د. زهير الخويلدي
حسن حاتم المذكور
فاطمة الزهراء بولعراس
د. رائد الهاشمي
د. محمد فتحي عبد العال
د. صادق السامرائي

المشاهد الاجتماعية في رحلة ابن جبير

وهو ابو الحسن بن احمد بن جبير الكناني البلنسي  الاندلسي (1) وقد ولد في (بلنسية) سنة 1145م وإبحر لأداء فريضة الحج سنة 578هـ 1183م من مدينة غرناطة وعاد اليها سنة 581هـ 1185م،(2)

وهذه السفرة التي دونها بقلمه صارت كتابا غلب عليه عنوان رحلة ابن جبير. والملاحظ في هذه الرحلة، انه أعطى تسلسلاً متقدماً لوصف المساجد والمـدراس والمستشفيات  (المارستانات) ومشاهد قبور الصحابة والعلماء، كما وصف ما صادفته ومن معه من اهوال تقشعر لهولها الابدان، الا ان لم يتناول النواحي الاجتماعية، كالعادات والتقاليد ومايتعلق بهذه الجوانب بنفس ذلك الاهتمام، لذلك حرمنا هذا السفر الجليل من متعة كانت يجب ان تكون في كتب الرحلات، لابل نراه في بعض الاحيان كأنه يدخل مدناً من صوان لابشر فيها  سوى المساجد والمدارس والقبور . ومع ذلك نجد مشاهد مبعثرة في ثنايا رحلته تشير الى ملامح اجتماعية في بعضها متعة وفي الاخر غرابة، وهذه المشاهد هي التي فصلناها من رحلته لتكون هذا الموضوع .

واسلوب ابن جبير غني عن التعريف " فهو يصف الحادثه او المشهد وصفاً حياً حتى يخيل للقارىء انه حاضر يشاهد المنظر نفسه". (3) ان هذه الميزة، ربما تعود الى اشتغاله بالفقه هذا الحقل الذي يتطلب معرفة فائقة باسرار اللغة تمكنه من تطويع الفاظها لخدمة افكارة . وقد بدأ ابن جبير بتدوين مشاهداته بعد مضي اكثر من عشرين يوماً على سفرته، فكان يسجلها موثقه باسماء ايام الاسبوع والاشهر العربية والافرنجية على شاكلة طريقة المذكرات الشخصية، لذلك لم يترك شاردة ولا واردة في الموضوعات التي اهتم بها الا وذكرها وكأنه عايشها منذ زمن طويل لاعابر سبيل مرعليها لاول مرة، على عكس ما قام به الرحالة ابن بطوطة (ت 779هـ) الذي أملى بعد سنوات من انتهاء رحلته، تفاصيلها على محمد بن جزي الكلبي كاتب السلطان المريني (4) ابي عنان والذي كتبها باسلوبه ايضاً .

ان هذا الامر بلاشك يؤدي الى تداخل الاحداث ونسيان بعضها وتفاصيلها بسبب تقادم الزمن، فكان ذلك مدعاة لشكوك البعض في بعض احداثها، الا ان فليب حتي يرى انه " ليس في كتابه مايدعو الى الشك في صحته، سوى ادعائه الوصول الى مدينة (بلغار) بالقرب من قازان والفولكا " .(5)  ومع ذلك فان رحلة ابن بطوطة تشكل مع رحلة ابن جبير اروع كتب الاسفار والادب الجغرافي في التراث العربي . 

 

الرحلة من الاندلس الى مصر 578هـ / 1182م

انفصل ابن جبير من غرناطة بحراً (للنية الحجازية المباركة) أي للحج، متوجهاً الى مصر، فمر مركبهم ببعض المدن الاندلسية ومنها جزيرة (طريف) وعبر منها الى (قصر مصمودة) في المغرب، ومنها استقل مع مجموعة من الحجاج مركباً تابعاً للروم الجنوبيين الى الاسكندرية، وقد واجهتهم مصاعب مخيفة اذ يقول (اذ عصفت علينا ريح هال لها البحر، وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة كأنه شآبيب سهام، فعظم الخطب واشتد الكرب)، وبعد التي واللتيا وصلوا الى صقلية بأمان ثم توجهوا منها الى الاسكندرية .

وفي هذه المدينة تعرضوا الى تعسف امناء السلطان، اذ قاموا بتدوين اسماء المسافرين وصفاتهم، ولم يكتفوا بذلك، بل طلبوا منهم اداء الزكاة، غير عابئين باوقاتها وقواعدها الشرعية، ثم اخذوا بتفتيشهم بصورة مذلة اذ ادخلت الايدي في الاوساط، بحثاً عما عسى ان يكون فيها من مال، وبعد معاناة طويلة سمح لهم بمواصلة المسير بعد (موقف من الذل والخزي عظيم) ويبرر ابن جبير هذه الاجراءات التعسفية في مصر بلاد صلاح الدين الايوبي، انها تجري دون علمه ؛

وفي الاسكندرية يجد عدداً من المدارس واماكن للمأوى خصصت للوافدين وحتى حمامات يستحمون بها، كما عين السلطان لابناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل انسان في كل يوم، ويشرف على عملية التموين هذه موظف خاص، ثم يسافرون الى القاهرة وينزل في فندق (ابي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمر بن العاص) ويصف بانبهار مساجدها ومشاهد اهل البيت والصحابة، عمارةً وزخرفة، ويذكر هيئة احد خطباء الوعظ بانه (لابس السواد على رسم العباسية وهي عبارة عن برد سواد عليها طيلسان شرب – حرير ... وعمامته سوداء متقلد سيفاً وعنده صعوده المنبر يضرب بنعل سيفه المنبر في اول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها ايذان بالانصات) .

وفي القاهرة يزور الاهرامات، ويحدثنا ان الناس يعتقدون انها قبور عاد وبنيه، وشاهد في الجيزة، احجار رخام رسمت عليها صور تماسيح، لانهم يرون ان ذلك يمنع ظهور التماسيح في المدينة على بعد ثلاثة اميال علواً وسفلاً ثم شد الرحال الى الجنوب  فوصلوا الصعيد، حيث يتعرضون الى تعسف جباة الاموال بصورة ابشع مما تعرضوا له في الاسكندرية، ثم يمرون بمدينة (قنا) التي من مأثرها (صون نساء اهلها والتزامهن البيوت، فلا تظهر في زقاق من ازقتها امرأة البتة) وكذلك الحال لنساء (دشنة) القريبة من (قوص) .

ويروي ابن جبير ان الحجاج يلجأون الى قتل الوقت في السفر بلعب الشطرنج او بالمطالعة وهم في محامل الجمال . وشاهد في الطريق القوافل المحملة ببضائع الهند والآتية عن طريق اليمن الى مدينة (عيذاب) على ساحل (بحر جده)، وتاخذ ابن جبير الدهشه لكثرة الفلفل في هذه المناطق وان احماله مع (القرفة) مطروحة على الطريق لاحارس عليها .

وينتقد ابن جبير اهل عيذاب (البجاة) بمرارة لانهم يعمدون الى شحن السفن بالحجاج باكثر مما تستوعب، غير مبالين بما يصنع بهم البحر، طمعاً بالاجور ويقولون (علينا بالالواح وعلى الحجاج الارواح) لذلك يتمنى (ان يكون السيف درتها) وينصح الحجاج بالابتعاد عن طريق مصر بسبب هذه المضايقات والاستعاضة عنه بطريق الشام والعراق .

ومن أسوأ تصرفات اهل (عيذاب) ان الحجاج عندما ينزلون الى برها ويكترون منهم الجمال، فانهم يسلكون بهم طرقاً لا ماء بها لكي (يموتوا عطشاً فيستحوذون على نفقتهم وما سواها) . لذلك يصدر عليهم حكماً بانهم (فرقة أضل من الانعام سبيلاً واقل عقولاً، لا دين لهم سوى كلمة التوحيد) ويضيف الى ذلك ان سيرتهم (مالا يرضي ولا يحل ورجالهم ونساؤهم يتصرفون عراة الا خرقاً يسترون عوراتهم، واكثرهم لا يسترون)، ولشدة ما امتلأ قلبه منهم قيحاً يذكر اسطورة يتداولها الناس عن مدينتهم ان (سليمان اتخذها سجناً للعفاريت) .

وينقل لنا انهم يستخدمون (القنبار) بدل المسامير في شد الواح السفن (فاذا انتهوا سقوها بالسمن او دهن الخروع او بدهن القرش وهو احسنها، ليلين عودها لكثرة الشعاب المعترضة في البحر) . وهذا اجراء سليم لانه يقلل احتمال تحطم السفن عند الاصطدام، لان ليونة اخشابها تمتص رد الفعل الناشىء من الاصطدام .

 

الطريق الى مكة:

بعد سفرةٍ بحرية شاقة في البحر الاحمر (كنا فيها نموت مراراً او نحيا مراراً) وصلوا الى جدة وكانت بيوتها من الاخصاص (القصب) وفيها فنادق مبنية من الحجر والطين ولها سطوح يستراح فيها بالليل من اذى الحر .

ويذكر ان اكثر سكان هذه المدينة مع مايليها من الصحراء من الاشراف العلويين، دفعهم شظف العيش الى العمل بكل مهنة من اكراء الجمال او بيع اللبن او الماء او (غير ذلك من تمر يلتقطونه او حطب يحتطبونه) ولم يقتصر هذا العناء على الرجال بل تناول (نساءهم الشريفات بانفسهن، فسبحان الله المقدر لما شاء، ولاشك انهم اهل بيت ارتضى الله لهم الاخرة، ولم يرتضي لهم الدنيا) ويواصل الحديث متمنياً بقوله (جعلنا الله ممن يدين بحب اهل البيت الذين اذهب  عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) .

ويعيب ابنى جبير على اهل الجبهات الحجازية، استغلالهم الجشع للحجاج برفع اسعار المواد، ويعتقد انهم اتخذوا من بيت الله (معيشة حرام وجعلوه سبباً الى استلاب الاموال) ويتمنى ان تصل سيوف دولة الموحدين لهم لتطهيرها من البدع، (6)  لذك يصرخ عالياً (انه لا اسلام الا ببلاد المغرب لانهم على جادة واضحة)، على حد زعمه . 

  ويواصل ابن جبير سفرته حتى يحط رحاله بمكة المكرمة ويصف الكعبة بسلسبيل من كلماته (.... عروساً مجلوة مزفوفة الى جنة الرضوان محفوفة بوفود الرحمن) ويسهب في وصف المسجد الحرام والبيت العتيق من ناحية ابوابه وعمارته وريازته، ويحدثنا عن القبة العباسية التي يبرد فيها ماء زمزم (ويخرج مع الليل لسقي الحجاج في قلال يسمونها الدوارق كل دورق منها ذو مقبض واحد) ويذكر كسوة الكعبة من انها من الحرير الاخضر وتتألف من اربع وثلاثين شقة، توصل مع بعضها ستراً واحداً يعم جهاتها الاربع . ويشير الى ان باب الكعبة يفتح كل يوم اثنين ويوم الجمعة، الا في رجب فانه يفتح في كل يوم، ويقوم بهذه المهمة سدنة البيت                   (الشيبيون) بمراسيم خاصة ويؤدي ابن جبير زيارة العمرة بزهو وفخر بحمد الله عليها .

ويكثر الحمام عند الحرم ويسرد لنا حكاية عنها انها (من الأمن بحيث يضرب بها المثل، ولاسبيل ان تنزل بسطحه الاعلى حمامة، ولاتحل فيه بوجه ولاعلى حال، فترى الحمام يتجلى على الحرم كله فاذا قربت من البيت عرجت عنه يميناً وشمالاً والطيور سواها كذلك) . ويخبرنا انه قرأ في اخبار مكة (انه لاينزل طائر الا عند مرض يصيبه فاما  ان يموت في حينه  او يبرأ)

وفي القبة العباسية خزانة يوجد فيها (مصحف احد الخلفاء الراشدين وبخط زيد بن ثابت وينقص منه ورقات كثيرة) ويخرج الناس هذا المصحف عندما ينالهم قحط او شدة ويضعونه في القبة كاشفين رؤوسهم داعيين متضرعين بالمصحف الكريم .

ويوجد مسجد خارج المدينة (بازائه حجر موضوع على الطريق كالمصطبة) يقال انه الموضع الذي قعد عليه النبي (ص) عند عودته من العمرة، فيتبرك الناس بتقبيلة ومسح الخدود فيه ويستندون عليه لتنال اجسامهم بركة لمسه) .

اما جبل ابي ثور فيقول عنه ان الناس يحاولون دخوله (من الشق الذي دخل النبي (ص) منه تبركاً به) الا ان عقلاء الناس يتجنبون ذلك لسبب (مخجل فاضح) وهو ان عوام الناس يزعمون (ان الذي لايسع عليه ويمتسك فيه ولايلجه ليس لرشده) أي انه ابن زنى، كما انهم يقولون (ليس يصعد جبل ابي ثور الا ثور) احتراماً وتقديساً له .

وفي اثناء وجود ابن جبير في مكة مطرت السماء فتبادر (الناس الى الحجر فوقفوا تحت الميزاب متجردين عن ثيابهم يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برؤوسهم وايديهم وافواههم) او يقومون برفع الاواني ليقع فيها مما ادى الى ازدحام عظيم بين الناس كل يحرص ان ينال جسمه منه شىء، ولما صعب على النساء مزاحمة الرجال عمد بعضهم الى تبليل ثيابه بالماء ويخرج اليهن ويعصره في ايديهم فيشربن منه او يمسحن به على الوجوه .

ويسترسل ابن جبير في وصفه الاخاذ لمشاهد مكة وقبور من فيها وتجارتها، الا انه يلاحظ ظاهرة غريبة وهي منع القيام بأي تجديد او بناء في الحرم الشريف بالرغم من وجود الراغبين باعمال البر، الا بعد موافقة الخليفة ودفع نفقه لامير البلد ويطرز العمل باسم الخليفة لا باسم المتبرع، الا ان احد الدهاة الاغنياء من الاعاجم تمكن بحيلة لطيفة تعمير بئر زمزم وقبته بعد ان عرض على امير مكة ان يدفع له اتاوة بقدرما ينفق على التجديد (فاهتز الامير طمعاً) لما علم ان نفقة اعمار البئر تكلف مبالغ طائلة . فوافق على ذلك بعد ان عين عنه وكيلاً بدون ما ينفق المتبرع من مال .

شرع الرجل بالاعمال والبناء والوكيل يقيد ما يصرف الرجل من اموال ولما بلغ البنيان تمامه (خلا منه المكان، واصبح في خبر كان، وركب الليل جملاً) ففاز الرجل بالثواب وخسر الامير الاتاوة واصبح في وضع لايحسد عليه، فلا هو قادر ان يقبض على الرجل الذي خدعه واختفى ولايقدر ان يهدم ما بنى من جديد وبعد انتهاء العمرة جرت احتفالات برعاية امير مكة اذ احتشد الناس (قبيلة قبيلة، وحاره حاره، شاكين في الاسلحة فرساناً ورجالة) ويلعبون بالاسلحة ويتطاعنون بها ويتضاربون بالسيوف والمواقعة بالحجف،*  ويرمون سيوفهم بالهواء ويلتقونها   (قبضاً على قوائمها كأنها لم تفارق ايديهم) .

ومن طريق مايروي عن قبيلة يمانية تسمى بـ (السّرو) وهم لايبيعون (من ميرتهم بدينار ولا بدرهم، انما يبيعون بالخرق والعباءات والشمل) وهم عرب فصحاء ولكنهم (لم تغذهم الرقة الحضرية ولاهذبتهم السير المدنية ولاسددت مقاصيرهم الشرعية) .

ويصف صلاتهم وصفاً دقيقاً ويرى انها لم تذكر (في مضحكات الاعراب اطرف منها، وذلك انهم يستقبلون البيت الكريم ؛ فيسجدون دون ركوع، وينقرون بالسجود نقراً، ومنهم من يسجد السجدة ومنهم من يسجد الثنتين والثلاث والاربع، ثم يرفعون رؤوسهم من الارض قليلاً وايديهم مبسوطة عليها) ويضيف انهم (يلتفتون يميناً وشمالاً التفات المروع، ثم يسلمون او يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد، وربما تكلموا اثناء ذلك، وربما رفع احدهم راسه من سجوده الى صاحبة وصاح به ووصاه بما شاء ثم عاد الى سجوده) .

اما في طواف النساء فيفرد البيت لهن فيتشابكن بعضهن مع بعض (حتى يتواقعن فمن صائحة ومعولة ومكبرة ومهلهلة). وفي اليوم التالي يغسل البيت بماء زمزم تكريماً وتنزيهاً (وعند انسياب الماء عنه كان كثير من الرجال والنساء يبادرون اليه تبركاً بغسل أوجههم وأيديهم وربما جمعوا منه في أواني قد أعدوها) .

ويسرد لنا تفاصيل الاحتفال بحلول شهر رمضان، اذ يقوم اهل مكة بتجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعيل حتى (تلالا بالحرم نوراً وسطع ضياء) وفي احتفال ليلة السابع والعشرين حيث يحدق الصبيان بشرفات الحرم وبيد كل واحد منهم كرة من الخرق وتوضع على رؤوس الشرفات ويتبارون في سرعة انقادها فيخيل للناظر ان النار تشب من شرفة الى اخرى وهم يرفعون اصواتهم على لسان واحد .. يارب، يارب .

اما في العيد، فيلبس الناس اثواب عيدهم بعد قضاء صلاة الفجر، وفي ضحى النهار يأتي القاضي يتهادى بين رايتين سوداوين وهو لابس ثياب سوداء، وبعد قضاء الصلاة يرقى المنبر ويخطب في الناس والمؤذنون دونه قعود على درجات المنبر، وعند الانتهاء منها يسلم الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والتغافر والدعاء . وبعد اكثر من تسعين صفحة يخصصها من كتاب الرحلة لوصف مكة المكرمة يودعها، ويتأهب للعودة الى ديار الاهل عن طريق العراق .

 

المسيرة نحو العراق 580هـ :

لقد ادى ابن جبير مناسك حج البيت وانهى شعائره الشرعية واستعد للعودة عن طريق العراق وربما فعل ذلك في سبيل التخلص مما لاقاه والحجاج الاخرون من تعسف واذلال في مصر وتصرف اهل عيذاب الذي خلا من كل رحمة، او ربما فعل ذلك مدفوعاً بالبحث عن اسفار جديدة .

وقد التحق بقافلة الامير العراقي مولى الخليفة، وكان بصحبة هذا الامير الخاتون بنت امير مسعود (صاحب الدروب وقونيه والمناطق المجاورة للقسطنطينية) والخاتون ام عز الدين صاحب الموصل، فكانت قافلة كبيرة كأنك ترى (الارض تميد بهم ميداًُ وتموج موجاً فتبصر منهم بحراً طامي العباب) لدرجة ان الذي يخرج منها لحاجة دون ان تكون له دلالة يضل بسبب الازدحام، لذلك اتخذ الامير العراقي احتياطاته لهذا الامر فهيأ للضالين المنشدين والهاتفين باسم الضال واسم جماله وبلده، وبدون ذلك يكون اخر عهده بصاحبه فيضل .

ارتحل الركب الى المدينة المنورة في طريقهم الى العراق، وبعد سفر طويل وصلوا الى الكوفة التي كانت (كبيرة عتيقة البناء قد استولى الخراب على اكثرها) بسبب تقادم الزمن وهجمات قبيلة خفاجة المستمرة عليها، ثم اتجهوا الى الحلة ويصفها بانها (قوية البناء، كثيرة الخلق، متصلة حدائق النخيل داخلاً وخارجاً) وسلكوا طريقاً جميلاً تحف به الخضرة وتتخلله القنوات والقناطر، حتى وصلوا الى بغداد التي (ذهب اكثر رسمها ولم يبق الا شهير اسمها)

ويتهم ابن جبير اهل بغداد بالكبرياء والرياء وازدراء الغرباء ويضيف على ذلك قوله (ولايقع من اهل موازينها ومكايلها الا على من ثبت عليه الويل في سورة التطفيف) ويستمر في كيل التهم، دون ان يقدم دليلاً مادياً على مايقول، لكنه استثنى من ذلك الفقهاء والمحدثين الذي غبط بعضهم على ما أوتي من حظ في العلم كبير .

وقد نزل الحاج (ابن جبير) في محلة القرية بـ (ربض المربعة) بمقربة من الجسر الذي صادف ان جرفته مياه دجلة، فعاد الناس يعبرون بالزوارق التي (لاتحصى كثره، فالناس ليلاً ونهاراًُ من تمادي العبور في نزهة رجالاًُ ونساء)، كما شاهد في احدها الخليفة العباسي، الناصر لدين الله بن المستضيء وكان (اشقر اللحية صغيرها.. حسن الشكل، جميل المنظر ابيض اللون ... لابساًُ ثوباًُ ابيض شبه القباء برسوم ذهب فيه وعلى راسه قلنسوة مذهبة مطوقة بوبر اسود) وهو بذلك يريد التخفي عن عيون الناس .

اما مرافق المدينة فيخبره احد الشيوخ، ان في بغداد ما يقرب من الالفي حمام (واكثرها مطلية بالقار مسطحة به، فيخيل للناظر انه رخام اسود صقيل) اما عدد المساجد (فلا يأخذها التقدير فضلاًُ عن الاحصاء) . وفيها حوالي ثلاثين مدرسة اشهرها النظامية، ويشير ان (لهذه البلاد في امر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم وفخر مخلد) . وبعد اقامة ثلاثة عشر يوماًُ قضى معظمها في زيارة مجالس العلماء والفقهاء، رحل الى الموصل بصحبة قافلة الخاتونيتن اللتين ذكرناهما، فاصبحت قيادتها وامرها بيدهما بعد انفصال امير الحج عنهما عند وصوله بغداد . كان هودج خاتون المسعودية موضوعاً على (خشبتين معترضتين بين مطيتين، الواحدة امام الاخرى، عليهما الجلال المذهبة وهما تسيران بها النسيم سرعة ولينأ  وقد فتح لها امام الهودج وخلفه بابان،وهي ظاهرة في وسطه متنقبة وعصابة ذهب على راسها وامامها رعيل من فتيانها وجندها) .

وحين يمر بسامراء، يرثيها بهذا القول ذي التساول التاريخي (عبرة من راى، اين معتصمها وواثقها ومتوكلها ؟) ومع ذلك فانها كانت معمورة .

وفي (القيارة) يشاهد عيون القار التي (تقذف بعضها بحباب منه كأنه الغليان، ويصنع لها احواض تجمع فيها فتراه شبه الصلصال)، وتركوا القيارة الى الموصل يجدها (عتيقة البناء، حصينة فخمة، قد طالت صحبها للزمن) وكان فها من المدارس حوالي الست، ولها جامعان ومستشفيان وقيسارية للتجارة (كأنها الخان العظيم فتغلق عليها ابواب الحديد) .  ويثني على اهلها من ناحية اعمال البر وكرامة الغرباء والوجوه الطلقة والاعتدال في المعاملات .

ويصف ابن جبير استقبال صاحب الموصل لامه وبنت الامير مسعود، اذ خرج الناس (على بكرة ابيهم ركباناً ومشاة، وخرج النساء كذلك، واكثرهن راكبات وقد اجتمع منهن عسكر جرار، وقد جللت بنت الامير مسعود قبتها بسبائك الذهب على شكل اهلة ودنانير وسلاسل وتماثيل وكذلك الحال بالنسبة لمراكب جواريها .

 

التوجه الى بلاد الشام :  

تستعجل القافلة مسيرها، فتمر بنصيبين ودنصير ورأس العين المشهورة بصفاء مائها ولذة اسماكها، وفي مدينة حران يلتقي باحد الزهاد الذي يسمى (المكشوف) لانه لايغطي راسه تواضعاً لله تعالى، كما قرن اهلها بمحبة الغرباء واثرة الفقراء، وذكر ان اسواق المدينة مسقفة بالخشب وبعد عدة مدن ينزل مدينة حلب التي يروق له (تقديرها وتدبيرها) ويسرد لنا رواية تقول ان قلعة المدينة كانت ربوة يأوى اليها ابراهيم الخليل بغنيمات فيحلبها ويتصرف بلبنها فلذلك سميت حلب، ويوسم اسواق المدينة بالنظافة والجمال وكأنها خزائن من الخشب ..

اما دمشق فيعتبرها (جنة المشرق ومطلع حسنه المؤنق) وكعادته يصف باسهاب جامعها الشهير وابوابة ومحرابة وصحنه وبلاطاته ومقصوراته الثلاث وصوامعه .

ويلاحظ في احدى المقصورات خزانه فيها (مصحف من مصاحف عثمان وتفتح الخزانة كل يوم بعد الصلاة، فيتبرك به الناس بلمسه وتقبيله ويكثر الازدحام عليه)، ويصف ساعة المسجد التي تعمل ليل نهار . ومن ماثر المدينة التي يقرن ابن جبير، اسمها بالفخر والتمجيد لدرجة انه خصها بأكثر من ثلاثين صفحة لوصفها، وجود اوقاف يصرف ريعها على الاطفال اليتامى رعاية وكسوة،  ويلاحظ فيها وجود تخصص في التعليم، فمعلم القرآن الكريم الذي يقوم بتلقين الايات القرآنية، لايقوم بتعليم الخط، وانما يعلم الخط (المكتًب) لذلك تميزوا بحسن الخط، ويعلل ذلك ان (المعلم له لا يشتغل بغيره، فهو يستفرغ جهده في التعليم) .

ويبلغ عدد المدارس في المدينة عشرين مدرسة وبها مستشفى قديم واخر حديث وجرايته اليومية خمسة عشر ديناراً، كما ان للمجانين ضرباً خاصاً من العلاج حيث (يوثقون بالسلاسل) ويحكي عن معلم أصيب بالجنون بسبب هيامه بجمال احد ابناء المدينة الذي كان يتعلم عنده واسمه        (نصر الله) فادخل المستشفى، وعندما يعوده البعض ويطلبون منه العودة الى تعليم القرآن الكريم فكان يقول (مابقي في حفظي شيء سوى – اذا جاء نصر الله) فيضحك منه الناس .

وللدمشقين اسلوب طريف في استقال الحجاج حيث (يتمسحون بهم عند صدورهم ويتهافتون عليهم تبركا ً) ويخرج جمع غفير من الرجال والنساء لاستقبالهم يصافحونهم ويخرجون الدراهم لفقيرهم، وكانت النساء (يتلقين الحاج ويناولنهم الخبز فاذا عض الحاج فيه اختطفنه من ايديهم وبادرن لاكله تبركاً باكل الحاج له، ودفعن له عوضاً منه الدراهم) .

ومن الشواهد الدالة على وشائج الاخوة بين المسلمين والمسيحين المجاورين لجبل لبنان انهم (اذا رأوا بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت واحسنوا اليهم، ويقولون هؤلاء ممن انقطع الى الله عز وجل فيجب مشاركتهم) على الرغم من تورم  العلاقات في هذه الفترة بين المسلمين ونصارى اوربا الصليبين، الذين كانوا يحتلون اجزاء من بلاد الشام في هذا الوقت .

اما رباط الصوفيه الموجود في دمشق فله قصة اقرب الى الخيال، فهي بالاساس كانت داراً للخليفة عمر بن عبد العزيز اشتراها رجل اعجمي يدعى بـ (السميساطي) ظهرت عليه امارات الغنى فجأة، وكان ذلك بسبب صدفة خدمته، اذا رأى في احد الايام رجلاً مريضاً اسود البشرة، مطروحاً ازاء الدار ولااحد له، وكان (السميساطي) على درجة من الورع والتقوى فاخذ ذلك الرجل وقام بخدمته وتمريضة طلباً لثواب الله، الا ان ذلك لم يمنع قضاء الله تعالى، اذ لما حانت وفاة الرجل افضى بسره للسميساطي، واخبره انه احد فتيان الخليفة المعتضد العباسي ويعرف   (بزمام الدار) وقد عتب عليه الخليفة فخرج طريداً الى دمشق، ثم قال له فاذا مت فقم لي بواجب الدفن، واذا فرغت فاذهب الى بغداد وتلطف بالسؤال عن دار (صاحب الزمام) فتى الخليفة، واستخدم الحيلة في استئجارها، واذا تمكنت، فهناك موضع في الدار وصفه له، فأحفر فيه وخذ ماتجده مدفوناً تحت الارض واصرفة في منافعك، وبالفعل عمل بقوله ووجد ما اخبره به من اموال . ولما عاد الى دمشق اشترى ببعض تلك الاموال دار عمر بن عبد العزيز وجعلها رباطاً للصوفية، وخصص لها الاوقاف والارزاق، ثم اوصى ان يدفن فيها بعد وفاته، وان يختم القرآن الكريم  على قبرة كل جمعة، في مقابل رطل من الخبز، لذلك وجد الفقراء والغرباء في هذه الوصية مايخفف عن حاجتهم .

ومن عادات اهل دمشق في تشييع الجنائز(انهم  يمشون امام الجنائز، بقراء يقرأون القرآن الكريم  باصوت شجية في طريقهم الى الجامع، فاذا وصلوا بابه قطعوا القراءة، اللهم الا اذا كان الميت من ائمة الجوامع او سدنته .... فانهم يدخلون بالقراءة الى موضع الصلاة) .

وشاهد ابن جبير، طريقة غير مالوفة في التحية والسلام عند اهل دمشق ويقول (وصفة سلامهم ايماء للركوع او السجود، فترى الاعناق تتلاعب بين رفع وخفض وبسط وقبض، وربما طالت بهم الحالة في ذلك، فواحد ينحط واخر يقوم وعمائمهم تهوى بينهم هوياً) .

ومن عجيب احوالهم (انهم يمشون وايديهم الى الخلف قابضين بالواحدة على الاخرة، ويركعون للسلام) ويزعمون ان في طريقتهم هذه تشريفاً لهم ويجدون بها (نشاطاً في الاعضاء وراحة من الاعياء) .

ويترك ابن جبير دمشق الى بانياس التي استرجعها العرب من الصليبين ثم الى عكا التي مازالت بايديهم  وفي مدينة صور شاهد حفلة عرس افرنجي، وصفها بعبارات ميساء تصلح للغزل (فقد احتفل جميع النصارى، رجالاً ونساء، واصطفوا سماطين عند باب العروس المهيأة، والبوقات تضرب والمزامير وجميع الآلات اللهوية، حتى خرجت تتهاوى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال .... وهي في ابهى زي وافخر لباس، تسحب اذيال الحرير المذهب سحباً .... على رأسها عصابة من ذهب ... تمشي فتراً في فتر مشي الحمامة او سير الغمامة .... وامامها جلة من رجالها النصارى في افخر ملابسهم البهية، تسحب اذيالها خلفهم ووراءها اكفاءها ونظراؤها من النصرانيات يتهادين في انفس الملابس ويرفلن أرفل الحلي ... والمسلمون والنصارى ... يتطلعون ولاينكرون) ثم يستدرك ابن جبير، ويحس وكأن في وصفه هفوة عواطف متقدة، فيستعيذ بالله من الفتنة، الا ان هذه المتعة في النظرتنقلب الى توجع واسى عندما راى اسرى المسلمين بيد الصليبين، من الرجال والنساء، وهم يرسفون بالقيود (ويصرفون في الخدمة تصريف العبيد) ويكبر في السلطان نور الدين، واهل التقوى في بلاد الشام، روح الحمية، اذ يخصصون الاموال لافتداء الاسراى ويقدمون المغاربة على غيرهم، لانهم لا اهل لهم .

 

العودة الى الديار عبر البحر المتوسط :

ذهب ابن بير الى عكا لوجود سفينة تروم الابحار نحو صقلية وكان معه عدد من المسلمين بالاضافة الى مجموعة من الفرنج (والنصارى المعروفين بالبلغريين) من حجاج بيت المقدس (وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عن الفرنج) وبعد خمسة ايام من الابحار السريع، هبت عليهم ريح هوجاء حطمت ساري السفينة وكابدوا اخطاراً مرعبة ثم عاد الهدوء وسكن الموج .

وصادف وهم في السفينة حلول احد اعياد المسيحين فاحتفلوا بمناسبته واسرجت الشموع حتى صار المركب يزهو كله واعلاه واسفله سرجاً متقدة، وقد صلى بهم القساوسة ووعظوهم بشرائع دينهم .

وحدث ان مات اثنتان من المسلمين ومثلهما من (البلغريين) وتبعهم بعد ذلك خلق كبير كما سقط واحد منهم في البحر غيبته الامواج العاتيه، وقد ورث هؤلاء الموتى (رئيس المركب، لانها سنة عندهم، اذ لاسبيل لوارث من ميراثه)، وبعد رحلة استغرقت اربعاً وثلاثين يوماً، لاتقل اخطارها عن سابقاتها، وصلوا الى جزائر (الرمانية) وظلوا اربعة ايام حيث جدد الركاب الماء والزاد وباعهم اهل الجزيرة الخبز واللحم والزيت باثمان عالية بالرغم من ان الخبز (لم يكن براً خالصاً، وانما كان خليطاً بالشعير يضرب للسواد).

وبالقرب من (مسينا) كادوا ان يغرقوا لولا اغاثة ملك صقلية (غليام) لهم، اذ اشرف بنفسه على عمليات الانقاذ، وكان حضوره نعمه عليهم اذ (لولا ذلك لانتهب جميع ما في المركب انتهاباً، وربما كان يستعبد جميع من فيه من المسلمين لان العادة جرت لهم بذلك) كما قام الملك بعمل انساني كبير حينما امر بدفع اجرة نقل فقراء المسلمين من المركب الى البر .

وفي هذه المدينة التي مايزال فيها بعض المسلمين (لاتزال فيها ليلك ونهارك في أمان، وان كنت غريب الوجه واليد واللسان)، ويمتدح ابن جبير الملك (غليام) الذي يقرأ ويكتب بالعربية ويذكر (ان جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن) وكذلك عيون دولته وخدمته، الا انهم يمارسون شعارهم  الاسلامية خلسه .

وبعد استراحة في المدينة اقلع مركبهم حتى وصل الى مدينة (ثرمة) التي فيها للمسلمين ربض كبير ولهم (مسجد من احسن مساجد الدنيا بهاء، مستقل ذو حنايا مستطيلة،مفروش بحصر نظيفة .. وقد علق فيه نحو الاربعين قنديلاً من انواع الصفر والزجاج) .

ومما يدل على قوة التعاشر الاجتماعي في ذلك المجتمع ان النصارى اذا التقوا بهم يبادرونهم بالسلام ويؤانسونهم وفي (بلارمة) حاضرة صقلية يصادف عيد الميلاد حيث احتفل الناس رجالاً ونساءً بهذه المناسبة، ويلاحظ ابن جبير ان زي (النصرانيات [ مثل ] زي نساء المسلمين، فصيحات الالسن، ملتحفات، متنقبات خرجن في هذا العيد، وقد لبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف الرائعة وانتقبن بالنقب الملونة وانتعلن الاخفاف المذهبة وبرزن .... حاملات جميع زينة نساء المسلمين) .

ويبدو من هذا الوصف ان الحاج (ابن جبير) يحمل عيوناً جريئة بارعة في التلصص لها مجسات قادرة على كشف المستور، والا كيف وصف الثياب وتلك التفاصيل والنسوة، كما يقول ملتحفات متنقبات ؟ ومع هذا الظن فان ابن جبير ذو خلق قويم يسمو به عن مواطن الريبة والشك  وبعد سفر دام سبعة ايام وصلوا مدينة (اطرابنش) وصادف وجوده فيها حلول عيد الفطر حيث احتفل المسلمون من اهلها بهذه المناسبة، وخرجوا الى الجامع (بالطبول والبوقات) بحرية تامة دون مضايقة من سكانها النصارى .

وقد واجهتهم في هذه المدينة بعض الصعوبات كادت ان تعرقل سفرتهم، اذ اصدر ملك صقلية امراً بوضع اليد على جميع السفن والمراكب، لاستخدامها في تجهيز حملة بحرية عاجلة لم يعرف الناس غايتها بصورة دقيقة، ولقد لعبت الشائعات دوراً في نشر اخبار متناقضة عنها، فمن قائل انها موجهة الى الاسكندرية ومنهم من يقول الى افريقيا، وزعم فريق اخر انها مرسله الى القسطنطينية حيث شاع خبر سقوطها بيد المسلمين، وان تجهيز الاسطول جاء لنجدتها: الا ان ملاحي السفينة التي يروم ابن جبير الرحلة فيها تمكنوا عن طريق الرشوة ان يبعدوا سفينتهم عن انظار والي المدينة المسؤول عن حجز السفن .

ويبدو الوضع القصصي واضحاً في اشاعة سقوط القسطنطينية ولابأس من ايرادها وملخصها، ان احد ملوك القسطنطينية قد توفي وترك زوجة وطفلاً صغيراً لها، الا ان ابن عم الملك الذي خلفه، قتل الزوجة واعتقل ابنها تمهيدا لقتله، لكن ابن الملك الجديد رق لحال الطفل، فاطلق سراحه فارتحل عن المدينة وحطت به الاقدار في صقلية، وقد عرف (غليام) حاكم صقلية بامره، فامر بتشديد الحراسة عليه خوفاً من الغيلة، بالرغم من ان الطفل انكر نسبه الملكي .

 كان لهذا الولد اخت جميلة، هام بها ابن الملك الجديد حباً وكان يريد الزواج بها، الا ن الروم (لاتنكح في الاقارب) فدفعة حبها الى الهرب بها وتوجه نحو الامير مسعود (والد الخاتون التي مر ذكرها في قافلة الامير العراقي) فاسلم مع ابنة عمه على يد الامير (وسيق له صليب قد احميّ عليه في النار فوضعه تحت قدمه، وهذا اعظم علامات الترك) لدينه والدخول في الاسلام، ثم تزوج ابنة عمه وقاد جيوشاً من المسلمين، وبمساعدة الاغريق الذين يكرهون الروم تمكن من فتح القسطنطينية حيث اتصلت ببلاد المسلمين .

وهذه الشائعة بدون شك حكاية مزخرفة بالخيال ولا اساس لها من الصحة، اذ ان القسطنطينية، كما معلوم سقطت على يد العثمانين بقيادة السلطان محمد الفاتح عام 1453م .(7)

وعندما تقارب رحلة ابن جبير على الانتهاء نراه يستعرض احوال المسلمين بصقلية بشيء من التناقض، فقد ذكرنا بعض ما قاله عن احوال المسلمين ومساجدهم والحرية التي تمتعوا بها في اقامة احتفالاتهم، حتى ان النصارى هشوا  بابن جبير وجماعته وبشوا بهم وبادروهم بالتحية دون سابق معرفة، الامر الذي يدل على انعدام التعصب، الا ان ابن جبير يتراجع ويقول ان احوال المسلمين سيئة ويظهر (ماهم عليه من الذل والمسكنة .... وغلظة الملك والغرامات المفروضة) ويسوق على ذلك قضية (ابن زرعة) الذي كان فقيهاً مسلماً الا انه تنصر وحول مسجده الى كنيسة، ويذكر انه تعرض الى الضغط فاضطر الى ذلك لكنه يكتم اسلامه.

ويذكر مثلا ًثانياً لتاكيد قوله جاء منه ان احد مسلمي صقلية، وجه ابنه الى الحجاج الذين فيهم ابن جبير، وعرض عليهم اخته الباكر، التي توفيت امها، ليتزوجها احدهم ويأخذها معه الى بلاد المسلمين، وان لم يقبلوها، يأخذونها معهم الى بلدتهم ليتزوجها من يرضى بها هناك، لعله مع ابيه يجدان السبيل الى بلاد المسلمين اذا زالت عقبة وجود البنت المقيدة لهما .

وبقدر غرابة هذه الرواية فاننا نجد سذاجة في السبب الذي ساقه ابن جبير عن والد الفتاة واخيها كعائق للسفر، والسفن في ذهاب واياب بين الاندلس والمغرب ومصر تبحر بحرية وعليه فان ما شاهده ابن جبير من تنصر البعض، فاننا يجب الاننسى  ان ابن جبير زار صقلية بعد حوالي مائة سنة من زوال الحكم العربي عنها وعليه فان هذه المدة كافية لانسلاخ مجتمعها عن البيئة العربية الاسلامية وذوبان الافراد في المحيط الجديد، اما الاجيال الجديدة فاصبحت مهزوزة الايمان بين اغلبية مسيحية حاكمة لها الاقدمية والامتيازات واقلية مسلمة تتناقص يوماً بعد يوم، بدليل ماذكره ابن جبير نفسه من ان بعض الابناء اذا غضب عليهم اباؤهم يؤدي بهم الى (التطارح في الكنيسة فيتنصر ويتعمد) احتجاجاً على معاملة الاباء لهم، وعليه فان قضية تلك الفتاة المسلمة لاتشكل نقطة دالة على الاضطهاد بقدر ماتمثل رغبة البعض الملتزم الذي يريد العيش في محيط اسلامي بحت .

والواقع ان المصادر التاريخية تشير ان حكام صقلية من (النورمانديين) الذين استولوا عليها عام 1091م لم يستخدموا الاضطهاد ضد المسلمين، وانما ابقوهم واستفادوا من خبراتهم في الادارة والثقافة حتى تشبه بعض ملوكهم بخلفاء المسلمين وابقوا اللغة العربية الى جانب لغتهم في المخاطبات الرسمية،(8) وقد ذكر ابن جبير، كما اسلفنا، بعض الشذرات التي تؤكد التعايش السلمي في صقلية بين المسلمين والمسيحيين .

وخلاصة القول ظل المسلمون يتمتعون بالحرية الدينية في صقلية على نقيض ماحصل لاخوانهم في الاندلس عندما انتهى حكمهم عام 1492م حيث تعرضوا الى القتل والحرق والطرد بالاضافة الى الاغتيال البربري للثقافة والمكتبات العربية .(9)

وعلى أي حال ظل ابن جبير مع خمسين رجلاً من المسلمين في جزيرة (اطرابنش) اياماً تزيد على العشرة، بانتظار ملائمة الريح لسير السفينة . وفي يوم الحادي والعشرين لذي الحجة (25مارت) اقلعوا بثلاث سفن،وبعد مخاطر واحوال رست سفنهم بجزيرة (خالطة) ثم الى (قرطاجنة) ومنها توجهوا الى الاندلس . وبعدها القى ابن جبير عصاه في غرناطة فوصلها أمنا بعد سفر فيه اهوال ومشقة .

..................

الهوامش:

1-رحلة ابن جبير، دار التراث (بيروت 1968م) انظر ملاحظة ناسخ الرحلة، ص284

2-   بروكلمان، تاريخ الشعوب الاسلامية، ترجمة نبيه امين فارس واخر، ط3، ج2، (بيروت 1961م)، ص209

3- د. احمد صالح العلي واخرون، تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، ط3، بغداد 1974م، ص342

4-   بنو مرين: اقوام اشداء كونوا لهم دولة في المغرب العربي (591هـ - 957هـ) وقضوا على حكم الموحدين ودخلوا عاصمتهم مراكش، وقد ناصروا مسلمي الاندلس ضد الفرنجة الا انهم لم يوطدوا اقدامهم فيها . انظر: د . احمد شلبي، التاريخ الاسلامي، ط1، ج4،(القاهرة 1963م)، ص143.

5-   فليب حتي واخرون، تاريخ العرب (مطول)، ط3، ج2، بيروت 1961 م، ص677

6- دولة الموحدين 524هـ - 668هـ، انشأها محمد بن تومرت وشاد بنيانها خليفته (عبد المؤمن) بعد انتصاره على المرابطين ودخول عاصمتهم مراكش، ثم زحفوا على الاندلس وسيطروا عليها . انظر : عبد الواحد المراكشي، المعجب في تلخيص اخبار المغرب، ط1،(القاهرة 1949م)، ص194 ومابعدها .

+ الحجف: ترس من جلد لاخشب فيه .

7-   فشر، تاريخ اوربا في العصور الوسطى، ترجمة، مصطفى زياده واخرون، ط2/ القسم الثاني،(مصر 1957م)، ص460 .

8-   فيليب حتي واخرون، المصدر السابق، ص718 ومابعدها .

9-   زيغريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة، فاروق بيضون واخرون، ط4،(بيروت 1980م)، ص535 .

 

كاظم باجي وناس الخالدي

العراق / ذي قار / قلعة سكر 

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1280 الخميس 07/01/2010)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1220 المصادف: 2010-01-07 01:59:39