المثقف - أقلام فكرية

تقنية المعايشة أو المشاركة في ميدان السوسيولوجيا والأنتروبولوجيا

jamil hamdaouiالمقدمة: تتحقق هذه الملاحظة الحية، أو هذه التقنية الإجرائية، بوضوح، عند علماء الأنتروبولوجيا، وعلماء النفس، وعلماء الاجتماع، وكذلك عند الرحالة؛ حيث يشارك هؤلاء الناس المفحوصين أو المبحوثين عن قرب، في مختلف أنشطتهم ومهاراتهم وأعمالهم، فيرصدون حياتهم النفسية والاجتماعية والثقافية والتربوية والحضارية، بتسجيل مجموعة من الملاحظات وتدوينها، بعد معايشة صادقة، وتتبع مستمر، واندماج داخل عالمهم، كأنهم أفراد من عينة هذا المجتمع الأصلي المدروس. وتقترب هذه الملاحظة من الملاحظة الاستكشافية، أو الملاحظة الميدانية، أو الملاحظة الاستطلاعية. ويعني هذا أن الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة  تقوم على حضور الباحث في مجتمع المفحوصين، ومشاركته لهم في اهتماماتهم، واستعداداتهم، ورغباتهم، وميولهم، كأنه واحد منهم، إلا أنه يتميز عنهم بممارسة الملاحظة والتدوين والتسجيل.

ومن هنا، تعتبر الملاحظة بالمشاركة أو المعايشة المباشرة من أهم أدوات المنهج الكيفي الذي يعنى بدراسة الظاهرة الاجتماعية أو الإثنوغرافية أو الأنتروبولوجية من الداخل، بتجاوز البيانات الكمية ومقاييس الإحصاء العددي. ومن ثم، لابد من التوقف عند مفهوم المعايشة أولا، وذكر آلياتها ثانيا، وتبيان إيجابياتها ثالثا، واستجلاء سلبياتها رابعا.

المبحث الأول: مفهوم المعايشة

تعد المعايشة، أو الملاحظة عن طريق المشاركة (L'observation participante) ، من أهم التقنيات التي يلتجئ إليها الباحث الاجتماعي في مجال الأنتروبولوجيا أو الإثنولوجيا، وقد وضع أسسها النظرية والمنهجية كل من البولوني مالينوفسكي (BronisławKasper Malinowski) والإنجليزي جون لايارد (John Willoughby Layard)، في بدايات القرن العشرين الميلادي، بعد أن قضيا سنوات عدة في معايشة المجتمعات البدائية.

تستلزم المعايشة المباشرة أن يمكث الباحث، في مكان أو مجتمع معين، مدة محددة، اختلف حولها الدارسون السوسيولوجيون اختلافا كبيرا، قد تكون قصيرة أو متوسطة أو طويلة بغية دراسة أفعال الأفراد والجماعات فهما وتأويلا، ولاسيما في المجتمعات التقليدية، أو مجتمعات الأقليات، أو المجتمعات المتميزة بعادات وأعراف وتقاليد خاصة، كدراسة المجتمعات البدائية، أو دراسة القبائل المتوحشة، أو دراسة المجتمعات الأمازيغية.

أضف إلى ذلك يصف الباحث مجتمعه المختار بطريقة مباشرة، بمعايشة أفراد المجتمع لمدة محددة، وتعلم لغتهم، واكتساب عاداتهم وتقاليدهم، واحترام أعرافهم ومواضعاتهم الاجتماعية والعقدية والسلوكية. وفي هذا، يقول أنتوني غيدنز:" يشير البحث الإثنوغرافي عادة إلى دراسة الأفراد والجماعات  ميدانيا عن طريق المعايشة المباشرة على مدى فترة زمنية محددة باستخدام الملاحظة التشاركية أو المقابلة الشخصية بقصد التعرف على أنماط السلوك الاجتماعي.ويهدف البحث الإثنوغرافي إلى اكتشاف المعاني الكامنة وراء الفعل الاجتماعي عن طريق انخراط الباحث المباشر بالتفاعلات التي يتكون منها الواقع الاجتماعي للجماعة المدروسة.وقد تمتد الفترة التي يعايش فيها العالم الاجتماعي جماعة أو مؤسسة أو مجتمعا محليا ما إلى عدة أشهر، وربما إلى سنوات لملاحظة الأنشطة اليومية والأحداث، وإيجاد تفسيرات لما يتخذ من قرارات أو ما يصدر عن الجماعات من أفعال وتصرفات.وربما تنطوي البحوث الإثنوغرافية على بعض المخاطر، سواء ما ينجم منها عن البيئة الطبيعية مثل المناطق الجبلية أو الصحراوية أو النائية، أو عن سياقات اجتماعية معينة مثل معايشة الفئات المنحرفة أو المشتبه بانخراطها في نشاطات جرمية."

ومن هنا، يتمثل هدف المعايشة المباشرة في فهم الباحث للشخص الآخر، أو التعرف إلى الغير الأجنبي، بملاحظته واقعيا في الميدان، وملاحقته في مجتمعه، ومشاركته في الظروف الاجتماعية نفسها التي يعيش فيها. كما أنها بحث ميداني قائم على الملاحظة المشاركة، كما يتبين ذلك واضحا في مذكرات المسافرين وحكاياتهم وقصصهم وروايتهم، وفي مختلف تقارير الموظفين والباحثين والمهندسين، ومرويات الرحالة والجغرافيين المغتربين، ومشاهدات السائحين والإثنوغرافيين. ومن ثم، فالمعايشة عبارة عن وصف إثنوغرافي لأحوال المجتمع وعاداته وتقاليده وأعرافه ونظمه ومؤسساته وثقافته وفنونه وصنائعه ومعارفه وقيمه ومعتقداته وحضارته، باستخدام آليات الملاحظة الميدانية، والمشاركة المباشرة، والرحلة، والوصف، والتأريخ، والمقارنة، والوصف، والفهم الداخلي الذاتي، وتدوين المعلومات والبيانات والمعطيات، وكتابة التقارير...

المبحث الثاني: الآليــــات المنهجيـــة

تستند المعايشة المباشرة إلى آليات منهجية متنوعة، كالملاحظة الميدانية، والمسح الكلي المباشر، والمشاركة في حياة المجتمع، وجمع المعلومات وتدوينها بطريقة مستعجلة أو مؤجلة، واستعمال آليات الملاحظة، والوصف، والتأريخ، والمقارنة، والتطور، والفهم، والاستنتاج، والتعميم، والتوصيف، والمقابلة، وتوزيع الاستمارات...

ولايمكن أن يتحقق الهدف العلمي من المعايشة إلا إذا نظر إلى الظواهر المرصودة نظرة علمية خارجية محايدة، دون إدخال الذات والعواطف والإيديولوجيا في البحث، ثم التجرد من التمركز الذاتي للثقافة الغربية في التعامل مع الإثنيات والشعوب المختلفة، ولاسيما البدائية منها.

وعليه، فالباحث الإثنوغرافي هو الذي يستخدم المعايشة، أو الملاحظة الميدانية المشاركة، دون اللجوء إلى وسائط علمية ومعرفية وبحثية جاهزة كالمصادر والمراجع والباحثين الآخرين، بل لابد من النزول إلى الميدان للتنقيب وجمع المادة بغية دراستها وتحليلها توثيقها،مع التمكن نسبيا من لغة المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه، وتمثل النزاهة والحياد العلمي، والابتعاد عن النظرة العرقية أو الشوفينية أو العنصرية أو الاستعلائية، وتجنب التصورات الدينية المسبقة في دراسة المجتمعات المختلفة، والتخلص من حمولات الثقافة الخاصة، والهدف من هذا كله هو فهم عقلية الآخر فهما دقيقا.

وعليه، تنبني تقنية المعايشة على مجموعة من الخطوات المنهجية الأساسية التي يمكن حصرها فيما يلي:

- ملاحظة الواقع أو الميدان بطريقة مباشرة حية؛

 - وضع حدود منهجية وعلمية للموضوع الذي يحلله الباحث ويدرسه؛

- الحضور الفعلي للباحث داخل الميدان في الزمان والمكان قصد وصف المعنى الذي تحمله أفعال جماعة معينة؛

- الالتزام بالحياد والموضوعية العلمية في البحث والتقصي والفحص وتجميع المعلومات والبيانات والمعطيات حول الظاهرة المرصودة، دون إصدار أحكام مسبقة، أو الانطلاق من عقيدة معينة، أو الحكم على الظاهرة من خلال إيديولوجية راسخة في ذهن الباحث ؛

- تدوين المعطيات والمعلومات والبيانات بشكل فوري، أو بشكل متدرج ومستمر، أو بعد الانتهاء من الاستكشاف والتحقيق والبحث، والاعتماد على تلك المعلومات المسجلة، بتصنيفها إلى معلومات رئيسة، ومعلومات ثانوية، ومعلومات غير مهمة؛

- تفريغ البيانات والمعلومات والمعطيات ودراستها فهما وتفسيرا وتأويلا وتفكيكا وتركيبا حسب المنهج الذي يختاره الباحث المعايش للظاهرة المرصودة.

وعادة، ما يشير البحث الإثنوغرافي " إلى دراسة الأفراد والجماعات  ميدانيا  عن طريق المعايشة المباشرة على مدى فترة زمنية محددة، باستخدام الملاحظة التشاركية أو المقابلة الشخصية بقصد التعرف على أنماط السلوك الاجتماعي . ويهدف البحث الإثنزوغرافي إلى اكتشاف المعاني الكامنة وراء الفعل الاجتماعي،  عن طريق انخراط الباحث المباشر بالتفاعلات التي يتكون منها الواقع الاجتماعي  للجماعة المدروسة.وقد تمتد الفترة التي يعايش فيها العالم الاجتماعي جماعة أو  مؤسسة أو مجتمعا محليا ما إلى عدة أشهر، وربما إلى سنوات لملاحظة الأنشطة  اليومية والأحداث، وإيجاد تفسيرات لما يتخذ من قرارات أو ما يصدر عن الجماعات من أفعال وتصرفات.وربما  تنطوي البحوث الإثنوغرافية على بعض المخاطر، سواء ما ينجم منها عن البيئة الطبيعية مثل المناطق الجبلية أو الصحراوية أو النائية، أو عن سياقات اجتماعية معينة مثل معايشة الفئات المنحرفة أو المشتبه بانخراطها في نشاطات جرمية.

وتقدم الإثنوغرافيات الناجحة ثروة من المعلومات والبيانات حول الحياة الاجتماعية، وتتفوق في هذا المجال على أساليب البحث الأخرى.فهي تدرس الجماعة البشرية من الداخل، ومن ثم تستطيع تقديم نظرة ثاقبة على أنشطتها  ومقاصد الأفعال والقرارات التي تتخذها. كما يمكن هذا النوع من الدراسات أن يراقب ويدون ويحلل السيرورة/ العملية الاجتماعية التي تتمفصل وتتقاطع مع الوضع الاجتماعي المدروس.ويشار إلى البحوث الإثنوغرافية عادة بوصفها واحدة  من أنواع الدراسات النوعية (الكيفية)، لأنها تعنى في المقام الأول بالفهم الذاتي للظاهرة أكثر مما تهتم بالبيانات الإحصائية الرقمية.كما أن البحث الإثنوغرافي يعطي الباحث قدرا واسعا من الحرية والمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف والأوضاع الطارئة. وأخذ زمام المبادرة لتوجيه الدراسة لمتابعة البحث وفق التطورات المستجدة. غير أن للعمل الإثنوغرافي الميداني حدودا تقيده، ومخاطر منهجية قد تؤثر في ما يتوصل إليه من تحليلات ونتائج.فإن مجاله يقتصر على دراسة مجموعات صغيرة وقليلة من الجماعات. كما أن العمل نفسه يعتمد، إلى حد بعيد، على مهارة الباحث المهنية، وقدرته على كسب ثقة أفراد الجماعة.وقد يقع الباحث، من ناحية أخرى، تحت تأثير التصاقه وتعايشه ومشاركته الوجدانية للجماعة إلى حد يضيع معه منظوره المنهجي العلمي في دراسة الظاهرة باعتباره مراقبا موضوعيا محايدا."

وتعد الإثنوميتودولوجيا، أو الإثنومنهجية (L'ethnométhodologie)، مقاربة سوسيولوجية في "دراسة الطرائق والمناهج التي ينهجها الأفراد في الواقع الفعلي لخلق أنماط سلوكية عقلانية تمكنهم من التفاعل والتعايش في معترك الحياة. هذه الطرائق مستمدة من المعرفة والفهم الشائع في المجتمع، وليس من التراث والمناهج العلمية المنظمة التي يحددها العلماء الاجتماعيون"  . ويعني هذا " أن الدراسات الإثنوميتودولوجية تحلل أنشطة الحياة اليومية تحليلا يكشف عن المعنى الكامن خلف هذه الأنشطة، وتحاول أن تسجل هذه الأنشطة، وتجعلها مرئية ومنطقية وصالحة لكل الأغراض العلمية، وتهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن الطرائق التي يسلكها أعضاء المجتمع، خلال حياتهم اليومية، لتكوين نوع من الألفة بالأحداث والوقائع".

ومن ثم، تعد هذه النظرية السوسيولوجية من أكثر النظريات اعتمادا على المناهج الكيفية من جهة، واستعمال تقنية المعايشة بالمشاركة من جهة أخرى. وقد رفض زعيمها هارولد غارفينكل Harold Garfinkel)) وأتباعه استخدام المنهج الكمي،  وكذلك استعمال الاستبيانات أو الاختبارات العلمية، أو توظيف أسلوب المقابلة المفتوحة، واستبدل ذلك كله بالملاحظة، والمنهج التوثيقي، والمنهج شبه التجريبي.

ومن ثم، فهذه النظرية عبارة عن منهجية أو ممارسة تطبيقية ظهرت في مجال الإثنوغرافيا، وتشير إلى مختلف التطبيقات التي أجريت على الجماعات الخاصة انطلاقا من أسئلة خاصة. وهناك، تخصص آخر يسمى بالإثنوطبي(l'ethnomédecine) الذي يعنى برصد مختلف الممارسات العلاجية التي استعملت في مجال الطب. ومن ثم، ليست الإثنومنهجية منهجية خاصة، بل ميدان يهتم بالمنهجيات الإثنولوجية. ويعني هذا أن الإثنومنهجية تدرس الأنشطة الجماعية ليس من الخارج، بل من الداخل. ولهذه المنهجية علاقة وطيدة بالفينومونولوجيا، مادامت تركز على التجارب المعاشة في العالم. ويعني هذا أنها تهتم بالظواهر الإنسانية المختلفة، بمعايشتها وملاحظتها والتعاطف معها من الداخل. وبالتالي، تندرج هذه المنهجية السوسيولوجية ضمن العلوم الإنسانية، ولاعلاقة لها بالتصورات الوضعية عند أوجست كونت أو دوركايم. وتستند إلى مجموعة من التصورات والمرجعيات المختلفة لهوسرل(Husserl)، وفيتجنشتاين(Wittgenstein)، وإرفين كوفمان (Erving Goffman)، وشوتز (Schütz)، وبار هيلل(Schütz)، ونوام شومسكي(Noam Chomsky)...

وعلى العموم، قد استعملت تقنية الملاحظة المباشرة المشاركة، أو تقنية المعايشة، في مجال الأنتروبولوجيا، والإثنولوجيا، والسوسيولوجيا اليومية، والإثنوغرافيا، وفي الخطاب الرحلي، والدراسات السفارية... ووظفت كذلك في فهم مجتمع المصانع والمعامل، وفهم طبيعة الحياة المجتمعية في القرى والمدن والأحياء الشعبية، وفهم النسق التربوي داخل فضاءات المدارس والجامعات. علاوة على تطبيقاتها الميدانية على فضاءات أخرى، مثل: المستشفيات، والمعسكرات، والأسواق، والنوادي، والمقاهي، والسجون، والمنافي، والواحات، والمداشر، والشوارع، والحانات، والمواخير...

المبحث الثالث: إيجابيات المعايشة

من المعلوم أن للمعايشة المباشرة إيجابيات عديدة، فهي تمدنا بمعلومات وافرة عن حياة الأفراد والمجموعات بطريقة ميدانية مباشرة؛ حيث يشارك الباحث العينة المدروسة عن كثب، ويتفهم لغتها وأوضاعها الاجتماعية. وبالتالي، يكون الباحث عارفا بقيمها ومعارفها وعاداتها وتقاليدها ونظمها وسلوكياتها؛ حيث يدون كل ما يلاحظه ويشاهده من تصرفات وأفعال، محاولا فهم دلالاتها ومقاصدها ونسقها الرمزي.

ومن ثم، فالمعايشة طريقة من طرائق البحث الكيفي المتميزة منهجيالاهتمامها بما هو داخلي وذاتي، بالابتعاد عن معطيات الإحصاء والتجريب الكمي. وفي هذا، يقول أنتوني غيدنز:"تقدم الإثنوغرافيات الناجحة ثروة من المعلومات والبيانات حول الحياة الاجتماعية، وتتفوق في هذا المجال على أساليب البحث الأخرى. فهي تدرس الجماعة البشرية من الداخل، ومن ثم تستطيع تقديم نظرة ثاقبة على أنشطتها ومقاصد الأفعال والقرارات التي تتخذها.كما يمكن هذا النوع من الدراسات أن يراقب ويدون ويحلل السيرورة/العملية الاجتماعية التي تتمفصل وتتقاطع مع الوضع الاجتماعي المدروس.ويشار إلى البحوث الإثنوغرافية عادة بوصفها واحدة من أنواع الدراسات الكيفية، لأنها تعنى في المقام الأول بالفهم الذاتي للظاهرة أكثر مما تهتم بالبيانات الإحصائية الرقمية.كما أن البحث الإثنوغرافي يعطي الباحث قدرا واسعا من الحرية والمرونة والقدرة على التكيف مع الظروف والأوضاع الطارئة، وأخذ زمام المبادرة لتوجيه الدراسة لمتابعة البحث وفق التطورات المستجدة."

ويعني هذا كله أن تقنية المعايشة إجراء علمي مهم، يتخذ طابعا كيفيا وصفيا، يروم جمع المعلومات والمعطيات حول ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو قانونية في المجتمعات البدائية، أو المجتمعات الإثنية، قصد فهم أوضاعها الاجتماعية والسياسية والقانونية والثقافية والحضارية، ومقارنتها بالمجتمعات المعاصرة أو المتحضرة أو المركزية.

المبحث الرابع: سلبيات المعايشة

على الرغم من أهمية المعايشة الصادقة في مجال البحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي والإثنوغرافي، إلا أن هذه الطريقة قد تسقط الباحث في الذاتية، وتبعده عن الموضوعية العلمية، عندما يندمج في المجتمع بشكل كلي وعميق، ويتقمص قيمه ومعتقداته وسلوكياته. ويعني هذا أن" للعمل الإثنوغرافي الميداني حدودا تقيده، ومخاطر منهجية قد تؤثر في ما يتوصل إليه من تحليلات ونتائج. فإن مجاله يقتصر على دراسة مجموعات صغيرة وقليلة من الجماعات.كما أن العمل نفسه يعتمد، إلى حد بعيد، على مهارة الباحث المهنية وقدرته على كسب ثقة أفراد الجماعة.وقد يقع الباحث، من ناحية أخرى، تحت تأثير التصاقه وتعايشه ومشاركته الوجدانية للجماعة إلى حد يضيع معه منظوره المنهجي العلمي في دراسة الظاهرة باعتباره مراقبا موضوعيا محايدا."

ومن سلبيات المعايشة كذلك السقوط في الذاتية، والخضوع للميول والأهواء والرغبات والاتجاهات الشخصية الضيقة، والانسياق وراء الأطماع والتصورات الإيديولوجية المغرضة، وتغليب المنافع والمصالح الذاتية، والابتعاد عن الموضوعية العلمية الحقة، وخدمة الأغراض الاستعمارية في إطار التوجه الكولونيالي أو الاستشراقي، كما يبدو ذلك جليا في البحوث الإثنوغرافية والإثنولوجية والأنتروبولوجية.

الخاتمة:

وخلاصة القول، على الرغم من سلبيات المعايشة المباشرة، فإنها تقنية علمية فينومونولوجية كيفية مهمة في مقاربة الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية، ولاسيما الإثنوغرافية منها؛ إذ تساعدنا هذه الملاحظة الميدانية على استجماع المعلومات والبيانات والمعطيات المهمة حول ظاهرة ما بغية فهمها وتفسيرها وتأويلها. وغالبا، ما توظف هذه التقنية الميدانية العملية بكثرة في المجالات العلمية التالية:الإثنولوجيا، والأنتروبولوجيا، والتاريخ، والجغرافيا، والرحلة، وعلم الاجتماع، واللسانيات.

..................

الهوامش:

1 -Coenen-Huther, J, Observation participante et théorie sociologique, Paris : Le Harmattan, 1995.

2 - أنتوني غيدنز: علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2005م، ص:681.

3  - أنتوني غيدنز: نفسه، ص:681.

4  - زينب شاهين: الإثنوميتودولوجيا: رؤية جديدة لدراسة المجتمع، مركز التنمية البشرية والمعلومات، القاهرة، مصر، طبعة 1987م، ص:76.

5  - إبراهيم لطفي طلعت و وكمال عبد الحميد الزيات: النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، دار غريب، القاهرة، مصر، طبعة 1999م، ص:145-147.

6 - أنتوني غيدنز: علم الاجتماع، ص:681.

7 - أنتوني غيدنز: نفسه، ص:681.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2017-04-20 13:54:14.