المثقف - تقارير وتحقيقات

خصوصية وآفاق الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة (1)

mutham aljanabiإن المقدمة العامة لفهم ماهية "الإسلام السياسي" تقوم أولا وقبل كل شيء في كونها ظاهرة تاريخية تتداخل فها مختلف إشكاليات الماضي والحاضر والمستقبل. أما بروزها بهيئة ظاهرة سياسية صرف، أي إرجاعها إلى فكرة "تسييس" الإسلام، فأنها تشير أولا وقبل كل شيء إلى أولية الأبعاد السياسية في الظاهرة الإسلامية الحالية، وليس حقيقتها كما هي. وهذا بدوره كان مرتبطا من الناحية الزمنية "بالثورة الإسلامية" في إيران، بوصفها الحدث السياسي الأكبر في صيرورة "الإسلام السياسي" الحديث. فقد استعادت هذه التسمية بعد حوالي قرن من الزمن ما سبق وان دعاه ماركس "بالثورة المحمدية" (الإسلامية)، ولكن في ظل ظروف جديدة وآفاق مستقبلية لم يكن بالإمكان النظر إليها آنذاك بوصفها حركة ذاتية تلقائية للعالم الإسلامي، أو أنها تحتوي بالضرورة على هذه البواعث بوصفها الأكثر جوهرية في مساره الذاتي. فقد كان الصراع العالمي بين القطبين على أشده. ومن ثم كان من الصعب تذوق هذه الثورة بلسان الشيوعية المتشددة والرأسمالية النفعية. من هنا التقائهما للمرة الأولى في الموقف من "الثورة الإسلامية" بشكل خاص. مع ما ترتب عليه من هموم كبيرة متنوعة الوسائل والغايات من اجل فهم هذا "المنافس الطارئ" على الصعيد العالمي، على الأقل بمعايير الأيديولوجيا والفكرة السياسية. وهو السبب الذي يفسر سرّ الانهماك الشديد بالإسلام بوصفه ظاهرة سياسية وأيديولوجية صرف.

فقد كانت "الثورة الإسلامية" في إيران احد المنعطفات الكبرى في تاريخ الإسلام الحديث. فمن الناحية الأيديولوجية كانت أشبه بالثورة الفرنسية ضمن سياق الفكرة الليبرالية (الغربية)، والثورة البلشفية ضمن سياق الفكرة الاشتراكية (الشرقية). بمعنى أنها مثلت احد النماذج الأيديولوجية الجديدة المنافسة للتقاليد "الغربية" و"الشرقية" في الثورة وعقائدها الكبرى. وفي هذا يكمن سبب الانشغال الكبير بادراك مقدماتها وغاياتها وإمكاناتها الذاتية وأثرها المحتمل. وعندها بدأت تظهر مختلف صيغ التعبير عن هذه الظاهرة الإسلامية الجديدة. لكن مصطلح "الإسلام السياسي" كان من بين أكثرها بروزا وانتشارا وإقناعا.

وفيما لو جرى تكثيف المعنى المتراكم في الدراسات المتنوعة والمختلفة عن ماهية وحدود "الإسلام السياسي"، فأنها لا تعدى في الأغلب إطلاقه على تيارات مختلفة بل ومتصارعة ومتناقضة، المشترك بينها هو نمو نشاطها السياسي المتحزب وأيديولوجيتها العملية. وبالتالي، فمن حيث طابعه الأيديولوجي يرمي "الإسلام السياسي" إلى غاية كبرى وهي "أسلمة" الفرد والجماعة والأمة في كافة الميادين والمجالات والمستويات، ومن حيث موقفه العقائدي الثقافي العام يرمي إلى مواجهة مشاريع "الغرب" ومناهضة نموذجه في كل شيء. ومن حيث طابعه العملي فانه يجمع بين مختلف الأشكال العملية والسياسية القديمة منها والحديثة.

فمن الناحية المجردة ليس في هذه الأوصاف العامة "للإسلام السياسي" شيئا ما غريبا أو مختلفا اختلافا نوعيا عما سبقه من تقاليد وأشكال سياسية لها وجودها الفاعل في العالم الإسلامي على امتداد القرن العشرين. غير أن "الثورة الإسلامية" في إيران قد جعلت منه كيانا بارزا متميزا وقائما بحد ذاته ليس فقط على النطاق الوطني والإقليمي والإسلامي، بل والعالمي أيضا، بوصفه قوة بديلة ومشروع خاص له صداه السابق ضمن ما يسمى بالعالم الثالث والطريق الثالث والقوة الثالثة، وما شابه ذلك. إلا أن الأحداث التاريخية اللاحقة قد كشفت عن أن هذه التسميات هي حصيلة "قطبية ثنائية" قابلة للانحلال والزوال. ومن ثم لم تكن أكثر من أوصاف أيديولوجية صرف. أو على الأقل أنها توصيفات سياسية عابرة تستجيب فقط للمغزى الجزئي القائم في مصطلح "الإسلام السياسي".

وبالمقابل جرى تحسس وإدراك "الثورة الإسلامية" بمختلف الأشكال والصيغ الوجدانية البهية من جانب أولئك الذين وجدوا فيها تجسيدا لمشروع كوني جديد ينفي تقاليد التبعية ويؤسس لأصالة ذاتية! ففي المقدمة المكتوبة لدستور الجمهورية الإسلامية (الإيرانية) نقرأ ما يلي:"إن هذا الدستور الجديد الذي وضع على أعتاب القرن الخامس عشر الهجري، هو استمرار لرسالة النبي محمد ونشاطه، باعتباره المؤسس الأول للحركات الإسلامية التحررية". وأن "الثورة الإسلامية" وضعت بداية عصر جديد هو عصر "تحرير المضطهدين والمستضعفين وهزيمة كل المستكبرين". ووجد البعض حقيقتها ومهمتها الكبرى في كونها أبرزت "أهمية الإسلام السياسي" الذي "تجلى بوضوح بعد الثورة الإسلامية العظمى، بعد أن قطع العالم الإسلامي تجاربه مع الأيديولوجيات الغربية المعاصرة". و"أن الثورة الإسلامية الكبرى في إيران شكلت المؤشر الحقيقي على يقظة المسلمين وظهور الإسلام، هذا المارد العملاق من القمقم"، وأنها "استنقاذ للإسلام في قلب الحركة الوطنية والتقدمية من محاولات احتوائه وتوظيفه الرجعي"، كما أنها "التعبير الفكري الشامل لرفض الأمة شعوبا ودولا إن تصبح ولاية لحروب صليبية جديدة"، و"الانقلاب الهائل الذي قدم الإسلام الثوري، الذي بمساعدته يمكن مجابهة الكولونيالية والصهيونية والرأسمالية والعنصرية وقوى الرجعية الداخلية، التي تشكل الخطر الأكبر للإسلام الحق". بل وجد فيها احد الشعراء الكبار الظاهرة التي جعلت "الإسلام يظهر الآن وكأنه وحده الحديث الثوري الباقي". وأنها في نهاية المطاف "انفجار عالم كان الغرب يعتقد انه استأنسه تمام وطوعه بكل مقوماته ليدور في فلكه".

وعموما يمكننا القول، بأن هذه التقييمات اقرب ما تكون إلى استعادة راديكالية لتقاليد راديكالية، وأنها رد فعل وجداني وغبط روحي أكثر مما هي أفكار مؤسسة بمعايير التجربة التاريخية الشاملة. وذلك لأنها ساهمت بوعي أو دون وعي على جعل "الإسلام السياسي" الصيغة الوحيدة والمطلقة للظاهرة الإسلامية. ومن ثم حولت "الإسلام السياسي" إلى نموذج متسام، وصيغة عملية، وأسلوب منهجي، ورؤية سياسية، وتاريخ روحي بقدر واحد. بحيث بدأ البحث عن جذوره الأولية في شخصية النبي محمد (تسييس النبوة وتاريخها العملي) وإعادة قراءته بمعايير سياسية ثقافية حية وحديثة محكومة بالواقع وإشكالاته. وقد كانت تلك خطوة حية، لكنها بالقدر ذاته خطرة، وذلك لأنها كانت أشبه بتلبيس لا تأسيس. وذلك لأنها حاصرت إشكاليات الوجود التاريخي للعالم الإسلامي وآفاقه المستقبلية بالفكرة القائلة، بان غاية "الإسلام السياسي" هي الوقوف ضد كل المبادئ غير الإسلامية، وتقديم المناعة الثقافية للمسلمين من خلال الحفاظ على "الكينونة الإسلامية الكاملة" في كل شيء! ومن ثم العمل على جعل الأمة الإسلامية طرفا جوهريا وفاعلا في العالم المعاصر من خلال بناء نظام إسلامي من طراز جديد، ونظام قيم، وحقوق، واقتصاد وتربية وما إلى ذلك.

فقد حفزت الثورة وأثارت ذكريات الماضي والذاكرة الحية، وأجبرتهما على الدوران في فلك الهياج المتسامي وقوة التعبير المبتهج في برزخ العصيان والتمرد الذي صنعه جبروت "الإسلام السياسي الجديد". الأمر الذي يمكن رؤيته في ذلك العدد الهائل من الشطحات الوجدانية الجميلة والفاقدة في الوقت نفسه لحصانة الرؤية التاريخية الذاتية، كما هو الحال على سبيل المثال في فكرة حسن حنفي عن القطيعة الشاملة مع الغرب، وتحرير الإسلام من الاستهلاك الرجعي وما شابه ذلك. وذلك لما فيها من طفح أيديولوجي. وذلك لان محاربة الاغتراب الظاهري هنا تحتوي في الواقع على اغتراب من نوع باطني يقوم في ثقل "الغرب ومشاريعه" في الفكر البديل والمقارنة. وكذلك الحال بالنسبة للاستعاضة الشاملة الظاهرية والباطنية للفكرة الأيديولوجية. وذلك لاستحالة القيام بذلك دون أن يجري بلورة الفكرة الفلسفية القادرة على إنتاج صيغ إيديولوجية وسيطة تجري ضمن سياق تطورها التلقائي والذاتي. مع ما يترتب عليه من تذليل شامل وقطيعة، أولا وقبل كل شيء مع تقاليد وبواعث الفكرة اللاهوتية نفسها. فهو الطريق الوحيد القادر على إرساء أسس أو تأسيس منظومة مرجعيات معقولة ومقبولة في العالم الإسلامي. وهذه بدورها صيرورة تاريخية تفترض الارتقاء في مدارجها صوب التذليل التام للرؤية اللاهوتية الصرف وتقاليدها السنية الحنبلية في الموقف من الإسلام، باعتباره صيرورة تاريخية ثقافية ودينية وليس كيانا عقائديا ثابتا. بينما تستحيل هذه الفكرة ضمن سياق الرؤية الحنبلية السلفية المتشددة وتقاليدها القديمة والحديثة (والسائدة في التقاليد السنية الحالية). وبدون ذلك تبقى مهمة إلغاء العقل والضمير الإنساني الحر القربان الدائم لإثبات قدسية الشعائر الثقيلة بوصفها حقيقة الإسلام والإيمان، مع ما يترتب عليه من توسيع وتشدد فاعلية البنية التقليدية وتقاليدها الاستبدادية التي حولت كل ما في الإسلام وتاريخه الثقافي إلى طعم مثير في مصيدة خبيثة. وقد يكون صعود المراكز "الإسلامية" المتجسدة في مختلف "مؤسسات" الوهابية السعودية وإسلام البترودولار والوهابيات المحدثة، احد أشكالها ونماذجها الجلية.

أما من الناحية النظرية المجردة، فيمكننا العثور على مفاهيم وأحكام شبيهة عند اغلب مفكري وأيديولوجي الإسلام في العصر الحديث مثل الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والمودودي، وحسن البنا، وسيد قطب وغيرهم. فقد أسس الأفغاني لفكرة الجامعة الإسلامية بوصفها أسلوب للتحرر من السيطرة الكولونيالية، ومن ثم منهجا خاصا للبناء الثقافي والعلمي والسياسي المستقل للعالم الإسلامي. وسار محمد عبده ضمن نفس السياق ولكن من خلال التركيز على أولوية وجوهرية الإصلاح العلمي والتربوي والثقافي. بينما رجع رشيد رضا إلى فكرة الخلافة الأولية بوصفها حلا يستقيم مع حقيقة الإسلام في مجال البناء السياسي للدولة. أما حسن البنا فقد أسس لفكرة الدورة الأبدية، التي تجعل من المحتوم رجوع ما اسماه بقيادة المسلمين للعالم، بوصفها دورة التاريخ القادمة. ومن ثم فان المهمة العملية تقوم في تحضير الجماعة المسلمة المتكاملة بذاتها من اجل إرساء أسس الدولة الإسلامية الحقيقية. وقد كانت آراء المودودي تجميعا وتوليفا حادا لمختلف أفكار الإصلاحية والتشدد السياسي العملي الداعي لتوحيد المسلمين في قوة مستقلة عبر الاستناد التام والشامل لأصول الإسلام ومبادئه وقيمه. بينما بلور سيد قطب فكرة الحاكمية الإلهية الإسلامية عبر جعل الإسلام في أصوله الكبرى (القرآن الحديث) مصدر البناء الإسلامي في كل شي، واعتبار ما عداه جاهلية قديمة أو محدثة.

فقد بدت الثورة الإسلامية في إيران للوهلة الأولى كما لو أنها الصيغة الفعلية لتجسيد وتحقيق المفاهيم والقيم والآفاق الكامنة في الأفكار السياسية الإسلامية المتبلورة في غضون عقود مديدة من القرن العشرين. الأمر الذي جعل منها بؤرة إشعاع هائلة بالنسبة للمزاج والوجدان الإسلامي العادي والنظري على السواء. ومن ثم محاولة جعل إيران مركز الاستقطاب الإسلامي العالمي في مواجهة "الاستكبار العالمي" (المعسكر الشرقي والغربي)، مع ما لازمه من إغراء لتصدير الثورة. ولم يكن هذا الإغراء معزولا عن الخاصية الجديدة للثورة في إيران. فقد كانت "إسلامية" من حيث الطابع والأسلوب والقادة والشعار والرؤية والهيمنة الأيديولوجية. الأمر الذي جعل منها ثورة من طراز خاص، حاولت أن تجعل منه نموذجا جديدا للعالم الإسلامي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنها كانت ثورة بقدر واحد على تقاليد الإسلام السياسية القديمة الغارقة في بحبوحة الارتزاق والخنوع والاستبداد، سواء بتيارها السني أو الشيعي. بمعنى أنها كان تمثل نوع جديد من الخروج على تقاليد الإسلام القديمة سواء بمظهرها السني (الحنبلي بشكل خاص) والشيعي (الإثني عشري - الإمامي بشكل خاص) وبالأخص ما يتعلق منها بفكرة "ولاية الفقيه". فقد كانت تلك من حيث مكنونها الداخلي والذاتي الصيغة الإسلامية الصرف لفكرة ولاية الفيلسوف (الإغريقية). وهذا بدوره لم يكن معزولا أيضا عن نفسية وذهنية التمرد والثورة المميزة لتقاليد التشيع العريقة المشبعة بالتفلسف العقلي والعرفان الصوفي والنزعة الإنسانية.

وقد كمنت في هذه الحالة أيضا احد أسباب الصعود اللاحق للفكرة الطائفية أو الصراع المذهبي في العالم الإسلامي بشكل وعام والعربي بشكل خاص. بمعنى انه يمثل حالة بقاء وفاعلية الوعي اللاهوتي، وفي الوقت نفسه يمثل حالة الانتقال منه إلى الوعي السياسي. الأمر الذي نعثر عليه في صعود نمط "الطائفية السياسية" وليست الاجتماعية أو المذهبية أو العقائدية. وبما أن التشيع الحديث، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران كان يمثل ويتمثل تقاليد الرفض للاستبداد والدعوة للحرية من هنا يمكن رؤية الصعود المتنامي لفكرة التسنن "المجاهد" بوصفها نفيا للحرية ودعوة للاحتراب الداخلي وانتهاج بدائي ومستميت لإثارة اشد الأشكال غير العقلانية والهمجية في الوعي الفردي والجماعي. وهو أمر جلي على خليفة العلاقة السياسية بين ممالك وإمارات الخليج "السنية" قبل الثورة وبعدها. فقد كانت علاقتها بالشاهنشاهية علاقة ودية وتحالف، مع أن نظام الشاه كان يمثل الصيغة الأكثر عدائية للعالم الإسلامي والعربي بشكل خاص. فقد كان النظام الشاهنشاهي الإيراني نموذجا "للمجوسية" و"العنصرية الفارسية" والحليف الأكبر للقوى الكولونيالية والصهيونية في المنطقة. بينما تحولت إيران بعد الثورة الإسلامية، المناهضة والنافية لكل خطايا الشاهنشاهية، إلى العدو "المجوسي" و"الصفوي" الأكبر! الأمر الذي يشير إلى حقيقة العلاقة بين التسنن التقليدي وتقاليد الاستبداد والعبودية. بمعنى انه يشير أولا وقبل كل شيء إلى بقاء تقاليد الماضي في ظل مرحلة تتسم بديناميكية قوية للانتقال من مرحلة اللاهوت الديني البليد إلى مرحلة اللاهوت السياسي الفعال. وفيها ومن خلالها تنعكس تقاليد السلطة المستبدة وتقاليد المعارضة والرفض الميزة في تاريخ الإسلام بمختلف أشكالها وحركاتها.

وإذا كان انتصار الإسلام في إيران مقرونا بالتشيع، فلأنه بقي القوة الأكثر تماسكا واستمرار من غيره في تمثل تقاليد الرفض وفكرة الحرية بمعاييرها اللاهوتية والسياسية. فإذا كانت حركات التسنن من حيث الجوهر تتمثل وتمثل تقاليد الاستبداد والاستعباد للسلطة أيا كان شكلها ومزاجها، فان الأمر يختلف بالنسبة للتشيع الذي ربط فكرة المثال بفكرة المقدس وبإمامة الروح لا الجسد. الأمر الذي جعله على الدوام يقف بين ملك السلطة وزمنها وبين ملكوت الروح وتاريخ جبروته الباحث عن بدائل مثلى. وقد حّيد ذلك واضعف إمكانية المرونة العملية في التشيع من جهة، لكنه أبقى على جذوة المواجهة ضد السلطة بوصفها مرجعية يصعب تذليلها في ظل الاستبداد والاستعباد، من جهة أخرى. من هنا محاولات حصر معنى ومضمون الثورة الإسلامية في إيران بألقاب "الروافض" و"الصفوية" و"التشيع" من اجل إثارة الحماسة الغبية حول تسنن بدوي همجي لا علاقة جوهرية تربطه بالإسلام بغير الاسم والرسم. ومن ثم سحق الفكرة الإسلامية، بما في ذلك السياسية منها بين رحى التحريف المتعمد لوقائع الماضي والحاضر، والتخريف المتمرد على ابسط مظاهر الحق والحقيقة.

إننا نعثر في هذه الحالة على مفارقة مرهقة للعقل الحر والضمير الحي في عصر "ما بعد الحداثة"، لكنها تعكس المسار الواعي لمرحلة الانتقال المتأخرة نسبيا في العالم الإسلامي من حالة الوعي الديني اللاهوتي إلى الوعي الديني السياسي. من هنا تلازم الإثارة المذهبية والطائفية السياسية بوصفه السور الأخير الذي يمكن أن تتحصن وراءه قوى الاستبداد وتقاليد الاستعباد وبقايا التصحر الثقافي والروحي وقواه البدوية في ممالك وإمارات الخليج وامتداده الاجتماعي والثقافي في المشرق العربي. من هنا محاولاته تأسيس الثنائية العدائية بين التشيع والتسنن من خلال إرجاع الإسلام إلى كتلة همجية لا تتعدى في أفضل نماذجها حدود السلفية الحنبلية، أي اشد الأشكال تخلفا وبدائية للفكرة الإسلامية. ومن ثم محاولات جعل هذا الصراع محور الإسلام وبداية ونهاية الوجود العربي والإسلامي! ولعل مفارقة هذا السلوك البليد تقوم في محاولته تفريغ مسالك العقل النقدي من تاريخ الروح والجسد الثقافي، أي كل ما ينبغي له أن يذلل، مرة واحدة إلى الأبد، بقايا هذا الخلاف عبر نقل الوجود العربي والإسلامي من محور الصراع المذهبي، بوصفه أسلوبا للإبقاء على البنية التقليدية وتقاليد الاستبداد والاستعباد، إلى عالم الحرية والمواطنة، أي إلى عالم نوعي آخر يذلل قدرة الربع الخالي على رمي رماله إلى مدنية المستقبل العربي ودنيوية العالم الإسلامي. وذلك لان صعود المركز السني التقليدي الحنبلي الوهابي هو الوجه الآخر لبقايا البنية التقليدية المتهالكة من حيث بنيتها الذاتية والخشنة من حيث إمكانياتها المالية. ومن ثم هي مسخ جذاب لأمثاله. وبالتالي، فهو أمر عرضي وطارئ في ديناميكية العالم المعاصر ومرحلة الانتقال التاريخية الكبرى التي يمر بها العالم الإسلامي صوب المرحلة السياسية الاقتصادية.

بعبارة أخرى، إن قوة الإسلام السني الحنبلي الوهابي من قوة الرشوة المالية. ومن ثم فانه خال من الروح الثقافي والنزعة الإنسانية والقيم الاجتماعية والروح المدنية. انه مجرد ممول مباشر وغير مباشر لسلفيات متشددة، بوصفها الصيغة غير الواعية لازمة الإسلام السني التقليدي. كما أنها تعكس عموما أزمة اليسار الدنيوي والتيار القومي بمختلف مشاربه، التي لازمت حالة الخروج على منطق التطور الطبيعي للتاريخ الفعلي للأمم (القومية) والدولة الحديثة. غير أن صيغته الظاهرية والمباشرة الحالية القائمة في إثارة الصراع الطائفي والمذهبي بين التشيع والتسنن لم تعد مذهبية صرف كما كان فيما مضى، كما هو جلي في افتقاده التام للجدل النظري. لقد تحول إلى خلاف عملي اقرب إلى المؤامرة والمغامرة والمقامرة من جانب الحنبلية الوهابية المحدثة. ومن خلالها برزت تقاليد الماضي بوصفها خلافا حادا في الرؤية تجاه اغلب إشكاليات الوجود المتعلقة بالدولة والنظام السياسي والمجتمع والحقوق والقيم. وإذا كانت خاتمة التيارات السنية الحنبلية الوهابية تتراكم في كمية العداء والاستعداء على العقل والضمير القومي والمصالح الكبرى والرؤية المستقبلية للحرية والمواطنة وفكرة الحق والحقوق، فلأنها كانت على الدوام تمثل هامشية الروح والجسد الثقافي. فقد كانت التقاليد الحنبلية على الدوام القوة الوحيدة الكبرى والشرسة في عدائها للعقل والعقلانية والنزعة الإنسانية والفلسفة والعلوم، على عكس ما هو مميز لتقاليد التشيع.

وضمن هذا السياق يمكن فهم طبيعة "الثورة الإسلامية" وأثرها اللاحق بالنسبة لبروز "الإسلام السياسي" بهيئة تيار مستقل بذاته استحوذ على كامل الكينونة الإسلامية المعاصرة. والسبب يكمن في أن الثورة الإسلامية في إيران أبرزت الملامح الأولية الكبرى لمرحلة الانتقال من الوعي اللاهوتي الديني إلى الوعي الديني السياسي، أي من الوعي اللاهوتي الإسلامي إلى الوعي الإسلامي السياسي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

مفكر وباحث

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2015-02-24 12:47:55.