ا. د. محمد كريم الساعدي
ا. د. ضياء نافع
د. صادق السامرائي
د. ميثاق بيات الضيفي
عمار حميد
حسن حاتم المذكور
د. مجدي ابراهيم
د. صادق السامرائي
أياد الزهيري
عبد الرضا حمد جاسم
د. كاظم الموسوي
د. فرح الخاصكي

عرس الذيب

heyam fershishباغتتني رغبة في كتابة بعض المشاهد التي أطلت فجأة في أحلامي بعدما نهضت من الذاكرة .. وجوه لشخصيات خلت انها اندثرت بعادات نخرها الزمن في مراسم القرية التي كنت أحضر أفراحها وأنا طفلة، ولكنها استقرت في دار جدي وصارت تتردد على في المنام ليالي متتالية..بل شخصيات اقتحمت الدار، وحضرت مثلي مراسم الأفراح وارتسمت كأطياف، تبعث حيرتي في طريق مفتوح على الذكرى ..

طفلة ولدت في العاصمة وتذهب إلى القرية في العطل لتقضي أياما معدودات في دار جدها

أعود إلى صورتي وأنا طفلة ..

أقف أمام باب دار جدي الخارجي الآن .. لا أجد جدي، لا أجد جدتي التي ذهبت إلى الحج ولم تعد ..

 لقد رحلت الشخصيات الأليفة عن الدارالقديمة،ولكن انبعثت فيها الروائح من جديد ، قطع من العجين المخمر تحت أغطية قبل أن يلصق في الطابونة لينضج، خبز الغناي، روائح الحليب الطازج وهو يحلب من ضرع البقرة، الدجاج الذي ينبش في التراب ويبيض. الدار المكتظة بحشود القرويين الوافدين عليها صباحا مساء .. كانت الحكاية تزدحم في رأسي في هذه الدار منذ الطفولة، ولكنها كانت تختبئ في الذاكرة ..

وأفتح أبواب الغرف، باحثة عن شخصيات من صنع أحلامي الأخيرة، استحالت إلى جزء من القرية، بحثا عن حنين قديم أو عن أحلام جديدة...فتنبعث روائح الحناء والمردومة والحرقوس. واسترجع ليالي الاحتفال بعرس ابنة "الهجالة" التي اتفق اهل القرية على تغطية مصاريف الحفلات التي تسبق يوم زواجها برجل يعيش في الخارج، رجل مشغول بتجارته وراء البحار، ولن يدخل القرية الا ليلة العرس ليعقد قرانه ويخرجها من فضاء القرية المسكونة بحكاية "الرجل الذئب" الى مدينة النور.

تعودت القرية على حكاية الرجل الذئب، الذي يختطف الصبايا، وتعود حراس المزارع على مسك البندقية تأهبا لقتله، ولكنهم لم يقدروا على ذلك فهو حذر يباغت فريسته من حيث لا تدري ويجرها الى مكان مرتفع... وهكذا تعودت العجائز على استعادة روح خرافة تثير قشعريرة في المسامات..فالرجل الذئب، هو ذئب يتلبس صورة رجل وسيم، كان معمرا فرنسيا قتله "الفلاقة"، فبقيت روحه تتشكل على هيئة رجل يلبس معطفا بفرو، لا تغويه الأغنام..يعوي فيغوي فتيات القرية. يغيب عواؤه ثم يجوع ليأكل اللحم الحرام...فلم يعد اهل القرية يقلقون على ماشيتهم ولا اراضيهم بل على بناتهم اللاتي يحملن وينجبن اطفالا متشابهين. دون ان يجرؤن على ذكر اسم الذئب المتلبس في صورة رجل، يجوب منعطفات الجبل بحثا عن فتاة تعود من العمل في المزرعة او تقطع الطريق الجبلي ..

تتذكر الطفلة بائع الحلوى الذي لا يباغت أطفال القرى إلا في زيارات نادرة. يأتي على تلك العربة الملونة. يلون أحلام الصبية بتذوق عرائس الحلوى ذات الألوان الجذابة. يذوب لون قطعة الحلوى ويسيح على الشفاه. تشتري قطعة مثلهم، ثم تدخل إلى غرفة الزوار في دار جدتها حيث الزائرة وبيدها ابنها الرضيع. وحين يسيح السكر على شفتيها، يسيح الحليب على شفتي الطفل المتشبث بثدي أمه. تسيح الأحلام الموشاة بشقائق النعمان والأعشاب النابتة في الضيعة الجبلية. وتتخضب الشفاه بزهر الطفولة ..

طفلة يراودها طيف ذلك الرجل الذي يتراءى كلما تجمع الأطفال حول بائع الحلوى ..

أيام الصبا لم يكن خيال الاطفال البريء قادرا على فهم ما تخفي نظراته الساهمة. لم يدركوا سبب اشترائه لقطعة حلوى مثلهم، مازال طعم السكر عالقا بلسانه. ومازال الطفل متشبثا بثدي أمه يمتص الحلمتين ويتناول الحليب الساخن. يغويه الثدي لتفور في قلمي لذة امتصاص اللغة تكشف لي عن غواياتها وأسرارها الخفية.

ارى في نظراته صورة الرجل الذئب كما يتحدث عنه الكبار: لا تمر امرأة من المنعطف الا ويهجم عليها ويطوق انفاسها الى ان ترتخي فيبطش بها ويلتهم ما طاب منها. ثم يعدو الى المرتفعات ويعوي عواء الجائع ابدا ...

وحين يعود بائع الحلوى من حيث أتى يلوذ الصبية بالسكر الذي تعده النسوة المحتفيات بأجسادهن وقد عصرن فيه الليمون الحامض، ليغنموا بعض القطع قبل أن يتلوت بشعر النسوة المنتزع بقسوة..لم نكن ندرك ما تقوله الحنانة صاحبة الكلمات النابية عن تلذذ الرجل الذئب بطعم السكر على الجسد الأنثوي المثير للشهوة. وعن أمنية كل شابة في الزواج من رجل شبيه بالرجل الذئب، يباغتها من حيث لا تدري بمظهره الانيق وبشعره الحريري الذي يسرحه كنجوم السينما.

القرويات يرافقن العروس إلى الحمام، ومن خلفهن الصبية يقفزون بمرح. ويتشبثون بأثواب أمهاتهم. كان ذلك في"عرس الذئب" حيث ترافق نزول المطر مع بزوغ الشمس. وارتسم قوس قزح في الفضاء يذكر الأطفال بألوان الحلوى. لكنهم وجدوا أنفسهم في الحمام حيث يسهل التكشف على أجساد النسوة والعجائز اللاتي يحملن أوشاما على أجسادهن المترهلة ..

الوشم الأخضر ينبت كالأعشاب بين ثنايا الجسد، بل يكاد يغطي كل أعضائه. فالأوشام مرسومة على البطن، والركبتين والساقين والظهر والكتف وأسفل الذراع. وتغمز الحنانة للعروس بصوت هامس تلتقطه آذان الصبية بأن تلك الأوشام آثار يتركها الرجل على جسد المرأة. تبتسم العروس في خجل، لكن الحنانة البارعة في التلفظ بالكلمات النابية تردد : بأن الأوشام تعبر عن الماضي البائد في الجسد المترهل، ولكن الرجل الذئب لا يغويه إلا الجسد الطري الجسد المخضب بالحناء، المزركش بالحرقوس.

تتأمل الطفلة أشكال الحرقوس المرسومة بالنقاط والخطوط الأفقية والعمودية والمنحنية. تختلف عن أشكال الوشم بين الحاجبين وعلى الخدين وعلى الذقن. وتمر الحنانة لتشاكس عجوزا قائلة إن كل هذه الأوشام رسمت على الجسد للإثارة. وتتظاهر العجوز بالحياء وهي تتأسف على زمن كانت فيه شابة.

تغتسل العروس. تغتسل النسوة. يغتسل الأطفال. ينتقلون إلى المقصورة الكبيرة الخاصة بالعروس وهي تلبس ملابسها الداخلية المشبكة بالدنتال. وتلبسها امراة قروية بعض مصوغها اللماع: الخلخال والإسورة السميكة والسلسلة الذهبية. والأعين التي بدا فيها بريق لامع تتحسس ضوءا ما خارج الحمام..

يلعب الصبية بأقواس النيران في فناء الدار الغاصة بالمدعويين في ليالي العرس التي تطول يوما بعد يوم. والحنانة تنهرهم ليلعبوا في الخارج، صارخة في وجوههم "ما نحب نرى حتى غشير يدور قدامي" والطفلة المكتشفة للعبة قوس النار تمسك العصا التي أشعل أحد الصبية طرفها وتحركها في سرعة خاطفة، لترى الدائرة الضوئية تدور بسرعة النار، في حين أمسك بعض الصبية بعجلة من السلك اللين وطفقوا يحركونها بسلك من الحديد المعوج. تتابع الطفلة الدوائر في ظلام القرية يضيء حالة تتمثلها، وهي ترى الطفل المتشبث بثدي أمه داخل الدائرة، فإذا بكل الدوائر تدور حول الثدي..

وترى ذلك الرجل الذي يتابع حركات الصبية، يسلم أحد الأطفال ورقة وقطعة نقدية ويهمس في أذنه. يبتسم الطفل ويركض نحو الحنانة يعطيها الورقة خلسة عن الآخرين. ويعود ليواصل اللعب بالقوس الناري، أما الطفلة فقد كانت تتابع ما يجري، وترصد حركات الحنانة التي تتجه الى العروس وتحدثها بهمس. ثم تخبر أم العروس أنها ستفك عن العروس التصفيح في هذه الليلة.

تبتسم الأم. وتلتحف العروس بالسفساري. وترافق الحنانة نحو بيتها. والبنت تتبعهما في صمت. وحين تتفطن العروس إلى خطوات الطفلة الممسكة بطرف السفساري. تضطر إلى اصطحابها. أما الحنانة فتعدها باللعب بعرائس أحفادها البلاستيكية، لكنها تقول بنبرات ساخرة : "العرائس البلاستيكية لا ترتدي الملابس وسأعطيك القماش والمقص والإبرة والخيط لتستريها". وتظهر على وجه العروس علامات الارتياح.

وحين وصلن الى فناء دار الحنانة كان ثمة طيف يطل من وراء ستارإحدى النوافذ. وتبينت الطفلة صاحب الطيف، إنه ذلك الرجل الذي أرسل الورقة للحنانة. وتقول الحنانة للعروس: "قبل فك التصفيح لا بد من ضرب الصفيح"، وتغمزها العروس وتلكزها بمرفقها. وتدرك الطفلة أن العروس والحنانة متواطئتان على شيء مع ذلك الرجل.

 

عند الدخول إلى الدار أعطتها الحنانة العرائس البلاستيكية السوداء والبرتقالية وكيس القماش وعلبة الخياطة. وأحضرت لها قطعة حلوى، واتجهت إلى المطبخ تعد الأكل تاركة العروس تنفذ إلى الغرفة التي برز من وراء ستار نافذتها ذلك الرجل. وما هي إلا لحظات حتى سمعت ضحكات وآهات تنبعث من داخل الغرفة تركت قطع القماش واتجهت نحو ثقب الباب..

 

 

كان ذلك الرجل الذي يراقب حركات الصبية وهم يركضون نحو بائع الحلوى يتحسس ما تبقى من طعم السكر. وللحلوى رائحة الزهر والنباتات التي يجمعها الصبية ويضعونها في قوارير ويرمون فيها النحل الذي انتزعوه من الزهور .تتذوق الطفلة حلاوة السكر من خلال قطعة الحلوى الكبيرة التي سلمتها لها الحنانة. ولكن سرعان ما تدنست نظراتها بما كانت ترى. مسحت شفتيها بلسانها وابتعدت عن قفل الباب. واتجهت نحو الحنانة وسألتها عن عصا لتشعل طرفها وتلعب بها لعبة الدائرة النارية. تتجه الحنانة قرب الزريبة نحو الحطب المكوم. وتقول بحنق : "هذا الحطب لحمي الطابونة لا للعب، ولكن احذري أن تصيبك شرارة اللهب"...

والطفلة لا يعنيها أن تلعب بالنار. ففيما مضى أمسكت الأسلاك الحديدية وطفقت ترميها نحو الأعلى وحين قذفتها على أسلاك الكهرباء رأت شرارات النار تقطع الأسلاك الحديدية. ولكن رؤية الشرارات لم تفقد وهجها. مازالت الأصوات تنبعث من غرفة النوم والطفلة ترسم دوائرها النارية التي تتسع مع اشتعال العصا وانبراء اللهب القاني...

بزغ ضوء القمر حين اعد الرجل الذئب لوليمته ليلا ومع اشراقة يوم جميل يكون قد فتك بفريسته وتركها جيفة لاهل القرية، وهم يرددون بان الذئب الذي يعوي في اعلى الجبل عواءه الذي يبعث وحشة في الروح، قد مارس طقوس عرس الذيب على فتاة من بناتهم قبل موعد زفافها بليلة..

وما هي إلا لحظات حتى اجتمع رجال القرية حول دار الحنانة يتوعدون بقتل الرجل الذئب، بعدما ادركوا من يكون، ولم يتوقع القرويون ان يكون هو. فقد كان يشيع الامان بين نساء القرية، لقد تربى في مزرعة الشيخ مسعود الى ان شب وبرزت عضلاته فصار يسدد اللكمات لشبان القرية فاذعنوا لشراسته، وصاروا يتجنبون اذاه. ولكنه صار يتحاشى الحديث مع اهل القرية ويقضي النهار في مراقبة عمال المزرعة التي ورثها عن الشيخ مسعود، يعملون بدون كلل، ولا يتجاوزون استراحة قصيرة مقدرة بساعة لتناول الغذاء وشرب الشاي

وبين روائح الاكليل والزعتر والعرعار، تنتشي الشهوة. وعلى ضوء القمر يغادر الذئب مخبأه، يحضر اعراس القرية ومآتمها، يجوب بعينيه المفترستين تضاريس اجساد الصبايا المنتشيات بالرقص في الاعراس، اما من تحمل كآبة ظاهرة عن زوج غادر في مقتبل العمر، فيعزيها كسائر القرويين ويضغط على كتفها ويدها ويقول لها البركة فيك، ويوهمها انه السند الذي تلجأ اليه عند الحاجة..

اتفقت بنت الهجالة مع اهل القرية على استدراج الرجل الذئب..فاضطر الى الزواج بها وادرك ان لا رجل قادم من وراء البحار..بل هو العريس الذي سيكفر بزواجه من بنت الهجالة عن معاصيه..

يقول الشيخ عبد الله هازئا من مكره:

اللي قاريه الذيب حافظو السلوقي

ويردد شاب متعلم من القرية:

تعدو الذئاب على من لا كلاب له .. وتتقي صولة المستنفر الحامي

وسط دار جدتي حيث عقد الرجل الذئب قرانه على بنت الهجالة، واقيم حفل الزفاف عادت إلى ذاكرتي صورة الشيوخ والرجال الذين يرقصون في القرية على وقع ضربات الطبال، وصوت الزكرة التي تنفخ أوداج الزكار والنساء اللاتي يشاهدن هذا الرقص المنتشي بإزاحة أطراف ستائر الأبواب والشبابيك، والأطفال الذين يوقعون انتشائهم بضربات أقدامهم المتلاحقة ..

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

من أجمل النصوص السردية التي قرأتُها ....
حينما نقرأ قول الشاعر :
قلتُ للمحبوبِ صِــلْنِـي
يا بديعَ الحسنِ أنـــــتَ
نتشوق إلى قراءة الآتي
يقول :
قالَ لي : قدْ قالَ ربّـــي
لنْ تنالوا البِرَّ حتّـــــــى

التشويق عنصر ركائزيّ في البناء القصصي ....
وهذا النصّ يثمِلُ القارئ تشوّقا.......

إيراد بعض العبارات باللهجة المحلية ..من مظاهر التركيب القصصي المغاربي والعربي ...لكنَّ المستحبَّ ألا نورد عبارة لقرويةٍ بالمحلية ..وعبارة أخرى لامرأة أخرى بالفصحى ...
أقصد :
تأخّرتُ...
سأعود إلى هذا النص لاحقًا....
مودتي
وتقديري

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2692 المصادف: 2014-01-18 12:55:10