 حوارات عامة

صفحات من تاريخ النحت في العراق .. النحات محمد غني حكمت - شوكت الربيعي

704-hekmatكانت إيطاليا قد احتضنت جيلين من الفنانين العراقيين المتميزين، منذ الثلاثينات من القرن العشرين: جواد سليم وخالد الرحال وحافظ الدروبي ومحمد غني وميران السعدي ومحمد علي شاكر وغازي السعودي وسعد الطائي.

كان سعد الطائي، وهو من الرعيل الأول، قد أنهى تحصيله الفني في روما، وبدأ انطباعياً متأثراً فيما بعد بأستاذه "سفربي"، ولكنه في لوحاته عن الأهوار، في بواكير الستينات، قد بلور تجربته الانطباعية، ورسخ في أعماقه، إمكانية البحث في اللون المشبع بالضوء، ليس كما فعل الانطباعيون الفرنسيون، من قبل، بل بإحساس ومشاعر ومعالجة ورؤية مشبعة بالجو العربي والعراقي بشكل خاص. فاشترك مع حافظ الدروبي ورسول علوان وسعدي الكعبي وضياء العزاوي وعلاء بشير ويسين شاكر وسعاد العطار، ومحمد علي شاكر فيما بعد، بتشكيل جماعة الانطباعيين العراقيين.. كان الفنان سعد الطائي، يخضع انطباعاته لتجربته الخاصة في إيجاد علاقة جديدة في مفردات وتفاصيل الموضوع، بعد أن يتم له تهشيم ملامحه الخارجية مندفعاً إلى تفكيك العلاقات الطبيعية في مادة الشكل وحجميته وكثافته وثقله المعماري على سطح اللوحة، ليعيد بناءها مجدداً وفق النظام الهندسي المبسط في مساحاته اللونية المتداخلة في الحركة الداخلية المتوهجة إلى مركز اللوحة. تتميز هذه التجربة بألوانها التأثيرية المتدفقة في حركة أجزائها ومفاصل هيكلها العام: حركة اللون متوازية الإيقاع، منغمرة بحس هارموني رقيق.

ومن النحاتين الذين درسوا الفن في روما محمد غني الذي توطدت علاقتي الشخصية والفنية به عند عودته مباشرة من إيطاليا. فتذكرت ما كتبته عن تجربته، في جريدة المستقبل وجريدة كل شئ وما بحثته فيها، عن طفولته وصباه وشبابه ومسيرة حياته الفنية.

كان يحتويه شعور بالدهشة مما يجري حوله ويتأمله في البيت صباح مساء، من الزخارف الأخاذة بألوانها الحارة والحشوات المنحوته على الشبابيك ومدخل الباب المزوق بالحيوانات المحزوزة والتواريق المحفورة ومقابض الأبواب ومطارقها البرونزية، والأفاريز المزخرفة حول واجهة باب المنزل الخارجية..

وحينما كان يغادر الدار عبر الأزقة باتجاه السوق، يندمج بما تراه عيناه من أقمشة ملونة في دكاكين " البزازين " المتراصة التي تزدحم أمامها الصبايا اليافعات لشراء الأقمشة الزاهية وكأنما يراها مهرجان ألوان براقة مكدسة فوق رفوف الدكان الواطئة. وكان يراقب "الرفاءين" منشغلين بإصلاح " الصايات " والملابس، ويلاحظ بدقة متناهية أباه (1892ـ1976) جالساً في دكانه يبيع ويطرز العباءات الرجالية خيوط فضية أو ذهبية وعن بعد كان يرى المحارم والسجاد معلقة بألوانها الزاهية كأنها أعلام "بيارغ" سامقة لمواكب دينية.

كانت محبته لهذه المشاهد تزداد بعمق متفاعلاً مع الحياة ومع الناس في السوق، فتتفتح أساريره لهذه المشاهد، وحينما يعود إلى المنزل كان يتأمل العوالم المائجة في الدروب الضيقة التي خيمت عليها " شناشيل بغدادية " في محلة الانباريين في ذهابه إلى مشوق الكتاتيب أو في عودته إلى ( الملاّ الشيخ سيد جعفر) الذي حفظ عليه القرآن الكريم. وتكللت "زفته الختامية" بهبة جميلة، هي زبون مزخرف طرزته أنامل أبيه وحزام من الفضة يعود به منثالاً بين أصدقاء طفولته إلى داره، فتواجهه بوابته الكبيرة ومطرقتها ذات الرنة المحببة المألوفة إلى أذنيه، وقد أخبره أخوه، أن أجداده كانوا يرسمون بالعلامات المسمارية الشكل الحقيقي للمطرقة الأولى من التاريخ السومري بصورة الهرواة والمسماة "تراكو". وفي أيام الجمع والعطل الرسمية والأعياد كان يذهب مع أصدقائه وأفراد عائلته إلى البساتين المحيطة بالكاظمية، فثّمة نزهات عائلية على ضفاف (شط دجلة) تثير في نفسه التأمل وصفاء النفس. وتدفعه إلى مراقبة أكواخ "البواري" ذوات الحيطان المبنية من الحصران والطين. فكانت هذه المشاهد والملاحظات وما انطبعت عليه أحاسيسه، قد استكانت راقدة في اللاشعور من ضميره ووجدانه وانسابت إلى أعماق الطفل الذي لم يكن يحمل اسماً بعد حتى سن السابعة قبل دخوله مدرسة الكاظمية الأميرية عام 1936.

كان محمد مثل معظم الأطفال يرسم الوجوه، بطباشير على الحيطان والأبواب والصفائح القديمة وملأت رسومه صفحات دفاتره وجدران منزله. وكان يستخدم " أيضا " حجارة حادة أو مسننة أو عظماً يشبه المقشط يحز به وجه الأرض أو الجدار فيرسم ما يحلو له من الخطوط والأشكال المركبة كالأشجار والقوارب والمآذن. وفي مناسبات الأعياد كان يجلس إلى جوار أمه (1896ـ 1972) وهي تصنع " الكليجة " فتمتد يده لتلعب بالعجين فينشئ منها تمثالاً صغيراً. ومن ذلك العجين إلى طين " شريعة الانباريين " على ضفة النهر، كانت أنامل الصبي الرقيقة تلعب وتلهوا بلدائن الصلصال التي يحصل عليها من ضفاف شط دجلة بعد انحسار موسم الفيضان ليصنع منه تماثيل صغيرة من أحلامه الخاصة ومن ذاكرة الطفولة، أو يقلد بها التماثيل الرياضية التي كان يشتريها بين آونة وأخرى.

لقد تعلم محمد غني كيف يصب الجبس ليصنع منه القوالب الصغيرة من " عبد الحسين محروس " الموظف في متحف التاريخ الطبيعي. وكان يعتقد أن جمال هذه القوالب التي يصبها " محروس " يعزى إلى مادة الجبس، فامسك بحفنة منه ليجرب إن كان صبه سيصبح جميلاً، ولكنه لم يدرك بعد، أن الفنان الخلاق يجعل كل شئ ممكنا، بمنحه الحياة الفنية. وقد سبق، حينما كان في الصف السادس الابتدائي، أن عرف طريق الحصول على مادة الجبس من "كورة " اسطة حسين في منطقة "الشواكة" حينما كان يذهب لزيارة خالاته في محلة "الكريمات" برفقة والدته. فكان يتأمل "الحمار" المربوط بعجلة كبيرة من الحجر وهو يدور معصوب العينين يسحق حجر الكلس الذي يتطاير بكثافة "ليبيض" الشعر والوجه والملابس فكان يشتري كمية قليلة من الجبس يضعها في كيس ويحملها على كتفه ماشيا إلى موقع "الكاريات" لكي يصل بواسطتها إلى الكاظمية.

704-hekmat1

في زيارات أخرى بصحبة أمه كان يذهب لشراء دفاتر مدرسية وألوان خشبية من سوق السراي، ومن هناك يعرج لمشاهدة تمثالين "لأسدين" على جانبي الباب الرئيس للمتحف العراقي القديم. ويتأملها كما كان يفعل أمام تمثال الملك فيصل الأول وتمثال القائد العسكري البريطاني "مود" بالرغبة نفسها، فيستمتع طويلاً بالنظر أليهما. في هذه المرحلة من حياته كان يكثر من رسم الأجسام الرياضية ويعلقها على جدران غرفة الرياضة المدرسية. فكأنما كان ينشر على الحيطان وهجا من مسراته.

وحينما سافر أخوه الأكبر ( سلمان ـ 1914ـ1992) إلى باريس عام 1945 لدراسة طب الأسنان، ترك له جهاز "الكرامافون" اليدوي القديم ليستمع منه إلى الاسطوانات المختارة لعبد الوهاب وأم كلثوم ومحمد القبانجي خاصة. إذ كان يغرد معه: (الغريب اصبح يزاحمني ابلاداي.. والأهل أهلي وبلادي تعز عليّ). ومن هنا كان مصدر اهتمامه بالمقام العراقي، فانجذب إلى عالم الغناء العراقي الأصيل بمقدار انجذابه لشعر الملاّ عبود الكرخي.

لقد أوصى أخاه وهو يغادر إلى باريس أن يرسل إليه آلات نحت على الطين ومجلات وكتب خاصة بالنحت.. صبي مثله يحلم بالدراجة الهوائية يصل بها إلى مدرسته، وبملابس وهدايا وحلوى. ولكن الغرين الذي كان يحيط به نفسه "كالدائرة"، يصبح مدارا لتفكيره. وهكذا يبدوا أن "الصبي" يتمتع باللعب بمادة الطين والجبس لفرط ما تتميز روحه بالحساسية على نحو يجعله يأنس ويغتبط لمرأى الصلصال والصور والكتب المتعلقة بالنحت، لأنها تثير في خياله حافزاً للعب بتكوين أشكال تشبيهية لشخصيات معروفة لديه يسقطها عل الوسط الذي يخلق فيه العمل الذي ينتجه فيسره ويشغل ذهنه عما يحيط من معالم خارج تجربته المغبطة، وقد تكون هذه الملاحظة شاهدا لمستقبل معرفتنا لاستغراقه في النحت نستخدمها في الحكم على قيمة فنه، لأن التكوين النفسي الذي عليه وهو يمارس اللعب بالطين أمر مرتبط بانفعالات الصبي وبقدراته التخيلية في هذه المرحلة. وكان محمد غني قد أنهى الدراسة المتوسطة في الكاظمية عام (1947ـ1948) وقد اخذ معلوماته في الفن عن أستاذه الفنان رشاد حاتم. فتعلم رسم المنظور والحجم والكتل والمساحات والأشكال القريبة والبعيدة، كما اخذ عنه حب رسم المواضيع الشعبية (المرأة العراقية بعباءتها، والباعة في الأسواق والحمالين والعمال والفلاحين والأطفال والأمهات) وكل ما يتعلق بالبيئة والواقع والمجتمع. كانت قوة كفاحية تسري في عروق أستاذه تجعل منه خزينا غنيا متوهجا في مكنون طلبته على نحو باهر.

كنا نتحدث في مرسمي الذي ضم مكتبتي، عن تلك الأيام الخوالي من حياة محمد غني، وهو متكأ على وسادة كانت أمي قد جمعت ريشها من عشرات الدجاج الذي كنا نطبخه في مناسبات خاصة، أمي الآن تجهز له عشاء من دجاجها الذي تربيه فوق سطح المنزل، وتقول له: " اكل يمّه..ألف عافيه وهني، وين ماجرى.." وكانت الأمطار تزداد في انهمارها، وموسيقى "شوبان" الهادئة، تجعلنا منسجمين بالحديث عن مشروع الكتاب الذي ننشغل بتفاصيله تلك اللحظات.. وقد استغرق كتابته ثمانية أشهر، بدأناها من شتاء 1993. وينبغي عليّ إنجازه، قبل افتتاح معرضه الشامل بتاريخ، (17 /3/1994) وكان المقترح أن يضم أعماله المنجزة والمتوفر منها، أو المصور عنها والبالغ عددها ( 861 )   قطعة نحتية، بين البدايات "عام 1947" ومرحلة دراسته في روما وما بعدها.. من تنفيذ أعمال وجوه ومواضيع مستقاة من الحياة الاجتماعية الشعبية والعادات والتقاليد والموروث التاريخي من اللباب الشعبي ومن أساطير حضارة وادي الرافدين، وتنفيذ أعماله المعروفة في النصب والتماثيل الموزعة في بغداد والمحافظات العراقية.. وهكذا كنا نواصل في مرسمي، لقاءاتنا، مرتين في الأسبوع، حتى أنجزت دراسة متكاملة عن حياته وفنه، ووضعت فهرسا زمنيا لمراحل تجربته الفنية، حسب التسلسل التاريخي للأعمال وفي وفق التحولات الأسلوبية منذ البدايات، وحتى آخر منحوتة أنجزها محمد غني، مع ضبط حجم الأعمال ومادتها وسنوات إنجازها، ومكان وجودها والجهة التي اقتنتها أو كلفته بإنجازها.. هذا العمل المرهق كلفني جهداً وصبراً ومعاناة، أكثر من تأليف نص الكتاب ذاته،ومر عام آخر وكانت الخطوة الأولى التي قادته إلى مسارب الحلم، ودخوله إلى معهد الفنون الجميلة عام (1948-1949) كان قلقاً، ولكن الثقة تغمره وهو يواجه لجنة قبول الطلبة الجدد المتألفة من فائق حسن وحقي الشبلي وعميد المعهد الشريف محي الدين حيدر، حاملاً معه (ستة رؤوس) منحوتة من الجبس لوالده وأصدقائه.. وحزمة من الآمال العريضة. وفي الصف الأول تعرف بالنحاتة الإنكليزية مسز لويد زوجة (سيستن لويد) الاثاري المنقب في العراق آنذاك، وكانت تعرض أمام الطلبة على الدوام نماذج جبسية من الآثار العراقية القديمة ومنها قطعة من النحت البارز "اللبوة الجريحة" تعود إلى انه وضع الكثير من طبيعته فيها، وتكاملت بكل تعاطف مع عقله. كان صادقاً تماماً في التعبير عن بدائل مخيلته إزاء معنى معاناة اللبوة الجريحة فيسقطها على معاناة الإنسانية.

وفي السنة الثانية تعرف إلى أستاذه الجديد "مستر مكنتي" ولكنه لم يترك في نفسه انطباعاً مؤثراً كالذي تولد عن معرفته بـ"جواد سليم" العائد لتوه من دراسة النحت في (إنكلترا) عام (1950) واصبح محمد غني يطلع أستاذه على تجاربه في النحت ويريه ألبوما من الصور الفوتوغرافية لأعماله في الجبس. منها (الجندي الهارب) ونماذج من الجبس والمرمر والخشب عرضها ضمن معرض مهرجان ابن سينا الذي أقيم فيما بعد على قاعة معهد الفنون الجميلة يوم (20/3/1952) ولأول مرة يجمع هذا المعرض الفنانين العراقيين المتميزين في تلك الفترة.

704-hekmat2

انضم محمد غني إلى جماعة بغداد للفن الحديث التي تأسست عام (1951). شارك في معرضها الثاني الذي افتتح يوم (20/2/1953) في قاعة معهد الفنون الجميلة، بستة تماثيل من الجبس والخشب. وفي المعرض الثالث للجماعة الذي افتتح في (17/12/1954) اشترك بعشرة تماثيل من الخشب والجبس والمرمر.

وفي عام (1955) أقيم معرض الفن العراقي في الهند، نظمته جمعية الفنون الجميلة والصنائع اليدوية لعموم الهند، ورحبت صحيفة هندستان تايمس بالمعرض العراقي، وامتدحت أعمال (محمد غني) الأربعة المنجزة بمادة الخشب، حسب ما نشرته جريدة الحرية الصادرة في بغداد في 22 آذار 1955. إن صلته الشخصية بأستاذه جواد سليم وبأعضاء جماعة بغداد للفن الحديث أتاحت له التعرف على الحركة الثقافية فكانت لقاءاته بالأدباء العراقيين تتم في معهد الفنون الجميلة وفي منزل جواد سليم، حيث يستمع معهم إلى مقطوعات سمفونية لأول مرة، فكان يحرص على حضور المشاركة في المناقشات الساخنة مع عدد من الشعراء والكتاب أمثال عبد الوهاب البياتي والسياب وعبد الملك نوري وحسين مردان وكاظم جواد ومحي الدين إسماعيل وشاكر حسن وبلند الحيدري وقد ساعده ذلك الوسط الثقافي كثيراً على إعطاء فكرة واضحة عن الواقع السياسي السائد آنذاك في إطار مسؤولية وطنية تمس عمل الفنان بالصميم.

قال محمد غني "..اخترت أستاذي في النحت مايكل كوريزي " بعد أن شاهدت له عملاً في أحد أبنية روما، فأعجبت بإنتاجه، وكان هذا الأستاذ إضافة إلى عمله كعميد وكرئيس لقسم النحت، نحاتاً مشهوراً له مؤلفات وكتب عديدة في الشعر والنقد الفني، وتاريخ الفن، وكان فضله عليّ، انه علمني قيمة جسم الإنسان جمالياً، منحني رؤية جديدة لمعالجة الجسم، وهي خلق العلاقات بين تفاصيل الجسم ككتلة معمارية، أي كيفية بناء التمثال معمارياً، وباعتباري من بلاد الرافدين، كان "كوريزي" يؤكد على أهمية تراثنا، وكان معجباً بشكل واضحاً بالنحت الآشوري وبالحصان الآشوري خاصة، وكان يقول " لم أر في حياتي نحاتاً تمكن أن يعمل حصاناً كالحصان الذي نحته النحات الآشوري" وكان لا يوافق على أن نعمل "بتصرف" ونتيجة ملاحظاته كان اهتمامه منصباً على الجسم "الواقعي" لأن الجسم البشري الطبيعي هو في وضع متكامل وليس بحاجة إلى أجراء تغييرات أو تشوهات عليه.. أن على النحات أن يخلق الجسم مرة أخرى.." وكنت أقصد التوصل إلى عمل معاصر، إلى التعبير عن روح القرن العشرين وإلا أعيش كأستاذي على الطريقة لكن الأمر الحرفي المهم عنده، انه تعلم صب البرونز والميداليات، أتقن حرفة التكبير وتلوين التماثيل وعرف أسرار الجانب التقني التنفيذي، فعمقت هذه المعرفة حبه واحترامه لفن النحت، ليواصل بعد ذلك بحثه في تاريخ النحت الرافديني ضمن مسيرته التجريبية. إذ أن سر العمل التجريبي لا ينجلي إلا من عطاء الممارسة المتواصلة، ومّما يميزه وعي الفنان، اجتماعياً وذاتياً.

وما منحوتات محمد غني إلا إحدى وسائلة التعبيرية التي تتسلط على قيم فنه، المعبرة عن موقف اجتماعي بذهنٍ مفرطٍ في مخيلته الشعبية، وخلفيته التاريخية، مستنهضاً القوة الكامنة فيها، لتعيش أعماله فيما بعد، في فيض النبوءة المبتهجة عبر قيمة الفن المستقبلية.

وعن قصة محمد غني مع أستاذه الفنان جواد سليم أثناء وجوده في روما لإنجاز نصب الحرية يقول محمد غني: "كتب لي جواد: انه سيصل روما، وعندما وصل استقبلته في مطار روما واكتشف انه أضاع "تخطيطات" النصب في الطائرة، وهذا يعني انه وصل بدون أي "تخطيط" سوى ذاكرته. "بقي جواد عدة أيام في روما يسترجع ماضيه حين كان طالباً ويستمتع بالمواقع التي كان يتردد عليها، وكنت إلى جانبه فتجول هنا وهناك ومن متحف إلى كنيسة.. ومن قاعة عرض فنية إلى أخرى، ويرى منحوتاتي معروضة في ثلاث قاعات فنية.

"وأول شئ فعله انه نحت القسم الأوسط من النصب في مشغلي الخاص وبدون تخطيطات، وكان جواد قد كتب إلى المسئولين عن النصب في بغداد آنذاك أن يسمحوا له في أن يكون طالب الفن في روما (محمد غني) رسمياً مساعداً له في إنجاز النصب وقد تم له ذلك.."

أغلق محمد غني مشغله وسافر مع جواد إلى فلورنسا بحثاً عن مسكن وأستوديو كبير-لإنجاز النصب وباشر في العمل برغبة عارمة وحماس شديد، لأن هذا العمل هو أول نصب عراقي. كان جواد يؤكد على أهمية هذا النصب وحريصاً على إنهائه باليد العراقية، وهاهو الجزء الأول، من النصب يكتمل بمادة الطين مقطع الحرية.

كان "جواد سليم" قد سلك طريق البحث والتجريب، وهو ما ورثته عنه. لم يكن معلماً متميزاً مثل فائق حسن في الرسم، إنما كان الحضور الشخصي لجواد هو الأكبر والأهم، ثم أن طروحاته الفكرية من خلال ما كان يدور من نقاش وإحساس الآخرين بصدقه في عمله وحبه لهذا العمل، كلها كانت كافية لأن تنقل بذرة الإبداع إلى الآخرين وهي بذرة سرعان ما نمت لتشكل مشروع النحات العراقي.."

وبعد أن مر بهذه التجربة حلت في أعماقه مشاعر البحث عن النظام والتناسق الهادئ ولم يكن بوسع جواد وهو يتفرج على تجارب محمد غني إلا أن يقول له "حان الوقت الذي تتركني فيه"، وكان هذا صحيحاً. لأن محمد غني كان يبحث عن توازن جديد، عن حيوية وحساسية مرهفة "انه ينظم إيقاعاته، بحثاً عن هويته". وقطعة النحت عنده تخترق الحماس لتصبح فلسفة، وهذا هو الشعور باليقين المستقر الذي يحصل عليه خلال العمل وأثناء التبسيط، فالحصول على المضمون الجيد يعني الاحتفاظ بقوة التعبير إلى جانب المضمون، ثم الهيمنة والقدرة على التنفيذ الجيد، هذا هو نظام البناء الصحيح.".

كانت أواخر تماثيله ممتلئة بتنغيم "القوة المتوترة" إلى أقصى الحدود والتي تتكرر في مختلف أجزاء الجسم. "ان هذا الحس الإنساني الذي يظهر متوثباً في الحركة المضمرة هو السعي إلى أن تتسم الأعمال النحتية بميسم الروح الخلاقة إياها. وهي أعظم تجربة في الفن الحي. فهنا تساهم الواقعية جنباً إلى جنب مع المثالية" الكلاسيكية في التعبير النحتي.. سافرت عدة مرات إلى مدينة فلورنسا وزرت مقبرة "مديتشي" التي تضم أعمال ميكائيل أنجلو بهرتني بحجمها الكبير وبتلك الطريقة الفذة في الإنجاز، والأفكار المعبر عنها بمادة المرمر، إنها لرهبة من نوع نادر أن تقف أمام تمثال النبي داود.".

تأثر محمد غني بأستاذه "كوريزي" الذي كان وقتذاك في الثمانين من عمره، ويعتبر من الكلاسيكيين المرتبطين بتقاليد عصر النهضة. وتبدلت نظرته للأثر الفنية، وبدأ يفهم كيف يراها ويحدد مركز العمل الفني وثقله الأساسي إزاء العناصر الثانوية الوسيطة، ويدرك عملية التوازن والتوافق بين الأجزاء، والبؤرة المركزية، وتعلم حب العمل في النحت، وعرف طريقة تحضير الطين والشمع والجبس بصيغة حرفية متقدمة، كما استوعب جيداً استخدام مادة البرونز والمرمر، وتنوع التقنيات بها. وكان قبل هذا شديد العناية بمادة الخشب منذ أن كان في معهد الفنون الجميلة ببغداد، فالفكرة الأساسية لعملية النحت هي البحث عن قيمة النحت ذاتها، وهدم العلاقات الزائدة والحصول على الصيغة الذهبية في مجال العمل الفني.

وفي مجال البحث عن مفردات خبرته السابقة قبل وصوله روما، نشير إلى اهتمامه الراسخ بقيم الفن الرافديني التي أسهمت في إنضاج توجهه للنحت الآشوري ودراسة ما تميز به من صفات التسطيح والمبالغة في الكتل والخطوط الحادة التي تفصل بين أجزاء الموضوع، وفي إظهار القوة في التفاصيل، وامتلاء العمل الفني بالشخوص، فأستلهم بعض ملامحها في صياغته التعبيرية، رافقت ذلك أيضاً أفكار (جماعة بغداد للفن الحديث) والتزام خطها الفكري بالجانب الاجتماعي، كما كانت تلازمه محبته لقراءة الأساطير والملاحم العراقية القديمة كـ(ألف ليلة وليلة) و(كليلة ودمنة) ونفائس التراث الشعبي. وهذا لا يعني أن محمد غني لم يتأثر ببعض الأعمال الإبداعية في الفن الإيطالي إبان وجوده هناك. أو أنه تخلى عن ثقافته الأساسية ومنبعه الجوهري الأصيل. صحيح أنه انساق متطرفاً في تأثره بالصياغات الحديثة، والاتجاهات الغربية السائدة آنئذٍ حتى هيئ للمتابع انه لم يعد ثمة أمل في العودة إلى المنبع.. ولكن أستاذه "كوريزي" كان له بالمرصاد، يذكره بماضيه وتراثه وحضارته، كان يستثير في ذاكرته التوهج، وانبثاق الصور والأحلام الغافية في أعماقه بعد أن غشيت عيونه زخرفة وفخامة وسطوة الفن الحديث ومجتمع روما، فانفضح عالمه الحقيقي، وتقرب مرة أخرى إلى روحه وتفهم أفكاره التأسيسية، وأعاد تقدير المنطلقات التي عاهد نفسه على تطويرها والتوغل في مضمونها الحقيقي على مدى الحوار مع أستاذه وصديقه جواد سليم ومع أعضاء "جماعة بغداد للفن الحديث" ومع كنوز المتحف العراقي القديم، لقد نبهه الفنان "كوريزي" أستاذ تاريخ الفن إلا ينغمر في تقليد الأعمال النحتية الأوروبية.

تسنى له السفر إلى النمسا وألمانيا وهولندة بصحبة صديقه الرسام سعد الطائي على الدراجة البخارية لمدة ثلاثة أشهر. ثم سافر ثانيةً إلى فرنسا وإنكلترا بصحبة صديقته "نيكول" على الدراجة البخارية لمدة ثلاثة أشهر أخرى. كانت تلك الفترة من أخصب مراحل فنه التجريبية التي أكسبته خبرة تقنية من اسقاطات تجارب حديثة في الفن الأوروبي المعاصر منه والقديم. تخلى فيها عن المعالجات التقليدية، وتوجه إلى دراسة الكتل والمساحات وعلاقة الضوء بسطوح القطع النحتية الواحدة، بحثاً عن النظام والتناسق الهادئ، فتحررت عيناه، وتمكن من تزويج عناصر مواده، وإذابة تأملاته عن الجسم الإنساني الرائع للمرأة، ساعياً إلى سر البساطة. وتأليف أبجدية من اللغة السرية الرقيقة بين تماثيله العارية بأدائها الناعم وبين فكرة الجسد الأنثوي، فأضاف إلى هذه المحاولة وهجاً من ذاته، تكفي معالم روما الحضارية وحدها أن تؤثر في طبيعة ومنطلقات وأفكار وأداء "طالب الفن"، فهي بمثابة مدرسة متنوعة، متعددة المشارب، كل شيء فيها ممكن في الفن.

عاد محمد غني إلى بغداد (1/11/1961) وعاش في منزل والده في الكاظمية، محلة العطيفية، حيث أشغل غرفة من غرف الدار الثمانية، امتلأت بالتماثيل والقوالب الجبسية والنماذج البروبزية الصغيرة، والمنحوتات الخشبية، ثمة منضدة كبيرة تناثرت فوقها أدوات نحت مختلفة، شفرات، مقاشط، أدوات.

كانت تلك التخطيطات والقوالب الجبسية والتماثيل الخشبية والبرونزية الصغيرة في مشغله جزءاً من استعداده لإقامة معرضه الشخصي الأول للنحت في دار الدكتور محمد مكية في المنصور. الذي أفتتح يوم 22/1/1962 وعرض فيه أربعين تمثالاً من الخشب والبرونز أنجزها في روما. وهو أول معرض لنحات عراقي في تاريخ الحركة التشكيلية الحديثة في العراق. كانت لدى محمد غني رغبة قوية صارمة في الاستمرار الدائب على العمل والمثابرة على الإنتاج، أخذت تتبلور عنها صياغات جديدة لمواضيع شعبية مستلة من الحياة العراقية والبيئة البغدادية خاصة.. تتواشج في أسلوب هو مزيج من المنحوتات القديمة (خلال مشاهداته للآثار العراقية في المتحف العراقي) ومنطلقات جماعة بغداد للفن الحديث، إذ أنه يؤمن بوظيفة الفن الاجتماعية لأن الفن انعكاس لحياة المجتمع، فالقلق الذي يساورنا كل لحظة ويساور عالمنا المعاصر بضغوطه أ

والخوف من المستقبل والانهيارات الكبرى في حياة الشعوب والأمم، وتدهور العلاقات الإنسانية، حدا بالفنانين إلى أن يعبروا عن مضمون هذه الصراعات بإنتاج (قلقٍ وحادٍ) وعنيف، ولكنه تعبير ملتزم بموقف الإنسان الأمثل، والأنبل.. التعبير الملتزم بالموقف الحقيقي بين قلق الإنسان وإبداعه، وبين قلق العصر، وقلق التعبير الفني. أن صدق رؤية الفنان في التعبير ووضوح قيمة الموقف، لا يظهران إلا في الأعمال الحقيقية التي تعبر عن الأحداث المهمة في تاريخ الأمة.. وتماثيل محمد غني تعبر عن أصالة الموقف الشخصي لما يحدث خارجه هو.. مواضيعه تتوخى تثبيت موقفه إزاء ما يجري حوله من إشكاليات العالم الراهن من خلال (أشخاص بسطاء، ونساء وحيدات، ورجال متألمين، وأطفال جياع). إلى جانب استحضار قيم التاريخ التي عبر عنها الفنان العراقي عبر مسيرته الطويلة منذ السومريين وحتى انهيار بغداد وسقوطها عام 1258م.

استوعب محمد غني الكثير من تجارب الفن الحديثة، واستفاد من تقنيات النحت المعاصرة. ولكنه وضع كل ذلك في إطار المعرفة اللازمة لكل فنان حقيقي. وحينما أقام معرضه الشخصي الثاني في اوروزدي باك عام 1962م بدعوة من صديقه علي حيدر الركابي، كان في ذهنه ثلاث مقتربات: الموروث الشعبي، وموروث الفن العراقي القديم، وموروث الحضارة العربية الإسلامية. الذي ينقسم بدوره إلى محورين: الأول دراسة الزخارف العربية في جصيات سامراء، والثاني أسلوب مدرسة الواسطي البغدادية في الرسم، ويجمع هذه الصياغات هدف واحد هو التركيز على الخصوصية، فهل حقق محمد غني ذلك ؟ وكيف ؟.

استطاع محمد غني أن يعبر عن روح التناقضات السائدة الآن في مجتمعنا (العراق أو الوطن العربي) وقيمة جوهر تلك الشخصية العراقية أو العربية في فن الإنسان المعاصر. ذلك لأنه يتمتع بأفكار ارتبطت بحركة التاريخ. ولأن تجربته تشكل، مع مجموعة تجارب النحت المتميز في العراق، أساساً ومنطلقاً لفهم فن ينتمي إلى الأمة. وبرغم كل الظواهر القائمة، والتي لم تحسم بعد، في مجال النحت المعاصر في العراق، فان حركة النحت في سعيها الدؤوب لتكوين شخصية متميزة اعتماداً على فهم واضح وجيد للتراث والابتعاد عن التأثر والنقل عن فنون وجدت في بيئة أخرى، واعتماداً على البحث الحقيقي المخلص، ولكن المرحلة المتوقعة آنذاك قد أخذت منه زمناً طويلاً لكي تتخذ ميزاتها وشخصيتها مجتازة مرحلة التجريب.

لقد اخضع محمد غني معظم أعماله الخشبية (البارزة) إلى قواعد الموروث العربي الإسلامي نتيجة اهتمامه بالفن الزخرفي والمقرنصات الآجرية، والكتابة، وليس هذا إلا جزء من سمات الفن العراقي القديم، ولكي يشبع رغبته ويطور تجربته ويميز اهتماماته، لم يشفع له سوى النحت على الأبواب. إن نحت الأبواب فيما بعد، جعله يبلور صيغةً جديدةً في معالجة النحت البارز، على أساس من العلاقة بين الوسط المنحوت بأشكاله، والوسط التوافقي للعناصر التكميلية. أي انه يكوّن العلاقة بين إيقاعات الأشكال الهندسية المزخرفة المتلاصقة، المتماثلة النغمية، وبين وسطها التوافقي الذي يساعد على ظهور النغم الأساس، المتنقل من يمين الشكل ووسطه إلى جنوبه. إن وضوح العناصر المساعدة في الشكل على امتداد مساحة العمل الفني هو الذي بلور مفهوم الفنان عن التجريد الزخرفي للمشاهد وأظهر التباين والتضاد في مفردات الزخرفة التي تتكرر وتتلاحق مع سائر الوحدات المكونة للشكل وفق النسبة الذهبية: (6ر1/1) وتوجد في الدائرة والمخمس وذي الأضلاع العشرة من وجهة نظر القسمة الذهبية المتوالية والنسبة المضاعفة المرتبطة بنظام التناسق الجمالي في التصاميم الهندسية، وهذا جزء من التحليل المطلوب لمعمار العمل الفني الذي يعتمد على الجانب الهندسي أو الزخرفي-الهندسي، أو على الجانب الدائري، المنحني، (كالأهلة والأقواس وأنصاف الدوائر) وعلى نظام التوريق المتكرر الإيقاع، المتناظر، المتوازن.. وعلى غرار ذلك يستطيع أن يكتشف النحات محمد غني انه دخل في نظام المعادلات الرياضية. ولكنه ليس كذلك حينما يكرر كتلة مزخرفة في يمين العمل النحتي بما يماثلها في يسارها، أو في وسطها، وقد يكون تفكيره في نحت هذا التكوين المزخرف، أقرب إلى تفكير الرياضيين ولكنه ليس (رياضياً)، يا لسعد الفنان الذي غردت روحه بإبداع كاشف عن رؤية جديدة وتمخض بمثل هذه الانتقادات اللاحقة الكاشفة عن مقدرته الخلابة.

امتاز أسلوب محمد غني بتبسيط مفرداته المنحوتة الداخلية بفجواتها وسطوح الأشكال فيها، والانتقال المفاجئ من سطح إلى آخر ومن كتلة إلى فراغ، ومن انحدار مقوس إلى استقامة، ومن توريق إلى امتداد. آخذا بنظر التقدير والتقويم مسقط الضوء ودرجته على سطوح المنحوتة وحركتها الداخلية، ضمن توزيع إنشائي، تحقق بطريقة التوازي الكتلوي، وتناغم الحركة بين انحدار وارتفاع.. ويلعب الضوء أهمية قصوى في التأثير على الجسم المرئي من قبل العين، حتى لتبدو أن الخطوط على سطح المنحوتة وحركتها الداخلية المرنة، الرشيقة تجعل الناظر يتبع اتساقها واندفاعاتها ويلاحق اتجاهات الحركة ذاتها، لإظهار بنائها العام، وإيجاد علاقة روحية بين العمل الفني ذي الصياغة التجريدية المبسطة، وبين الموقف الفكري المرتكز إلى أساس تجريدي. وقد استثمر كل ذلك، لصالح المضمون.. ومنها استعانته برموز مقطعية، أو أبجدية حروفية أو عددية أو من خلال إيحاءات وإشارات مألوفة ومفهومة في الخلفية الثقافية الشكلية. فأستثمرها لصالح الشكل.. إذ يبدو أن الخط يتطور باستمرار، ويسير ضمن تموجات، فيها تأثيرات سومرية وآشورية، وإسلامية مختلفة، تبتعد عن أن تكون تعبيراً فردياً، بقدر ما هي رمز تجريدي.. وقد تجسدت هذه الملاحظات والاستنتاجات في جدارية "مدينة الطب".

إن تأثره بالنحت الآشوري إنما هو استفادته من معماره. وقد غذى فهمه لهذه العلاقة بتوزيع الكتل والسطوح والمجموعات وفق نظام محدد. وبدأت المنحوتة ترتكز على قيمة متميزة، وتثبت نفسها بارتباطها بالفن العراقي القديم عامة، وكذلك بالنسبة للزخرفة العربية الإسلامية: نظام الخطوط المنحنية والمتقاطعة ووجود نظام التكرار فيها. كل تلك العناصر الداخلية للصفات الزخرفية أخذت طابعاً تجريدياً، كما إن بحثه المستمر قد فرض هذه المقاييس لخدمة العمل الفني ذاته لإظهاره عملاً يحمل روح العصر وروح التراث المشرق في النحت العراقي القديم، وفي روح الزخرفة والخط العربي.

ان الجمال المطلق لا يجده الفنان (هنا) إلا في الأشكال الهندسية كما يراه هو. ولأجل هذا خاض محمد غني هذه التجربة. وقد طرح في قطعه النحتية المدورة والبارزة، أفكاراً مهمة موضوعية، وحروفية مجردة، وبتقنية عالية في اعتماده على الإيقاع التكراري والانسيابية الخطية، وقد حقق غنائيته الموضوعية من اجل أن يبتعد عن الواقع نحو اختزال الشكل والرموزية في التعبير، مقابل الجمود والاستغراق في السكون.

والخلاصة أن سر اهتمام محمد غني بالمرحلة التعبيرية المتفجرة، انه ركز في داخله قوة النظام الهندسي الساحر، فمسته بعمق الأفكار والارتباط بالموروث الشعبي والتاريخي معاً. فامتلأت تماثيله بتنغيمية الحركة المتداخلة في نظام البناء السليم، التي تجمع بين الواقعية التعبيرية، وبين المثالية الأخلاقية في الموروث الشعبي والتاريخي.. هذه المميزات، هي التي وهبته القدرة على البناء التركيبي المختلف والمتنوع. ولكنه التركيب الذي يجمعه سطح واحد أو كتلة واحدة، حققها بحسّ إنساني اجتماعي تاريخي، محاط بقداسة أخلاقية، هي جزء مما كان مترسبا على نحوٍ حرّ، في عالم الطفولة المملوءة بالرموز الروحية. ومن هنا جاءت العلاقة بين الرؤيا التجريدية الظاهرية والرؤيا الإشارية الرمزية، المرتبطة بواقعية تعبيرية نقدية.. لقد حقق ذلك في وفق عدة معالجات، أهمها، أنه:

قام بتوزيع مواضيع اللوحة على الطريقة الآشورية من ناحية البناء.. وفي وفق الطريقة القصصية في توزيع الموضوع من منظور آخر. وفي بؤرة ضمت كتلاً جديدة خدمت المعمار أو التصميم العام للقطعة النحتية، وأشارت إلى مرحلة جديدة لاحقة، قادته إلى تفاصيل أخرى في المعالجة، وفي نوعية البناء الشكلي العام، تجسدت بشكل أعمق، هي ميزة التأكيد على طيات الملابس وهي في حركتها الرمزية تتزاوج مع رؤيته المعمارية العامة؛ منها استلهامه للأقواس وأشكال شواهد القبور، ثم تبعتها دراسات أخرى عن المقرنصات والزخارف والخط العربي، وعن معظم منحوتاته التي أنجزها منذ عام 1953. وربما قبل ذلك. أي منذ فرحته بإنجاز تماثيله الرياضية الصغيرة عندما كان صبياً، يبحث عن بدائل. والآن بعد أن تجاوز السبعين من العمر، تأكد له ولنا جميعاً، انه دائم البحث عن بدائل لما كانت تزخر به بغداد من قيم سائدة.. أي كتابة سطور جديدة من تاريخ آخر لبغداد. من وجهة نظره الخاصة بالأساطير والرؤى والأحداث، والتي تم تدوينها على مدى الأزمان المتباعدة. ومن هنا كان عشقه لمدينة بغداد استثناء، ولعل سر محبته لها، يكمن في انه بغدادي وريث حضارة عظيمة، منها أخذ كلكامش حضوره وأسئلته الكثيرة عن الحياة والموت والخلود. الأسئلة الصعبة التي كان يطرحها فكر مستقبلي لم يبق من أمثاله في عصرنا الراهن شبيهاً يطرح مثل أسئلته الصعبة على العالم.. فمن ذلك الموروث الكنز أخذ فكرة أختامه الأسطوانية وأساطيره، كما أخذ معماره الفني وصياغاته واتساقاته الهندسية ونظرية الأزل.

لقد طاف في الماضي الملهم المشرق بحثاً عن نماذجه المحببة التي كان يفتقر إليها حاضره في النحت من قبل. وانه بمقدار ما يتودد إلى الحاضر بأن يسبغ عليه من رؤيته وتصوره في البدائل، فانه يلغي حضوره القائم في زمنه، ويحيله إلى الماضي بسماته وميزاته ورموزه وأساطيره، فيعود مجدداً إلى أحلامه الملقاة في الأزمنة السحيقة من قدمها وقيمتها الحضارية.

أن حشوة خشب صغيرة في " أرسي " بغدادي ربما تصبح بين يدي نحات مبدع قطعة من الفن بنفس أهمية تماثيل ( تل أسمر)..

هكذا أرى محمد غني وهو يفسر روح القيمة الفنية. وبعد أن مر بهذه التجارب الثرية عاد متحمساً إلى حساسيته الأولى، فقد وصل وصار يعبر عن نعومة أيام طفولته وفترة عنف الشباب والقوة المتزنة والمتناسقة لمرحلة نضوجه، ثم يحقق قدرته الأخاذة في النحت وسطوته على مادته، وأخيراً يكسب معركة الأبطال والآلهة، معركة عشتار، آلهة الحب والحرب. وفي هذا الانعطاف والتحول المشرق في حياته وشعوره المتنبئ باقتراب تحقيقه لحلم الإبداع يكتشف شخصيته واستقلاليته.

وهكذا يضع فنه تحت وطأة التساؤل ولا يتردد في الاندفاع في مغامرة المستقبل. لقد أعطى محمد غني لبغداد النصب ووهبها روائع فنه ذوات الحساسية الرقيقة يضيئها ويدفئها الإخلاص للفن وللحضارة وللحياة.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1879 الاربعاء 14/ 09 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1835 المصادف: 2011-09-14 01:27:24