المثقف - أقلام فكرية

الخيال واللغة والتصوف

ali mohamadalyousifالوعي ذات ادراكية انفعالية ناقدة في فهم الواقع وتحليل ظواهره ومعطياته وعلاقة الانسان بالطبيعة كمعطى اولي متداخل بالوجود الانساني (الذكي)على الارض.

ان خاصية الانسان البدئية في صناعته التاريخ وسيرورة تقدمه الحضاري بدءا من عصر الصيد والالتقاط تم بالمفارقة عن حياة الحيوان بحيازة الانسان الذكاء وفي القدرة على اعمال العقل والتفكير. وهذه الخاصية الانسانية استثناءا من دون الكائنات الحية الاخرى، هي بدئية وازلية في وعي الانسان لوجوده ورغبته مجاوزة هذا الوجود دوما وباستمرار في توسل العقل وتشغيل خاصية الذكاء الى جانب الخيال الاستشرافي، في مراجعة مستمرة نقدية للوجود الانساني المتعالق مع الطبيعة، وهذا ما لا يتوفر عليه الحيوان الذي يفتقد خاصيتي الذكاء والخيال، ولا يدرك ويعي وجوده . وهذا الاختلاف والمفارقة بين حياة الانسان والحيوان مثلت اكبر انعطافة انثروبولوجية في تاريخ صنع الانسان لوجوده الآدمي وبناء حضارته البدئية . وعن هذه الحقيقة يشير براتراند رسل : وجد الانسان ان ثلاثة اشجار مع ثلاثة اسود مع ثلاثة جبال توحدها خاصية واحدة يحتازوها ويتمايز بها الانسان عن غيره من الكائنات في امتلاكه خاصية العقل والذكاء .

الذكاء الانساني ادخله في مشقات وصعاب على امتداد العصور البشرية عندما وجد الانسان نفسه في صراع واحتدام مع الطبيعة بعلاقة رأسية متقاطعة معها دفاعا عن نفسه ونوعه من الانقراض، ومحاولته تسخير وتطويع معطيات الطبيعة وقوانينها العامة لصالحه ومقتضيات وجوده . بينما بقي الحيوان يجاري الطبيعة ويتكيف معها غريزيا بعيدا عن التقاطع معها وعن ادراك وعي الوجود . في هذه المفارقة بقي الانسان في حالة تطور دائمية من مرحلة الى اخرى، وبقي الحيوان كائنا متكيفا مهادنا للطبيعة في حلقة دائرية مفرغة من الحياة التطورية (يعيش ليأكل).

ان تلازم الوعي النقدي والخيال المنتج عند الانسان في ادراك وجوده واستشراف مستقبله الافضل يشبه الى حد بعيد تماما تلازم الروح والجسد في الكائن الحي، فاذا اعتبرنا الوعي هو عملية العناية بالجسد كوجود انساني فيزيائي نفسي متطور دائما في علاقاته المتعددة بالطبيعة والميتافيزيقيا والكوني، فان الخيال يصبح اهتمامه ومجال اشتغاله بجنبة الوجود الروحي وآفاقه عند الانسان وعلاقته بالمطلق وما وراء الطبيعة في التصورات الغيبية وتوظيف استشرافاته الروحية والمادية لخدمة حاجات الجسد والتوازن النفسي وفتح آفاق مستقبلية امام تقدمه باستمرار، مكملا – اي الخيال – وظيفة الوعي الادراكي العقلي في عنايته بالانسان كوجود مادي عياني ماثل متعين يمثل جزءا من الطبيعة منفصل و متمايز عنها . وجود تدركه الحواس ويسيطر عليه العقل تماما، يتجلى ذلك ان العقل ذو فاعلية نقدية تزوده بها الحواس والوعي الادراكي في تحليل الوجود وحل مشكلاته وقضاياه .

الخيال المنتج السوي يلازم الوعي الادراكي ويتكامل ويتعاضد معه احيانا ويفترق معه احيانا اخرى، باسلوب وطرائق مفارقة عديدة، فما يعجز الوعي تحقيقه يدركه الخيال بشكل يوتوبي تعويضي حلمي استشرافي بما يحفز الادراك في تحقيق الاحلام الخيالية او جزءا منها على ارض الواقع .الخيال في كل الاحوال عند الانسان كخاصية يحتازها انه تفكير حلمي خيالي منتج وطموح يسبق ويتجاوز عن عمد وقصد وغائية كل ما لا يستطيع الوعي تحقيقه والاضطلاع بانجازه، في استشراف الخيال عوالم مستجدة يسحبها باستمرار من سديم الاحلام والرؤى الى امكانية تحققها ماديا في واقع الانسان وصيرورة حياته كوجود ونوع . وفي تلازم وتداخل الوعي العقلي الناقد، والخيال الحلمي المنتج يكون سعي الانسان بكليهما في اشباع حاجاته المادية وحاجاته الروحية، واحيانا حاجاته الابداعية والفنية بدءا من النقوش والرسومات الكهفية وصولا الى ابداع الاداب والفنون الحديثة . لذا يكون هذا التعالق المنتج بين الوعي والخيال يمثل خاصية وجودية انسانية اكثر من ضرورية في فهم الوجود وسيرورته التاريخية وصنع حضارة الانسان على الارض

الخيال الحلمي المنتج في كل العصور البشرية والازمنة يسبق الوعي الادراكي المحكوم بوصاية ورقابة العقل على الانسان كوجود وماهية . لكنه اي الخيال بعصور سحيقة لعب دورا (فوضويا) في الفتح الاستشرافي المستقبلي في استقدامه واستحضاره واستحداثه ما ينقص الوجود الانساني من معطيات مادية وروحية تغني ذلك الوجود، ليستحدث بعدها اخرى بديلا عنها متجاوزا لها على الدوام وهكذا . ليأتي بعد ذلك دور الوعي العقلي النقدي الناظم والمنظم لمنظومة المعطيات الخيالية التي ابتدعها الخيال الجامح، في التهذيب والتشذيب وتحقيق الممكن منها وتخليصها من سديم الفوضى الطوباوية الخيالية غير المنضبطة عقلانيا .

يمكننا تقسيم الخيال المرافق لوعي الوجود الانساني الادراكي وعقلانيته بثلاث انواع من الخيال مثلت مراحل متدرجة ومتداخلة مع بعضها ايضا :

- الخيال الاسطوري والخرافي الذي قدم للمسار البشري المتصاعد خدمة جليلة عظيمة في انتاجه الخرافة والسحر والطوطم وطقوس الرقص الدينية، والاسطورة والميثالوجيا، وفي مراحل لاحقة انتج لنا الاديان ما قبل السماوية، وانتج لنا ايضا الكهنة والعبيد .

- في مرحلة لاحقة انبثقت من رحم الخيال الاسطوري وفي تداخل معه وتجاوز له ايضا، انتج لنا الخيال الالهة والملاحم والاساطير، وفي تطور لاحق انتج لنا الاديان السماوية والايديولوجيات والابداع في الاداب والفنون والفلسفة والغناء والموسيقى والرقص والتاريخ والعلوم الانسانية . ونطلق على هذا النوع من الخيال المنتج(الخيال الابداعي).

- بعد مرحلتي الخيال الاسطوري والخيال الابداعي ومن رحمهما انبثق عندنا الخيال العلمي تجاوبا مع مقتضيات التطور المديني والتقدم الحضاري للانسان . الخيال العلمي في مراحل متقدمة انتج لنا علوم الطب والفيزياء والفلك والكيمياء والتكنلوجيا المتطورة والفهم الوجودي المعاصر للحياة .

هذا المخيال العلمي المنتج وضع حاضر ومستقبل البشرية مرهونا في حيز الاحتمالات التنفيذية المتحقق والمؤجل منها في استمرار عمل المخيال المخصب المنتج في التنبؤ الاستشرافي لبعض ما يهم مستقبل الوجود الانساني الارضي وعلاقته بالطبيعة والكوني ومستجدات العلوم ومتطورات التكنلوجيا بصورة مطردة متعالية في نشدان الافضل دائما مرحلة تليها اخرى .

من الملاحظ جيدا ان هذه الانواع من الخيالات المنتجة الانسانية المتداخلة رغم القطوعات التي تفصل بينها ك(بنيات) متكونة من منظومات فكرية عديدة مستقلة احداها عن الاخرى، بنفس وقت تداخلها مع بعضها على امتداد التحقيب الزمني لكل واحدة .فهي لا زالت مجتمعة تلعب دورا اساسيا في تفسير وفهم الوجود الانساني ماديا وروحيا، وفتح مجالات التنبؤ الاستشرافي المخصب والابداع المنتج بما يغني ثراء الوجود الانساني اسطوريا وابداعيا وعلميا .

مما مربنا نستنتج ان فهم الخيال المنتج غير التهويمي اللاشعوري – وسنأتي على تفصيل هذا لاحقا – انه دائم النظر الاستشرافي في سحب غير الممكن الوجود وغير المتحقق من ثنايا الغيب والمستقبل المجهول الى امكانية التوظيف في الواقع المادي للانسان عندما يعجز الوعي والارادة تحقيق تلك المتطلبات . الخيال حركة دائبة في تحفيزادراك الوجود على مجاوزة الواقع المادي المتعين . فما يتحقق في فترة زمنية تخبو صلاحيتها وجاذبيتها المبتكرة بمرور الوقت، لتصبح حاجة استحداث اخرى افضل منها بديلة عنها اكثرضرورة.

النقطة التي لا ارغب دون الاشارة لتوكيدها والتي سبق ان ذكرتها ان الخيال الابداعي المنتج لعب في مراحل بدائية من عمر البشرية دورا على جانب كبير من الاهمية وان كنا نعامل هذه المراحل التي انتجت لنا الطقوس الدينية والميثلوجيا والسحر والشعوذة والخرافة والاساطير، وفي مرحلة لاحقة متقدمة انتجت لنا الاديان، وفي مرحلة متقدمة جدا انتجت لنا منجزات الخيال العلمي والتطور التكنلوجي والعلوم في كافة المجالات، والفهم الكوني للوجود. نعاملها اليوم بمقاييس عصرنا الخاطئة احيانا.

 ان هذه المعطيات التي ادرجناها في اهمية الخيال المنتج اصبح من المتاح امامنا اليوم تعويض ما لم يدركه الخيال في مراحل سحيقة، متاحا امامنا في ما ينتجه لنا الخيال الابداعي من معارف واداب وفلسفة وفنون، وكذلك الخيال العلمي في تقدم الحياة الانسانية .

كما ان عودة الفلسفة المعاصرة وحفريات المعرفة ومدارس البنيوية والتفكيك الى مخلفات الخيال الابداعي الاسطوري ودراسة تلك المراحل التاريخية القديمة اصبحت اليوم معتمدة في التنقيبات في فتح افاق معرفية وفلسفية وعلمية جديدة على جنبة كبيرة من الاهمية لم تكن علوم المعرفة على دراية بها سابقا.

الخيال واللغة:

قبل دخول هذا الباب اود التنبيه الى مسألة معقدة تهم مفهوم الخيال وعلاقته باللغة . فنحن نتوفر على اكثر من نوع من التعبير، وشكل ومحتوى يرتبط بشكل وآخر بالخيال الانساني :

- عندنا اولا لغة التواصل الاجتماعي كلهجات وكلام تواصلي وتفاهم شفاهي، وكذلك لغة المخاطبة في الفصحى قراءة وكتابة في المتعارف عليه . هنا لغة الخيال اللغوي صادرة شعوريا عن وصاية ورقابة العقل على تنظيمها واعطاء تراتبية الشكل المنظم للغة، وتماسك وتناغم المعنى المراد توصيله تجريديا.

- لغة اللاشعور الا بداعي كما في النتاجات الادبية والفنية ابرزها مدارس الفن التجريدي التشكيلي كما في السريالية والدادائية والبرناسية والتكعيبية .

- لغة اللاشعور المرتبط بتعاطي المخدرات في محاولة تخصيب الخيال الابداعي لانتاج الفعاليات الادبية والفنية المستمدة من عوالم غير مسبوقة .

- لغة اللاشعور المرتبط بهلاوس المرضى العصابيين والانفصاميين ومرضى التوحد وهذاءات وغطرفة المجانين . وهنا تكون اللغة معطلة التواصل مع الآخر، في غياب وتغييب التفكير الشعوري المتجانس عقليا في توجيه وتنظيم هذا النوع من التعبير اللغوي .

- لغة الشعور في الوجدانات الصامتة المعبر عنها بحركات الجسد في الرقص والغناء والبالية واليوغا ومسرحيات الشخص الواحد الصامتة وبعض الالعاب الايحائية .

- لغة اللاشعور عند الصوفية وسنأتي على تفصيلها لاحقا .

اذا جاز لنا اعتبار حركات الجسد في الرقص والغناء واليوغا لغة تواصل وجداني عاطفي مع الآخر في لغة صامتة لامنطوقة ولا مقروءة ولا مكتوبة، فان عالم اللغات لوفيدج فتنشجتين يعتبرهذا النوع من لغة الصمت المعبر عنها بمرموزات حركية صادرة عن الجسد، تكون اقدر على التواصل، وما نعجز التعبير عنه بالكلمات يكون التعبير عنه بالصمت . وتعبيرات لغة الصمت المرتبطة بتشكيلات ايحائية او جمالية مصاحبة لفعالية الرقص او المسرح الانفرادي لشخص واحد او عدة اشخاص، ورقص البالية، وحركات اليوغا، وعن ارتباط اللغة بحياة الانسان وملازمة وجوده كأرث ملازم ومكمل له يرى فنتشجتين انه (لامعنى لاي لفظة لغوية الا في مجرى الحياة). ويتابع بأن كل ما يقال يجب ان يقال بوضوح والا علينا ان نلوذ (بالصمت كمستودع نودع فيه ما نجهله).

هنا علينا توضيح التباس متوقع ونحن نعرض (الصمت) لغة توصيل في الفعاليات الراقصة والمسرحية، ان لغة الصمت التي عناها عالم اللغات، هي في عجز اللغة (المنطوقة والمسموعة) ان تكون لغة افكار تعبيرية توصيلية، وهذا الصمت يختلف عن (توظيف) الصمت في ايصال الفعاليات الوجدانية العاطفية التي تكون الحركات التمثيلية والاشارات الايحائية (لغة) معبرة معدة وموضوعة سلفا في اهمية وقدرة حركة الجسد توصيل الفهم والمعنى المطلوب في تعطيل لغة التخاطب التقليدية المسموعة (صوتيا).

الصمت هنا في لغة الجسد الايحائية والحركات لا يمثل عجز اللغة المعتادة عن التوصيل، بل تعطيل وظيفة اللغة من اجل بلوغ هدف التوصيل ايحائيا حركيا. ان الصمت في الفعاليات التمثيلية والمسرحية الصامتة، يكون عدم البوح بالمعنى وتعطيل وظيفة اللغة سماعيا يتم بارادة مسبقة، وليس الصمت مكبوتا نتيجة عجز لغوي تعبيري قاصر عن بلوغ هدف التوصيل.كما هو الحال مع وظيفة اللغة تقليديا.

اذن ما موقع الوعي والخيال من اللغة وكيف يتوسلانها في الافصاح الوجداني والتعبير !؟

هذا يقودنا الى تفريق ان الوعي يتعامل باكثر من لغة، يتعامل بها الخيال فهو يتعامل مع اللغة ادراكيا في اعتبار اللغة الشفاهية هي مرموزات ايحائية وتجريدية تحقق التواصل البشري واجتماعيتهم المطلوبة في تمشية امورهم ومتطلبات حياتهم . ويدخل ضمن هذه اللغة الحوار الشفاهي واللهجات المحلية ولغة تواصل الابداع الادبي والثقافي والمعرفي والفلسفي، وهذه اللغة التي يعول عليها ادبيا وثقافيا واجتماعيا لغة منظمة ومتسقة.

كذلك نجد لغة الادراك المعرفي العلمي في علوم الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والحاسوب، هي مرموزات اشارية تتوسلها العلوم كمعادلات رياضية ذات خصوصية بنيوية مستقلة تماما . وهذا النوع اللغوي من التعبير محكوم بوعي ادراكي عقلاني صارم لايقبل بغير الاستقلالية التامة وخضوع اللغة لرقابة المنطق وصرامته بامتياز .

اجد من المفيد ان جيل ديلوز نقلا عن منصف الوهايبي صنّف الخطاب اللغوي الى ثلاثة انماط تعبيرية: الخطاب الفلسفي معقودا على التوسل بالمفهوم، فيما الخطاب الفني معقود على التوسل بالادراك، والخطاب الديني معقود على التوسل بالانفعال والوجدان. وهذا الاخير يتداخل في تلقي الشعر وبعض الفنون القولية الاخرى.

الخيال ولغة التصوف:

اهم انواع التعبير اللغوي التي يمتزج فيها الادراك العقلي مع اللاشعور المتسامي نحو المثال والحلول في الذات الالهية، هي لغة الخيال التصوفي، فالمتصوف او العرفاني ينطلق بحسب رأيي من منطلق ان اردأ انواع العاطفة والوجدان ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه..والعواطف والوجدانات العميقة الثرة المتسامية تعجز اللغة التعبير عنها.

من هذا المنطلق يعتبر تعطيل فاعلية اللغة التواصلية مع الآخر قاصرة تماما في حال مرور المتصوف بتجربة الكشف الاستبطاني وحالة التسامي الذي يشل الحواس والادراك الواعي للعقل، اللغة التصوفية تأتي على شكل مرموزات وشطحات لغوية فكرية تخييلية منجذبة نحو التعالي فوق الواقع الحسي والتعالي على العقل ايضا. لغة غائبة تماما عن مجريات الحياة والمحيط والوجود الانساني للآخر بجميع اشتمالاته المادية، ما عدا الشحن الوجداني العاطفي اللاشعوري المرتبط بأمعان ورغبة التدرج في معارج الكشف نحو المثال المتسامي ونشدان الوصول الى مراتب متقدمة من الخالق والذات الالهية. لغة التصوف ترتبط بحالة اللاشعور في تغييب الوعي والحس المادي ليلتقي بهذاءات المجانين الى حد ما مع فارق انه في بعض الحالات التصوفية كما هي عند ابن عربي والحلاج والنفري وغيرهم، فهي تحمل مدلولات تواصلية فلسفية مع الآخر يتدخل الوعي الشعوري والادراكي بتسجيلها . في حين تكون مثل هذه الفعالية التواصلية بقدرات اللغة والتعبير معدومة تماما في هلوسة وهذيان المجنون، وهذا ينطبق ايضا على الكثير من التجارب التصوفية غير الناضجة .

كلا التعبيرين اللغويين لغة التصوف وهذاءات المجانيين يتقاسمان صفة(لغة الخيال اللاشعوري غير المنتج) في تغييب الوجود الواقعي العقلاني، واعدام فرص التواصل بالآخر.

لغة التصوف تلغي الفعالية الواقعية العقلانية في جانبين: تلغي فاعلية الوجدان المنتج – ماعدا استثناءات تجارب تصوفية ناضجة غير مبالغ بها ولا مفتعلة – واعدام رقابة العقل على اللغة المنطوقة تصوفيا، يتجلى ذلك في عدم قدرة المتصوف ضبط تداعيات اللغة التعبيرية المنطوقة عنده، بمنطق لغوي منظم يستطيع التواصل مع الآخر بعيدا عن شطحات تداعيات اللاشعور في توصيل التجربة الذاتية من خلال امكانية المتلقي فك مرموزات اللغة الاشارية، بما يخدم تجربة المتصوف والمتلقي معا.

الجانب الثاني من الألغاء في لغة المتصوف يتمثل في تخريب الاخصاب التخييلي، في عجز التعبير التصوفي وفي اللقاء مع هذاءات المجنون وفي عجزهما المشترك ان يكون تعبيرهما اللغوي لغة تواصل يعتد الاخذ بها، فقط باستثناءات تجارب تصوفية متقدمة يمكن ان يكون التواصل التصوفي مع المجتمع متحققا فيها.

اذن ما الفرق بين غطرفة وهذاءات المجنون، وشطحات المتصوف اللغوية التعبيرية !؟

هذاءات المجنون وهلوسة الانفصامي المرضية تصدر عن غياب تام لتداعيات الشعور الحلمي المنتج— كما نجده عند المبدع والفنان—فهي عند المجنون تخييلات لا شعورية مكبوتة تفصح عن نفسها، في تعبيرات مشفرة ناقصة المعنى المفهومي، سائبة غير منظمة ولا منضبطة سطحية وانفعالية، غبر مفهومة ولا متسقة تعبيريا، طلاسم لغوية مغلقة على عوالم خيالية مرضية. الخيال اللاشعوري عند المتصوف يطرح لغة مفككة ايضا لا تعطي فهما ومعنى منظما.ومن هنا تلتقي لغة المتصوف مع هلوسات الجنون، ويفترقان كليهما عن لغة الخيال الابداعية عند الفنان او الاديب.

يقترب هيدجر في تناوله وظيفة اللغة في التجربة الصوفية، انها لغة رمزية صعبة وعسيرة في التعبير عن تجاربهم ومعاناتهم التصوفية، اذ يعجز المتصوف نقل او تمييز الوجود، عن نسيان الوجود الحقيقي، اذ يقع المتصوف في حالة من تغييب الوجود عقليا وحسيا، و يعيش حالة من المثالية العرفانية في تجربته الذاتية الصرف.

كما يعيب براتراند رسل على المتصوفة عقم وعجز اللغة عندهم، بانها عاجزة ان تقول شيئا يعتد ويؤخذ به.كما ان العلم من وجهة نظره ايضا يسخر من اللغة الصوفية سخرية لاذعة.

وفي المنحى ذاته يذهب جورج باتاي ان التجربة الايروسية-الشبقية تتوازى مع التجربة الصوفية في كونهما فيضين لا تستوعبها اللغة.من هنا يمكنني التذكير باهمية العبارة التي اورد تها سابقا حين اشرت ان المتصوف ينطلق من واقعة ان اردأ انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه.على اعتبار ان التجربة التصوفية هي غوص في مسالك الكشف الاستبطاني المتسامي المتعالي، تنعدم معها ان تكون اللغة ذات جدوى تواصلية مع الآخر.هنا بحسب هذا الفهم لانستغرب ربط جورج باتاي بين التجربة الصوفية والتجربة الجنسية والتقائمها في ان اللغة بكلتا التجربتين تتماهى في العجز واستعصائها تحقيق التواصل بالآخر.

اما الشاعر المفكر ادونيس فيعتبر لغة التصوف(الاسلامي) هي لغة استكشاف معرفي في الدين والفلسفة والوجود.وان السرياليين اخترعوا الكتابة الاوتوماتيكية—يقصد بذلك كتابة تداعيات اللاشعور---والغاء العقل واستخدموا لذلك المخدرات. ويضيف ان المتصوف الغى رقابة العقل بالسيطرة الذاتية على الجسد .وسمي انذاك الكتابة (الهيا سماويا) وهي ذاتها الكتابة التي نادى بها السورياليون.

هنا ادونيس استخدم عبارة الغاء العقل عوضا عن تغييب تداعيات اللاشعور الحلمي المنتج في كتابة الشعر وانتاجية الفنون التشكيلية كما في السريالية والتجريد الفني وهذا الخيال الانتاجي المخصب عند الفنان او الاديب يختلف جذرياعن المخيال المعطل غير المنتج عند المتصوف، الذي يتأرجح بين تغييب الرقابة العقلية والحسية، وبين تداعيات اللاشعور عندما تكون اللغة اقرب الى الهلوسة والهذاءات عند المجنون. باختلاف بسيط ان المتصوف يعي عجز اللغة عنده في تحقيق التواصل مع الآخر، وقدرته احيانا على البوح بافصاح تعبيري لغوي يتجاوز هذاءات المجنون المغلقة.بينما هي غير ذلك عند المجنون في هذاءاته بلا معنىى ولا ترابط.

اما المفكر محمد عابد الجابري يرى ان الحقيقة في التصوف الاسلامي هي عندهم ليست الحقيقة الدينية، ولا الحقيقة الفلسفية، ولا الحقيقة العلمية، بل الحقيقة عندهم هي الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الاسطورة. وأن العرفان (التصوف) يلغي العقل، ومن حق العقل الدفاع عن نفسه ليس بالطريقة السحرية بل بالتحليل العقلي.

اود توضيح نقطة مررنا بها سريعا، ما هو الفرق بين لغة الابداع الادبي - الفني ولغة التصوف!؟

ان فرويد تعامل مع الخيال بوصفه مصدر الالهام وخزان الابداع، وكشف تاثير اللاشعور في السلوكيات المنحرفة والسوية.

برأينا الفنان كالعصابي المريض او المنفصم شخصيا كلاهما ينسحبان من الواقع المحسوس والمدرك عقلانيا الى دنيا الخيال غير المحدود، بخلاف جوهري مهم جدا ان العصابي المريض لايستطيع العودة من رحلة الخيال الى واقع الحياة والمجتمع ثانية، وأن ما يبتدعه له الخيال من واقع وهمي يتصوره ويتعامال معه انه الواقع الحقيقي والحياة السوية. في حين ان الفنان المبدع او الاديب صاحب الفعالية الابداعية يستطيع العودة ثانية من رحلة الخيال الى واقع الحياة، وبحصيلة ابداعية فنية مميزة على شكل انتاج ادبي او فني او غيرهما.

 

علي محمد اليوسف - الموصل

....................

(لتفصيل اكثر ينظر كتابنا: فلسفة الاغتراب في طبعتيه الاولى عن دار الشؤؤن الثقافية بغداد 2011، والثانية دار الموسوعات العربية بيروت 2013.الفصل الخامس: الاغتراب والصوفية./والفصل السادس: الاغتراب في الوجودية الحديثة).

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-04-20 13:52:41.