 قراءات نقدية

أستميحك عطرا.. تكثيف وتناغم السينوغرافيا

سمر محفوضألفة الصورة وحضور المشهدية على كامل مساحة النص حيث الغياب سمة وتناغم عند الشاعرة السورية نجوى هدبة.. لاشك أن الكتابة عن الشعر هو توريط حقيقي للناقد أو القارئ فالشعر يندرج في اللا نسق والكتابة نسق. من يكتب عن عمل شعري إشكالي كمجموعة " استميحك عطرا" هو بحد ذاته عمل يتصادى بين الإفصاح والإيحاء، ويتناول الشخوص والأحداث من منظور المراقب الحيادي والمتابع نجوى هدبة في مجموعتها "استميحك عطرا " الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب \وزارة الثقافة –دمشق 2019 جاء في 127 صفحة - فعلتها بكثير من المرونة .. حيث تتناوب سياقاتها على مجموعة من الخطوط التي تتعمد حرية الحركة بالغياب والحضور والعودة خطفا (مابالي لا أتقن الإنصات لثرثراتهم؟) (ولا لصهيل نكاتهم؟) (وقع حوافر أمانيهم مثخنة الغبار) (وأنا مثخنة بالصمت) ص58

في المستوى الأول تنعكس روحانية ألمراء الشاعرة التي تسكنها والتي تهتم بما ينبغي، و تحدد جهاتها في كل مايتعلق بمخيلتها من الشعر والفن وفق معطيات ومعارج وأسئلة، تطرحها بدون انتظار إجابات مقنعة، حيث كل مايحيطها مفعم بالأسئلة وبالنشوة الغائمة أيضا بدءا من حركة اللغة عبر الجملة الشعرية، إلى تجسيد حالات التعبير من حركة المشاعر، إلى حركة الجسد وإطلاقه من الآني إلى الكلي نحو التجريدي (هي ليست كاملة) (تلك القصائد الغافية على سطح بيتي) (أشمسها) ( أدفع عنها غبار الحنين) ( وأسطر لها قافيات الفرح) (أنا البائسة أدناه)  ص \42 \ بحيث أن كل ارتقاء يصلنا بذروة تالية نحو أسرار الطبيعية التامة، التي لا يمكن للعقل أن يخضع لتكوينها الصارم والوحدة الصميمية التي تديرها و تحكمها،مشغولة بمكنوناتها تعزف سلمها الشعوري على أوتار الروح الموجوعة والشائكة (ثوبي ممزق وكلما حل الربيع) (نبتت زهرة من شق فيه) (وعلقت فراشة تتحسس عطر الله) ص \22\

1251  نجوى هدبه

لا تكلِّف نجوى هدبة نفسها عناء الانضباط للغة المألوفة بمقولاتها الواصفة أو بمفاهيمها المختلفة، لكنها تحاول أن ترينا النص الأدبي من منظور آخر مختَلف، يفارق فيه الرّائي ركن المتذِّوق الغافل عن وصفاتِ الكتابة و محتَرَفاتِ الإبداع الى الدهشة في التشكيل( أقص لك ترهات عن سذاجتي) (في ارتداء حذاء كعبه بعلو فكرتي) ص\95\ (كالعادة يسألني كيفك.؟!) (أجيب) (أنا بخيرك) (لا زلت أهذي بلقائنا الأخير) ص\98\-ذلك التمركز بالشكل الذي ورث الشعر الشوق الأبدي والإيقاع وشفافية الكتابة (نحن توت الأرض) (شجر الزيزفون حين عبث) ص\74\ في المستوى الثاني من التداولية أي جانبها التواصلي. وفي هذا الإطار تحدث عن قيم الهوية من خلال استحضار التعدد وصورة المرأة والاستلاب الاجتماعي وهموم النساء وانتهاكات أجسادهن (لي أولاد نجباء) (أنجبتهم من رجل عقيم) (يتلذذ كل ليل جسدي) (ثم يعتلي خيره) ص\54\

 وقبل أن نتطرق إلى معالجة أي من هذه القيم، ينبغي الإشارة إلى سيميولوجية الغلاف من خلال تحديد معالمه وعناصره اللغوية والاشارية، وانسجام العنوان والصورة على الغلاف الذي لم يكن موفقا بل كان الإيحاء هشا يعاكس مضمون المجموعة العميق والكثيف، نجوى سيدة الاحتمالات الجميلة والمتناقضات الممسوكة جيدا والتوازنات العميقة تقول (لست حبيبة من النوع الفاخر) (لأكدس أحلامك المزعجة) (في قبو البيت) (أو أن أهش على نزواتك) (فأفيض غيرة) ص\38\ هنا اعتمدت الشاعرة على تحوير مبالغ به لكنه يعطي إحساسا بنقلة متوقعة ومرتقبة تشي بخصب جملة شعرية تلقائية تهمل كل مالا يشغلها بحذفه، موحية بخلاصة تأملاتها التي تفصح عن حضور لامتعالي بل فاعل (أنا قميص يوسف) (أنا ياقته الممزقة عن ألف حب ولحن) (أنا صدره الفتي) (وغابات عمره عند حدود القصيدة) ص\16\ القصيدة ذلك الجسد الأثيري الساحر للحزن و كسر الرموز .. لأنها هي الكائن المولد للجمال مركز الكون ومعبده والينبوع الأصل لمسافات تكوينها، في المجموعة موضوع الدراسة لم تتعامل نجوى هدبة مع مجموعة حقائق الكتلة المتمايزة للفظ ’بل دخلت تلقائيا للإشعاع المحيطي للعبارة الشعرية والذي يفيض بالمحبة لتوجيه عملية الإبداع نحو همومنا المعلنة،وفي خدمتها ايضا تقول نجوى(كم زاوجت..) (صرير الباب والمغسلة) (وطاولة الزينة) (والحاسوب) (،) (لهفتي) (ورسمت غطاء يدثر عريها) ص\11\ تمنح اسما لكل وجع وخيبة وحياة ايضا حيث تثير جملة (كم تماديت في احتضان الريح تلوح لي) (حتى أفهمتني ) (أن البعد ..حلال) ص\ 11\. تعمل على الى اجتياز مستوى الكثرة الى مستوى التأمين في الوفرة حيث لا تخضع كا لمعرفة الى قانون محدد بحيث يعني تكيبل لا نهاياتها في الاتجاه الذي يخرج الماضي الى الحاضر والكينونة الى مفهوم الوفرة (كثير أنت ) (كهذا التعب) (كهذي الاشتعالات) (كورق شجرة حبلى\ص\75\ بحيث تبسط أمامنا خاصية التفاعل والتجاوب مع كلياتها الشعرية وبساطة الايحاء (كثير أنت كنجوم السماء) (ومابعد السماء) ص\75 تشير فقط انه هنا وليس سواه واقع فعلا، وأن أوجزت في الرؤية لكنها أتاحت إمكانية الانكشاف عبر التمعن في مقولة التماهي العميق عجائبيا مع التناغم الحي كيانا وروحا لايقبل الانقسام لكنه مستقل عنها ويتماشى مع اللغة التعبيرية بحيث اننا في النثرية الجديدة لا نبحث عن المتن بقدر انشغالنا بالهامش (يفتح للرعشة أبوابا) (ونوافذ) (فأتدفق بين يديه كوجد) (كوتر عود) (كناي..) (رتل بحة القصب) (و..ذاب) ص\15\التشهي للإفصاح لا يلغي الجمالية بل يضيف لها الدهشة عبر امتلاك الجزئيات زمانا ومكانا وصيرورة ( أنا المذهولة من قرمشة الفستق) (وهو..) (يتلذذ ملحها) ( ليجففني بلهاثه) ص\66\هنا تتمرد نجوى على الاحتمالات وتستغل التشكيل للتأكيد بأنه ليس ثمة غيرنا نمعن بالحزن و بالمصير (أنا ظلك الغبي) (تعثراتك في رصيف الشارع ص 78) .

- أخيرا على اعتبار أن النص رؤية حرة ورمزية جدا تحيل للتكامل بين العطر واستباحته عبر الاعتذار والإيحاء بوحدتهما (خلقت من ضلعه الأعوج) (فاستقمت على ) (هواه) ص\119\ العنفوان الذي أعطي له بنقلة واحدة ترصد الصفاء الأول كما تريده نجوى(من كثرة إيمانه بك) (سار على مائك) (قلبي) ص\122\في فضاء التراكم تؤسس للواقعي دون ان تخدش المتخيل وهو تيمه جادة في كتابات نجوى هدبة لتكاد تؤكد بان المجموعة الأولى هي في تراتب النشر لكن في الكتابة فهي تمتلك أدواتها الشعرية وجدا.. أما في معنى الخصوصية فتتوزع مناخاتها علينا،وهي تدفع مزيدا الينا من الأسئلة غير المسبوقة من أجل الشعر أولا وفي صالح ما يستحق الدهشة لان الشعلة داخلها متجددة وذات أسلوب باذخ يقوم على البوح بالجمالي وفي الوقت ذاته تقدم لنا نبضا طازجا مترعا بمحمولاته .عبر الإيغال في قراءة التشكيل سواء كان خارج البنية أو ضمن الاسئلة والتحديات التي تحمل إرادتها للمسك بمفاجآت النص الشعري بموضوعية وسط الكثير من الاضاءات الإبداعية (أحتاج أحرفا أقل) (وسماء أكبر لأهمس لك) (أعطشك) ص\123\نجوى هدبة قدمت لنا في استميحك عطرا مجموعة مفردات من المخيلة وضحاياها الجميلة عشق الوطن والابن والحبيب بتناغم متصاعد استطاعت نجوى ان ترسي نمطا يهتك التهميش وصولا الى التساؤلات المقلقة والملغومة تكريما للكتابة وبعيدا عن الثرثرة، وهي تنطوي على منعرجات أرحب وأفاق تعد بالأهم والاكثر عمقا .

 

سورية – سمر محفوض

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4840 المصادف: 2019-12-06 00:23:45