المثقف - أقلام فكرية

تأملات فلسفية وسياسية عن الحضارة الإسلامية (2)

mutham aljanabiتقاليد العقل الثقافي وبدائل الرؤية المستقبلية

لقد اكتشفت الفلسفة في مجرى تطورها عن وجود عقول عديدة وأطلقت عليها أسماء مختلفة مثل العقل الهيولاني والعقل بالقوة والعقل بالفعل والعقل المستفاد والعقل الفعّال والعقل المنفعل وغيرها، كما عممت هذه العقول تحت عنوانين أساسيين وهما العقل النظري والعقل العملي. وجرى إضافة أنواع أخرى عديدة في مجرى التطور التاريخي الثقافي العلمي والمنطقي كما هو جلي في تسميات العقل الحر والعقل النقدي والعقل الديناصوري والعقل القومي(العربي) وكثير غيرها.

إن كل هذا التنوع المتراكم من العقول يشكل محتوى ما أطلق عليه عبارة (العقل الثقافي)، بوصفه عقلا جامعا لنوعية وكمية العقول الفاعلة في حياة الأمم والملازم لطورها التاريخي. وهو ما أطلق عليه أيضا عبارة (منطق الروح الثقافي). وذلك لاختلاف معاني ومضامين ومهمات هذه العقول من حالة تاريخية ثقافية إلى أخرى. اذ لا تتشابه مضامين العقل والعقول عند أرسطو والفارابي على سبيل المثال، رغم تتلمذ الفارابي العقلي والمنطقي على مولفات أرسطو، وذلك لان إبداعه الفلسفي جرى في حالة تاريخية ثقافية أخرى لها مرجعياتها الخاصة. وينطبق هذا على مختلف جوانب الموقف والاستفادة والتوظيف للإبداع الفلسفي الإغريقي في الثقافة الإسلامية. فقد أبعدت الثقافة الإسلامية بقايا الأسطورة وشخصياتها في الفلسفة الإغريقية واستعاضت عنها بالله الواحد، كما أنها اهتمت أساسا بالأبعاد المنطقية الصرف للفلسفة الأرسطية وفلسفة الأخلاق والسياسة، في حين كان اهتمامها منصبا نحو فلسفة الدولة والنظام السياسي عند أفلاطون. وينطبق هذا على كل ما جرى جمعه من أقوال الفلاسفة والحكماء على أنها جزء من حكمة الأمم لتنوير العقل العملي الأخلاقي. والسبب يكمن في أن إبداع الفلاسفة المسلمين جرى ضمن مرحلة أكثر تطورا في المسار التاريخي، واقصد بذلك المرحلة الدينية السياسية. اذ إلى جانب الفلسفة وقبلها، كانت تتراكم الروية الثقافية الإسلامية ومنظومة مرجعياتها الفكرية والروحية، اي منطق روحها الثقافي أو عقلها الثقافي الخاص.

ذلك يعني أن لكل مرحلة تاريخية ثقافية كبرى عقلها الثقافي بحكم هيمنة مرجعياتها الفكرية والروحية الخاصة. فالعقل الثقافي الأوربي القروسطي النصراني يختلف اختلافا كبيرا عن العقل الثقافي الاسلامي رغم إنهما كلاهما نتاج المرحلة الدينية السياسية في التطور التاريخي. وينطبق هذا على كافة المراحل الأخرى وعقولها الثقافية. اذ لا يتشابه العقل الثقافي الأوربي الحديث والعقل الأمريكي والروسي والصيني والهندي، رغم إنهم يمثلون ويتمثلون المرحلة السياسية الاقتصادية في التطور التاريخي، وذلك لان كل منهم أبدع منظومة مرجعياته الفكرية والروحية الكبرى بما يتناسب ويستجيب لكيفية حل إشكاليات وجودهم التاريخي في الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية.

وفيما يخص العقل بحد ذاته، فان هناك عقول عديدة ومتنوعة عادة ما يجري حصرها ضمن وحدة العقل النظري والعملي. وهو وصف دقيق للعقل، لكنه محصور بصيغته المنطقية المجردة، ومن ثم هو الأكثر ضرورة للوعي العلمي والبحث في علل الأشياء والظواهر، وتأسيس المناهج. وبالتالي فهو أس وأساس العلم والمعرفة العلمية، وعمود وجودها الثقافي. لكنه لا يكفي ولا يفي بشروط التحليل الملموس والدقيق لتاريخ الأمم الثقافي، وذلك لأنه جزء جوهري من العقل الثقافي وليس بالعكس. لهذا اقّسم العقل إلى عقل منطقي علمي بشقيه النظري والعملي، وآخر ثقافي. والثقافي أوسع من الأول لأنه يحتوي عليه في حال وجوده ويفتقده حال فقدانه.

والعقل الثقافي هو الصيغة التي تستجيب لمرجعيات الثقافة الكبرى وتبدع بمعاييرها ومقاييسها الموافقة لمرحلة تطورها التاريخي. الأمر الذي يشير إلى أن العقل الثقافي هو عقل تاريخي له حدوده الخاصة، ومن ثم لا يحتوي على صيغة مطلقة أو شاملة إلا لحملته فقط، اي انه لا يحتوي على حقائق مطلقة للجميع. والبعد الوحيد الذي يحتوي على قيمة شبه مطلقة وشاملة في العقل الثقافي للأمم هو العقل المنطقي العلمي بوصفه إبداعا إنسانيا عاما، وذلك لأنه يتمثل حقائق الوجود الإنساني كما هي، على خلاف ما غيره من تأثير جلي أو مستتر للمصالح والأهواء والعادات والتقاليد.

فالعقل الثقافي المتراكم في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للإنسان والجماعة والدولة في المرحلة الثقافية الدينية، كما نراها في تجارب العراق القديم ومصر واليونان وأمثالها، عادة ما يتصف بتعايش الأسطورة والعلم، مثل هندسة الأهرامات في مصر وقيمتها بالنسبة للوجود والخلود، التعدد والسعي للوحدة، والمنطق المجرد والعملي. من هنا اثر الأساطير في وعيها الديني والعلمي على السواء، كما نراه في تعدد الآلهة والمدن (الدولة) والسعي للدولة المركزية والإمبراطورية والإله الواحد أو مجمع الآلهة وفرز الأكثر قوة وهيبة بينها، ومحاولات توظيف إبداعها العلمي المنطقي في مختلف ميادين الوجود الاجتماعي من الدولة ونظامها السياسي حتى دقائق الأخلاق وآداب السلوك والحكمة العملية. وهذه بمجموعها تشكل الأساس والأرضية التاريخية للعقل الثقافي وصيرورة ما ادعوه بمنطق الروح الثقافي للأمم. بينما تختلف أسس ومقومات العقل الثقافي للأمم حالما ترتقي إلى المرحلة الدينية السياسية.

كل ذلك يكشف عن الأثر العميق لتقاليد الماضي الثقافية في بلورة العقل النظري والعملي بما في ذلك في كيفية مواجهة إشكاليات الوجود التاريخي للأمم والبدائل المستقبلية. وعندما ننظر الآن إلى واقع العالم العربي فإننا نقف أمام تشوش هائل في الروية والبدائل. والسبب الجوهري لكل ذلك يقوم في أن الذهنية الثقافية بشقيها النظري والعملي لم تنف تقاليد الماضي بالشكل الذي يستجيب لمتطلبات المعاصرة والمستقبل. من هنا ثقل الماضي وتقاليده الميتة وهيمنتها شبه التامة على عقول الخواص والعوام. وهذا باجمعه النتاج الملازم لكون العالم العربي والإسلامي عموما ما زالا في حالة الانتقال من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. من هنا الأثر الحاسم للأفكار والعقائد القديمة في النظر إلى الحاضر والمستقبل.

فالفكر العربي المعاصر لا يستمد مقوماته من النقد المنظومي والتاريخي للواقع، كما يفتقد إلى استمداد رؤيته النقدية والواقعية من المستقبل تجاه إشكاليات الحاضر والمعاصرة. انه ليس معاصرا وليس مستقبليا، من هنا ثقل الأفكار والعقائد القديمة. وينطبق هذا الحكم على الأفكار الدينية والدنيوية المنتشرة في العالم العربي الحديث على السواء. مع أن إحدى بديهيات الروية المنطقية للتاريخ الثقافي للأمم تقول، بان تجارب الماضي جزء من الماضي وأنها لا تلزمنا بشي غير شعور الانتماء والتأمل الحر، اللذين ينبغي أن يتغذيا من رحيق التيارات الأكثر عقلانية وواقعية وإنسانية لكي يجري دفع عجلة الانتماء نفسها صوب المسار التلقائي للإبداع.

فالمسار التلقائي للإبداع النظري والعملي للأمم هو العصب الأكثر حيوية في معاناتها لحل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي. ذلك يعني انه مسار معاصر على الدوام، اي نفي دائم لوجودها الذاتي بوصفها تجارب واقعية وعقلية للحلول والبدائل، اي تحقيق دائم لفكرة الاحتمال العقلاني. الأمر الذي يجعل من الماضي وتجاربه، بما في ذلك أكثرها قوة وحيوية وعظمة ومنطقية وعلمية، قوة إضافية فقط في حال النظر إليها وتوظيفها ضمن سياق المرجعيات الضرورية للمرحلة التاريخية الثقافية التي تمر بها الأمم. وليس أخذها كما هي.

اذ لا تستطيع أية منظومة فكرية قديمة العمل بمعايير المعاصرة. إن قيمتها الفكرية تكمن فقط في قدرتها على شحذ وتوسيع الرؤية الثقافية للعقل النظري. بينما الإقرار بهذا النمط من التفكير يؤدي بالضرورة إلى تقديس الفكرة وعصمتها، ومن ثم تحجير التفكر وإيقافه عند حدود العتبات المقدسة لتجارب تاريخية عابرة. انه مجرد سحب مبتذل للعبارة والفكرة القائلة، على سبيل المثال، بان الإسلام صالح لكل مكان وزمان. فهناك فرق بين أصول الفكرة النظرية ومظاهرها التاريخية. اذ لا يمكن لأية نظرية إسلامية ظهرت أو تظهر على مسرح التاريخ العربي أن تكون رديفا للفكرة الإسلامية الأولى. وأفضلها يمكنه أن يتمثل روحها التاريخي أو الثقافي، ولكن ضمن مرجعيات الإسلام الخاصة. أما محاولة جعل هذا التمثل بديلا عصريا، كما نراه على سبيل المثال في كتابات حسن حنفي، فانه يبقى توليفا هجينا سرعان ما ينهار أمام الحركة الواقعية والفعلية في تاريخ الأمم. فالثياب الجميلة والمتينة لا يمكن صنعها من أقمشة مختلفة الألوان والنوعية. وبالتالي لا معنى لجمع حسنات وفضائل مختلف الفرق والتيارات الإسلامية وتوحيدها في بديل يعتقد بواقعيته كما هو الحال في أيديولوجية اليسار الاسلامي عند حسن حنفي. بحيث يتعايش المعتزلي والأشعري والحنبلي والظاهري والباطني وابن رشد وابن خلدون وابن تيمية وعبد الناصر وماركس وغيرهم في كل واحد. بعبارة أخرى، إن العبارة الفكرية القائلة بان الإسلام صالح لكل زمان ومكان تبقى سليمة ضمن المرحلة الدينية السياسية في تاريخ الأمم. بينما تتحول في حال استلهامها كما هي في مرحلة الانتقال صوب المرحلة السياسية الاقتصادية إلى عقبة عقلية أمام العقل في اكتشاف البدائل بمعايير الاحتمال العقلاني والرؤية المستقبلية.

من هنا عقم الجدل الفكري والبحث النظري الذي يميز محاولات البحث عن نماذج فضلى في الماضي وجعلها نموذجا يتماهى مع الحقيقة والمستقبل، مثل البحث في المعتزلة عن أساس ومصدر للعقلانية العربية الحديثة، أو النظر إلى ابن خلدون كمصدر لفلسفة التاريخ العربية واستنتاجاتها السياسية المختلفة، أو جعل الأشعرية عقيدة الإسلام المثلى، كما حاول الأزهر قبل فترة في حدّه لمعنى وحقيقة أهل السنة والجماعة مع إضافة تصوف الجنيد البغدادي وما إلى ذلك. أما في الواقع، فان محاولة جعل الأشعرية الممثل الحقيقي والوحيد للإسلام والسنة فهي خرافة أيديولوجية. فالاشعرية فرع مشوه للمعتزلة، أو نكوص عنها. وكلاهما جزء من تاريخ الفكر والثقافة. بينما الجنيد هو احد النماذج الرفيعة والعميقة والأصيلة للتجربة الصوفية. ومن ثم لا معنى لإدراجه ضمن مفاهيم ومعايير الفرق والمذاهب. فالتصوف الأصيل خارج هذه الاعتبارات جميعا. انه يتمثل حقائق المطلق والروح المتسامي بمعايير الذوق الاسلامي.

في حين أن فكرة أهل السنة والجماعة، من حيث أصولها التاريخية هي فكرة أموية، اي أيديولوجية سياسية، الجوهري فيها هو الامتثال للسلطان والقبول بالواقع. وليس مصادفة أن تتمسك بها السلطة العباسية رغم إبادتها الجسدية للأمويين. فقد أباد العباسيون بني أمية وابقوا على الأموية السياسية، رغم اعتمادهم على الشيعة واستغلال فكرة التشيع العراقي في مساعيهم للوصول إلى السلطة. بحيث نعثر على صدى ذلك في شعر من تمنى ظلم بني أمية ولا عدل بني العباس.

مما سبق نتوصل إلى استنتاج يقول، بان أية محاولة تسعى لاستمداد مشاريع المستقبل من الماضي محكوم عليها بالفشل. وذلك لانها تودي إلى انهماك نظري وعملي فيما لا فائدة فيه. كما انه أسلوب لا يفرق بين تحويل التراث الفكري القديم إلى عنصر من عناصر وعي الذات الثقافي، وبين جعله مصدرا للبدائل العقلانية الحديثة. فالأول هو جزء من تمثل الماضي، بينما الثاني هو تأسيس للبدائل، والذي لا يمكن بلوغه إلا عبر معاناة حية ومعاصرة في استلهام الروية المستقبلية.

وإذا كانت بعض أنماط تمثل الماضي بوصفه أسلوبا لتأسيس البدائل المستقبلية، تحتوي رغم ضعفها المنهجي، على قيمة فكرية وعقلانية وإنسانية، فان القبول بها يسمح بقبول أنماط أخرى مثل الرجوع إلى مختلف السلفيات والحنبليات الإسلامية بما في ذلك أكثرها تخريبها وتدميرا للعقل والضمير والرؤية الاجتماعية والقومية والإنسانية كما هو الحال في الرجوع إلى ابن تيمية وأمثاله بوصفه ممثل الإسلام الحق! في حين تكشف التجربة التاريخية السياسية وتبرهن على أن هذا النمط من التفكير والعمل لا ينتج غير أشكال وأنماط مختلفة من الهمجية، ومع كل سقوط لأكثرها تشددا، بوصفه أمرا حتميا، يظهر ما هو أقبح منها. ومن الممكن روية ذلك على مثال ظهور وتدهور وانحطاط هذا النمط في الرؤية العقائدية والسلوك السياسي من همجية إلى أخرى اعنف وأرذل منها كما هو جلي بانحدار القاعدة صوب طالبان ومنها إلى داعش. وهو حضيض لن ينتهي ما لم يجر تذليل هذه الذهنية البدائية للموقف من التراث والأسلاف بحد ذاتها. وهذا بدوره لن يحدث ما لم يجر تذليل مقومات المرحلة الدينية السياسية في العالم العربي عبر تذليل فكرة الأصول الدينية وأصولها المهيمنة في الوجود والوعي الاجتماعي.

 

ا. د. ميثم الجنابي - مفكر عراقي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-07-17 12:57:40.