 أقلام فكرية

القانون متعفن بالعنف (1)

علي رسول الربيعيبالرّغم ممّا لموضوع العلاقة بين القانون والعنف من الأهمّيّة الواضحة، ألاً إنّه لم يكتب عنه سوى القليل،[1] فقد تجنّب المشرّعون المعاصرون الخوض فيه على الرّغم من المطارحات البارزة والمناقشات العديدة التي تناولت القوانين العقابيّة والتّدابير القسريّة[2] إلى أن تناوله كوفر[3] وأعاد فيه النّظر؛ فليس من المبالغة القول إنّ ماقبل كتاباته عن عنف القانون، كان هذا الموضوع معرّضًا لخطر الضّياع من النّظرية القانونيّة المعاصرة.[4]وبهذا نعني أنّه قبل اشتغاله على الموضوع كان الباحثون المعاصرون قد فقدوا إلى حدٍّ كبير الميل إلى التفكير فيه والاشتغال عليه، بل إنّ عنف القانون ونقده لم يجد من الاهتمام إلاّ القليل في النّظريّة القانونيّة، ولم يكن ذلك نتيجة سهو أو إهمال، ولكنّه كان بالأحرى نتيجة التّركيز على القانون بوصفه إكراهًا قسريًّا يقتل مرّة واحدة وإلى الأبد شبح الطّغيان. فقبل دراسات كوفر كان الاهتمام بالمعنى والمعياريّة وليس بالقوّة المادّيّة وبالإكراه هي القضيّة المركزيّة في النّقاش القانونيّ.[5] وقد تمّ التّعامل مع العنف حيثما وُجِدَ بقدر من الهامشيّة كشيء ثانويّ لا وظيفة له.[6] وفي هذا الإطار لم يكن الاحتفاء بوفاة وحش هوبز مسألة سهلة بعدما أحْيَتِ الدّراسة ما هو واقعا مستمرّا لا يمكن تجنّبه من جديد: إنّه عنف القانون، وقد كان هذا جزءًا من إنجاز كوفر.

لم يعتقد كوفر أنّ القانون هو إكراه وقسر فقطّ، وإنّما أصّر على أنّ عنفه لم يكن شيئا هامشيًّا. فقد رأى أنّ جميع "إجراءات تفسير القانون تشير إلى فرصة فرض العنف على الآخرين، فعندما ينطق القاضي بالنّصّ القانونيّ طبقا لفهمه، فستكون النّتيجة أن يفقد شخص ما حرّيته، أو ممتلكاته، أو أولاده، أو حتى حياته".[7] وكما قال كارل أوليف كرونا(Karl Olive crona) قبل كوفر بخمسين عامًا تقريبًا: 

"يُعدّ القانون والإكراه أو القسر وفقًا لخطّ الفكر القديم والمعروف أمران متضادّان، وعلى هذا النّحو وُضِع الإكراه في مواجهة القانون. وبالنّظر إلى الاستخدام المكثّف للإكراه تحت اسم القانون في تنظيم الدّولة، فإنّ النّقيض مخطئ بشكل واضح. يتضمّن القانون كما هو مطبّق في الحياة الحقيقيّة نوعا معيّنا من الإكراه، فهو ينظّم ويضبط القوّة المستخدمة ضدّ المجرمين، والمَدِينين وغيرهم وفقًا للأنماط التي وضعها المشرّعون".[8]

وبرأي كوفر، فإنّه "لا يمكن للتّفسير القانونيّ ولا للعنف الذي ينتج عنه أن يكونا مفهومين بشكل صحيح بعيدًا عن بعضهما البعض".[9] لقد كتب كوفر عن العلاقة التلازمية بين العنف والقانون[10] حتى يُعيد إلى الأذهان ما كان يخشى عليه أن يُنسى في ظروف الاندفاع لاستيعاب القانون في الدّراسات الإنسانيّة[11] أيً ما وصفه "بتنظيم الممارسة الاجتماعيّة للعنف".[12]

لقد اكتشف كوفر عندما فَكّر بهذه الممارسة نقصا أعطى القانون شكلًا وطابعًاغير قابلين للتّكرار في أيّ نشاط تفسيريّ لا يترك أثرا على أجساد الأشخاص.[13] لقد واجه بفهمه النّاقد طريقة تأثير الرّغبات على التّفسير المنتج للعنف[14] مدركاً كيف يؤدًي حمَلُ سياق الكلام على معنى واحد الى سيادة هذا المعنى ويُبطل جميع المعاني الأخرى؛ ولفت الأنتباه إلى أن القوّة المادّيّة المتاحة للدّولة التي تستعملها ضدّ أولئك الذين تحدّوا سلطتها هي أكثر أنواع العنف بؤسا وشدّة[15].

قد يُترجم هكذا الإكراه بشكل روتينيّ إلى ألم ودم وموت إذا لم يكن مدروسا بشكل منظّم شديد الحذر يورد مبرّرات قويّة، ويعتمد بشكل واضح على القواعد والنُّظم المعترف بها، لذلك نظر إليه كوفر كما لو كان مرادفا للعنف. وهو يُصرّ "في هذا" على أنّ القضاة وغيرهم ممّن يمارسون سلطة الدّولة هم مختلفون عن الشّعراء والنّقّاد والفنّانين،[16] وللتّعبير عن البرم من الإصرار على القول بتشابه العنف التّفسيريّ الممارس من قبل الشّعراء والنّقّاد والفنّانين نقديّا وفنّيّا والعنف الممارس من قبل القضاة حذّر من أنّه "لن يُكون هناك أيّ قيمة في الإصرار على عنف الشّعر القوي، والشّعراء الأقوياء. فهذا لايساوي حتى عنف أكثر القضاة ضعفاً، لأنّ عنف هؤلاء القضاة عنف حقيقي تمامًا، وواقع ملموس مباشرة، ولا يحتاج لأيّ تفسير أو أيّ نقد يكشفه، ولعلّ أوضح دليل عليه هو الذّهاب في زيارة إلى أقرب سجن لمشاهدة آثاره المدمّرة".[17] إنّ العنف الذي أبرزه كوفر في هذا المقطع هو العنف الذي لا يحتاج إلى أيً وسيط للتّمثيل بما أنّه عنف واضح وفعليّ يتحدث عن نفسه بشكل مباشر. فهو يجعل كلّ تمثيل غير ضروريّ وغير ملائم على حدٍّ سواء،[18] إنّه عنف يمكن أن يُرى بالعين المجرّدة وأن يُستشعَر به مباشرة، وهو على عكس "عنف التّحليل النّفسيّ للأدب أو التّوصيف المجازي للنّقاد والفلاسفة".[19]

لم يهتمّ كوفر كثيرًا بالتّشذيب الإبستيمولوجيّ (المعرفيّ)  في حديثه عن العنف، فقد لجأ الى أمر أكثر إلحاحًا وأكثر واقعيّة من مناقشة العلاقة بين العنف وتمثّله حين قال: إذهب وانظر مباشرة بكل بساطة  الى ما يقع خلف السّؤال عن الخبرة والمعرفة بالقانون، الى الشّرطة وأسلحتهم، والسّجّانين وسجونهم. لقد حذّر فقهاء القانون من نسيان الحدود التي تعدّ جوهريّة بالنّسبة للتّفسير القانونيّ، ومن المبالغة في أيّ تفسير يمكن أن يُسنِد أو يؤيد عنف الدّولة أو يشكّل معنًى مشتركا في أيّ وقت.[20] أراد كوفر من فقهاء القانون أن يفتحوا أعينهم ليروا ما اعتقدَ أنّه لا يمكن تجاهله لأنّه قد يكون عملاً محفوفاً بالمخاطر بسبب العمى المتعمّد.

فهو يرى أنّ المأساة المستمرّة التي يعاني منها القانون هي تلك الطّريقة التي يقوم فيها العنف"بتشوّيه" المعنى، وبالتالي فإنّ ذلك المعنى لا يمكن أن يكون مجرّدا وصافيا في ظلّ واقع عنيف. ولجعل هذا بمثابة بيان حول الممارسة القانونيّة التزم البحث عن المعنى الصّافي غير المشوّه معبّرا عن ذلك بالقول:

" قد نرمي من خلال قواسمنا المشتركة الحقّة إلى استخلاص معايير الوحدة المجردة والخالصة لخلق ناموس (nomos) شفّاف وصاف تمامًا في مخيّلتنا. إنّ ما يجب القيام به، ومعنى ما يجب القيام به، ووقوف مصادر الالتزام المشترك مكشوفة. يظهر القانون الشفّاف واضحًا للجميع ولا يحتاج إلى أيّ شرح أو تفسير".[21]

وأمام هذا الالتزام يحقّ للمرء أن يطلب من كوفر تحديد أيً عالم يكون فيه المعنى أو يمكن أن يكون فيه نقيّاً ومجرّدا،[22] ففي صلب المجتمعات المحلّيّة يقيم الشّعراء والنّقّاد تقاليدا وأعرافا "تترك آثارًا" على نشاطهم التّفسيريّ، وسيكون البحث عن المعنى الصّافي أو المجرّد بعيدا عن واقع تلك المجتمعات بحثا بدون جدوى. بالتّالي فإنّه يتطلًب أن يكون التّركيز ليس على حقيقة التّشويه الذي يُدخله العنف، ولكن على الطّريقة التي يقوم فيها العنف بالتشويه وتأتي لصالحه مقارنة مع عوامل الأخرى تقوم بعمليّة التّشويه. لقد أثار كوفر هذه المسألة إلاّ أنّه لم يتناولها بالفحص والتّحليل.

لم يكن اهتمام كوفر بالعنف حصيلة نقاش أكاديميّ صارم فقطّ وإنّما نشأ كتعبير عن قلق وشكوك عميقة فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين القانون والعنف، ونتيجة لتخيّلات ذات مسحة طوباويّة. لقد كشفت كتاباته عن الانخراط العميق في التّفكير بإمكانات القانون نفسه في صلته بالعنف،[23] لقد كتب كما لو أنّه بالإصرار والتّكرار يمكن أن يساعد قراءه على  المعرفة والشعور بإمكانيّة قيام حياة اجتماعيّة سلميّة ومستقرّة التي غالبا ما يتم القضاء عليها من خلال فرض عنف القانون. مشيرا إلى أنّ عنف القانون طريق للعدم، آخذا على محمل الجدّ واقع اليأس وألم الحياة اليوميّة معتبرا أنّ القانون هو المسؤول عنها والمساهم فيها.[24]

لقد حقّق كوفر اختراقًا مفاهيميًّا فائق الأهمّيّة إزاء التّراكمات الفكريّة التي يُنْظَرُ إليها بوصفها "مبجّلة"، والتي نجحت تقريبًا في إخفاء تامّ لأرتباط العنف بالقانون. ووفقًا لهذا التّرابط، فإنّه عندما يُشكّل العنف جزءًا من القانون فإنّه يصير منظّما، ومتحوّلا يُدْعَى باسم آخر غير العنف فيسمى "الإكراه الشّرعيّ".[25] لقد هدّد هذا التّحوّل اللاّفت الذي يُنظر إليه الآن بعين الرّيبة والشّكّ، والذي جاء نتيجة لوجهة نظر تشكّك في النّظريّة القانونيّة والأخلاقيّة كما لو كان تعريفا صحيحا وحقيقة ثابتة ذات معنى وحيد مفاده أنّ إكراه القانون لا يمكن أن يكون ابدًا مثل العنف.[26] يرى ممثّلو وجهة النّظر هذه أنّه لا يمكن أن يكون القانون بطبيعته عنيفًا مهما عظُمَ استخدامه الوحشيّ والشّرّير للإكراه.[27]

يبقى إكراه القانون مرئيّا جدّاً، ولا يمكن للتّلاعب الدّلاليّ به أن يُبطل عنف القانون سواء سُمّيَ إجبارا، إكراها أو عنفا. فإنجازُ كوفر يُعدّ ذا أهمّيّة بالغة إذ استطاع أن ينقذ "عنف القانون" من وضع شبيه بالسّفسطة، لقد قلب تقريبًا كلّ الافتراضات السّائدة والمعروفة حوله.

لقد عمد كوفر وبشكل متكرّر أن لا يكتب عن قوّة شرعيّة القانون بل عن عنفه، ونعتقد أنّه قام بذلك من أجل تّحدّي الفرضيّة الشّائعة التي تعتبر إكراه القانون أمراً تلقائيًّا ومشروعا، وأنّه يختلف معياريّا اختلافا يستلزم افتراض أنّ له ما يبرّره. فخلافًا لهذه الفرضيّة اعتقد كوفر أنّ عنف القانون عنف غير سويّ أوشاذّ ولا يوجد سبب "طبيعيّ" لاعتباره عنفا مختلفا بالشكل أو على نحو يجعل مستساغا القبول بالافتراض المتعلّق بشرعيّته. وعلى العكس من ذلك توجد أسباب أقوى بكثير من مسـألة التّساهل مع عنف القانون ومنها النّظر إليه كشكل متعارض وغير منسجم مع القانون. إن هذه واحدة من الحروب التي لا يمكن تجنّبها، والتي تقف ضدّ الغرض من القانون وشدّة الحاجة إلى مساهمته في المعاني الاجتماعيّة والثّقافيّة.

فشبح عنف القانون يكمن عنده "بين فكرة وواقع المعنى المشترك"،[28] وتكشف هذه الجملة بشكل مباشر وببساطة عن أدراكه لهذا الواقع الذي تغيّر فيه عنف القانون في العالم المعاصر، وهو واقع مقلق جدًّا حتى إنّ "شبح العنف هذا" يمكن أن يقف حاجزاً بين التّجربة الموجودة بالفعل حاضرًا وبين إمكانية تحقيق "الفكرة" التي أشار إليها بقوله أعلاه. ومع ذلك فإنّه قبِلَ عنف القانون ودافع عنه بدلًا من شجبه،[29]محاولا التّوفيق بين هذا العنف وبين القانون نفسه.

وهكذا فإنّ قراءة العنف عند كوفر يعني الذّهاب في اتّجاهات مختلفة بين قصّة حزينة عن العنف الذي لا مفرّ منه، وبين دعوة إلى استكشاف أشباحه،[30] فعلى الرّغم من الطّابع المأساويّ لعنف القانون يعتبره كوفر بأنّه يمثّل جانبا من جوانب القانون، لكن في الوقت نفسه يريد من هذا الجانب أن يكون متسامحًا رافضا الاستسلام للعنف وإن شكّل جزءًا لا يتجزّأ من القانون. فهو يرفض الاعتراف بالطّريقة التي يشوّه بها العنف القانون ويحدّ من إمكاناته وآفاقه. ولكي نفهم لماذا وكيف قام كوفر بذلك، علينا أن نتناول أفكاره حول طبيعة القانون ومكانته في الحياة الاجتماعيّة، ومن ثمّة نأخذ بالاعتبار آراءه عن ضرورة ومبرر إيجاد أجهزة الإكراه التي يتطلّبها القانون.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] من المؤكّد أنّ هناك استثناءات ملحوظة ومهمّة انظر:

Gerth and Mills, From Max Weber; Hans Kelsen, General Theory of Law and the State, trans. Anders Wedberg (New York: Russell and Russell, 1945): Noberto Bobbio, “Law and Force,” Monist 48 (1965): 321. James Brady and Newton Garver, Justice, Law, and Violence (Philadelphia: Temple University Press, 1991(

[2] للحصول على نظرة مفيدة أو على ملخّص لهذا العمل انظر:

Jack Gibbs, Crime, Punishment, and Deterrence (New York: Elsever, 1975(

[3] تعامل العلماء المعاصرون مع عنف القانون كمسألة واضحة لا تتطلّب كثيرا من الاهتمام المتواصل، واختاروا بدلًا من ذلك، التّشديد على صفات القانون الأيديولوجيّة والتّفسيريّة وعلى تأكيد المعنى. ومع أنّه لم يدّعِ أحد أنّ القانون لا يعاقب ولا يُكره على القيام بأمر ما، فإن الكثيرين قد دفعوا  تلك الحقائق إلى الهامش أو ادّعوا أنّ العنف في القانون رمزيّ وعرضيّ عند التّصدّي لفهم ماهية القانون. لمزيد من الشّرح حول هذا التّطوّر انظر:

Robert, G., “New Developments in Legal Theory, in The Politics of Law: A Progressive Critique, David Kairys (New York: Pantheon, 1990(.

[4] منذ أن كتب كوفر“Violence and The Word” ، كان هناك إحياء للاهتمام بموضوع العنف وعلاقته بالقانون. انظر عن سبيل المثال: Derrida, “ Force of Law” .

[5] هذا لا يعني أنّ تدخّله قد انحرف عن مساره، أو أنّه كان يهدف إلى عرقلة هذا التّطوّر للحصول على أمثلة حديثة عن التّركيز أو التّأكيد على المعنى وعلى المعياريّة، انظر:

James, B, White., Justice as Translation (Chicago: University of Chicago Press, 1990), and Robert Post ed., Law and the Order of Culture (Berkeley: University of California Press, 1991)

 

[6] أوضح بجلاء هذه النقطة ميتشيل فوكو انظر:

Michel, F., Discipline and Punish: The Birth of the Prison, Alan Sheridan (New York: Pantheon, 1977; paperback, Vinage Books, 1979).

[7] Cover, “Violence and The Word,” p.1601.

[8] Olivecrona, Law as Fact, pp. 126, 134.

[9] Cover, “Violence and The Word,”, p. 1601.

[10] "أن تكون مترجمًا بلغة القانون يعني أنّك قوّة وممثلا يخلق التّأثيرات على الرّغم من وجود العنف أو في مواجهته" (Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation,” 833) . انظر أيضًا

Drucilla, C., “From the Lighthouse: The Promise of Redemption and the Possibility of Legal Interpretation” Cardozo Law Review 11 (1990) p. 1687

[11] على الرّغم من أنّ كوفر سخّر طاقته الفكريّة المميّزة لمشروع دراسات قانونيّة مفتوحة لدوافع إنسانيّة همّت موادّ وتخصّصات العلوم الإنسانيّة كالتّاريخ والأدب والفلسفة والدّين، إلاّ أنّه كان يؤمن أنّه لا يمكن للقانون أن يتوافق مع تلك الموادّ ولا أن يتطابق بسهولة مع تلك الدّوافع. لكنّه كان توّاقًا لاستكشاف أوجه التّشابه بين القانون والعلوم الإنسانيّة، فضلًا عن الأبعاد التّأويليّة للنّشاط القانونيّ في بناء المجتمع، ,وتقديم أوجه متعدّدة لمعنى القانون. غير أنّه أبدى قلقًا من أنّ التّركيز الحصريّ على ذلك من شأنه ان يخلق وجهة نظر مشوّهة قد تشجّع أو تتسامح من دون قصد مع عنف القانون، والأسوأ من ذلك، أن يصبح ممكنا العيش بسهولة ورضا مع هذا العنف. لقد اعترف كوفر صراحة أنّ إستكشاف الاختلافات والضّغوطات والمضايقات في العلاقة بين القانون والعلوم الإنسانيّة، قد يبدو عند النّظر إلى طبيعة كتاباته السّابقة "مستغربًا وحتى متناقضًا" (The Bonds of Constitutional Interpretation” p 815) لكنّ حبّه للتّعدّد والتّنوّع والاختلاف كان نقطة خلاف رئيسة مع غيره من الباحثيين الذين سعوا إلى فرض "وحدة" أساس بين إنتاج المعنى، وبين الأنشطة التّفسيريّة للقانون وعمل العلوم الإنسانيّة (المرجع نفسه 815) فبرفضه وحدة القانون والعلوم الإنسانيّة التي تهتمّ بها وجد ألعن موقع له.

[12] انظر ملاحظة رقم 2 Cover, “Violence and The Word”, p.1602,

[13] قد يكون استكشاف كوفر للاختلاف بين القانون والمؤسّسات التّفسيريّة الأخرى، كما قد تكون طبيعة خلافه مع الآخرين حول الجهود الرّامية إلى تشجيع المنح الدّراسيّة القانونيّة متعدّدة التّخصّصات أفضل لمحة في حاشية طويلة من كتابه "Violence and the Word”(note 2, 1601-02)". ففيها يلاحظ كوفر أنّ "انفجارًا للمنح الدّراسية القانونيّة قد حصل بوضع التّفسير في صلب القانون"؛ لقد أقرّ بنوعيّة لغة القانون البلاغيّة والتّفسيريّة وفي صنع المعنى. وبذلك يكون تحالفه مع علماء قانونيين آخرين إنجازا وواقعا مقرّرا انظر

"Ronald, D.,“ Law as Interpretation, )Texas Law Review 60 [1982]: 527), James Boyd White

لقد لاحظ مع بعض الحذر أنّ "الجانب العنيف للقانون وارتباطه بالتّفسير والبلاغة قد تمّ تجاهله أو التّقليل منه بشكل منتظم في الدّراسات الإنسانيّة" (“Violence and the Word,” note 2, 1602). وبما أنّ القانون مرتبط بالعنف، وبسبب العواقب المؤلمة لكلّ نشاط قانونيّ، ولأنّ تفسيرات ذلك النّشاط ومعانيه قد حفرت على الأجساد يدّعي كوفر أنّه لا يمكن للقانون ان يكون مجرّد مجال آخر لصنع المعنى والتّفسير.

[14]  في العنف والتّفسير انظر

Harold, B., The Anxiety of Influence: A Theory of Poetry (New York: Oxford University Press, 1973(.

 [15] هذا لا يعني أنّه ينفي العنف التّفسيريّ للمرسوم القانونيّ يقول: " إنّ وجهة نظري هي أنّ القضاة لا يقومون بهذا النّوع من العنف الرّمزيّ في أصله الأدبيّ كالذي يقوم به الشّعراء، لكنّهم يقومون بالإضافة إلى ذلك بشكل أكثر حرفيّة في العنف من خلال تفسيرات لا يشاركهم بها الشّعراء"

(“Violence and the Word,” 1609, note 20)

[16] Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation” 818

[17] المرجع نفسه.، 818.

[18] في اوجه قصور التّمثيل في عوالم الألم والعنف، انظر

Elaine, S., The Body in Pain: The Making and Unmaking of the World (New York: Oxford University Press, 1985), 3-11.

[19] Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation,” 818-19.

[20] Cover, “Violence and the Word,” 1628.

[21] Cover, “Nomos and Narrative,” 14. 

[22] يدّعي ريتشارد شيرون التّسليم "بأنّ كلّ معنى يحتوي في داخله على طارئ وخدّاع. فمن خلال الفهم وباستننطاق التّاريخ البشريّ لا يمكن تصوّر الكلام مجرّدا عن سياقه التّاريخيّ والاجتماعيّ. ومن هذا المنظور، يصبح حاضرا في الخطاب المعنى الخادع (أو الجانب الوهميّ) وفكرته ( بمعنى الحرمان من التّحيّز) حتى عندما يسقط التّفسير بإيجاز بتشريع قسريّ"

)Sherwin, R., Law, Violence, and Illiberal Belief, “Georgetown Law Journal 78 [1990) p.1785, 1808

[23] هكذا، فإنّه ليس من المستغرب أن يطلب من قرّاءه النّظر إلى عالم القانون من زاوية أولئك المتعلّقين بشدّة بالرّؤى المعياريّة التي تتعارض تمامًا مع القانون. لقد طالب بالنّظر إلى عالم القانون من منظور المقاومة والعصيان المدنيّ، وكتب بشكل مؤثّر ببلاغة وبإعجاب بمعجزة الشّهداء، أولئك الذين يتمسّكون بالرّؤية المعياريّة بقوّة في مواجهة تدمير العالم، وألم تحطيم العالم. انظر (Violence and the Word” 1604). ما هو اكثر إثارة ودهشة عندما يطالب بالنّظر إلى عالم القانون من وجهة نظر المتّهم الجنائيّ العادي والسّجين المحكوم بالإعدام، اللّذين تتضاءل لديهم مسائل التّبرير والمعنى والسّلطة التّفسيريّة (انظر المرجع نفسه. ،1608).

إنّ نيّة القيام بذلك لم تكن تعني عدم مساواة المجرم العادي أو السّجين المحكوم بالإعدام مع  المقاوم أو الشّهيد على حدّ تعبيره عند الحديث عن المحكومين: "إذا أظهرت بعضا من شعور التّعاطف مع ضحايا هذا العنف (عنف العقوبة الجرميّة)، فإنّ هذا أمر مضلّل. في كثير من الأحيان يكون توازن الرّعب في هذا الصّدد كما كنت أريد أن يكون" (Violence and the Word” 1608) ، أو على حدّ تعبيره في مكان آخر حول عقوبة الإعدام: "أنا لست مع إلغاء عقوبة الإعدام إذا كانت عقوبة دستوريّة وهي كذلك ... ويجب أن يكون هناك أموات. إنّ دستورنا ليس دستورا أفلاطونيّا، فنحن لا نحكم على طبيعة اشكال عقوبة الإعدام التي لا يمكن أن تتحقّق مادّيًّا"

(“The Bonds of Constitutional Interpretation” 831)، إنّ الطّلب أن نرى عالم القانون كما يراه المجرم والمُدان يعيدنا إلى قلق كوفر إزاء الدّور التّفسيريّ في الدّراسات القانونيّة؛ حيث من المرجّح أنّنا في دراسات العلوم الإنسانيّة حول القانون  سننتبه إلى الصّوت الواضح لأولئك الذين يعملون مع النّصوص القانونية من اؤلئك الذين لا يعملون، وتقريبًا الصّوت غير المسموع لأولئك الخاضعين لعنف القانون. انظر

McClesky v. Kemp, 107 S.Cr. 1756, 1794 (1987) Justice Brennan dissenting

[24] انظر  Cover, (Violence and the Word In Elaine Scarry (The Body in Pain)

وجد كوفر شخصا قد كتب بشجاعة عن معرفة وتجربة الألم دون أن يدرك حدود قدرة الغير على معرفة وتجربة ألم شخص آخر. لقد كان من الشّجاعة أن يحذو حذوه في ذلك حينما تناول الإبلاغ  بالأضرار الحاصلة والألم الذي يختبره المرء على المستوى الدّنيوي فضلًا عن الأعمال القانونيّة الأكثر دراماتيكيّة. لقد كتب عن العنف والألم كما لو أنّه شخص يعي تمامًا حدود قدرته الذّاتيّة على الإبلاغ التّامّ. كتب عن العنف والألم وعلى الرّغم من قيامه بذلك فإنّه عبّر عن إيمان عميق بقدرة الإنسان على عبور العالمين، أي على الانتقال من عالم التّجربة إلى عالم الإمكانيّة، ومن عالم الحاضر إلى عالم المستقبل.

[25] انظر

Wolff, “Violence and the Law”

أيضًا

Jan Narveson, “Force, Violence, and Law, in “Justice, Law, and Violence

[26]  انظر Bobbio, “Law and Force.”

[27] انظر Wolff, “Violence and the Law,” p.59

[28]over, “Violence and the Word,” 1629

[29] انظر Sherwin, “Law, Violence, and Illiberal Belief,” 1797.

[30] هذه دعوة قد يقوم بها الآخرون انظر عن سبيل المثال Derrida, “Force of Law”

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5021 المصادف: 2020-06-04 02:33:21