د. صادق السامرائي
إيمي الأشقر
محمد أبو النواعير
أسماء محمد مصطفى
ا. د. فاروق مواسي
عدوية الهلالي
جواد عبد الكاظم محسن

جمعة عبد الله: رواية اقتفي أثري مشكلة البحث عن الوطن المفقود

goma abdulahهذه الرواية من روايات الروائي (حميد العقابي)، تتحدث بصراحة عن سقوط النظام السابق، وصعود الاحزاب الاسلامية الى السلطة والحكم، وعن اضطرار العراقيين الهرب الى الخارج، هرباً من الوسائل الارهابية القمعية بالاضطهاد في عهد البعث، والتسقيط السياسي، وكذلك عن عودة المهجرين والمنفين، والقضية المركزية التي تناولتها الرواية بشفرات رمزية بليغة الايحاء والمعنى، مسألة الاحتلال والوجود الامريكي . وكذلك في اعطاء بعد رمزي الى اقنعة الدجل والنفاق السياسي . هذه المحاور الاساسية، التي قادت المسار السردي واحداثه، ومفاجآته المختلفة، في البعد السياسي والاجتماعي . لكشف مواطن الزيف في الواقع العراقي الجديد بعد الاحتلال الامريكي . وقد استخدم جملة من المؤثرات التعبيرية، وخاصة من الموروثات الشعبية، ومن التراث الغناء الشعبي، الذي يكشف روحية وهوية ونفسية ومزاجية الانسان العراقي بملامحها وصفاته المعروفة، وتعددت اساليب توظيف الادوات التقنية الروائية، بأنماطها المتعددة والمتنوعة، من الصيغ الروائية الحديثة، بما فيها الارتشاف من ينابيع السيرة الذاتية للمولف نفسه والوقع الفعلي، برز كبطل للرواية بأسم (حميد مهدي بزون)، وهو يقود مسار الحدث الروائي وتطوراته المتلاحقة والمتنوعة، بصيغة الضمير المتكلم (الراوي) . تبدأ الرواية من لحظة سقوط تمثال رأس النظام السابق، واتفاق مجموعة من المهاجرين والمنفيين العراقيين، على قرار الانتظام في قافلة الرجوع الى احضان الوطن، بعد الغربة الطويلة، وما صاحبها من معاناة وألم مؤلم، لذا فأن حلم الرجوع اصبح حقيقة فعلية وملموسة، بعدما كانت تأتي على شكل كوابيس مرعبة ومخيفة، يفز منها المهاجر والمنفي من منامه مرعوباً، يتحسس رقبته، بأنها سالمة من حبل المشنقة . او يتحسس اعضاء جسمه، بأنها خالية من اثر من الدماء، من اطلاقات الرصاص عليه من الاجهزة الامنية وجلاوزة النظام السابق . لذا فأن شغل واهتمام الحدث الروائي، بتتناول قضية عودة الطيور المهاجرة، الى اعشاشها الاصلية، وقافلة الرجوع تضم كل شرائح واطياف الشعب من (عرب . اكراد . تركمان . اشوريون . كلدان . شيعة . سنة . صابئة . ملاحدة . شيوعيون . منفيون جدد، ومنفيون قدامى . رجال سلطة متقاعدون . مخبرون نادمون . نسوة محجبات، واخريات نصف حجاب . وأنا وماريانا وعلي كارثة) ص98 . في العودة الى احضان الوطن الامل والحلم، لكن الطريق الى ايثاكا، معبد بالمخاطر والمجازفات الخطيرة، التي يتجرعها العائد بمضض بعلقم الخيبة واليأس، وفقدان التوازن النفسي بالمعاناة والارتباك المضطرب، اي اننا امام (ايثاكا) جديدة، وايثاكا القديمة هي (ايثاكا بلد الملك اوديسيون، بعد انتهاء من حرب الطروادة، شد الرحيل للرجوع الى بلده ايثاكا، ولكن كلما يصل على مشارف ميناء مدينته، وتكون على مسافة قريبة (شمرة عصا) تهب فجأة العواصف البحرية الهائجة، وتشمره في اماكن مهجورة غير مألوفة، وظل على هذا المنوال عشرة سنوات يصارع عواصف البحر (بيسودونس))، واتفقت قافلة العودة بأن تكون محطة الرجوع، هي حانة (مفترق الطرق) وهي نفس الحانة للرحيل الى الغربة،وحانة العودة (كانت حانة (مفترق الطرق) اول قلاع الغربة، واخرها للعائد، ولنا فيها ذكريات لاتنسى) (ربما التقينا بنادلة الحانة مرة اخرى، واغترفنا من حكمتها قبساً ينير طريق عودتنا) ص10 . واصبحت القافلة على مشارف قريبة من حدود الوطن . وانوار المخفر الحدودي وبنايته يشاهدونها، قريبة جداً منهم على قرب (شمرة عصا) . ولكنهم قرروا المبيت ليلتهم الاخيرة، وعند الفجر يكونون في احضان الوطن، بعدما تعذبوا في الغربة والمنفى دهراً من الزمن، وحطوا رحالهم للاستراحة من الطريق المتعب والمرهق، لكن فجأة برزت لهم المفاجأة غير المتوقعة، كأنها تحمل الشر والمصيبة الفادحة لهم، فقد برزت عيون براقة في الظلام، وتقترب منهم وتطوقهم بطوق محكم، وتحاصرهم في دائرة ضيقة، أثارت فيهم الرعب والفزع، لان عيون الذئاب تقدح شراً بالانتقام والعدوانية الوحشية، وهي تلوح لهم بأنهم على مشارف الموت، او ان ساعة الموت اقتربت منهم، وما عليهم سوى ان يتلوا الشهادة، تصاحبها الصراخات المرعبة انطلقت من افراد القافلة . . وهنا (الراوي) يقطع مسلسل الحدث الدرامي المرعب والمفجع، وينقلنا الراوي (حميد مهدي) الى البدايات، في نقلة نوعية (فلاش باك) لتتكامل منطقية مسار الحدث الروائي، الى سيرته الذاتية بتفاصيلها، حتى لحظة مهاجمة الذئاب على قافلة العودة، ويأخذنا الرواي الى استذكار الماضي المرعب، زمن الاضطهاد والبطش والارهاب، من الاجهزة الامنية من نظام البعث السابق، وحملات الاعتقال والسجن والتعذيب واساليبها الوحشية، والتسقيط السياسي، من اجل ان يكون حزب البعث، الحزب الوحيد القائد، اعتقل (الرواي) ومارس بحقه جملة من وسائل التعذيب الرهيبة لمدة اسبوع في دائرة الامن العامة، ولم ينزع منه اعتراف وبراءة من حزبه فظل صامداً .

(- سيدي هذا شيوعي منيوك، خليه انجيه)

(- لا. لا، مو هسه . راح يعترف، هو خوش ولد، شريف، ابن عائله شريفه، أنا اعرفها)

(- ها . تعترف؟، ها؟) فيضطرب المعتقل برعب، ويجيب بيأس :

(- سأوقع على ما تريدون) ص139

ويطلق سراحه بعد الاعتراف وويعطي ذمة البراءة بالتسقيط السياسي، بتعهد بعدم مزاولة العمل السياسي، ماعدا حزب البعث، في ورقة التعهد بالاعدام اذا خالف ذلك، ولكنه في قرارة نفسه، تيقن بعدم مزاولة الحياة ايضاً، في ظل هذا الجحيم المرعب . قرر الهروب من جحيم وارهاب البعث والتخلص منه بسلام، الى صوب شمال العراق نحو ايران . واتفق مع دليل كردي مع شخص اخر ايصالهم الى الحدود الايرانية، وكانت رحلة شاقة وخطيرة ومضنية، ومجازفة غير محسومة العواقب، فكان في طريقهم، تنتشر فيه نقاط التفتيش، والربايا العسكرية للجيش العراقي، والخوف من وقوع في احدى مفارز (الكتي) (الاتحاد الوطني الكردستاني - جماعة جلال الطالباني) عندهم اتفاقية مع سلطات البعثية، بتسليم الفارين من الجنود، او السياسيين، مقابل مقايضة مالية تدفع لهم على كل ضحية يقع في ايديهم، ويتنفسوا الصعداء، حين وصلوا الى الحدود، ووقعوا في ايدي الجنود الايرانيين، ويعاملوهم معاملة قاسية وفظة، وب سلسلة من التحقيقات المتعبة والمرهقة بشكل متواصل، حتى اطلاق سراحهم، وايصالهم الى منطقة تجمع اللاجئين العراقيين في طهران، حاول محاولة فاشلة في الهروب من ايران الى افغانستان، ثم يصل الى باكستان وتسليم نفسه الى منظمة الصليب الاحمر الدولية، لكي يتم توزيعهم الى دول اللجوء الاروربية .، وتسنح له الفرصة بالخروج من ايران الى سورية دمشق، ثم الرحيل الى دولة الدنيمارك محطته الاخيرة للاستقرار . وهاهو آلآن ضمن قافلة العودة الى (ايثاكا)، ولكن لم يجدها، ولم يعد الوصول اليها، إلا وهم وسراب وخيبة أمل، تضاف الى سجل الخيبات الطويل، لذا يتساءل اين الوطن؟ (اين هو الوطن؟ واي وطن هذا؟ . لكن المسألة بالنسبة لي، لا تتعلق بالوقت او الوصول، انما انني متيقن، بأن ايثاكا لم تعد ايثاكا، وان الوصول اليها، خيبة أمل، تضاف الى سجل خيباتنا الطويل) ص70 . وتنحشر القافلة في دائرة صغيرة مرسومة، لايمكن ان يتجاوزها احد، ومن يخرق ذلك يكون طعماً لذئاب الشرهة، ولذلك ابتعد وتلاشى الوطن، واصبح بحكم المفقود والضائع، هذه الافكار تنهش افراد القافلة، بالهواجس والهموم بأننهم وقعوا في فخ الخيبة واليأس، بتجرع الفشل والخذلان، من وطن مفقود، واي وطن هذا في ظل الذئاب؟ (ليله ذئاب ونهاره جحيم) ص28 . تتحول احلامهم بالعودة الى سراب ووهم، ومرارة يتذوق طعمها العلقم بالهوان والذل والمهانة، ويقع في ايدي الجنود الامريكان ويعامل بوحشية متناهية، والتعذيب النفسي المرير، لكي تستلب انسانيته، حتى يكفر بالوطن المفقود، ويعامل باذلال واستخفاف وسخرية، ولهم الحق في اطلاق النار عليه، اذا تعكر مزاجهم، او سمعوا منه كلمات لاتعجبهم، لانهم سادة الوطن المفقود، وهم مانحي الحياة والموت، في وطن تلاشى وجوده في ظل احتلال الذئاب، وامام هذا الجحيم، بأن الوطن يصاب باللعنة والعقاب، يعود الى حضن امه طفلاً صغيراً، حتى يتلاشى شيئا فشيئا، ويعود الى رحم امه، رافضاً الخروج من الرحم، الى الجحيم، والوطن المفقود (اي وطن هذا؟) (ليله ذئاب ونهاره جحيم) ص28 .

 

رمزية الذئاب

شكل هذا الرمز المحور الاساسي في صفحات الرواية، واعتبر القضية المركزية لمضامين افكار الرواية، وحبكتها الفنية، وهو نعت الى الامريكان واحتلالهم، لذا اختار صفة (الذئاب) عن حق وحقيقة، وهو يعطي الايحاء البيلغ، لهذه الصفة الحيوانية، التي تعرف بالافتراس الضحية بشهية وحشية جائعة، لذلك ان الروائي، لم يكتف بهذه الصيغة الوحشية، وانما كشف الواقع السياسي من مسألة الاحتلال والوجود الامريكي، ورؤية الاطراف السياسية بالاخص الاحزاب الاسلامية، التي وقفت بقوة الى جانب المحتل، بالمقايضة اعطاءها السلطة والحكم، ان هذا الموقف، عمق الشرخ السياسي، والرؤية في بناء الوطن، وحفظ كرامته وسيادته الوطنية، وخاصة اعتبرت الاحتلال، بأنه، سلام وتحرير، والراوية تناولت بعمق هذا الشرخ والرؤية بعمق ودراية وفهم . من خلال شرائح قافلة العودة، التي تمثل فيها، كل اطياف الشعب ومكوناته، وكشف موقف الاحزاب الاسلامية من خلال رمزية شخصية (عبدالصمد) اللولب الفعال في القافلة، والمحيطين به، المناصرين للاحتلال والوجود الامريكي، ويعتقد المرحلة التالية بعد التحرير، تطهير العراق من الشيوعيين والملحدين والكفرة الفاسقين، وان الوقت مناسب، لشن حرب ضروس ضدهم، وكان يهدد القافلة بالسلاح والقتل، ويدخل في نزاع وشجار وعراك لا ينتهي مع افراد القافلة الذين لا يؤيدون ولا يناصرون افكاره المتعصبة، فليس غريب ان ينظر الى (الذئاب) بنظرة المنقذ والمحرر، وكما يوصمه بعض افراد القافلة بالسخرية والتهكم بأنه (يجيد لغة الذئاب) ويتوعد ويهدد كل من يتطاول على (الذئاب) بقوله (اشبيها الذئاب، سلام الله عليها) ص 156 . وجماعته المناصرة تردد كالببغاء (ربما جاءت لحمايتنا) ص17 . او (ألم اقل لكم انها جاءت لتحرسنا) ص20 . لذا فأن تواجد الذئاب له علاقة بما يجري داخل الوطن، من صراعات سياسية وخلافات ناشبة وعنيفة، ولكن توجد اصوات رافضة لوجود الذئاب، وتستنكر هذه الحمية بالدفاع عن وجود الذئاب (الامريكان)، ولا يمكن الاطمئنان على وجودها، ان هذا التنازع السياسي، بمثابة الحالة السيئة والكارثية التي اصابت الوطن المفقود (اي وطن غريب أنت، وطن منفي في نفسه) ص 176، لكن يمكن اختزال وجه وقناع الاحزاب الاسلامية في خلافاتها على السلطة والنفوذ، بهذا الاختصار الدال (كلهم من صنف واحد، كلهم اقنعة لوجه واحد) ص 160 .

رواية (اقتفي أثري) شخصت ابعاد الواقع السياسي الكارثي بعد الاحتلال وضياع الوطن .

 

×× رواية (اقتفي أثري) الروائي حميد العقابي

×× صدرت عام 2009

×× 190 صفحة

×× دار النشر: طوى للثقافة والنشر والاعلام - لندن

 

جمعة عبدالله

 

تعليقات (2)

الناقد القدير الأستاذ جمعة عبدالله
يبدو ان غربة العراقيين اصبحت ابدية، اصبحت لعنة تلاحقهم اينما ذهبوا، ان رحلوا عن الوطن هاربين او عادوا اليه متعبين خاوين خالين الوفاض من هذه الدنيا وقد افلسوا حتى من عمرهم وحياتهم. ما الذي جناه العراقيون حتى اصبحوا كلما خرجوا من نفق مظلم دخلوا في نفق اشد ظلمة؟ اما الوطن فقد انهكه صدام وعصابته حتى بات مثل عليل ينازع الموت، وحين جاءت الأحزاب الاسلامية اطلقت عليه رصاصة الرحمة لتثبت انها اسوأ من صدام بل انها نتاج طبيعي لحكم البعث وقد خرجت من رحمه فهي سليلته بامتياز وقد تعلمت الدروس منه جيدا بل تفوقت عليه في ما تقوم به من تخريب على كل صعيد.

 

الاديب والمترجم القدير
هذا واقع الحال , لقد فاز ببقرة العراق الحلوب , الاحزاب الاسلامية الفاسدة , والمنافقين والانتهازيين والمتملقين وحتى الديوث , اما الشرفاء الطيبين , طلعوا برة بخفي حنين
تحياتي لكم

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4056 المصادف: 2017-01-08 03:49:50