د. زهير الخويلدي
حسن حاتم المذكور
فاطمة الزهراء بولعراس
د. رائد الهاشمي
د. محمد فتحي عبد العال
د. صادق السامرائي

من البلاغة الكلاسيكية إلى البلاغة الجديدة

jamil hamdaouiالملخص: يتناول هذا البحث البلاغة بين مرحلتين: مرحلة البلاغة الكلاسيكية ومرحلةالبلاغة الجديدة. وإذا كانت البلاغة التقليدية بلاغة معيارية تعليمية تربط فن البلاغة بالخطابة والإقناع والإمتاع والبيان، فإن البلاغة الجديدة قد تعاملت مع الخطابات النصية المختلفة  منذ منتصف القرن العشرين تعاملا علميا وصفيا جديدا ضمن مجموعة من الاتجاهات: لسانية، وأسلوبية، وحجاجية، وتداولية، وسيميائية. وأكثر من هذا، أصبحت للبلاغة اليوم إمبراطورية واسعة وامتدادات شاسعة.

Summary :

This research studies the rhetoric between the two phases: classical rhetoric and the new rhetoric stage. If the traditional rhetoric is standard and educational because it links art of rhetoric with persuasion, interestingness and statement, the new rhetoric has used a new scientifically descriptive for analyzing speeches textual since the mid-twentieth century within different methods: lingual, stylistic, orbital, pragmatic, and Semiotics. More than this, the rhetoric becomes a vast empire and has vast stretches.

المفاهيــــم:

البلاغة الكلاسكية- المدرسة الأرسطية- الحجاج- الإقناع- التأثير- البلاغة الجديدة- الصور البلاغية- المحسنات البديعية- الأسلوب- اللوغوس- الباتوس- الإيتوس- الأرسطية الجديدة- البلاغة البصرية- إمبراطورية البلاغة- نظرية أفعال الكلام- الاستلزام الحواري- نظرية الانزياح- وظائف اللغة- البلاغة المقيدة- السيمياء المرئية- بلاغة الصورة- الصورة الإشهارية...

شــــذرة الدراســـة:

البلاغة عنقاء هذا الزمان، لقد احترقت لتنبعث من رمادها من جديد.

- جميل حمداوي-

قالحازم القرطاجني: "وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يَتَأتَّي تحصيلها فيالزمن القريب، وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار". (منهاج البلغاء. 88).

 

تمهيــــد:

 عرفت البلاغة الإنسانية مجموعة من المراحل منذ نشأتها في اليونان ضمن فضاء سياسي خطابي ديمقراطي وجماهيري. وقد انتقلت هذه البلاغة من فن الخطابة إلى فن الإقناع،  ففن الإمتاع، ثم فن الكتابة والبيان، ثم وصف الأسلوب والخطاب والصورة، ثم استجلاء ملامح الحجاج والتداول. ومن هنا، يمكن الحديث عن بلاغتين: كلاسيكية وجديدة؛ فالبلاغة الكلاسيكية هي بلاغة بيانية معيارية وتعليمية تساعد الكاتب أو الخطيب على كيفية الكتابة والإنشاء والخطابة.أي: هي أداة للإبداع، ووسيلة للتفنن في الكتابة بغية الوصول إلى تأليف الكلام السامي، وأداة ناجعة لاكتساب ملكة الفصاحة والبلاغة والبيان.

 ومع منتصف القرن العشرين، أصبحت البلاغة في ثوب جديد؛ لأنها كانت تعنى بوصف قواعد الخطابات والأجناس الأدبية ، وتصنيف الصور البلاغية والمحسنات البديعية ، وتبيان وظائفها في ضوء مناهج معاصرة لسانية وبنيوية وسيميائية وشعرية (Poétique). ولم تقتصر البلاغة الجديدة على ماهو  لساني في دراسة الصور والخطابات الأدبية، بل كانت تهتم بالحجاج في الخطابات الفلسفية، والأخلاقية، والاجتماعية، والقانونية، والسياسية مع شايم بيرلمان (C.PERELMAN) ولوسي أولبريخت تيتيكا (L. OLBRECHTS-TYDECA,).

 وأكثر من هذا يمكن الحديث أيضا عن بلاغة سيميائية مع رولان بارت (R.Barthes) وجماعة مو (Groupe µ   ) ، وهدفها دراسة العوالم والأنظمة والأنساق السيميائية ، سواء أكانت لفظية أم غير لفظية،ضمن ما يسمى بالسيمياء المرئية أو البصرية (La sémiotique visuelle). إذاً، ماهي أهم الاتجاهات والمدارس والتيارات التي عرفتها البلاغة في مسيرتها التطورية؟ وماهي مميزات كل اتجاه على المستوى النظري والتطبيقي؟ هذا ما سوف نرصده في موضوعنا هذا.

 

البلاغة الكلاسيكيـــــة (بلاغة الإقناع والإمتاع):

 تمتاز البلاغة القديمة بطابعها التعليمي المعياري والبياني، فقد كان هدفها الأساس هو تزويد المبدع أو الكاتب المنشئ بمجموعة من الأدوات التي يحتاجها في مجال الكتابة الفنية والجمالية بغية اكتساب ملكة الفصاحة والبلاغة.  ومن جهة أخرى، اهتمت بدراسة الصور البيانية من تشبيه، واستعارة، ومجاز، وكناية، وتشخيص، ودراسة علم المعاني من خبر وإنشاء، وحصر وقصر، وإطناب ومساواة وإيجاز، واستعراض المحسنات البديعية من سجع، وجناس، وطباق، ومقابلة، وتورية، وتضمين، وتكرار، وغيرها... ويعني هذا أن البلاغة الكلاسيكية كانت تعليمية بامتياز، مادامت وظيفتها تلقين الكاتب أو الخطيب فنون الكلام الجميل لكي يكون كلامه ساميا، ويصبح آية في الفصاحة والبيان والبلاغة.

هذا، ولقد كانت البلاغة عند السوفسطائيين اليونانيين فنا للجدل والسفسطة وتضليل الخصوم ، فاعتمدوا على الشك منهاجا للبلوغ إلى أهدافهم، فاتخذوا البلاغة وسيلة للاكتساب والارتزاق مقابل تعليم الناس فنون الخطابة والجدل السياسي و فن الحوار والسخرية والتهكم. ومن بين هؤلاء جورجياس وبروتاغوراس اللذين كانا يدرسان أفراد المجتمع الأثيني فن البلاغة بغية تأهيلهم لممارسة فن الخطابة والمناورة الحوارية والارتجال الحجاجي. والغرض من ذلك هو إفحام الخصوم ذهنيا ووجدانيا، والتفوق عليهم في فن الخطابة والجدل السياسي والقضائي.

وقد وقف سقراط موقفا انتقاديا لاذعا من هؤلاء الشكاكين الذين تمثلوا المنهج المغالطي الذي كان ينطلق من مقدمات خاطئة ليصل إلى نتائج خاطئة. فكرس سقراط فلسفته الأخلاقية لفضح ألاعيبهم اللعينة، وتبيان مكائدهم الخطيرة، والتعريض بجدلهم التضليلي.

 ومن جهة أخرى، رفض أفلاطون تصورات السوفسطائيين الجدلية ؛ لأنها  مبنية على الخداع والتشكيك وتضليل الناس. ومن هنا، فقد ميز  بين بلاغتين:  بلاغة سفسطائية واهمة ونسبية وخادعة وغير حقيقية. وبلاغة فلسفية حقيقية موضوعها إثبات الحق، وتفنيد الخطأ. أي: إن موضوع البلاغة هو الحق، وهدفها إظهار الحقيقة المطلقة المثالية عن طريق العقل والحجاج والحوار كما يتبين ذلك جليا في محاورتي (جورجياس) و(فيدر). ويذهب أفلاطون إلى أن البلاغة الفلسفية بمثابة جدال حواري عقلاني هدفها استكشاف الحق والمطلق. في حين، ترتكز البلاغة السوفسطائية على الشك والوهم والنسبي والمتغير.

وفي الوقت نفسه، كانت البلاغة عند بعض المنظرين اليونانيين كأرسطو خطابا حجاجيا يقوم على وظيفتي التأثير والإقناع ، ويتوجه إلى الجمهور السامع قصد توجيهه أو إقناعه إيجابا أو سلبا. وفي هذا النطاق، يقول أرسطو: " ويحصل الإقناع ، حين يهيأ المستمعون ويستمليهم القول الخطابي، حتى يشعروا بانفعال ما، لأننا لانصدر الأحكام على نحو واحد حسبما نحس باللذة أو الألم، والحب والكراهية... والخطاب هو الذي ينتج الإقناع حينما نستخرج الصحيح والراجح من كل موضوع يحتمل أن يقع فيه الإقناع.

ولما كانت الأدلة تختص بهذه الوسائل كان استعمالها يفترض أولا على وجه ظاهر، الاستعداد للاستدلال القياسي، والمعرفة النظرية بطبائع البشر، وثانيا معرفة الأخلاق والفضائل، وثالثا معرفة الانفعالات وذلك بأن نعرف طبيعة كل انفعال وأحواله وأسبابه، والهيئات الراسخة التي يحدث بها كل انفعال عند المستمعين، ويلزم عن ذلك أن البلاغة تكاد تكون فرعا من الجدل وعلم الأخلاق، ويصح أن تسمى السياسة. ولهذا السبب على وجه الضبط، تتخذ البلاغة المظهر السياسي والذين تستمليهم ممارستها، يرونها كذلك ، تارة لضعف ثقافتهم، وتارة تدجيلا منهم وشعوذة؛ وتارة أخرى لأسباب إنسانية؛ وكأنها قسم للجدل ونظير له كما وصفنا هذا في مبدإ قولنا. إذ كل واحد منهما ليس هو علما له موضوعه المتمايز حتى تعرف خواص كل واحد منهما، وإذاً كلاهما ليسا إلا قدرات أو ملكات يقتدر بها على تقديم الحجج."[1]

وتأسيسا على ما سبق، يعد أرسطو المؤسس الحقيقي للبلاغة و منطق القيم. وقد سبق عصره بآرائه البلاغية الرائدة في مجال الحجاج والإقناع. وقد ألف ثلاثة كتب في البلاغة هي: (فن الشعر/ Poétique)، و(فن الخطابة/Rhétorique)، والحجج المشتركة (Topiques).

ويعتبر أرسطو البلاغة فنا خطابيا بامتياز، إذ يستخدم أدوات حجاجية واستدلالية ومنطقية للتأثير في الآخر، وإقناعه ذهنيا ووجدانيا. و يتم ذلك الحجاج عبر مجموعة من الوسائل الأدائية ، فإما أن يتحقق عبر اللوغوس الذي يعني الكلام والحجج والأدلة ، ويظهر ذلك جليا في نسق الرسالة  التواصلية. وإما يتحقق عبر الإيتوس الذي يتمثل في مجموعة من القيم الأخلاقية والفضائل العليا التي ينبغي أن يتحلى بها الخطيب أو البلاغي المرسل.  وإما يتجسد في   الباتوس الذي يتعلق بالمخاطب ، ويكون في شكل أهواء وانفعالات أو ما يسمى في الثقافة العربية بثنائية الترغيب والترهيب.

وقد ميز أرسطو كذلك بين ثلاثة خطابات بلاغية: أولا، خطاب قضائي يهدف القضاة من ورائه إلى معرفة الحقيقة بغية تحقيق العدالة. والآتي، أنهم يستعملون زمن الماضي والقياس المنطقي. وثانيا، الخطاب الاستشاري  الذي يتخذ طابعا سياسيا، وهدفه تحقيق الخير للصالح العام، ويستخدم زمن الحاضر، ويستعين حجاجيا بالأمثلة. ثالثا، الخطاب البرهاني القائم على مدح الآخر أو ذمه ، والهدف منه تثبيت الجمال أو الدفاع عن فضيلة أو قيمة أخلاقية عليا ما. ويستعمل هذا الخطاب جميع الأزمنة بما فيها الحاضر والماضي والمستقبل، وكذلك أسلوب المبالغة والتضخيم.

وعلى العموم ، لم يتأت للبلاغة أن تنشأ وتترعرع علما ومعرفة ونظرية إلا في بيئة سياسية خطابية ديمقراطية كما في مجتمع أثينا في عهد بركليس، و تنضج علميا مع تأسيس أول مدرسة بلاغية مع إسقراط (Isocrate) لمناقشة القضايا الخطابية والأدبية والسياسية والاجتماعية. وقد تشابكت البلاغة زمنا مع الفلسفة والأخلاق والسياسة والجدل إلى أن استقلت بنفسها عن الفلسفة أم العلوم. ومن ثم، فنشأة البلاغة – إذاً- يونانية المنبت بامتياز، سواء أكان ذلك على مستوى النظرية أم على مستوى التطبيق أم على مستوى الفلسفة. ثم اقتفى الرومان آثار اليونانيين في التعامل مع البلاغة اهتماما وممارسة وأداء. ومن أهم  المنظرين البلاغيين الأوائل نستحضر: أرسطو، وأنكسمانس، وشيشرون، وكينتيليان، وديمتريوس، وهيرموجين، وهيرماغوراس، وإسقراط... وقد انحصرت البلاغة خاصة في الخطابين السياسي والقضائي.

 وبعد ذلك، تطورت البلاغة في الثقافة العربية بآلياتها البيانية، فارتبطت بالقرآن الكريم وسؤال الإعجاز فصاحة وصورة ومعنى وبديعا ومقاما. كما تطورت البلاغة في الثقافة الغربية قديما وحديثا، فانتقلت من طابعها المعياري التعليمي إلى طابعها العلمي والوصفي لسانيا وحجاجيا وتداوليا وسيميائيا.

وعليه، فقد كانت البلاغة التقليدية بمثابة عدة منهجية يتزود بها الخطيب أو الكاتب في الحوارات الجدلية والسياسية والقضائية والمناظرات الفلسفية والأدبية والنحوية. وكانت في عمومها تطرح أسئلة جوهرية مؤرقة تتعلق – أولا- بتحديد مظاهر الإعجاز القرآني في الثقافة العربية. وتتناول - ثانيا - الحقيقة والمجاز أو الواقعي والمحتمل. وتعنى – ثالثا- بثنائية  الصدق والكذب.

 

البلاغــــة الجديــــــدة (من المعيارية إلى الوصفية):

 يمكن الحديث – اليوم- عن بلاغتين أساسيتين: بلاغة كلاسيكية تقليدية تتسم بطابعها المعياري التعليمي، وبلاغة جديدة علمية لسانية وحجاجية تعنى بوصف الخطاب البلاغي ، مع تبيان قواعده المضمرة، واستخلاص بنياته ودلالاته ووظائفه التداولية والحجاجية. وقد تفرعت عن البلاغة الجديدة  مجموعة من الاتجاهات اهتمت بالبعد البلاغي بشكل من الأشكال. وهذه الاتجاهات هي:

 

الاتجــاه اللسانـــي (بلاغة الصور والخطابات):

 تأسست البلاغة الجديدة ذات الطابع اللساني ما بين سنوات الخمسين والستين من القرن العشرين، وتعنى بنظرية الأدب، ودراسة الصور البلاغية ، والبحث في أدبية النصوص والخطاباتفي ضوء الشعرية و البنيوية والسيميائية كما هو الحال مع دراسات كل من: رولان بارت (R.Barthes)،  وجيرار جنيت(G.Genette)، وتزتيفان تودوروف(T.Todorov)، و أوزوالد دوكرو(O.Ducrot)، ورومان جاكبسون (R.Jakobson)،  وجان مولينو (J.Molino)، وميشيل ريفاتير(M.Rifaterre)، وجان كوهن(J.Cohen)، وجماعة مو( Groupe μ)…

هذا، وتحتل الصور البلاغية مكانة هامة في الدراسات الأدبية والنقدية البنيوية والسيميائية؛ لأن الصورة هي جوهر الأدب وبؤرته الفنية والجمالية. كما أن الأدب فن تصويري يسخر الصورة للتبليغ والتوصيل من جهة، والتأثير على المتلقي سلبا أو إيجابا من جهة أخرى. ولكن الأدب ليس هو الفن الوحيد الذي يستثمر الصورة في التعبير والتشكيل والبناء، بل تشاركه في ذلك مجموعة من الأجناس الأدبية والفنية كالرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، والقصة الشذرية، والمسرح، والسينما، والتشكيل... ويعني هذا أن الصورة لم تعد حكرا على الأدب، بل لها نطاق رحب وواسع، ولم تعد تحتكم إلى مقاييس البلاغة التقليدية، سواء أكانت عربية أم غربية، بل تطورت هذه الصورة البلاغية ، وتوسعت مفاهيمها ، وتنوعت آلياتها الفنية والجمالية، وتعددت معاييرها الإنتاجية والجمالية والوصفية. ولم يتحقق ذلك إلا مع تطور العلوم والمعارف  ، بما فيها الفلسفة، وعلم الجمال، والبلاغة، واللسانيات، والسيميوطيقا، والشعرية، والمنطق، والتداوليات...والآتي، أن الصورة أصبحت قاسما مشتركا بين هذه الحقول المعرفية والعلمية؛ إذ يدرس كل تخصص الصورة في ضوء رؤية معينة ، يفرضها منطق التخصص المعرفي،  وتستوجبه آلياته المنهجية والتحليلية في الفهم والتوصيف والتفسير.

وهكذا، فقد ظهرت مجموعة من الدراسات اللسانية التي تحاول تصنيف الصور البلاغية في ضوء معايير منهجية محددة،  وأيضا في ضوء مقولات تصنيفية، حيث صنفت الصور البلاغية في ضوء المعيار الصوتي أو الخطي، وصنفت صور أخرى  في ضوء المورفيم (الزوائد واللواحق والمقاطع)، أو حسب طبيعة الكلمة أو المركب (Syntagme) أو التركيب(syntaxe). وصنفت أخرى حسب طبيعة الدلالة أو السياق التداولي. ومن جهة أخرى، نمطت هذه الصور حسب المحاور اللسانية، فهناك صور المحور الاستبدالي، مثل: صورة السخرية. وهناك أيضا صور المحور التأليفي، مثل: الاستعارة.

وهناك من يرتبها بطريقة أخرى أكثر تنظيما، مثل جان دوران (J.Durand) وجماعة لييج (جان دوبوا وآخرون) ، حيث يتحدثون عن صور منطقية، مثل: صور الوصل والربط، وصور الحذف، وصور التعويض (تجمع بين الوصل والحذف) ، وصور الاستبدال. ويقسم دوران هذه الصور كذلك إلى صور الهوية، وصور المشابهة، وصور الاختلاف، وصور التعارض. وهناك من يضيف إليها الصور المعقدة، والصور البسيطة، والصور الجزئية، والصور الكلية.

هذا، وتثبت جماعة لييج بأن الاستعارة في الحقيقة ليست سوى مجاز مرسل ثان[2]. وقد صنفت الصورة كذلك إلى صور الفكر، وصور الدلالة،  وصور النطق والتعبير ، وصور الأسلوب، وصور البناء والتأليف، وصور الكلمات، وتجتمع هذه الصور بشكل من الأشكال في النصوص الشعرية والسردية والحجاجية[3] . كما ربط جان كوهن بلاغة النصوص والصور بالانزياح والخرق الدلالي والإيقاعي والمنطقي والفضائي والتركيبي...

ومن ناحية أخرى، يركز هذا الاتجاه اللساني على دراسة الوظيفة الشعرية كما عند رومان جاكبسون الذي يتحدث في مقاربته التواصلية الوظيفية عن ستة عناصر أساسية[4]، وهي: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، واللغة.

 وللتوضيح أكثر، نقول: يرسل المرسل رسالة إلى المرسل إليه، حيث تتضمن هذه الرسالة موضوعا أو مرجعا معينا، وتكتب هذه الرسالة بلغة يفهمها كل من المرسل والمتلقي. ولكل رسالة قناة حافظة،  كالظرف بالنسبة للرسالة الورقية، والأسلاك الموصلة بالنسبة للهاتف والكهرباء، والأنابيب بالنسبة للماء، واللغة بالنسبة لمعاني النص الإبداعي... ويعني هذا أن اللغة ذات بعد لساني وظيفي، وأن لها ستة عناصر، وست وظائف: المرسل ووظيفته انفعالية، والمرسل إليه ووظيفته تأثيرية، والرسالة ووظيفتها جمالية، والمرجع ووظيفته مرجعية، والقناة ووظيفتها حفاظية، واللغة ووظيفتها وصفية وتفسيرية. و هذه النظرية مثبتة في كتاب جاكبسون (اللسانيات والشعرية) الذي ألفه سنة 1963م[5] ، حيث انطلق من مسلمة جوهرية هي أن التواصل هو الوظيفة الأساسية للغة، وارتأى أن للغة ستة عناصر أساسية، ولكل عنصر وظيفة ما.وقد تأثر جاكبسون في هذه الخطاطة التواصلية بأعمال فرديناند دوسوسيرFerdinand. De Saussure، والفيلسوف المنطقياللغويجون أوسطين John L. Austin.

وعليه، فكثير من النصوص والخطابات والصور والمكالمات الهاتفية عبارة عن رسائل يرسلها المرسل إلى مرسل إليه، حيث يحول المتكلم رسالته إلى نسيج من الانفعالات والمشاعر والأحاسيس الذاتية، ويستخدم في ذلك ضمير المتكلم. ومن ثم، يتخذ المرسل بعدا ذاتيا قوامه التعبيرية الانفعالية. بمعنى أن الوظيفة الانفعالية التعبيرية هي التي تحدد العلائق الموجودة بين المرسل و الرسالة. وتحمل هذه الوظيفة في طياتها انفعالات ذاتية، وتتضمن قيما و مواقف عاطفية  ومشاعر وإحساسات يسقطها المتكلم على موضوع الرسالة المرجعي. أما المرسل إليه، فهو المخاطب الذي توجه إليه رسائل المتكلم بضمير المخاطب بغية إقناعه أو التأثير عليه، أو إثارة انتباهه سلبا أو إيجابا. ومن هنا، فإن الوظيفة التأثيرية هي التي تقوم على تحديد العلاقات الموجودة بين المرسل والمتلقي،  حيث يتم تحريض المرسل إليه، وإثارة انتباهه، وإيقاظه عبر الترغيب و الترهيب، وهذه الوظيفة ذاتية بامتياز، مادمت قائمة على الإقناع والتأثير.إذاً، يتحول الخطاب اللفظي أو غير اللفظي إلى رسالة ، وهذه الرسالة يتبادلها المرسل و المرسل إليه ،  فيساهمان في تحقيق التواصل المعرفي و الجمالي، وهذه الرسالة مسننة بشفرة لغوية ، يفككها المستقبل، ويؤولها بلغته الواصفة. وتتجسد هذه الرسالة ذات الوظيفة الشاعرية أو الجمالية عن طريق إسقاط المحور الاستبدالي على المحور التأليفي، أو إسقاط محور الدلالة والمعجم على محور التركيب والنحو انزياحا أو معيارا. ويعني هذا أن الوظيفة الجمالية  أو الشعرية هي التي تحدد العلائق الموجودة بين الرسالة و ذاتها، وتتحقق هذه الوظيفة أثناء إسقاط  المحور الاختياري على المحور التركيبي، وكذلك عندما يتحقق الانتهاك و الانزياح المقصود بشكل من الأشكال.

 كما تهدف الرسالة عبر وسيط القناة إلى الحفاظ على التكلم، وعدم انقطاعه: (آلو....آلو...هل تسمعني جيدا؟....). أي: تهدف وظيفة القناة إلى تأكيد التواصل، واستمرارية الإبلاغ، وتثبيته أو إيقافه، والحفاظ على نبرة الحديث والكلام المتبادل بين الطرفين.

وينضاف إلى ذلك، أن للغة وظيفة مرجعية، ترتكز على  موضوع الرسالة باعتباره مرجعا وواقعا أساسيا، تعبر عنه تلك الرسالة. وهذه الوظيفة في الحقيقة موضوعية، لا وجود للذاتية فيها، نظرا لوجود الملاحظة الواقعية، والنقل الصحيح، والانعكاس المباشر.... وثمة وظيفة أخرى مرتبطة باللغة تسمى الوظيفة الوصفية أو الوظيفة الميتالغوية القائمة على الشرح والوصف والتفسير والتأويل ، وتهدف هذه الوظيفة إلى تفكيك الشفرة اللغوية بعد تسنينها من قبل المرسل. والهدف من السنن هو وصف الرسالة لغويا، وتأويلها وشرحها وفهمها، مع الاستعانة بالمعجم أو القواعد اللغوية و النحوية المشتركة بين المتكلم والمرسل إليه.

ومن باب التنبيه، نحتكم ، هنا، إلى القيمة المهيمنة (La valeur dominante) كما حددها رومان جاكبسون،لأن نصا ما قد تغلب عليه وظيفة معينة دون أخرى، فكل الوظائف التي حددناها سالفا متمازجة، إذ قد نعاينها مختلطة بنسب متفاوتة في رسالة واحدة، حيث تكون الوظيفة الواحدة منها غالبة على الوظائف الأخرى حسب نمط الاتصال . ومن هنا، تهيمن الوظيفة الجمالية الشعرية على الشعر الغنائي. في حين، تهيمن  الوظيفة التأثيرية على الخطبة ، وتهيمن الوظيفة الميتالغوية على النقد الأدبي، وتغلب الوظيفة المرجعية على النصوص التاريخية، وتهيمن الوظيفة الانفعالية على النصوص الشعرية الرومانسية، وتغلب الوظيفة الحفاظية على المكالمات الهاتفية.

علاوة على هذا، فقد صنف رومان جاكبسون الصور البلاغية في قطبي الاستعارة والمجاز المرسل أو المشابهة والمجاورة، إذ وجد الشعر مرتبطا بالاستعارة. في حين، يتميز النثر بالمجاورة. بيد أن ميلر يعد النثر فنا استعاريا ، فقد كان  جي هلس ميلر التفكيكي الأمريكي:" متأثرا إلى حد كبير بالنقد الظاهري كما في كتابه( الخيال والتكرار: سبع روايات إنجليزية)(1982م). كما أنه كان مدينا لنظرية جاكبسون عن الاستعارة والكناية، بالرغم من أنه ، في الواقع، يفكك معارضة الاستعارة الأصلية عند جاكبسون (والتي هي بالضرورة شعرية)، وكذلك الكناية (التي هي أساسا واقعية). ويحاول ميلر أن يبرهن على أن الشعر يقرأ في كثير من الأحيان كما لو كان واقعيا، إذ يمكن أن تكون الكتابة الواقعية خيالا.ولكن انتقد الكثيرون ميلر بسبب تلميحه بأن اللغة لا يمكنها أبدا أن تشير إلى العالم الفعلي.[6]"

ويمكن أن نشير أيضا إلى أن الكثير من النصوص الروائية الشاعرية تتقاطع فيها صور المشابهة مع صور المجاورة. لكن يبقى الشعر هو المحظوظ بصور التشبيه والاستعارة. في حين،  يحظى السرد الأدبي بصور المجاورة، سواء أكانت مجازا مرسلا أم مجازا عقليا أم كناية.

وفي هذا النطاق نفسه، نجد  جيرار جنيت يعنى كالآخرين بدراسة الصور البلاغية كما في مقاله (البلاغة المقيدة أو المحدودة)[7] ، حيث يدرس فيها الصور البلاغية سيما الاستعارة و الكناية والمجاز المرسل، وذلك  في ضوء رؤية بلاغية جديدة.

 

الاتجاه الأسلوبي (البلاغة أسلوب):

 تعرف الأسلوبية (Stylistique) بأنها دراسة الأسلوب دراسة علمية،  في مختلف تمثلاته اللسانية والبنيوية والسيميائية والهيرمونيطيقية [8]. وتعد الأسلوبية أيضا فرعا حديثا من فروع اللسانيات إلى جانب الشعرية والسيميائيات والتداوليات. وتهتم بوصف الأسلوب بنية ودلالة ومقصدية. ويعني هذا أنها تختلف عن البلاغة الكلاسيكية ذات الطابع المعياري التعليمي التي كانت تهتم بالكتابة والخلق والإبداع، وتجويد الأسلوب بيانا ودلالة وسياقا وزخرفة، وتقدم للكاتب الناشئ مجموعة من الوصفات الجاهزة في عملية الكتابة، وتنميق الأسلوب بلاغة وفصاحة وتأثيرا. ومن هنا، فإن الأسلوبية هي دراسة الأسلوب في مختلف تجلياته الصوتية والمقطعية والدلالية والتركيبية والتداولية. والآتي، أنها تهتم باستكشاف خصائص الأسلوب الأدبي وغير الأدبي، مع جرد مواصفاته المتميزة، وتحديد مميزاته الفردية، واستخلاص مقوماته الفنية والجمالية، وتبيان آثار كل ذلك على المتلقي أو القارئ ذهنيا ووجدانيا وحركيا. ويعني هذا كله أن الأسلوبية تهتم بالأجناس الأدبية وصيغ تأليف النصوص، والتركيز على الأساليب اللغوية الخاصة لدى مبدع ما، وتدرس أيضا أنواع الأساليب التي يستثمرها الكاتب.

هذا،  وقد اشتقت الأسلوبية (Stylistique) في الثقافة الغربية من الكلمة اللاتينية (Stilus)، ومن الكلمة الإغريقية (Stylos)، ومن الكلمة الفرنسية أو الإنجليزية (Style). وتعني هذه المشتقات في دلالاتها الأصلية أداة الكتابة. وبعد ذلك، استخدمت الكلمة للدلالة على طريقة الكتابة أو فن الكتابة. ويعرف الأسلوب اصطلاحا بأنه" اختيار لغوي من بين بدائل متعددة، إذ إن الاختيار سرعان ما يحمل طابع صاحبه، ويشي بشخصيته، ويشير إلى خواصه"[9]. كما تهتم الأسلوبية باللغة الأدبية، وتعنى بعطائها التعبيري[10].

وعليه، فالأسلوبية هي مقاربة منهجية نظرية وتطبيقية، يمكن تمثلها في الحقل الأدبي والنقدي لمقاربة الظواهر الأسلوبية البارزة التي تميز المبدع، وتفرده عن الكتاب والمبدعين الآخرين.ومن جهة أخرى، تنكب الأسلوبية ، بصفة خاصة، على دراسة الأجناس الأدبية، وسبر أدبية النصوص والخطابات والمؤلفات،  ودراسة الوظيفة الشعرية، والتمييز بين الأساليب حقيقة ومجازا، وتعيينا وتضمينا، مع رصد الأشكال والبنى الأدبية والسيميائية، واستكشاف بلاغة النص، وتحديد المستويات اللسانية للخطاب من: صوت، ومقطع، وكلمة، ودلالة، وتركيب، وسياق، ومقصدية، وربط كل ذلك بموهبة الفرد المبدع، أو العمل على دراسة الأسلوب في ضوء المعطيات النفسية أو الاجتماعية.

 ومن الأكيد أن موضوع الأسلوبية هو الأسلوب بصفة عامة، إلا أن الأسلوبية تطرح مواضيع أخرى للتداول والمناقشة والتحليل والدراسة. ومن بينها: موضوع الكتابة والصياغة، وموضوع التلفظ، وثنائية التعيين والتضمين، و ثنائية التقرير والإيحاء، وثنائية الاتساق والانسجام، وقضية الانزياح، وقضية المسافة الجمالية في علاقتها بتخييب أفق الانتظار، وقضية التجنيس الأدبي في ضوء المعايير الأسلوبية والشكلية، والاهتمام بأدبية النص الأدبي، ودراسة الوظيفة الشعرية ، ورصد الصور البلاغية، ودراسة نظرية أفعال الكلام، والعناية  بثنائية اللفظ والمعنى، أو الدال والمدلول...

هذا،  ومن يتتبع تاريخ الأسلوبية الغربية، فسيجدها قد مرت بمراحل عدة: مرحلة أسلوبية المؤلف أو الكاتب، مصداقا لما قاله بوفون:"الأسلوب هو الرجل نفسه"؛ ومرحلة أسلوبية النص التي تبلورت مع الأسلوبية البنيوية والسيميائية؛ ومرحلة أسلوبية القارئ مع ميشيل ريفاتير(M.Rifaterre).  ويمكن الحديث – اليوم- عن أسلوبية السياق والمقام مع نظرية أفعال الكلام وتصورات التداوليين.

هذا، وقد ظهرت الأسلوبية - تاريخيا - في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على أنقاض البلاغة التقليدية التي استنفدت إمكانياتها التعليمية، فتحجرت مقاييسها المعيارية. ثم، أصبحت آفاقها المستقبلية مسدودة. لذلك، أعلن كثير من الدارسين موتها، كما فعل مؤخرا الناقد السعودي عبد الله الغذامي في كتابه (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية الغربية)[11].

هذا، وقد نشأت الأسلوبية، باعتبارها بلاغة علمية جديدة، في أحضان الشكلانية الروسية والنقد الجديد، فاستلهمت تصورات الشعرية (Poétique)، ثم تمثلت مفاهيم اللسانيات بمختلف مدارسها، ثم استفادت مؤخرا من النظريات التداولية. وقد انتشرت الأسلوبية في مختلف الدول الغربية، كفرنسا، وروسيا، وألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية... وبعد ذلك، انتقلت الأسلوبية الغربية إلى الدول العربية عن طريق الترجمة، والمثاقفة ، والدرس الجامعي. وإن كان للعرب القدامى في الحقيقة أسلوبية متميزة أصيلة، قد سبقت بقرون كثيرة الأسلوبية الغربية، إلا أن الأسلوبية العربية الحديثة والمعاصرة تتسم بالنزعة التوفيقية بين الأسلوبية التراثية والأسلوبية الغربية المعاصرة.

 وهكذا، يتبين لنا بأن الأسلوبية قد ارتبطت بالتفكير حول الأسلوب، وإن كان هذا التفكير قد بدأ منذ القرن السابع عشر الميلادي، حيث ظهر النقد الأسلوبي الذي يعنى بعملية الكتابة الجيدة بدراسة المؤلفات الكلاسيكية في ضوء تصورات معيارية وتعليمية. ومن جهة أخرى، فلقد اقترنت الأسلوبية، في الفترة نفسها، بقولة بوفون(Buffon):"الأسلوب هو الكاتب نفسه". ويعني هذا أن المبدع لابد أن يتميز في كتاباته الإبداعية والوصفية بأسلوب شخصي أصيل، يكون علامة دالة عليه[12]. ومن هنا، يتأكد لنا بأن الأسلوبية قد ظهرت قبل ظهور اللسانيات الحديثة من ناحية أولى، و تبلورت مع موت البلاغة المعيارية من ناحية ثانية، لتتحول في سنوات السبعين من القرن الماضي إلى بلاغة جديدة أو أسلوبية جديدة من ناحية ثالثة.

وعلى العموم، يمكن تحديد مجموعة من المراحل التي مرت بها الأسلوبية الغربية هي: مرحلة المؤلف، ومرحلة النص، ومرحلة القارئ، ومرحلة السياق التداولي.

 

الاتجــاه الحجاجي (البلاغة حجاج وإقناع):

يهتم شايم بيرلمان (Chaïm Perelman) وأولبريخت تيتيكا(Lucie Olbrechts-Tyteca) بالبلاغة الجديدة، ويربطها بالحجاج والإقناع، متأثرا في ذلك بالفيلسوف اليوناني أرسطو. ومن ثم، لايرى بيرلمان أي فرق بين البلاغة والحجاج مادام هدفهما واحد هو الإقناع والتأثير على حد سواء. وأكثر من ذلك، فالبلاغة حجاجية بامتياز. ويعني هذا أن الصور البلاغية والمحسنات البديعية ذات وظيفة حجاجية ليس إلا. ومن ثم، يقترن اسم بيرلمان  بالبلاغة الحجاجية. ومن أهم الكتب التي تعبر عن توجهاته البلاغية الجديدة كتابه (مختصر البلاغة) الذي ألفه بشراكة مع أولبريخت تيتيكا[13].

هذا، وقد اهتم بيرلمان بالخصوص بالخطاب أو ما يسمى عند أرسطو باللوغوس. وفي الوقت نفسه، كان يعنى بالإيتوس ( القيم الفضلى) والباتوس (الأهواء والانفعالات) على حد سواء. ويعني هذا أنه قد ركز على ثلاثة مرتكزات أساسية في الخطاب البلاغي، هي: اللغة (اللوغوس)، والمرسل(الإيتوس)، والمرسل إليه (الباتوس).

هذا، وقد اهتم بيرلمان مع تتيكا في كتابه (المختصر في الحجاج) بتاريخ البلاغة في ضوء بعدها الحجاجي. ويعني هذا أن بيرلمان قد أسس بلاغة جديدة هي بلاغة الحجاج. وقد انتشرت نظريته بشكل كبير في سنوات السبعين من القرن العشرين. ومن ثم، فقد بنى بيرلمان البلاغة المعاصرة على أسس حجاجية ومنطقية وفلسفية محضة، متأثرا في ذلك بأرسطو صاحب كتاب (الريطوريقا/ البلاغة). ويعني هذا أن بيرلمان قد تمثل المنهج الأرسطي في التعامل مع البلاغة في ضوء رؤية حجاجية إقناعية، مبتعدا عن تصورات أفلاطون الجدلية. وإن كانت البلاغة عند بيرلمان تطرح أكثر ما يطرحه أرسطو في كتابه (الريطوريقا). وينضاف إلى هذا، أن بيرلمان قد جدد البلاغة الغربية المعاصرة في ضوء آراء أرسطو ، مع إضافة تصورات حجاجية جديدة. أي: إن بيرلمان قد انطلق من أفكار أرسطو حول البلاغة شرحا وتوسيعا ومناقشة وتمطيطا. والآتي، أن بيرلمان يوجز فكرته حول البلاغة بأنها بمثابة برهنة استدلالية أو فلسفة  عقلانية للتميز بين الأفكار القيمة وغير القيمة ، وفرز الحجج الصائبة من الخاطئة. علاوة على ذلك، فإن أهمية نظريته الحجاجية تكمن في تبيان طبيعة العلاقة الكائنة بين البلاغة والمخاطب، سواء أكان فردا أم جماعة، إن تأثيرا وإن إقناعا. والغرض من ذلك كله هو كشف الزيف والوهم والمحتمل، والدفاع عن الحقيقة الصادقة.

ومن جهة أخرى، اهتم بيرلمان بالمرسل أو الخطيب الذي يستعمل اللوغوس للتأثير على المخاطب، لكن بيرلمان يرى أنه ليس من الضروري أن يخضع المتكلم المخاطب لرغباته وأهوائه وقناعاته، فيجعله يقتنع بخلاصة أفكاره، بل لابد أن يعلم بأنه إنسان حر ، عليه أن يستخدم عقله وحججه لتقويم الأفكار المقدمة له، ولو كانت تعارض بشكل من الأشكال أفكار المتكلم جملة وتفصيلا. ويعني هذا أن بيرلمان يؤمن بحرية الإقتناع والحجاج. فليس هناك إكراه أو جبر في عملية الإقناع والتأثير. فالمخاطب حر على مستوى الاقتناع أو عدم الاقتناع. والجديد في طرح بيرلمان أن البلاغة الكلاسيكية  بلاغة تعليمية ومعيارية وخطابية ومنطقية مطالبة بإقناع المتلقي بصحة أفكار المتكلم ترغيبا وترهيبا. لكن بيرلمان يرفض هذا التصور الجبري. ويرى أن البلاغة الجديدة تهدف إلى إقناع الآخرين بصحة أفكار المحاجج أو عدم الاقتناع بها ، إذا كانت لاتتلاءم مع تصوراته ورغباته ورؤاه وقناعاته الذهنية والفلسفية.

وعلى العموم، ينبني تصور بيرلمان الحجاجي على تلك العلاقة التي تجمع بين المتكلم والمرسل إليه ، وإن كان جديد بيرلمان هو التركيز على المخاطب ضمن رؤية استهوائية إقناعية وتأثيرية. بمعنى أنه ربط الحجاج بالمخاطب أكثر مما ربطه بالمتكلم واللوغوس. ومن ثم، فالبلاغة الحجاجية هي بلاغة غير شكلية (بلاغة ذاتية) مقارنة بالمنطق الصوري(بلاغة موضوعية). ومن ثم، أصبحت البلاغة الحجاجية حاضرة في المجتمعات السيميائية والديمقراطية، وأصبحت أداة مهمة لبناء المعرفة وفهم عمليات الإقناع والتأثير.

وإذا كان كثير من الدارسين ، مثل: رولان بارت وجماعة مو،  قد فشلوا حينما بحثوا عن آليات البلاغة القديمة من أجل إغناء السيميولوجيا، فإن بيرلمان قد نجح في ذلك كل النجاح، حينما بنى بلاغة حجاجية تهدف إلى الحكم على الحجج والأفكار والقيم في ضوء فلسفة عقلانية، بعيدا عن قواعد المنطق الجافة.

ويعني هذا أن الفكر الإنساني ليس دائما برهانيا واستدلاليا. فقد نجد أفكارا غير منطقية، ولكنها تحمل في طياتها ما هو حجاجي، كما هو حال الجمالي أوالفني الذي يقوم على وظائف حجاجية بامتياز. ويعني هذا أن حجاجية بيرلمان ذاتية ومتغيرة، مادام تركز على الذوات على عكس حجاجية بيرس (Peirce) ، فهي منطقية  وفلسفية تتعامل بموضوعية مع العلامات والرموز والإشارات والأيقونات التي تتخذ طابعا ثابتا. ومن ثم، يهتم بيرلمان بالعلاقات اللغوية التي تكون بين المرسل والمتلقي من خلال مراعاة القصد والمقام والسياق ، سواء أكان سياقا داخليا أم خارجيا.

وإذا كانت الدراسات البلاغية السابقة (دومارسيه، وفونتانيي، ورولان بارت، ورومان جاكبسون، وجماعة مو)  قد تعاملت مع البلاغة من زاوية نحوية أو لسانية بنيوية من خلال دراسة الصور دراسة معيارية أو وصفية، فإن بيرلمان قد درس البلاغة في ضوء رؤية حجاجية محضة، من خلال التركيز على مكونات بلاغية ثلاثة: اللوغوس( اللغة) والإيتوس (القيم)  والباتوس(الأهواء)، وقد بين بيرلمان بأن الصور البيانية هي ذات وظيفة حجاجية . والآتي، أن البلاغة قد غدت – اليوم- علم الخطاب بامتياز.

وعليه، ينظر بيرلمان إلى الحجاج من وجهة بلاغية ، مركز ا على المخاطب واللغة التي يستخدمها المتكلم لإقناع المتلقي نحويا ومعجميا، بغية الوصول إلى الحقيقية عبر البرهنة والاستدلال، سواء اقتنع بذلك المتلقي أم لم يقتنع. ومن ثم، تسعى البلاغة الحجاجية عند بيرلمان إلى استكشاف آليات الحجاج عبر التوقف عند الدعوى والأفكار المعارضة، واستخدام الأدلة والبراهين والحجج ، والإشارة إلى الأفكار المشتركة التي يتفق فيها المرسل والخطيب، واستحضار الخطاطات الحجاجية، واستعراض عمليات الاستنباط والاستقراء وخطوات الإقناع والتأثير على حد سواء. وقد اختار بيرلمان الخطاب القضائي أو الاستشاري نموذجا دراسيا للتطبيق، باستعراض مختلف الحجج والحجج المضادة والتجارب التي تطرح في هذا النوع من الحجاج الذي يهدف إلى ممارسة التأثير الذاتي والإقناع الموضوعي..

وخلاصة القول، لايمكن الحديث عن بلاغة تقليدية نظرية عند بيرلمان، كماهي عند شيشرون (Cicéron) أو كينتيليان(Quintilien)، بل هي بلاغة حجاجية تداولية تطبيقية،  تستنمد آلياتها التطبيقية من المنطق القضائي أو الاستشاري، مع تخليصها من طابعها اللفظي أو اللغوي. ومن ثم، يمكن القول بأن حجاجية بيرلمان رمز للحرية.أي: حرية التعبير، واحترام الحق، وتمثل العقلانية القضائية، والسعي الدائم نحو إثبات الحقيقية. ومن ثم، فالبلاغة الحجاجية ليست فقط مجرد آليات إجرائية لإقناع الآخرين، وإفحام الخصوم ، بل هي طريقة فضلى نسلكها من أجل الوصول إلى الحقيقة الثابتة الصادقة.

وأخيرا، إذا كان ديكاريت يرى أن العقل أو المنطق هو المسلك الحقيقي لاكتشاف الحقيقة الثابتة الصادقة واليقين البديهي ، فإن بيرلمان يرى بأن البلاغة الجديدة ذات التوجه الحجاجي هي السبيل لتحصيل الحقيقة المثلى.

 

الاتجــاه السيميائي (البلاغة في خدمة السيمياء):

 يعتبر رولان بارت R.Barthes خير من يمثل هذا الاتجاه ، لأن البحث السيميولوجي لديه هو دراسة الأنظمة الدالة، فجميع الأنساق والوقائع تدل، فهناك من يدل بواسطة اللغة، وهناك من يدل بدون اللغة السننية، بيد أن لها لغة دلالية خاصة بها. ومادامت الأنساق والوقائع كلها دالة، فلا عيب من تطبيق المقاييس اللسانية والبلاغية على الوقائع غير اللفظية . أي: أنظمة السيميوطيقا غير اللسانية لبناء الطرح الدلالي. ومن هنا، فقد انتقد بارت في كتابه (عناصر السيميولوجيا) الأطروحة السوسيرية التي تدعو إلى إدماج اللسانيات في قلب السيميولوجيا ، مبينا أن اللسانيات ليست فرعا ولو كان مميزا، من علم الدلائل(السيميولوجيا)، بل السيميولوجيا هي التي تشكل فرعا من اللسانيات.[14]

ومن هنا، فقد تجاوز رولان بارت تصور الوظيفيين الذين ربطوا بين العلامات والمقصدية، وأكد وجود أنساق غير لفظية، حيث التواصل غير إرادي، ولكن البعد الدلالي موجود بدرجة كبيرة. وتعتبر اللغة الوسيلة الوحيدة التي تجعل هذه الأنساق والأشياء غير اللفظية دالة، حيث إن كل:" المجالات المعرفية ذات العمق السوسيولوجي الحقيقي تفرض علينا مواجهة اللغة، ذلك أن الأشياء تحمل دلالات.غير أنه ماكان لها أن تكون أنساقا سيميولوجية أو أنساقا دالة لولا تدخل اللغة، ولولا امتزاجها باللغة. فهي، إذاً، تكتسب صفة النسق السيميولوجي من اللغة. وهذا ما دفع بارت إلى أن يرى أنه من الصعب جدا تصور إمكان وجود مدلولات نسق صور أو أشياء خارج اللغة؛ بحيث إن إدراك ماتدل عليه مادة ما يعني اللجوء، قدريا، إلى تقطيع اللغة؛ فلا وجود لمعنى إلا لما هو مسمى، وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة."[15]

أما عناصر سيمياء الدلالة لدى بارت، فقد حصرها في كتابه(عناصر السيميولوجيا) في الثنائيات البنيوية التالية: ثنائية الدال والمدلول، وثنائية التعيين والتضمين، وثنائية اللسان والكلام، وثنائية المحور الاستبدالي والمحور التركيبي.  وقد حاول بارت بواسطة هذه الثنائيات اللسانية مقاربة الظواهر السيميولوجية، كأنظمة الموضة ، والأساطير، والطبخ، والأزياء، والصور، والإشهار، والنصوص الأدبية ، والعمارة، إلخ...

وأخيرا، يمكن للمقاربة النصية والخطابية في بعدها السيميوطيقي أن تستعين بثنائيات بارت اللسانية والبلاغية بغية البحث عن دلالة الأنساق اللفظية وغير اللفظية في الأنشطة البشرية والنصوص الإبداعية الأدبية والفنية.

ويعني كل هذا أن رولان بارت من الدارسين الغربيين الأوائل الذين سارعوا إلى تطبيق البلاغة، وخاصة ثنائية التقرير والإيحاء، على الأنظمة السيميولوجية غير اللفظية، مثل: الموضة ، والطبخ، والإشهار، والأزياء، والصور، والموضة... بل يعد من أهم الدارسين للصورة الإشهارية في الغرب على المستوى السيميائي والبلاغي سيما في دراسته ( بلاغة الصورة الإشهارية)[16]. وقد ارتأى أن دراسة الصورة تستوجب التركيز على دراسة الرسالة اللغوية، والصورة التقريرية، وبلاغة الصورة[17]. وقد خصص الإشهار بدراسات قيمة كما في كتابه (عناصر السيميولوجيا)[18]، وكتاب( المغامرة السيميولوجية)[19]...

ومن المعلوم أن الصورة الإشهارية  خطاب استهوائي وإيحائي وإقناعي يتألف من ثلاثة خطابات أساسية: الخطاب اللغوي اللساني، والخطاب البصري الأيقوني، والخطاب الموسيقي الإيقاعي. ويتضمن أيضا ثنائية : الدال والمدلول ، ويتكون كذلك من ثلاثة عناصر تواصلية: العنصر الأول هو المرسل (الدولة، والأفراد المنتجون، والشركات والمقاولات الإنتاجية، والمؤسسات المروجة اقتصاديا وخدماتيا...)، والعنصر الثاني هو الرسالة الإشهارية التي تتكون من الدال والمدلول، والعنصر الثالث هو المتلقي أو الجمهور.

علاوة على ذلك،  تتضمن الرسالة الإشهارية ثنائية التعيين والتضمين، أو ثنائية التقرير والإيحاء. أي: إن هناك رسالتين متداخلتين ومتقاطعتين: رسالة تقريرية حرفية إخبارية في مقابل رسالة تضمينية وإيحائية. ويعني هذا أن هناك رسالة مدركة سطحيا ورسالة مقصدية مبطنة. وإذا أخذنا على سبيل المثال:"جبنة البقرة الضاحكة" (La vache qui rit)، فإنها تحتوي على مدلولين أو رسالتين : الرسالة الأولى سطحية إخبارية تقريرية تعتمد على الاستعارة والتشخيص البلاغي ، تبين لنا بأن الجبنة الحيوانية أساس تغذية صحية متكاملة . بيد أن الرسالة الثانية تحمل مدلولا ثاويا وعميقا تؤشر على مقصدية إيحائية تتمثل في جودة المنتوج المعلن عنه، وأنه من الأفضل شراؤه ، واقتناؤه، واستهلاكه. أي: تقول لنا الرسالة الإشهارية الإيحائية: " أيها المستهلكون جميعا: اشتروا البضاعة، فإنها رائعة وجيدة".

وتصاغ الصورة الإشهارية بطرائق أسلوبية عديدة ومتنوعة كالتشبيه، والاستعارة ، والتشخيص، والأيقون، والمجاز، والكناية،والرمز، والأسطورة، والسجع، والتورية، والجناس، والطباق، والمقابلة، والتكرار، والتوازي، بالإضافة إلى تقطيع الجمل نبرا وتصويتا وإيقاعا وتنغيما ولحنا... ويتضح لنا بأن الرسالة الأولى في الصورة الإشهارية بكاملها " تكون دال الرسالة الثانية. لذلك، يقال: إن الرسالة الثانية توحي بالأولى. نكون، في هذه الحالة، إذاً، بصدد بنية رسائل : إن الرسالة الأولى،  والمكونة من اجتماع دوال ومدلولات، تغدو مجرد دال للرسالة الثانية، وفق عملية تقليص؛ بما أن عنصرا واحدا من الرسالة الثانية (دالها) يسع الرسالة الأولى بكاملها."[20]

هذا، وإذا كانت رسالة الإشهار الأولى صريحة، فإن رسالته الثانية إيحائية. ومن ثم، تتسم الصورة الإشهارية بعدة سمات ومكونات  كالنفعية، والمجانية، والحدة الإلزامية، والتأرجح بين التصريح والإيحاء، وتشغيل بلاغة اللسان والصورة، والتركيز على المقصدية الإقناعية والتأثيرية، علاوة على خاصية الدعاية والإعلان، وخاصية التحفيز، والتشديد المضاعف على الرسالة... وكل هذا من أجل تحقيق تواصل بين القارئ والموضوعات البشرية الكبرى، بغية تحقيق المتعة واللذة، وبناء عوالم حلمية ممكنة على أساس التحفيز والتملك والاقتناء والاستهلاك.[21]

والآتي، أنه لا يمكن للصورة الإشهارية أن تحقق النجاح إلا بتجويد الصورة ، والتوفيق بين الدلالة التقريرية التصريحية والدلالة المقصدية الإيحائية. وفي هذا الصدد ، يقول رولان بارت:" إن الرسالة التقريرية ... هي التي تتحمل، إذا جاز لي القول، المسؤولية الإنسانية عن الإشهار: إن كانت جيدة نجح الإشهار، وإن كانت رديئة فشل. ولكن ما معنى أن تكون رسالة إشهارية ما جيدة أو رديئة؟ إن القول بفعالية شعار ما، ليس معناه تقديم جواب، لأن سبل هذه الفعالية تبقى غير أكيدة: يمكن لشعار ما أن يغري دون أن يقنع، لكن يمكنه، مع ذلك، أن يدفع إلى الشراء عن طريق هذا الإغراء وحده. ويمكنننا القول، مستندين إلى الصعيد اللغوي للرسالة، إن الرسالة الإشهارية الجيدة هي تلك التي توجز في ذاتها بلاغة غنية جيدة، وتطرق بدقة ، وبكلمة واحدة في الغالب، الموضوعات الحلمية الكبرى للبشرية ، محدثة ذلك التوسيع الكبير للصور الذي يميز الشعر نفسه. وبعبارة أخرى، تكون معايير اللغة الإشهارية هي نفس معايير الشعر: صور بلاغية، واستعارات، وتلاعب بالكلمات. كل هذه الأدلة المذكورة، وهي أدلة مضاعفة، توسع من مجال اللغة ليشمل مدلولات مستترة، بل إنها لتمنح، بذلك الإنسان الذي يتلقاها، القدرة على خوض تجربة كلية. وبكلمة واحدة، بقدر ما تكون العبارة الإشهارية مزدوجة بقدر ما تكون متعددة، فإنها تنجز وظيفتها بصورة أفضل كرسالة إيحائية."[22]

هذه هي أهم المكونات الأساسية التي تنبني عليها الصورة الإشهارية سيميائيا وبلاغيا، فضلا عن مكونات تداولية كالمرسل، والرسالة، والمتلقي، والقناة ، واللغة ، والمرجع، والأيقون. ولكل عنصر وظيفة معينة كالوظيفة التعبيرية، والوظيفة الجمالية، والوظيفة التأثيرية، والوظيفة الحفاظية، والوظيفة الوصفية، والوظيفة المرجعية، والوظيفة الأيقونية.

وما يلاحظ على الصورة الإشهارية بالخصوص أنها صورة سيميائية خادعة، وعلامة لسانية مضللة للمتلقي بسبب اعتمادها على خطاب التضمين والإيحاء، وتجاوز  التعيين، والارتكان إلى ثنائية الحافز والاستجابة، والخضوع للمتطلبات الإيديولوجية وشروط البرجماتية الاقتصادية. ويستوجب هذا من المتقبل أن يكون واعيا ومتنورا قادرا على النقد، وممارسة السؤال، وقراءة الرسائل الثاوية والعميقة، وتفكيك لغة الصورة جيدا، وتشريحها سطحا وعمقا. كما تحمل الصورة الإشهارية بطبيعة الحال نوايا المرسل، وتقدم رؤيته للعالم، وتعمل جاهدة للتأثير على القارئ ، وإقناعه، واستهوائه. وقد صدق روبير كيران Robert Guerinحينما قال:" إن الهواء الذي نستنشقه مكون من الأكسجين والنتروجين والإشهار".[23]

وتساهم الصورة الإشهارية كذلك بكل دوالها ومدلولاتها الإيحائية في استلاب الإنسان المتلقي، وتحويله إلى آلة استهلاكية مستقبلة ليس إلا.

وإلى جانب رولان بارت، يمكن الحديث عن بلاغي آخر هو جان ماري كلانكينبرج[24] الذي يعتبر من أهم الدارسين الذين حاولوا الربط بين السيميوطيقا والبلاغة، وإيجاد علاقات وأوجه التقارب والتشابه بينهما تصورا ومنهجا وتطبيقا، إلى جانب جماعة مو (Groupe µ ) التي كرست كل جهودها النظرية والتطبيقية لخدمة الشعرية أو البويطيقا (Poétique) ، سواء أكنت شعرية لسانية أم بصرية. ومن ثم، تشكل البلاغة جزءا إبداعيا من النظام السيميوطيقي الدلالي والاجتماعي والسياقي والمعرفي. بمعنى أن البلاغة تشكل المولد الديناميكي للوحدات الكلامية والإبداعية أداء وإنجازا وسياقا. في حين، تشكل السيميوطيقا الجهاز الوصفي الثابت الذي يعمل على رصد العلاقات البنائية، ويبحث عن المضمرات التوليدية التي تتحكم في إنتاج الخطابات سطحا وتمظهرا.

وإذا كانت السيميوطيقا تهتم بالجانب المعرفي الثابت من اللغة، فإن البلاغة تهتم بالجانب الإنجازي والأدائي من الكلام. بمعنى أن البلاغة ذات طابع أدائي وتداولي وسياقي في ارتباطها بالمجتمع، وتتلون في مقاصدها بتنوع السياقات المرجعية والإحالية. وما أحوج السيميوطيقا اليوم إلى الانفتاح على البعد المرجعي والسياقي! و قد ألح على ذلك بول ريكور كثيرا حينما دعا إلى الجمع بين الفهم والتفسير والتأويل، مع استحضار الذات والواقع والمقصدية السياقية !

ومن المعروف أيضا أن  شارل موريس كان سباقا إلى طرح البعد التداولي، حينما حصر المنهجية السيميوطيقية  في مستويات ثلاثة: المستوى التركيبي، والمستوى الدلالي، والمستوى التداولي. بمعنى أن العلامات السيميائية لا تتخذ بعدها الدلالي إلا في انتظامها داخل بنيات تركيبية ودلالية وسياقية. وقد اشتغلت جماعة مو كثيرا على هذه التصورات من خلال الجمع بين هذه المستويات المنهجية ، والانفتاح على اللسانيات اللغوية والبصرية، ودراسة علاقة النص بالصورة الأيقونية والتشكيلية [25]. وهذا ما دفع جان ماري كلانكينبرج إلى تمثل  المقاربة البلاغية في دراسة الصور التشكيلية والصور الأيقونية في كثير من دراساته اللسانية والسيميائية لاسيما دراساته التي حلل فيها علاقة الصورة بالنص الأدبي. أي: لقد اهتم جان ماري بإبراز العلاقات الموجودة بين البلاغة والسيميوطيقا، وذلك  بعد إنجاز العديد من الأبحاث الفردية والجماعية مع جماعة مو لمدة أربعين سنة. ومن جهة أخرى، فقد انشغل جان ماري كلانكينبرج كثيرا بالمفاهيم اللسانية، وخاصة المفاهيم السوسيرية منها، كالدال والمدلول، واللغة والكلام، واللسانيات والسيميائيات، والمستوى التأليفي والمستوى الاستبدالي، وثنائية السانكرونية والدياكرونية، وثنائية التضمين والتعيين، أو التقرير والإيحائية، وثنائية الشكل والمضمون. كما اهتم كذلك بالخطاب في أبعاده المنهجية ومستوياته اللسانية: الصوتية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والتداولية، والبلاغية، ودراسة البلاغة عن طريق التركيز على الصور البيانية، والمحسنات البديعية، والحجاج التأثيري والإقناعي.

وهكذا، يرى جان ماري كلانكينبرج أن البلاغة فن الكلام، وليس فن اللغة. ويعني هذا أن السيميوطيقا مرتبطة باللغة. في حين، ترتبط البلاغة بالكلام والبعد الإنجازي التداولي البراجماتي. ويعني هذا أن البلاغة شقيقة البراجماتية بشكل وثيق، مادامتا قائمتين على  الكلام والإنجاز والأداء وأفعال الكلام. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن البلاغة نظام إبداعي ديناميكي تداولي، بينما السيميوطيقا نظام وصفي ثابت، يهتم بوصف الأنظمة اللسانية وغير اللسانية وصفا وتقعيدا وتنظيرا بغية البحث عن الأنظمة الثابتة المضمرة التي تتحكم في توليد الدلالة والبعد التواصلي. ومن ثم، فالبلاغة مقاربة اجتماعية ومقامية تنبني على  نظرية الأفعال الكلامية في سياقها الحواري والإنجازي. والآتي، أن البلاغة ترتبط بالتحولات المجازية والإيحائية، وترصد مجمل الانزياحات الصوتية والبصرية والدلالية والتركيبية والإيقاعية من خلال انتهاكها للمعايير المألوفة والمتداولة. أما عن السبب وراء اهتمام جان ماري كلانكينبرج بالبلاغة والسيميوطيقا فهو انتماؤه إلى جماعة مو التي اهتمت خصوصا بآليات الشعرية أو البويطيقا ، حيث ركزت كثيرا على الصور البلاغية والحجاج من خلال الاستعانة بالبنيوية واللسانيات والسيميائيات، مع الاستفادة من أفكار فرديناند دوسوسير، وبيرس، ورومان جاكبسون، ورولان بارت،  وكريماص، وأمبرطو إيكو...

وقد اهتمت جماعة مو بالبلاغة العامة بواسطة الانفتاح على مجموعة من المقاربات المتعددة الاختصاصات: اللسانيات، وسوسيولوجيا الثقافة، والفلسفة، والبيوكيمياء، وعلم الجمال، وتاريخ السينما... كما اعتنت بدراسة الصور البلاغية المختلفة داخل نصوص لغوية معينة، وخطابات بصرية مختلفة ، وذلك في ضوء رؤية معرفية نسقية، ومنهجية سياقية تداولية تنبني على تجريد الأنظمة الخطابية، واستكشاف التفاعلات السياقية البراجماتية، مع الاهتمام بالصورة الأيقونية والتشكيلية الثابتة أو الصورة السينمائية المتحركة. ويعني هذا كله  أن جماعة مو  هدفها الرئيس هو تأسيس سيميوطيقا بلاغية عامة وخاصة بغية معرفة أنظمة اللغة والكلام معرفيا وسياقيا.

وينضاف إلى ذلك، أن جان ماري كلانكينبرج من أهم المؤسسين للسيميوطيقا البصرية أو البلاغة المرئية التي تعد جزءا من السيميوطيقا العامة ، وهي سيميائية تهتم بدلالة الصورة، مع رصد بعدها التواصلي والسياقي والوظيفي. ومن ثم، فهو يدرس الصور البصرية ونصوصها الموازية والمجاورة من خلال التشديد المنهجي على البعد المعرفي والبعد التداولي. وقد اعتمد جان ماري كلانكينبرج في ذلك على رولان بارت الذي أعد دراسة قيمة تحت عنوان ( بلاغة الصورة) سنة 1964م. وتعد هذه الدراسة رائدة من نوعها في مجال السيميوطيقا البصرية، مستعملا في ذلك ثنائية التضمين والتعيين، لاسيما في دراسته للصور الإشهارية والتشكيلية والأيقونية على حد سواء. ونستحضر من بين هذه الدراسات السيميائية التطبيقية دراسته التحليلية المشهورة للصورة الإشهارية المتعلقة بعجائن بانزاني (Panzani). وبالتالي ، لم تتحقق سميأة  الصور البصرية والمرئية بطريقة علمية، وتصنيفها بطريقة تجريبية، إلا مع الباحث السيميائي أبراهام مول(Abraham Moles) سنة 1978م. وبهذا، يكون رولان بارت وأبراهام مول وأعضاء جماعة مو من المؤسسين الفعليين للسيميوطيقا البصرية أو المرئية ذات الطابع البلاغي. وقد ساهم جان ماري كلانكينبرج ، ضمن دراساته السيميائية والبلاغية التي خصصها للصورة والأيقون والكتابة الخطية ، في بلورة سيميوطيقا بصرية أو بلاغة مرئية متميزة، ترصد التفاعلات الموجودة بين النص والصورة، من خلال الاعتماد على اللسانيات والبلاغة والسيميوطيقا بغية تفسير ماهو بصري وأيقوني وتشكيلي وإشهاري.

 

الاتجــاه التداولــي (البلاغة أفعال كلامية واستلزام حواري):

 لقد ربط الاتجاه التداولي البلاغة الجديدة بأفعال الكلام تقريرا وإنجازا،

فالنص الأدبي ليس مجرد خطاب لتبادل الأخبار والأقوال والأحاديث، بل يهدف إلى تغيير وضع المتلقي عبر مجموعة من الأقوال والأفعال الإنجازية ، وتغيير نظام معتقداته، أو تغيير موقفه السلوكي من خلال ثنائية: افعل ولا تفعل[26]. ويعني هذا أن الخطاب أو النص الأدبي، وذلك  في مفهوم التداوليات التحليلية التي ظهرت في سنوات الخمسين من القرن العشرين مع أوستين، كما في كتابه( نظرية أفعال الكلام)(1962م)[27]، وسورل في كتابه( أفعال اللغة) (1969م)[28]،عبارة عن أفعال كلامية تتجاوز الأقوال والملفوظات إلى الفعل الإنجازي والتأثير الذي يتركه ذلك الإنجاز. ومن هنا، فنظرية الأفعال الكلامية تنبني على ثلاثة عناصر رئيسة، وهي: أولا،  فعل القول ويراد به إطلاق ألفاظ في جمل مفيدة سليمة التركيب، وذات دلالة، تحمل في طياتها حمولات قضوية وإخبارية. وبالتالي، تشتمل على مستوى صوتي وتركيبي ودلالي، مثل: "أشكرك ياعلي". وثانيا، الفعل المتضمن في القول، وهو الفعل الإنجازي الذي يحدد الغرض المقصود بالقول، كصيغة الأمر في هذه الجملة:" انتظري اللحن الجديد". وثالثا، الفعل الناتج عن القول، وهو ما ينتج عن القول من آثار لدى المخاطب إثر فعل القول، كإقناع المخاطب، وحثه، وإرشاده، وتوجيهه، أو تضليله ...وتحضر هذه المستويات الثلاثة للفعل الكلامي جميعها في الوقت ذاته، و بدرجة متفاوتة، وهي التي تجعل هذا الفعل الكلامي كاملا.

وعلاوة على ذلك، يميز أوستين بين الجمل الخبرية والجمل الإنجازية، وتتنوع هذه الأقوال الإنجازية إلى أقوال ظاهرة وأقوال مضمرة. فالأقوال الإنجازية  قد تكون لها قوة حرفية ، مثل: الاستفهام، والتمني، والأمر... وقد تكون لها قوة إنجازية حوارية وسياقية، مثل: الالتماس، والإرشاد، والتهديد، والتحسر، ...

ويعني هذا كله أن الفعل الكلامي ينقسم إلى ثلاثة أنواع: فعل القول، والفعل المتضمن في القول، والفعل الناتج عن القول، وقد لايدل الفعل المتضمن في القول على دلالته المباشرة، بل يفيد معنى إنجازيا آخر غير مباشر يحدده سياق القول. بتعبير آخر، للجملة الواحدة ثلاثة مستويات: محتواها القضوي وهو مجموع معاني مفرداتها، والقوة الإنجازية الحرفية وهي قوة مدركة مقاليا، والقوة الإنجازية  المستلزمة  وهي التي تدرك مقاميا. ويعني هذا أن أوستين يربط الأقوال بالأفعال، والمقال بالمقام. فأن نقول كلاما، يعني أننا ننجز فعلا. ومن هنا، فنظرية الأفعال الكلامية تنبني على فعل القول (قول شيء ما) الذي يتخذ مظهرا صوتيا وتركيبيا ودلاليا، والفعل المتضمن في القول (إنجاز فعل معين ضمن قول ما)، وقد يكون فعلا مباشرا أو غير مباشر، والفعل الناتج عن القول(الآثار المترتبة عن قول شيء ما). ويتميز الفعل الكلامي بالمطابقة مع الواقع والسياق، والتعبير عن حالة نفسية، والقدرة على الإنجاز، واختلافه باختلاف منزلة المتكلم من المتلقي، والاختلاف في أسلوب الإنجاز، واختلاف القوة الإنجازية...[29]

ويمكن تقسيم أفعال الكلام حسب مايقصد بها من أغراض إنجازية إلى:

1- التقريريات: وتفيد تأكيد المتكلم وإقراره لبعض الوقائع والأحداث في الواقع الخارجي، مثل: " إنني كاتب وناقد وفيلسوف".

 2- الطلبيات أو الأمريات: وتحضر في توجيه المتكلم طلبا للمخاطب لإنجاز فعل ما، مثل: "هل سيسافر أحمد غدا؟"، و" اخرجوا كلكم من مدرج الكلية".

3- البوحيات أو الإفصاحيات: تعبر عن الحالة النفسية للمتكلم، مثل:" أحب أن أراك سعيدا"، و" مللت الانتظار".

4- الوعديات: تفيد التزام المتكلم بإنجاز فعل في الزمان المستقبل، مثل:" أعدك بسفر رائع إلى مصر".

5- التصريحات: ويقصد بها إعلان المتكلم عن إنجاز فعل يفيد تغييرا مرتقبا على مستوى العالم الخارجي، مثل:" أعلن أيها الحضور الكريم عن برنامجي الانتخابي قريبا".

وعليه، يعمد الناقد في المقاربة التداولية حين التعامل مع النص الأدبي إلى استخلاص الأفعال الكلامية أو الجمل الإنشائية أو الخبرية، وتصنيفها إلى الأفعال القضوية، والأفعال الإنجازية الخبرية، والأفعال السياقية، وتصنيف الجمل الأدبية حسب سياقها ومقامها الوظيفي والتداولي والمقصدي.

ومن جهة أخرى، ترى المقاربة التداولية والوظيفية بأن النص أو الخطاب الأدبي استلزام حواري وإنجازي. وهنا، نتحدث بطبيعة الحال عن الدلالات الصريحة والضمنية. فالاستلزام الحواري يتعلق بالدلالات البلاغية الضمنية التي يستلزمها السياق الكلامي. ومن ثم، يرتبط الاستلزام الحواري بنظرية الأفعال كما هي عند أوستين وسورل. أي: ينتقل  الكلام  من نطاق حرفي وقضوي مباشر إلى معنى حواري استلزامي غير مباشر، ويتحكم فيه المقام أوالسياق التداولي. وللتوضيح أكثر: قد تكون معاني العبارات اللغوية صريحة، وقد تكون ضمنية. فالمعاني الصريحة هي التي تحمل محتوى قضويا، وتتوفر على القوة الإنجازية الحرفية. فهذا معنى مباشر صريح. أما المعنى الضمني فينقسم بدوره إلى قسمين: معنى عرفي يتعلق بالاقتضاء (الإحالة )، والاستلزام المنطقي(الدلالة المنطقية)، ومعنى حواري ينقسم كذلك إلى معنى خاص(الاستلزام الحواري)، ومعنى معمم. وينتج عن كل هذا وجود أنماط من الأفعال حسب أوستين، وهي: فعل التلفظ، والفعل القضوي، والفعل الإنجازي، والفعل التأثيري. ويشمل فعل التلفظ الفعل الصوتي والفعل التركيبي.أما الفعل القضوي، فيتفرع إلى الفعل الإحالي والفعل الحملي. أما الفعلان الإنجازي والتأثيري، فلايختلفان في مقترح سيرل عنهما في مقترح أوستين كبير اختلاف. وقد اقترح سيرل كذلك أفعالا أخرى انطلاقا من نظرية الأفعال اللغوية، وصنفها في خمسة: الأفعال الحكمية(تمثل الواقع صدقا أو كذبا)، والأفعال الأمرية، والأفعال الالتزامية، والأفعال التعبيرية، والأفعال الإنجازية. بيد أن سورل يركز فقط على فعلين رئيسين، وهما:الفعل القضوي ، والفعل الإنجازي.

وبناء على ماسبق، يرى كرايس أن جمل اللغة الطبيعية قد لاتدل على معانيها القضوية المباشرة والحرفية، بل تخرج إلى دلالات سياقية إنجازية. لذا، صاغ قانون التعاون بمبادئه الأربعة: مبدأ الكم، ومبدأ الكيف، ومبدأ التعبير، ومبدأ المناسبة. ومن ثم، يسمي كرايس هذا النوع من الجمل الإنجازية التي تحمل معاني سياقية ضمنية بالاستلزام الحواري. ويتحقق هذا الاستلزام حينما تخرق إحدى القواعد الأربع ، مع احترام مبدإ التعاون. ويدرج كرايس هذا النوع من الدلالة في تصنيف عام للمعاني التي يمكن أن تدل عليها العبارات اللغوية. ويشرح الباحث اللغوي المغربي أحمد المتوكل ماقلناه سابقا بقوله:" تنقسم الحمولة الدلالية للعبارة اللغوية إلى معان صريحة ومعان ضمنية، وتعد معاني صريحة المعاني المدلول عليها بصفة الجملة ذاتها . في حين، تعد ضمنية المعاني التي لاتدل عليها بصيغة الجملة.

تشمل حمولة المعاني الصريحة: (أ) المحتوى القضوي (معاني مفردات الجملة مضموما بعضها إلى بعض)، و(ب) القوة الإنجازية الحرفية (القوة الإنجازية المشار لها بصيغة الجملة كالاستفهام والأمر والإخبار...).

2- المعاني الضمنية صنفان: معان عرفية ومعان حوارية (أو سياقية).

تعد معاني عرفية المعاني المرتبطة بالجملة ارتباطا يجعلها لاتتغير بتغير السياقات. في حين، تعد معاني حوارية المعاني التي تتولد طبقا للسياقات أو المقامات التي تنجز فيها الجملة. من المعاني المتضمنة عرفا المعنى المقتضى أو الاقتضاء، والمعنى المستلزم منطقيا أو الاستلزام المنطقي.

أما المعاني الضمنية المتولدة عن السياق، فهي نوعان: المعاني الناتجة عن سياق خاص والمعاني البالغة من العموم أنها لم تعد مرتبطة بسياق خاص أو بطبقة معينة من السياقات. يصطلح كرايس على تسمية هذين النوعين من المعاني الضمنية " الاستلزامات الحوارية الخاصة" و"الاستلزامات الحوارية المعممة" على التوالي."[30]

وإذا أخذنا على سبيل المثال جملة: " هل تعيرني القلم الأحمر؟"، فالمعنى القضوي يتمثل في جمع الكلمات والمورفيمات التالية: هل-تعير- ني- القلم الأحمر. أما القوة الإنجازية الحرفية فتتمثل في الاستفهام والأداة "هل" والتنغيم. وإذا جمعنا القضوية مع الإنجاز الحرفي، فيتشكل لدينا المعنى الصريح من الجملة أو العبارة.

أما المعنى الضمني في الجملة، فيتألف من معنيين عرفيين، وهما: الاقتضاء (اقتضاء وجود قلم أحمر)، والاستلزام المنطقي(كون القلم ذا لون)، ومعنى حواري خاص أو استلزام حواري خاص، وهو معنى الالتماس. أي: التماس المتكلم من المخاطب أن يعيره القلم الأحمر.[31]

ويمكن التمثيل للاستلزام الحواري المعمم بالجملتين المنفيتين التاليتين:

1- ألم أعطك كل ماعندي؟

2- أما بلغت مرادك؟

فهاتان الجملتان، وكل الجمل التي هي من هذا النوع، تفيدان في جميع السياقات معنى الإثبات. [32]

ونلاحظ من كل هذا أن ظاهرة الاستلزام الحواري، كما طرحها كرايس، قد درست في إطار البلاغة الجديدة ونظرية الأفعال اللغوية، بمعنى أن"ظاهرة الاستلزام الحواري درست، بعد كرايس، في إطار نظرية الأفعال اللغوية على أساس أنها ظاهرة تعدد الأفعال اللغوية بالنسبة للمحتوى القضوي الواحد. يصنف سيرل الجمل، من حيث عدد الأفعال اللغوية المواكبة لها،صنفين:جملا يواكبها فعل لغوي واحد، وجملا يواكبها أكثرمن فعل لغوي واحد(فعلان لغويان في أغلب الحالات). في حالة مواكبة فعلين لغويين اثنين للجملة الواحدة، يميز سيرل بين الفعل اللغوي المباشر والفعل اللغوي غير المباشر،بين الفعل اللغوي الحرفي المدلول عليه بصيغة الجملة ذاتها والفعل اللغوي المفاد من المقام."[33]

وللتمثيل، نختار المثال التالي:

س: لنزر سمير  في حديقته هذا اليوم.

ج: علي أن أحضر درس الامتحان

 يتحقق في هذا المثال فعلان لغويان: فعل لغوي مباشر هو إعداد الدرس استعدادا للامتحان، وفعل لغوي غير مباشر هو رفض الدعوة.

هذا من جهة، ويرى أحمد المتوكل من جهة أخرى بأن فلاسفة اللغة العادية لم يهتموا بجوانب أخرى من" تداوليات اللغات الطبيعية كالجوانب المرتبطة بالبنية الإخبارية للجملة عنايتهم بالإحالة والاقتضاء والأفعال اللغوية والاستلزام الحواري. هذه الجوانب المغفلة في الدرس الفلسفي هي أنواع العلاقات الإخبارية القائمة بين مكونات الجملة. فبالإضافة إلى العلاقات الدلالية (الأدوار الدلالية) كالمنفذ والمتقبل والمستقبل والأداة، والعلاقات التركيبية كالفاعل والمفعول، تقوم بين مكونات الجملة علاقات تداولية كالمبتدإ والذيل والمنادى والمحور والبؤرة والمعطى والجديد وغيرها."[34]

هذا، وإذا انتقلنا إلى النص الأدبي لتحليله تداوليا، فنقوم بتصنيف العبارات اللغوية ، سيما البلاغية منها خبرا كانت أم إنشاء، إلى عبارات صريحة المعنى، فنحدد أفعالها القضوية، ثم تبيان قوتها الإنجازية الحرفية. وبعد ذلك، ننتقل إلى استكشاف المعاني الضمنية ، سواء أكانت اقتضائية إحالية أم عرفية أم منطقية. ومن ثم، ننتقل إلى الاستلزام الحواري باستكشاف المعاني الإنجازية السياقية والمقامية، سواء الخاصة منها أم العامة. ويمكن الاستعانة بالمفاهيم التي تنبني عليها التداوليات الوظيفية لاستخلاص المعاني الاستلزامية السياقية والمقامية، من خلال التركيز على الأدوار التركيبية النحوية ، والأدوار الدلالية، والأدوار التداولية. فضلا عن ذلك، يمكن تصنيف  أفعال النص الأدبي إلى أفعال تلفظية، وأفعال قضوية، وأفعال اقتضائية، وأفعال عرفية، وأفعال إنجازية حرفية، وأفعال إنجازية سياقية، إلخ...

 

امتـــــدادات البلاغة أو إمبراطورية البلاغة:

 لقد أصبحت البلاغة - حسب الفيلسوف الألماني والتر جينز (Walter Jens)- ملكة العلوم الإنسانية قديما وحديثا أو هي إمبراطورية منفتحة على مجموعة من المعارف والتخصصات. وتعد أيضا نظرية عامة للحجاج والتواصل حسب أوليفيه ريبول(Olivier Reboul) وشايم بيرلمان (Chaïm Perelman).

ويعني هذا أن البلاغة قد أصبحت في قرننا هذا مدخلا أساسيا إلى جميع المجالات العلمية والمعرفية والثقافية والأدبية والفنية، بعد أن تعددت المعارف الإنسانية، وكثرت التخصصات العلمية، وتداخلت العلوم فيما بينها. بيد أنها جميعا تنطلق من منبع واحد هو البلاغة. و قد تطور تحليل الخطاب في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة منذ الستينيات من القرن العشرين، مستثمرا مفاهيم البلاغة وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة واللسانيات وعلم التواصل. ومن ثم، فقد حظيت البلاغة بمكانة كبرى بين أخواتها من المعارف والتخصصات والعلوم ، وصارت منهجية إجرائية لا يمكن الاستغناء عنها في تحليل مختلف الخطابات كالخطاب الديني، والخطاب السياسي، والخطاب الفلسفي، والخطاب اللغوي، والخطاب الأدبي، والخطاب الفني، والخطاب الاجتماعي، والخطاب العلمي...

وفي هذه الفترة بالذات، بدأت مجموعة من التخصصات تتكئ على البلاغة في أداء مهامها الوظيفية والمعرفية، مثل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والفن، والأدب، واللسانيات، والفلسفة، والقانون، والسياسة، والثقافة، والتاريخ، والتكنولوجيا الرقمية...باعتبارها أم العلوم والمعارف والتخصصات.

 

خاتمــــــــة:

 وهكذا، يتبين لنا بأن البلاغة في مسيرتها التاريخية الطويلة قد مرت بمرحلتين أساسيتين على المستوى المعرفي والفني والجمالي هما:  مرحلة البلاغة التقليدية التي كانت بلاغة معيارية تعليمية  تقوم على تزويد الخطيب أو الكاتب أو المبدع بمجموعة من الأدوات والتقنيات والآليات الإجرائية في الفصاحة والبلاغة والبيان ليتبوأ مكانة سامية  في فن القول والكتابة والإنشاء. وقد تأرجحت هذه البلاغة الأداتية ذات الطابع التعليمي بين السفسطة والإقناع والإمتاع وتعليم البيان. ويلاحظ أن المدرسة الأرسطية القديمة كانت متميزة بآرائها الحداثية التي سبقت عصرها، خاصة تلك الآراء التي ارتبطت بالإقناع والحجاح تنظيرا وتطبيقا.

ومع منتصف القرن العشرين، ستتبلور بلاغة جديدة علمية ووصفية تبحث في الملفوظ البلاغي بنية ودلالة ووظيفة وتواصلا وتصنيفا، وقد اتخذت هذه البلاغة الجديدة اتجاهات مختلفة ومتنوعة. وفي هذا الصدد، يمكن الحديث عن بلاغة لسانية كان همها الوحيد هو دراسة الصور البلاغية وتصنيف الخطابات والأجناس الأدبية وفق مقولات بنيوية ولسانية، وبلاغة أسلوبية كان مرتكزها هو دراسة الأسلوب ووصفه في مختلف تجلياته الفنية والجمالية ، وبلاغة حجاجية استهدفت دراسة الخطابات السياسية والقضائية والاجتماعية والفلسفية والأخلاقية وفق رؤية حجاجية أرسطية جديدة، وبلاغة سيميائية استخدمت آليات البلاغة في التعامل مع مجموعة من الأنساق السيميائية البصرية والمرئية والاجتماعية  كالموضة والصورة والطبخ والأزياء والإشهار ...، وبلاغة تداولية كان هدفها دراسة مبحث الإنشاء والخبر وفق رؤية لغوية تداولية وظيفية قائمة على نظرية أفعال الكلام والاستلزام الحواري.

وآخر ما نختم به موضوعنا هو أن البلاغة المعاصرة  قد أصبحت اليوم إمبراطورية منفتحة على تخصصات علمية عدة، و لها امتدادات واسعة عبر فضاءات معرفية شاسعة، بل أضحت مدخلا لا يمكن القفز عليه في المجال العلمي والأدبي والفني والثقافي، ومازالت مجموعة من العلوم والتخصصات تسترشد بآليات البلاغة في خطاباتها المعرفية المختلفة والمتنوعة إن نظرية وإن تطبيقا.

 

.....................

الهوامش:

[1] - أرسطو: فن الخطابة، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2008م، ص:16.

2- Oswald Ducrot /Tzvetan Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage,  collection Points, édition du Seuil, 1972, p: 356.

3-Jean Dubois et autres : Dictionnaire de linguistique,  Larousse, Paris, 1991, p : 214.

4 - JAKOBSON, R. Essais de linguistique générale, Paris, Éditions de Minuit, 1963.

5-JAKOBSON, R. : (Linguistique et poétique), Essais de linguistique générale, Paris, Minuit, 1963, p. 209-248.

6- ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة: د.باسل المسالمه، دار التكوير للتأليف والترجمة والنشر، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:122-123.

7- G.Genette :(La rhétorique restreinte) Communications , Année   1970   , Volume   16   , Numéro   16   , pp. 158-171.

8- تعني الهيرمونيطيقا الشرح والتفسير والتأويل.

9- د.صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م، ص:89.

10- بيير غيرو: الأسلوبية، ترجمة:منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري،حلب، سورية، ص:17.

11- د.عبد الله الغذامي: النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية،المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان ، الطبعة الأولى سنة 2000م.

12-Oswald Ducrot/Tzvetan Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, p : 101.

13- Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca : Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, Presses Universitaires de France, Paris, 1958.

14- Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca  : Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, Bruxelles, Editions de l'Université de Bruxelles, 2009.et  Le Champ de l'argumentation, Bruxelles, Editions de l'Université de Bruxelles, 1969.

15- S.TOULMIN, TheUses of Argument (Cambridge, Cambridge University Press, 1958), Trad. Les Usages de l’argumentation (Paris, PUF, 1992). Voir aussi la dernière version« Updated » en anglais de 2003.

16-C. L. HAMBLIN, Fallacies (London, Methuen, 1970), rééd. (Newport, VA, Vale Press, 1986).

17- د.رضوان الرقبي: (الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشتغاله) ، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد2، المجلد 40، أكتوبر- ديسمبر 2011م، ص: 85.

18-Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca : op.cit, p: 36.

19-Ibid, p: 229.

20- Ibid, P: 31.

21- Ibid, P: 25.

22- Ibid, P: 5.

23- Ibid, P: 43.

24- أمينة الدهري: الججاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص: 139.

25- أمينة الدهري: الججاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة، ص: 143.

26- أمينة الدهري: نفسه، ص: 74.

27- عواد علي: معرفة الآخر، مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1990م، ص: 96.

28- د.حنون مبارك: دروس في السيميائيات، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى سنة 1987م، ص: 74.

29- انظر: رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ترجمة: عبد الرحيم حزل، دار تينمل للطباعة والنشر،مراكش، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1993م، ص: 29 وما بعدها.

30- قدور عبد الله ثاني: سيميائية الصورة، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2007م، ص: 39.

31- رولان بارت: مبادئ في علم الأدلة، ترجمة: محمد البكري، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

32- انظر: رولان بارت: نفسه، ص: 29 وما بعدها.

33- انظر: رولان بارت: نفسه، ص: 30.

34- رولان بارت: نفسه، ص: 33.

35- رولان بارت: نفسه، ص: 33-34 .

36- فيصل الأحمر: معجم السيميائيات، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ومنشورات الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى 2010م، ص:114.

37- Klinkenberg, J-M. M : Précis de sémiotique générale. Bruxelles : De Boeck.1996.

38-Groupe µ : Traité du signe visuel. Pour une rhétorique de l’image. Paris : Seuil.1992.

39- Catherine kerbrat-Orrecchioni: Ennonciation de la subjectivité dans le langage, Paris, Armond Colin, 1980, p:181.

40- J.L.Austin:Quand dire, c'est faire, Editions du seuil, Paris, 1970.

41- John R.Searle: les actes de langage, Collection, savoir Herman, Paris, 1972.

42- راجع: جون أوستين: نظرية أفعال الكلام العام، ترجمة: عبد القادر قينيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.

43- د. أحمد المتوكل: نفسه، ص: 28.

44- د. أحمد المتوكل: نفسه، ص: 29-30.

45- د. أحمد المتوكل: نفسه، ص: 29-30.

46- د. أحمد المتوكل: نفسه، ص: 30.

47- أحمد المتوكل: نفسه، ص: 32.

 

المراجع العربية:

 1- أحمد المتوكل: اللسانيات الوظيفية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 2010م.

2- أرسطو: فن الخطابة، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2008م.

3- أمينة الدهري: الججاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م.

4- بيير غيرو: الأسلوبية، ترجمة:منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري،حلب، سورية.

5- جون أوستين: نظرية أفعال الكلام العام، ترجمة: عبد القادر قينيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.

6- حنون مبارك: دروس في السيميائيات، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى سنة 1987م.

7- رضوان الرقبي: (الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشتغاله)، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد2، المجلد 40، أكتوبر- ديسمبر 2011م.

8- رولان بارت: مبادئ في علم الأدلة، ترجمة: محمد البكري، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

9- رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ترجمة: عبد الرحيم حزل، دار تينمل للطباعة والنشر،مراكش، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1993م.

10- ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة: د.باسل المسالمه، دار التكوير للتأليف والترجمة والنشر، الطبعة الأولى سنة 2010م.

11- صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م.

12- فيصل الأحمر: معجم السيميائيات، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان،  ومنشورات الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى 2010م.

13- قدور عبد الله ثاني: سيميائية الصورة، مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2007م.

14- عبد الله الغذامي: النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية،المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان ، الطبعة الأولى سنة 2000م.

15- عواد علي: معرفة الآخر، مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1990م.

 

المراجع الاجنبية:

 16- Catherine kerbrat-Orrecchioni: Ennonciation de la subjectivité dans le langage, Paris, Armond Colin, 1980.

17-Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca : Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, Presses Universitaires de France, Paris, 1958.

18- Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca : Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, Bruxelles, Editions de l'Université de Bruxelles, 2009.

19-Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca :Le Champ de l'argumentation, Bruxelles, Editions de l'Université de Bruxelles, 1969.

20- C. L. HAMBLIN, Fallacies (London, Methuen, 1970), rééd. (Newport, VA, Vale Press, 1986).

21- G.Genette :(La rhétorique restreinte) Communications , Année   1970   , Volume   16   , Numéro   16   , pp. 158-171.

22- Groupe µ : Traité du signe visuel. Pour une rhétorique de l’image. Paris : Seuil.1992.

23- JAKOBSON, R. Essais de linguistique générale, Paris, Éditions de Minuit, 1963.

24- Jean Dubois et autres : Dictionnaire de linguistique,  Larousse, Paris, 1991.

25- J.L.Austin:Quand dire, c'est faire, Editions du seuil, Paris, 1970.

26- John R.Searle: les actes de langage, Collection, savoir Herman, Paris, 1972.

27-Klinkenberg, J-M. M : Précis de sémiotique générale. Bruxelles : De Boeck.1996.

28- Oswald Ducrot /Tzvetan Todorov: Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage,  collection Points, édition du Seuil, 1972.

29- S.TOULMIN, TheUses of Argument (Cambridge, Cambridge University Press, 1958), Trad., Les Usages de l’argumentation (Paris, PUF, 1992). Voir aussi la dernière version« Updated » en anglais de 2003.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

سلام شكرا على هذا الكتاب واسالكم من اي مكتبة يمكنني الحصول عليه في الجزائر

This comment was minimized by the moderator on the site

من مطبعة افريقيا الشرق او من اي مكتبة بالمغرب (الرباط أو الردا البيضاء)

This comment was minimized by the moderator on the site

موضوع شيق أسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2576 المصادف: 2013-09-24 13:11:08