ا. د. محمد كريم الساعدي
ا. د. ضياء نافع
د. صادق السامرائي
د. ميثاق بيات الضيفي
عمار حميد
حسن حاتم المذكور
د. مجدي ابراهيم
د. صادق السامرائي
أياد الزهيري
عبد الرضا حمد جاسم
د. كاظم الموسوي
د. فرح الخاصكي

ثقافة العنف والرأي الواحد (الأنا) .. كلنا داعش وإن لم ننتم

mohamad najiدعوت، وغيري من قبل، في أكثر من مناسبة إلى ضرورة أن نقف لنراجع تراثنا وثقافتنا، بجرأة وشجاعة، لنعرف مواطن الخلل، وأسباب تخلفنا والأزمات التي تمر بها مجتمعاتنا اليوم، وإلا سنظل نراوح ضمن حدود دائرة التخلف الملعونة، وما أن نتخلص من داعش، إلا ونبتلى بماعش، ولنبقى مامش !

فثقافتنا بائسة، وهي أرضية مناسبة وحاضنة ولاّدة للطغاة والبغاة من كل شكل ولون حتى اللحظة، وداعش وليد طبيعي وشرعي، وإن كان مسخ، لمجتمع وثقافة (الغلبة والاستئثار) والغزو والحروب والعنف الفظ واللامحدود المقترن بهما . ونرى أن (داعش) تمتد جذورها عميقا في الصحراء والشعر العربي، الذي نفخر بمعلقاته ! وهي تستقر في أعماق اللاشعور الجمعي والفردي . ومن يقرأ بتمعن وعقل مفتوح، ولو شيء من تراثنا يجد أن الدود – من مختلف الملل والنحل – نخر وغيّب وطمر كل ما هو ايجابي وإنساني في هذا التراث، وعلى مر تاريخنا لدينا أكثر من (داعش)، وإن اختلف المكان والتسمية .

إن جوهر الموقف والمبدأ (الداعشي) واحد، وهو تهميش وإقصاء ونفي ومسخ (الآخر) وصولا بهذا الفعل إلى أقصى مدى بالتغييب الفكري والجسدي، وإن وجد فرق بين ماعش وداعش فهو نسبي، وفي شكل ودرجة النفي والتغييب والمسخ ومدى العنف والتطرف ومكانه وزمانه .

فإذا كانت (داعش) - في رأي البعض الذي يهرب من مواجهة الحقيقة - حالة استثنائية وغريبة على ثقافتنا، وإنها تستند إلى فهمها الخاص وتفسيرها المتطرف والمتخلف للتاريخ والتراث والدين، لتبرير القتل والدمار وهتك الأعراض والتجاوز على المقدسات وهدمها، فهذا ليس جديد، حيث سبق ورجمت الكعبة بالمنجنيق واستباح المسلمون نساء المسلمين في مدينة نبي المسلمين ؟!

إن (داعش) كمظهر للأزمة المزمنة في الموقف من الآخر المختلف الذي ذكرناه من قبل، نجدها في صلب ثلاثة من أبواب وأغراض الشعر العربي الخمسة، فالفخر والمدح والهجاء كلها تعظم (الأنا) الجمعية والفردية وترسخها، ويلازمها بالضرورة تحقير الآخر وصولا إلى تغييبه وتسقيطه وتمجيد تصفيته جسديا ومصادرة أمواله وسبي نسائه بالغزو !

ونشرب إن وردنا الماء صفوا *** ويشرب غيرنا كدرا وطينا

وهنا :

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم *** ومن لا يَظلم الناس يُظلم

وفي :

ودع كل صوت غير صوتي فإنني *** أنا الصائح المحكي والآخر الصدى

وهنا :

أبا كل طيب لا أبا المسك وحده *** وكل سحاب لا أخص العواديا

يدل بمعنى واحد كل فاخر *** وقد جمع الرحمن فيك المعانيا

ثم لغرض نفعي ذاتي بحت، وبقدرة شاعر ! تنقلب صورة (أبا المسك) - الذي جمع فيه الرحمن المعانيا - بزاوية 180 درجة، لتظهر لنا داعش هنا :

وأن ذا الأسود المثقوب مشفره *** تطيعه ذي العضاريط الرعاديد

من علم الأسود المخصي مكرمة *** أقومه البيض أم آباؤه الصيد

وهنا :

معللتي بالوصل والموت دونه *** إذا مت ضمآنا فلا نزل القطر

ونحن أناس لا توسط عندنا *** لنا الصدر دون العالمين أو القبر

وهنا فيما قاله شاعر النيل :

والله ما غالها قدما وكاد لها *** واجتـث دوحتها إلا مواليـها

وقولـة لعلـي قالـهـا عـمر *** أكرم بسامعها أعظم بملقيـها

حرقتُ دارك لا أبقي عليك بها *** إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

أما توظيف الدين والمقدس ومن بعده الفتاوى، وفقا للهوى والمصالح، فحدث ولا حرج، وداعش ليست الأولى ولن تكون الأخيرة . فقد قُتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين، وتزعمت زوجة نبي المسلمين وأم المؤمنين للحرب ضد خليفة المسلمين وابن عم نبيهم، ورفع القرآن على رؤوس الرماح في الحرب بين المسلمين - وكما سبق ذكره – رمى الحجاج، حافظ القرآن، بيت الله بالمنجنيق ! ووضع عبيد المال والسلطان كثير من الأحاديث النبوية والفتاوى خصيصا لتناسب الطاغية الداعشي، وتبرير سلطته الإلهية فـ(حاكم غشوم خير من فتنة تدوم)، و(السلطان ظل الله في الأرض)، التي يراها الداخل لقصر السلطان العثماني (توبكابي) في اسطنبول حتى اليوم !

داعش موجودة في (موقعة الطف)، وما فعله جيش المسلمين بجسد سبط نبي المسلمين وسبي نساء آل بيته وحملهم للرؤوس على الرماح إلى قصر خليفة المسلمين في الشام ! وفيما كرر فعله المتوكل العباسي خليفة المسلمين الذي هدم قبر الحسين بن علي أربع مرات، حتى قال فيه الشاعر :

فلقد أتاه بنـو أبـيـه بـمـِثْلِهِ        ***    هـذا لَعَـمْرُك قبرُه مهـدومـا

أسِفُوا على أن لا يكونوا شاركوا        ***  فـي قتله، فـتتبّعوهُ رميما

 

داعش نجدها في أفعال خلفاء المسلمين الذين ابتكروا وأبدعوا في قتل خصومهم، فحرقوا ابن خليفة المسلمين الأول في جوف حمار ! والقوا بغيره في التنور، وقطعوا أوصال آخرين، ووضعوا بعض آخر أحياء في أسس البناء وجدرانه، وبنوه عليهم .

داعش وعنفها موجود في نكبة البرامكة وفي قتال الأمين والمأمون، وفي صراع ورثة الخلفاء والسلاطين من الأزواج والأبناء والجواري والغلمان والمماليك، وما فعله بعضهم ببعض من قتل وسمل للعيون وتشريد . ( راجعوا موسوعة العذاب لعبود الشالجي) .

داعش تستمد مواقفها من تراث في اضطهاد الديانات والطوائف الأخرى من (أهل الذمة، والعجم والموالي)، وفرض نمط معين من اللباس والسلوك عليهم .

داعش هي فرهود اليهود وتهجيرهم ومصادرة أموالهم . داعش في قتل العائلة المالكة، وسحل جثث الخصوم الموتى في الشوارع في 14 تموز 1958، وسحلهم اليوم بعد حرقهم وربطهم بالهمرات، أو بتعليقهم في أعمدة الكهرباء، أو في ساحة التحرير، في مواجهة نصب الحرية !

هي في تسفير الأكراد الفيليين ومصادرة أملاكهم، وانتهاك حرماتهم وهم عزل، في طريقهم إلى المجهول، هي بالاعتداء على دولة جارة (إيران)، ومحرقة بشرية لمدة ثمان سنوات شعارها ديني طائفي (الفرس المجوس ... والطريق لتحرير القدس يمر من عبادان )، ثم في غزو دولة جارة وشعب شقيق (الكويت) وانتهاك حرماته . داعش هي في قصف المدن والعتبات المقدسة بالصواريخ، وأخذ الناس من الشوارع ودفنهم أحياء وهم في حافلة النقل، هي في إبادة ١٨٠ ألف كردي في الأنفال، في قصف حلبجة بالكيمياوي .

تاريخ طويل عريض يضج بالظلم والعنف والقسوة المفرطة وغير المبررة . قد يتبرأ بعضنا من هذا التاريخ ويدينه آخرون، ولكنه السائد حتى اليوم، ويفرض نفسه في تراثنا وثقافتنا - معارضون ومؤيدون - والغالبية الساحقة في الشارع العربي الإسلامي من عامة الناس والسياسيين والمثقفين تؤمن وتفخر به، وتتغنى بأمجاد الماضي، وتعتاش عليه، وتضفي عليه هالة مقدسة، خاصة وبعض أبطاله، رموز سياسية أو ثقافية أو رموز الإسلام، وصحابة رسول الله، وخلفاء المسلمين وولاة أمرهم، وقراء القرآن وحفظته، ومنهم خال المسلمين وكاتب الوحي !

تلفتوا حولكم اليوم في العراق، وطول بلاد العرب وعرضها، ستجدوا (داعش) في كل شيء، في السلوك واللغة و(الإبداع)، حتى في أسلوب التحشيد والمواجهة العشائري الميليشياوي وما يرافقه من ردح ومفردات طائفية كالشيعة الروافض والسنة النواصب، يبدو طبيعيا لا يثير الاستغراب .

داعش تكمن وتعشش وتفقس في العقل والفكر العراقي والعربي السائد، الذي لا يزال يتمرغ في الماضي، حيث توقف زمنه عند عتبة (السقيفة)، ولم يستطع مغادرتها، ولا يزال الناس عنده بين ناصبي ورافضي، فلم الاستغراب حين أصبح خارج الزمن ؟

وأخيرا داعش هي ظاهرة لأزمة فكرية وحضارية، لا يقتصر حضورها في خليفة المسلمين الجديد، بل في عبيد المال والسلاطين ووعاظهم من (دواعش) السياسة والدين و(مبدعي) الثقافة، الذين يعيدون إنتاج الثقافة (الداعشية)، بالأمس واليوم وغدا، وإشاعتهم لموقف ثقافي عام هش ومتواطئ معهم .

هذا غيض من فيض، يشير إلى أن التوقف والمراجعة أصبح أكثر من ضروري لمن يريد الحياة الحرة الكريمة ويطمح لمكان تحت نور الشمس، فكفى تهربا من مواجهة الحقيقة بالتفسير السهل لظواهر الكوارث المتلاحقة، وتعليق الفشل والعجز والتخلف على شماعة المؤامرة فـ(لم يدخل اليهود من حدودنا *** بل نفذوا كالنمل من عيوبنا) ... وكلنا داعش وإن لم ننتم !

 

محمد ناجي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2896 المصادف: 2014-08-10 00:47:52