المثقف - أقلام فكرية

ماجد الغرباوي: جاهلية المجتمع .. جريمة الخطاب الديني المتطرف

majedalgarbawiان تكفير المجتمعات المسلمة جريمة كبرى، لا ترتكز لأي أساس ديني، سوى رؤى واجتهادات شخصية مشحونة بخطاب عاطفي .. رؤى تخالف أبسط قيم الدين الحنيف

 طالما نظّر الاسلاميون لمفاهيم ورؤى تشبّعت بكراهية الآخر وتكفيره، والتخطيط للاطاحة بكل منجزاته. فسيد قطب، مثلا،نظّر بكثافة مروّعة، لمفاهيم خطيرة كانت وراء اقتحامالموت والاستهانة بالحياة، وعدم التفكير بتداعيات الفعل الارهابي على مستقبل المسلمين والعقيدة الدينية، كفهوم الحاكمية الالهية التي أدان بموجبها جميع الحكومات، وبرر اسقاطها بالعنف. وكذلك مفهوم جاهلية المجتمع، ذلك المفهوم الخطير الذي أدان به جميع الشعوب المسلمة، واعتبرها (جاهلية)، منبوذة، يجب تقويمها ولو بالقوة، من هنا تجد المتطرفين في ممارساتهم للقتل لا يكترثون لحيثية الانسان ولو كان مسلما. فسيد قطب إذاً لم يكتف بتكفير الحكومات والانظمة السياسية الحاكمة، وانما شملت ادانته كافة المجتمعات الاسلامية. يقول في كتابه معالم في الطريق: (نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الاسلام او أظلم. كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم، عادتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم، وآدابهم، شرائهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة اسلامية، ومراجعة اسلامية، وفلسفة اسلامية، وتفكيرا اسلاميا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية)1. فهي مجتمعات مدانة (بنظر سيد قطب)، لا تتصف بصفات اسلامية، وعليها العودة الى الاسلام، والاقرار بعقيدة لا اله الا الله بمدلولها الحقيقي الذي يعني (لا حاكمية الا حاكمية الله) كشرط اساس لاسلامها، والا فتشملها أحكام الجاهلية، مما يبرر هجرتها وربما قتالها حتى تفيء لامر الحاكمية الالهية.

يقول سيد قطب: (كذلك ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة- حتى لو كانوا يدّعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون!- يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو "أولاً" إقرار عقيدة: "لا إله إلا الله" - بمدلولها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله). كما يجب عليهم تحمل مسؤولياتهم (وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحـق لأنفسهم، إقرارها فـي ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم)2.

ولا يخفى مدى خطورة مفهوم المجتمع الجاهلي كما ينظّر له سيد قطب في مؤلفاته التي تشكل رؤية دينية سياسية تنظيمية يعمل في اطارها "الاخوان المسلمين"3، التنظيم السياسي الذي كان ينظـّر له سيد قطب خاصة. فتصوّر هل يمكن قيام مجتمع متسامح في ظل خطاب تكفيري يعتبر المجتمع الاسلامي الراهن، مجتمعا جاهليا تجري عليه احكام الجاهلية ابان الدعوة الاسلامية؟ أي يجب التعامل معه على أساس انه مجتمع كافر معاد للاسلام والرسالة، سلوكا وعقيدة. فسيد قطب يرى: (إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها. جاهلية لا تخفف منها شيئا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق!. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة ، وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على عباده وما مهانة الإنسان عامة في الأنظمة الجماعية، وما ظلم الأفراد والشعوب بسيطرة رأس المال والاستعمار في النظم الرأسمالية إلا أثرا من آثار الاعتداء على سلطان الله، وإنكار الكرامة التي قررها الله للإنسان)4.

لكن الأخطر – كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي- ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة (التكفير) والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من كتاب (في الظلال القرآن) ومما أفرغه في كتابه (معالم في الطريق) أن المجتمعات كلها قد أصبحت (جاهلية). وهو لا يقصد بـ (الجاهلية) جاهلية العمل والسلوك فقط، بل (جاهلية العقيدة). (إنها الشرك والكفر بالله، حيث لم ترض بحاكميته تعالى، وأشركت معه آلهة أخرى، استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين، والقيم والموازين، والأفكار والمفاهيم، واستبدلوا بها شريعة الله، وأحكام كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم)5. ويضيف: (وهذه مرحلة جديدة تطور إليها فكر سيد قطب، يمكن أن نسميها مرحلة الثورة الإسلامية، الثورة على كل الحكومات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية، والثورة على كل المجتمعات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية. فالحقيقة في نظر سيد قطب أن كل المجتمعات القائمة في الأرض أصبحت مجتمعات جاهلية. تكون هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله، والذي ينضح بتكفير المجتمع، وتكفير الناس عامة، لأنهم أسقطوا حاكمية الله تعالى ورضوا بغيره حكما، واحتكموا إلى أنظمة بشرية، وقوانين وضعية، وقيم أرضية، واستوردوا الفلسفات والمناهج التربوية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية وغيرها من غير المصادر الإسلامية، ومن خارج مجتمعات الإسلام، فبماذا يوصف هؤلاء إلا بالردة عن دين الإسلام؟!. بل الواقع عنده أنهم لم يدخلوا الإسلام قط حتى يحكم عليهم بالردة، إن دخول الإسلام إنما هو النطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهم لم يفهموا معنى هذه الشهادة، لم يفهموا أن لا إله إلا الله منهج حياة للمسلم، تميزه عن غيره من أصحاب الجاهليات المختلفة، ممن يعتبرهم الناس أهل العلم والحضارة)6.

فهذا النمط من الخطاب لا يؤسس ولا يساعد على وجود مجتمع متسامح، بل ينتج حركات اسلامية متطرفة تستبيح قتل المسلم قبل غيره. وهذا ما نشاهده اليوم من تبنٍّ كامل لهذه الافكار من قبل الحركات الدينية الاسلامية المتطرفة (كداعش واخواتها). وبالتالي ما لم يتم نقد هذا الفكر وتفكيكه ومناقشته وبيان نقاط ضعفه وتحديد المرجعيات التي تمت وفقها هذه القراءة، ليس هناك تفاؤل بقيام مجتمع متسامح. بل يتفاقم هذا الفهم وتتطور هذه القراءة لتتجذر داخل الفكر الديني الى درجة يصبح الفكر المضاد، فكرا منحرفا ضالا كافرا. فكيف يمكن التعايش آنئذ بين الأفكار والعقائد والأديان المختلفة؟.

ان تكفير المجتمعات المسلمة جريمة كبرى، لا ترتكز لأي أساس ديني، سوى رؤى واجتهادات شخصية مشحونة بخطاب عاطفي .. رؤى تخالف أبسط قيم الدين الحنيف الذي ضمن لغير المسلم حرية العقيدة فكيف بالمسلمين، وكان رسول الله يكتفي بشهادة الشهادتين كي يُصان دم المرء، وعِرضه وماله. من هنا يبنغي الحذر في التعامل مع هذا اللون من الخطابات المضللة.

 

ماجد الغرباوي

كاتب وباحث

.....................

 * - بحث مستل من كتاب: تحديات العنف، ماجد الغرباوي، 2009م، دار العارف، بيروت – لبنان، والحضارية للابحاث، بغداد – العراق، ص 290- 293.

 1- معالم في الطريق، مصدر سابق، ص 19.

 2- المصدر نفسه، ص 35.

 3- وتمثلهم الان جميع الحركات الاسلامية المتطرفة، كداعش والقاعدة وغيرهما.

 3- معالم في الطريق: المقدمة.

 4 - شبكة اسلام أون لاين، مذكرات الشيخ يوسف القرضاوي، الحلقة الثانية: وقفة مع سيد قطب. وانما اخترنا القرضاوي، رغم وجود هذه الافكار في كتب سيد قطب واضحة وجلية، باعتباره شاهدا عليها، وقد ناقشها ورد عليها من داخل الوسط التنظيمي ذاته الذي ينتمي اليه سيد قطب. فهو شاهد غير منحاز ولا مشكوك في عدالته من هذه الجهة. وقد صنف كلام قطب على المرحلة الثورية..

 5- المصدر نفسه.

 

تعليقات (13)

تحية للاستاذ الغرباوي
اعتقد ان المشكلة بالمسلمين جميعا بكل طوائفهم اي القائمين على الدين رجال دين دول مؤسسات سنة وشيعة ولكن على الاقل ينظر للشيعة من منظار اخر على انهم ادخلوا الاجتهاد وهذا وحده ترك لنا علماء مفكرين يخدمون السلم الاجمتاعي رغم قلتهم مايحصل في المذاهب السنية المتطرفة الوهابية الداعشية هذه اخذت فكرة الاجتهاد وجعلته مقصلة للتكفير واقامة الحدود المخالفة للشريعة الاسلامية نفسها اي جعلوا مثلا سيرة السلف ثالوث مقدس يتقدم على ماجاء به القران والسنة النبوية اي ان الثورة القادمة لتصحيح الوضع الاجتماعي والاخلاقي والديني يجب ان يكون بعيدا عن المراكز الدينية التقليدية كالحوزات او الازهر وغيرها والعمل اكاديميا لتقديم اسلام معتدل لايتعارض مع الحضارة الانسانية والمجتمعات المدنية تحت مبدأ كل ابداع انساني يدعو للخير حلال وكل فتوى تدعو للدم والشر تركن جانبا والاستعاضة عنها باحكام قرانية مخففة

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1.    مهدي الصافي

الاخ الكاتب القدير مهدي الصافي، شكرا لقراءتك المقال، ومشاركتك بتعليق ينم عن وعي متقدم. ما جاء في تعليقك مشكلة اساسية، لكن طريقة الحل المقترحة رغم اهيمتها لا يكتب لها النجاح، لسبب بسيط ان الناس لا تقتنع باي شخص من خارج الدائرة الدينية، اذا اراد التحدث باسم الدين. لذا ولو مرحليا ينبغي تعضيد الخطاب الديني المعتدل، ومن ثم الانتقال الى المراحل الاخرى. شكرا لك ثانية مع احترامي

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

الكاتب الكبير
يقال ان الكتاب يفهم من عنوانه , وعنوان هذه المقالة الثمينة , تربط بشكل دياليكتك العلاقة الوثقى , بان خطاب الديني المتطرف بجاهلية المجتمع , يعتبر جريمة لهذا الخطاب الديني المسعور بالكراهية . واذا كان مرشد الاخوان المسلمين ( قطب ) وبدعوى الحاكميه الالهية , يعتبر المجتمع الاسلامي , جاهلي ومنبوذ ومخالف لحاكمية الالهية , ولا يقوم إلا بالقوة والانقلاب . فان ( داعش وتوابعها ) هم خرجوا من عباءة الاخوان المسلمين , يعتبرون الشعوب الاسلامية جاهلة من لايؤيد عقيدتهم المتطرفة او يقف الى جانبهم , ويعتبرون من يخالفهم , مرتد وكافر , يجب تطبيق الحد عليه بالاعدام , وهذا مخالف الشريعة المجتمع المتسامح , انهم يؤسسون مجتمع مبني على البغضب والكراهية وحب الانتقام . اما متى يقوم المجتمع المتسامح , ليس فقط القضاء على هذه الجماعات الدينية المتطرفة فحسب , بل القضاء على ثقافتهم الدينية , التي تبيح اراقة الدماء والقتل , وعدم الاعتراف بالاخر وبحقوقه الانسانية

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

الاخ الاستاذ جمعة عبد الله ، شكرا لك وانت تتابع ما اكتب دائما، وشكرا لمداخلتك بعد قراءة المقال. بلا شك ان داعش واخواتها هي نتاج هذا الفكر، بل تمكن هذا الفكر من صياغة شخصيات لا تفهم سوى الموت، وكره الاخر. ولا ادري كيف ستنتهي بنا الحال مع هذا النمط من الثقافة؟ وهل حقا سنتتمكن يوما من التخلص من ثقافتهم؟

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

ان تدمير الفكر الديني من قواعده الاساسية هو الرد الموضوعي على مثل هذه الترهات (لا اله الا الله ) من اين اتى بها هذا السيد قطب حتى يفرضها كحاكمية اتى بها من كونه متخلفا عقليا وبائس اجتماعيا ولو كان له قدرة على مجارات الحياة بكل مكنوناتها العلمية ابتداء من نضرية التطور وانتهاء بنضرية الانفجار العضيم لما فكر بهذه السطحية الفائقة الملل والتخلف

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

الاستاذ ميلاد العراقي، شكرا لتعليقك .. سيد قطب منظر ومفكر كبير، جميع الاحزاب الاسلامية تعتمد ما كتبه من افكار حول الحاكمية وجاهلية المجتمع، لهذا المصيبة كبيرة يا سيدي، احترامي لقلمك

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

قليلا ما اتعاطف مع مفكر اسلامي حتى لو كتب عن مرجعية يسارية ! لأن هاجس الإلغاء بات وشما محفورا على العقل الاسلامي المتطرف او العقل العلماني المتطرف ! لأن محنتنا كامنة في التطرف الذي جاوزت عدواه الحدود العقلانية ! لكن ماجدا الغرباوي وعلى مسؤوليتي كمحلل نص هذا الكاتب التفكيكي البنيوي يكتب عن الموضوعات الملتهبة المستعرة بدم بارد وعقل صاح فلا يتجاوز العقل بعامة ولا النقل اذا خضع لعلمي الرجال والجرح والتعديل ومسوغ ذلك برمه وقرفه من فكرة مهلكة كارثية عنوانها امتلاك الحقيقة ! والمفزع في الامر ان الخطاب التحديثي بات مختطفا ! كيف ؟ القاتل يمشي وراء المقتول ويبدي استعداده لمساعدة زوجته الجميلة ! حتى قال الشاعر الامازيغي
مؤلم يانجباء
ان للقاتل سيماء البهاء
ان يبيت القاتل المتور فحلا
في فراش الشهداء انتهى
واللص يتكلم عن الامانة وخائن القضية يتحدث في الوطنية
والإرهابي يفزعنا بصاخه عن مكافحة الارهاب
بل وربما بلغت به الجرأة ان يسم نفسه بالخبير في الارهاب وهو صادق لانه خبير في الارهاب وليس خبيرا في مكافحة الارهاب
من هنا تتضح حاجتنا الوجودية لمفكر نظيف التاريخ سليم العقل نزيه الطوية
ذلكم هو ماجد الغرباوي الذي انجز عدة كتب بخطاب لا يلغي ولا يزعم
من هنا ندعو القراء والمعنيين والمتضررين والبرمين الى قراءة الغرباوي قراءة الدارس للدرس

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

ثمة شهادات تعتز بها، لكن هناك شهادات تبقى وساما وفخرا، حينما تصدر عن شخصية بحجم الاستاذ الدكتور عبد الاله الصائغ. اشكو دائما فقر ابجديتي وعجزي اللغوي عندما أهمّ بشكره وهو يدلي بشهادته. والصائغ عندما يسجل شهادته يسجلها عن خبرة ومعرفة، وهذه هي القيمة الحقيقية
سيدي الاستاذ الدكتور عبد الاله الصائغ شكرا لك ولكل حرف خطته اناملك البهية، مع كبير احترامي

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

اي مفكر او منظر مهما كان لا يكون كبيرا الا بقدر اقترابه من الحقيقة خدمتاً للانسانية اما هؤلاء الذين يجترون الماضي وينكلون بكل القيم ما هم سوى امعات يجترون التاريخ البائس كبؤسهم والحياة لا تتقدم بهم ..الحياة تتقدم بالكلمة الجريئة والمواقف ا الواضحة بمكنوناتها اكثر منها ببطون الكتب الصفراء الغافية في مدارج التاريخ المبهم

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

أحبّ أنْ أتيَ على هذا الموضوع من الناحية البيولوجية، لأنها أساس الحياة التي تتكون من مادة تتحرّك هي الجسم الذي يسيّره عقل غير مرئيّ. وحدة هذا الجسم أو (الحياة) هي الخليّة التي هي كلّ شيء. وهذه على أنواع تزيد على المئتين. هذه الخلايا المتنوعة الوظائف تعمل بتناسق وتآلف فيما بينها، فأيّ ضرر يصيب نوعاً منها يؤثر على بعض الأنواع أو كلّها. تحتوي كل خلية من أيّ نوع على الجينات ذاتها، ولكنّ بعض هذه الجينات يكون (مفتوحاً) في نوع من الخلايا و(مغلقاً) في الآخر، ليكون (الإنتاج) متناسقاً. فمثلاً، خلية البنكرياس التي تنتج مادة الإنسولين لا تنتج هرمون مادة الأدرينالين التي تنتجها الغدد الأدرينالية الملتصقة بالكلية أو العكس. أمّا إذا كان (انحراف) في هذا الجين، فالإنتاج سيضطرب. هذا الانحراف هو وليد ظروف وراثية أو كيميائية أو إشعاعية أو غذائية وغير ذلك في بيئة معيّنة. وهنا سيكون (مرض) أو (سرطان). وهذا الأخير ينشأ من خلية واحد اتّخذتْ مساراً (منحرفاً) عن المسار الطبيعيّ نتيجة (تغيّر) تركيب الجين فيها. والخليّة السّرطانية تتكاثر دون سيطرة لتكوّن مجموعة تسمّى (الورم). وللتخلّص من هذا الورم يُستأصل جراحيّاً في الغالب. وإذا هربت (فلتت) بعض خلاياه فستتسرّب عبر مجرى الدم إلى أماكن أخرى لتكوّن (مجموعة) أخرى من جديد! ولكنّ العلاج الناجع الوحيد هو (منع) الغذاء عنها، أيْ (تجويعها) للقضاء المُبرم عليها. ومن هنا تتسابق شركات الأدوية لإنتاج (عقار) يقوم بهذا العمل دون أن يؤثّـر على الخلايا الطبيعية. الإرهاب هو سرطان ينمو بسرعة لوجود عوامل كثيرة منها رجال دين منحرفون أو مرتزقون أو متعصّبون طائفيّاً نتيجة التاريخ الممتلئ بالأكاذيب والتزوير، وتأثير هؤلاء الأدعياء على العامّة. فقول الأستاذ الباحث ماجد الغرباوي (بالتالي ما لم يتم نقد هذا الفكر وتفكيكه ومناقشته وبيان نقاط ضعفه وتحديد المرجعيات التي تمت وفقها هذه القراءة، ليس هناك تفاؤل بقيام مجتمع متسامح.) بالرغم من أنّه منطقيّ فإنه ليس واقعيّاً، لأنّك لا تناقش أناساً (أحراراً) يتفهمّون، وقد يكون بعضهم متفهّماً ولكنه لا (يتفاهم) لأنّ مصلحته (عيشته) على هذا الخداع. امّا المتعصّب دينيّاً فهو خشب تصلّب ولن يلين! فما الحلّ إذاً؟ ما دام ثمّة مستنقع دائم، هناك بعوض، ومن ثمّ مرض. إنّ ردم المستنقع أو إبعاده عن الناس هو العلاج! لقد تشبّع المسلمون من قراءة التاريخ الذي كتبه أناس غير محايدين، كلّ على هواه، عدا القلّة منهم، طوال أربعة عشر قرناً، فصدقوا ما فيه، وانحاز كلّ واحد منهم إلى فئته ومُعتقده. إذا منعت الجهات الرسمية من تدريس هذا التاريخ أو قلّلت منه، ومنعت رجال الدين من (تسييس) حوادثه، وتعليم الأطفال (حريّة) المعتقد في المدارس وغير ذلك من مفاهيم، لتجنبنا (سرطان) الإرهاب! ولكن كيف يكون هذا ومن يحكم البلدان العربية يعيش على جهل الناس ويحثّهم على التعصّب الديني والطائفي والقومي والعنصري؟ وكلّ شيء يتمّ على احترام الإنسان للإنسان على أساس حقّ الحياة لأيّ فرد مهما كان لونه ودينه وعرقه وجنسه يكون عوناً أو (عقاراً) يمنع تغذية هذا السّرطان المستفحل!
للباحث القدير الأستاذ ماجد الغرباوي تمنيّاتي بالصحّة والعافية والتوفيق في مهمّته الجليلة.

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1.    بهجت عباس

الاستاذ القدير الاديب د. بهجت عباس، شكرا لبهاء حضورك وانت تداخل على المقال باسلوب توظف فيه العلم لمعالجة الموضوع، وهي مداخلة قيمة، ورائعة. وتشبيه واقعي، باتت الجماعات المتطرف كاورام سرطانية، بحاجة الى استئصال كي يشفي المجتمع مها. لكن سيدي الكريم انما لقصد التفكيك كي يموت هكذا فكر، ولا يعاود الظهور ثانية عبر اجيال جديدة..
القضاء على هذه الفئات، سيحررنا من سطوتهم لكن لا يضمن لنا عدم ظهور غيرهم، لهذا انا افكر بنظرة مستقبلية فادعوا لتفكيك هذا الفكر من خلال مراجعة مرجعياته. خالص التقدير لقلم الثر ومداخلتك التي اسعدتني،
ماجد

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 

هذه المقالة معدلة عن نسخة الكتاب الأصلي و فيها كلام عن داعش لا أعتقد انه ورد في الكتاب.
المهم ان سيد قطب قد تطور و فكر الاسلام العسكر سياسي تطور ايضا. و هناك من يمهد الطريق بخطاب معتدل ظاهره للتسامح و باطنه شعار ان الحرب خدعة.

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
  1.    صالح الرزوق

شكرا دكتور صالح الرزوق، اشرت في الهامش لذلك، اما حديثك عن عمليات الاصلاح، فانها جهود حثيثة قديمة، لكن هذا لا يلغي تشبث القسم الاخر بافكار سيد قطب حرفيا، وداعش مثالا، احترامي

  المرفقات
لا يوجد تصريح لمشاهدة المرفقات
 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

ترك تعليقاتك

Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
0 حرفاً
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2015-04-06 01:24:44.