 أقلام فكرية

مُفارقات الديمقراطية (2)

سامي عبد العاللا تُخْفِي ممارسة الديمقراطية الرواسب الآسنةَ الكامنة فيها، بل تلفظها على قارعة المجال العام. وتلك هي حيوية فكرتها حينما تكشف المفارقات قيد التحقُق. لأنَّ النظام الديمقراطي- بخلاف الأنظمة الأخرى- يجدّد نفسه بنفسه. وفي هذه السمة تشترك كلُّ ديمقراطية مع المعرفة العلمية كما يذهب كارل بوبر. فالاتجاه التصحيحي الذاتي self-corrective بصدد الأفكار والأفعال سنجده في مجالي السياسة والعلم. المفارقات رغم جانبها السلبي إلاَّ أنها ترسم طريق الديمقراطية، تنحته نحتاً. حيث ستكون أنظمة الحكم وآليات الممارسة السياسية وقيم الفعل عُرضةً للانكشاف إذا ما انحرفت عن الحدود المشرُوعة.

المفارقات بهذا ضروبٌ من النقد العملي practical criticism الذي يحمل جوهر الديمقراطية ذاتها. وإذا كانت الأخيرة ثقافةً وتجارب، فإنها تَعرض ما آلت إليه أمام كافة مواطنيها. ولا تحتاج إلى إدارة من خارجها، لكنها تتيح لمن يقطنها ألاَّ يغيِّب الوعي عما يحدث. كأنها تقول وهي الصامتة أنها خطاب يومي( كشف حساب) بما يجري لها. مثلها مثل الذكاء الاصطناعيartificial intelligence  حينما يتضمن قدرته الخاصة على إعلام مستعمليه بالأخطاء في الأنظمة الافتراضية. المفارقات مساحة لتعديل المسار ورسم الحدود. وكل مراحل الديمقراطية ما لم تجْرِ بهذا المعنى، ستصل إلى طريق مسدود.

ربما سر بقاء الديمقراطية وتجاوزها للعثرات (الذاتية) كونِّها حاملة لبذور اخفاقها بهذا المعنى. كما أنَّها تروض الموت السياسي political death بمنطق الحياة أو تضيفه بالأحرى إلى رصيد الحياة. لأنَّها تقوم على المنافسة التي تستنفد الامكانيات لصالح ماهيتها تلافياً للثغرات. ولئن جاءت ملتوية هنا أو هناك، فإنها تقضي على من يمارس الخداع بأساليب سلمية تماماً، فضلاً عن كونها تستوعب كافة التجارب الإنسانية وتنوعها. الديمقراطية ليست شكلاً واحداً، لكنها تختلف من مجتمع إلى آخر. وتصبح قابلة للتشكل بمداها الأبعد فاتحةً الآفاق أمام الممارسة دون توقف.

مفارقة الإرادة / السلطة

تنطوي الإرادة على مستويين، إرادة فردية وأخرى جمعية. وبمنطوق فلاسفة العقد الاجتماعي, تذوب الإرادة الفردية في نظيرتها الجمعية كما يرى هوبز وروسو. تعد الإرادة الجمعية تجسيداً للإرادة الفردية. والمفارقة: أن الديمقراطية تسمح بممارسة التحرر الجمعي, غير أن إطلاق الإرادة الفردية شيء صعب وسط الادعاء - كما يُقال- بأنَّ هناك أخْطاراً تهدد النظام الديمقراطي.

لذلك اعتقد بعض الفلاسفة عدم إمكانية فصم عرى الإرادة الجمعية تحت أي مبرر من مبررات الإرادة الفردية. ولا يحق للأفراد الطموح إلى ذلك (هوبز). هذا يعنى: أن هناك تعارضاً في قلب النظام الديمقراطي بين الإرادتين. وأنّ هناك تهديداً يراه ممارسو هذا النظام تجاه أقليات أو فئات. بالتالي تظهر "السلطة" التي تنفصل تدريجياً عن إمكانية التغيير، التي تفتتحها الممارسة الديمقراطية, لتصبح وضعاً مفروضاً وغير قابل للنقاش.

رأى كارل بوبر popper أنَّ الدولة يمكن - في النظام الديمقراطي- أن تتسامح مع الأحزاب الأخرى، طالما خضعت لتلك السلطة ولقواعد التعايش، غير أنه يستحيل أن تفعل الشيء نفسه مع الأحزاب التي ترفض أسس النظام الديمقراطي وقيمه. بمعنى أنه نظام محدود بمحاذير لا ينبغي تخطيها، وأنه قد ينقلب إلى ضده إذا واجه تهديداً. أي يتحول من حيوان مألوف ومستأنس إلى حيوان وحشي مفترس (لا ديمقراطية تحت التهديد).

هذا يعني بالمقلوب أنَّ الديمقراطية كنظام يتيح الإمكانيات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. ويعطى فاعليه الحق كل الحق في التعبير عن وجودهم السياسي بكامل الحرية والاختلاف. والحق نفسه لا يمكن احتكاره من قبل فئة أو طبقة أو أقلية على حساب العناصر الأخرى. وأن الديمقراطية لا تتعامل مع الأفراد على أساس الانتماء الطبقي أو الفئوي، لكن استناداً إلى المواطنة. القاعدة التي تعطى الإنسان كمواطن حقوقاً عامة أخرى، ما كان لينالها لولا أنه فرد في فئة أو طبقة ما.

أما لو جرى عكس هذا، فيدل على:

- تحول الإرادة الجمعية إلى تسلط جمعي غير قابل للذوبان بين أفراد الشعب. وعليه لا يمكن لها أن تُذيب الطبقية والنخبوية أو القبائلية. ذلك ما تعانيه بعض الدول العربية الأسيوية والأفريقية. فرغم وجود برلمانات على خلفية ديمقراطية, إلاَّ أنَّ هناك " بطانة قبائلية " تؤثر على سير الانتخابات والممارسات السياسية بشكل أو بآخر.

في هذه الحالة، ليست الإرادة الجمعية سطحاً يحمل فسيفساء الشعب, لكنها نفق سياسي يحمل تأثيرات لقوى غالبة اجتماعياً، بحسب تكوينها وثقافتها. وتبدو الديمقراطية غطاءً واقياً يحمى داخله القوى التي تتأقلم معه. وتأخذه لتأدية مصالحها الخاصة, ولا نعرف بالضبط أية ديمقراطية مع أنها في الشكل محكومة ببرلمانات وانتخابات وممثلين ودوائر إعلامية مستقلة!!

- إلغاء الحرية الفردية بحجة الحريات الجمعية. فيقال إن هناك مصلحةً عليا، ينبغي بإملاء من الديمقراطية الحفاظ عليها, وعادة ما يكون ذلك بمبرر حماية النظام وإتاحة المساحة للآخرين, أي...الآخرون ضد الآخرين, ولا ُيتحقق من هم الآخرون سواء أكانوا يميناً أم يساراً. وذلك يسمى إدارة التعايش بمنطق الصراع، حتى يكون ثمة طرف أعلى بمنأى عن الصراع، إذ يجنى ثمار السلطة، ويبقى فاعلاً عبرها، مدعياً أنه يحمل اسم الديمقراطية.

وقد تكون الحرية الفردية مقيدةً، كحال بعض المجتمعات الأوربية ضمن ظروف الحرب على الإرهاب. مثل محاولة فرض المراقبة على وسائل الاتصالات والتنقل لحماية المواطنين من الأخطار. وذلك يتم أيضاً بمبررات ديمقراطية، مع أن الوضع أحياناً يصب في مصلحة فئة ما أو لعقد صفقات سياسية. ولماذا نذهب بعيداً؟ فهناك في الدول العربية كمصر يجرى فرض قانون الطوارئ بمبرر الحفاظ على استقرار البلاد, في وقت ينتهك هذا القانون أخص حريات الإنسان (حرية التعبير)، ويتم ملاحقته ليل نهار. ورغم ذلك يخضع من جهة أخرى إلى قواعد اللعبة الديمقراطية,... كيف يجتمعان؟!

تمثل السلطة في الأنظمة الديمقراطية مشكلة خطيرة. التواطؤ- الذي قد يحدث - يكشف جوهر النظام السياسي للدولة. وتلك المشكلة تظهر بمقدار التناقض في عمق الديمقراطية ذاتها. ففي الأخيرة لا يوجد ما يسمى بالسلطة بهذا الشكل التراتبي الطبقي أو المركزي. لقد وضعت بجميع أشكالها التاريخية فقط للتخلُّص من التسلط، وتذويب حالة الجمود العام. وكما تكشف تلك المشكلة علاقة السلطة ككيان تجريدي بما هو شعبي، وإلى أي مدى تنفصل عن الأفراد، رغم اعتمادها على وقائع فرديةٍ لا تسير بدونها.

مفارقة الحضور / الغياب

مع أن الديمقراطية تعنى "حكم الشعب" إلاَّ أن الديمقراطيات النيابية تنهض على الممارسة التمثيلية. ليغيب الشعب في مقابل حضور أفراد قليلي العدد. المهمة الرئيسة لهم التعبير عن أهداف ومطالب شعبية. إن ذلك يمثل تغييباً مقصوداً, لكنه في معظم الحالات يحول دون فاعلية النظام الديمقراطي. فالمفترض أنَّ يحضر الشعب في عمليات الممارسة, مع وضع آليات لذلك, بيد أنَّ فراغاً يشغله الممثلون يؤدى إلى تراكم أفعال بديلة ليست مطابقة لموضوعاتها الأصلية ولا لفاعليها الأصليين (أفراد الشعب).

إذ يبدو التمثيل وضعاً بديلاً حتى على مستوى الوجود والمصير. فماذا يعنى أن يحضر آخرون مكان الفاعل الأصلي للحكم؟

لا تُحل تلك المعضلة إلاَّ باحتمالين:

أولاً: إمَّا أنَّ ينتزع الشعب حقّه, كما يجرى تاريخياً بواسطة التغييرات الجذرية، تجاه الأشخاص والمؤسسات المدنية والسياسية القائمة على فكرة غياب الفاعل. وإنْ كان" نائب الفاعل " في النحو يأخذ الوضع الإعرابي للفاعل، على أساس قيامه بنفس الوظيفة اللغوية، فالسياسة بفضل المفارقات السالفة هي قلب لتلك الوظيفة تحت مسميات كثيرة, منها المصالح وتدعيم الطبقة أو النسق أو الأيديولوجيا.

ثانياً: وإمَّا بغياب السلطة ذاتها أو أن تصبح غير فاعلة من حيث أخذها بالإنابة. وهذا ما لا يحدث. لأن مجرد التراتب: الفاعل الغائب ثم نائب الفاعل على خلفية نسق سياسي/ اجتماعي يعطى الفاعلين(بالإنابة / الأصليين) أهمية متدنية. بدليل أن فترات الانتخابات في الأنظمة البرلمانية تشهد تصاعداً لسلطة الشعب كـ"قاعدة انتخابية". بالمقابل يظهر تراجع لهؤلاء البرلمانيين، عقب انتهاء صلاحية السلطة الممنوحة لهم, ثم سرعان ما تنعكس الأوضاع وهكذا.

ومع أنَّ هناك نجاحات على صعيد التقدم الاجتماعي والنمو الاقتصادي وعادة تشهد حراكاً سياسياً, غير أنَّها تتطلب دعماً متواصلاً من نسق سياسي اجتماعي، يحول دون الانحراف أثناء غياب الفاعل. وهذه استثناءات باعتراف علماء الاجتماع السياسي, بل أكد هؤلاء أنَّ الخطر الأكبر الذي يهدد النظام الديمقراطي يأتي من هذا الباب.

يوجد إشكالٌ ديمقراطي لا مناص منه: كيف يمكن ممارسة السلطة بدون تسلط؟ وهل يمكن للأفعال بالإنابة أن تستأثر بالسلطة وتؤثر بها؟ وما مدى خطورة هذه الأفعال على الديمقراطية ذاتها؟ ربما تدعو الاستفهامات إلى فكرة أن لكل مجتمع نظامه الديمقراطي الخاص به. لأنه كما رأينا تتعدد أفعال الإنابة والتوسُط: لكن في أغلب الأحوال يمثل التعدد في الأنظمة الديمقراطية تنويعاً بمرتبة الاقتراب من القضية الأم : كيف يحكم الشعب نفسه بنفسه؟ وهل هناك ضامن غير الشعب نفسه لهذا الحكم؟

جاءت النظريات السياسية المعاصرة كاستجابةٍ لتلك المفارقات. وهى تقدم تحليلات فكرية ذات طابع عملي عبر أكثر من اتجاه:

1- مع تشخيص المشكلات السياسية تبرز الخلفية التاريخية المهمة لها، استناداً إلى الجوانب السلبية التي اكتنفت ممارسات الديمقراطية على اختلاف مجتمعاتها. ويبدو هذا الاتجاه -استناداً إلى التاريخ والخبرات الحياتية والثقافية- بمثابة إظهار العمق الاستراتيجي لمقولات سياسية كمقولة أن "الاحزاب هي دكتاتوريات عصرية" أو "الجماعات السياسية هو قبيلة العصر الحديث". ذلك إذا كانت تتضخم على حساب الحريات الفردية وتحول الناس إلى قطعان. ومن ثم تأخذ النظريات في كشف العلاقة القوية بين الجوانب السلبية في أنظمة الحكم والسلطة ومردودها على المجتمع.

2- بلورة البدائل الملائمة في التنظيمات الشعبية السياسية وافساح المجال للحريات العامة. مع الالتزام بتلافي الجوانب السلبية لتجارب ديمقراطية كانت أقرب إلى الطبقية منها إلى أي شيء آخر. ويتم ذلك عملاً بمنطق الحرية الفردية والجمعية.

3- تأسيس الفرضيات النظرية على قاعدة نسق إجمالي من الحلول السياسية لمشكلة الحكم والحلول الاجتماعية والاقتصادية لها. فإذا كانت التنظيمات الشعبية كالأنشطة السياسية والمؤسسات لا تخضع لفكرة التوسط بالمعنى التمثيلي(النيابي)، فهناك تنظيمات اقتصادية منفتحة تواكب حركتها لتصبح فاعلة في البناء الاجتماعي. لذلك امتدت الأفكار الإنسانية من السياسة إلى الاقتصاد ومن الرياضة إلى الموسيقى ومن المرأة والأسرة إلى الشعب. ويبدو مستحيلاً التحدث عن هذه الأشياء دون نسق يعطينا التوضيح والترابط.

4- تطرح النظريات السياسية آفاقاً لمجتمعات كونية متعددة الأجناس والاتجاهات . وبذلك لا تستمد أهميتها من تجاوز مشكلات الديمقراطية, لكن بفضل مفاهيم وضعتها للإنسان والمجتمع والحياة والاقتصاد والأخلاق والمرأة. وهى في معظمها مفاهيم تأخذ دلالات جديدة في المجتمع بمعناه المفتوح open society.

ومن ثم تنعقد هذه المفاهيم معاً لتأسيس واقع مختلف. حيث تشكل ما يسمى بالمرجعية النسبية. وقد تمتزج بالثقافة ومصادرها، سواء المعرفية أو الموروثة أو الاجتماعية. ولهذا ربط جون ديوي بين الديمقراطية والثقافة والتربية على أساس أنها مسار طويل لا يتوقف.

إنه لمن الصعوبة بمكان حل مشكلات الديمقراطية بدون تقديم هذه المفاهيم وتحديد وظائفها. بحيث يعاد بناء المجتمع في ضوئها، وبإمكان الإنسان كإنسان أن يمارس حياته من خلالها، حتى تغدو ثقافةً حرة. في هذا الإطار حاولت كل نظرية سياسية أن تؤسس للعلاقة بين المنطق والسياسة من جديد. فحكم الشعب طبقاً لدلالة الديمقراطية لا يتم بتحول الشعب إلى مفعول به على طريقة النحو أو باعتباره اسماً, إنما هناك "علاقة هوية" غير قابلة للتبديل بين الحكم كفعل وممارسة وبين الشعب كحالة عينية وكيفية، لابد لكي يحكم أن يُستغرّق في الممارسة على نحوٍ كاملٍ.

لذلك فإن الديمقراطية اجتماعياً هي "حكم الشعب" وليست "سلطة الشعب". لأن هوية الشعب كوجود سياسي أنه يحكم نفسه بنفسه مبدئياً. أما السلطة الشعبية فهو عبارة عن حالة وسط بين الأفراد والجماعات وبين الحكم. بلغة المنطق فعل هوية بين الموضوع والمحمول، بالتالي تستدعى بموقعها هذا وسطاء(لقطاء) لا يحققون قانون التنوع. كما أن السلطة الشعبية مجرد علامة على رغبة عامة قد تنحرف إلى ما يضر تنوعها. قد تتحقق أو لا تتحقق. أما "حكم الشعب" فهو الإنجاز الذي يقوم به الشعب دون مبارحةٍ. فالشعب حين يجتمع، فإنه لا يجتمع إلا بفعل ديمقراطي، إذ يمتلك أدوات الحكم والقرارات والقوانين, لا لتعود فتتحكم في أفراده، إنما لتفعيل حياته من خلال وجوده السياسي الذي يُغتصب بعناوين كثيرة.

هنا يتعين معنى أن يكون الشعب حاضراً في الأنظمة الديمقراطية. وأن تكون حرية الإنسان معياراً لتنوع هذا الوجود السياسي وخصوبته. هي ليست ديمقراطية مباشرة، لأنها كذلك بدون وسطاء, بل لأنها ديمقراطية حاضرة خلال ثقافة الشعب وحياته ورؤاه. فالحضور هنا حالة راهنة لذاتها. حيث الفعل الذي يسمى حُكماً, لا باسمه ولا بغيره. وعليه يمكن تجنب المفارقات السالفة. لذلك فإن الديمقراطية بأشكالها الحالية تحتاج إلى نقد متواصل.

لكن لماذا هذه الملاحقة النقدية؟ لأنَّ الديمقراطية – كما في دول الاستبداد الشرقي- تصبح لونا من الدجل العام. والدجل هو الإيهام بإيقاع الرغبات والأمنيات كأنها قانون كوني، يتجسد بضربة آمرة أو بطقوس وسيطة بين الدجال ومملكة الأسرار المقدسة. وبنفس العملية – في الأنظمة الشمولية المشار إليها- يفعل ممثلو الشعوب الأفاعيل والايهامات الفارغة لبيع الأحلام الاقتصادية والاجتماعية للناس، تلك المتعلقة بالثروة والمكانة، عن طريق ربط الحالمين بعالم الأسرار,.. عالم السلطة. ثم ُيتوقع أن يحقق هذا الربط نفسه كأنه قانون عام, بينما هم أضعف من أن يفعلوا ذلك, لينتهي الحكم إلى تغليب طبقة على طبقة أخرى، وحصر السلطة في حزبٍ أو صفوةٍ أو عائلة أو حاكم مستبد طفيلي آتٍ من غابر الأزمنة.

الاستبداد هو دائرة المفارقات التي لا تنتهي، لأنه يلعب على ازدواج السلطة والشعب طوال الوقت. ومع تطور الحياة العامة وآليات التواصل، يجعل منها سركاً منصوباً للقفز الماكر من هذا الجانب إلى ذاك. كأننا في غابات مفتوحة تدعونا لإحياء القرود داخل المواطنين لكي يستطيعوا الحصول على أدنى الحقوق. تتحول الدولة إلى قفص كبير بحجم المجتمع ينتظر خلاله الناس حبوب التسالي التي يرميها الحاكم كلما مر على غاباته. وتصبح الديمقراطية سوطاً لا تسمع له إلا صوت الضرب والتخويف. ثم يخرج ليلاً على شاشات التلفاز مغمغماً بعباراته اللزجة لعل القرود تتقافز، تصرخ وتتصايح.

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5051 المصادف: 2020-07-04 02:46:51