ونكف عن تطلب مثل أعلى .(4)

وإلى جانب العائق الناشئ عن افتقار الإنسان الحديث إلى الحرية وإلى قوة التركيز العقلى، هناك عائق آخر ناشئ عن التخصص فى المعرفة . ففى ظل هذا التخصص يتضاءل المعنى الروحى إذا أصبحت الدعوة موجهة إلى بعض ملكات الإنسان فحسب، الأمر الذى جعله يرضى ويقنع ببعض المهارات الجزئية. وعلى الرغم من أن هذا التخصص قد أدى إلى نتائج مدهشة فى مجال العمل، إلا أنه أصاب المجتمع بالضياع الروحى، وفى هذا توضيح لذلك القانون المفجع الذى يقول إن كل مكسب تصحبه، على نحو أو آخر خسارة مقابلة .(5)

لذلك وجَدَ اشفيتسر أن الخلل ناشئٌ عن اهتمام الناس ببناء قدراتهم وتطوير وسائلهم والاندفاع مع رغباتهم والاستغراق في مصالحهم وإهمال الجانب الأخلاقي الذي هو المزية الكبرى التي تميز الإنسان عن بقية المخلوقات. لقد شَخَّص خلَل الحضارة بأنه خللٌ أخلاقيٌّ فلقد امتلكتْ الإنسانيةُ معارف دقيقة وأفكارًا خلاقة وتقنيات مذهلة وأقامت مؤسسات فاعلة لكنها لم تملك الأخلاق العالية التي تتلاءم مع هذه الإمكانات الهائلة، إن الشعوب والأمم تنافست في اتجاه بناء القدرات من أجل التفوق والتغلُّب والهيمنة وليس من أجل التفاهم والتآخي والتقارب والمشاركة فحدث هذا الخلل الفظيع الذي تعاني منه الإنسانية في كل مكان..(6)

والإنسان اليوم أيضا معرض إلى أن يفقد إنسانيته، فالموقف السوى من الإنسان نحو الإنسان قد أصبح صعبا جدا . ذلك أنه بسبب السرعة التى يعيش فيها، وازدياد وسائل الاتصال والاضطرار إلى العيش والعمل مع كثيرين آخرين فى مكان مكتظ بالسكان فإن كل منا يقابل الآخر باستمرار، وفى مختلف أنواع المناسبات يقابله كأنه غريب عنه . فإن الظروف الراهنة لا تسمح لنا بأن يلقى بعضنا لقاء الإنسان لأخيه الإنسان لأن القيود المفروضة على الإنسان العادى أصبحت من العموم والوثوق بحيث اعتدنا عليها فلم نشعر بعد بأن الاتصال الآلى اللاشخصى القائم بيننا هو أمر غير طبيعى .(7)

ولذلك ترانا نميل إلى تناسى علاقتنا مع أخواننا، ونسير فى الطريق المؤدى إلى عدم الإنسانية . وقد شاعت بيننا أفكار غير إنسانية بصورة وقحة وبقوة المبادئ المنطقية . واختفى الأدب الناشئ عن الشعور الطبيعى، وحل محله سلوك من عدم الاكتراث التام وإن تستر بستار من ناموس الأخلاق . ومنذ عشرات السنين ونحن نتحدث باستخفاف متزايد عن الحرب والغزو وكأن هذين ليسا إلا ألاعيب على رقعة الشطرنج . كيف أمكن أن يقع لو لم يكن نتيجة اتجاه عقلى لم يعد يرسم لنفسه مصير الأفراد، بل صار يفكر فيهم على أنهم مجرد أشكال أو موضوعات تنتسب إلى العالم المادى ولما نشبت الحرب انطلقت عدم الإنسانية من عقالها . وكم من إهانات بعضها مقنع بأدب، والبعض الآخر مكشوف، انصبت على كثير من الشعوب فى السنوات الأخيرة وعدها الناس حقائق معقولة سواء فى الكتب الاستعمارية أو البرلمانات حتى أصبحت عنصرا فى الرأى العام .(8)

وهكذا يؤكد اشفيتزر أن التقدم المادى يكون شرا وخطيئة عندما يصبح بالنسبة لنا مجرد وسيلة أو أداة لتحقيق المنافع والأغراض الذاتية الخالصة على حساب تحقيق المثل والمبادئ الإنسانية العليا . كما يرى أن التفاعل بين ما هو مادى وما هو روحى قد اتخذ طابعا مضرا كل الأضرار، وأننا نبحر بسفينة مصيرنا فى تيار مليء بالأمواج العاتية تحت شلال هائل . ولقد انحرفنا عن مجرى الحضارة لأننا لم نقم بالتفكير الجدى فى معنى الحضارة . ولم تفلح تلك المؤلفات التى تناولت الحضارة فى إيضاح الأحوال الراهنة فى حياتنا العقلية، أو وصف مضمون حياتنا الروحية وبيان حقيقة الأزمة الحالية .(9)

واشفيتزر يرجع هذا الموقف أساسا إلى انصراف الفلسفة عن القيام بواجبها . فالفلسفة كانت تقود الإنسانية وتتضمن فى داخلها تفلسفا أوليا عن الإنسان والمجتمع والجنس والإنسانية والحضارة مما جعل لها سمة شعبية واضحة، ومن ثم كانت تهيمن على التفكير العام وتحافظ على التحمس للتحضر. كما كانت الفلسفة عاملا فعالا فى إنتاج معتقدات عامة عن الحضارة . أما الآن فالروح المبدعة أصبحت خاوية من التفكير الحقيقى، لقد راحت تتأمل فى النتائج التى وصلت إليها العلوم الجزئية، وبالتالى فقدت القدرة على التفكير الأصيل .(10)

وإن كان لا يزال لهذه الفلسفة دورها فى المدارس والجامعات، فإنه لم يعد لها رسالة تؤديها للعالم الكبير . لقد أصبحت مجرد حذلقة فلسفية يقوم بها منحلون، أصبحت غريبة عن العالم ومشاكل الحياة الروحية العامة . إنها لم تتفلسف فى الحضارة إلا قليلا لأنها خدعت بثرواتها، وأهملت غرس الأرض بمحاصيل مفيدة، وبالتالى أسلمت العصر لمصيره، وتجاهلت ما فيه من جوع .(11)

ويضع اشفيتزر مجموعة من المهام الكبرى التى ينبغى أن تؤديها الفلسفة لإصلاح الوضع الحضارى الراهن : فيطالب بضرورة أن تكون الفلسفة دليلا للعقل وحارسا، وأن تعترف للدنيا بأن المثل الأخلاقية العليا هى أساس الحضارة . وأن تكافح من أجل هذه المثل، وأن تجعل لها وجودا مستقلا، وبالتالى تحفظ لها حياتها ووجودها . وأن تبذل كل الجهد لتوجيه اهتمام المثقفين وغير المثقفين معا إلى مشكلة مثل الحضارة، وعليها أن تعمل على بعث القوى الضرورية لوضع وتمكين مثل الحضارة، وأن تظل ساهرة يقظة من أجل الحفاظ على الحضارة .(12)

يؤمن اشفيتزر إذن بأن مستقبل الحضارة يتوقف على توكيد المثل والمعتقدات الأخلاقية وترسيخها . ولذلك تجده يصرح أنه بعد أن بحث فى ماهية الحضارة وطبيعتها تبين له فى نهاية المطاف أن الحضارة فى جوهرها أخلاقية . ومن ثم فليس ثمة ضرورة إلى اليأس الذى يعترينا فى عصرنا، لأنه إذا كان العنصر الأخلاقى هو العنصر الجوهرى فى الحضارة فإن الانحلال يستحيل إلى نهضة بمجرد أن يعود النشاط الأخلاقى إلى العمل من جديد فى معتقداتنا وفى أفكارنا، والقيام بهذه المحاولة أمر جدير بالسعى إليه ويجب أن يمتد إلى العالم كله .(13)

لكننا لن نستطيع القيام بهذه المحاولة إلا إذا كنا قادرين على أن نهب العالم والحياة معنى حقيقيا . وطالما نظرنا إلى وجودنا فى العالم على أنه عديم المعنى، فلا معنى أبدا للرغبة فى إحداث أى أثر فى العالم . فنحن لا نعمل من أجل ذلك التقدم الروحى العام والمادى الذى نسميه الحضارة إلا بالقدر الذى به نؤكد أن العالم والحياة كليهما ينطوى على نوع من المعنى، وبعبارة أخرى إلا بالقدر الذى نفكر به تفكيرا متفائلا.

وأن الحضارة تنشأ عندما يستلهم الناس عزما واضحا صادقا على بلوغ التقدم،ويكرسون أنفسهم، تبعا لذلك، لخدمة الحياة والعالم . وفى الأخلاق وحدها نجد الدافع القوى إلى مثل هذا العمل، فنتجاوز حدود وجودنا . ولتعلم أنه لن يتحقق أى شئ له قيمة فى هذه الدنيا إلا بالحماسة والتضحية بالنفس .(14)

فالإنسان لن تكون له قيمة حقيقية بوصفه شخصية إنسانية إلا من خلال كفاحه ليكون ذا خلق وخلال حسنه . لكن لا سبيل إلى إقناع الناس بحقيقة توكيد الحياة والعالم، وبالقيمة الصادقة للأخلاق عن طريق الدعوة والوعظ . بل لابد أن تنشأ العقلية الإيجابية الأخلاقية التى تمتاز بها هذه المعتقدات فى الإنسان نفسه كنتيجة لصلة روحية باطنة بالعالم . فحينئذ وحينئذ فقط تكون له معتقدات قوية واضحة راسخة، تكيف كل أفكاره وأفعاله .(15)

ويحدد (إشفيتسر) مضمون الحضارة بثلاثة أنواع من التقدم هي:

أ- التقدم في المعرفة والسيطـــــرة

ب ـ التقدم في التنظيم الاجتماعي للإنسانية

جـ ـ التقدم في الروحيــــــــــة

ويضيف أن الحضارة تتألف من مثل عليا هي:

أـ المثل العليـــا للفــرد

ب ـ المثل العليا للتنظيم السياسي والاجتماعــــي

ج ـ المثل العليا للتنظيم الاجتماعي والروحي والديني

د ـ المثل العليا للإنسانية بوصفها كلاً متكامـــلاً

وينتقل (إشتفيتسر) من مضمون الحضارة إلى وضع مفهوم لدوافعها: فهي "بذل المجهود، من أجل تكميل النوع الإنساني، وتحقيق التقدم في أحوال الإنسانية وأحوال العالم الواقعي".(16)

ومن هنا يطالب اشفيتزر بالتغلب على فقدان المعنى واليأس اللذان يميزان أفكار الناس ومعتقداتهم فى هذه الأيام . وعلى بلوغ حالة من الأمل النضير والعزم الفتى . ولن يكون فى وسعنا ذلك إلا إذا اكتشفت غالبية الناس لأنفسهم موقفا أخلاقيا عميقا راسخا يؤكد الدنيا والحياة عن طريق نظرية فى الكون مقنعة وقائمة على الفكر.(17)

وتطور الحضارة إنما يقوم به عامة أفراد من الناس يفكرون فى المثل التى تهدف إلى تقدم المجموع . ويكيفونها مع وقائع الحياة على نحو يجعلها قادرة على التأثير الأقوى، وفى ظروف العصر. ولهذا فإن مقدرة الإنسان على أن يكون رائدا للتقدم وأن يفهم ماهية حضارته، وأن يعمل لها تتوقف على كونه مفكرا وعلى كونه حرا. إذ ينبغى أن يكون مفكرا ليكون قادرا على فهم مثله وتصويرها وينبغى أن يكون حرا ليكون فى وضع يتهيأ له منه أن يدفع بمثله فى الحياة العامة . إن الحضارة تفترض أناسا أحرارا، فعن طريق الأحرار وحدهم تتحقق الحضارة وتتقدم .(18)

ولهذا فإن تجديد الحضارة لا شأن له بالحركات التى تحمل طابع تجارب المجموع فهذه التجارب ليست إلا ردود فعل تجاه الأحداث الخارجية . لكن الحضارة لا يمكن أن تتجدد إلا إذا نشأت فى عدد من الأفراد نزعة عقلية جديدة مستقلة عن تلك السائدة بين الجمهور، وفى تعارض واياه. نزعة عقلية تكتسب التأثير تدريجيا على النزعة الجماعية، وفى النهاية تطبعها بطابعها . ولا سبيل إلى النجاة من الهمجية إلى بحركة أخلاقية، ولا وجود للأخلاق إلا فى الأفراد .(19)

وواجب الأفراد هو الارتفاع إلى تصور أعلى لمعتقداتهم والقيام من جديد بالوظيفة التى لا يستطيع أداءها غيرهم، أى إيجاد أفكار روحية أخلاقية . فإن لم يحدث هذا فى عديد من الحالات فلا يمكن إنقاذ الحضارة . ولابد من خلق رأى عام جديد بطريقة عامة، والرأى العام إنما يتكون حاليا عن طريق الصحافة والدعاة والمنظمات والوسائل المالية وأساليب القوة التى تحت تصرفها . وهذه الطريقة غير الطبي2عية فى نشر الأفكار يجب أن تقابل بطريقة طبيعية تنتقل من الإنسان إلى الإنسان ولا تستند إلا على الصدق فى الأفكار، واستعداد السامعين لقبول الجديد من الحقائق . وعليها أن تهاجم وهى عزلاء من السلاح بطريقة الكفاح الروحى، الطريقة الأخرى المدججة بالسلاح كأنها داود فى مواجهة طالوت .(20)

إن على الروح اليوم أن تخلق القدرة على فهم الحق الذى هو فعلا حق بينما لا يشيع اليوم إلا الحق الذى صنعته الدعاة . وعليها أن تخلع التعصب الوطنى الذميم، وأن تنصب مكانه الوطنية النبيلة التى تهدف إلى غايات جديرة بالإنسانية كلها، فى الدوائر التى تعمل فيها النتائج اليائسة للأعمال السياسية الماضية والحاضرة على إذكاء نيران التعصب الوطنى حتى تبين لأولئك الذين يودون من صميم قلوبهم أن يخلصوا منها وعليها أن تبين للجميع أن مسألة الحضارة أمر يهم جميع الناس، والإنسانية كلها، وأن تهبنا الإيمان بإمكان التقدم وأن تزودنا بكل أسباب الأمل .(21)

ويؤمن اشفيتزر بأن يقظة هذه الروح الغريبة يجب أن تنطلق من شعور الشعب المثقف منه وغير المثقف بضرورة إعادة النظر فى المعتقدات والمثل التى نحيا فيها ومن أجلها، وفى معنى الحياة كلها ولو أننا جميعا خصصنا ثلاث دقائق كل مساء للنظر فى السماء المرصعة بما لا نهاية له من النجوم لمهدنا لعهدنا لإصلاح الأحوال التى نعيش فيها اليوم وكذلك لو أننا ونحن نشترك فى تشييع الجنائز فكرنا فى لغز الموت والحياة بدلا من الخوض فى الأحاديث الفارغة . علينا أن نبدأ بالتأمل فى المتناهى واللامتناهى فى الكون والفساد ولنعلم كيف نميز بين المعايير الصادقة والمعايير الزائفة، بين ذوات القيمة وبين تلك عديمة القيمة وبهذا نتلقى مزيدا من القوة المعنوية الأخلاقية والصمود، ومن ثم نكون قادرين على وضع مثل عليا حضارية تحمل روح الإنسانية الصحيحة .(22)

ولا يعنى ذلك أن اشفيتسر يدعو الى الزهد والتخلى عن الحياة وانما ينادى بترشيد الحضارة، فهو مع دعوته الملحة الى الأخلاق كان فى قمة العقلانية فهو الذى يقول:" ان المذهب العقلى حركة فكرية وظاهرة ضرورية لكل حياة روحية سوية .. ان كل أشكال التقدم الحقيقى فى العالم يتضح بعد التمحيص الدقيق بأن مردها هو العقلانية، وهذا المبدأ الذى ترسخ والذى يستند الى اعتماد الفكر فى أفكارنا للعالم هو المبدأ الصحيح لكل زمان".(23)

 

..................

الهوامش

**راجع هذا الموقف من خلال كتاب اشفيتسر " فلسفة الحضارة " .

1- ألبرت أشفيتسر: فلسفة الحضارة، ترجمة د. عبد الرحمن بدوى، مراجعة د.زكى نجيب محمود، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، ص ص 21-22

2- الموضع نفسه

3- المرجع نفسه، ص ص 22-23

4- المرجع نفسه، ص ص 23-24

5- الموضع نفسه

6- ابراهيم البليهى:من الطب والجراحة الى فلسفة الحضارة، جريدة الرياض، 5يوليو 2015م العدد 17177

7- ألبرت اشفيتسر: مرجع سابق، ص 26

8- المرجع نفسه، ص ص 26-27

9- المرجع نفسه، ص 11

10- د.ابراهيم طلبه سلكها : رؤى الفلسفة، دار الحضارة للطباعة والتوزيع، الطبعة الثانية، 2003، ص ص 23-24

11- ألبرت أشفيتسر: مرجع سابق، ص 18

12- المرجع نفسه ص ص 18-91

13- المرجع نفسه، ص 56

14- المرجع نفسه، ص ص 5-6

15- الموضع نفسه

16- حسن محمد طوالبة: العرب والغرب بين خيارى الصراع والحوار الحضارى، صحيفة الحوار المتمدن، العدد 3376

17- ألبرت أشفيتسر: مرجع سابق، ص 7

18- المرجع نفسه، ص 20

19- المرجع نفسه، ص 62

20- المرجع نفسه، ص 63

21- المرجع نفسه، ص ص 64-65

22- المرجع نفسه، ص 83

23- ابراهيم البليهى: مرجع سابق

 

 

hatam hamidmohsinان مصطلح الاستقلالية (autonomy)، مشتق من الاصل اليوناني "اوتوس" و"نوموس" (الذات + القانون) ويشير الى حق الافراد او مقدرتهم على حكم انفسهم. الافراد يقال مستقلون اذا كانت افعالهم هي حقا تعود لهم، ويحوزون على حرية اخلاقية. ان ضرورة هذه الحرية الاخلاقية اُعلن عنها بوضوح في اعمال العديد من الفلاسفة كجان جاك روسو، على سبيل المثال، الذي ناقش في عقده الاجتماعي ما اعتبره علاقات مركزية هامة بين ما اسماه الرغبة العامة، الحرية، المساواة. وتأتي من هذا العمل ايضا عبارة روسو الثورية الشهيرة "الانسان ولد حرا وهو مقيد بالسلاسل في كل مكان".

مصطلح الاستقلالية هو ايضا حجر الزاوية في نظرية كانط الاخلاقية التي تكون فيها حيازة استقلالية الرغبة شرطا ضروريا للفرد الاخلاقي. يرى كانط ان الاستقلالية تعمل بمثابة القدرة على معرفة ما تتطلبه الاخلاقية منّا بدلا من ان تكون حرية في السعي لتحقيق غاياتنا. ان حيازة الاستقلالية تسمح للفرد بالتصرف وفق قواعد موضوعية وعالمية صالحة تستمد شرعيتها من العقل وحده. في المعجم الكانطي نجد هذه الفكرة منفصلة كليا عن مصطلح الـ "heteronomy" (التأثر بقوى خارج الفرد) وهو المصطلح الذي استخدمه كانط ليشير الى ظروف التصرف وفق الرغبات والتي لم يشرعها العقل. في (الفصل الثاني  صفحة 46 من المبادئ الاساسية لميتافيزيقا الاخلاق) يجادل كانط اننا يجب ان نرفض كل الاحكام التي لا تنسجم مع ارادة سن قانون عالمي و" اننا يجب ان نتصرف فقط وفق الاحكام التي تصبح بها الرغبة في ذات الوقت قانونا عالميا". يرى كانط ان اي تفكير قائم على رؤية ان القانون الاخلاقي يتم فرضه من الخارج هو قانون  مشابه تماما لقانون الآخر (heteros) .

بالنسبة للاخلاقي الكانطي، لايمكن انجاز النضج الاخلاقي بدون القبول بالحاجة للاستقلالية كما عُرّفت اعلاه. قبول النظريات الخارجية التي تتطلب الطاعة العاجلة لأوامر الدولة او المجتمع او للايمان الديني، ستضع الافراد في موقع الإذعان وقبول الاوامر المفروضة عليهم كي يعملوا بطرق لم يقوموا ولا يستطيعون القيام بها.ومن جهة اخرى، اذا كان الافراد يميزون بشكل مستقل ويقررون قيمهم الاخلاقية الخاصة، فهم عندما يتصرفون طائعين لها، انما يقومون بهذا ولديهم الاحساس العميق بحريتهم في تقرير طبيعة افعالهم .التصرف بهذه الطريقة، كما جادل كانط ذاته، يعني التصرف باسلوب من استخدام القدرات العقلانية المشتركة لدى جميع الناس لأغراض اكتشاف القانون الاخلاقي الذي هو ايضا قابل للتطبيق بشكل عام وكوني.

هذا الموقف لايشبه فكرة ان الاستقلالية تمثل السيادة الكلية للفرد على خياراته للقيم الاخلاقية وافعاله وتطوره الذاتي . الفرق بين هذين الموقفين الموقف الكانطي والموقف الذي يوصف بالنسخة الوجودية المتطرفة، يؤثر بوضوح وبشكل هام على رؤيتنا للمفاهيم المتصلة بالحرية والمسؤولية. "الحرية"، في هذا المعنى الاخير تمنح اهمية عظيمة لـ "الاصالة" وتجنّب الايمان الزائف(1). طبقا لهايدجر، الاصالة هي ظروف اولئك الذين يفهمون البناء الوجودي لحياتهم، الذين يقودهم القلق العميق لتحمّل المسؤولية عن حياتهم وبالتالي اختيار هوياتهم الخاصة بهم والعيش  بطريقة هامة وملائمة عاطفيا  ."اللااصالة"، من جهة اخرى، يعرّفها هايدجر بالحالة التي تنسلخ بها الحياة عن الهدف والمسؤولية وهي بهذا يتم الانحدار بها انسانيا وشخصيا.

عند الذهاب الى ما وراء الاصل الكانطي لفكرة الاستقلالية، فان الاستقلالية الاخلاقية بهذا المعنى الهايدجري "فهم البناء الوجودي للحياة"، بدلا من الاعتماد السلبي على انظمة القيم التقليدية ستساعد الافراد تجاه الوعي بقيمة واهمية تجاربهم المتميزة والخاصة بهم وبهذا يصبحون في موقف يمكنهم فيه الانخراط كافراد بالاسئلة الاخلاقية المعقدة كتلك الناجمة عن الحاجة لتطبيق التحليلات الاخلاقية على المجالات الجديدة والممتدة من المعرفة الانسانية والتي لاتزال شائكة اخلاقيا.

ان التحفظ من القبول اللانقدي للمواقف الاخلاقية بشأن الاسئلة الاساسية يمكن اعتباره كرغبة من جانب الافراد لبناء الفكر الفلسفي على تجاربهم الخاصة بالحياة والقضايا اليومية اكثر ما هو على سلطة الاخرين. هذا التطور، مع انه ليس جديدا، لكنه بوضوح يمثل انعاشا لنمط التحقيق الاخلاقي الذي انعكس على سبيل المثال في تفكير الفلاسفة الاغريق والرومان حول اسئلة مثل كيف يجب ان نعيش وكيف يجب ان نموت. وبالمثل، كتب هيوم عن الانتحار، وفي القرن التاسع عشر، كتب جميع فلاسفة النفعية الكبار عن قضايا الاخلاق التطبيقية.

 ان الانهماك بالعلاقة بين الاستقلالية الذاتية والقضايا الاخلاقية يجب اعتباره شديدة المركزية وهو ايضا تعبير عن الطبيعة المستمرة لاثنين من النقاشات ذات الصلة: الاول نقاش حول ما اذا كانت الاخلاق ذاتها مستقلة وقادرة على تزويد حقائق اخلاقية موضوعية لا تستمد سلطاتها من مصادر غير اخلاقية مثل الأوامر الدينية او حقائق الطبيعة او اوامر العقل الخالص، والثاني، السؤال المنفصل (طالما ليس من الضروري ان الايمان بالاسباب الموضوعية للفعل تنطوي على تصور اخلاقي مطلق للقيم الاخلاقية) عن مدى مقبولية الاتجاهات المطلقة اخلاقيا وليست النسبية للقضايا الاخلاقية المعاصرة .لو حدث ان الافراد يؤمنون بان الحقائق الاخلاقية  تتقرر بالاحداث في مجالات اخرى للفعالية، او ان المواقف الاخلاقية النسبية تعرض فعلا وسائل عقلانية اكثر قبولا تحاول بواسطتها تحليل ما يمثل السلوك الصحيح او الخاطئ في موقف معين، فانه من المحتمل ان يبرز بين هؤلاء الافراد مناخا من النقاش الاخلاقي  المتعدد والذرائعي والاكثر انفتاحا .

اذا كان الاخلاقي التجريدي يجادل، بطريقة تُظهر في تفكيره  بعض العناصر الدينوتولوجية (المتعلقة بالواجب والالتزام)، وان انواعا معينة من الافعال هي دائما خطأ او دائما الزامية، فمهما كانت النتيجة، فان الاخلاقي النسبي سيتخذ رؤية ان التقييم الاخلاقي هو بالضرورة معتمد على المعايير التي تعرّف نظام او دليل اخلاقي معين وعلى الممارسات والمعتقدات المقبولة من جانب جماعة اجتماعية في مكان وزمان محددين. في ظل وجود التعددية في مثل هذه الجماعات الاجتماعية، كل واحدة لها عاداتها وقيمها الخاصة، فان النسبي يجادل بعدم وجود مرجعية يمكن بها تقييم تلك النظم الاخلاقية ذاتها، ولا وجود لمعيار مطلق يمكن بواسطته انتقادها. وفي دعم موقفه، يُحتمل للنسبي ان يشير الى دليل انثربولوجي للتنوع الثقافي وليشير الى ان هناك الكثير يُعرف الآن حول العالم وسكانه مقارنة بما كان ايام كانط وهيوم.

من الواضح ان هناك حجة معارضة من المحتمل ان تبرز وهي على سبيل المثال امكانية ان يبالغ النسبي في دلالات بياناته، او ان يوجد هناك بين الجماعات المختلفة ثقافيا قيم انسانية اساسية مشتركة، مثل الادانة الاخلاقية للقادة الذين يستغلون شعوبهم، او الاعتراف بالحاجة الى بعض اشكال الوساطات الموضوعية والاحكام في النزاعات المتعلقة بالملكية او الحقوق. السؤال يبقى مفتوحا ما اذا كانت هذه الحجة مقنعة كنقد للموقف النسبي.

حين يباشر اعضاء المجتمع  تحولات سريعة ومزعزعة للاستقرار في طريقتهم التقليدية للحياة سوف يحتاجون دائما الى زمن اكبر مما لديهم يكيفون ويعيدون فيه دراسة الاسس التي اقاموا عليها قراراتهم بالطرق المعتادة.عندما يفرز التغيير مشاكل جديدة ومعقدة في مجالات لا تتوفر فيها العادة او المألوف او القوانين كبدائل للتعامل، فلابد من تطوير معايير جديدة للسلوك والتشريعات . احيانا هذه يتطلب انجازها بنفس سرعة التغيير المحفز لها لكي تواكب التغيير وتستمر في السيطرة عليه، او لأسباب تتعلق بالاستقرار او  بالنظام السياسي والاجتماعي . في مواقف كهذه، يجب على الفرد الذي يرغب الاحتفاظ بالاحساس بالمشاركة في هذه العملية ان يجد وسائل يمكن بواسطتها استيعاب القيم الجديدة ضمن مجموعة قيمه الموجودة سلفا، او انه يجب عليه تحدي القيم الجديدة:"ماذا ينبغي ان اعمل؟ اي موقف يجب ان اتبنّى؟ اي نوع من الافعال ينبغي ان اقوم؟".

بالنسبة للفرد الذي لأجل جميع الاهداف العملية، يرى نفسه كفرد مستقل يتحمل المسؤولية عن قراراته وعن نتائجها، فان دلالات كل هذه والعدد الكبير من الاسئلة المتصلة الاخرى هي هامة جدا. انها، على سبيل المثال، ربما تقود الى الاحساس بضرورة النظر بمدى امكانية الاستمرار بمراقبة الاعراف والعادات المتبعة ضمن جماعته الاجتماعية، وعملية التحليل الذاتي التي ربما تجعله يعاني من الاتهامات بالخروج عن المالوف، والاحساس بالاغتراب والتهميش والاضطهاد. ربما يبدو من الضروري ايضا تبنّي مواقف بشأن القضايا الاخلاقية التي تتطلب مشاركة في اعمال العصيان المدني والتحدي او حتى خرق القوانين.

ان الفرد الذي يأخذ على محمل الجد معنى استقلاليته كفرد اخلاقي ولن يواجه هذه المآزق او ليس لديه الوعي  بمدى نطاق ونوعية حقوقه والتزاماته، قد يشكل في نفس الوقت تحديا لحقوق الاخرين او الى نسيج العقد الاجتماعي الذي يمثل الاساس للمجتمع الذي نعيش فيه. ان تعقيدية وخطورة هذا الموقف عبّر عنها بشكل واضح الكسندر سوزينش Alexander Soizhenitsyn (2) الذي تحدّث عن "ان هناك العديد من المستويات المختلفة للقيم في العالم، هناك مستوى للاحداث القريبة ومستوى للاحداث البعيدة،  مستوى للمجتمعات القديمة ومستوى للمجتمعات الشابة، مستوى للاحداث السعيدة وآخر للاحداث التعيسة. من الواضح ان تقسيمات المستويات هذه تفشل في الانسجام، انها تؤذي العيون وتسبب الدوار...".

المسألة التي يشير لها سوزينش هي واضحة. التعقيدية اللامتناهية للعالم تجعل من الصعب للافراد اكتشاف القيم التي بواسطتها يجب ان يعيشوا او يكونوا متأكدين من الافعال التي هم اما يجب او لا يجب ادائها. وبالنتيجة، ليس من السهل للمجتمع تصميم العمليات، الانظمة والمؤسسات التي تلبي بشكل ملائم حاجات مواطنيه او يكون متأكدا انه فهم بشكل صحيح طبيعة المستقبل الذي يتحركون نحوه. ولهذا،  من الصعب للافراد انجاز اجماع اخلاقي او، على سبيل المثال، تأكيد الفيلسوف البريطاني جورج ادوارد مور G. E. Moor المطلق،  في "مبادئ الاخلاق ص 249"، عندما يجادل ان المعايير التي يجب ان يُحكم فيها على الفعل الخير اخلاقيا هي المدى الذي يُخلق فيه المزيد من الخير في العالم قياسا باي بديل ممكن اخر. يستمر مور بالقول ان مثل هذه الاشياء الخيرة هي خيرة بطبيعتها ولذا يجب ان توجد لأجل ذاتها . هو يؤكد ايضا انه من المستحيل رفض الاعتراف بهذه الخيرية الفطرية حتى عندما لا يمكن اثبات او عدم اثبات وجودها، لأن طبيعة "الخير" كما يرى لايمكن تحليلها.

بالنسبة للفرد المهتم بتعظيم استقلاليته الفردية، وشق طريقه عبر التعقيدات الاخلاقية للحياة ومع ذلك يبقى مندمجا كليا ضمن نسيج المجتمع، فان العالم لايبدو منسجما بشكل صريح امام هذا الاطار. في الحقيقة، ربما يرى البعض ان الشك في نفعية المبادئ الاخلاقية في الحياة اليومية يبرز تماما من مثل هذا الوعي السطحي وبشكل كبير من التنظير غير المبرر كما في مور.

عند تطوير معنى لكيفية الاستجابة للمآزق الاخلاقية، يحتاج الافراد للشعور بالثقة في الاحاطة التامة بالحقائق المتصلة بمواقف اخلاقية معينة والشعور بالاطمئنان قدر الامكان، لا ان يفسروا موقفهم في ضوء المبادئ الاخلاقية التي تعلموها كأطفال، بل ان رؤيتهم الاخلاقية يجب ان تكون واضحة ومركزة حيثما امكن . هذه الخصوصية في الاستجابة تبدو مصيرية. عند التعامل مع كل من المعرفة الجديدة والمأزق الاخلاقية المصاحبة لها، هناك حاجة واضحة للواقعية، وبما ان الافراد يجب ان يفعلوا ويفترضوا المسؤولية عن افعالهم، فهناك القليل من القيمة تُكتسب منها كما يرى الكاتب McNaughton (2) في كتابه رؤية اخلاقية: مدخل في الاخلاق ص57" انه حيثما تكون هناك العديد من الرؤى المتصارعة فسوف لن يكون هناك جواب صحيح". لأن الفرد اذا كان مهتما بربط احساسه بالاستقلالية الفردية بالبحث الحقيقي عن الحقيقة الاخلاقية، فسيكون من الضروري الاحتفاظ بالايمان الراسخ بوجود الحقيقة حتى وان كانت يصعب اكتشافها.

Personal autonomy and individual moral growth, pathways school of philosophy

 

..................

الهوامش

 (1) الايمان الزائف bad faith مفهوم فلسفي استخدمه الفيلسوف الوجودي جين بول سارتر ليصف الظاهرة التي يكون فيها الانسان تحت ضغط شديد من جانب القوى الاجتماعية ليتبنّى قيما زائفة لاترتبط بحريته الفطرية، وبهذا سيعمل بلا اصالة.

(2) هو روائي سوفيتي (1918-2008)، انتقد في اعماله النظام السوفيتي ثم سُجن ونُفي الى سيبريا بعدها رُحّل الى الغرب عام 1974. في عام 1991 اُسقطت عنه جميع التهم وعاد الى روسيا ثم حصل على جائزة نوبل في الادب عام 1970.

 (3) كتاب رؤية اخلاقية: مدخل في الاخلاق للكاتب McNaughton David،  صدر عام 1992 عن دار بلاكويل.

 

 

zouhair khouildiاستهلال: "إن كانت الإنسانية كلها باستثناء فرد واحد على رأي وكان هذا الفرد على عكس هذا الرأي لما كان للإنسانية حق فرض الصمت عليه، أكثر مما يكون له هذا الحق لو كانت السلطة بيده"1

يظن البعض أن النفعية تنتصر للحرية على حساب المساواة وتضع نفسها بجوار الخاص على حساب العام وتقر بالمصلحة الجزئية على حساب المبدأ الكلي للتقسيم وتحرص على حضور البعد الأداتي على حساب البعد الغائي وتشبع المادي على ضد الرمزي. كما يعتقد آخرون أن الفلسفة النفعية مع جون سوارت ميل (1806-1873) تدافع بشكل مطلق على اقتصاد السوق والملكية الخاصة والحرية الفردية والنظام اللبيرالي وتنشد الرفاه ضمن مجتمع الاستهلاك عبر آليات الاستثمار والمنافسة الحرة وبالتالي تخلو من كل حديث عن العدالة والحقوق الجماعية والمساواة الاجتماعية والمصلحة المشتركة. غير أن هذا الظن يبدو كاذبا إذا تم التفريق بين المذهب النفعي عند المحدثين والفلسفة النفعية التي برزت مع التيار الأنجلوساكسوني وبين البعد البراغماتي بماهو نمط تداولي يتكامل مع النمط التركيبي والنمط الدلالي والفلسفة البراغماتية بماهي اتجاه ذرائعي وانتفاعي وتم التأكيد على أهمية القيم الاشتراكية عند ميل وارتباط الحياة الفردية بالأخلاق وتأسيس القيم على المنفعة باعتبارها مبدأ السعادة القصوى وتفضيل لذات العقل على لذات الجسم والبحث عن حياة خالية من الأم وثرية بالعمل وما يجلبه من منافع ومسرات.

"ومع ذلك فإن هذا الكائن الأرقى سيتعلم بسهولة تحمل هذا النقص (في تحقيق اللذة التي يرغب فيها) ولن يكون غيورا من ذلك الكائن الذي لا يعي هذا النقص لأنه لا يستشرف الامتياز الذي يحفزه كل نقصان"2.

لقد تحركت النظرية النفعية على قاعدة جلب المصلحة ودفع المضرة عند نشاط الفرد ضمن دائرة المجتمع وحرصت على توفير حياة خالية من أشكال الظلم والعوز والألم ومليئة بالمتع والفوائد والخيرات والملذات بالنسبة للعقل والجسم على السواء وتخص الفرد لوحده وتطال الإطار الاجتماعي الذي يعمل ضمنه وينتج.

فماهو دور مسألة العمل ضمن الفلسفة النفعية؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى هذا النشاط المرهم إذا كان هدف وجوده يرتكز على تحصيل السعادة؟ والى ماذا يؤدي مسار العمل؟ وماهي تبعات ارتباط العمل بالإنتاج؟ وهل يترتب عن النظرية النفعية تكريس التفاوت والاحتكار والاستغلال؟ وبأي معنى تنتصر هذه النظرية للتنمية على حساب التوزيع وتفتقد إلى علاقات إنتاج اشتراكية وتحول دون التقارب بين الفئات المنتجة؟

1- تجديد منهج البحث الفلسفي:

" تكسب الحقيقة من أخطاء المرء الذي يفكر بنفسه بعد دراسة وتحضير أكثر مما تكسبه من الآراء الصائبة لمن يعتنقونها بسبب أنهم لا يريدون تكبد عناء التفكير."

لقد انطلق جون ستورات ميل في طرحه للمسألة المنهجية على الصعيد المعرفي من الثورة الحاسمة التي قام بها فرنسيس بايكون في كتابه الأورغانون الجديد وتخليه عن مبدأ الاستنباط واعتماده على الاستقراء. بالرغم من استخدامه للمنهج التجريبي وإتباعه بصورة متلازمة لمراحله الأربع: الملاحظة والفرضية والاختبار والاستنتاج إلا أنه ارتأى أن يضيف عدد هام من العناصر إلى هذه الطريقة التجريبية الثورية:

- منهج الاتفاقconcordance:

يتمثل في تجميع الملاحظات التي تسمح بحضور الظواهر المدروسة واستبعاد الظروف التي لا تشترك معها. وبالتالي يمكن احتساب هذا الشيء الواحد الذي يظل حاضرا باستمرار هو سبب وجود الظواهر.

- منهج الافتراقdifférence :

يرتكز على بناء قائمة حول مجموعة الملاحظات التي تتلعق بحضور الظواهر وغيابها وذلك لاستبعاد الظروف التي لا تشترك معها.

-منهج المتغيرات المتساوقةvariations concomitants :

كل تغير في الظاهرة يشير إلى أن مجموعة الظروف المتساوقة التي تتغير وتطلب استبعادها أو تظل على حالها ثابتة.

-المنهج المشترك للاتفاق والافتراق:

لما كانت مجموعة الظواهر متصلة بمبدأ سببي فإن أي تغير يحدث في المقدمات يفضي الى تغير في النتائج وأي تغير يلاحظ على النتائج فإنه يدل على وجود تغير في المقدمات.

- منهج البواقي: résidus:

يسمح باستبعاد بشكل قبلي لكل الظروف الحاضرة التي يعرفها المرء بواسطة أشكال من الاستنباط الأولى والتي تظل عاجزة عن إنتاج الأثر بمجرد أن يبحث المرء عن السبب.

هذه التقنية المنهجية تنتمي إلى فلسفة الحكم المعرفي وتتحرك ضمن تقنية التثبت والمراقبة أكثر من أن تكون تقنية الكشف والاختراع وتسمح بالتمييز بين الظواهر أكثر من الانتقال من الأسباب إلى النتائج.

خلاصة القول أن منهج الاتفاق يدل على التلازم في الوجود بين السبب والنتيجة وأن منهج الافتراق يدل على التلازم في العدم بين السبب والنتيجة وأن المنهج المشترك يقر وجود النتيجة بوجود السبب وعدمها بانعدامه وأن منهج التغيرات المتضايفة يشير إلى أن أي تغير يحدث في السبب يؤدي الى تغير في النتيجة بينما يثمر منهج البواقي تفسيرا يقوم على أن سبب شيء ما لا يكون سببا لشيء آخر مختلف عنه. لكن كيف يمكن للمرء التأكد من أن ما يلاحظه من علاقة ثابتة بين الظواهر هو علامة على وجود علاقة سببية ضرورية تقر بوجود سبب لكل ظاهرة وتعطي قانونا ثابتا لكل علاقة بين الظواهر؟ أليس من الضروري أن نميز بين المنفعة والمصلحة في المادة من جهة وبين العدالة والاستقامة في الحق من جهة أخرى؟

2- العلاقة بين المنفعة والعدالة:

" يتضمن ميدان العدالة ليس فقط ما يؤدي إلى نفع عند فعله والى سوء عند عدم فعله بل هو أيضا ما يمكن لشخص أن يشتكيه منا بالانطلاق من حقه الأخلاقي"

يمارس مبدأ المنفعة الذي ينطلق منه ستيوارت ميل تأثيرا عميقا على تشكيل القناعات المعرفية والمعتقدات الأخلاقية والأفكار السياسية وساعد على نقد النظريات الأخلاقية الحدسية والنظريات التأملية وطرح المشكل ضمن منطق الحس السليم وتناوله من منطلق الملاحظة التجريبية والتكلم عنه بلغة خبرية كمية.

لهذا حاول ميل تفهم النظرية النفعية ضمن إشكالية السعادة التي تم إهمالها من طرف الفلسفة الكانطية وربطها بالوسائل النافعة التي يتبعها الطب من أجل البلوغ بالجسم الإنساني إلى حالة سوية وصحة جيدة.

لا تتوقف المنفعة التي تنشدها نظرية ميل عند مطلب تحقيق اللذة وإنما ترى بأن الشيء الوحيد الذي يرغب فيه الفرد والمجموعة على السواء من حيث هو غاية هو السعادة عند غياب الألم وحضور اللذة. ولا يمكن النظر الى التصور النفعي للحياة على أنها تصورا مبتذلا وأنانيا وذلك لارتباطه بالمتعة المادية بل يمكن الاعتماد على نوعية اللذات وليس كمياتها وتوفير شروط تجربة صالحة لتحصيل كيفيات هامة.

في نفس الاتجاه يميز ستيوارت ميل بين السعادة التي تحقق الفرح والانتشاء والبهجة على مستوى نوعية وكمية اللذات والإشباع الذي يحقق الرضا والراحة والقبول على مستوى الأحاسيس والطموحات والآمال. على هذا الأساس يكمن الهدف الأقصى للنفعية بإحراز السعادة العمومية للجميع وليس السعادة الشخصية ويتم تحديد الأخلاق النفعية على أنها مجموع القواعد والوصايا التي تطبق على السلوك البشري وتجعل من نمط وجود أمرا مستقرا وتدفع الناس الى التصرف بنا يحقق للذتهم وينمي في أحاسيسهم ملكة الخلق.

لهذا ليست السعادة التي يأمل كل إنسان الحصول عليها أمرا مستحيلا وإنما تتعلق مباشرة بما يبذله من جهد في سبيل دفع المضرة وجلب المنفعة وتجنب الأم وإنتاج اللذة من جهة ماهو طبيعي وماهي ثقافي.

بهذا المعنى تتعلق السعادة بأسلوب التربية الذي يحصل عليه المرء ومسارات التقدم التي يسير فيها ضمن منجزات الإنسانية سواء فيما يخص التنظيم العقلاني للمجتمعات أو أثناء الصراع ضد ضرورات الطبيعة.

ماهو أشكالي أن النفعية تدرج مبدأ التضحية بالذات بماهي مكابدة ونضال واستعداد للمساعدة ضمن نسقها القيمي ولكنها تشترط تحقيقها لسعادة الغير لكي تمنحها القيمة الأخلاقية وتجعلها فضيلة من درجة رفيعة. لذا يحتاج التطور في المجتمعات والتعليم الى اعتماد التضحية بالبعض من أجل تحسين شروط الوجود ضمن جدل الجزء مع الكل وداخل دائرة حقوقية تتحرك ضمن الأقلية والأغلبية دون إهمال حق الحياة. لقد وصف البعض النفعية بأنها أخلاق مصلحة غير محتاج إلى قيم مطلقة وذلك لارتباطها بالأفعال الواقعية وتحركها ضمن نظام الوسائل وحرصها على الحساب في الأوقات والطاقات من أجل بلغو السعادة العامة.

على خلاف ذلك تلتزم النفعية بمجموعة من القواعد الباطنية والقوانين الخارجية بغية نقد ميتافيزيقا القيم وتخطي تعقدية الشعور بالواجب الأخلاقي والأحاسيس الفطرية وتنزيلها ضمن دائرة المكتسب والتجربة ودمجها ضمن الإحساس الاجتماعي والمشاعر المشتركة التي تظل إحساسات طبيعية وضرورية للتطور.

ماهي الحجة التي تثبت قابلية المنفعة للتحصيل البشري؟ وهل يمكن ايلاء عناية بمقتضيات العدالة بواسطة منح الاعتبار لمستلزمات تحقيق المنفعة؟ ألا يحتاج إلى إجراء تحليل لفكرة الإحساس بالعدالة واللاّعدالة؟

ينتبه ميل إلى أن فكرة الحق هي مجرد بعد من فكرة العدالة ولكنه يقر بأن الحصول على حق معين هو أمر يقوم به المجتمع ويمنحه للفرد ويضمن امتلاكه من وجهة نظر المنفعة العمومية والسلامة الشخصية.

بعد ذلك يعتمد على معيار المنفعة من أجل انهاء حالة التعارض بين الحق الشخصي والعدالة العمومية ويقدم مجموعة من الأمثلة التطبيقية على غرار تقاسم الضرائب وحق العقاب واحتساب عائدات الشغل .

لكنه يؤكد على المنفعة العليا لقواعد العدالة وذلك حينما يؤدي إلى ترسيخ السلام وتوطيد الأمن بين الناس. فهل يمكن أن يرجع المرء أمرا سيئا إلى المسيء وأمرا حسنا إلى المحسن تطبيقا للمبدأ الجوهري للعدالة؟ وكيف يكون الفاعل مستقيما وغير منحاز ويمسك نفسه عن الهوى ويرفض أشكال اللاّعدالة غير المبررة؟

3- دوائر العدالة ضمن التقسيم الاجتماعي للعمل:

" فكرة العدالة تفترض شيئين: قاعدة التوجيه والإحساس الذي يضمن احترام القاعدة. الأولى هي مشتركة لكل الإنسانية وترنو إلى فائدتها ... الأخرى هي الرغبة في تسليط العقوبة على من يخترق القاعدة"

تكمن الصعوبات التي تعاني منها النظرية النفعية كما يتحسسها جون ستوارت ميل في التناقض في مسار العمل بين المنفعة والعدالة وذلك بالاستخفاف على مستوى نظام التأجير بقيمة الكفاءة والدرجة العلمية والمهارة والموهبة في ظل مجتمع تعاوني يساوي في الأجور وفق تعادل ساعات العمل ووظائف العمال.

أما في المجتمع الرأسمالي حيث تتفاوت الأجور والامتيازات حسب الدرجة العلمية والكفاءة التي يحرزها العامل والوظيفة التي يقوم بها وساعات العمل التي يقضيها فإنه يتم التضحية بمطلب توزيع الفوائد بالقسط ويحرم الناس من الاستفادة من الخيرات التي يحرزها الاقتصاد الاستثماري عن طريق تقديس قيمة العمل.

يعبر ستوارت ميل عن هذه الصعوبة بمقولة اللاتكافؤ غير المبرر في المنفعة التي يقع فيها العمل عندما يعطي امتيازات أكثر من اللزوم إلى أكثر الناس مهارة ضمن اقتصاد حر باسم احترام قيمة الجدارة وتحفيز النجاعة ويمنح تعويضا إلى أقل الناس موهبة ضمن اقتصاد تعاوني باسم احترام قيمة العدالة.

إنه من الظلم عندئذ أن نمنح العامل أجرة أقل من قيمة ما يبذله من مجهود وما ينتجه من فائدة ومردود على المجتمع وأن نضعه في موضع دوني بمقتضى العدالة والتعويض وتقاسم الخيرات مع من لا يعملون. وإنه ضرب من الاستغلال أن يستفيد المجتمع من كفاءة العامل ولا يمنحه مقابلا مستحقا لهذا المجهود.

فكيف يستفيد المجتمع من العامل؟ وماهو المعيار الذي يحدد به الأجر المناسب لما يبذله من جهود؟ ولماذا يجب أن على المجتمع أن يمنح العامل الأجر المناسب لمردوده ونجاعته ؟ وماذا لو طالبه بمقتضى العدالة أن ينتج نفس ما ينتجه الآخرون طوال المدة ذاتها وبنفس الكمية المبذولة من الجهد والذكاء وبنفس القيمة؟

يطرح ستورات ميل هذا الإشكال بالبحث في مبادئ العدالة وذلك بتحليلها ليس من جهة علاقتها بالعمل فقط وإنما أيضا بتنزيلها ضمن مطلب النجاعة الاجتماعية وذلك بتبني الفكرة الأكسيولوجية التي تجعل من العدالة منفعة عمومية ومن المنفعة المتأتية من العمل استحقاقا عموميا تتكفل الدولة بتوزيعها دون استثناء.

ينتهي المسار التحليلي الذي يتبعه ميل الى اكتشاف وجهين للعدالة لا يمكن تحقيق التلاؤم بينهما والتعادل:

الوجه الأول: الدائرة الفردية تتمثل في ضمان حق الفرد على المجتمع الذي ينتمي اليه.

الطرف الذي يحدد العدل في الحق الذي يطالب به العامل من المجتمع وفق مردوده العالي.

الوجه الثاني: الدائرة الجماعية تتمثل في ضمان حق المجتمع على الفرد الذي ساهم في تكوينه.

 الطرف الذي يحدد العدل في القيمة المقابلة التي يعطيها المجتمع إلى العامل حسب نظام التأجير.

لا يمكن الحسم بين الخيارين إلا بالاحتكام إلى مسألة النجاعة الاجتماعية وبالتالي لا يجوز تبرير واقع اللاّتكافؤ بين العمل واللاّعمل وبين الكفاءة واللاّكفاءة وبين المردود والتعويض وبين الربح والخسارة.

خاتمة:

" إن كل ما يقيد المنافسة الحرة هو الشر المطلق وكل ما يطلقها هو الخير المعمم"

 عندما يقوم ميل بتتبع أصل وفصل الإحساس بالعدالة والحق ويحلل فكرة المنفعة فإنه يميط اللثام عن عنصرين أساسين هما الرغبة في العقاب ووجود الشخص المظلوم ويتعمق أكثر في التحليل لكي يكتشف بأن شعورين غريزيين ينبعان من الرغبة في العقاب وهما الحاجة إلى الدفاع عن النفس وحس التعاطف.

إن الإحساس بالعدالة هو الرغبة الحيوانية في دفع الضرر أو الشر الذي يحدق بالذات أو بالآخرين ، في بينما الرغبة في تسليط العقاب على المعتدين هو توسيع للإحساس بالتعاطف والحد من أنانية حب الذات.

بطبيعة الحال يظهر أن كل ماهو نافع للجميع هو عادل في نظر الجميع وكل ماهو حق للجميع يطالب الجميع بالحصول عليه وبالتالي يتلازم ماهو نافع مع ماهو حق ويتكامل ماهو عادل ماهو مستحق.

غير أن تحويل المنفعة إلى خير أخلاقي ضمن إطار العدالة يتطلب الانتقال من درجة الإحساس ب... إلى وضوح الفكرة ودقة المصطلح ويقتضي ضمان تلبية الحاجيات وإشباع الرغبات وحماية الوجود المشترك.

بهذا المعنى يشترط تحقيق العدالة مراعاة مصلحة الفرد بالنظر إلى موقعه ونشاطه من جهة وأن تتلاءم مع تحقيق المصلحة الاجتماعية وتوزيع سعادة رفاه على الجميع من جهة مقابلة4. فلماذا يستفيد صاحب رأسمال عند ازدهار الحركة الاقتصادية في المجتمع ويرفض تقاسم المساوئ عند الركود والمشاركة في الخسائر؟ وأين العدل في استفادة المجتمع من العامل أكثر من المقابل الذي يمنحه له على مردوده؟ ألم يقل ماركس في مخطوطات 1844:"يزداد العامل فقرا بقدر الزيادة في إنتاج الثروة ونماء حجما وقوة"5؟ وما السبيل إلى المراهنة على العمل من أجل بناء علاقات تشاركية تحقق العدالة والنجاعة في ذات الوقت؟ وماهو رأي بول ريكور فيلسوف الأصوات المتعددة حينما وضع معنى "العادل بين الشرعي والنافع"6؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................

الإحالات والهوامش:

[1] ميل (ستوارت جان)، عن الحرية، الفصل الثاني،

[2] Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965. II, p191.

[3] Mill (John Stuart), l’utilitarisme, édition Flammarion, Paris, 2010.p134.

[4] Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965.

[5] Marx (Karl), Manuscrits de 1844, éditions sociales,

[6] Ricœur (Paul), le juste entre le légal et le bon, revue esprit, n°9 ,septembre, 1991.

[7] Ricœur (Paul), le juste entre le légal et le bon, revue esprit, n°9 ,septembre, 1991.

المصادر والمراجع:

Mill (John Stuart), l’utilitarisme, édition Flammarion, Paris, 2010.

Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965,

Mill (John Stuart), Oeuvres completes, edition J.P. Mayer ; collected work , Toronto et londres, 1963.

Marx (Karl), Manuscrits de 1844, éditions sociales,

Revue esprit, n°9, septembre, 1991.

 

 

hatam hamidmohsinمن بين اهم حوارات افلاطون التي تتحدث عن الروح هو حوار فيدو phaedo الفيلسوف اليوناني الذي يصف الظروف التي احاطت بموت سقراط. حوار فيدو يجسد ارتباطا واضحا بنظريات ما قبل سقراط عن الروح والعالم، خاصة نظريات فيثاغوروس و انكساغوروس و هيرقليطس . نظرية الأشكال (وتسمى احيانا نظرية الافكار) هي المظهر الاكثر اهمية في الحوار(1). واقعة سقراط تعطينا وصفا لإنسان ابتعد كليا عن حاجات واهتمامات الجسد لدرجة يمكن لروحه ان تنسلخ دون اي شكل من الاضطراب. الحوار يجري في مدينة فيلوس الصغيرة جنوب اليونان . فيدو هو احد تلاميذ سقراط والحاضر اثناء موته، يقوم بزيارة لـ Echecrates . هذا الاخير سمع بمحاكمة سقراط، لكنه سمع ايضا ان هناك فترة انقطاع طويلة بين محاكمة سقراط وموته . يشير فيدو الى انه قبل يوم من محاكمة سقراط كان الاثينيون قد اكملوا زخرفة سفنهم وارسالها الى جزيرة ديلوس، حيث في كل عام يرسلون سفنهم الى ديلوس للاحتفال بانتصار ثيسوس على الكائن العملاق في حضرة الاله ابولو، وخلال هذه الفترة تتوقف جميع الأحكام ضد السجناء.

في الحوار يناقش سقراط طبيعة ما بعد الحياة في يومه الأخير وقبل ان يُنفذ به حكم الاعدام. النقاش الفلسفي يبدأ عندما يشير سقراط الى ان الفيلسوف الحقيقي يجب ان يرحب بالموت لكن الانتحار غير جائز . يندهش سيبيز مما يبدو تناقضا في ان منْ يعتبرون الموت نعمة لا يستطيعون سلب حياتهم بينما يجب عليهم الانتظار الى ان تُسلب حياتهم منهم، ويسأل سقراط ليوضح ذلك، يجيب سقراط اننا ملك للالهة وليس لنا الحق في ايذاء انفسنا. يرى سقراط ان افضل انواع الحكمة هي التي تأتي من العقل وحده وحيث نبتعد اقصى ما يمكن عن ملوثات البدن. يؤكد سقراط ان هناك اشياء توجد بذاتها مثل العدالة بذاتها والخير بذاته والجمال بذاته . هذه الاشياء لا يمكن اكتشافها بالحواس وانما فقط عبر جهود الفكر.

سقراط عوقب بالسجن ثم الإعدام من قبل هيئة محلفين في اثينا بسبب عدم ايمانه بالآلهة (رغم ان البعض يعتقد ان سبب ذلك هو دعمه للحكام الفلاسفة المناهضين للديمقراطية) وبسبب افساده شباب المدينة. سقراط كان منشغلا في حوار مع اصدقائه ثيبانس، سيبيس و سيميس مستكشفا مختلف الحجج لخلود الروح ومبينا ان هناك حياة اخرى تقيم بها الارواح بعد الموت.

حديث تمهيدي

المسرح اُعد في فيلوس وحيث يتقابل ايكريتس مع فيدو يسأل عن اخر اخبار سقراط. فيدو يوضح لماذا حصل التأجيل بين محاكمته وموته، ويصف المشهد في السجن في اثينا في اليوم الاخير مسميا اولئك الحاضرين. هو يقص كيف انه زار سقراط مبكرا في الصباح مع الآخرين. زوجة سقراط Xanthippe كانت حاضرة لكنها كانت حزينة جدا وطلب سقراط ان تؤخذ بعيدا.

سقراط يخبر سيبيس ان ينقل لصديقه تحية الوداع، قائلا يمكنه ان يأتي بعدي لو كان رجلا حكيما، وهو ما اثار الحيرة لدى الحاضرين عن سبب مسارعتهم للّحاق بسقراط الى الموت. بعد ذلك يعلن سقراط"... ان من يمتلك روح الفلسفة، سوف يرغب بالموت، لكنه سوف لن ينتحر".

 جاء في الفيدو"ان الفيلسوف هو اول الناس المحررين لروحهم من جسدهم ". الجسد والروح اذاً منفصلان. الفيلسوف يحرر نفسه من البدن لأن الاحاسيس تفشل في ادراك الحقيقة كما يقول سقراط لسميناس :هل انت توصلت لها (للحقائق) باي احساس بدني؟ ... وانا لا اتحدث عن هذه وحدها وانما عن العظمة المطلقة والصحة والقوة، وباختصار، عن الحقيقة او الطبيعة الحقة لاي شيء. هل حقيقة كل ذلك يتم تصورها من خلال اعضاء بدنية؟

 عندما يحب الفيلسوف الحكمة الحقيقية وليس العواطف ورغبات الجسد، سيدرك بانه يستطيع المجيء اقرب للمعرفة الحقيقية وحكمة الموت، لانه لم يعد يلتبس عليه الجسد والاحاسيس. في الحياة، تكون الوظائف العقلية والفكرية للروح مقيدة باحاسيس الجسد من متعة، وألم ونظر وصوت .الموت هو طقس للتنقية من تلوث البدن. عندما يواجه الفيلسوف الموت، هو يجب ان يرحب به وديا وان لا يُحبط من بلوغه، لانه طالما ان العالم الذي تخلقه لنا الالهة في الحياة هو خير بالضرورة، فلماذا لا يكون الموت سوى استمرار لهذا الخير؟ الموت هو المكان الذي فيه افضل الالهه واكثرها حكمة حيث تقيم انبل الارواح: "ولهذا انا ليس فقط لا احزن وانما لدي امل كبير بان هناك شيء مخزون للاموات، شيء افضل للخيرين وليس للاشرار ". الروح تنال الفضيلة عندما تُنقى من البدن: "انها تتخلص قدر الامكان من العيون والاذان ومن كل اعضاء البدن، هذه العناصر المربكة عندما ترتبط مع الروح تمنعها من اكتساب الحقيقة والمعرفة... سقراط يعرض اربع حجج لخلود الروح:

اولا- الحجة الدائرية cyclical Argument

يفصح سيبيس عن خوفه من الموت لسقراط: " ... هو يخشى عندما تترك الروح البدن فربما لا تجد مكانا لها، وانها في نفس يوم الموت قد تُفنى وتصل نهايتها حالا عند تحررها من البدن... فتختفي وتتلاشى في رحلتها الى لاشيء.

ولكي يخفف سقراط من خوف سيبيس من فناء الروح عند الموت يطرح اولى حججه في خلود الروح. هذه الحجة عادة تسمى الحجة الدائرية. انها تفترض ان الروح يجب ان تكون خالدة طالما ان الحي يأتي من الميت. سقراط يقول "الآن اذا كان صحيح ان الحي يأتي من الميت، فيجب على ارواحنا ان توجد في عالم آخر، لأنه اذا لم تكن ذلك، فكيف ستولد مرة اخرى؟". هو يستمر ليبين مستخدما امثلة عن العلاقات، مثل النائم-اليقظ و الحار-البارد، بان الاشياء التي لها اضداد تأتي من اضدادها. يسقط احد نائما بعد ان كان يقظا. وبعد ان يكون نائما يستيقظ. الاشياء التي هي حارة تصبح باردة والعكس صحيح. سقراط بعد ذلك يدفع سيبيس ليستنتج ان الميت ينشأ من الحي من خلال الموت، وان الحي ينشأ من الميت من خلال الولادة. روح الميت يجب ان توجد في مكان ما فيه تكون قادرة على الرجوع للحياة.

هذه الحجة وتسمى ايضا حجة المتضادات توضح ان الأشكال خالدة ولا تتغير. وبما ان الروح تجلب الحياة دائما، فذلك يعني انها يجب ان لا تموت ومن الضروري ان تكون خالدة. واذا كان الجسد فان وعرضة للموت الفيزيقي، فان الروح يجب ان تكون المضاد له والغير عرضة للفناء. هنا يعرض سقراط حجته الدائرية في خلود الروح مستلهما من الاسطورة اليونانية القائلة بان ارض الحياة تمتلأ بالاحياء كلما امتلأت ارض الاموات بارواح الموتى. الحجة تسير وفق التالي:

1- كل الاشياء تأتي من اضدادها. فمثلا، لكي يصبح الشيء أطول، لابد ومن الضروري انه كان قصيراً.

2- لكي تسير الاشياء من نقيض الى آخر والعودة مرة اخرى، ذلك يستلزم عملية مزدوجة تتم بين النقيضين وحيث كل نقيض يأتي الى الوجود من النقيض الاخر . في المثال السابق، الذهاب من الأطول الى الاقصر يتطلب التقليل، بينما ذهاب الشيء من الأقصر الى الأطول يتطلب الزيادة.

3- اذا لم يكن هناك توازن بين هذين الموقفين المتضادين فان كل شيء سينتهي بالضرورة الى نفس الحالة. في مثالنا الحالي، اذا لم يحصل توازن بين الأطول والأقصر، او الزيادة والنقصان، فان كل شيء سيستمر ليصبح اطول او اقصر.

4- الحياة والموت هما موقفان متضادان، بينما الوفاة والولادة هما عملياتهما المتضادتان، وبالتالي فان الموت والحياة، والوفاة والولادة سيتوازنان.

5- لذلك فان كل منْ يموت سيعود الى الحياة مرة اخرى.

ثانيا- نظرية التذكر Theory of Recollection

نظرية التذكّر وتوضح اننا نحوز على بعض المعرفة اللاتجريبية (مثل شكل المساواة) عند الولادة، بما يعني ان الروح وُجدت قبل الولادة لتحمل تلك المعرفة. تفسير أخر للنظرية وُجدت في حوار مينو لإفلاطون والذي يؤكد ايضا المعرفة السابقة بكل شيء.

سيبيس يدرك العلاقة بين الحجة الدائرية ونظرية سقراط في التذكر. هو يقاطع سقراط ليشير قائلا:...

عقيدتك المفضلة ياسقراط ان تعليمنا هو مجرد تذكّر، واذا كان صحيحا، فمن الضروري ايضا ان يكون هناك وقت سابق فيه تعلمنا ما نتذكره الآن.لكن هذا مستحيل مالم تكن روحنا في مكان ما قبل الوجود في هذا الشكل من الانسان، هذا اذاً برهان آخر على خلود الروح.

حجة سقراط هذه تبين امكانية استخلاص معلومات من الفرد الذي يبدو لا يمتلك اي معرفة بالموضوع قبل الاستفسار منه حوله (معرفة قبلية). هذا الفرد يجب ان يكون حصل على هذه المعرفة في حياة سابقة وهو الان فقط يستعيدها من الذاكرة. طالما الفرد قادر على تزويد اجوبة صحيحة لمستجوبه فيجب ان تكون اجوبته نشأت من تذكّر المعرفة المتحصلة اثناء الحياة السابقة.

ثالثا- حجة الشبه والتقارب The Affinity Argument

توضح ان الشيء اللامرئي والخالد واللامادي يختلف عن المرئي والفاني والمادي. روحنا من النوع الاول بينما جسدنا من النوع الاخير، لذا عندما تموت اجسامنا وتتحلل فان روحنا ستستمر في الحياة.

في هذه الحجة يبين سقراط ان الروح تشبه كثيرا اللامرئي والالهي، والجسد يشبه المرئي والفاني. من هنا يستنتج انه بينما يُنظر الى الجسم بعد الموت كمجرد جثة عرضة للفناء، فان الروح يجب ان تعيش اطول من الجسد.

الناس الفضلاء اثناء الحياة هم اناس عظماء يقيمون بشكل دائم كروح تحت العالم الارضي. اما منْ هم غير فضلاء اثناء حياتهم وفضلوا الجسم والملذات المرتبطة به فان سقراط يصف روحهم هذه : ... بالملوثة، غير نقية في وقت رحيلها، وانها خادم دائما للجسد وهي في حب معه و تُسر بالجسم والرغبات حتى يُقاد هؤلاء للاعتقاد بان الحقيقة توجد فقط في شكل مادي يمكن للانسان لمسها ورؤيتها من خلال الشرب والاكل واشباع النزوات الاخرى. سقراط يستنتج ان روح الانسان الفاضل هي خالدة، والطريق الذي تسلكه الى عالم الاموات يتقرر بالطريقة التي عاش بها حياته. الفيلسوف او اي انسان فاضل هو لا يخاف الموت ولا يحب الحياة المادية كشيء مثالي ولكن عبر حب الحقيقة والحكمة تكون روحه دائما غير قلقة بعد موت الجسد، وستكون الحياة الاخرى مليئة بالخير.

الحجة الرابعة – الحجة من شكل الحياة

 في النهاية يعرض سقراط برهانه الأخير حول خلود الروح مبينا ان الروح غير فانية لأنها سبب الحياة. هو يبدأ ببيان انه "اذا كان هناك اي شيء جميل غير الجمال المطلق فهو جميل فقط بمقدار ما يمتلك من ذلك الجمال المطلق". وبالنتيجة، بما ان الجمال المطلق شكل، وكذلك هي الروح، عندئذ فان اي شيء له خاصية الامتلاء بالروح سيكون ايضا مملوءاً بشكل الروح. وبهذا سوف لن تصبح الأشكال هي الاضداد لذاتها. وبسبب ان الروح تجعل الجسم حيا وان المضاد للحياة هو الموت، يتبع ذلك "... ان الروح سوف لن تقبل بالنقيض الذي تجلبهُ دائما". بهذا يستنتج سقراط بان روحنا هي خالدة وموجودة حقا في عالم آخر.

الحجة من شكل الحياة، توضح ان الاشكال لامادية وثابتة وهي سبب جميع الاشياء في العالم، وان جميع الاشياء تشارك في الأشكال. فمثلا، الاشياء الجميلة تشارك في شكل الجمال، والرقم اربعة يشارك في الشكل الزوجي، وغيرها. الروح بحكم طبيعتها تشارك في شكل الحياة والذي يعني ان الروح لن تموت ابدا.

نقد وتعليق:

حوار فيدو والذي عُرف ايضا لدى القدماء (حول الروح) هو من اشهر حوارات افلاطون الى جانب الجمهورية والندوة . الحوار تُرجم لأول مرة من اليونانية الى اللاتينية من قبل هنري ارستيفوس عام 1160. واليوم يُعتبر احد اعظم اعمال افلاطون . الحوار هو رابع وآخر حوارات افلاطون يشرح الايام الاخيرة لسقراط. يجب التنويه الى التشابه بين وصف سقراط لمصير روح الفيلسوف بعد الموت والتصور المسيحي للعالم الآخر. الثيولوجية المسيحية تأثرت بعمق بالتفكير الافلاطوني ونقاشاته في الروح وما بعد الحياة.

لم تسلم حجج سقراط في خلود الروح من النقد خاصة حجته الاولى وحجة التذكّر. يشير سقراط الى الولادة والموت كحالتين متضادتين بنفس الطريقة التي يشير بها الى الاكبر والاصغر. ولكن لا يمكن لأحد ان يكون اكثر موتا او اكثر حياة بنفس الطريقة التي يصبح بها اقصر او اطول. هنا ربما يرتكب سقراط مغالطة منطقية equivocation)) يتغير فيها معنى نفس الكلمة اثناء الجدال.

وفي نظرية التذكّر يسعى سقراط لبيان اننا جئنا لنعرف الآن ما كنا نعرفه قبل الولادة. لكنه لم يوضح متى اكتسبنا هذه المعرفة قبل الولادة وكيف حصل ذلك. اذا كنا جئنا لهذه الحياة ونحن نعرف ما تعنيه المساواة، فمتى عرفنا المساواة اول مرة؟اذا لم توجد معرفة حقيقية من التجربة وكل ما لدينا اعطي لنا فطريا، فان التجربة من الحياة السابقة لا يمكنها ايضا اعطائنا المعرفة بالمساواة. ربما يفترض سقراط ان ذلك حصل عندما خُلقت روحنا اول مرة واكتسبت حياتها الاولى، فهي خُلقت ومعها المعرفة بالأشكال. لكن هذا يثير اسئلة اخرى لم يُجب عليها سقراط: متى وكيف بدأت الروح دورة الحياة والموت ؟ واذا كانت لها بداية فلماذا لم تكن لها نهاية؟

 

حاتم حميد محسن

..................

الهوامش

(1) وفق نظرية المُثل او الأشكال يرى افلاطون اننا وقبل ان نولد بوقت طويل كانت ارواحنا تقيم في عالم المثل وكانت على اطلاع تام بجميع الحقائق، ولكن حالما ارتبطت روحنا بالجسد نسينا كل معارفنا واصبح كل شيء نتعلمه مجرد تذكّر للحقائق الاولى في ذلك العالم .ان نظرية المثل تسعى لحل مشكلتين اثنين، المشكلة الاخلاقية ومشكلة الدوام والتغيير. المشكلة الاولى: كيف يمكن للانسان ان يعيش حياة سعيدة وذات معنى في عالم ظرفي متغير وحيث كل شيء نربط انفسنا به يمكن ان يزول في اية لحظة؟ المشكلة الثانية:كيف يمكن ان يبدو لنا العالم بشكليه الدائم والمتغير؟ العالم الذي نفهمه عبر الحواس يبدو يتغير دائما اما العالم الذي نفهمه عبر العقل مستخدمين مفاهيمنا يبدو ثابتا ولا يتغير. اي العالمين اكثر واقعية ولماذا يبدو لنا بكلا الطريقتين؟ لحل المشكلة يقسم افلاطون الوجود الى عالمين :العالم المادي وعالم المثل .عالم المثل يستطيع الانسان ادراكه عبر العقل، هذا العالم دائم ولايتغير وهو الاكثر واقعية، اما العالم المادي او عالم التغيير هو مجرد صورة غير تامة لعالم المثل.

 

hatam hamidmohsinعرض افلاطون في "الجمهورية" افكاره الفلسفية الشمولية والأكثر نضجا، حيث تعامل بشكل موسع مع  المبادئ الأساسية للسلوك في حياة الانسان. نظر افلاطون- مستخدما شخصية سقراط كمتحدث قصصي -  الى طبيعة وقيمة العدالة والفضائل الاخرى كما تبدو في كل من هيكل المجتمع ككل وفي شخصية الانسان الفرد. هذا قاد بالطبع الى مناقشة الطبيعة الانسانية، وانجاز المعرفة، والتمييز بين الحقيقة وما يبدو ظاهريا،  وعناصر التعليم الفعال واسس الاخلاق. وبما ان كتاب الجمهورية يغطي العديد من القضايا، فهو يمكن قرائته بطرق مختلفة: كرسائل في النظرية السياسية وتطبيقاتها، كمرشد بيداغوجي تربوي، كدفاع عن السلوك الاخلاقي. ومع اننا سنلقي الضوء على كل من تلك الخصائص،  لكن تركيزنا الرئيسي اللاحق  سيكون على القضايا الميتافيزيقية والابستيمولوجية الاساسية، وعلى الاسئلة الجوهرية حول منْ نحن وماهي الحقيقة وكيف سنعرف كل ذلك. هذا الحوار ككل يدعونا للمشاركة مع افلاطون في رؤيته عن مكاننا ضمن البناء الاصلي للحقيقة.

ماهي العدالة؟

الكتاب الاول من الجمهورية يظهر على شكل حوار سقراطي حول طبيعة العدالة. وكما هو دائما،  الهدف من النقاش هو اكتشاف الطبيعة الحقيقية للموضوع قيد الدرس، لكن العملية تستلزم اقتراحات، انتقادات، ورفضا للعديد من المحاولات غير الكافية في تعريف ماهية العدالة الحقة.

سيفالس (cephalus) المسن والثري يقترح ان العدالة لا تستلزم اكثر من قول الصدق واعادة الديون الى اصحابها. لكن سقراط يشير الى انه في ظروف معينة، يؤدي اتّباع هذه القواعد البسيطة بدون استثناء الى نتائج كارثية (الجمهورية  331c). إعادة السلاح المستعار الى صديق مختل الذهن مثلا، لايبدو مثالا على السلوك العادل. ان عرض مثال مضاد من هذا النوع يبيّن ان التعريف المقترح للعدالة هو غير صحيح، طالما لا يتلائم تطبيقه مع فكرتنا المألوفة عن العدالة.

في محاولة لتجنب مثل هذه الصعوبة، يُجري بولمارشس polemarchus تعديلا للتعريف باقتراح ان العدالة تعني "إعطاء كل فرد ما يعود له". التعريف الجديد يصحح الانطباع الراسخ لدينا في ان العدالة هي السعي الدائم لمساعدة الصديق والإضرار بالعدو. هذا يتجنب المثال المضاد السابق، طالما ان السلوك العادل في رفض اعادة السلاح المستعار لصاحبه سينفع ذلك الصديق . لكن سقراط يشير الى ان التعامل الخشن مع اعدائنا يقود فقط لجعلهم غيرعادلين اكثر مما هم فيه سلفا (الجمهورية 335D ). اذا كنا شاهدنا في حوار phaedo،  ان المتضادات تستبعد بعضها البعض، فان انتاج اللاعدالة سوف لن يكون ابدا عنصرا ضمن سمة العدالة الحقيقية، لذا فان هذا التعريف ايضا يجب ان يكون خاطئا.

امتياز القوة

في هذه المرحلة من الحوار، يأتي افلاطون بـ (ثراسيماشوس) السوفسطائي،  كقصصي آخر. يشير ثراسيماشوس الى اننا نعتبر العدالة كميزة للقوي، اولئك الذين في موقع القوة ببساطة يستخدمون قوتهم لفرض ما يجب ان يكون صحيحا. هذا ايضا يعبر عن رؤية شائعة (وان كانت نوعا ما متشائمة) عن حقائق التنظيم الاجتماعي. ولكن بالطبع سقراط لديه افكار اخرى . لانه يرى،  اذا كانت الجهة الحاكمة   تشرع بطريقة خاطئة ضد مصلحتها الخاصة، فان العدالة ستتطلب من باقي الناس اداء ما يبدو عملا متناقضا وذلك في انجاز ما طُلب منهم  وايضا عمل ما هو الأحسن لهم. وما هو اكثر اهمية ان سقراط يجادل بان احسن حاكم يجب دائما ان يكون شخص ما يعرف كيف يحكم، يفهم الحكم كحرفة. لكن بما ان الحرف من اي نوع تهدف لانجاز هدف خارجي، فان الممارسين الجيدين من كل حرفة دائما يتصرفون لأجل ذلك الهدف، وليس لمصلحتهم الخاصة وحدها. وهكذا فان الحكام الجيدين هم كالرعاة الجيدين، يجب ان يحاولوا عمل الافضل لاولئك الذين وثقوا بهم بدلا من البحث عن رفاهيتهم الخاصة (الجمهورية e342).

ونظرا لقوة الجدال السقراطي اضطر ثراسيماشوس للرد بغضب شديد لكي يحوّل تركيز النقاش كليا. اذا كان سقراط  محقا حول طبيعة العدالة، معنى ذلك ان تكريس حياة الفرد نحو اللّاعدالة سيكون لمصلحته اكثر مما لو ركز على العدالة . بالتأكيد كل واحد يفضل الانتفاع من تبنّي سلوك اللاعدالة ضد الآخرين بدلا من ان يكون ضحية لسلوكهم غير العادل(إعمل ضد الآخرين قبل ان يعملوا ضدك) .

وهكذا، طبقا لثراسيماشوس ان اللاعدالة هي افضل من العدالة. هنا ستأتي بعض الاجوبة التمهيدية الى الذهن فورا : المكافئات الفردية المتحصلة من اداء العمل جيدا هي بشكل عام مختلفة عن غاياتها الباطنية،  الناس العادلون يُعتبرون حقا متفوقون على الناس غير العادلين في الذكاء والشخصية، كل مجتمع يعتقد ان العدالة (كما هي متصورة في المجتمع) ملزمة اخلاقيا، وان العدالة هي الفضيلة الملائمة للروح الانسانية. ولكن اذا كان سقراط ذاته مقتنعا بالاجابات من هذا النوع، فان افلاطون الكاتب الفيلسوف لم يكن كذلك. يجب ان يكون هناك جواب يُشتق جوهريا من طبيعة الواقع.

هل العدالة افضل من اللّاعدالة؟

عندما يلتزم ثراسيماشوس الصمت، تستمر الشخصيات الاخرى في الحوار في متابعة السؤال المركزي: ما هي العدالة، كيف نستطيع تحقيقها، وما هي قيمتها؟ لايتفق جميع الناس على وجوب الدفاع عن العدالة كقيمة بذاتها وليس لأجل ما ينتج عنها من فوائد خارجية .

يلجأ غلاكون الى استخدام مثال قوي من  قصة كايغ، الراعي الذي اكتشف خاتما يجعله غير مرئي للناس مما دفعه فورا لممارسة  حياة الجريمة مع إعفاء تام من العقوبة. المسألة هي ان الكائن البشري لو حصلت له هذه الفرصة دون الإمساك به وبدون تحمّل العقوبة او ضياع السمعة سوف يختار بالطبع حياة اللاعدالة لكي يحقق مصالحه الخاصة.

ادمينتس يضيّق النقاش الى مدى أبعد عبر الاشارة الى ان المنافع الفردية بالحصول على السمعة الجيدة هي عادة ما تُكتسب من جانب اي شخص مجرد ظهوره يتصرف بعدالة سواء كان ذلك الفرد يقوم بذلك حقا ام لم يقم (الجمهورية 363a). هذا معناه امكانية انجاز اعظم فائدة ممكنة من خلال التصرف بلاعدالة مع المحافظة على المظهر الخارجي للعدالة . لكي يبيّن افلاطون ان العدالة دائما تنطوي على قيمة بذاتها،  يجب عليه ان يثبت ان الحياة حين تُمارس العدالة لذاتها هي أسمى من الحياة حين تُمارس العدالة لنتائجها.

ثراسماتس، غالكون و ادمينتس انشغلوا بقضية اساسية تشكل الاساس في اي جهد  لتحسين السلوك الانساني عبر اللجوء الى مبادئ الفلسفة الاخلاقية. اذا كان ما يتوجب ان افعله اخلاقيا (في بعض الظروف) مختلفا عما يمكنني اختياره لمصلحتي الخاصة، عندئذ لماذا يجب ان اكون اخلاقيا؟ افلاطون كتب الباقي من الجمهورية في محاولة لإعطاء جواب مقنع وكافي لهذا السؤال.

بعد الكتاب الاول، انتشر الحوار بالكامل عبر ايجاد تشابه موسع بين عدالة الكائن البشري وعدالة كامل مجتمع المدينة - الدولة. بما ان العناصر الحاسمة للعدالة ستكون اسهل ملاحظتها حين تكون على نطاق اوسع(الجمهورية 369a)، لذا بدأ افلاطون بتحليلات مفصلة عن تكوين وبناء وتنظيم الدولة المثالية قبل تطبيق نتائجه على وصف الحياة الفردية.

لماذا نكوّن المجتمع؟

تصوّر افلاطون المجتمعات في ما قبل التاريخ وجادل بانها تكونت لهدف معين. لم يكن الكائن البشري  مكتف ذاتيا، لا احد يعمل بمفرده يستطيع اكتساب جميع ضروريات الحياة الاساسية. لكي نحل هذه الصعوبة لابد ان نجتمع مع بعضنا في جماعات لتحقيق متبادل لأهدافنا المشتركة. هذه العملية ستنجح   لاننا نستطيع ان نعمل بفاعلية اكبر اذا كان كل واحد منا يتخصص في ممارسة مهنة معينة: احد يصنع كل الاحذية، آخر يزرع كل المحاصيل، ثالث يقوم بكل النجارة وهكذا. افلاطون يؤمن بان فصل الوظائف والتخصص في العمل هما اساس بناء مجتمع جيد.

ان النتيجة من هذه الرغبة هي مجتمع مركب من عدة افراد منظّمين في طبقات متميزة(اصحاب الملابس، الفلاحين، البنائين وغيرهم) كل منهم له دوره في توفير بعض عناصر السلعة المشتركة. لكن العمليات المنسجمة للمجتمع ككل سوف تتطلب بعض الخدمات الاضافية الضرورية للتنظيم الاجتماعي ذاته،  اي الحكم في النزاعات بين الاعضاء،  والدفاع عن المدينة ضد الهجمات الخارجية، لذلك ولكي يتقدم بمبدأ التخصص  خطوة اخرى، اقترح افلاطون تأسيس طبقة اضافية من المواطنين، طبقة الحراس الذين هم مسؤولون عن ادارة المجتمع ذاته.

في الحقيقة، يؤمن افلاطون ان الحياة الاجتماعية الفعالة تتطلب نوعين من الحراس :  جنود وظيفتهم  الدفاع عن الدولة ضد الاعداء الخارجيين وفرض القوانين،  وهناك الحكام الذين يحلّون الخلافات بين المواطنين ويتخذون قرارات بشأن السياسة العامة. الحراس جماعيا هم افراد مهمتهم الخاصة هي مهمة الحكومة ذاتها.

تدريب الحرّاس

لكي ينجزوا وظائفهم الصحيحة، هؤلاء الافراد يجب ان يكونوا اناسا متميزين. في الحقيقة اشار افلاطون مبكرا الى ان احدى اهم خصائص الحراس الواضحة ستكون ميلهم المزاجي نحو التفكير الفلسفي.ان الفيلسوف يتفوق على الآخرين في حسن التحقيق في الاسئلة الخطيرة حول حياة الانسان والحكم حول ما هو الحقيقي والأحسن. ولكن كيف يمكن تعزيز هذا النوع من الصفات الفردية لدى عدد مناسب من المواطنين؟(الجمهورية 376d).

الجواب كما اعتقد افلاطون يكمن في الوثوق بقيمة التعليم الجيد. (نتذكر ان افلاطون ادار مدرسته الخاصة في اثينا) . خطته في التعليم الابتدائي للحراس بالدولة المثالية تظهر في الكتاب الثالث. اهتمامه المركزي هو التأكيد على تحقيق التوازن الملائم بين العديد من المكونات المختلفة - التدريب الفيزيائي والآداء الموسيقي الى جانب التنمية الفكرية الأساسية.

الموقف من الادب

احدى الخصائص المتميزة لهذه الطريقة في تربية الاطفال هي إصرار افلاطون على منع صارم لجميع المواد الادبية خاصة الشعر والدراما. هو جادل بان الشعراء ينجذبون الى الجزء الاسفل من الروح عبر تقليدهم للميول غير العادلة، هم يشجعوننا على اطلاق المشاعر غير الشريفة حين نتعاطف مع الشخصيات التي نسمع عنها وبهذا فان الشعر يجعلنا غير عادلين. الاستيعاب المبكر للاعمال القصصية طبقا لافلاطون  يمكنه التقليل من قدرة الافراد على عمل أحكام دقيقة بشأن مسائل الحقيقة وان الإفراط في المشاركة بالدراما ربما يشجع بعض الناس على تقليد السلوك السيء للابطال الاشرار(الجمهورية 395c). ان الاسوأ في كل ذلك هو ان الاهتمام المفرط في السياقات القصصية ربما يقود الى نوع من الخداع الذاتي فيه يكون الافراد جاهلين في الحقيقة المتعلقة بطبيعتهم الخاصة ككائنات بشرية. وهكذا، حسب رؤية افلاطون من المهم جدا للمجتمع ممارسة رقابة صارمة على محتوى كل شيء يقرأه او يسمعه او يراه الاطفال. تجدر الاشارة ان ارسطو عرض افكارا مختلفة جدا حول هذا الموضوع.

ان التدريب من هذا النوع قُصد به فقط لاولئك الاطفال الذين سيصبحون في النهاية حراسا للدولة. ادائهم في هذا المستوى من التعليم سيقرر ما اذا كانوا مؤهلين ام غير مؤهلين للقيام بتلك المهمة، وكذلك (اذا كانوا مؤهلين) تحديد منْ منهم يستحق ان يكون حاكما ومنْ يستحق ان يكون جنديا . يجب على المجتمع  تصميم نظامه التعليمي كوسيلة للتمييز بين مواطني المستقبل الذين سوف تختلف وظائفهم وايضا لتوفير التدريب الملائم لقدرات كل واحد منهم.

تقسيم الدولة

 ان مبدا التخصص هذا يقود الى مجتمع طبقي. افلاطون اعتقد ان الدولة المثالية تضم اعضاءا من ثلاث طبقات متميزة: الحكام والجنود والناس. اذا كان افلاطون ذكر علناً ان العضوية في طبقة الحراس يجب ان ترتكز فقط على امتلاك مهارات مناسبة، فهو ايضا افترض ان مستقبل الحراس سيكون في الاساس من أحفاد اولئك الذين يشغلون حاليا مواقع الشرف. اذا كان المواطنون يعبّرون عن عدم قناعة بالادوار التي اسندت لهم، هو اقترح بان يقال لهم "الكذب المفيد"باعتبار ان الناس (كما السلع المادية من ذهب وفضة وبرونز) يحوزون على مختلف الخصائص الطبيعية التي تجعل كل واحد منهم منسجما مع وظيفة معينة ضمن عملية المجتمع ككل(الجمهورية 415 A). لاحظ ان هذه الاسطورة يمكن استخدامها كسيف ذي حدين . انها بالتأكيد يمكن استخدامها كوسيلة للسيطرة الاجتماعية، عبر تشجيع الناس العاديين على قبول موقعهم في قعر السلم الاجتماعي وخضوعهم لحكم الطبقات العليا. لكن افلاطون ايضا يرى ان الاسطورة تبرر قيود صارمة على حياة الحراس: بما انهم وُهبوا سلفا طبائع متفوقة، فهم لا حاجة لهم بالثروة او المكافئات الخارجية. في الحقيقة، يؤمن افلاطون ان الحراس يجب ان لا يمتلكوا ملكية خاصة، يجب ان يعيشوا ويأكلوا سوية على حساب الدولة ويجب ان لا يستلموا اي رواتب اكثر مما هو  ضروري لتلبية الحاجات الاساسية. في ظل هذا النظام، لا احد لديه الحافز للرشوة لأجل الحصول على موقع قيادي، واولئك الذين اختيروا ليكونوا حراسا سيعملون فقط من اجل رفاهية الدولة التي فيها يكون جميع المواطنين افضل حالا .

بعد ان طور افلاطون وصفا عاما لهيكل المجتمع المثالي اكّد بان الوظائف الملائمة التي تقوم بها مختلف الطبقات، والتي تعمل مجتمعة نحو الخير العام، توفر توضيحا ملائما للحاجة لتطوير فضائل او نوعيات اجتماعية هامة.

1- بما ان الحكام مسؤولين عن اتخاذ قرارات لحكم كامل المدينة، هم يجب ان تكون لديهم فضيلة الحكمة والقدرة على فهم الواقع وعمل احكام صائبة .

2- الجنود مسؤولون عن الدفاع عن المدينة ضد الهجمات الخارجية والاعداء الداخليين،  وهم يحتاجون الى فضيلة الشجاعة والرغبة في تنفيذ واجباتهم تجاه الاخطار دون اعتبار المخاطر الفردية.

3- باقي الناس في المدينة يجب ان يخضعوا لقادتهم بدلا من السير وراء مصالحهم الخاصة، لذا يجب ان يعكسوا فضيلة الاعتدال وخضوع الرغبات الفردية الى اهداف عليا.

عندما تؤدي اي من هذه الطبقات  دورها بشكل ملائم ولا تستحوذ على وظائف الطبقات الاخرى فان كامل المدينة حسب افلاطون ستعمل بانسيابية وانسجام كاملين وهذه هي العدالة الحقيقية(الجمهورية 433E).

لهذا نستطيع فهم جميع الفضائل عبر النظر الى الكيفية التي تتجسد بها في تنظيم المدينة المثالية:

الحكام – قرارات حكيمة

الجنود – افعال شجاعة

الفلاحون والتجار والناس الاخرين – قرارات معتدلة

العدالة ذاتها ليست مسؤولية حصرية لأي من طبقات المواطنين وانما هي تبرز من العلاقات المترابطة المنسجمة لكل مكون من المجتمع مع المكونات الاخرى. سنرى الان كيف ان افلاطون طبق هذا التصور للفضائل على حياة الانسان الفرد.

الفضائل في الروح الانسانية

لنتذكر ان الخطة الاساسية للجمهورية هي رسم تشابه منهجي بين عملية المجتمع ككل وحياة اي انسان فيه كفرد. لذا فان افلاطون افترض ان الناس يعرضون نفس الخصائص، ويؤدون نفس الوظائف، ويجسدون نفس الفضائل التي تؤديها الدولة. تطبيق التشابه بهذه الطريقة يفترض ان اي واحد في المجتمع هو، كالدولة،  كلّ معقد صُنع من عدة اجزاء متميزة، كل جزء له دوره الخاص. لكن افلاطون جادل بان هناك ما يكفي من الدليل حول هذا في حياتنا اليومية. عندما تواجهنا عدة خيارات حول ما يجب ان نعمل،  نشعر ان الرغبات المتضادة تسحبنا في اتجاهات مختلفة، وان التوضيح الطبيعي لهذه الظاهرة هو ان نميز بين عناصر متميزة في ذواتنا(الجمهورية 436B).

وهكذا يحصل التشابه. الى جانب الجسم المادي الذي يتطابق مع الارض والأبنية والمصادر المادية الاخرى،  يؤكد افلاطون ان كل انسان ينطوي على ثلاث ارواح تتطابق مع ثلاث طبقات من المواطنين داخل الدولة، كل واحدة من تلك الارواح تساهم بطريقتها الخاصة في نجاح الفرد ككل .

1- الروح العاقلة (الذهن او التفكير) هي الجزء المفكر في كل واحد منّا،  وهو الذي يميز الحقيقي من المظهر، يحكم على ما هو حقيقي وما هو زائف، ويعمل قرارات حكيمة يمكن بموجبها ان تُعاش الحياة الانسانية بشكل اكثر ملائمة.

2- الروح الروحانية (الرغبة او الخيار الواعي)، هي الجزء النشط، ووظيفته تنفيذ اوامر العقل في الحياة العملية، والتنفيذ الشجاع لكل ما يراه الفكر هو الافضل.

اخيرا،  الروح الشهوية (العواطف او النزوات) هي ذلك الجزء الموجود فينا والذي يرغب ويشعر بعدة اشياء، معظمها يؤجل في مواجهة السعي العقلاني اذا اريد لنا انجاز مقدار جيد من الانضباط الذاتي.

وفق رؤية افلاطون ان الانسان يقال عادل عندما تؤدي الارواح الثلاثة وظائفها الصحيحة بانسجام مع بعضها  لأجل خير الانسان ككل.

الروح العاقلة (التفكير)    = الحكمة

الروح الروحانية (الارادة) = الشجاعة

الروح الشهوية (الشعور) = الاعتدال

وكما في الدولة المنظّمة جيدا، تنشأ عدالة الانسان الفرد فقط من العلاقات المتبادلة بين مكوناته المتباينة والمنفصلة (الجمهورية 443d).

ان توضيح افلاطون للتقسيم الثلاثي للذات جسّد تأثيرا هائلا على فلسفة الطبيعة الانسانية في الثقافة الغربية. رغم ان القليل من الفلاسفة دعموا افتراضه للتقسيم الثلاثي للروح، لكننا نجد تقريبا كل شخص يعترف بالتمايز في وظائف التفكير والارادة والشعور. اي رؤية متكاملة للحياة الانسانية تتطلب بعض التوضيح للكيفية التي ندمج بها التفكير والارادة والرغبة في وجودنا الكلي.

ان نظرية افلاطون في طبيعة الانسان توفر الاساس لجواب آخر لسؤال عن سبب افضلية العدالة على اللاعدالة. وفق الرؤية المعروضة هنا، العدالة الحقيقية هي نوع من الصحة الجيدة يتم الحصول عليها من خلال الجهود التعاونية المنسجمة للارواح الثلاث. في الفرد غير العادل تكون الاجزاء المتباينة في حالة من الاضطراب الدائم، تتواجد مع بعضها ضمن شخصية غير صحية، غير متكاملة، تعمل بشكل سيء. افلاطون طور هذه الفكرة بتفاصيل اكثر في الجزء الاخير من الجمهورية.

استنتاج وتعليق

في نهاية الجزء الرابع، يحاول افلاطون توضيح ان عدالة الفرد هي مرآة للعدالة السياسية. هو يرى ان الروح لدى كل فرد تتكون من ثلاثة اجزاء تتقابل مع ثلاث طبقات في المجتمع. هناك الجزء العقلي من الروح الذي يبحث عن الحقيقة وهو مسؤول عن ميولنا الفلسفية . وهناك الجزء الروحاني والذي يرغب بالشرف وهو مسؤول عن شعورنا بالغضب والاستياء. وهناك الجزء الشهواني والذي يرغب بجميع انواع الاشياء، وفي مقدمتها النقود لأنها تُستعمل لإشباع جميع الرغبات الاساسية. ان الفرد العادل يمكن تعريفه بشكل مماثل للمجتمع العادل،  الأجزاء الثلاثة من روحه تنجز علاقات القوة والنفوذ الضرورية لكل جزء. في الفرد العادل، يكون الجزء العقلاني من الروح هو الذي يحكم، اما الجزء الروحاني من الروح فهو يساعد هذا الجزء الحاكم،  اما الجزء الشهواني فهو يخضع ويتبع ما تمليه قيادة العقل. بتعبير آخر في الفرد العادل تهدف كامل الروح الى انجاز رغبات الجزء العقلي مثلما في المجتمع العادل تهدف كامل الجماعة الى انجاز رغبات الحاكم .

التوازي بين المجتمع العادل والفرد العادل يذهب اكثر عمقا عندما تخضع كل واحدة من الطبقات الثلاث في المجتمع  لسيطرة احد الاجزاء الثلاثة من الروح. المنتجون يخضعون لسيطرة شهواتهم تجاه النقود والمتعة والكماليات. المحاربون يخضعون لسيطرة ارواحهم التي تجعلهم شجعانا. الحكام تسيطر عليهم ملكاتهم العقلية ويكافحون لأجل الحكمة. الفلاسفة يشكلون الطبقة الوحيدة من الناس الذين يحوزون على المعرفة وهم الأكثر عدالة . روحهم تسعى، اكثر من غيرهم لإنجاز رغبات الجزء العقلي . يستمر افلاطون في الجدال بانه مع ان كل من الانواع الرئيسية الثلاثة(حب النقود، وحب الشرف، وحب الحقيقة) لهم تصوراتهم للسرور والحياة الخيرة، لكن الفيلسوف وحده يستطيع الحكم لأنه مارس جميع الانواع الثلاثة من السرور. الآخرون يجب ان يقبلوا حكم الفيلسوف،  ويستنتج بان السرور المرتبط بالفيلسوف هو السرور الأعظم وبهذا فان الحياة العادلة هي ايضا الحياة الاكثر سرورا . هو يكشف بان سرور الفيلسوف هو وحده السرور الحقيقي، لأن كل المسرات الاخرى هي ليست اكثر من منع او إيقاف الألم.

ان نموذج افلاطون في العدالة تعرّض للعديد من الانتقادات يمكن تلخيصها بالآتي:

1- ان نظرية افلاطون في العدالة تخلو من الاهمية الخاصة  للفرد. لم يعد الفرد ذاتا منعزلة وانما جزءا من النظام ككل الذي هو الدولة المثالية. ان الفرد ليس هو الكل وان افلاطون لا يستطيع اثبات ان الكل هو الدولة. لم يترك افلاطون مجالا للفرد للتفكير بهذه الطريقة. الفرد في الدولة المثالية ليس له هوية خاصة وانما هو مندمج كليا بالدولة.

2- مفهوم افلاطون عن العدالة يواجه عقبة اخرى. ان طبقة الحراس التي وُهبت الحكمة سوف تسيطر على كامل المجتمع. من المألوف جدا ان الفرد او الطبقة التي تسيطر على الشؤون الادارية للدولة سوف تؤسس بالنهاية هيمنة على المجتمع بأكمله .

3- الانسجام يمكن ان يحصل في المجتمع السياسي عندما يمارس جميع الافراد من مختلف الطبقات  الانضباط الذاتي ويتبعون واجباتهم الخاصة. بدون سيطرة ذاتية لا يمكن تحقيق العدالة. الانضباط الذاتي لدى افلاطون هو مبدأ اخلاقي وليس قانوني. عندما يفشل الناس في تطبيقه سينتج عن ذلك مشاكل. ان الترتيبات القانونية تُعد امرا ضروريا . يقول باركر"ان العدالة التي يتحدث عنها افلاطون هي ليست عدالة حقيقية ابدا... انها تكمن في الروح، وهي أقل من اي قانون. القانون شيء والاخلاق شيء آخر. القانون متعلق بأحكام خارجية بينما الاخلاق تتعلق بافكار تكمن خلف الأحكام.. افلاطون أضاع الفرق والتبست عليه الحدود الفاصلة بين الواجب الاخلاقي والالتزام القانوني... بدون قوة قانونية، سوف لن يجد الواجب الاخلاقي طريقه للنجاح".

4- هناك من النقاد من ذهب بعيدا في اعتبار افلاطون معاديا للديمقراطية كونه مهد الطريق للاستبداد والفاشية وأجاز "الكذب النبيل"، وهاجم الادباء والشعراء مطالبا بنفيهم خارج البلاد.

 

حاتم حميد محسن

....................

المصادر

1- Plato: The state and the soul, philosophy pages, Britannica

2- Plato’s Theories: Theory of justice, Education and communism

3- The Republic plato,SparkNotes,Sparknotes philosophy study guides

 

 

zouhair khouildi"أعترف بأني ولدت وفي نفسي نزعة عقلية تجعلني أجد اللذة القصوى في اكتشاف الحجج بنفسي، لا في الإصغاء لحجج الغير"1[1]

إذا كان ديكارت، أسوة بأفلاطون، قد جعل من العقل الإنساني صورة من العقل الإلهي ينطبق عليه ويعبر بالضرورة على آثاره في مخلوقاته بصورة رياضية وظل واثقا من قدرته على فهم أسرار الكون واكتشاف قوانين الطبيعة التي تتماثل مع قوانين العقل المطلق فإن كانط تحت تأثير هيوم ونيوتن قد وضع حلا نقديا لمبدأ المطابقة وشيد العقلانية النقدية لتحل محل العقلانية المطلقة الديكارتية وجعل شروط التجربة الظاهرية هي التي تفرض بالضرورة على الطبيعة قوانين الفكر وألح على أن تمتثل الطبيعة لأطر العقل حتى تتم معرفتها وانتبه الى أن الذات العارفة هي المشرعة على الصعيد العلمية ولكن رأى أنها لا تدرك من العالم الخارجي الا ما يتم تمثله وفق مبادئ العقل وقوانينه التي يضعها بنفسه.

على هذا النحو تكمن الإشكاليات الرئيسية التي أثيرت حول حاجة المقاربة العقلية للمراجعة النقدية في الأسئلة التالية:

 هل من تعارض في أن يكون العقل ملكة نقدية وأن يحقق التواصل بين الذات ونفسها والعالم والآخر؟

هل يشتغل العقل بصورة بديهية أم وفق مبادئ وقوانين؟ وهل هذه القوانين فطرية أم مستمدة من التجربة؟

هل هناك عقل كلي واحد ينطبق على جميع الناس أم توجد فقط عقول فردية تشتغل وفق خصوصية معينة؟

غير أن المشكل المركزي يتمثل في السؤال المعرفي الآتي: هل العقل نشاط فكري للدماغ ينتج الذكاء أم هو بنية من مقولات يتشكل الوعي؟ والى ماذا أدى تطور العقل من الناحية المعرفية عبر تاريخ الفلسفة؟

من هذا المنطلق يمكن تحديد الحقل الدلالي الذي تتحرك ضمنه كلمة العقل:

يعرف الفلاسفة مفهوم العقل من خلال جملة من الحدود والتصورات تبعا لتطور الفكر عبر التاريخ وتجدد الأنساق المعرفية:

1- العقل لغة هو الملجأ والرباط الذي يعصم الإنسان من الوقوع في الزلل ، أما العقل بالمعنى المتداول عند الجدليين والمتكلمين والفقهاء من رجال الدين هو المشهور في بادئ الرأي المشترك عند الجميع حسب الفارابي2[2] ، أما عند ديكارت في كتاب مقال عن المنهج فقد قارنه بالحس المشترك وقرب منه الحس السليمBon sens دون أن يجعله في نفس مرتبته المعرفية3[3] .

فالحس السليم هو قوة الإصابة في الحكم والقدرة على تمييز الحق من الباطل وهي قدرة يتساوي جميع الناس بها أما العقل فهو ملكة تتضمن مجموعة من الحقائق الفطرية التي تجعله يدرك حقيقة العالم وفق منهج استدلالي وبإتباع جملة من القواعد هي البداهة والتحليل والتركيب والمراجعة والإحصاء.

لقد كان مطلب ديكارت من الفلسفة العقلانية التي أسسها هو التالي: "ينبغي أن نقصر اهتمامنا على الموضوعات التي يبدو فكرنا قادرا على اكتساب معرفتها اكتسابا يقينيا لا يداخله شك"4[4].

2- العقل هو ملكة إدراك ما هو كلي وضروري سواء أكان ماهية أو قيمة. وبالتالي يكون العقل في التوجه المنطقي العربي الشارح لأرسطو ملكة الربط أو التأليف بين الأفكار وفقا لمبادئ كلية.

إذا كانت صفة الربط بين الصور الحسية وتوقع تعاقب صورة عن أخرى بحسب عادة الرؤية المتكررة والمتعاقبة تجربة يشترك فيها الحيوان والإنسان فإن ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية هو إدراك التعاقب وإتمامه وفق مبدأ ضروري وكلي. تبعا لذلك يشير العقل الى قوانين الفكر الضرورية والكلية (الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع والسببية)

لقد رأى التجريبيون بأن مبادئ العقل مستمدة من التجربة على سبيل الاكتساب مثل لوك وهيوم وهوبز وبأن العقل يتغير بتغير الأفراد بالرغم من وحدة كيفية الإدراك ويقتصر على عمليات التمييز والتبويب والحساب لكل ما يأتي من التجربة.

أما العقلانيون مثل ديكارت وكانط وهيجل فهم قد اعتبروا قوانين العقل سابقة على التجربة ومركوزة في طبيعته بصورة فطرية وقبلية ويقرون بوجود عقل كوني واحد يتطور في مسرح التاريخ عبر أشكال متعددة .

3-يمكن تقسيم العقل إلى جانب نظري معرفي وجانب عملي تطبيقي:

+ العقل النظري هو قوة يحصل للمرء بها بالطبع – لا ببحث ولا بقياس- العلم اليقين بالمقدمات الكلية الضرورية التي هي مبادئ العلوم: الكل أكبر من الجزء والمقادير المساوية لمقدار واحد هي مقادير متساوية، وعندما يتقوى الاستعداد للمعرفة فإن العقل لا تخطئ وينتج معارف صادقة ويقينية5[5].

+ العقل العملي هو قوة بها يحصل للإنسان ، عن كثرة تجارب الأمور، وعن طول مشاهدة الأشياء المحسوسة، مقدمات يمكن بها الوقوف على ما ينبغي أن يؤثر أو يجتنب شيء من الأمور التي فعلها إلينا. بعض من المقدمات تصير كلية وأخرى تظل مفردات جزئية6[6].

من جهة أخرى ، العقل هو فعل أو جزء من النفس، ويتميز عن سائر الأجزاء النفس الأخرى التي هي الإحساسات والخيال والانفعال والذاكرة والشهوة. لكن إذا كانت النفس هي مبدأ الحياة ومصدر كل أشكال النشاط الحيوي فإن العقل هو مبدأ المعرفة والرؤية والتقدير. لقد استخدم أفلاطون عبارات اللوغوس والنوس للإشارة إلى العقل ، كما عبر عنه أرسطو بالنفس الناطقة. في حين أدرج ديكارت وظائف الإحساس والتخيل والانفعال والشهوة ضمن وظائف العقل.

4- كما يمكن أن يقوم العقل بثلاثة وظائف معرفية حسب برانشفيك وهي التجريد والتصنيف والتنظيم.

لذلك كان عمونيال كانط قد ميز بين العقل بالمعنى الضيق المحدود بوصفه ملكة عليا للمعرفة تحقق الوحدة العليا للتفكير وبين الذهن كملكة واسعة تمثل المعرفة القبلية وينبوع القبلي النسبي والقبلي المحض ويحقق وظائف التفكير في التصورات والأحكام ويؤسس للمعرفة . لقد أسس كانط علما خاصا اسمه نقد العقل المحض يبحث فيه عن الاستعمال الوجيه في المعرفة بقوله:" ولأن العقل هو القدرة التي تمنحنا مبادئ المعرفة القبلية فإن العقل المحض هو ذاك الذي يتضمن مبادئ معرفة شيء ما على نحو قبلي تماما"7[7].

 بطبيعة الحال كل المعرفة البشرية عند كانط هي معرفة ظاهرية تبدأ من الحواس، ومن ثم تنتقل إلى الذهن، وتنتهي إلى العقل، وليس فينا ماهو أهم من العقل لمعاجلة مادتها وردها إلى الوحدة العليا للتفكير.

في هذا السياق النقدي للمعرفة الفلسفية يصرح كانط ما يلي :" إلى نقد العقل المحض، ينتمي إذن كل ما يكون الفلسفة الترنسدنتالية، والنقد هو الفكرة التامة للفلسفة الترسندالية إنما ليس هو العلم عينه بعد ، لأنه لا يتقدم في التحليل إلا بقدر ما يلزم من أجل محاكمة المعرفة التأليفية القبلية ، محاكمة شاملة "8[8].

من هذا المنظور يعتبر الذهن هو العقل بالمعنى الواسع ويمثل ملكة القواعد والتصورات والأحكام ويشير إلى ملكة التفكير في موضوعات العيان الحسي وينبوع التصورات القبلية وينزع إلى ربط كل ماهو معطى تحت قوانينه.

على هذا النحو يتميز العقل بالمعنى المحدود عند كانط بالخصائص التالية:

-  يتجه نحو ماهو عال وما يوجد خارج نطاق التجربة الحسية.

-  ينشد الشمولية والكلية ويسعى بصورة لامتناهية نحو اللامشروط المطلق.

-  يدعي لنفسه معرفة بواسطة المبادئ

-  ملكة استنباط الخاص من العام

-  ليس له علاقة مباشرة بموضوعات العيان الحسي ولا يعتني الا بالذهن وأحكامه.

نقد العقل هو الفحص عن حدود المعرفة العقلية المحض قصد تجنب القوقع في الدغمائية سواء في الريبية أو في المثالية).

يكون العقل نظريا إذا تعلق بالمبادئ القبلية للمعرفة ويكون عمليا إذا تعلق بالمبادئ القبلية للفعل.

بطبيعة الحال يفرض كانط "على العقل أن يواجه الطبيعة وهو يمسك بيد مبادئه التي بمقتضاها يمكن للظواهر المتطابقة أن تحصل على قوة القوانين، وبيده الأخرى التجريب الذي صممه وفقا لهذه المبادئ وأن يتعلم منها (أي من الطبيعة)، لا كما لو كان تلميذا يتقبل كل ما يريده معلمه، بل كما لو كان قاضيا يشتغل ويحث الشهود على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها عليهم"9[9].

ما يلفت النظر هو وجود نقاط اشتراك بين العقلانية المطلقة الديكارتية والعقلانية النقدية عند كانط وخاصة الاعتقاد في وجود مضمون للعقل يتمثل عند ديكارت في الحقائق الفطرية والطبائع الثابتة وفي المقولات القبلية والأفكار التوجيهية التي تساعد على تنظيم معطيات التجربة وتوحيد معظم الانطباعات الحسية.

5- من ناحية مغايرة يشكل العقل Vernunft الهوية بين الفكر والوجود عند هيجل. ولذلك يصفه في التمهيد والموسوعة بأنه الحقيقة في ذاتها وبذاتها ، أما في فنومينولوجيا الروح فيتجلى في تاريخ المعرفة ويعتبره ثمرة توسط الضمائر ببعضها وما يوجده من كلية الوعي بالذات.

في هذا الإطار يرى أن هناك ثلاث درجات للفكر من ناحية الوعي:

- الوعي عادة ويضم الوعي الحسي والإدراك والذهن،

- الوعي بالذات ويسميه الرغبة،

- العقل ومعرفته ليست مجرد يقين ذاتي بل له وجود موضوعي وحقيقته تقوم في الموافقة والوحدة بين اليقين والكائن أي في الموضوع الخارجي.

غني عن البيان أن العقل هو التوحيد الأعلى بين الوعي والوعي بالذات وبين معرفة الموضوع ومعرفة الذات. انه اليقين بأن تحديداته لماهية الأشياء هي تحديدات موضوعية كما أنها أفكار الذات، انه اليقين بالذات، أنه ذاتيتها ، كما انه الوجود أو الموضوعية. هكذا يدل العقل على مضمون غير موجود في تمثلات الذات فحسب بل يحتوي على ماهية الأشياء التي هي بدورها من إنتاج الأنا10[10].

يترتب عن ذلك أن العقل عند هيجل هو لحظة خاصة ومرحلة جزئية من تطور الوعي بالمعنى الأوسع للكلمة، وبالتالي يناظر العقل شكل الجوهر حينما يصبح الوعي بالذات كليا، ويمثل ذلك الجوهر الذي يصير ذاتا ، ويحمل في ذاته عنصر المعرفة التي هي الهوية بين الوجود في الذات والوجود للوعي. هكذا يشبه هيجل الانتقال من الشعور الباكر إلى العقل مثل انتقال البشرية من سيطرة الكنيسة في القرون الوسطى إلى عصر النهضة والعصر الحديث.

في هذا الصدد يصرح هيجل في كتابه العقل في التاريخ ما يلي"إن العقل يحكم العالم، وبالتالي فقد سبق له أن حكم ولا يزال يحكم التاريخ كله، ويبقى كل شيء خاضعا لهذا العقل الكلي والجوهري أداة ووسيلة بين يديه. وهذا العقل كامن في الواقع التاريخي ويتكون فيه وبه. وتتألف الحقيقة الوحيدة بالوحدة التي تحصل بين الكلي الموجود في ذاته ولذاته وبين الفردي أو الذاتي"11[11].

5- العقل هو المقابل للحدس عند هنري برجسون، إذا كان العقل أداة العلم لا يدرك إلا الجلي والمجرد والمنفصل والكمي والعدد وما يمكن وزنه وقياسه وماهو متجانس والمادة فإن الحدس أداة الفلسفة الحقيقية يدرك الأشياء تحت مظهر الديمومة ويزودنا بمعرفة شاملة ويتحد بالأشياء ذاتها ويضعنا مباشرة داخل الواقع ويجعلنا نشهد الصيرورة الخالقة. في هذا الصدد لا يمكن تصور العقل بوضوح إلا إذا عبّر عن المنفصل والساكن الثابت ، لأن" العقل يتميز بعدم فهم طبيعي للحياة"12[12].

 7- أما العلم المعاصر فإنه ينفي أن يمتلك العقل مضمونا كليا بشكل ثابت وأن يكون معطى جاهزا بصورة مطلقة ، وتخلي عن الفرضية الفلسفية التي تمنح العقل مجموعة من الحقائق النهائية والمبادئ المنطقية البديهية، ورفض أن يكون قدرة على إجراء استدلالات والقيام بعمليات وفق قواعد كلية ومسارات منطقية، وأعاد تعريفه بحيث يصبح مجرد فعالية فكرية ونشاط ذهني تتغير بنيته بتطور المعارف المنتجة.

إذا كان عمونيال كانط يجعل للعقل من جهة مضمونه ومقولاته القبلية في حواره مع العالم الموضوعي بنية معلومة وإطار ثابتا يتعين التكيف معه فإن العلم المعاصر يرفض هذه البنية الثابتة وهذا المضمون الدائم ويصف العقل بكونه مجرد نشاط محض وقدرة على انشاء منظومات قواعد وتطبيقها واختبارها.

بيد أن الموقف العلمي حسب غاستون باشلار ضمن العقلانية التطبيقية المتفتحة هو موقف نقدي بالضرورة يجعل من ملكة العقل مصفاة للظواهر ومن التجربة محكا للتثبت من صدق النظرية وبطلانها.

لقد ميز ميشيل ماركوفيتش في كتابه العلم والايديولوجيا المعرفة العلمية التي تطبق المعايير الأساسية للحقيقة الموضوعية وتتجه صوب الملكات الفكرية قصد التعرف على الأشياء الخارجية وتعتمد التجربة عن المعرفة الميتافيزيقية التي تنتج قضايا ونظريات مثالية بعيدة عن الواقع ومليئة بالتضارب والتفكك.

بهذا المعنى يكون العلم هو منظومة من القضايا والنظريات قبلة للتواصل من الناحية الاجتماعية وتتمتع بالتماسك النظري وتتصف بقابلية التطبيق العملي والمعالجة التقنية وتصف ظواهر الواقع الموضوعي.

من هذا المنطلق تتقدم المقاربة العلمية بإخضاع محاولات الحل التي يقدمها العقل في حوراه مع التجربة للأسئلة التي يطرحها والمشاكل التي يثيرها للمراجعة النقدية وذلك بالمراقبة والامتحان والتثبت والمقارنة.

هكذا تقوم العقلانية العلمية على استخدام نقدي للمنهج الموضوعي عبر المحاولة والخطأ وتجعل من التناقض الداخلي للنظرية وإمكانية تعرضها للدحض وقابلية المراجعة أدوات للتقدم ومعايير للموضوعية.

على هذا الأساس ليست هناك نظرية علمية يمكنها أن تفلت من المراجعة النقدية ولا تقبل الدحض والتفنيد.

خلاصة القول يمكن التمييز بين عقل متأسس في لحظة معينة من تاريخ المعرفة ويتمثل في منظومة القواعد التي تنسب اليها قيمة مطلقة وعقل مؤسس يتمثل في النشاط الملازم لمسار البحث العلمي الذي ينشئ منظومة القواعد الاجرائية، ويرى لالاند وبرشفيك أن العقل المتأسس يترك مكانه للعقل المؤسس.

لكن ما الفرق بين العقل التداولي الحسابي والعقل النقدي التواصلي عند يورغن هابرماس أحد الفلاسفة المتبقين من مدرسة فرانكفورت النقدية؟ وكيف يؤدي نقد العقل إلى التخلي عن مركزية الذات؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

............................

الإحالات والهوامش

[1] ديكارت (رونيه)، قواعد من أجل توجيه العقل، القاعدة العاشرة، أنظر كتاب ديكارت، نجيب بلدي ، دار المعارف، مصر.طبعة 1987.

[2] الفارابي (أبو نصر)، فصول منتزعة، بيروت، دار المشرق، بيروت، طبعة سنة 1971، ص89.

[3] « Le bon sens est la chose du monde la mieux partagée » , Descartes )René(, Discours de la méthode, I, La Haye, 1637.

[4] ديكارت (رونيه)، قواعد من أجل توجيه العقل، القاعدة العاشرة، مرجع مذكور.

 [5] الفارابي (أبو نصر)، فصول منتزعة، نفس المرجع، ، صص50-51

[6] الفارابي (أبو نصر)، فصول منتزعة، نفس المرجع، صص54-55.

[7] كانط (عمونيال)، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الإنماء القومي ، بيروت، لبنان، دون تاريخ، ص54.

 [8] كانط عمونيال، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مرجع مذكور، ص55.

 [9] كانط (عمونيال)، نقد العقل المحض، مرجع مذكور، صص276-282.

 [10] هيجل، ممهدات للفلسفة، سلسلة تأملات، صص81و82.

[11] هيجل ، العقل في التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، القاهرة، الطبعة الثالثة ، 2007.

[12] برجسون (هنري) ، التطور الخلاّق، ترجمة جميل صليبا، المكتبة الشرقية، بيروت، لبنان ، طبعة 1986. ص179

المصادر والمراجع:

الفارابي (أبو نصر)، فصول منتزعة، بيروت، دار المشرق، بيروت، طبعة سنة 1971،

برجسون (هنري) ، التطور الخلاّق، ترجمة جميل صليبا، المكتبة الشرقية، بيروت، لبنان ، طبعة 1986

بلدي ( نجيب)، ديكارت، دار المعارف، القاهرة مصر، طبعة 1987.

كانط (عمونيال)، نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الإنماء القومي ، بيروت، لبنان، دون تاريخ،

هيجل ، العقل في التاريخ، ترجمة امام عبد الفتاح امام، دار التنوير، القاهرة، الطبعة الثالثة ، 2007.

 

hatam hamidmohsinيرى البعض ان كارل ماركس ليس رجلا اقتصاديا، كونه لم يعمل ضمن تقاليد كبار اقتصاديي الاقتصاد السياسي الكلاسيكي كسمث وريغاردو وساي. تلك التقاليد اكّدت على السمات المنظّمة ذاتيا لنظام السوق الحر وعلى مفهوم اليد اللامرئية في قوانين الاقتصاد. بدلا من ذلك سعى ماركس لكشف ما رآه كتناقضات متأصلة في الرأسمالية واوضح بان الاقتصاديين الكلاسيكيين اساءوا فهم الافتراضات الايديولوجية المسبقة لمبادئ الاقتصاد العالمية. جهود ماركس لم تكن فقط هجوما على رأسمالية السوق الحر وانما ايضا شكلت نقدا راديكاليا للموضوع الجديد في النظرية الاقتصادية، الموضوع الذي رفضه ماركس باعتباره زائفا في الصميم. اليد اللامرئية هي مجرد مظهرا خادعا حسبما يرى ماركس. ما موجود حقا قيد العمل هو شيء ما اكثر شبها بالمخالب القاتلة، التي تخنق حاليا الطبقة العاملة ومن ثم الرأسماليين انفسهم. الاقتصاديون الكلاسيك اصابهم العمى عن هذه الحقيقة. وكما يذكر ماركس:

"ان الاقتصاد السياسي الكلاسيكي يلامس تقريبا العلاقة الحقيقية للاشياء ولكن بدون ان يصوغها بوعي، وهذا لا يمكن ان يتم طالما يظل ذلك الاقتصاد ملتصقا في جلده البرجوازي."(الجزء الاول، فصل 19، صفحة 594)

يسعى ماركس لإختراق القناع الايديولوجي للرأسمالية للوصول الى عملياتها المنهجية الحقيقية التي تعمل في العالم المادي الاقتصادي. هذه هي طبيعة رسالة ماركس. ولكن اذا لم يكن رأس المال عملا اقتصاديا فما هو اذاً؟

ربما يراه البعض عملا اشتراكيا علميا وهي العبارة التي ميز بها ماركس نفسه عن كل من الاقتصاديين الكلاسيك والمصلحين الاجتماعيين غير الواقعيين في زمانه والذين هو احتقرهم كطوباويين اشتراكيين.فمن جهة انت امام اقتصاديين شجعوا ظهور الرأسمالية والثروة التي خلقتها من خلال مجموعة من المبادئ الاقتصادية مثل قوانين العرض والطلب والمزايا المقارنة وسمات التوازن الطويل الأجل لآلية السعر التنافسي. هم دعموا نظرية معقدة اكدت على نوع من العقلانية الاجتماعية التي تبرز الى السطح عندما يكون الناس احرارا في متابعة الخطط التي تحقق مصالحهم . ومن جهة اخرى، انت امام نقاد اشتراكيين للرأسمالية القوا باللائمة على العديد من التاثيرات الاجتماعية لتطوّر نظام المصنع والتقنية العالية في تقسيم العمل وظهور المنتجين الرأسماليين الاثرياء. هؤلاء النقاد ضموا بين صفوفهم روبرت اوين الصناعي الثري ذاته، الذي خصص المزيد من ثروته لتكوين تعاونيات ومشاريع اسكان للطبقة العاملة، وحاول اقناع الرأسماليين الآخرين لتبنّي الشكل النظري المفضل للحالمين الاجتماعيين كـ شارلس فورير الذي عرض نموذجا مفصلا للجماعة الاجتماعية المثالية.

حسب رؤية ماركس، كلا الفريقين – المدافعون والنقاد- فشلا في الاعتراف بالعملية الديالكتيكية. كلاهما فشل في فهم ان الرأسمالية كانت مجرد مرحلة تاريخية لكنها مرحلة تاريخية ضرورية. الاقتصاديون اعتقدوا انهم اكتشفوا المبادئ الاقتصادية العالمية الجارية اثناء العمل، بينما هم في الحقيقة اصبحوا مجرد ضحايا لخداع النظام الاقتصادي المؤقت. هذا اصبح اكثر وضوحا في الاقتصادات الكلاسيكية بعد ريغاردو الذي اعتبره ماركس فقد كل أمل بالبقاء كرجل علمي غير منحاز، واصبح بدلا من ذلك تبريريا. كل هذا دفع ماركس للتقليل من اهمية مثل هذا الاقتصاد ووصفه كاقتصاد مبتذل vulgar economics:

"في فرنسا وانجلترا استحوذت البرجوازية على السلطة السياسية. ومنذ ذلك الوقت، اتخذ الصراع الطبقي نظريا وعمليا اشكالا اكثر حدة وتهديدا. انه بدا كجرس انذار للاقتصاد البرجوازي العلمي. ولذلك لم يعد السؤال ما اذا كانت هذه النظرية صحيحة ام لا، وانما ما اذا كانت مفيدة لراس المال ام ضارة به، ملائمة ام غير ملائمة، خطيرة سياسيا ام غير خطيرة. وبدلا من التحقيقات المحايدة كان هناك المحترفون النفعيون بدلا من البحث العلمي الحقيقي، كان هناك الضمير السيء والنية التبريرية الشريرة".(الجزء الاول، مقدمة المؤلف للطبعة الثانية، ص19)

نظر ماركس الى الاقتصادي الفرنسي (Bastiat) كنموذج واضح وممثل بارز للاقتصاد التبريري الساذج.(الجزء الاول، مقدمة المؤلف للطبعة الثانية، ص20)

الاشتراكيون الطوباويون، بالمقابل، كانوا يطورون خططا ساحرة لإصلاح الانسان، واصلاح المؤسسات الاجتماعية، او كلاهما. لكنهم فشلوا في رؤية ان النظام ذاته كان يتغير بعمق ضمن عملية ديالكتيكية مستمرة، تتم عبر التصادم بين المصالح المتضادة للطبقات. ماركس لم يقبل برؤى الاقتصاديين ولا برؤى الاشتراكيين في زمانه. جادل ماركس بان الانسان سيبلغ طاقته القصوى فقط عندما يتغير النظام راديكاليا، وبعد ان تنتهي مصالح الطبقات بثورة ديالكتيكية حتمية (1).

يمكننا العثور على اهتمام ماركس بطاقة الانسان التامة في عمله المبكر "مخطوطات فلسفية واقتصادية عام 1844". هنا يجادل ماركس بانه وفي ظل الرأسمالية يتم التعامل مع الاشياء ككائنات، والانسان يتم التعامل معه كشيء.مخطوطات عام 1844 تطرح هذا النقاش حول رؤية ماركس لطبيعة الانسان – ما هو وماذا يمكن ان يكون – بنظرية ديالكتيكية. التاريخ هو قصة الصراع الطبقي، هو قصة الاغتراب الانساني، هو قصة التناقضات المنهجية المستمرة، لكن التاريخ سيصل حتما الى نهايته – تناقضات النظام الرأسمالي الإغترابي سوف تخلق بالنهاية مركبا لنظام جوهري جديد. الاشتراكية ستضع نهاية للتاريخ، نهاية للاغتراب، واخيرا تطلق "عودة الانسان الى ذاته".

الانسان سيبلغ امكاناته القصوى فقط بعد ان يتغير النظام راديكاليا. ولكن ما هو النظام؟ جهود ماركس في رأس المال تحاول كشف المبدأ الاساسي المنظّم للمجتمع التجاري. بهذه الطريقة، سواء اتفقنا معه او لم نتفق كان اول مطور لما سمي لاحقا بتحليلات انظمة الاقتصاد المقارنة.

عموما، المبدأ المنظّم بالطبع هو السوق. ولكن بشكل ادق وفق رؤية ماركس، هو رأس المال ذاته الذي يسيطر على العلاقات في المجتمع التجاري الرأسمالي. الفهم الدقيق لرأس المال هو حل للغز نظام السوق. يحاول ماركس ان يقوم بهذا بالضبط في الأعداد الثلاثة الكبيرة هذه من كتابه"رأس المال".

يجادل ماركس بان الكلاسيكيين فشلوا في فهم طبيعة رأس المال. هم نظروا لنظام السوق كمجرد تبادل لمدخلات السلعة – راس المال، الارض، العمل – لجمع الارباح من مخرجات السلعة. عيبهم كان تصور راس المال كشيء، ربما كماكنة او ككمية من النقود، بدلا من ان يكون علاقات بين الناس التي ايضا بدورها اتخذت شكل علاقات اجتماعية بين الاشياء:

"رأس المال، الارض، العمل، لكن راس المال ليس شيئا . هو علاقة ترابطية محددة في انتاج اجتماعي، يعود الى تكوين تاريخي محدد للمجتمع. هذه العلاقات المترابطة تعبّر عن ذاتها من خلال شيء محدد وتعطي لهذا الشيء سمة اجتماعية محددة. راس المال هو ليس مجموع وسائل الانتاج المادية. راس المال يعني وسائل الانتاج محولة الى راس مال، ووسائل الانتاج بذاتها هي ليست راس مال اكثر من ان يكون الذهب والفضة هي نقود بذاتها.راس المال يشير الى وسائل الانتاج المحتكرة من جانب معين من المجتمع، منتجات العمل المادي التي جُعلت مستقلة عن قوة العمل ومعادية لها . راس المال لا يعني مجرد منتجات العمال المستقلة عنهم والمحولة الى قوى اجتماعية، وانما ايضا القوى الاجتماعية والشكل المستقبلي غير الواضح للعمل"

من الضروري ان تنهار كامل النظرية الكلاسيكية لليد اللامرئية، الانسجام في المصالح، السمات الموازنة في السوق التنافسي كموضوعات علمية:

"التحليلات العلمية للمنافسة ليست ممكنة قبل ان نمتلك تصورا عن الطبيعة الداخلية لراس المال، مثلما الحركات الظاهرة للاجسام الثقيلة غير متصورة لاي شخص عدا الشخص ذاته، الذي هو مطلع على حركاتها الحقيقية، الحركات التي لا يمكن تصورها مباشرة عبر الحواس".(الجزء الاول، فصل x11، ص347)

يبدأ ماركس في الجزء الاول بتحليلات مطولة عن السلع، انتاجها، واستبدالها بالنقود، ويطور فكرته عن عبادة السلعة commodity fetishism(2) في الفصل الاول من القسم الرابع. يكافح ماركس ليبين ان انتاج وتبادل السلع له طبيعة مزدوجة: اقتصاد السوق حقا يكشف عن علاقة مادية بين الناس(العمال يعاملون كمدخلات مكلفة في عملية الانتاج)الى جانب التدفق الاجتماعي للاشياء(كما يوصف عادة في مجموعة من المعادلات الرياضية التي حتى اليوم تُدرّس الى طلاب الاقتصاد في المستويات العليا).

يقول ماركس ان هذا ليس وهما . ولكن المشكلة هي ان كلا العلاقة المادية بين الناس والتدفق الاجتماعي للاشياء المادية يخفيان حقيقة ان كل من انتاج السلع واستبدالها هما ايضا يتاسسان بعلاقات اجتماعية تاريخية (رأسمالية) بين الناس. الاقتصاد الرأسمالي يخلق تدفقا معقدا من السلع، التدفق الذي يأخذ بالفعل(حياة مالكيه) ولهذا يخدع الاقتصاديين(ومواطني النظام الرأسمالي)، لأنهم يعتقدون ان هذا يمثل حالة طبيعية للموقف. في ثروة الامم ذهب ادم سمث (الكتاب iv فصل ix ص 687) بعيدا في اعتبار الهياكل الرأسمالية للمجتمع التجاري جزءا من "النظام المبسط والواضح للحرية الطبيعية". وان هذا يُعتبر خداعا طبقا لماركس . الرأسمالية لها سمة منهجية تقود الناس للاعتقاد بانهم منخرطون في فعالية طبيعية حرة – الحرية في قبول او رفض العمل، الحرية في التجارة، التوفير، الاستثمار حيثما يرونه ملائما وهكذا – بينما، هم في الحقيقة ينتمون لحالة المجتمع الذي تكون فيه السيادة على الانسان لعملية الانتاج بدلا من ان تكون تحت سيطرته.

ان نظام السوق يبدو واضحا ومبسطا وطبيعيا، لكنه دائما يخفي حقيقة ان الناس لازالوا عرضة للاغتراب، اغتراب اكثر قسوة من علاقات السيد - العبد، لأن النظام يشجعهم على الاعتقاد انهم يمارسون حرية الاختيار في علاقة العامل - رب العمل، بينما معظم العبيد يدركون انهم لم يكونوا احرارا.

يذهب ماركس مطولا في الجزء الاول لتطوير نظرية العمل في القيمة ويكشف بان الربح او فائض القيمة يمكن خلقه فقط من خلال الاستغلال المنهجي المخفي للعمال. نقاشه في الفصل العاشر "يوم العمل"هو الاكثر قراءة لاولئك القراء الذين يرغبون تجنب التحليلات التقنية . الجزءان الثاني والثالث يتعاملان بكثافة مع توضيحات ماركس للامكانية التدميرية لدورة الاعمال والازمات الاقتصادية الناتجة عن عدم التوازن النقدي، بينما نقاشه لـ "الصيغة الثلاثية" The Trinitarian formula (3) في الجزء الثالث يعرض نقده الاكثر وضوحا للتوضيحات الاقتصادية الكلاسيكية للدخل المكتسب في المجتمع الرأسمالي.

انت لن تجد في رأس المال صورة مفصلة عن المجتمع الاشتراكي. ماركس لم يذهب كما فعل الاشتراكيون الطوباويون الذين اضاعوا وقتهم يحلمون بالتصاميم الساحرة. هذا في الحقيقة يمثل نقدا كبيرا للنظرية الاقتصادية القائمة. ولكن الكثير من رؤى ماركس حول الاشتراكية جاءت متضمنة ضمن نظريته في الاغتراب ونقده للترتيبات الاقتصادية للرأسمالية. اعتقد ماركس وبدون شك ان المجتمع الاشتراكي سيضع حدا للاغتراب والاستغلال والوهم عبر الغاء حقوق الملكية الخاصة، انتاج السلعة، اجور العمل، والنقود. انه سيسمح للانسان لبلوغ حريته وامكاناته القصوى. ماركس يتناول مستقبل الإمكانية لمجتمع اشتراكي غير مغترب كليا كمعطى، ويستخدم في راس المال تلك الرؤية في نقده للراسمالية. هو لا يختلف عن امتلاك الايمان الواضح والثابت في السماء في الحكم على منْ يشكل الإثم هنا على الارض . ماركس يستبدل الاشتراكية بالسماء والراسمالية بالارض والاغتراب بالاثم. هو يستخدم مُثله اللااغترابية كمعيار للحكم وتقييم خصائص رأسمالية العالم الواقعي.

 يقدم ماركس نظاما اقتصاديا راديكاليا مختلفا، باختصار هو الاشتراكية. انه سيكون نظاما مخططا كليا:

عملية الحياة في المجتمع، المرتكزة على عملية الانتاج المادي، لن تخلع قناعها الاسطوري حتى يتم التعامل معها كانتاج بواسطة اناس مترابطون بحرية، ومنظمة بوعي من جانبهم طبقا لخطة موضوعة.

اذا كانت عبارات ثروة الامم شكلت النموذج الكلاسيكي للنظرية الاقتصادية، والدفاع عن المجتمع الحر، فان رأسمال كارل ماركس شكل الخيار الاكثر راديكالية. لا يمكن بالطبع التقليل من الاهمية التاريخية لرأس المال في الحركة الاشتراكية، وان رؤى رأس المال قد غيرت العالم.

لقد اثبت مسار الزمن ان رؤية سمث العامة هي الاكثر قبولا للظرف الانساني قياسا برؤية ماركس. نعتقد ان افضل طريقة لفهم رؤية سمث في "نظام الحرية الطبيعية" هي باضافة ثروة الامم الى كتابه الأقل قراءة – نظرية العواطف الاخلاقية. لا يوجد هناك اثنان من سمث(الاقتصادي والفيلسوف الاخلاقي). هناك سمث واحد. ونفس الشيء ينطبق على ماركس. جهوده في رأس المال يمكن فهمها افضل في ضوء مخطوطاته عام 1844. راس المال هو العمل الاكثر اهمية، هو عمل ماركس الاقتصادي الناضج، لكنه ايضا شيء ما اكثر من ذلك. انه يبني على رؤاه الفلسفية المبكرة. هو اخذ تلك الافكار كنقطة انطلاق وحاول جاهدا ايجاد تحليل نظري مفصل للرأسمالية كنظام اغترابي متناقض.

رأس المال كتاب يصعب قرائته في عدة اماكن، حين يغوص في النقاشات التقنية النظرية التي لم تعد ملائمة. في اماكن اخرى، نجده مثير للقراءة. يمكن للقارئ البدء بفهم الكيفية التي استولى بها ماركس على خيال الثوريين وكيف ان الماركسية ذاتها اصبحت برنامجا ايديولوجيا بكل ما تحمل من تناقضات ودوغمائيات والتباسات وأوهام.

The Nature and significance of Marx’s capital: A critique of political Economy, Library of Economics and Liberty

......................

الهوامش

(1) رفض ماركس كل الافكار التي سعت لإشتقاق القيمة (علاقة اجتماعية) من القيمة الاستعمالية (ظاهرة مادية). لأن السمة الاسطورية للسلعة لا تنشأ في الاصل من قيمتها الاستعمالية. رفض ماركس كل تلك الافكار التي فسرت طبيعة النقود وفق الخصائص التقنية المادية للذهب، كما صب جام غضبه على اولئك الذين سعوا لفهم رأس المال من الطبيعة التقنية لوسائل الانتاج. كل تلك الاخطاء تشترك بشيء واحد وهو انها فشلت في التمييز بين الدور التقني لوسائل العمل من جهة، وشكلها الاجتماعي من جهة اخرى. في ظل انتاج السلعة، تتخذ العلاقات بين الناس شكل علاقات بين "الاشياء". العلاقات الاجتماعية هي علاقات غير مباشرة تتوسط هذه الاشياء، والناس ببساطة "يمثلون"هذه الاشياء في مكان السوق. ماركس ينتقد الاقتصاديين السياسيين لأنهم يأخذون هذه الاشكال "كمعطى"(من الطبيعة) وليس كاشكال اجتماعية تبرز في ظل ظروف تاريخية محددة. هذه الاشكال ستختفي حتما عندما تبرز ظروف اجتماعية جديدة.

(2) يطرح ماركس تشابها بين عبادة الدين وعبادة السلعة، فمثلما يخضع الناس الى قداسة دين معين كذلك جميع السلع في ظل الرأسمالية تخضع لقداسة شيء واحد هو النقود. هذه النقود ليست مجرد وسيلة منظّمة وانما لها قوة اسطورية متجاوزة في ايجاد الاشياء.عبودية السلعة هو تصوّر للعلاقات الاجتماعية المشتركة في الانتاج، ليس كعلاقات بين الناس وانما كعلاقات اقتصادية بين النقود والسلع المتاجر بها في السوق. وبهذا فان عبودية السلعة تحوّل المظاهر الذاتية المجردة للقيمة الاقتصادية الى اشياء حقيقية موضوعية يعتقد الناس انها تنطوي على قيمة باطنية. ولهذا، نجد في المجتمع الرأسمالي، يُنظر للعلاقات الاجتماعية بين الناس الذين يصنعون السلعة وكل من له علاقة بانتاجها كعلاقات اقتصادية بين الاشياء، بمعنى يتم تقييم السلعة بمقارنتها بسلعة اخرى. ولهذا فان تبادل السلع في السوق يحجب السمة الاقتصادية الحقيقية للعلاقات الانسانية بين العامل ورأس المال اثناء الانتاج.

(3) في هذه الصيغة الثلاثية (تضم ثلاثة عناصر) يتم التعبير عن الرأسمالية بايجار الارض، واجور العمل، وفائدة رأس المال.يوضح ماركس كيف ان الاقتصاديين السطحيين صوروا العملية كعلاقة سبب و نتيجة، كما لو ان الارض كمصدر تنتج فعلا الايجار، والعمل ينتج فعلا الاجور، وراس المال ينتج الفائدة:"في الصيغة الثلاثية يبدو ان رأس المال والارض والعمل كمصادر للفائدة والايجار والاجور، احدهم السبب بينما الاخر النتيجة". هذا يعني ان عملية تخصيص وتوزيع فائض القيمة تبدو ببساطة كانتاج منعزل ومستقل للقيمة بواسطة فاعلين مختلفين في النظام الاقتصادي(العمال، مالكي الارض، الراسماليون).رأس المال والارض والعمل يتجسدون كثلاثة مصادر مستقلة ومنفصلة ويبدو ايضا من هذه الثلاثة تبرز ثلاثة عناصر اخرى مختلفة من القيمة المنتجة.الارتباط الباطني بين هذه الفعاليات المتباينة في الظاهر يبقى مختفيا في صياغة الاقتصاديين الكلاسيك خاصة آدم سمث. تناولْ اي عنصر من الصيغة الثلاثية (الارض، العمل، راس المال) بشكل منعزل عن العناصر الاخرى سيكون نسخة مشابهة لعمليات عبودية السلعة.

 

 

jamil hamdaouiتوطئة: تمتد فترة مابعد الحداثة (Post modernism) من سنة 1970م إلى سنة 1990م. ويقصد بها النظريات والتيارات والمدارس الفلسفية والفكرية والأدبية والنقدية والفنية التي ظهرت ما بعد الحداثة البنيوية والسيميائية واللسانية. وقد جاءت مابعد الحداثة لتقويض الميتافيزيقا الغربية، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت قديما وحديثا على الفكر الغربي، كاللغة، والهوية، والأصل، والصوت، والعقل...وقد استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب. وتقترن مابعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية والتفكيك واللامعنى واللانظام. وتتميز نظريات ما بعد الحداثة عن الحداثة السابقة بقوة التحرر من قيود التمركز، والانفكاك عن اللوغوس والتقليد وماهو متعارف عليه، وممارسة كتابة الاختلاف والهدم والتشريح، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة لغة البنية والانغلاق والانطواء، مع فضح المؤسسات الغربية المهيمنة، وتعرية الإيديولوجيا البيضاء، والاهتمام بالمدنس والهامش والغريب والمتخيل والمختلف، والعناية بالعرق، واللون، والجنس، والأنوثة، وخطاب مابعد الاستعمار....

إذاً، ما مفهوم نظرية مابعد الحداثة؟ وماسياقها التاريخي والإبستمولوجي(المعرفي)؟ وما مرتكزات هذا المفهوم ومكوناته النظرية والتطبيقية والمنهجية؟ وما أهم النظريات التي رافقت مابعد الحداثة؟ وما إيجابيات مابعد الحداثة وسلبياتها؟

 المبحث الأول: مفهـــوم (ما بعد الحداثة)

 من المصطلحات الأكثر التباسا وإثارة في فترة مابعد الحداثة هو مصطلح ( مابعد الحداثة) نفسه، حيث اختلف حوله نقاد ودارسو (مابعد الحداثة)؛ نظرا لتعدد مفاهيمه ومدلولاته من ناقد إلى آخر. بل نجد أن المعاني التي قدمت لمفهوم (مابعد الحداثة) متناقضة فيما بينها ومختلفة ومتداخلة، حتى أثير حول استخدام مفهوم مصطلح (مابعد الحداثة) نقاش مستفيض، إذ يعتبر من أهم المصطلحات التي" شاعت وسادت منذ الخمسينيات الميلادية، ولم يهتد أحد بعد إلى تحديد مصدره: فهناك من يعيد المفردة إلى المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي عام 1954م، وهناك من يربطها بالشاعر والناقد الأمريكي تشارلس أولسون في الخمسينيات الميلادية، وهناك من يحيلها إلى ناقد الثقافة ليزلي فيدلر، ويحدد زمانها بعام 1965م. على أن البحث عن أصول المفردة أفضى إلى اكتشاف استخدامها قبل هذه التواريخ بكثير، كما في استخدام جون واتكنز تشابمان لمصطلح " الرسم مابعد الحداثي" في عقد 1870م، وظهور مصطلح مابعد الحداثة عند رودولف بانفتز في عام 1917م."[1]

وقد تبين واضحا أن أفكار (مابعد الحداثة) مختلفة نسبيا عن مفاهيم الحداثة السابقة. وهناك من يرى أن أفكار (مابعد الحداثة) مختلفة جذريا عن أفكار الحداثة. ويعتقد"بعضهم أنه من الممكن اعتبار الكتاب والفنانين في مرحلة (ماقبل الحداثة) على أنهم مابعد الحداثيون، بالرغم من أن المفهوم لم يكن مصاغا آنذاك. وهذا أقرب إلى الجدل الذي يرى نظريات فرويد عن اللاوعي أنها موجودة مسبقا في الفكر الرومانسي الألماني. وقد ناقش الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Habermas)أن مشروع الحداثة لم ينته أبدا بعد، حيث يواصل هذا المشروع سعيه لتحقيق أهدافه (وبهذا، يقصد هابرماس قيم تنوير العقل والعدالة الاجتماعية). ويعد مصطلح "مابعد الحداثة " (والكلمات المشابهة له) أيضا في نظر الكثيرين أنه يشير، بصفة عامة، إلى دور وسائل الإعلام في المجتمعات الرأسمالية في أواخر القرن العشرين. وأيا كان استخدامه المفضل، فمن الواضح أن نظرية تفسير التطورات الاجتماعية والثقافية عن طريق السرديات الكبرى لم تعد ممكنة أو مقبولة، وأنه لم يعد ممكنا للأفكار أن تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا مع الواقع التاريخي. فكل شيء هو النص والصورة. وبالنسبة للكثيرين، يحاول العالم الذي يتم تصويره في فيلم( الماتريكس)، حيث نجد الحياة البشرية تقلد الآلات التي تسيطر عليها، إقناع المشاهد بعالم مابعد الحداثة، لإقناعه بكابوس من عالم الخيال العلمي، فهذا العالم هو بمنزلة استعارة أو مجاز عن حالة الإنسان الحالي."[2]

وهناك من الباحثين والدارسين من يربط (مابعد الحداثة) بفلسفة التفكيك والتقويض، وتحطيم المقولات المركزية الكبرى التي هيمنت على الثقافة الغربية من أفلاطون إلى يومنا هذا. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر (David karter)، في كتابه( النظرية الأدبية)،:"وتعبر هذه المواقف من "مابعد الحداثة" عن موقف متشكك بشكل جوهري لجميع المعارف البشرية، وقد أثرت هذه المواقف على العديد من التخصصات الأكاديمية وميادين النشاط الإنساني(من علم الاجتماع إلى القانون والدراسات الثقافية، من بين الميادين الأخرى). وبالنسبة للكثيرين تعد "مابعد الحداثة" عدمية على نحو خطير، فهي تقوض أي معنى للنظام والسيطرة المركزية للتجربة. فلا العالم ولا الذات لهما وحدة متماسكة"[3].

ومن ثم، فقد اعتمدت فلسفة (مابعد الحداثة) على التشكيك والتقويض والعدمية . كما اعتمدت على التناص واللانظام واللاانسجام، وإعادة النظر في الكثير من المسلمات والمقولات المركزية التي تعارف عليها الفكر الغربي قديما وحديثا. ومن ثم، تزعزع مابعد الحداثة- حسب دافيد كارتر- :" جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة والهوية، إذ نسمع كثيرا من الطلاب الأجانب الذين يدرسون الأدب الإنكليزي ينعتون أي شيء لايفهمونه أو يعبرون عنه بمابعد حداثي. وكثيرا ماتكشف النصوص الأدبية في "مابعد الحداثة" عن غياب الانغلاق، وتركز تحليلاتها على ذلك. وتهتم كل من النصوص والانتقادات بعدم وضوح الهوية، وماهو معروف باسم" التناص": هو إعادة صياغة الأعمال المبكرة أو الترابط بين النصوص الأدبية."[4]

هذا، ويمكن الحديث، في إطار (مابعد الحداثة)، عن أربعة منظورات تجاهها، المنظور الفلسفي الذي يرى أن (مابعد الحداثة) دليل على الفراغ بغياب الحداثة نفسها، والمنظور التاريخي الذي يرى أن (مابعد الحداثة) حركة ابتعاد عن الحداثة أو رفضا لبعض جوانبها، والمنظور الإيديولوجي السياسي الذي يرى أن (مابعد الحداثة) تعرية للأوهام الإيديولوجية الغربية، والمنظور الإستراتيجي النصوصي الذي يرى أن مقاربة نصوص (مابعد الحداثة) لاتتقيد بالمعايير المنهجية، وليست ثمة قراءة واحدة، بل قراءات منفتحة ومتعددة.[5]

 المبحث الثاني: السياق الذي ظهرت فيه (مابعد الحداثة)

 ارتبطت (مابعد الحداثة)، في بعدها التاريخي والمرجعي والسياقي، بتطور الرأسمالية الغربية مابعد الحداثية اجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا، وثقافيا. كما ارتبطت ارتباطا وثيقا بتطور وسائل الإعلام. كما جاءت مابعد الحداثة رد فعل على البنيوية اللسانية، والمقولات المركزية الغربية التي تحيل على الهيمنة والسيطرة والاسغلال والاستلاب. كما استهدفت (مابعد الحداثة) تقويض الفلسفة الغربية، وتعرية المؤسسات الرأسمالية التي تتحكم في العالم، وتحتكر وسائل الإنتاج، وتمتلك المعرفة العلمية. كما عملت (مابعد الحداثة) على انتقاد اللوغوس والمنطق عبر آليات التشكيك والتشتيت والتشريح والتفكيك.

هذا، وقد ظهرت (مابعد الحداثة) في ظروف سياسية معقدة، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، في سياق الحرب الباردة، وانتشار التسلح النووي، وإعلان ميلاد حقوق الإنسان، وظهور مسرح اللامعقول (صمويل بيكيت، وأداموف، ويونيسكو، وأرابال…)، وظهور الفلسفات اللاعقلانية، مثل: السريالية، والوجودية، والفرويدية، والعبثية، والعدمية… وقد كانت التفكيكية معبرا رئيسا للانتقال من مرحلة الحداثة إلى (مابعد الحداثة).

ومن ثم، فقد كانت (مابعد الحداثة) مفهوما مناقضا ومدلولا مضادا للحداثة. ولذلك، "احتفلت مابعد الحداثة بأنموذج التشظي والتشتيت واللاتقريرية كمقابل لشموليات الحداثة وثوابتها، وزعزعت الثقة بالأنموذج الكوني، وبالخطية التقدمية، وبعلاقة النتيجة بأسبابها، حاربت العقل والعقلانية، ودعت إلى خلق أساطير جديدة تتناسب مع مفاهيمها التي ترفض النماذج المتعالية، وتضع محلها الضرورات الروحية، وضرورة قبول التغيير المستمر، وتبجيل اللحظة الحاضرة المعاشة. كما رفضت الفصل بين الحياة والفن، حتى أدب "مابعد الحداثة" ونظرياتها تأبى التأويل، وتحارب المعاني الثابتة."[6]

هذا، وقد ظهرت (مابعد الحداثة) - أولا- في مجال التشكيل والرسم والعمارة والهندسة المدنية، قبل أن تنتقل إلى الفلسفة والأدب والفن والتكنولوجيا وباقي العلوم والمعارف الإنسانية. ولايمكن الحديث عن (مابعد حداثة) واحدة، بل هناك (مابعد حداثة) عامة و(مابعد حداثات) فرعية. وقد غزت نظرية(مابعد الحداثة) جميع الفروع المعرفية، كالأدب، والنقد، والفن، والفلسفة، والأخلاق، والتربية، وعلم الاجتماع، والأنتروبولوجيا، وعلم الثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والعمارة، والتشكيل...

المبحث الثالث: مرتكزات (مابعد الحداثة)

 تستند مابعد الحداثة، في ساحة الثقافة الغربية، إلى مجموعة من المكونات والمرتكزات الفكرية والذهنية والفنية والجمالية والأدبية والنقدية، ويمكن حصرها في العناصر والمبادىء التالية:

¿التقويض: تهدف نظرية (مابعد الحداثة) إلى تقويض الفكر الغربي، وتحطيم أقانيمه المركزية عن طريق التشتيت والتأجيل والتفكيك. بمعنى أن (مابعد الحداثة) قد تسلحت بمعاول الهدم والتشريح لتعرية الخطابات الرسمية، وفضح الإيديولوجيات السائدة المتآكلة باستعمال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض.

¿ التشكيك: أهم ما تتميز به (مابعد الحداثة) هو التشكيك في المعارف اليقينية، وانتقاد المؤسسات الثقافية المالكة للخطاب والقوة والمعرفة والسلطة. ومن ثم، أصبح التشكيك آلية للطعن في الفلسفة الغربية المبنية على العقل والحضور والدال الصوتي. ومن هنا، فتفكيكية جاك ديريدا هي، في الحقيقة، تشكيك في الميتافيزيقا الغربية من أفلاطون إلى فترة الفلسفة الحديثة.

¿ الفلسفة العدمية: من يتأمل جوهر فلسفات مابعد الحداثة، فسيجدها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام. بمعنى أن فلسفات (مابعد الحداثة) هي فلسفات لاتقدم بدائل عملية واقعية وبراجماتية، بل هي فلسفات عبثية لامعقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع.

- التفكــك واللاانسجام: إذا كانت فلسفة الحداثة أو تيارات البنيوية والسيميائية تبحث عن النظام والانسجام، وتهدف إلى توحيد النصوص والخطابات، وتجميعها في بنيات كونية، وتجريدها في قواعد صورية عامة، من أجل خلق الانسجام والتشاكل، وتحقيق الكلية والعضوية الكونية، فإن فلسفات (مابعد الحداثة) هي ضد النظام والانسجام، بل هي تعارض فكرة الكلية. وفي المقابل، تدعو إلى التعددية والاختلاف واللانظام، وتفكيك ماهو منظم ومتعارف عليه .

- هيمنة الصورة: رافقت (مابعد الحداثة) تطور وسائل الإعلام، فأصبحت الصورة البصرية علامة سيميائية تشهد على تطور مابعد الحداثة، ولم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الإنسانية، بل أصبحت الصورة هي المحرك الأساس للتحصيل المعرفي، وتعرف الحقيقة. ولاغرو أن نجد جيل دولوز (Gilles Deleuze) يهتم بالصورة السينمائية، إذ يقسمها إلى الصورة - الإدراك، والصورة – الانفعال، و الصورة – الفعل، ويعتبر العالم خداعا، كخداع السينما للزمان والمكان عن طريق خداع الحواس، ويبدو ذلك واضحا في كتابيه(الصورة- الحركة) (1983م) و( الصورة- الزمان) (1985م).

- الغرابة والغموض: تتميز (مابعد الحداثة) بالغرابة، والشذوذ، وغموض الآراء والأفكار والمواقف، فمازالت تفكيكية جاك ديريدا - مثلا- مبهمة وغامضة، من الصعب فهمها واستيعابها، حتى إن مصطلح التفكيك نفسه أثار كثيرا من النقاش والتأويلات المختلفة في حقول ثقافية متنوعة، وخاصة في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية. كما أن فلسفة جيل دولوز معقدة وغامضة، من الصعب بمكان تمثلها بكل سهولة.

- التناص: يعني التناص استلهام نصوص الآخرين بطريقة واعية أو غير واعية. بمعنى أن أي نص يتفاعل ويتداخل نصيا مع النصوص الأخرى امتصاصا وتقليدا وحوارا. و يدل التناص، في معانيه القريبة والبعيدة، على التعددية، والتنوع، والمعرفة الخلفية، وترسبات الذاكرة. وقد ارتبط التناص نظريا مع النقد الحواري لدى ميخائيل باختين(M.Bakhtine).

- تفكيك المقولات المركزية الكبرى: استهدفت (مابعد الحداثة) تقويض المقولات المركزية الغربية الكبرى، كالدال والمدول، واللسان والكلام، والحضور والغياب،إلى جانب انتقاد مفاهيم أخرى، كالجوهر، والحقيقة، والعقل، والوجود، والهوية... عن طريق التشريح، والتفكيك، والتقويض، والتشتيت، والتأجيل...

¿ الانفتاح: إذاكانت البنيوية الحداثية قد آمنت بفلسفة البنية والانغلاق الداخلي، وعدم الانفتاح على المعنى، والسياق الخارجي والمرجعي، فإن (مابعد الحداثة) قد اتخذت لنفسها الانفتاح وسيلة للتفاعل والتفاهم والتعايش والتسامح. ويعد التناص آلية لهذا الانفتاح، كما أن الاهتمام بالسياق الخارجي هو دليل آخر على هذا الانفتاح الإيجابي التعددي.

¿ قوة التحرر: تعمل فلسفات (مابعد الحداثة) على تحرير الإنسان من قهر المؤسسات المالكة للخطاب والمعرفة والسلطة، وتحريره أيضا من أوهام الإيديولوجيا والميثولوجيا البيضاء، وتحريره كذلك من فلسفة المركز، وتنويره بفلسفات الهامش والعرضي واليومي والشعبي.

- إعادة الاعتبار للسياق والنص الموازي: إذا كانت البنيوية والسيميائيات قد أقصت من حسابها السياق الخارجي والمرجعي، وقتلت الإنسان والتاريخ والمجتمع، فإن فلسفات (مابعد الحداثة)، قد أعادت الاعتبار للمؤلف والقارىء والإحالة والمرجع التاريخي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، كما هو حال نظرية التأويلية، وجمالية التلقي، والمادية الثقافية، والنقد الثقافي، ونظرية مابعد الاستعمار، والتاريخانية الجديدة...

- تحطيم الحدود بين الأجناس الأدبية: إذا كانت الشعرية البنيوية تحترم الأجناس الأدبية، حيث تضع كل جنس على حدة تصنيفا وتنويعا وتنميطا، فتحدد لها قواعدها وأدبيتها التجنيسية، فإن (مابعد الحداثة) لاتعترف بالحدود الأجناسية، فقد حطمت كل قواعد التجنيس الأدبي، وسخرت من نظرية الأدب. ومن ثم، أصبحنا - اليوم- نتحدث عن أعمال أو نصوص أو آثار غير محددة وغير معينة جنسيا.

¿ الدلالات العائمة: تتميز نصوص وخطابات (مابعد الحداثة) عن سابقتها الحداثية بخاصية الغموض والإبهام والالتباس. بمعنى أن دلالات تلك النصوص أو الخطابات غير محددة بدقة، وليس هناك مدلول واحد، بل هناك دلالات مختلفة ومتناقضة ومتضادة ومشتتة تأجيلا وتقويضا وتفكيكا، كما يتضح ذلك جليا في المنظور التفكيكي عند جاك ديريدا. وبتعبير آخر، يغيب المعنى، ويتشتت عبثا في كتابات (مابعد الحداثة).

- مافوق الحقيقة: تنكر فلسفات مابعد الحداثة وجود حقيقة يقينية ثابتة، فجان بودريار - مثلا - ينكر الحقيقة، ويعتبرها وهما وخداعا، كما ذهب إلى ذلك نيتشه (Neitsze) الذي ربط غياب الحقيقة بأخطاء اللغة وأوهامها. بينما يربط بودريار الحقيقة بالإعلام الذي يمارس لغة الخداع والتضليل والتوهيم والتفخيم.

- التخلص من المعايير والقواعد: مايعرف عن نظريات (مابعد الحداثة)، في مجال الأدب والنقد، تخلصها من النظريات والقواعد المنهجية، إذ يسخر ميشيل فوكو من دارس ينطلق من منهجيات محددة يكررها دائما، ويحفظها عن ظهر قلب. لذا، فهو يرى النص أو الخطاب عالما متعدد الدلالات، يحتمل قراءات مختلفة ومتنوعة، كما يرفض ديريدا أن تكون له منهجية نقدية أدبية في شكل وصفة سحرية ناجحة لتحليل النص الأدبي؛حيث لا يوجد المعنى أصلا مادام مقوضا ومفككا ومشتتا، فما هناك سوى المختلف من المعاني المتناقضة مع نفسها كما يقول جاك ديريدا.

 المبحث الرابع: رواد نظرية ( مابعد الحداثة)

 من المعلوم أن لـ( مابعد الحداثة) روادا ومنظرين وفلاسفة ونقادا، ومن بين هؤلاء نستحضر الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (Jean Baudrillard) (1929-2007م) الذي اشتهر بنقده للتكنولوجيا الحديثة والإعلام. ومن ثم، فقد أدلى جان بوديريار بمجموعة من المفاهيم، كالحقيقة العائمة، ومافوق الحقيقة، والاهتمام بالخيال العلمي، والعناية بالعوالم الافتراضية غير المتحققة. ومن هنا، فقد انتقد العلاقة بين الدال والمدلول عند فرديناند دوسوسير، حيث أنكر - كجاك ديريدا - وجود معنى واضح، بل قال بالدلالات العائمة أو المعنى المغيب. ومن هنا، " فقد رفض التمييز بين المظاهر والحقائق الكامنة وراء هذه المظاهر. وبالنسبة له، انهارت أخيرا الفوارق بين الدال والمدلول.ولم تعد العلامات تشير إلى مدلولات بأي معنى معقول، حيث يتكون العالم الحقيقي من الدلالات العائمة . وقد شرح بوديار هذه الأفكار في عمله (التظاهرات والمحاكاة ) (1981م)."[7]

هذا، وقد أنكر جان بودريار، مثل: الفيلسوف الألماني نيتشه، وجود الحقيقة مادامت ترتبط ارتباطا وثيقا باللغة والخطإ والظن والمبالغة المجازية والبلاغة التخييلية ووسائل الإعلام. ومن ثم، فقد قال بودريار بمفهوم (مافوق الحقيقة): " يتولد مفهوم مافوق الحقيقة، حيث يكون شيء ما حقيقيا فقط عندما يتحرك ضمن نطاق وسائل الإعلام. وتولد تكنولوجيات الاتصال في "مابعد الحداثة" الصور العائمة بشكل حر، حيث لايمكن لأحد أن يعيش أي تجربة إذا لم تكن بصيغة مشتقة. وقد أخذت تجربة العالم للعبث مكان أي ثقافة مميزة، وأصبح للعبث لهجة واحدة فقط: تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أصبحت كتابات بودريار (على سبيل المثال: (إستراتيجيات فادحة) و( وهم النهاية)) عدمية بشكل متزايد: فقد أصبحت العلامات بلا معنى بسبب تكرارها واختلافها اللذين لاينتهيان... وقد قادت آراؤه المتطرفة إلى العبارة الشهيرة- التي اجتذبت انتقادات قاسية- أن حرب الخليج عام 1991م لم تكن حقيقية، بل كانت حدثا إعلاميا:" إنها غير حقيقية، إنها حرب دون أعراض الحرب". وهذا ماقاد العديد للشك في أن بودريار نفسه قد ابتعد إلى مافوق الحقيقة، ولم يعد يسكن جسدا دنيويا. "[8]

وعليه، فقد دفعه مفهوم مافوق الحقيقة إلى الاهتمام بالعوالم التخييلية والافتراضية. وفي هذا الصدد، يقول دافيد كارتر:"لايرى بورديار في حججه أي تفاصيل محددة عن السياقات الثقافية أو الاجتماعية . وليس في كتابة قصص الخيال العلمي والروايات الخيالية. وقد برهن بعضهم أيضا أن العديد من أفكاره قد استبقت في مثل هذه الأعمال. كتب بودريار نفسه مقالا يمدح كاتب الخيال العلمي ج. جي بالارد. وكما سبق الإشارة إليه وجدت رؤيته للعالم أصداء في السينما، وخصوصا في هذا النوع من الأفلام الذي يصبح فيه الواقع الافتراضي غير مميز عن العالم الحقيقي، وأيضا في مفهوم "السايبورغ"،وهو هجين من البشر والتكنولوجيا."[9]

ونستدعي أيضا من رواد (مابعد الحداثة) المفكر الفرنسي جان فرانسوا ليوتار (Jean-François Lyotard) (1924-1998م)، الذي أنكر الحقيقة مثل: نيتشه، وخاصة في كتابه( حالة مابعد الحداثة) (1979م). ففي هذا الكتاب،" يجادل ليوتار أن المعرفة لايمكنها أن تدعي أنها تقدم الحقيقة في أي معنى مطلق؛ لأنها تعتمد على ألاعيب اللغة التي هي دائما ذات صلة بسياقات محددة. وهنا، نجد أن ليوتار مدين بالفضل الكثير لنيتشه وفيتغنشتاين، حيث يدعي أن أهداف التنوير في تحرير الإنسان، وانتشار المنطق لم ينتج سوى نوع من العجرفة العلمية. وقد رفض يورغن هابرماس قبول هذا التقييم لمصير أهداف التنوير، حيث يعتقد أنها لاتزال قابلة للحياة."[10]

هذا، وقد ثار ليوتار على التمركز العقلي على غرار رواد الفلسفة التفكيكية (جاك ديريدا مثلا)، منتقدا هيمنته، واستغلاله، وانغلاقه، وسطوته على الفن والحياة، حيث "يقدم ليوتار ملاحظة في كتابه(الخطاب والشخصية) (1971م) بأن البنيوية قد تجاهلتها . فقد ميز ليوتار بين ما" يرى" ويفهم وهو البعد الثالث. أي: الشكل، وبين مايقرأ في النص ذي البعدين. ويناقش ليوتار مستشهدا بفوكو أن ما يعد تفكيرا عقلانيا من قبل المفكرين الحداثيين هو، في الواقع، شكل من أشكال السيطرة والهيمنة. وبالنسبة لليوتار المستوى "الشكلي "، الذي يبدو أنه يضم ما يشبه الرغبة الجنسية عند فرويد أو قوة الرغبة، يكتسب معنى موحدا من خلال عمليات التفكير العقلاني، وينتقد ويزعزع ويقلق الفن، من جهة أخرى.أي : معنى من معاني الانتهاء والانغلاق."[11]

وأهم مايطرحه جان فرانسوا ليوتار، في إطار (مابعد الحداثة) النقدية الأدبية، هو التخلص من القواعد النظرية والمعايير التطبيقية في لحظة الممارسة النقدية. بمعنى أن يتحرر النقد الأدبي من الالتزام بالقواعد المنهجية والمعايير المسبقة. وفي هذا النطاق، يقول دافيد كارتر:" وأحد تلميحات ليوتار عن (مابعد الحداثة)، وهو أمر هام بالنسبة للإجراءات التي اعتمدها النقد الأدبي، هو أن التحليل يجب أن يمضي قدما دون أي معايير محددة مسبقا، حيث يتم الكشف عن المبادىء والقواعد المنظمة في عملية التحليل."[12]

ويعد جاك ديريدا (Jacques Derrida) كذلك من أهم فلاسفة (مابعد الحداثة)، إذ اهتم بتفكيك الثقافة الغربية تشتيتا وتأجيلا، وتقويض مقولاتها المركزية بالنقد والتشريح بغية تعرية المؤسسات الغربية المهيمنة، وفضح الميثولوجيا البيضاء المبنية على الهيمنة والاستغلال والاستعمار والتغريب والإقصاء. ومن ثم، فقد ثار دريدا على مجموعة من المقولات البنيوية، كالمدلول والصوت والنظام والبنية، وغيرها من المفاهيم، ودعا إلى تعويض الصوت بالكتابة، كما ارتأى أن مدلول العلامة ليس مدلولا واحدا، بل هو عبارة عن مدلولات مختلفة، وأن المعنى لايبنى على الإحالة المرجعية، بل على الاختلاف بين المدلولات المتناقضة.و لايحب ديريدا القواعد والتعاريف والمعايير والمنهجيات الثابتة. لذا، فالتفكيكية منهجية، وليست منهجية، لها خطوات، وليس لها خطوات، هي ما بين بين، بين الداخل والخارج. ما يهمها هو تفكيك الفكر والنص والخطاب، عبر آلية التشتيت والتقويض والهدم لبناء المعاني المختلفة والمتناقضة، والتشكيك في المسلمات اليقينية، ودحضها عن طريق النقد والتشريح والاختلاف.

هذا، وقد انتقد جاك ديريدا الميتافيزيقا الغربية التي تمثل الحضور واللغة والدال الصوتي. ومن ثم، قوض مجموعة من المفاهيم السائدة، مثل: الهوية، والجوهر، واللوغوس، والعلامة، والمدلول،والظاهرة، والنظام، والكلية، والعضوية، والجوهر، والذكاء، والحساسية، والواقعية، والحقيقة، واليقين، والثقافة، والطبيعة، والتمظهر، والخطإ، والكلام،...

هذا، ويعد ميشيل فوكو(Foucault) كذلك من رواد (مابعد الحداثة)، وقد اهتم كثيرا بمفهوم الخطاب والسلطة والقوة، إذ كان يرى أن الخطابات ترتبط بقوة المؤسسات والمعارف العلمية. بمعنى أن المعارف في عصر ما تشكل خطابا يتضمن قواعد معينة يتعارف عليها المجتمع، فتشكل قوته وسلطته الحقيقية. وبتعبير آخر، إن لكل مجتمع قوته وسلطته، ويتم التعبير عن تلك السلطة بالخطاب والمعرفة، وهذا مايوضحه فوكو في كتابه( نظام الخطاب) (1970م). ويرى فوكو أن ثمة علاقة وثيقة بين المعرفة والقوة، وأن الخطاب حول الإنسان قديم، وقد أصبح الخطاب في القرن التاسع عشر خطابا حول الإنسان بامتياز. ويتأثر فوكو بنتشه حين يبين مدى ترابط المعرفة بالقوة وسلطة المجتمع، وأن الحقيقة قوة وسلطة. ومن ثم، فقد قرأ المعرفة الإنسانية في ضوء تحليلات حفرية وجينيالوجية في علاقتها بالسلطة. كما ثار ميشيل فوكو على الفلسفة الغربية وتقسيماتها الكلاسيكية. بمعنى أنه قوض الأوهام الفلسفية، وارتأى أن من يمتلك العلم والمعرفة يمتلك السلطة. ويدرس فوكو، في كتابه( المراقبة والعقاب) (1975م)، نظام السلطة باعتبارها مؤسسة مهيكلة ومنظمة، وجهازا للضبط والتأديب والعقاب. وهي كذلك تعبير عن المجتمع الليبرالي، وقد تأثر فوكو في ذلك بأعمال بنتهام (Bentham). وقد بين فوكو في هذا الكتاب أننا قد انطلقنا تاريخيا من مرحلة مراقبة الأجساد إلى مرحلة مراقبة العقول والسلوكات. ويعني هذا أن الدولة مبنية على قوة السلطة والتأديب والانضباط، ومراقبة الأفراد أجسادا وعقولا وسلوكات. ومن هنا، فإن السجن - مثلا- نموذج لقوة السلطة الليبرالية وقوة الدولة وهيبتها. ويعني هذا أن فوكو يدعو إلى تحرير الإنسان من السلطة، وتخليصه من قوة الدولة المؤسساتية.

وعليه، يرتبط فوكو بفلسفة السلطة ارتباطا وثيقا، ويدافع عن حرية الذات، ويبين بأن كل عصر ينتج خطابه المنظم والمهيمن. ومن ثم، يعلن نظام الخطاب حقيقة العالم، ويجسد معاييره اليقينية الثابتة.

هذا، ولقد اهتم فوكو كثيرا بتحليل الخطاب، ورفض التقيد بالمناهج الجاهزة، واستعمال آليات مكررة، واعتبرها بمثابة علبة للمفاتيح. فالنص منفتح ومتعدد، لايمكن قراءته قراءة أحادية فقط. ويعني هذا أن فوكو يؤمن بتعدد القراءات، واختلافها من ناقد إلى آخر. وقد اهتم أيضا بمواضيع جديدة كالجنوسة والنظريات الجنسية. وقد كان أكثر الكتاب والفلاسفة الفرنسيين تأثيرا في الثقافة الأنجلوسكسونية.

ومن جهة أخرى، اهتم جيل دولوز(Gilles Deleuze) بالتعددية، والانفتاح على الآخر إدراكا وتفاعلا، إذ اعتبر الفلسفة خطابا قائما على التعددية. ومن ثم، فقد انتقد الهوية وفلسفة الواحد والتطابق. كما انتقد دولوز مجموعة من الفلاسفة، كدافيد هيوم، وبرجسون، وليبنز، وسبينوزا. وخصص الأنطولوجيا بدراسات فلسفية عميقة. وقد سخر فلسفته منطلقا لفهم الأدب والفن والسياسة. وبعد ذلك، تحدث عن الحقل الاجتماعي، وصاغ أنطولوجية ملموسة للفعل والحدث. وقد آمن جيل دولوز بالتعددية والاختلاف، بعد أن تأثر في ذلك بأطروحات برغسون (Bergson) الحدسية حول الديمومة والزمان والمحايثة والتعددية. وقد اهتم دولوز بفلسفة التأسيس في كتابه(الاختلاف والتكرار)، وتحدث عن التعددية في إطار الاختلاف، والتعددية- كما هو معلوم - نقيض فلسفة الهوية. ومن ثم، يربط فلسفة التأسيس بالديمقراطية كفضاء لتحقيق الاختلاف، ويعتبر الديموقراطية النظام المناسب للتطور الحالي للمجتمع. وبالتالي، ففكر التأسيس والاختلاف هو فكر يناقض فكر الهوية والوحدة والإقصاء والتغريب.

المبحث الخامس: أهم نظريــــات (مابعد الحداثة)

ثمة مجموعة من النظريات الأدبية والنقدية والثقافية التي رافقت مرحلة (مابعد الحداثة)، مابين سنوات السبعين والتسعين من القرن العشرين. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى التأويلية، ونظرية التلقي أوالتقبل، والنظرية التفكيكية، والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، ونظرية النقد الثقافي، والنظريات الثقافية، والنظرية الجنسية، ونظرية الجنوسة، والنظرية التاريخانية الجديدة، والنظرية العرقية، والنظرية النسوية، والنظرية الجمالية الجديدة، ونظرية مابعد الاستعمار، ونظرية الخطاب (ميشيل فوكو)، والمقاربة التناصية، والمقاربة التداولية، والمقاربة الإثنوسينولوجية، والمقاربة المتعددة الاختصاصات، والفينومينولوجيا، والنقد البيئي، والنقد الجيني، والنقد الحواري، والمادية الثقافية، وسيميوطيقا التأويل، وسيميوطيقا الأهواء...

هذا، وقد ظهرت النظرية الإسلامية في الحقل الثقافي العربي في الفترة نفسها التي ظهرت فيها نظريات (مابعد الحداثة)، في مجالات النقد والأدب والفن، لكن حداثتها تكمن في دعوتها إلى النظام والانسجام والاعتدال والوضوح، والانطلاق من الثقافة الربانية، واستلهام التصور الإسلامي في الأدب والنقد وجودا ومعرفة وقيمة. وبالتالي، فهي نظرية أخلاقية متوازنة تهدف إلى البناء، والتأسيس، والتنوير، وتحرير الإنسان من الأوهام الإيديولوجية،وإنقاذه من الضلالة والوثنية والعبثية. كما أنها نظرية لاتؤمن بفلسفات التقويض والتشتيت والاختلاف. وتسعى جاهدة للتعمير، والتغيير، وتخليق الإنسان على أسس أخلاقية صحيحة مستمدة من المصدر الرباني اليقيني.

المبحث السادس: تقييم تجربة (مابعد الحداثة)

من المعلوم أن لنظرية (مابعد الحداثة) إيجابيات وسلبيات كباقي الظواهر والنظريات الثقافية، وباقي المناهج النقدية الأدبية. ومن ثم، لايمكن الحديث عن الكمال والتمام في العلوم الإنسانية إطلاقا؛ لأن الأفكار والمناهج والتصورات تتناسخ وتتناسل وتتوالد تناصا وتقويضا وتفكيكا وتأجيلا وتشتيتا. ومن إيجابيات (مابعد الحداثة) أنها حركة تحررية تهدف إلى تحرير الإنسان من عالم الأوهام والأساطير، وتخليصه من هيمنة الميثولوجيا البيضاء. كما تعمل فلسفات (مابعد الحداثة) على تقويض المقولات المركزية للفكر الغربي، وإعادة النظر في يقينياتها الثابتة عن طريق التقويض والتشكيك والتشتيت والتشريح والهدم، والهدف من ذلك هو بناء قيم جديدة. ومن جهة أخرى، حاربت ثقافة النخبة والمركز، فاهتمت بالهامش والثقافة الشعبية، ثم انتقدت الخطابات الاستشراقية ذات الطابع الاستعماري بالنقد والتفكيك والتحليل. كما آمنت نظرية مابعد الحداثة بالتعددية والاختلاف وتعدد الهويات، وأعادت الاعتبار للسياق والإحالة والمؤلف والمتلقي، كما هو حال الهيرمينوطيقا وجمالية التلقي. واهتمت كذلك بالتناص والاختلاف اللوني والجنوسي والعرقي، وعملت على إلغاء التحيزات الهرمية والطبقية، واحتفت بالضحك، والسخرية، والقبح، والمفارقة والغرابة. واعتنت كذلك بالعرضية، والهامش، والمدنس، وانزاحت عن الأعراف والقوانين والقيم الموروثة. واستسلمت للغة التشظي والتفكك واللانظام، ونددت بالمفاهيم القمعية القسرية وسلطة القوة...

بيد أن من أهم سلبيات ما بعد الحداثة اعتمادها على فكرة التقويض والهدم والفوضى، إذ لاتقدم للإنسان البديل الواقعي والثقافي والعملي، فمن الصعب تطبيق تصورات (مابعد الحداثة) واقعيا لغرابتها وشذوذها. و" بذلك، استهلكت (مابعد الحداثة) قدرتها الإستراتيجية الفعالة في إبراز التحيزات المجحفة، دون أن يكون لها موقف أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي. ويعجب المرء من المفارقة بين قوتها العدائية ضد التحيزات والنهاية المحايدة التي تنجم عن مثل هذه الحرب الضروس. ولعل مثل هذه النهاية هي التي دعت الكثير إلى توجيه أصابع الاتهام. فهناك من يقول: إن هذه السمة ذاتها هي التي تجعل "مابعد الحداثة" متواطئة مع الأشكال الشمولية القمعية التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة والظلم الاجتماعي الاقتصادي. لاغرو والحالة هذه أن تدخل "مابعد الحداثة" مجال العلوم الإنسانية حديثا جدا، وحتى هذا الدخول لم يتسم بالفعالية نفسها التي عرفتها في الفن والأدب والموسيقا والاستعراضات المسرحية وغيرها من مشارب الحياة اليومية التي لايترتب عليها اتخاذ قرارات حاسمة تمس حياة الإنسان مباشرة. ولعل المفارقة القارة التي تجعلها عاجزة هي معاداتها للثنائية الضدية، إذ إن التضاد أساس المعرفة وأساس التحيز، وبدون التضاد لايمكن معرفة ما إذا كان توجه ما أفضل من غيره. ولذلك، فإن دفاع "مابعد الحداثة" عن الهامش جعلها تتقمص خصائصه، إذ انقلب على أهميتها، فأصبحت هامشية لا تغير من الواقع شيئا. وككل هامشي، أصبحت "مابعد الحداثة" تتمنى أن يتحقق الوئام فجأة، فتسود العدالة، وتختفي الطبقية الهرمية، ويختلط المركز بالهامش، وتلغى الفوارق من غير تحيز أو غاية. هذه هي الطوباوية التي تحلم بها كل المثاليات: حداثية كانت أو مابعد حداثية."[13]

ويلاحظ أن نظرية (مابعد الحداثة) تقوض نفسها بنفسها ؛ نظرا لطابعها الفوضوي والعدمي والعبثي. وفي هذا السياق، يقول دافيد كارتر:" وقد اجتذبت (مابعد الحداثة) نقدا إيجابيا وسلبيا على حد سواء. فيمكن أن ينظر إليها على أنها قوة محررة إيجابية تزعزع استقرار الأفكار المسبقة عن اللغة وعلاقتها بالعالم، وتقوض جميع لغات الذات التي تشير للتاريخ والمجتمع. ولكن تعد حقبة "مابعد الحداثة" أيضا أنها تقوض افتراضاتها الخاصة، وتحجب جميع التفسيرات المترابطة. وبالنسبة للكثيرين تعد غير مؤثرة وغير ملتزمة من الناحية السياسية. وأحد الأنواع الأدبية الشائعة التي تمكن من الاعتراف الآني، وتفكك الأنماط الأدبية التقليدية. يحطم كتاب الحداثة الحدود بين الخطابات المختلفة، وبين القصص الخيالية وغير الخيالية، وبين التاريخ والسيرة الذاتية (ومثال ساطع على ذلك هو كتابات و.ج.سيبالد)."[14]

وهكذا، يتضح لنا أن فلسفة ( مابعد الحداثة ) لها قيم إيجابية وقيم سلبية، بيد أن مايهم الإنسان في واقعه العملي هو التأسيس والـتأصيل، وليس التفكيك والتقويض، مع السعي الجاد إلى البناء الهادف، بدل الانغماس في عوالم افتراضية عبثية وعدمية وفوضوية.

تركيب:

 وخلاصة القول، نستنتج، مما سبق ذكره، أن فلسفات (مابعد الحداثة) عبارة عن معاول للهدم والتقويض والتفكيك، و تعمل جاهدة على تحرير الإنسان من المقولات المركزية التي تحكمت في الثقافة الغربية لأمد طويل فلسفيا وأنطولوجيا ولسانيا، مع تخليصه من الميثولوجيا الغربية القائمة على الهيمنة، والاستغلال، والاستلاب، والتعليب، والتغريب، عن طريق التسلح بمجموعة من الآليات الفكرية والمنهجية، كالتشكيك في المؤسسات الثقافية الغربية، وفضح أوهامها الإيديولوجية، وتعرية خطاباتها القمعية المبنية على السلطة والقوة والعنف، وإدانة خطابها الاستشراقي الاستعماري (الكولونيالي)، ومحاربة التمييز العرقي واللوني والجنسي والثقافي والطبقي والحضاري.

بيد أن لــ( مابعد الحداثة) كذلك عيوبها الخطيرة. ومن أهم هذه العيوب أنها نظرية عبثية وفوضوية وعدمية وتقويضية، تساهم في تثبيت أنظمة الاستبداد والقمع والتنكيل، وتجعل من الإنسان كائنا عبثيا فوضويا لاقيمة له في هذا الكون المغيب، يعيش حياة الغرابة والشذوذ والسخرية والمفارقة، ويتفكك أنطولوجيا في هذا العالم الضائع بدوره تشظيا وضآلة وانهيارا وتشتيتا.

 

د. جميل حمداوي

....................

هوامش

 [1] - سعد البازعي وميجان الرويلي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، سنة 2000م، ص:138.

[2] - ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة: د. باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:130.

[3] - ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ص:131.

[4] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:131.

[5] - سعد البازعي وميجان الرويلي: دليل الناقد الأدبي، ص:143.

[6] - سعد البازعي وميجان الرويلي: نفسه، ص:142.

 [7]- ديفيد كارتر: نفسه، ص:132.

[8] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:133.

[9] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:133.

[10] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:134.

[11] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:134.

[12] - ديفيد كارتر: نفسه، ص:134.

[13] سعد البازعي وميجان الرويلي: نفسه، ص:138.

[14] - ديفيد كارتر: نفسه، ص144.

 

 

jamil hamdaouiالمقدمة: تتحقق هذه الملاحظة الحية، أو هذه التقنية الإجرائية، بوضوح، عند علماء الأنتروبولوجيا، وعلماء النفس، وعلماء الاجتماع، وكذلك عند الرحالة؛ حيث يشارك هؤلاء الناس المفحوصين أو المبحوثين عن قرب، في مختلف أنشطتهم ومهاراتهم وأعمالهم، فيرصدون حياتهم النفسية والاجتماعية والثقافية والتربوية والحضارية، بتسجيل مجموعة من الملاحظات وتدوينها، بعد معايشة صادقة، وتتبع مستمر، واندماج داخل عالمهم، كأنهم أفراد من عينة هذا المجتمع الأصلي المدروس. وتقترب هذه الملاحظة من الملاحظة الاستكشافية، أو الملاحظة الميدانية، أو الملاحظة الاستطلاعية. ويعني هذا أن الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة  تقوم على حضور الباحث في مجتمع المفحوصين، ومشاركته لهم في اهتماماتهم، واستعداداتهم، ورغباتهم، وميولهم، كأنه واحد منهم، إلا أنه يتميز عنهم بممارسة الملاحظة والتدوين والتسجيل.

ومن هنا، تعتبر الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة المباشرة من أهم أدوات المنهج الكيفي الذي يعنى بدراسة الظاهرة الاجتماعية أو الإثنوغرافية أو الأنتروبولوجية من الداخل، بتجاوز البيانات الكمية ومقاييس الإحصاء العددي. ومن ثم، لابد من التوقف عند مفهوم المعايشة أولا، وذكر آلياتها ثانيا، وتبيان إيجابياتها ثالثا، واستجلاء سلبياتها رابعا.

المبحث الأول: مفهوم المعايشة

تعد المعايشة، أو الملاحظة عن طريق المشاركة (L'observation participante) ، من أهم التقنيات التي يلتجئ إليها الباحث الاجتماعي في مجال الأنتروبولوجيا أو الإثنولوجيا، وقد وضع أسسها النظرية والمنهجية كل من البولوني مالينوفسكي (BronisławKasper Malinowski) والإنجليزي جون لايارد (John Willoughby Layard)، في بدايات القرن العشرين الميلادي، بعد أن قضيا سنوات عدة في معايشة المجتمعات البدائية.

تستلزم المعايشة المباشرة أن يمكث الباحث، في مكان أو مجتمع معين، مدة محددة، اختلف حولها الدارسون السوسيولوجيون اختلافا كبيرا، قد تكون قصيرة أو متوسطة أو طويلة بغية دراسة أفعال الأفراد والجماعات فهما وتأويلا، ولاسيما في المجتمعات التقليدية، أو مجتمعات الأقليات، أو المجتمعات المتميزة بعادات وأعراف وتقاليد خاصة، كدراسة المجتمعات البدائية، أو دراسة القبائل المتوحشة، أو دراسة المجتمعات الأمازيغية.

أضف إلى ذلك يصف الباحث مجتمعه المختار بطريقة مباشرة، بمعايشة أفراد المجتمع لمدة محددة، وتعلم لغتهم، واكتساب عاداتهم وتقاليدهم، واحترام أعرافهم ومواضعاتهم الاجتماعية والعقدية والسلوكية. وفي هذا، يقول أنتوني غيدنز:" يشير البحث الإثنوغرافي عادة إلى دراسة الأفراد والجماعات  ميدانيا عن طريق المعايشة المباشرة على مدى فترة زمنية محددة باستخدام الملاحظة التشاركية أو المقابلة الشخصية بقصد التعرف على أنماط السلوك الاجتماعي.ويهدف البحث الإثنوغرافي إلى اكتشاف المعاني الكامنة وراء الفعل الاجتماعي عن طريق انخراط الباحث المباشر بالتفاعلات التي يتكون منها الواقع الاجتماعي للجماعة المدروسة.وقد تمتد الفترة التي يعايش فيها العالم الاجتماعي جماعة أو مؤسسة أو مجتمعا محليا ما إلى عدة أشهر، وربما إلى سنوات لملاحظة الأنشطة اليومية والأحداث، وإيجاد تفسيرات لما يتخذ من قرارات أو ما يصدر عن الجماعات من أفعال وتصرفات.وربما تنطوي البحوث الإثنوغرافية على بعض المخاطر، سواء ما ينجم منها عن البيئة الطبيعية مثل المناطق الجبلية أو الصحراوية أو النائية، أو عن سياقات اجتماعية معينة مثل معايشة الفئات المنحرفة أو المشتبه بانخراطها في نشاطات جرمية."

ومن هنا، يتمثل هدف المعايشة المباشرة في فهم الباحث للشخص الآخر، أو التعرف إلى الغير الأجنبي، بملاحظته واقعيا في الميدان، وملاحقته في مجتمعه، ومشاركته في الظروف الاجتماعية نفسها التي يعيش فيها. كما أنها بحث ميداني قائم على الملاحظة المشاركة، كما يتبين ذلك واضحا في مذكرات المسافرين وحكاياتهم وقصصهم وروايتهم، وفي مختلف تقارير الموظفين والباحثين والمهندسين، ومرويات الرحالة والجغرافيين المغتربين، ومشاهدات السائحين والإثنوغرافيين. ومن ثم، فالمعايشة عبارة عن وصف إثنوغرافي لأحوال المجتمع وعاداته وتقاليده وأعرافه ونظمه ومؤسساته وثقافته وفنونه وصنائعه ومعارفه وقيمه ومعتقداته وحضارته، باستخدام آليات الملاحظة الميدانية، والمشاركة المباشرة، والرحلة، والوصف، والتأريخ، والمقارنة، والوصف، والفهم الداخلي الذاتي، وتدوين المعلومات والبيانات والمعطيات، وكتابة التقارير...

المبحث الثاني: الآليــــات المنهجيـــة

تستند المعايشة المباشرة إلى آليات منهجية متنوعة، كالملاحظة الميدانية، والمسح الكلي المباشر، والمشاركة في حياة المجتمع، وجمع المعلومات وتدوينها بطريقة مستعجلة أو مؤجلة، واستعمال آليات الملاحظة، والوصف، والتأريخ، والمقارنة، والتطور، والفهم، والاستنتاج، والتعميم، والتوصيف، والمقابلة، وتوزيع الاستمارات...

ولايمكن أن يتحقق الهدف العلمي من المعايشة إلا إذا نظر إلى الظواهر المرصودة نظرة علمية خارجية محايدة، دون إدخال الذات والعواطف والإيديولوجيا في البحث، ثم التجرد من التمركز الذاتي للثقافة الغربية في التعامل مع الإثنيات والشعوب المختلفة، ولاسيما البدائية منها.

وعليه، فالباحث الإثنوغرافي هو الذي يستخدم المعايشة، أو الملاحظة الميدانية المشاركة، دون اللجوء إلى وسائط علمية ومعرفية وبحثية جاهزة كالمصادر والمراجع والباحثين الآخرين، بل لابد من النزول إلى الميدان للتنقيب وجمع المادة بغية دراستها وتحليلها توثيقها،مع التمكن نسبيا من لغة المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه، وتمثل النزاهة والحياد العلمي، والابتعاد عن النظرة العرقية أو الشوفينية أو العنصرية أو الاستعلائية، وتجنب التصورات الدينية المسبقة في دراسة المجتمعات المختلفة، والتخلص من حمولات الثقافة الخاصة، والهدف من هذا كله هو فهم عقلية الآخر فهما دقيقا.

وعليه، تنبني تقنية المعايشة على مجموعة من الخطوات المنهجية الأساسية التي يمكن حصرها فيما يلي:

- ملاحظة الواقع أو الميدان بطريقة مباشرة حية؛

 - وضع حدود منهجية وعلمية للموضوع الذي يحلله الباحث ويدرسه؛

- الحضور الفعلي للباحث داخل الميدان في الزمان والمكان قصد وصف المعنى الذي تحمله أفعال جماعة معينة؛

- الالتزام بالحياد والموضوعية العلمية في البحث والتقصي والفحص وتجميع المعلومات والبيانات والمعطيات حول الظاهرة المرصودة، دون إصدار أحكام مسبقة، أو الانطلاق من عقيدة معينة، أو الحكم على الظاهرة من خلال إيديولوجية راسخة في ذهن الباحث ؛

- تدوين المعطيات والمعلومات والبيانات بشكل فوري، أو بشكل متدرج ومستمر، أو بعد الانتهاء من الاستكشاف والتحقيق والبحث، والاعتماد على تلك المعلومات المسجلة، بتصنيفها إلى معلومات رئيسة، ومعلومات ثانوية، ومعلومات غير مهمة؛

- تفريغ البيانات والمعلومات والمعطيات ودراستها فهما وتفسيرا وتأويلا وتفكيكا وتركيبا حسب المنهج الذي يختاره الباحث المعايش للظاهرة المرصودة.

وعادة، ما يشير البحث الإثنوغرافي " إلى دراسة الأفراد والجماعات  ميدانيا  عن طريق المعايشة المباشرة على مدى فترة زمنية محددة، باستخدام الملاحظة التشاركية أو المقابلة الشخصية بقصد التعرف على أنماط السلوك الاجتماعي . ويهدف البحث الإثنزوغرافي إلى اكتشاف المعاني الكامنة وراء الفعل الاجتماعي،  عن طريق انخراط الباحث المباشر بالتفاعلات التي يتكون منها الواقع الاجتماعي  للجماعة المدروسة.وقد تمتد الفترة التي يعايش فيها العالم الاجتماعي جماعة أو  مؤسسة أو مجتمعا محليا ما إلى عدة أشهر، وربما إلى سنوات لملاحظة الأنشطة  اليومية والأحداث، وإيجاد تفسيرات لما يتخذ من قرارات أو ما يصدر عن الجماعات من أفعال وتصرفات.وربما  تنطوي البحوث الإثنوغرافية على بعض المخاطر، سواء ما ينجم منها عن البيئة الطبيعية مثل المناطق الجبلية أو الصحراوية أو النائية، أو عن سياقات اجتماعية معينة مثل معايشة الفئات المنحرفة أو المشتبه بانخراطها في نشاطات جرمية.

وتقدم الإثنوغرافيات الناجحة ثروة من المعلومات والبيانات حول الحياة الاجتماعية، وتتفوق في هذا المجال على أساليب البحث الأخرى.فهي تدرس الجماعة البشرية من الداخل، ومن ثم تستطيع تقديم نظرة ثاقبة على أنشطتها  ومقاصد الأفعال والقرارات التي تتخذها. كما يمكن هذا النوع من الدراسات أن يراقب ويدون ويحلل السيرورة/ العملية الاجتماعية التي تتمفصل وتتقاطع مع الوضع الاجتماعي المدروس.ويشار إلى البحوث الإثنوغرافية عادة بوصفها واحدة  من أنواع الدراسات النوعية (الكيفية)، لأنها تعنى في المقام الأول بالفهم الذاتي للظاهرة أكثر مما تهتم بالبيانات الإحصائية الرقمية.كما أن البحث الإثنوغرافي يعطي الباحث قدرا واسعا من الحرية والمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف والأوضاع الطارئة. وأخذ زمام المبادرة لتوجيه الدراسة لمتابعة البحث وفق التطورات المستجدة. غير أن للعمل الإثنوغرافي الميداني حدودا تقيده، ومخاطر منهجية قد تؤثر في ما يتوصل إليه من تحليلات ونتائج.فإن مجاله يقتصر على دراسة مجموعات صغيرة وقليلة من الجماعات. كما أن العمل نفسه يعتمد، إلى حد بعيد، على مهارة الباحث المهنية، وقدرته على كسب ثقة أفراد الجماعة.وقد يقع الباحث، من ناحية أخرى، تحت تأثير التصاقه وتعايشه ومشاركته الوجدانية للجماعة إلى حد يضيع معه منظوره المنهجي العلمي في دراسة الظاهرة باعتباره مراقبا موضوعيا محايدا."

وتعد الإثنوميتودولوجيا، أو الإثنومنهجية (L'ethnométhodologie)، مقاربة سوسيولوجية في "دراسة الطرائق والمناهج التي ينهجها الأفراد في الواقع الفعلي لخلق أنماط سلوكية عقلانية تمكنهم من التفاعل والتعايش في معترك الحياة. هذه الطرائق مستمدة من المعرفة والفهم الشائع في المجتمع، وليس من التراث والمناهج العلمية المنظمة التي يحددها العلماء الاجتماعيون"  . ويعني هذا " أن الدراسات الإثنوميتودولوجية تحلل أنشطة الحياة اليومية تحليلا يكشف عن المعنى الكامن خلف هذه الأنشطة، وتحاول أن تسجل هذه الأنشطة، وتجعلها مرئية ومنطقية وصالحة لكل الأغراض العلمية، وتهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن الطرائق التي يسلكها أعضاء المجتمع، خلال حياتهم اليومية، لتكوين نوع من الألفة بالأحداث والوقائع".

ومن ثم، تعد هذه النظرية السوسيولوجية من أكثر النظريات اعتمادا على المناهج الكيفية من جهة، واستعمال تقنية المعايشة بالمشاركة من جهة أخرى. وقد رفض زعيمها هارولد غارفينكل Harold Garfinkel)) وأتباعه استخدام المنهج الكمي،  وكذلك استعمال الاستبيانات أو الاختبارات العلمية، أو توظيف أسلوب المقابلة المفتوحة، واستبدل ذلك كله بالملاحظة، والمنهج التوثيقي، والمنهج شبه التجريبي.

ومن ثم، فهذه النظرية عبارة عن منهجية أو ممارسة تطبيقية ظهرت في مجال الإثنوغرافيا، وتشير إلى مختلف التطبيقات التي أجريت على الجماعات الخاصة انطلاقا من أسئلة خاصة. وهناك، تخصص آخر يسمى بالإثنوطبي(l'ethnomédecine) الذي يعنى برصد مختلف الممارسات العلاجية التي استعملت في مجال الطب. ومن ثم، ليست الإثنومنهجية منهجية خاصة، بل ميدان يهتم بالمنهجيات الإثنولوجية. ويعني هذا أن الإثنومنهجية تدرس الأنشطة الجماعية ليس من الخارج، بل من الداخل. ولهذه المنهجية علاقة وطيدة بالفينومونولوجيا، مادامت تركز على التجارب المعاشة في العالم. ويعني هذا أنها تهتم بالظواهر الإنسانية المختلفة، بمعايشتها وملاحظتها والتعاطف معها من الداخل. وبالتالي، تندرج هذه المنهجية السوسيولوجية ضمن العلوم الإنسانية، ولاعلاقة لها بالتصورات الوضعية عند أوجست كونت أو دوركايم. وتستند إلى مجموعة من التصورات والمرجعيات المختلفة لهوسرل(Husserl)، وفيتجنشتاين(Wittgenstein)، وإرفين كوفمان (Erving Goffman)، وشوتز (Schütz)، وبار هيلل(Schütz)، ونوام شومسكي(Noam Chomsky)...

وعلى العموم، قد استعملت تقنية الملاحظة المباشرة المشاركة، أو تقنية المعايشة، في مجال الأنتروبولوجيا، والإثنولوجيا، والسوسيولوجيا اليومية، والإثنوغرافيا، وفي الخطاب الرحلي، والدراسات السفارية... ووظفت كذلك في فهم مجتمع المصانع والمعامل، وفهم طبيعة الحياة المجتمعية في القرى والمدن والأحياء الشعبية، وفهم النسق التربوي داخل فضاءات المدارس والجامعات. علاوة على تطبيقاتها الميدانية على فضاءات أخرى، مثل: المستشفيات، والمعسكرات، والأسواق، والنوادي، والمقاهي، والسجون، والمنافي، والواحات، والمداشر، والشوارع، والحانات، والمواخير...

المبحث الثالث: إيجابيات المعايشة

من المعلوم أن للمعايشة المباشرة إيجابيات عديدة، فهي تمدنا بمعلومات وافرة عن حياة الأفراد والمجموعات بطريقة ميدانية مباشرة؛ حيث يشارك الباحث العينة المدروسة عن كثب، ويتفهم لغتها وأوضاعها الاجتماعية. وبالتالي، يكون الباحث عارفا بقيمها ومعارفها وعاداتها وتقاليدها ونظمها وسلوكياتها؛ حيث يدون كل ما يلاحظه ويشاهده من تصرفات وأفعال، محاولا فهم دلالاتها ومقاصدها ونسقها الرمزي.

ومن ثم، فالمعايشة طريقة من طرائق البحث الكيفي المتميزة منهجيالاهتمامها بما هو داخلي وذاتي، بالابتعاد عن معطيات الإحصاء والتجريب الكمي. وفي هذا، يقول أنتوني غيدنز:"تقدم الإثنوغرافيات الناجحة ثروة من المعلومات والبيانات حول الحياة الاجتماعية، وتتفوق في هذا المجال على أساليب البحث الأخرى. فهي تدرس الجماعة البشرية من الداخل، ومن ثم تستطيع تقديم نظرة ثاقبة على أنشطتها ومقاصد الأفعال والقرارات التي تتخذها.كما يمكن هذا النوع من الدراسات أن يراقب ويدون ويحلل السيرورة/العملية الاجتماعية التي تتمفصل وتتقاطع مع الوضع الاجتماعي المدروس.ويشار إلى البحوث الإثنوغرافية عادة بوصفها واحدة من أنواع الدراسات الكيفية، لأنها تعنى في المقام الأول بالفهم الذاتي للظاهرة أكثر مما تهتم بالبيانات الإحصائية الرقمية.كما أن البحث الإثنوغرافي يعطي الباحث قدرا واسعا من الحرية والمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف والأوضاع الطارئة، وأخذ زمام المبادرة لتوجيه الدراسة لمتابعة البحث وفق التطورات المستجدة."

ويعني هذا كله أن تقنية المعايشة إجراء علمي مهم، يتخذ طابعا كيفيا وصفيا، يروم جمع المعلومات والمعطيات حول ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو قانونية في المجتمعات البدائية، أو المجتمعات الإثنية، قصد فهم أوضاعها الاجتماعية والسياسية والقانونية والثقافية والحضارية، ومقارنتها بالمجتمعات المعاصرة أو المتحضرة أو المركزية.

المبحث الرابع: سلبيات المعايشة

على الرغم من أهمية المعايشة الصادقة في مجال البحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي والإثنوغرافي، إلا أن هذه الطريقة قد تسقط الباحث في الذاتية، وتبعده عن الموضوعية العلمية، عندما يندمج في المجتمع بشكل كلي وعميق، ويتقمص قيمه ومعتقداته وسلوكياته. ويعني هذا أن" للعمل الإثنوغرافي الميداني حدودا تقيده، ومخاطر منهجية قد تؤثر في ما يتوصل إليه من تحليلات ونتائج. فإن مجاله يقتصر على دراسة مجموعات صغيرة وقليلة من الجماعات.كما أن العمل نفسه يعتمد، إلى حد بعيد، على مهارة الباحث المهنية وقدرته على كسب ثقة أفراد الجماعة.وقد يقع الباحث، من ناحية أخرى، تحت تأثير التصاقه وتعايشه ومشاركته الوجدانية للجماعة إلى حد يضيع معه منظوره المنهجي العلمي في دراسة الظاهرة باعتباره مراقبا موضوعيا محايدا."

ومن سلبيات المعايشة كذلك السقوط في الذاتية، والخضوع للميول والأهواء والرغبات والاتجاهات الشخصية الضيقة، والانسياق وراء الأطماع والتصورات الإيديولوجية المغرضة، وتغليب المنافع والمصالح الذاتية، والابتعاد عن الموضوعية العلمية الحقة، وخدمة الأغراض الاستعمارية في إطار التوجه الكولونيالي أو الاستشراقي، كما يبدو ذلك جليا في البحوث الإثنوغرافية والإثنولوجية والأنتروبولوجية.

الخاتمة:

وخلاصة القول، على الرغم من سلبيات المعايشة المباشرة، فإنها تقنية علمية فينومونولوجية كيفية مهمة في مقاربة الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية، ولاسيما الإثنوغرافية منها؛ إذ تساعدنا هذه الملاحظة الميدانية على استجماع المعلومات والبيانات والمعطيات المهمة حول ظاهرة ما بغية فهمها وتفسيرها وتأويلها. وغالبا، ما توظف هذه التقنية الميدانية العملية بكثرة في المجالات العلمية التالية:الإثنولوجيا، والأنتروبولوجيا، والتاريخ، والجغرافيا، والرحلة، وعلم الاجتماع، واللسانيات.

..................

الهوامش:

1 -Coenen-Huther, J, Observation participante et théorie sociologique, Paris : Le Harmattan, 1995.

2 - أنتوني غيدنز: علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2005م، ص:681.

3  - أنتوني غيدنز: نفسه، ص:681.

4  - زينب شاهين: الإثنوميتودولوجيا: رؤية جديدة لدراسة المجتمع، مركز التنمية البشرية والمعلومات، القاهرة، مصر، طبعة 1987م، ص:76.

5  - إبراهيم لطفي طلعت و وكمال عبد الحميد الزيات: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، دار غريب، القاهرة، مصر، طبعة 1999م، ص:145-147.

6 - أنتوني غيدنز: علم الاجتماع، ص:681.

7 - أنتوني غيدنز: نفسه، ص:681.

ali mohamadalyousifالوعي ذات ادراكية انفعالية ناقدة في فهم الواقع وتحليل ظواهره ومعطياته وعلاقة الانسان بالطبيعة كمعطى اولي متداخل بالوجود الانساني (الذكي)على الارض.

ان خاصية الانسان البدئية في صناعته التاريخ وسيرورة تقدمه الحضاري بدءا من عصر الصيد والالتقاط تم بالمفارقة عن حياة الحيوان بحيازة الانسان الذكاء وفي القدرة على اعمال العقل والتفكير. وهذه الخاصية الانسانية استثناءا من دون الكائنات الحية الاخرى، هي بدئية وازلية في وعي الانسان لوجوده ورغبته مجاوزة هذا الوجود دوما وباستمرار في توسل العقل وتشغيل خاصية الذكاء الى جانب الخيال الاستشرافي، في مراجعة مستمرة نقدية للوجود الانساني المتعالق مع الطبيعة، وهذا ما لا يتوفر عليه الحيوان الذي يفتقد خاصيتي الذكاء والخيال، ولا يدرك ويعي وجوده . وهذا الاختلاف والمفارقة بين حياة الانسان والحيوان مثلت اكبر انعطافة انثروبولوجية في تاريخ صنع الانسان لوجوده الآدمي وبناء حضارته البدئية . وعن هذه الحقيقة يشير براتراند رسل : وجد الانسان ان ثلاثة اشجار مع ثلاثة اسود مع ثلاثة جبال توحدها خاصية واحدة يحتازوها ويتمايز بها الانسان عن غيره من الكائنات في امتلاكه خاصية العقل والذكاء .

الذكاء الانساني ادخله في مشقات وصعاب على امتداد العصور البشرية عندما وجد الانسان نفسه في صراع واحتدام مع الطبيعة بعلاقة رأسية متقاطعة معها دفاعا عن نفسه ونوعه من الانقراض، ومحاولته تسخير وتطويع معطيات الطبيعة وقوانينها العامة لصالحه ومقتضيات وجوده . بينما بقي الحيوان يجاري الطبيعة ويتكيف معها غريزيا بعيدا عن التقاطع معها وعن ادراك وعي الوجود . في هذه المفارقة بقي الانسان في حالة تطور دائمية من مرحلة الى اخرى، وبقي الحيوان كائنا متكيفا مهادنا للطبيعة في حلقة دائرية مفرغة من الحياة التطورية (يعيش ليأكل).

ان تلازم الوعي النقدي والخيال المنتج عند الانسان في ادراك وجوده واستشراف مستقبله الافضل يشبه الى حد بعيد تماما تلازم الروح والجسد في الكائن الحي، فاذا اعتبرنا الوعي هو عملية العناية بالجسد كوجود انساني فيزيائي نفسي متطور دائما في علاقاته المتعددة بالطبيعة والميتافيزيقيا والكوني، فان الخيال يصبح اهتمامه ومجال اشتغاله بجنبة الوجود الروحي وآفاقه عند الانسان وعلاقته بالمطلق وما وراء الطبيعة في التصورات الغيبية وتوظيف استشرافاته الروحية والمادية لخدمة حاجات الجسد والتوازن النفسي وفتح آفاق مستقبلية امام تقدمه باستمرار، مكملا – اي الخيال – وظيفة الوعي الادراكي العقلي في عنايته بالانسان كوجود مادي عياني ماثل متعين يمثل جزءا من الطبيعة منفصل و متمايز عنها . وجود تدركه الحواس ويسيطر عليه العقل تماما، يتجلى ذلك ان العقل ذو فاعلية نقدية تزوده بها الحواس والوعي الادراكي في تحليل الوجود وحل مشكلاته وقضاياه .

الخيال المنتج السوي يلازم الوعي الادراكي ويتكامل ويتعاضد معه احيانا ويفترق معه احيانا اخرى، باسلوب وطرائق مفارقة عديدة، فما يعجز الوعي تحقيقه يدركه الخيال بشكل يوتوبي تعويضي حلمي استشرافي بما يحفز الادراك في تحقيق الاحلام الخيالية او جزءا منها على ارض الواقع .الخيال في كل الاحوال عند الانسان كخاصية يحتازها انه تفكير حلمي خيالي منتج وطموح يسبق ويتجاوز عن عمد وقصد وغائية كل ما لا يستطيع الوعي تحقيقه والاضطلاع بانجازه، في استشراف الخيال عوالم مستجدة يسحبها باستمرار من سديم الاحلام والرؤى الى امكانية تحققها ماديا في واقع الانسان وصيرورة حياته كوجود ونوع . وفي تلازم وتداخل الوعي العقلي الناقد، والخيال الحلمي المنتج يكون سعي الانسان بكليهما في اشباع حاجاته المادية وحاجاته الروحية، واحيانا حاجاته الابداعية والفنية بدءا من النقوش والرسومات الكهفية وصولا الى ابداع الاداب والفنون الحديثة . لذا يكون هذا التعالق المنتج بين الوعي والخيال يمثل خاصية وجودية انسانية اكثر من ضرورية في فهم الوجود وسيرورته التاريخية وصنع حضارة الانسان على الارض

الخيال الحلمي المنتج في كل العصور البشرية والازمنة يسبق الوعي الادراكي المحكوم بوصاية ورقابة العقل على الانسان كوجود وماهية . لكنه اي الخيال بعصور سحيقة لعب دورا (فوضويا) في الفتح الاستشرافي المستقبلي في استقدامه واستحضاره واستحداثه ما ينقص الوجود الانساني من معطيات مادية وروحية تغني ذلك الوجود، ليستحدث بعدها اخرى بديلا عنها متجاوزا لها على الدوام وهكذا . ليأتي بعد ذلك دور الوعي العقلي النقدي الناظم والمنظم لمنظومة المعطيات الخيالية التي ابتدعها الخيال الجامح، في التهذيب والتشذيب وتحقيق الممكن منها وتخليصها من سديم الفوضى الطوباوية الخيالية غير المنضبطة عقلانيا .

يمكننا تقسيم الخيال المرافق لوعي الوجود الانساني الادراكي وعقلانيته بثلاث انواع من الخيال مثلت مراحل متدرجة ومتداخلة مع بعضها ايضا :

- الخيال الاسطوري والخرافي الذي قدم للمسار البشري المتصاعد خدمة جليلة عظيمة في انتاجه الخرافة والسحر والطوطم وطقوس الرقص الدينية، والاسطورة والميثالوجيا، وفي مراحل لاحقة انتج لنا الاديان ما قبل السماوية، وانتج لنا ايضا الكهنة والعبيد .

- في مرحلة لاحقة انبثقت من رحم الخيال الاسطوري وفي تداخل معه وتجاوز له ايضا، انتج لنا الخيال الالهة والملاحم والاساطير، وفي تطور لاحق انتج لنا الاديان السماوية والايديولوجيات والابداع في الاداب والفنون والفلسفة والغناء والموسيقى والرقص والتاريخ والعلوم الانسانية . ونطلق على هذا النوع من الخيال المنتج(الخيال الابداعي).

- بعد مرحلتي الخيال الاسطوري والخيال الابداعي ومن رحمهما انبثق عندنا الخيال العلمي تجاوبا مع مقتضيات التطور المديني والتقدم الحضاري للانسان . الخيال العلمي في مراحل متقدمة انتج لنا علوم الطب والفيزياء والفلك والكيمياء والتكنلوجيا المتطورة والفهم الوجودي المعاصر للحياة .

هذا المخيال العلمي المنتج وضع حاضر ومستقبل البشرية مرهونا في حيز الاحتمالات التنفيذية المتحقق والمؤجل منها في استمرار عمل المخيال المخصب المنتج في التنبؤ الاستشرافي لبعض ما يهم مستقبل الوجود الانساني الارضي وعلاقته بالطبيعة والكوني ومستجدات العلوم ومتطورات التكنلوجيا بصورة مطردة متعالية في نشدان الافضل دائما مرحلة تليها اخرى .

من الملاحظ جيدا ان هذه الانواع من الخيالات المنتجة الانسانية المتداخلة رغم القطوعات التي تفصل بينها ك(بنيات) متكونة من منظومات فكرية عديدة مستقلة احداها عن الاخرى، بنفس وقت تداخلها مع بعضها على امتداد التحقيب الزمني لكل واحدة .فهي لا زالت مجتمعة تلعب دورا اساسيا في تفسير وفهم الوجود الانساني ماديا وروحيا، وفتح مجالات التنبؤ الاستشرافي المخصب والابداع المنتج بما يغني ثراء الوجود الانساني اسطوريا وابداعيا وعلميا .

مما مربنا نستنتج ان فهم الخيال المنتج غير التهويمي اللاشعوري – وسنأتي على تفصيل هذا لاحقا – انه دائم النظر الاستشرافي في سحب غير الممكن الوجود وغير المتحقق من ثنايا الغيب والمستقبل المجهول الى امكانية التوظيف في الواقع المادي للانسان عندما يعجز الوعي والارادة تحقيق تلك المتطلبات . الخيال حركة دائبة في تحفيزادراك الوجود على مجاوزة الواقع المادي المتعين . فما يتحقق في فترة زمنية تخبو صلاحيتها وجاذبيتها المبتكرة بمرور الوقت، لتصبح حاجة استحداث اخرى افضل منها بديلة عنها اكثرضرورة.

النقطة التي لا ارغب دون الاشارة لتوكيدها والتي سبق ان ذكرتها ان الخيال الابداعي المنتج لعب في مراحل بدائية من عمر البشرية دورا على جانب كبير من الاهمية وان كنا نعامل هذه المراحل التي انتجت لنا الطقوس الدينية والميثلوجيا والسحر والشعوذة والخرافة والاساطير، وفي مرحلة لاحقة متقدمة انتجت لنا الاديان، وفي مرحلة متقدمة جدا انتجت لنا منجزات الخيال العلمي والتطور التكنلوجي والعلوم في كافة المجالات، والفهم الكوني للوجود. نعاملها اليوم بمقاييس عصرنا الخاطئة احيانا.

 ان هذه المعطيات التي ادرجناها في اهمية الخيال المنتج اصبح من المتاح امامنا اليوم تعويض ما لم يدركه الخيال في مراحل سحيقة، متاحا امامنا في ما ينتجه لنا الخيال الابداعي من معارف واداب وفلسفة وفنون، وكذلك الخيال العلمي في تقدم الحياة الانسانية .

كما ان عودة الفلسفة المعاصرة وحفريات المعرفة ومدارس البنيوية والتفكيك الى مخلفات الخيال الابداعي الاسطوري ودراسة تلك المراحل التاريخية القديمة اصبحت اليوم معتمدة في التنقيبات في فتح افاق معرفية وفلسفية وعلمية جديدة على جنبة كبيرة من الاهمية لم تكن علوم المعرفة على دراية بها سابقا.

الخيال واللغة:

قبل دخول هذا الباب اود التنبيه الى مسألة معقدة تهم مفهوم الخيال وعلاقته باللغة . فنحن نتوفر على اكثر من نوع من التعبير، وشكل ومحتوى يرتبط بشكل وآخر بالخيال الانساني :

- عندنا اولا لغة التواصل الاجتماعي كلهجات وكلام تواصلي وتفاهم شفاهي، وكذلك لغة المخاطبة في الفصحى قراءة وكتابة في المتعارف عليه . هنا لغة الخيال اللغوي صادرة شعوريا عن وصاية ورقابة العقل على تنظيمها واعطاء تراتبية الشكل المنظم للغة، وتماسك وتناغم المعنى المراد توصيله تجريديا.

- لغة اللاشعور الا بداعي كما في النتاجات الادبية والفنية ابرزها مدارس الفن التجريدي التشكيلي كما في السريالية والدادائية والبرناسية والتكعيبية .

- لغة اللاشعور المرتبط بتعاطي المخدرات في محاولة تخصيب الخيال الابداعي لانتاج الفعاليات الادبية والفنية المستمدة من عوالم غير مسبوقة .

- لغة اللاشعور المرتبط بهلاوس المرضى العصابيين والانفصاميين ومرضى التوحد وهذاءات وغطرفة المجانين . وهنا تكون اللغة معطلة التواصل مع الآخر، في غياب وتغييب التفكير الشعوري المتجانس عقليا في توجيه وتنظيم هذا النوع من التعبير اللغوي .

- لغة الشعور في الوجدانات الصامتة المعبر عنها بحركات الجسد في الرقص والغناء والبالية واليوغا ومسرحيات الشخص الواحد الصامتة وبعض الالعاب الايحائية .

- لغة اللاشعور عند الصوفية وسنأتي على تفصيلها لاحقا .

اذا جاز لنا اعتبار حركات الجسد في الرقص والغناء واليوغا لغة تواصل وجداني عاطفي مع الآخر في لغة صامتة لامنطوقة ولا مقروءة ولا مكتوبة، فان عالم اللغات لوفيدج فتنشجتين يعتبرهذا النوع من لغة الصمت المعبر عنها بمرموزات حركية صادرة عن الجسد، تكون اقدر على التواصل، وما نعجز التعبير عنه بالكلمات يكون التعبير عنه بالصمت . وتعبيرات لغة الصمت المرتبطة بتشكيلات ايحائية او جمالية مصاحبة لفعالية الرقص او المسرح الانفرادي لشخص واحد او عدة اشخاص، ورقص البالية، وحركات اليوغا، وعن ارتباط اللغة بحياة الانسان وملازمة وجوده كأرث ملازم ومكمل له يرى فنتشجتين انه (لامعنى لاي لفظة لغوية الا في مجرى الحياة). ويتابع بأن كل ما يقال يجب ان يقال بوضوح والا علينا ان نلوذ (بالصمت كمستودع نودع فيه ما نجهله).

هنا علينا توضيح التباس متوقع ونحن نعرض (الصمت) لغة توصيل في الفعاليات الراقصة والمسرحية، ان لغة الصمت التي عناها عالم اللغات، هي في عجز اللغة (المنطوقة والمسموعة) ان تكون لغة افكار تعبيرية توصيلية، وهذا الصمت يختلف عن (توظيف) الصمت في ايصال الفعاليات الوجدانية العاطفية التي تكون الحركات التمثيلية والاشارات الايحائية (لغة) معبرة معدة وموضوعة سلفا في اهمية وقدرة حركة الجسد توصيل الفهم والمعنى المطلوب في تعطيل لغة التخاطب التقليدية المسموعة (صوتيا).

الصمت هنا في لغة الجسد الايحائية والحركات لا يمثل عجز اللغة المعتادة عن التوصيل، بل تعطيل وظيفة اللغة من اجل بلوغ هدف التوصيل ايحائيا حركيا. ان الصمت في الفعاليات التمثيلية والمسرحية الصامتة، يكون عدم البوح بالمعنى وتعطيل وظيفة اللغة سماعيا يتم بارادة مسبقة، وليس الصمت مكبوتا نتيجة عجز لغوي تعبيري قاصر عن بلوغ هدف التوصيل.كما هو الحال مع وظيفة اللغة تقليديا.

اذن ما موقع الوعي والخيال من اللغة وكيف يتوسلانها في الافصاح الوجداني والتعبير !؟

هذا يقودنا الى تفريق ان الوعي يتعامل باكثر من لغة، يتعامل بها الخيال فهو يتعامل مع اللغة ادراكيا في اعتبار اللغة الشفاهية هي مرموزات ايحائية وتجريدية تحقق التواصل البشري واجتماعيتهم المطلوبة في تمشية امورهم ومتطلبات حياتهم . ويدخل ضمن هذه اللغة الحوار الشفاهي واللهجات المحلية ولغة تواصل الابداع الادبي والثقافي والمعرفي والفلسفي، وهذه اللغة التي يعول عليها ادبيا وثقافيا واجتماعيا لغة منظمة ومتسقة.

كذلك نجد لغة الادراك المعرفي العلمي في علوم الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والحاسوب، هي مرموزات اشارية تتوسلها العلوم كمعادلات رياضية ذات خصوصية بنيوية مستقلة تماما . وهذا النوع اللغوي من التعبير محكوم بوعي ادراكي عقلاني صارم لايقبل بغير الاستقلالية التامة وخضوع اللغة لرقابة المنطق وصرامته بامتياز .

اجد من المفيد ان جيل ديلوز نقلا عن منصف الوهايبي صنّف الخطاب اللغوي الى ثلاثة انماط تعبيرية: الخطاب الفلسفي معقودا على التوسل بالمفهوم، فيما الخطاب الفني معقود على التوسل بالادراك، والخطاب الديني معقود على التوسل بالانفعال والوجدان. وهذا الاخير يتداخل في تلقي الشعر وبعض الفنون القولية الاخرى.

الخيال ولغة التصوف:

اهم انواع التعبير اللغوي التي يمتزج فيها الادراك العقلي مع اللاشعور المتسامي نحو المثال والحلول في الذات الالهية، هي لغة الخيال التصوفي، فالمتصوف او العرفاني ينطلق بحسب رأيي من منطلق ان اردأ انواع العاطفة والوجدان ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه..والعواطف والوجدانات العميقة الثرة المتسامية تعجز اللغة التعبير عنها.

من هذا المنطلق يعتبر تعطيل فاعلية اللغة التواصلية مع الآخر قاصرة تماما في حال مرور المتصوف بتجربة الكشف الاستبطاني وحالة التسامي الذي يشل الحواس والادراك الواعي للعقل، اللغة التصوفية تأتي على شكل مرموزات وشطحات لغوية فكرية تخييلية منجذبة نحو التعالي فوق الواقع الحسي والتعالي على العقل ايضا. لغة غائبة تماما عن مجريات الحياة والمحيط والوجود الانساني للآخر بجميع اشتمالاته المادية، ما عدا الشحن الوجداني العاطفي اللاشعوري المرتبط بأمعان ورغبة التدرج في معارج الكشف نحو المثال المتسامي ونشدان الوصول الى مراتب متقدمة من الخالق والذات الالهية. لغة التصوف ترتبط بحالة اللاشعور في تغييب الوعي والحس المادي ليلتقي بهذاءات المجانين الى حد ما مع فارق انه في بعض الحالات التصوفية كما هي عند ابن عربي والحلاج والنفري وغيرهم، فهي تحمل مدلولات تواصلية فلسفية مع الآخر يتدخل الوعي الشعوري والادراكي بتسجيلها . في حين تكون مثل هذه الفعالية التواصلية بقدرات اللغة والتعبير معدومة تماما في هلوسة وهذيان المجنون، وهذا ينطبق ايضا على الكثير من التجارب التصوفية غير الناضجة .

كلا التعبيرين اللغويين لغة التصوف وهذاءات المجانيين يتقاسمان صفة(لغة الخيال اللاشعوري غير المنتج) في تغييب الوجود الواقعي العقلاني، واعدام فرص التواصل بالآخر.

لغة التصوف تلغي الفعالية الواقعية العقلانية في جانبين: تلغي فاعلية الوجدان المنتج – ماعدا استثناءات تجارب تصوفية ناضجة غير مبالغ بها ولا مفتعلة – واعدام رقابة العقل على اللغة المنطوقة تصوفيا، يتجلى ذلك في عدم قدرة المتصوف ضبط تداعيات اللغة التعبيرية المنطوقة عنده، بمنطق لغوي منظم يستطيع التواصل مع الآخر بعيدا عن شطحات تداعيات اللاشعور في توصيل التجربة الذاتية من خلال امكانية المتلقي فك مرموزات اللغة الاشارية، بما يخدم تجربة المتصوف والمتلقي معا.

الجانب الثاني من الألغاء في لغة المتصوف يتمثل في تخريب الاخصاب التخييلي، في عجز التعبير التصوفي وفي اللقاء مع هذاءات المجنون وفي عجزهما المشترك ان يكون تعبيرهما اللغوي لغة تواصل يعتد الاخذ بها، فقط باستثناءات تجارب تصوفية متقدمة يمكن ان يكون التواصل التصوفي مع المجتمع متحققا فيها.

اذن ما الفرق بين غطرفة وهذاءات المجنون، وشطحات المتصوف اللغوية التعبيرية !؟

هذاءات المجنون وهلوسة الانفصامي المرضية تصدر عن غياب تام لتداعيات الشعور الحلمي المنتج— كما نجده عند المبدع والفنان—فهي عند المجنون تخييلات لا شعورية مكبوتة تفصح عن نفسها، في تعبيرات مشفرة ناقصة المعنى المفهومي، سائبة غير منظمة ولا منضبطة سطحية وانفعالية، غبر مفهومة ولا متسقة تعبيريا، طلاسم لغوية مغلقة على عوالم خيالية مرضية. الخيال اللاشعوري عند المتصوف يطرح لغة مفككة ايضا لا تعطي فهما ومعنى منظما.ومن هنا تلتقي لغة المتصوف مع هلوسات الجنون، ويفترقان كليهما عن لغة الخيال الابداعية عند الفنان او الاديب.

يقترب هيدجر في تناوله وظيفة اللغة في التجربة الصوفية، انها لغة رمزية صعبة وعسيرة في التعبير عن تجاربهم ومعاناتهم التصوفية، اذ يعجز المتصوف نقل او تمييز الوجود، عن نسيان الوجود الحقيقي، اذ يقع المتصوف في حالة من تغييب الوجود عقليا وحسيا، و يعيش حالة من المثالية العرفانية في تجربته الذاتية الصرف.

كما يعيب براتراند رسل على المتصوفة عقم وعجز اللغة عندهم، بانها عاجزة ان تقول شيئا يعتد ويؤخذ به.كما ان العلم من وجهة نظره ايضا يسخر من اللغة الصوفية سخرية لاذعة.

وفي المنحى ذاته يذهب جورج باتاي ان التجربة الايروسية-الشبقية تتوازى مع التجربة الصوفية في كونهما فيضين لا تستوعبها اللغة.من هنا يمكنني التذكير باهمية العبارة التي اورد تها سابقا حين اشرت ان المتصوف ينطلق من واقعة ان اردأ انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه.على اعتبار ان التجربة التصوفية هي غوص في مسالك الكشف الاستبطاني المتسامي المتعالي، تنعدم معها ان تكون اللغة ذات جدوى تواصلية مع الآخر.هنا بحسب هذا الفهم لانستغرب ربط جورج باتاي بين التجربة الصوفية والتجربة الجنسية والتقائمها في ان اللغة بكلتا التجربتين تتماهى في العجز واستعصائها تحقيق التواصل بالآخر.

اما الشاعر المفكر ادونيس فيعتبر لغة التصوف(الاسلامي) هي لغة استكشاف معرفي في الدين والفلسفة والوجود.وان السرياليين اخترعوا الكتابة الاوتوماتيكية—يقصد بذلك كتابة تداعيات اللاشعور---والغاء العقل واستخدموا لذلك المخدرات. ويضيف ان المتصوف الغى رقابة العقل بالسيطرة الذاتية على الجسد .وسمي انذاك الكتابة (الهيا سماويا) وهي ذاتها الكتابة التي نادى بها السورياليون.

هنا ادونيس استخدم عبارة الغاء العقل عوضا عن تغييب تداعيات اللاشعور الحلمي المنتج في كتابة الشعر وانتاجية الفنون التشكيلية كما في السريالية والتجريد الفني وهذا الخيال الانتاجي المخصب عند الفنان او الاديب يختلف جذرياعن المخيال المعطل غير المنتج عند المتصوف، الذي يتأرجح بين تغييب الرقابة العقلية والحسية، وبين تداعيات اللاشعور عندما تكون اللغة اقرب الى الهلوسة والهذاءات عند المجنون. باختلاف بسيط ان المتصوف يعي عجز اللغة عنده في تحقيق التواصل مع الآخر، وقدرته احيانا على البوح بافصاح تعبيري لغوي يتجاوز هذاءات المجنون المغلقة.بينما هي غير ذلك عند المجنون في هذاءاته بلا معنىى ولا ترابط.

اما المفكر محمد عابد الجابري يرى ان الحقيقة في التصوف الاسلامي هي عندهم ليست الحقيقة الدينية، ولا الحقيقة الفلسفية، ولا الحقيقة العلمية، بل الحقيقة عندهم هي الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الاسطورة. وأن العرفان (التصوف) يلغي العقل، ومن حق العقل الدفاع عن نفسه ليس بالطريقة السحرية بل بالتحليل العقلي.

اود توضيح نقطة مررنا بها سريعا، ما هو الفرق بين لغة الابداع الادبي - الفني ولغة التصوف!؟

ان فرويد تعامل مع الخيال بوصفه مصدر الالهام وخزان الابداع، وكشف تاثير اللاشعور في السلوكيات المنحرفة والسوية.

برأينا الفنان كالعصابي المريض او المنفصم شخصيا كلاهما ينسحبان من الواقع المحسوس والمدرك عقلانيا الى دنيا الخيال غير المحدود، بخلاف جوهري مهم جدا ان العصابي المريض لايستطيع العودة من رحلة الخيال الى واقع الحياة والمجتمع ثانية، وأن ما يبتدعه له الخيال من واقع وهمي يتصوره ويتعامال معه انه الواقع الحقيقي والحياة السوية. في حين ان الفنان المبدع او الاديب صاحب الفعالية الابداعية يستطيع العودة ثانية من رحلة الخيال الى واقع الحياة، وبحصيلة ابداعية فنية مميزة على شكل انتاج ادبي او فني او غيرهما.

 

علي محمد اليوسف - الموصل

....................

(لتفصيل اكثر ينظر كتابنا: فلسفة الاغتراب في طبعتيه الاولى عن دار الشؤؤن الثقافية بغداد 2011، والثانية دار الموسوعات العربية بيروت 2013.الفصل الخامس: الاغتراب والصوفية./والفصل السادس: الاغتراب في الوجودية الحديثة).

 

zouhair khouildi"من الممكن جدّا أن تكون الحرب هي السياسة المطبّقة بوسائل أخرى. ولكنّ السياسة نفسها أليست هي الحرب مطبّقة بوسائل أخرى؟"[1]

استهلال:

يهدف هذا المبحث الى الإجابة على السؤال الشائك التالية: هل الحرب هي الصحة الأخلاقية للشعوب ومحرك التقدم التاريخي للأمم أم مصدر للرعب الكوني الذي يجفف منابع الحياة ويعبث بمصير البشر؟

لقد شغلت مشكلة الحرب والسلم الفكر البشريّ منذ مغامراته الأولى ومنذ معايشته للأشكال الأولى من التصادم والتقاتل التي عرفتها البشريّة، مثلما شغلتنا نحن العربَ في هذا الهزيع الأخير من زمن العولمة الاعتداءاتُ المتكرّرة والاستهدافات التي يتعرّض لها الوطن وخاصة عمقه الاستراتيجيّ في لبنان والعراق وفلسطين بشكل متعمّد ومبيّت. وسبب هذا الانشغال أنّ هذه الحالة الاجتماعيّة هي ظاهرة عامّة ملتصقة بالنشاط البشريّ وسمة بارزة دائمة الحضور في الحياة السياسيّة للدول والشعوب، تمثّل في الوقت الراهن تحدّيا حقيقيّا ومعضلة كبرى وتثير فينا مشكلا فلسفيّا له علاقة بالحياة والموت وتهتمّ به الاستراتيجيا والإيتيقا والتحليل النفسي وعلم المستقبليّات وعلم الاقتصاد وعلم الحرب Polémologie.

هكذا عشنا الحرب في وجداننا القوميّ في كلّ لحظة من تاريخنا منذ الغزوات الأولى للرّوح العربيّة والفتوحات الإسلاميّة مرورا بالحروب الصليبيّة ومعارك استعادة بيت المقدس وصولا الى حروب التحرير والاستقلال التي نعيشهاالآن. إنّنا منخرطون كرها ورغما عنّا فيها ومغمورون بأحداثها وسحرها. ولكنّنا نبحث بشكل دائم عن السلم والحوار والتفاوض. ونقدّم من أجل ذلك التنازل تلو الآخر. ونميل الى مهادنة الأعداء وإرضائهم طلبا للأمن والاستقرار. وعبثا نحاول لأنّنا نخسر دائما المعركتين: خسرنا معركة السلام التي أدّت الى حروب متناسلة كارثيّة أحرقت الأخضر واليابس، وخسرنا أيضا جلّ المعارك العسكريّة التي خضناها (1948، 1967، حربي الخليج 1991، 2003). وإن انتصرنا فيها( حروب الاستقلال، حرب العبور 1973، تحرير جنوب لبنان وملحمة 2006) نفوّت بالسياسة والدبلوماسيّة ما نحرزه بالسلاح وبالقوّة. ولا شكّ أنّ هذه التعثّرات ليست مدعاة لجلد الذات والتشاؤم، بل فرصة للبحث عن كيفيّة المصالحة بين العرب ومشكلة الحرب والسلم من أجل تحقيق نصر حاسم وتثبيت سلم أبديّة تعيد إدخال هذا المحيط الجيوسياسيّ العربيّ الإسلاميّ إلى التاريخ الكونيّ من بوّابته الرئيسيّة. وليس من الباب الخلفيّ حتى لا نكون مجرّد مظلومين وضحايا نثير شفقة أصحاب القلوب الطيّبة والنفوس الرحيمة.

هذه المصالحة لن تتحقّق إلاّ إذا استنطقنا ظاهرة الحرب من حيث تعريفها ومفهومها وفرزنا أنماطها ودقّقنا في الآليّات الدافعة إليها والفاعلة فيها وبيّنا رهاناتها ومختلف تجلّياتها واستتباعاتها لأنّ تأثير الحرب في حياة الأفراد والدول بالغ الأهميّة ولأنّ الحرب يمكن أن تكون جزءا من تدبير الإله للكون وشكلا لإرادته وجزائه والقدر الذي يحدّد مصير الإنسان أو يجسّد من خلاله حريّته. فهي حيلة للعقل ومحكمة التاريخ التي تؤدّي إلى الانحلال والتقهقر أو إلى التلاحم والتكوّن والتقدّم.

على هذا النحو، فإنّ الفلسفة لم تسكت عن الحرب ولم تترك أمرها من مشمولات علم السياسة وعلم الحرب لتهتمّ بالسلم ولكونها من الأمور غير المعقولة تسبّب الفوضى والقتل المؤسّس وتؤدّي إلى الجنون. بل احتفلت الفلسفة بهذه الظاهرة منذ بواكيرها الأولى. وبحثت في مشروعيّتها وحاولت تعقّلها وفهمها من أجل الاضطلاع بمشروع الوجود. ووجدت أنّها هي التي تدفعنا إلى التفكير في المعنى. وذلك لما تثيره فينا من آداب الشدّة ولكونها وضعيّة قصوى يعيشها الإنسان وتضعه أمام خيارين لا ثالث لهما وهما الطاعة الفوريّة أو الموت الفوريّ. علاوة على أنّ السلطة العسكريّة هي الشكل الأقصى لكلّ السلطات.

من هنا تطرح مشكلة الحرب في إطار علاقة الفرد بدولته والتي تتراوح بين التضحية والفداء من جهة والعصيان والخيانة من جهة مقابلة. لكن كيف يمكن للدولة أن تجبر مواطنيها على الخدمة العسكريّة لقتال العدو فتجعلهم يتعرّضون للموت أو الخطر في حين تبرّر ذلك بقولها أنّ غايتها هي تحقيق سلامة الأفراد والمحافظة على ممتلكاته وصيانة ثرواتهم؟ هذه الوضعيّة العبثيّة التي تضع نفسها تدرجها في إحراج منطقيّ واضح للعيان: إن كان الهدف من وجود الدولة هو المحافظة على حقوق الأفراد فإنّه من الخُلف أن نطلب من هؤلاء الأفراد التضحية بهذه الحقوق والمشاركة في الحرب لضمان حماية الدولة.

وتطرح كذلك في إطار علاقة الدولة الواحدة مع الدول الأخرى وإمكانيّة إعلان حقّ عالميّ بين الشعوب يضمن وجود حالة من السلم الدّائمة. والحقّ أنّ أمل السلام كان يراود الإنسان منذ أقدم العصور. وكان الشوق إلى تحقيقه شعورا عامّا ومتبادلا بين البشر. ولكنّ جميع المحاولات فشلت وجميع الاجتهادات تبخّرت دون معرفة الأسباب والعوامل وكأنّ الحرب هي الظلّ الذي يلازم الحياة الإنسانيّة والملتصق بالتاريخ لا يبارحه أبدا. تُرى أيكون السلام مستحيلا بحكم طبيعة الإنسان النزاعة إلى الصراع والقتال أم على البشريّة ألاّ تيأس وأن تواصل بذل الجهد من أجل تحقيق السلم بما هو حلم سحريّ عجيب؟ إن استحال علينا إنكار دور الحرب في تطوّر الحضارة البشريّة نظرا لأنّ إنجازات الإنسان لم تأت عن طريق الانسجام والتعاون بل نتيجة النزاع والتدافع، فهل يمكن أن نستخلص من ذلك ضرورة إدانة الحرب لما تخلّفه من دمار وقتل وما تثيره من رعب كونيّ؟ ماهي الدواعي والأسباب التي تؤدّي إلى اندلاع الحروب؟ لماذا تجد بعض الدول نفسها مضطرّة في غالب الأحيان إلى خوض الحروب دون رغبتها؟ من هي الجهة التي ينبغي أن تحاربها هذه الدول؟ هل تحارب الجيش النظاميّ والمؤسّسات الحربيّة أم تحارب كلّ فئات الشعب بما في ذلك المكفولين وذوي الاحتياجات الخاصّة؟ ماهي الطرق والأساليب التي ينبغي أن تتّبعها أثناء هذه الحروب؟ بماذا ينبغي أن تحارب هذه الدول؟ هل ينبغي أن تحارب بجيشها الوطنيّ أم بالاعتماد على الجيوش الأجنبيّة وبعض المرتزقة من المأجورين؟ كيف نعرف الحرب؟ وماهي شروط الإمكان التي ينبغي أن تتوفّر لإقامة سلم دائمة؟ هل ينبغي علينا أن نعرف الحرب لكي نعرف السلم أم أنّ الحرب هي الاستثناء والسلم هي القاعدة؟ لكن ما معنى قول البعض بأنّ السلم هي هدنة مؤقّتة بين حربين أو شكل من أشكال الحرب لا يحصل إلاّ نتيجة توازن في القوى المتواجدة؟ ثم ما علاقة الحرب بالسياسة؟ هل الحرب هي مواصلة للسياسة بطرق أخرى أم أنّ السياسة هي مواصلة للحرب بطرق أخرى؟

تنقسم خطّة البحث في هذا العمل إلى ثلاثة تمفصلات:

- التبرير الفلسفي للحرب والنظر إليها من جهة الغاية والوسيلة والقيمة والمنفعة.

- الإدانة الفلسفيّة للحرب والنظر إليها من جهة الاستتباعات والانعكاسات الخطيرة.

- التدبير الفلسفي لأمور السلم باعتبارها الشرط المانع والمعطّل لاندلاع الحرب.

ما نراهن عليه عند معالجة هذه الإشكاليّات هو تفادي الحرب غير العادلة والسلم التي تؤدّي إلى الاستسلام والتشريع لحقّ الدفاع عن النفس عند كلّ اعتداء مع الجنوح إلى المصالحة والصفح.

I) التبرير الفلسفيّ لظاهرة الحرب:

" الحرب أب كلّ شيء وملِكه" (هراقليطس)

"ينبغي ألاّ ينظر إلى الحرب على أنّها شرّ مطلق، على أنّها مجرّد حادث خارجيّ عارض له هو نفسه، من ثمّة، سبب عارض. وليكن: ألوان الظلم، أو أهواء المهيمنين على السلطة...إلخ، أو باختصار هذا السبب أو ذاك من الأمور التي كان ينبغي لها أن توجد."[2]

جاء في لسان العرب أن: "الحرب: نقيض السلم، أنثى وأصلها الصفة كأنّها مقابلة حرب وتصغيرها حريب بغير هاء رواية عن العرب لأنّها في الأصل مصدر...تحمل على معنى القتل أو الهرج وجمعها حروب. ويقال: وقعت بينهم حرب...وقد أنّثوا الحرب لأنّهم ذهبوا بها إلى المحاربة. وكذلك السلم. والسلم يذهب بها إلى المسالمة فتؤنّث. ودار الحرب: بلاد المشركين الذين لا صلح بينهم وبين المسلمين. وقد حاربه محاربة وحرابا وتحاربوا واحتربوا وحاربوا ... ورجل حرب ومحرب بكسر الميم ومحراب: شديد الحرب، شجاع. وقيل: محرب ومحراب: صاحب حرب. وقوم محربة ورجل محرب أي محارب لعدوّه، معروفا بالحرب عارفا بها. وأنا أحرب لما حاربني أي عدوّ(لمن عاداني).

والحرب بالتّحريك:أن يسلب الرجل ماله. حربه يحربه إذا أخذ ماله.الحرب: أن يؤخذ ماله كلّه. والحريب: الذي سلب حريبته وتباع داره وعقاره. المحروب: حرب دينه أي سلب دينه. والحرب بالتحريك: نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له. والحارب المشلح أي الغاصب الناهب الذي يعرّي الناس ثيابهم. وحرب الرجل: اشتد غضبه، وحربت عليه غيري أي أغضبته.

التحريب: التحريش، فخلفتني بنزاع وحرب أي بخصومة وغضب... والحرب كالكلب وقوم حربي كلبي والفعل كالفعل..."[3]

ما يهمّنا من هذا التعريف هنا هو ارتباط الحرب بالمعرفة والدهاء والمكر والدراية. وهي ترمز إلى الرجولة والإقدام والشجاعة والغضب. كما ترتبط الحرب بالقصاص من العدوّ وعدم الصلح مع الظالم أي رفض مسالمة المعتدي الغاصب. وهذا كلّه يدور في فلك مدح الحرب والتشريع للانخراط فيها. والحقّ أنّ كلّ الحروب التي عرفها التاريخ البشريّ هي أشكال من الصراع المسلّح والاقتتال بين مجموعات منقسمة إلى معسكرين: الحلفاء والأعداء. فالحرب نوع من العلاقة الاجتماعيّة داخل الدولة الواحدة وبين الدول، تتميّز بالتمايز والاختلاف والصراع الذي قد يصل إلى حدّ النزاع والتصادم والتقاتل. بيد أنّ الصراع الحربيّ ليس مجرّد صراع أجيال أو صراع بين الطبقات وشرائح المجتمع. بل هو صراع مسلّح ينتهج الموت والدمار ولا ينتهي إلاّ بتجريد العدوّ من سلاحه والتفوّق عليه عبر الإسراع في مهاجمته كحلّ دفاعيّ.

كلّ أمّة ترغب في الظهور إلى الوجود، وكلّ دولة تسعى إلى السّؤدد والنهوض تسعى إلى تأكيد فرديّتها وروحها الخافقة بالظهور على مسرح التاريخ من خلال خوضها لعدّة حروب وإرادتها التوسّع والزيادة في مجال نفوذها ودائرة سيطرتها عبر قتالها للأمم الأخرى وبسط سيادتها على العالم. من هذا المنظور ترتبط السياسة بالقوّة وتظهر القوّة في الاعتناء بالجيوش وشنّ الحروب. "إنّ الأمير الذي يفكر بالترف أو الرخاء أكثر من تفكيره بالسلاح كثيرا ما يفقد امارته.ولا ريب في أن ازدراء فن الحرب هو السبب الرئيسي في ضياع الدول وفقدها وان التمرس فيه واتقانه هو السبيل الى الحصول على الدول والامارات."[4] تَبيّن، إذن، أنّ الحرب فضيلة وأنّ السلم رذيلة ينبغي على السياسيّ ألاّ يغترّ بها لأنّها تجلب الفساد والهلاك. لذلك ينبغي "على الأمير ألاّ يستهدف شيئا غير الحرب وتنظيمها وطرقها وألاّ يفكّر أو يدرس شيئا سواها إذ أنّ الحرب هي الفنّ الوحيد الذي يحتاج إليه كلّ من يتولّى القيادة."[5]

هكذا كانت الحرب بالنسبة إلى السياسيّ عدل وحقّ وخير لأنّها تجلب له الغنائم والمنافع. وتعود عليه بالفائدة. فالحرب هنا حقيقة من الحقائق البشريّة التي تلعب دورا حاسما في تطوّر الدول ورقيّ الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة للشعوب. وهي عامّة على كلّ شيء. وتسري على كلّ الظواهر. وتطهّر جميع الأدران والشوائب لكون جميع الأشياء تتكوّن وتفسد بالتنازع ولكون تاريخ العالم هو محكمة العالم. فالحقّ هنا هو القوّة. والقوّة هي التي تحرّك العالم بما فيه الحياة الاجتماعيّة للإنسان. وكان النشاط الحربيّ واستعداد الأمّة للقتال نوعا من الصحة الأخلاقيّة للشعوب. في هذا السياق يرى هيجل أنّ كلّ الحروب التي اندلعت في العالم وجدت بشكل كامن. وأنّ العلاقات بين الدول معفاة من الأخلاق أي لا أخلاقيّة. وبالتالي ينبغي أن نكفّ عن النظر إلى الحرب على أنّها شرّ أخلاقيّ لأنّ هناك لونا من ألوان الحرب هو بمثابة القوّة المحرّكة لتطوّر الفكر والمجتمع والتاريخ لأنّ الحرب تكون مفيدة لصحة الشعب الأخلاقيّة. وتنتج العديد من الفضائل الاجتماعيّة والعسكريّة مثل الشجاعة والنبل والتضحية بالنفس من أجل الآخر والإحساس بأهميّة الانتماء إلى المجموع .

يبدو أنّ الحرب تكون مفيدة لصحة الشعب الأخلاقيّة لأنّ "فساد الدول قد يوجد نتيجة معايشتها لفترة سلم وسكون وركود طويلة تماما مثل تعكّر مياه البحر وتلوّثها لانعدام هبوب الرياح. "فالحرب كالريح التي تهبّ فتحفظ ماء البحر من التلوّث والفساد بعد أن مرّت عليه فترة طويلة من السّكون والرّكود". إذا كانت الحرب ضرورة وتمثّل إحدى الظواهر البشريّة التي لازمت الإنسان منذ فجر التاريخ حتى الآن ولم تكن مجرّد شيء عفويّ أو طارئ أو مصادفة فإنّه يمكن أن تفسّر تفسيرا عقليّا. وينظر إليها على أنّها تحقّق فعليّ ونشاط عينيّ للرّوح. وإذا أردنا فهم الحرب وتحليل طبيعتها وشرح وضعها والوقوف على كنهها فإنّه يتعيّن علينا إبراز دورها وتتبّع وظيفتها في تقدّم العلوم وصعود الأمم وتكوّن الدول. فكلّ الإنجازات الكبيرة لم تأت عن طريق الانسجام بين البشر والتعاون بين الشعوب، بل نتيجة النزاعات وعن طريق الحروب التي نشبت بين الجيوش لأنّ "الطبقة العسكريّة هي الطبقة الكليّة المكلّفة بالدفاع عن الدولة. فواجبها أن تجعل المثال بداخلها واقعا، أعني أن تضحّي بنفسها."[6]

عندما يحارب الفرد في سبيل الدولة ويلتحق بالخدمة العسكريّة ويضحّي بنفسه، فإنّه يثبت استعداده لتخطّي القيم الماديّة المتناهية (الملكيّة الخاصّة، الثروة، الأسرة...) ولتجاوز مصالح المجتمع المدني الضيّقة من أجل أن يلتحم بغيره من المواطنين ليشاركهم في تحقيق هدف أسمى هو بقاء الدولة. تبرهن الحرب أنّ ما يؤمن به الفرد وقت السلم من أشياء ماديّة وقيم دنيويّة ورغبات جسديّة هي قيم فانية وأشياء زائلة ومتناهية وأنّ القيم الروحيّة والرغبات المطلقة والأفكار المثاليّة التي تبقى وتتأبّد لا تظهر إلاّ وقت الحرب. تؤكّد الحرب أنّ الأشياء الماديّة زائلة وعابرة وأنّ العالم الشخصيّ ضيّق ومحدود. فتزعزع الملكيّة الفرديّة وتعرض أنانيّة الإنسان ومصالحه الضيّقة للخطر وتثبت أنّ المصير المحتوم لكلّ ما هو جزئيّ هو الفناء والاضمحلال. فترفع الفرد من وضع العالم الخاصّ إلى موقف أعلى.

تجعل الحرب الشعوب تقف موقف اللاّمبلاة من الوجود العرضيّ والمؤسّسات المتناهية حين تعالج تفاهات الحياة الزمانيّة وتكشف عابريّة القيم الماديّة. فهي ذلك المغزى الرفيع واللحظة التي يبلغ فيها الجزئيّ الكليّ. ويتحقّق بالفعل. هكذا تكون للحرب فائدة ومنفعة تشبه فائدة الأزمات ومنفعتها. فهي عندما تمرّ بمجتمع معيّن تبرز تماسك أفراده وتضامن أسره وقوّة علاقاته وصلابة طبقاته واستعدادها للتضحية بمصالحهم الشخصيّة. علاوة على ذلك تبقى الحرب على طبيعة الملكيّة كشيء خارجيّ يرتبط بالذات الفرديّة ورغباتها اللاّعقلانيّة. وتكشف تفاهة الحياة نفسها. وتبيّن مخاطر السلم الذي يدفع المجتمع المدنيّ إلى تدعيم نفسه بجعل الثروة والملكيّة الخاصّة هي الهدف الأسمى. فيصاب بالترهّل والتخمة والوهن. فتأتي الحرب لتمكّن المجتمع من استعادة عافيته الأخلاقيّة. "الحرب تعالج، على نحو جادّ، تفاهة الخبرات الزمانيّة والأشياء العابرة.هي تفاهة كانت في أوقات أخرى موضوعا شائعا للمواعظ المنمّقة. وهذا ما يجعلها تمثّل اللحظة التي تبلغ فيها مثاليّة الجزئيّ حقّها، وتوجد بالفعل. فللحرب ذلك المغزى الرفيع.إذ بفاعليّتها (...) تحافظ الشعوب على صحتها الأخلاقيّة حين تقف موقف اللاّمبالاة من المؤسّسة المتناهية، تماما مثلما أنّ هبوب الرياح يحفظ البحر من التلوّث الذي يوجد نتيجة السكون الطويل. كذلك، فإنّ فساد الأمم قد يوجد نتيجة لفترة طويلة من السلام..."[7]

الحرب تملك قوّة سلب ونفي هائلة تجعل الفرد المواطن يتحقّق من أنّ وجوده يرتبط بكلّ أوسع وأنّ عالمه الخاصّ؛ أسرته وأمواله وممتلكاته، مرتبط ارتباطا وثيقا بسبب الوجود العامّ للدولة. ويمكن أن يندثر إذا لم يساهم في الدفاع عن وجود هذه الدولة. على هذا الأساس، فإنّ الحرب ليست هي الصحة في الدولة. وإنّما عبرها تمتحن صحة الدولة. فهي حينما تجعل المواطنين يواجهون شبح الحرب فإنّها تجعلهم يشعرون بقوّة سيّدهم المسيطر: الموت. إنّ قوّة الدولة تمتحن في حالة الحرب ورحاها وليس في حالة السلم التي هي حالة الاستمتاع والنشاط في عزلة، رغم أنّ غايتها ليست سياسيّة أي ليس التوسع أو الغزو أو السيطرة، بل العمل على تجميع المواطنين وتكتيلهم حول مبدإ أعلى وإسقاط ما بينهم من حواجز وإزالة الحيطان الماديّة التي شيّدتها المصالح الشخصيّة بالكشف عن نسبيّة الوجود البشريّ وتناهيه.

تطلب الحرب تضحية الأفراد بأنفسهم من أجل الدولة والتخلّي عن مصالحهم الذاتيّة والدخول مع غيرهم في كلّ واحد. ولكنّ التضحية تطلب المخاطرة بكلّ شيء والتحلّي بفضيلة الشجاعة. والشجاعة ليست خصلة نفسيّة. ولا هي مجرّد الإقدام والجسارة والجرأة. ولا هي الحماس الشخصيّ والجلد والتحمّل والبسالة دفاعا عن الشرف والكرامة. فهذه مجرّد صفات فرديّة ترتبط بالآراء الذاتيّة. بل الشجاعة الحقّ هي صورة عليا من صور التضحية بالنفس ولحظة الاتّحاد مع الكلّ وانضمام الفرد إلى المجموع والاستعداد الكامل للتعاون الوثيق مع الآخرين. صحيح أنّ الحرب تثير فينا فضيلة الشجاعة ولكنّها لا تعني انعدام الخوف وشجاعة القلب عند احتقاره للموت وحفاظه على الولاء واستعداده للتطوّع. بل هي تماسك الكلّ وتضامن الأفراد داخل التخطيط العامّ الذي تقوم به الدولة. "إنّ القيمة الداخليّة للشجاعة بوصفها استعدادا للروح إنّما توجد في الغاية المطلقة الأصيلة وهي: سيادة الدولة. والعمل الشجاع هو التحقيق الفعليّ لهذه الغاية النهائيّة، الوسيلة لتحقيق هذه الغاية هي التضحية بالوجود الشخصيّ..."[8]

اللافت للنظر أنّ الحرب هنا ضرورة تاريخيّة من أجل نبذ الآراء الشخصيّة والنزعات الفرديّة وإحياء الأفكار المثاليّة والقيم المطلقة، وكذلك من أجل الحيلولة دون اندلاع الاضطربات الداخليّة والفتن المحليّة ولتعزيز سلطة الدولة. علاوة على ذلك فإنّ بعض الشعوب تلجأ إلى الحرب حتى تكافح من أجل استقلالها وتستعيد حريّتها فتكون هذه الحرب حرب تحرير. من البيّن أنّ الحرب حيلة العقل لكونها تكشف الجانب المزدوج من الطبيعة البشريّة. وتبرز الأفضل من أجل تثبيته وتدعيمه وكذلك الأسوأ من أجل تقويمه وتصحيحه. وهي أيضا صراع من أجل انتزاع دولة ما الاعتراف بها كدولة من مجموعة الدول الأخرى، إذ "عندما تنشب الحروب والنزاعات في مثل هذه الظروف نجد أنّ السمة التي تضفي مغزى على تاريخ العالم هي القول بأنّها صراعات من أجل الاعتراف بشيء ذي قيمة ذاتيّة نوعيّة خاصة."[9]

على هذا النحو، إنّ السلام الدائم ليس إلاّ حلماز ولهذا فإنّ الخلافات بين الدول يمكن أن تحلّ عن طريق الحرب. والحرب الضروريّة هي التي تكون من أجل خدمة العقل أي هي معركة من أجل المبدإ. والدولة التي تنتصر في هذه الحرب تبيّن فشل المبدإ الذي تمثّله الدولة المنهزمة. لذلك "تبدو الحرب شيئا طبيعيا تماما. ولا شكّ أنّ لها أساسا بيولوجيّا وجيها. وفي الممارسة لا يكاد يكون من الممكن تفاديها"[10]. لكن هل من المعقول أن تكون مثل هذه الأفكار أفكارا طبيعيّة وجيهة؟

II) الإدانة الفلسفيّة لظاهرة الحرب:

"الحرب هي حركة عنيفة الغاية منها الضغط على الخصم حتى يخضع لمشيئتنا..."[11]

لفظ الحرب متأتٍّ من الكلمة الألمانيّة Krieg. ونجده أيضا في الكلمة الإنجليزيّة War . وقد ميّز الإغريق بين Agon وPolé التي تفيد تنافسا يخضع لقواعد وPolemos التي تفيد نزاعا مسلّحا يؤدّي إلى الفوضى. أمّا اللاتين فقد ميّزوا بين Huctatio وBellum. كما تدلّ كلمة الحرب في لسان العرب على معاني السلب والعداوة والكرب والتحرّش بالآخرين. ولا تمثّل الحرب هدفا في حدّ ذاته ولا ظاهرة مستقلّة. بل هي وسيلة لخدمة أهداف تتجاوزها سواء كانت من طبيعة دينيّة أو سياسيّة أو حتى علميّة. وإذا كان كلاوزفيتش يعرف الحرب بأنّها "مواصلة للسياسة بطرق أخرى"، فإنّ خضوع السياسة كليّا لها هو أمر مستحيل لأنّ السياسة هي الملكة العقليّة والحكمة العمليّة التي توجّه الفعل الإنسانيّ. بينما الحرب هي وسيلة عسكريّة غايتها إخضاع الخصم وتجريده من قوّته تعبّر عن نزاع نوعيّ وخصوصيّ بين البشر وعن الصراع الكونيّ من أجل البقاء.

اللافت للنظر أنّ الحرب ليست علاقة نزاعيّة بين شخصين، بل مواجهات عسكريّة شاملة ومتواصلة بين دولتين لا تنتهي إلاّ بانتصار واحدة وانهزام أخرى وتوقيع هدنة بين الطرفين يتوقّف بعدها القتال فترة من الزمن. ومن البديهيّ أن تنتج الحرب العديد من الضحايا. ويقترن فيها القتل بالمؤسّسة العسكريّة ويترتّب عليها دمار شامل ورعب كونيّ وتدمير هائل لكلّ البنى التحتيّة التي تمثّل مظاهر الحياة في المجتمع.

· كلاوزفيتش يرى أنّ الحرب عمل عدوانيّ يستهدف إخضاع العدوّ لإرادة المعتدي.

· رايت يقرّ بأنّ الحرب هي الظرف المناسب الذي يسمح بحلّ النزاعات بين المتخاصمين بالقوّة العسكريّة.

· بوتول يؤكّد أنّ الحرب هي كفاح مسلّح ودمويّ بين مجموعتين منظّمتين.

وسواء كانت الحرب نشاطا حرّا للروح أو شكلا نافعا من عقلنا وشرطا لوجودنا مرتبطة بغريزة الطبع وتضع طموح الإنسان نحو الحريّة موضع رهان فإنّها حرب ضارية تترتّب عليها نتائج اجتماعيّة مأسويّة وانعكاسات بيئيّة ونفسيّة خطيرة. يمكن أن نميّز بين الحروب بين الدول وهي حروب انبثاق وانصهار وبين الحروب الأهليّة وهي حروب إنهاك واستنفاذ.

تحاول الفلسفة أن تحكم على الحرب من وجهة نظر الأخلاق والحقّ لتميّز بين الحرب العادلة والحرب غير العادلة. فتكون الحرب عادلة إذا كانت الغاية منها إقامة سلم أبديّة دون إكراه وإذا كان السبب عادلا ووجيها وإذا كانت الحرب معلنة من طرف سلطة مشروعة وتحارب الكذب والنفاق والظلم والاستعمار. وتكون غير عادلة إذا كانت من أجل النهب والسلب وارتبطت بنزعة استعماريّة تسعى إلى التوسّع والهيمنة. من جهة تبدو الحرب مقدّسة إذا كانت دفاعا عن النفس أو ردّ اعتداء. ومن جهة مقابلة، تبدو محرّمة ومدانة أخلاقيّا إذا كانت حربا ظالمة وتسبّب الكثير من المجازر والكوارث. وإذا ما حكمنا عليها بموضوعيّة وتجرّدنا من كلّ الميولات الذاتيّة والانطبعات الشخصيّة فإنّ الحرب مهما كان نوعها لا يمكن أن تكون بأيّ شكل حربا نظيفة مشروعة.

ماهو بديهيّ أنّ الحرب تعلّم العنف وتشجّع على التطرّف في ردّ الفعل والتعصّب في الموقف. وتضع أهواء الطبيعة البشريّة الهشّة متّفقة مع وحشيّة الأحداث عندما تجعل سهولة الحياة اليوميّة تختفي لتبرز للعيان حياة معقّدة صعبة غابت عنها الملامح الأساسيّة البسيطة لحياة كريمة وحضر البؤس والصراع على المياه والقمح ومصادر الطاقة. من هذا المنظور ترتبط الحرب بالموت والقسوة وتعادي معاداة شديدة الحياة لأنّ رحى المعارك لا تترك وراءها إلاّ الجثث المشوّهة والأرواح المزهوقة ظلما، "إنّ الدمار الشامل الذي يحدثه الإنسان أقوى عشرات المرّات من الدمار الذي تحدثه الطبيعة لأنّ الإنسان يريد هذا الدمار ولذلك ينظّمه بذكاء…"[12]

إنّ اختراع البارود والبندقيّة والسّلاح الفتّاك لم يجعل الحرب أكثر إنسانيّة عندما قلّل من المواجهة المباشرة بين الأفراد أثناء المعارك وعندما حرم النبلاء والطبقة الحاكمة من ميزة السيطرة على العتاد والانفراد بامتلاك وسائل القوّة. بل ضاعفت من كمية القنابل والقذائف التي تطلق في برهة زمنيّة خاطفة. وزادت من معدّل القتلى والضحيا في كلّ معركة. إنّ ما يسمّى اليوم بالحرب النظيفة هو في الحقيقة حرب الأرض المحروقة التي ازدادت وحشيّة وضراوة إذ أنّ عدد الأبرياء والمدنيّين الذين يتساقطون أثناءها أكبر بكثير من عدد العسكريّين والمقاتلين. كما أنّ السّلاح النوويّ الذي وقع استعماله في الحرب العالميّة الثانية مازال وصمة عار في جبين الإنسانيّة بسبب حجم الدّمار الذي خلّفه والخدش الأخلاقيّ الذي أحدثه في الكرامة الإنسانيّة لأنّ العالِم الذي اخترع القنبلة النوويّة كان في تصوّره أن يتمّ استخدامه لفائدة الإنسانيّة في توفير الكهرباء والطاقة الحراريّة لتجويد حياة البشر، وليس للفتك بالأرض ومن عليها. غير أنّ هذا السّلاح النوويّ الذي ارتبط ظهوره بصعود التقنية أصبح يثير العديد من الأسئلة والتأمّلات المرتبطة بغائيّة الحياة ومستقبلها على المعمورة ومسألة المصير والمعنى من الوجود وضرورة تحمل مسؤوليّة الأمانة والاستخلاف والتعمير في الكون.

إنّ الكشف عن أسباب اندلاع الحروب ودواعيه يعدّ مقدّمة لازمة وضروريّة لرفضها وإدانتها والعمل على تفاديها وإيقافها. والحقّ أنّه توجد عدّة أسباب تقف وراء تفجّر الأوضاع، منها:

أسباب طبيعيّة وبيولوجيّة:

فقد بيّن داروين، في كتابه «أصل الأنواع»، أنّ الكائنات الحيّة تصارع من أجل البقاء. وتستعمل في هذه المعركة جميع الأسلحة المتوفّرة بيدها لأنّ قانون الحياة هو الصراع من أجل البقاء. وذكر أنّ البقاء للأصلح وأنّ العدوان غريزة طبيعيّة، فالكائن الحيّ عدوانيّ بطبعه. ويفسّر هوبس المنافسة والاحتراس والاعتداد بالنّفس كثلاث علل رئيسيّة توجد في الطبيعة البشريّة وتؤدّي إلى التنازع.

أسباب ثقافيّة سياسيّة:

تشّجع بعض الثقافات والإيديولوجيّات على العنف والإرهاب والاعتداء على الآخر عندما تحاول بعض الدول فرض نموذجها السياسيّ بالقوّة وتسعى إلى تصدير أفكارها إلى العالم الخارجيّ عن طريق الحروب وتوسّع مجال نفوذها وسيطرتها على الآخر بالغزو والإكراه.

أسباب اقتصاديّة:

إنّ الصراع حول الموارد الطبيعيّة وحول الأسواق والعمالة هو لغة العصر بفعل بروز قانون النّدرة والاحتكار وبفعل سيطرة بعض الشركات متعدّدة الجنسيّات على منابع الطاقة والغذاء والبضائع المصنّعة. لذلك تخوض بعض الدول حروبا بدعم من هذه الشركات من أجل فتح الحدود المغلقة وتحرير التجارة العالميّة وغزو الأسواق وترويج البضائع ووضع يدها على مدّخرات الدول النامية وخيراتها.

أسباب نفسيّة:

أكّد فرويد أنّ الميل إلى العدوان لدى الأفراد والشعوب ناتج عن تغلّب غريزة التاناتوس (حبّ الموت) على غريزة الإيروس (حبّ الحياة) وانتصار دوافع الكره والتباغض على دوافع ال