د. صادق السامرائي
إيمي الأشقر
محمد أبو النواعير
أسماء محمد مصطفى
ا. د. فاروق مواسي
عدوية الهلالي
جواد عبد الكاظم محسن

بلقيس الملحم: نصوص كئيبة!

قبل عشر سنوات تضامنت معها الغابة كلها

MM80صنعوا لها مسجدًا صغيرًا

زرعوا حوله أشجار اللوز بطيئة الثمار

ثم جلبوا لها صغار الأرانب والسناجب والعصافير

 كانوا يصلُّون لابنها المفقود كي يعود!

تمر الأيام ثقيلةً

حتى هجرتها الغابة

صارت الأم تنام على العشب الأصفر

ترى في الظلام شقوقًا لامعة

كبياض العظام

وتكتفي بإرسال قبلة في الهواء كل ليلة

هل يخطئها عصفور ويحملها للصغير؟!

 

-2-

صديقتها الجاموسة

 الجديدة من بين الذئاب والخنازير البرية

تعرف بأنها خائفةٌ ووحيدة وكثيرًا ما ترتجف

تحرق جلدها لتحفر على ذراعها وشم اسمه

الجاموسة تقودها للدغل

وتجثو هناك طويلاً

تغني فتلمع عيناها

وتنتزع من ضلوعها صوتًا عميقًا

تناولت الجاموسة شفرة ثم شقت طرف لسانها

هي لا تتوقف عن الغناء

ولا تريد لهذا الوقت أن يمضي دون عناق

الجاموسة تندي دمًا ودموعًا

ما يخفف عنها

 أنها استطاعت أن تحفر لصديقتها قبراً

 وتهيل التراب على جسدها النحيل

لا تتوقف عن الغناء وهي تراقب الأجساد

معلقة على أعواد الانتظار وشفاعة أمراء الحروب

تفكر بالجثث المرمية في ثلاجات الطب العدلي وخرائب البساتين

جثث بلا رؤوس

وأذرع بلا أصابع

من سيأبه بها أكثر من القطط والكلاب الشاردة

 

-3-

باردة

تلك هي مقابر أيوب*

كيف يتدفأ الموتى؟

وعروسان يقفان قبالتها

 يعقدان قلبيهما على الفرح

أطفال يأكلون الذرة المشوية على دكتها

وسواح يقرؤون تواريخهم الغابرة

باردة

هل تكفي حرارة قلبي

 وهي تمر بأصابعها على الرخام الثلجي؟

 احترقت

بكيت

وجثوت بينها ابتلع شفرة الزمن

ما يخيفُني أن يمر أحدهم ولا ينظر لقبري

يكون اسمي ممحيًا

أو لائذًا بين عاشقين ينظران للعدسة ويبتسمان

ما يخيفني أن تكون كآبتي دُعابة

 تُلقى بين حوانيت باعة ألعاب الأطفال والعطور

 

-4-

في شتاء فيينا عام 1947

 القطار سيتوقف

وستعرض صورة ابنها 

أمام أول وجبة من الأسرى المحررين

ست مائة عادوا

إلا هو!

قبل أن يتهشم قلبها وهي تمد صورته

التقط دمعتها شاب يدعى هاس

لكنها يبست بين كفيه

حتى عادت تزهر من جديد على صفحة مجلة هيوت عام 1949

ماذا يعمل هاس

وهو ينشر صوره في صحف عالمية؟

هل ما زال يدعو لمائدته أموات لا يُضمر لهم ضغينة!

 

 -5-

جميعنا ذهب إلى جهنم

جميعنا لم يعد من الجنة!

لا دخان ينبعث من تنور أمي

صوت الريح يختفي

ارتطام الجثث

تكدسها تحت الركام

 بكاء رُضَّع كل ما تبقى

كموسيقى رديئة تنقطع أنفاسها

لو كبروا قليلاً

لكانوا ظلال الأشجار على نهر العاصي

أجراس الكنيسة تركب النهر

تسير من مقبرة قديمة

حتى الغابة

لا أحد ينتظرها

لا أحد سيصلي في دير سيتا

كمدًا يُمحى طريق حقول التوليب

فمنذ ثلاثة أيام والسماء تمطر

وما من نساء تخبز الرغيف

غير اللاتي يتسابقن مع الكلاب تحت نزهة القذائف

 

-6-

لدي ثلاثةٌ أحملهم على ظهري

منذ أن حلمتُ بوطنٍ حر

واحدٌ ذاب بغازات الفلوجة

الآخر اختلط بركام غزة

وصغيرةٌ سحقوا دميتها في الشام

مضيت في حيرتي

وقد فاتني رابعٌ

يركلني ولا ينام

يده اليمنى تمتدُّ لقطف

برتقالة من على السُّور

يده اليمنى معلَّقة هناك

حيث لا يُزهر البرقوق تحت دخان القذائف

فيما تظل يدي تغرسُ الزهورَ

في تراب الفرائـس

 

..........................

مقابر أيوب في إسطنبول. وتشتهر بأنها منطقة سياحية!

 

 

تعليقات (4)

  1. جمعة عبدالله

الشاعرة القديرة
ارهاصات شعرية من المخاض الواقع العسري , الذي دلف الى الهدم والخراب , سرد شعري يملك رمزية ايحائية بليغة , معبرة بوجدان الذات , من المحن والمصائب التي غزت الواقع العام , وجعلته مضخماً بالجراح النازفة والدمل والقيح من محن الواقع العام , التي تركت جراح لا تندمل ولا تشفى , بالمغزى التعبيري العميق والمعبر , كما عرجت على محنتها الذاتية والعائلية , بالفقد والتشتت
لدي ثلاثةٌ أحملهم على ظهري

منذ أن حلمتُ بوطنٍ حر

واحدٌ ذاب بغازات الفلوجة

الآخر اختلط بركام غزة

وصغيرةٌ سحقوا دميتها في الشام

مضيت في حيرتي

وقد فاتني رابعٌ

يركلني ولا ينام
ودمتم بخير في العام جديد

 

الناقد والكاتب المبدع جمعه عبد الله
هي الشقوق التي تركوها في الظلام لنستدل عليهم. لامعة وبيضاء وناعمة كالعظام!
فكيف لا ينكسر صوتي ويدي غارقة في وصف تلك الحرائق.
شكرًا لكماتك التي تضيق لقلمي ألقًا من ألقك وألما من جروح الإنسان الخالدة.
دمت وسلمت

 
  1. زاحم جهاد مطر

بلقيس الملحم
ست اوراق يابسة محترقة من غصن واحد محترق ولك لا يزال معلقا تعبث به الرياح ؛
شخصيا لم اجدها كئيبة و لا موحشة و بائسة او يائسة ؛ بل هو الامر الواقع او الحاضر المنتحر المتشظي و المتلون بلون الدخان و السخام و الدم ؛ نقلته انامل شاعرة متمكنة و محترفة و محترقة القلب الى اسطر و وثقته للاجيال بطريقة ادبية بارعة كعادتها .
هذا هو القلم الاصيل عندما ينقل الواقع كما هو دون مواربة او زيف ؛
الحقيقة كما هي وان كانت موجعة و مؤلمة و كئيبة ؛ وهذا من نعيشه اليوم في اوطاننا المحترقة الممزقة .
دمت بخير

 

الشاعر البديع زاحم مطر
الكلمات التي وصفتَ بها النص كانت بمثابة أنامل فنان. لذا كانت طرية الجروح !
نيرودا يقول: إذا كان أمام الشاعر وردة وقتيلاً فمن العار أن يكتب عن الوردة!

شكرًا لمرورك الكريم ولجمال حروفك

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4056 المصادف: 2017-01-09 13:08:57