د. منير لطفي
ا. د. عبد الله الفيفي
ميلاد عمر المزوغي
د. علي المرهج
ا. د. محمد الدعمي

ذكرى رحيل العراقي البروفسور نعيم دنكور

870-nabil1ولد السيّر البروفسور نعيم دنكور في العاصمة بغداد عام 1914م، لعائلة أصيلة بارزة في الطائفة اليهودية في بغداد، جدهُ الحاخام الأكبر عزرا دنكور، أسست عائلته أقدم المطابع الأهلية للكتب عام 1904م، وكانت تستورد الورق من السويد، والدهُ الراب الياهو عزرا دنكور تاجر الورق في بغداد (تولد 3 حزيران 1883م) الذي درسَ في مدارس بلدته ثم انصرف إلى التجارة والأعمال، واهتم بالمطبعة التي أنشأها أبوه فوسعها وطورها، ونشر بعد الحرب العالمية الأولى مئات الكتب العربية ولا سيما كتب دائرة المعارف، والكتب المدرسية للمدارس الابتدائية والثانوية والعليا، وكان في مقدمة مستوردي الورق وآلات الطباعة والحروف المطبعية، أسرة دنكور هي أول من طبع القرآن الكريم في مطابعها، أصدر سنة 1929م جريدة (الدليل) التجارية الأسبوعية، ثم أخرج سنة 1936م (الدليل العراقي الرسمي) في مجلدين ضخمين بالغتين العربية والانكليزية، وقد غادر الياهو العراق في تشرين الأول 1973م وأدركته المنية فيها في 26 تشرين الأول 1976م (1) .

أكمل السير نعيم دنكور دراسته الابتدائية والثانوية في بغداد وسافر إلى المملكة المتحدة عام 1930م لدراسة الهندسة في جامعة لندن، بعد إكماله الدراسة عاد إلى العراق الوطن الأم للالتحاق بالجيش العراقي لأداء الخدمة الإلزامية، ثم قام ببناء مؤسسات ضخمة ناجحة في العقارات والصناعات، تزوج عام 1946م من رينية دنكور وهي أول ملكة جمال بغداد منذ عام 1947م، وقد توفيت في لندن عام 2008م، وقد عرفت خير مثال للمضيفة الفاضلة التي تميزت بكرمها العراقي وأدب الضيافة لكبار الأسر النبيلة في أوروبا، ضمن مشاريع السير نعيم دنكور الناجحة حصل على امتياز شركة كوكا كولا في العراق مع شريكه المسلم أحمد صفوت في خمسينات القرن الماضي.

870-nabil2

بالرغم من نجاحه الباهر في مجال العمل والصناعات الحرة في العراق هاجر من البلد عام 1964م بسبب الأوضاع السياسية المضطربة وملاحقة الحكومة لليهود في العراق، عندما ترك العراق استقر في المملكة المتحدة تاركاً خلفه كل ممتلكاته وتجارته الناجحة وأصدقاءه، بعد مجيء البعث إلى السلطة في تموز عام 1968م، أصدرت مرسوماً على يهود العراق أما العودة أو مصادرة جميع ممتلكاتهم، اختار اللجوء تاركاً ممتلكاته وأمواله، مارس حياته العملية في انكلترا في بناء العقارات وتطوير الأعمال التجارية، وبعد فترة وجيزة التحق به أبناؤه الأربعة تاركين موطنهم الأصلي العراق.

ضمن أعماله الخيرية أسس مركزاً اجتماعياً في غرب كنسنغتون للمهاجرين الجدد وتقديم الخدمات المختلفة لهم، هذا المركز الخيري يعد صرحاً علمياً كبيراً ومشروعاً ثقافياً اجتماعياً عظيماً، حيث النسبة العظمى من الطلاب فيه من ذوي اللاجئين الذين لا يجيدون الانكليزية، وتكون الانكليزية اللغة الثانية لهم، فيساعدهم المركز ليتخطوا الحواجز اللغوية من المرحلة السابقة إلى المستوى (A) .

عام 1971م أسس مجلة (سكرايب) ليهود بابل، وذلك لتوحيد الشتات اليهودي العراقي، وقد ترأس تحريرها باعتباره المساهم الكبير فيها لأكثر من ثلاثين عاماً، كان للمجلة دور في توثيق تاريخ تجارب المهجر، كما أنشأ مؤسسة (المنفيون) كمؤسسة خيرية في مساعدة ودعم الجانب التعليمي في بريطانيا وأنحاء العالم، ومن ضمن نشاطات المؤسسة مساعدة المدارس من الهدم ومشروع الأرز في القدس وإرسال عشرة آلاف من الأكياس أسبوعياً للمدن الفقيرة.

عند سماع البروفسور نعيم دنكور بالحصار والجوع والمرض الذي أصاب العوائل العراقية نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض على العراق بعد حرب الخليج الأولى، قام سراً بإرسال ما يقارب من مليون باون استرليني عبرَّ مكاتب تحويل للأموال موثوق بها لدعم العوائل المحتاجة، لكن كان للسير دنكور شرطان في منح هذه العوائل، الأول أن لا يعرف المحتاج من أرسل المساعدات والثاني أن لا يقال للبروفسور دنكور مَن استلمها(2).

قدم البروفسور نعيم دنكور عام 2005م منحة مليون جنيه استرليني لطلاب الجامعات البريطانية، وفي تموز عام 2006م حصل على أعلى وسام في بريطانيا من الملكة اليزابث الثانية في عيدها الثمانين، عندما منحته وسام الإمبراطورية البريطانية جزاء لأعماله الخيرية في دعم مجال التعليم.

يعد البروفسور نعيم دنكور من كبار المؤرخين والمعلقين السياسيين والنقاد في بريطانيا في مقالاته وتعليقاته في الصحف البريطانية ولا سيما في مجلة (سكرايب)، تظهر هذه المقالات على مدى إطلاعه على ما يحدث في بريطانيا والعراق والبلاد العربية والإسلامية.

من ضمن مشاريعه الخيرية، ذكرت صحيفة (التايمس) أن المليونير العراقي دنكور تبرع بثلاثة ملايين باوند كمنح لزمالات علمية للتلاميذ العراقيين الفقراء في الجامعات البريطانية وفي غيرها من الأقطار، لذلك نقدم للبروفسور دنكور كل التقدير والإحترام الخاص لمواقفهُ الوطنية والنبيلة في مجال دعم العلم والتعليم ومساعدة الفقراء والمحتاجين، الذي بقى طوال حياته بمشاعره وقلبه مشدوداً للعراق.

عام 2010م انتخب البروفسور نعيم دنكور رئيساً فخرياً لرابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق بدعوة من البيروفسور سامي موريه، يعتبر دنكور من مؤسسي صندوق رأس الجالوت في لندن(The Exilarch's Foundation، London) الذي يرأسه. ويعتبر من كبار أعيان العراق في لندن، إذ وهب الكثير من ثروته لخدمة أبناء وطنه العراق .

رحل السير البروفيسور نعيم دنكور يوم 20 نوفمبر 2015م في لندن بعد أن تجاوز عمره الواحد بعد المئة.

 من القصائد الرائعة للشاعر د. جبار جمال الدين، مهـنئاً بهـا البروفيسور نعيم دنكور على لقب "سير" من ملكة بريطانيا اليزابث الثانية "إذ قال :

لَقَبُ "السِّير" الّذِي قَدْ حُزْتَهُ............هُـوَ فَخْرٌ لِيهــــــــــــــُودٍ وَعَـرَبْ

يَا نَعِـيمٌ! وَلَكَ الـنُـعْـمــَى الّتِي...........ِهيَ لِلْحُرِّ ابْتِــــــــــــــغاءٌ وَطَـلَبْ

يَدُكَ الْبَيْضاءُ كَمْ بَاعٍ لَهَا فِي.............دُرُوبِ الْخَيْرِ شَـــــــعّتْ كاللَهَبْ

قَدْ جَمَعْتِ المَجْدَ مِنْ أطـْرافِهِ............وَالنّدِى جاءَكَ مِـــــــــــنْ أمٍ وَأبْ

يا سَلِيلَ الرّابِ دَنْكُورٌ وَمــنْ.............شَيّدُوا للْشّعْـــــبِ مَجْدًا مِنْ ذَهَبْ

وَارِثَا آشُـورَ وسِنْـــــحارِيبَ.............والنّهْـرَينِ والْمَــــــــــاءُ العـَذِبْ

يَا ابْنَ فِيلونَ الذينَ خــــَطّ لَهُ............فِي ثَـنايا فِكْرِهِ أعْــــــــلى الرُتَبْ

ياابنَ مَيْمُونَ الّذِي أصْغَى لَهُ............مسمعُ الأفلاكِ مِن شرْقٍ وغربْ

يا ابنَ كمونه يا مـنْ قدْ عَلا.............جاوزَ الجوزاءَ فيمـــــَا قَـدْ وَهَبْ

لقبُ "السـير" دليـــــــلٌ إننا.............أمّـةٌ ســيـدَةٌ طُـــــــــولَ الحِـقَـبْ

والعراقيُّ أبِيٌّ شـــــــــــامِخٌ.............نفسُهُ دونَ عَطـــــــــاءٍ لمْ تطِبْ

ياابنَ عِزرا ايّها الكاتبُ فِي..............صَفْحَةِ الكاتبِ ما يَجْلي الكَرَبْ

وحِوارٍ بـينَ أدْيـــــــــانٍ لَه..............غايةٌ تَسْمو على أسْمَى الشّـهُبْ

حَسْبُ دنكور فــــــــــخارا...............إنّهُ عـالمٌ فَـذٌ أريبٌ فِـي الأدَبْ

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

.....................

المصادر

1- بصري. مير. أعلام اليهود في العراق الحديث . دار الوراق للنشر. لندن. ط3. 2009. ص174.

2-   الحيدري. نبيل. مقال حول توثيق دنكور لفلم عن يهود العراق في قصة لاعبي كرة الطائرة. موقع الكتروني. فراديس العراق. http://www.iraqparadises.com/?page=news&id=4210

 بصري.مير. أعلام اليهود في العراق الحديث . دار الوراق للنشر. لندن. ط3. 2009. ص174

الحيدري. نبيل. مقال حول توثيق دنكور لفلم عن يهود العراق في قصة لاعبي كرة الطائرة. موقع الكتروني. فراديس العراق. http://www.iraqparadises.com/?page=news&id=4210

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

كل احترامي واعتزازي للاخ الكاتب الاستاذ نبيل لتسليطه الضوء على هكذا شخصيات عراقية نبيلة غير معروفة من المجتمع العراقي وبقيت هذه الشخصية وكثير من الشخصيات العراقية من الطائفة اليهودية التي كان لها الفضل الكثير على الدولة العراقية الحديثة في مجالات كثيرة منها الاقتصاد والفن والمقام والحداثة وامور اخرى بقيت هذه الشخصيات لاتذكر الا نادرا ، لماذا؟ هل من المعيب على الكتاب ذكرهم ام ان الكتابة عنهم هي وصمة عار يخاف منها الكاتب؟ انه من الظلم والاجحاد بحق هولاء هو عدم تخليد ذكراهم وما قدموه لهذا البلد عندما كانوا في العراق وبعد تهجيرهم. والسؤال الذي يحيرني والذي لم اجد اجابة له .لماذا يهود العراق الوحيدين الذين يحنون ويشتاقون ويفعلون مافي وسعهم لمساعدة العراقيين .ولم يقدم لهم العراق سوى الظلم والتهجير وسلبناهم كل شي، تبا لنا من شعب جاحد.

This comment was minimized by the moderator on the site

الراحل نعيم ألياهو عزرا دنكور اليهودي العراقي الأصيل الراحل في لندن عن عمر جاوز المائــــــــة عـــام (١٩١٤ ـ ٢٠١٥). إن الراحل كان علماً من الأعلام الكثرالمرفرفة عالياً في سماء العراق وواجهة حضارية يفخر بها البلد في الداخل والخارج.نال لقب Sir من الملكة اليزابيث الثانية ملكة بريطانيا الحالية نظراً لجهوده المبذولة في نشر التعليم في لندن ومساعداته الإنسانية للمحتاجين والمنكوبين واللاجئين وغيرها.
في الواقع إن المرء ليحار في وصف هذه الشخصية الفذة التي أنجبتها أرض ما بين النهرين, أرض الرافدين. فهو المثقف الواسع الإدراك والمعلومات والمتعدد المواهب والمحب لعمل الخير ونشر التعليم والتنوير، كما أنه التاجر والصناعي ورجل الأعمال الناجح والكاتب والناشر و...و...
ومما يؤسف له حقاً أن هذا العلم العراقي لم تتح له الفرص الملائمة لإكمال رسالته في الحياة داخل بلد منشئه العراق بسبب الظروف السياسية غير المستقرَّة والهيجان الشعبي الطائفي العارم لدى بعض الفئات المتعصبة والجاهلة لحقائق الأمور في المجتمع العراقي والذين شكلوا تهديداً خطيراً على حياة وأموال إخوتنا أبناء الطائفة الموسوية التي تجسدت بالأخداث المؤسفة التي تعرَّضوا لها في التمييز الطائفي والعرقي والإضطهاد والملاحقة والتعرض للنهب والتهديد والقتل والتهجير القسري في حقبة الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي الأمر الذي جعله هو ومعظم أبناء الطائفة الموسوية يهربون ويهاجرون متحسِّرين الى خارج العراق إلاّ أن قلوبهم وأفكارهم وعواطفهم وهواهم بقيت مشدودة صوب موطنهم الأصلي أرض العراق، وبالإمكان مشاهدة ولمس ذلك من الفيديوهات والمقالات والتعليقات الكثيرة المنتشرة على مواقع التواصل الإجتماعي وبالذات في الـ Youtube: حيث تشاهد وتلمس الأصالة والوفاء والحب والعاطفة الجياشة وشجن الذكريات الموجودة في نفوس المتبقي على قيد الحياة من اليهود العراقيين الذين تركوا العراق مرغمين. توجه قسماً كبيراً منهم الى إسرائيل ووالقسم الآخر الى بريطانيا وأميركا وغيرها...أما الراحل مع زوجته "رينيه دنكور، وهي أول ملكة جمال لمدينة بغداد تم اختيارها في ١٩٤٧" كانوا أختاروا بريطانيا للهجرة عام١٩٦٤ ورفضا التوجه الى إسرائيل لأسباب ٍ نجهلها، حيث شق طريقه بنجاح فيها وأصبح علماً خفاقاً مرفرفاُ عالياً ليس في سمائها فحسب بل وأينما كان يحل لأنه أصبح شخصية عالمية سيظل التاريخ يذكرها بالفخر والإعتزاز. وكان عمر الراحل أكثر من مئة عام عندما وافاه الأجل في ٢٠ـ ١١ـ ٢٠١٥ بلندن.

ألف شكر لكاتب المقال الأستاذ نبيل عبد الأميرالربيعي على مقاله الرائع الممتع عن الراحل وذكره للمصادر الموثوقة التي استقى منها معلوماته والتي اعتمدنا عليها في تعليقنا أعلاه. والشكر الجزيل للأستاذ الشاعر الدكتور جبار جمال الدين على قصيدته الرائعة هي الأخرى في الوصف بحق الراحل مهنئاً إياه على نيله بجدارة اللقب Sir من الملكة أليزابيث الثانية كما أسلفنا في أعلاه. ولا يفوتنا أن نشكر الموقع(صحيفة المثقف) كثيراً نشره لمثل هذه المقالات الثقافية الرائعة متمنين للجميع دوام العافية والنجاح المضطرد في الحياة...
وفي الختام أود أن أدلي برأي متواضع في الإجابة على السؤال الذي طرحه المعلق الكريم الأخ سلام العبودي هو أنه ليس الأخوة اليهود العراقيين المهجرين من بلدهم العراق قسراً هم من يمتلكون الصفات التي ذكرتها وغيرها فحسب إنما يشاركهم في ذلك بقية الطوائف والمكونات من الشعب العراقي الأصيل(وخطين سماك تحت كلمة الأصيل) من المسلمين الحقيقيين والمسيحيين والصابئة المندائيين والشبك والأيزيديين وبقية المكونات الأخرى ممن لديهم حس عال بالمواطنة والإنتماء والوفاء للعراق الذي ولدوا فيه وترعرعوا وأكلوا من خيراته وشربوا من مياه رافديه دجلة والفرات وتعلموا مجاناً وتملَّكوا وأسسوا مصالحهم وبنوا دورهم وعاشوا هم وأبنائهم وأحفادهم فيه...مع التحية الأكيدة !

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3376 المصادف: 2015-12-03 08:13:52