896 فاضل العزاويهذا العنق الممنوح إلى الجلاد؟

 تهب الريح من المنفى كأمير يقبل من سفر، كشهاب، وتضيء على عاصفة الصمت: لماذا ينتحب اللي رمادا ينثره فوق جذوع يابسة في أمطار؟

وأنا شعب، امدح هذا الطالع في البرية مثل نبي يبعث بين خطاة، مثل مليك يعدم في الساحه.

تتمتع مدينة كركوك بخاصية نادرة الا وهي تكوين مجتمعها الثقافي والقومي التعددي كنتيجة لحوار حضاري بين اقوام وعقائد. المدينة لم تعرف عبر التاريخ صراعا عسكريا او حرب بين مكوناتها السكانية ولكنها كانت مطمعا للغزاة والمحتلين. هذه الخاصية جعلت من بيئة هذه المدينة الواقعة على طريق الحرير مركزا تجاريا وثقافيا ونقطة وصل. من هنا مر جحافل جيوش إسكندر المقدوني ودون احد ضباطه النار الأليمة الملتهبة في أطراف المدينة في كتاباته. في احد أطراف نهر خاصة صويو (نهر ادهم) نجد قلعتها على تل تحيط بها الدور السكنية والاسواق. القلعة كانت المدينة اَي لم تبنى كحامية عسكرية منذ بنائها من قبل أبناء حضارات العراق القديم وكانت فيها احياء لابناء المدينة بمختلف طوائفهم. تغيرت الأمور مع الحرب العالمية الاولى وبداية انهيار الدولة العثمانية وانتشار المد القومي في المنطقة باسرها. وجاء تأسيس الاتحاد السوفياتي بأفكار تقدمية غيرت الجو السياسي في المنطقة والعالم. كان تحول الدولة العراقية من النظام الملكي الى الجمهوري تغيرا جذريا في المجتمع العراقي. في هذه البيئة التقى مجموعة طيبة من شباب المدينة ليتحاوروا حول هموم المجتمع والأدب والسياسة. سمي تجمعهم ب "جماعة كركوك الأدبية " وكان ولا يزال احد أعمدتها الأديب والشاعر فاضل العزاوي. الاديب العزاوي غني عن التعريف فهو احد الرواد في مجال الشعر والرواية في العراق ومعروف على المستوى العالمي. بعد انهاء دراسته الأكاديمية في بغداد عام 1966 ينتقل الى الخارج لاستمرار في الدراسة في المانيا حيث يحصل على الدكتوراه من جامعة لا يبزغ. التقيته ورغم المشاكل الصحية جاد بنا بهذا اللقاء التوثيقي.

سالته عن عملية التوثيق للفترة زمنية تاريخية في حياة مدينة كركوك في "اخر الملائكة " وهل فاته شيئا او احد من أصدقائك من جماعة كركوك؟ حدثنا عن تلك الأيام الخوالي وما كان محور نقاشاتكم في مدينة تعددية الثقافة وملتقى للإقامة كمتحف ثقافي. اجابني مصححا ما ذهبت اليه قائلا:

ـ لم يكن هدفي في رواية "آخر الملائكة" التوثيق وانما كتابة رواية تعكس روح العراق، بل الشرق كله والطريقة التي يفكر بها الناس في مواجهة مصائرهم وأقدارهم. والسؤال الأهم في الرواية فلسفي يتعلق بالأمل في الفردوس الذي ينتهي الى الجحيم. لا علاقة للرواية بجماعة كركوك ولا بأحد من أصدقائي او نقاشاتنا. وهي قبل كل شيء ملحمة تنبؤية تربط الماضي بالحاضر وتمتد الى المستقبل، لذلك اعتبرها العديد من النقاد الألمان رواية تنبأت بظهور داعش قبل ربع قرن من صعودها، مثلما تنبأت بما يسمى بـ"الربيع العربي" الذي انتهى الى جحيم، كما في الرواية.

لقد تحدثت عن كركوك وعن جماعة كركوك وحياتنا وعلاقاتنا ونقاشاتنا في كتاب آخر هو "الروح الحية" وبالذات في فصل بعنوان "أصدقاء السوء" عن جماعة كركوك.

 نعم انتم على حق طبعا وكنت اقصد كتابك "الروح الحية " وعذرا لكن تلك الجماعة أخذت صدى في المحافل الأدبية خاصة بعد رحيل العديد من المجموعة هل لك اي اتصال بمن عاصركم في تلك الفترة؟

ـ لقد ظلت العلاقة قائمة بين معظم أصدقاء جماعة كركوك حتى النهاية. في كركوك كانت العلاقة وثيقة بيننا ونلتقي باستمرار، وظلت العلاقة قائمة بيننا عندما انتقلنا الى بغداد، حيث عشنا أنا وأنور الغساني ومؤيد الراوي في شقة واحدة، ولكن لم تعد اللقاءات اليومية ممكنة مع الجميع كما كان عليه الأمر في كركوك. وحينما انتقل معظمنا الى الخارج تشتتنا في دول مختلفة ومع ذلك لم تنقطع الصلة بيننا. فقد كنت على صلة أيضا بجليل القيسي ومحي الدين زنكنة وعبداللطيف بندر اوغلو الذين لم يغادروا العراق. كنا نتصل ببعضنا عن طريق الهاتف او الرسائل او في زياراتهم للخارج. أما في المانيا فكنت على علاقة وثيقة مع أنور الغساني ومؤيد الراوي وزهدي الداودي. وكان سركون بولص يزور ألمانيا ويمكث فيها فترات طويلة. ولكن لا بد من القول إن الأمر اختلف بعد الخروج من كركوك، حيث أصبح لكل منا عالمه الخاص به.

896 فاضل العزاوي 2

الرواد الأوائل العزاوي، الداوودي، بولص والراوي

هناك العديد من الاسماء لأعضاء المجموعة هل تتمكنون من تعداد الاسماء لتوثيقها تاريخيا ؟

ـ لم تكن جماعة كركوك رابطة او منظمة تضم أسماء معينة. وقد جاءت تسمية جماعة كركوك من النقاد والشعراء والكتاب الآخرين الذين انتبهوا الى أعمالهم الإبداعية المتميزة المختلفة عن أعمال غيرهم من الكتاب العراقيين. لقد كنا في الحقيقة مجموعة من الأصدقاء المبدعين الذين يمتلكون رؤى مختلفة عن غيرهم ويطرحون مفاهيم جديدة للحداثة لم يكن يعرفها الوسط الأدبي العراقي ويتقنون العديد من اللغات الأخرى، فضلا عن مجيئهم من مدينة مثل كركوك التي لم تكن معروفة بحيويتها الأدبية حتى ذلك الحين. ولذلك ليس صعبا كثيرا التعرف على من يقصدهم النقاد والشعراء والكتاب بتسمية "جماعة كركوك". إنهم يقصدون بذلك الإشارة الى الأعمال الطليعية المتميزة التي قدمها العديد من هؤلاء الشعراء والكتاب في فترة زمنية محددة.

ظهرت في الآونة الأخيرة تسميات ك جماعة كركوك الثانية وربما الثالثة كذلك أنا اعتقد جازما بان هناك جماعة واحده وهناك أصدقاء للجماعة وصدى للمجموعة الأولى او نوع من الاستمرارية هل تحبذ كل هذه التسميات؟

ـ هذه تسميات تطلق جزافا وخالية من المعنى. فلكي تكون هناك أي جماعة ينبغي أن تمتلك ما يؤهلها للفت الأنظار اليها، أن تقدم ما يؤثر في مجرى الحركة الأدبية العراقية والعربية. أما الإنتساب الى مدينة ما فلا يعني شيئا. ربما كان الذين يتحدثون عن جماعة كركوك الثانية او الثالثة يطمحون في أن يؤدوا دورا شبيها بالدور الإبداعي الذي قام به من يطلق عليهم جماعة كركوك، ولكن هذا الأمر يتعلق بهم وحدهم، أي بالمنجز الذي يقدمونه.

اثر حوادث عام ١٩٥٩ في كركوك ترك بعض الأعضاء الخط السياسي للمجموعة تحت تاثير ما يسمى بالوعي القومي ما تعليقكم حول الموضوع؟

ـ كنا جميعا ضد الأفكار القومية والدينية المتطرفة التي تقسم البشر على أسس عرقية او لاهوتية، تمتد الى الولادة بالصدفة، ننحدر من قوميات وأديان مختلفة (عربية، كردية، تركمانية، إسلامية، مسيحية)، ولكننا لم نكن نشعر بأي فارق بيننا، فما يهم قبل كل شيء هو أن تكون مبدعا وتمتلك شفافية وروحا إنسانية تسمو على مثل هذه التقسيمات البدائية. كان أحد أفراد مجموعتنا مثلا قسا هو الأب يوسف سعيد الذي نشر العديد من الدواوين السوريالية بتأثير منا. وكان كثيرا ما يلتقي بنا في مقاهينا وهو في ردائه الكهنوتي. شخص واحد فقط من المجموعة أثر عليه الصراع القومي الدائر في المدينة فانفصل عنا، مما جعله يفقد أي دور إبداعي له في كل الفترة التالية.

حدثنا عن انتاجك الادبي المرتبط ببيئة المدينة أي كركوك وكيف تمكنتم من عكس الحياة الاجتماعية في هذه المدينة والصراعات السياسية والاجتماعية التي كانت تدور رحاها بين أبناء المجتمع؟

ـ لم أكن معنيا بعكس الحياة الاجتماعية والصراعات السياسية في مدينة كركوك بصورة خاصة، فثمة خشية دائما من أن يسيء أحد ما فهم ما يقال في مدينة مثل كركوك، فضلا عن أن منظوري الفكري في الكتابة يمتد ليشمل العالم كله. لقد صورت في رواية آخر الملائكة الكثير من بانوراما المدينة بطريقة قد لا تجدها في أي عمل آخر، ومع ذلك كان ثمة من عاتبني أنني قد أسأت الى هذا الطرف او ذاك، بل كان ثمة من قال لي إنني قد شتمت الجميع في الرواية وهددني مجنون ما ذات مرة بالقتل بدعوى انني أسأت الى المدينة. أطرف ما في الأمر هو أن كركوك امتلكت سمعة كبيرة بعد ترجمة آخر الملائكة الى العديد من اللغات العالمية وظهورها في طبعات شعبية واسعة في أميركا وألمانيا خاصة وكتابة العديد من كبار نقاد العالم عنها، حتى أن مستشرقا المانيا كان مدعوا الى أربيل قبل ثلاثة او أربعة أعوام طلب زيارة مدينة كركوك رغم الظروف الأمنية الصعبة حينذاك لمشاهدة الأماكن التي تتحدث عنها الرواية، فلبي طلبه بعد تردد.

كتب الكثير عن الجماعة ولكن القليل من التحليل والنقد للإنتاج الإبداعي لهم هل يدخل هذا ضمن ضعف الحركة النقدية بصورة عامة؟ ام ماذا؟

ـ لا أعرف مدى صحة هذا الرأي، على الأقل في ما يتعلق بي. إنني لا أشكو من قلة اهتمام النقاد بأعمالي ولا أفكر في مثل هذا الأمر الذي يخص النقاد وحدهم، فقد كتبت عني وعن أعمالي عشرات وربما مئات المقالات والدراسات في العراق وخارجه. كما قدمت عن أعمالي أعداد كبيرة من أطروحات الماجستير والدكتوراه في العراق والعالم العربي وأوروبا، بل وحتى في في بلدان مثل ايران والهند. وكتب عن أعمالي كتاب ونقاد أميركيون وإنكليز وألمان كبار. في الحقيقة لا أعير كثيرا من الإهتمام الى ما يكتب عني الا حين يصدر عن كاتب يهمني رأيه. هناك كتب عدة صدرت عني وعن أعمالي. كان بعضها جيدا وبعضها الآخر عابرا، ومع ذلك يظل الأمر خاصا بكاتبه ولا يعنيني من الأمر سوى عمقه وقدرته على الإمساك بروح العمل الذي يتناوله. وهنا يصعب علي الحديث عن مدى اهتمام النقاد بالكتابة عن أعمال بقية أصدقاء جماعة كركوك، إذ أن الأمر يتطلب مراجعة عقود من الزمن، وهو ما لا أقدر عليه هنا. أكيد أن الحركة النقدية العراقية والعربية ضعيفة، ولكن الكاتب الحقيقي لا ينتظر جائزته من النقاد وانما من العمل الذي ينجزه قبل كل شيء.

في ختام هذا اللقاء نتمنى لأديبنا دوام الصحة والعافية وراحت البال وطبعا المزيد من الابداع لرفد الأدب الإنساني بالكلمة الطيبة والفكر النير الحكيم.

أجرى اللقاء: توفيق آلتونچي

 

اديب كمال الدينأربعون عاماً من كتابة الشعر و19 "مجموعة حروفية"

ينتمي الشاعر العراقي أديب كمال الدين إلى جيل السبعينات من القرن الماضي. بدأ مشروعه الشعري بكتابة قصيدة التفعيلة ثم تحوّل إلى قصيدة النثر. نشر على مدى أربعة عقود ونيّف 19 مجموعة شعرية. تُرجمت قصائده إلى عدة لغات عالمية من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، ونال جائزة الإبداع عام 1999 في العراق. ولمناسبة صدور المجلّد الخامس لأعماله الشعرية الكاملة، كان لنا معه هذا الحوار.

* كيف انبثقت في ذهنك فكرة النص الحروفي، وهل تعتقد أنها ماركة مسجّلة باسمك أم أنّ هناك آخرين كتبوا هذا النمط الشعري من دون أن يتعمقوا فيه؟

- هناك بالطبع مَن كتب النصّ الحروفي مِن الشعراء لكن إقامتهم كانت عابرة أو مؤقتة فيه. أما أنا فقد كانت إقامتي فيه أبدية! هكذا كتبت أكثر من 23 مجموعة حروفية، نشرت منها 19 مجموعة والباقي يصدر قريباً. وتمّ النشر خلال أكثر من أربعين عاماً في كتابة الشعر، أذكر منها على سبيل المثال: «نون»، و«النقطة»، و«حاء»، و«مواقف الألف»، و«شجرة الحروف»، و«الحرف والغراب»، و«أربعون قصيدة عن الحرف»، و«رقصة الحرف الأخيرة»، و«حرف من ماء».

إنّ حروفيتي في أصلها قرآنية. فالحرف العربي حامل معجزة القرآن الكريم ولا بد لحامل المعجزة أن يكون له سره أيضاً، كما أن الرحمن أقسم في مطالع العديد من سور القرآن الكريم به، لكنني حين تأمّلت في الحرف العربي خلال رحلتي الشعرية الطويلة، وجدت أنّ له ما يمكن تسميته بـ«المستويات». فهناك المستوى التشكيلي، القناعي، الدلالي، الترميزي، التراثي، الأسطوري، الروحي، الخارقي، السحري، الطلسمي، الإيقاعي، الطفولي. هكذا وعبر كتابة المئات من القصائد الحروفية التي اتخذت الحرف قناعاً وكاشفاً للقناع، وأداة وكاشفة للأداة، ولغة خاصة ذات رموز ودلالات وإشارات تبزغ بنفسها وتبزغ باللغة ذاتها، عبر هذا كلّه أخلصتُ للحرف حتى أصبح بصْمَتي الشعرية والفنية والروحية التي بسببها اهتم النقد بي ودرسني وأعطاني ألقاباً مثل «الحروفي» و«ملك الحروف» و«شاعر الحرف» و«شاعر الحرف والنقطة».

* أربعة عقود ونيّف من السنوات تفصلك عن ديوانك الشعري الأول «تفاصيل» 1976. ما حجم التبدّل الذي تلمسه أنتَ في القصيدة التي تكتبها الآن؟

- مرت قصيدتي بمراحل عديدة منذ صدور مجموعتي الأولى (تفاصيل) عام 1976 لعل أهمها، أولاً، هو تحوّلي من كتابة قصيدة التفعيلة إلى كتابة قصيدة النثر. إذ كانت مجاميعي «تفاصيل» و«ديوان عربي» و«جيم» و«أخبار المعنى» قصائد تفعيلة. وبصدور مجموعتي «نون» بدأت رحلتي مع قصيدة النثر وتواصلت حتى الآن. ثانياً، صدور أكثر من مجموعة ذات ثيمة محددة كما في مجاميعي: «أخبار المعنى» و«مواقف الألف» و«إشارات الألف» و«حرف من ماء». وفي كل تفاصيل رحلتي الشعرية، فإنني حين أكتب نصّاً جديداً أخضعه بصرامة إلى مسألة القاموس الخاص، والاقتصاد في اللغة، والنمو العضوي للقصيدة.

إن أي شاعر مبدع ومتميز وخلّاق ينبغي أن يمتلك قاموساً شعرياً خاصاً به. ومن دون هذا القاموس يكون الشاعر عبارة عن درهم ممسوح لا تعرف ملامحه حقاً. امتلاك القاموس الخاص لا يتمّ بالتمنّي والترجّي بل بالمكابدة الروحية والإبداعية، والتبحّر في قراءة الشعر قديماً وحديثاً، غرباً وشرقاً ودراسته وتأمّله. ويأتي عبر تراكم كمّي ونوعي عند الشاعر بحيث إن قصائده تلد قاموسها اللغوي بنفسها وتبدعه وتشير إليه بفرح حقيقي وزهو مبارك.

ثمّ تأتي مسألة الاقتصاد باللغة. الشاعر الذي يجيد استخدام المفردة بطريقة مبدعة دون تعسف ولا تحجّر هو شاعر حقيقي وليس مفبركاً. وهذا يتطلّب منه معرفة حقيقية بأسرار الصورة الشعرية وتفاصيلها. فيعرف متى يحذف الصورة المهلهلة أو الضعيفة أو المقحمة دون مسوّغ فني أو يعيد كتابتها إلى أن يكون وجودها ضرورياً لجمالية القصيدة.

وأخيراً هناك مسألة النمو العضوي، حيث ينبغي للشاعر أن يراقب بوعي دقيق وصارم مطلع القصيدة ونهايتها التي ينبغي أن تحتوي ضربتها الشعرية معالجاً الاستطرادات داخل النص بالحذف أو إعادة الكتابة لتكون القصيدة في نهاية الأمر كتلة متماسكة متراصّة من المطلع إلى الخاتمة، كتلة متماسكة متراصّة بحيث إذا حذفتَ منها مقطعاً اختلّت وارتبكت وإذا أضفتَ إليها مقطعاً اختلّت وارتبكت أيضاً.

* تتكئ بعض قصائدك على الآي القرآني الكريم، ويعتمد بعضها الآخر على قصص الأنبياء ومروياتهم، ناهيك عن هيمنة الجانب الصوفي. لِمَ كل هذا التركيز على الجوانب الدينية والصوفية والروحية في كتابة النص الشعري؟

- كما ذكرتُ لك فإن حروفيتي قرآنية. القرآن الكريم نبع روحي وإنساني وثقافي عظيم. ومن هذا النبع شربت روحي ماءَ الطمأنينة وارتوت قصائدي من ماء السؤال في رحلتي الحياتية المغتربة منذ يومها الأول إلى يوم يُبعثون. وفي التصوف وجدت الروح ملاذها في عالم مُسِخ الإنسان فيه أو كاد. الرحلة صعبة جداً والطريق طويلة كأنها لا تنتهي لمن عرف أسرار عالمنا هذا الذي تحكمه الكراهية لا الحب، والتطرف لا الوسطية، والعنصرية لا الإنسانية، والحرب لا السلام.

*تحضر الكثير من الحوادث التاريخية في نصوصك الشعرية وكأنك تسعى لكتابة قصائد ميتا سردية. هل تؤكد لنا هذا الهاجس أم تنفيه جملة وتفصيلاً؟

- بالطبع هذا أمر أنفيه تماماً. لست مؤرخاً أو مؤرخاً شعرياً ولا أحاول أن أكون ذلك.

* بعد نحو خمسة عقود من كتابة الشعر كيف تكتب القصيدة، هل تأتي إليك سلسة مطواعة أم تذهب إليها لتفكّ أسرها بعد جهد جهيد؟

- تأتي غالباَ سلسلة مطواعة كما ذكرتَ في سؤالك الجميل. وهذا متأتٍ من عمق الخبرة الكتابية التي تحققت لدي مع اتساع التجربة الروحية، ومعرفة أسرار الشعرية وتفاصيلها الكثيرة. لكن يحدث أن تولد إحدى قصائدي من النوع الذي يحتاج إلى نحت متواصل فيها. وهذه الولادات قليلة جداً.

* من شطرِ أغنية لنجاة الصغيرة أو جملة مشرقة لماركيز تبدع نصاً شعرياً، هل ما تحتاجه هو الصعقة التي يسري تيارها في الكلمات والصور الشعرية لتنتظم في نص شعري لا يفارق الذاكرة بسهولة؟

- الشعر شرارة تومض في العقل، في أشدّ مناطقه عمقاً وظلمة، هكذا تبدأ استجابة لأغنية عذبة أو لدمعة حرّى أو لموقف مخيف أو لكلمة جارحة أو لمشهد مثير أو لذكرى مؤلمة. ويستطيع الشاعر المبدع أن يتلقّف هذه الشرارة المباركة أو الملعونة أو الجريحة أو المعذَّبة في أي وقت ليشعل بها ذاكرته التي تشبه حطباً جاهزاً للاشتعال فتنثال عنده الصور والكلمات انثيالا.

* كيف تفسر هذا الاهتمام النقدي الواسع بتجربتك الشعرية التي كتب عنها كثير من النقاد العراقيين والعرب والأجانب؟ ما حجم الإضاءات النقدية التي قدّمها الباحثون والدارسون والنقاد؟

- وجد النقاد في تجربتي تجربة شعرية جديدة مختلفة فاهتموا بها في زمن قلّت فيه التجارب الشعرية الحقيقية. فصدر 11 كتاباً نقدياً عنها كتبتها أسماء نقدية لامعة مع مئات الدراسات والمقالات التي كتبها كتاب عراقيون وعرب وأستراليون وباكستانيون وإيرانيون وإيطاليون. وناقشت 13 جامعة عراقية وجزائرية وإيرانية وتونسية رسائل دكتوراه وماجستير تناولت تفاصيل هذه التجربة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

......................

* الصورة للشاعر اديب كمال الدين

 

 

علاء الخطيبجاء من وطن الياسمين يحمل عبق الشام وارثها وحضارتها متسلحاً بإيمان راسخ ان لاشيء مستحيل امام الصدق والحب .

يحاول بجدٍ ان يخلق لغة مشتركة بين الشرق والغرب، يمد جسوره الإبداعية عبر التزاوج بين كوبنهاگن ودمشق. لن تكن مهمته سهلة لكنها ليست مستحيلة فأمام الإرادة والعزيمة ينثني المستحيل ليصبح ممكناً.

مازن حاج قاسم اسم يعرفه الدنماركيون عن قرب كما يعرفه العرب تماماً . فهو سوري الهوى دنماركي النشأة والتعليم، شارك في العديد من الاعمال الدرامية السورية الى جانب فنانين كبار عمل في مسلسل (تحت سماء الوطن بشخصية سالم) ومسلسل روزنامة وغيرها،جاء الى الدنمارك مع والده وعمره 4 سنوات، أحب الدراما وعشق الفن، وتعرف على الحياة في هذا البلد الاسكندنافي الجميل، وتشرب من ثقافته كما تعرف على النخب الفنية الدنماركية، لكنه في الوقت نفسه حمل هم وطنه الأم سوريا، وسعى بشكل حثيث على تغيير الصورة النمطية عن العرب وإنتاج ثقافة ثالثة تكون حلقة الوصل بين الثقافتين. التقته مجلة لندن لايف ستايل ليحدثنا عن رحلته ومنجزه الفني وعن مهرجان السينما السورية للافلام القصيرة .

استاذ مازن حدثنا عن مازن الحاج قاسم الفنان والأنسان؟

مازن: ولدت في سوريا بمدينة اللاذقية، وأتيت الى الدنمارك وانا في الرابعة من عمري، كان والدي اول سوري تطأ قدماه هذا البلد منذ ٤٠ سنة وعشت طفولتي وشبابي بالدنمارك تعلمت ودرست وتعرفت على الحياة وعلى الفنانين والوسط الفني، لكني عدت الى سوريا وعشت ردحاً من السنين بدمشق وعملت بالدراما السورية وشاركت في دور بطولة عام ٢٠١٣ في مسلسل تحت سماء الوطن بشخصية سالم، ورجعت للدنمارك بنفس العام وأعملت افلام ومسلسلات وعروض مسرحية باللغات الدنمركية والانكليزية وكنت اول سوري يقدم عمل من انتاج Netflix بعمل The rain

864 مازن

س: ليس من السهولة بمكان ان يقوم فنان شاب بإقامة مهرجان بهذا المستوى وان يخلق بيئة متشوقة لمعرفة ما يحدث في بقعة جغرافية بعيدة عن اهتمامات البيئة التي يعيش فيها،كيف ولدت فكرة المهرجان وماهي المشاكل التي اعترضتك ومن ساعدك في ذلك؟

مازن: كنت قد عدت للتو من سوريا في زيارتي الثانية اثناء الحرب المجنونة وكان أصدقائي الدنمركيين يسألوني اسئلة غريبة عن ثقافتي وبلدي ولم يكونوا يعرفوا غير عن سوريا سوى (داعش - حرب - لاجئين - اسلام). ‫ففكرت ان اجيب على أسئلتهم ضمن أدواتي الإبداعية فنشأت فكرة مهرجان السينما السورية، لهذا كان همي ان  أرسل صورة حقيقية عن حياة السوريين وثقافتنا بعيد عن اي طرف سياسي بالحرب السورية.

‫عرضت الفكرة على وزارة الثقافة الدنمركية وبلديات الدنمارك فرحبوا بها ودعموني كثيراً هذه المؤسسات الدنماركيةً لها الفضل ببناء هذا المهرجان، اقدم شكري وثنائي الكبيرين لهم بكل بصدق ومحبة، لقد ساعدتني مهنتي وموهبتي على تنفيذ المشروع. المهرجان بنسخته الثانية سيكون من 3-24 شهر مايو القادم يأتي هذا المهرجان بعد نجاح ضخم حققناه في العام الماضي في خمسة مدن دنمركية و٣ مدن نرويجية و٣ مدن سويدية وبمعنى أصح اصبح بكل بقعة بالمدن الإسكندنافية وحديث الشوارع لانها فكرة جديدة

س: حبذا لو تحدثنا عن مهرجان السينما السورية لهذا العام وعدد المشاركات وقيمة الجوائز؟

مازن: هذا العام سيكون المهرجان بطعم خاص وبمشاركات متميزة وستجوب الأفلام دول عديدة كالسويد والنروج بالإضافة الى ثمانية مدن دنماركية رئيسية لاطلاع الجمهور الدنماركي والغربي بشكل عام على الصورة الحقيقة لانسان منطقتنا، وهذا سيساهم. لتغيير الصورة النمطية عن العرب والمسلمين . و‫سيكون عدد الأفلام المشاركة 10 افلام قصيرة وطويلة وثائقية وروائية.

س: هذا المهرجان بنسخته الثانية الذي سيقام في الشهر الخامس حدثنا عن النسخة السابقة وماهي الافلام المشاركة من خارج اوربا؟.

مازن: مهرجان السينما السورية في العام الماضي كان حدث جديد في الدول الاسكندنافية، لذا واجهنا صعوبات كبيرة في إقامته من حيث دور العرض والأفلام السورية المختارة سواء من داخل سوريا او خارجها. لكن لجنة التحكيم من الفنانين الدنماركيين ساهموا بشكل فعال في المهرجان من ناحية اختيار الأفلام والضيوف والاجابة على اسئلة الجمهور .

علاوة على ذاك كان هناك اهتمام إعلامي دنماركي بالمهرجان، لكنني وللاسف واجهة صعوبة كبيرة من السوريين في الدنمارك، اذا قاطعوا المهرجان واعتقدوا انه يلمع صورة النظام، اما السوريون في سوريا اعتقدوا انه مهرجان للمعارضة، ولم يمنحوا انفسهم فرصة لتبديد شكوكهم من خلال التعرف عليه عن قرب .

س: ما هي الرسائل التي تريد ايصالها من خلال السينما؟

مازن: السينما فن عظيم قادر على صناعة وعي انساني راقي، وخلق نمط حياة جديدة قادرة على الاستمرار بالحب، ولغة السينما لغة عظيمة يمكنك ان تصلح افكار شعوب كثيرة من خلالها، وكما يقال:

‫ان كنت تريد ان تعلم مافي الصين يجب ان تعلم مافي الهند

‫سوريا بلد الحضارة واقدم عاصمة في التاريخ بل اقدم مدينة بالعالم، والشعب السوري شعب خلاق وعظيم . نحن السوريون لدينا الكثير مما تمتلكه الدنمارك لكن اكيد باختلاف ثقافات.

س: هل ان الصورة النمطية السائدة للانسان العربي في اوربا او في الاعلام العالمي تحتاج الى مزيد من العمل لتغييرها او تصحيحها، وما هو دور الفنان في ذلك؟

مازن: سأكون صريحاً معك  وليسامحني القارئ لصراحتي. الكثير من العرب عكسوا صورة سيئة عن مجتمعنا، وبالتالي اختزن العقل الأوربي صورة مشوشة وغير واضحة للإنسان العربي، ساعد في ذلك الاعلام الغربي، لكن هناك نوافذ مهمة علينا ان نفتحها لتدخل الحقيقة ويدخل الضوء ليكشف السوء، وهذا هو دور الفنان الذي يحمل رسالة إنسانية يتمكن من خلالها التغيير وايصال الحقيقة كما هي وهذا ما نفعله هنا .

س: هل باعتقادك ان مثل هذه المهرجانات تساهم وتساعد على مد الجسور والتعريف بالاخر؟

مازن: لقد دأبت الدول الأوربية على اقامة مثل هذه المهرجانات فهناك‫ مهرجان السينما الالمانية ومهرجان السينما الفرنسية، وهناك مهرجان الفلم العربي في هولندا . ‫لكن المختلف في مهرجان الافلام السورية انه يقام في بلد لم تكن تعرف المثير عن العرب والشرق وهو مهرجان لبلد شرقي يسعى للوصول الى اروح الناس في الدول الاسكندنافيةً .

‫مهرجان السينما السورية له مذاق خاص في الدنمارك اذ ستعرض الافلام باكبر دور العرض السينمائية. ‫فهناك إقبال جماهيري رائع على استقبال المهرجان وشراء التذاكر فهو حديث الدنماركيين كما هو حديث الوسط الفني . وستفتح المدن الدنماركية أذرعها لاستقباله بشغف .

س: كيف يتم ترشيح الأفلام وما هي القواعد المتبعة في تقييم ومنح الحائزة؟

مازن:  هناك لجنة خاصة هي من تختار الافلام بما يناسب رسالة المهرجان وهي لجنة التحكيم ايضاً التي ستختار الفلم الفائز وجائزة الإخراج والتمثيل.... والخ. ‫

س: هل هناك مشاركات عربية واجنبية في المهرجان؟

مازن: ‫طبعا سيكون هناك مشاركات اجنبية كثيرة من حيث الاعلام والسياسيين والمخرجين والممثلين الدنمركيين المشاهير الذين سيحضرون في الافتتاح مع فنانين ومخرجين سوريين مشاركين بالافلام المعروضة.

س: مهرجانات كهذه تحتاج الى تمويل كبير كيف تحصل على التمويل؟

مازن: ‫تمويل مثل هذه المهرجانات كبير ومهرجان السينما السورية هو الاخر لا يختلف عن بقية المهرجانات فهو ذو ميزانية. كبيرة وضخمة وهذا شيء صعب الحصول عليه ولكن مكاتب وشركات الثقافة وبلديات الدنمارك هي سند حقيقي لمشروع ثقافي بفكرة جديدة، يقدم رسالة إنسانية عبر الفن والإبداع .

س: هل تطمح ان يكون المهرجان عالمياً؟

مازن:‫ مهرجان السينما السورية الذي وصل لـ ٢٢ مدينة و٣ دول إسكندنافية اعتقد يكفي ان يكون على طريق العالمية بعد هذه العروض، وسنسعى بشكل حثيث ام يكون له صدى في كل العواصم. ‫ انا مدير لمهرجان ارغوس للفيلم العربي الذي سيكون في مدينة ارغوس الدنمركية بشهر أكتوبر وهو حدث ضخم واستثنائي ايضا والمهرجان العالمي للأفلام السورية قادم بفكرة لم تخطر ببال احد.

كلمة اخيرة استاذ مازن

مازن: انا فخور بكل شخص لديه موهبة يستخدمها خارج بلده ولا ييسأس ويحارب من اجل تحقيقها

‫انا اتطلع لرؤية شعوبنا تصبح مثل ما نشأت عليها من قبل من شعوب وحضارة وتاريخ ومواهب وعلماء يتكلمون عنهم جامعات الغرب

‫نحن نستطيع نستطيع نستطيع

 

حاوره علاء الخطيب

 

سونيا عبداللطيفعضو مجموعة الحمائم البيض، حول مسيرتهم الفنية الإبداعية  

س1: كيف جاءتكم أستاذ زكريا القبي فكرة مجموعة الحمائم البيض؟

 ج1: الفكرة جاءت .. عندما كنا طلاّبا في الجامعة وكانت القضيّة الوطنيّة والعربيّة هاجس كلّ الشّعوب .. وعلى ضوء حركة إقليميّة شملت عدّة بلدان عربيّة في الشرق خاصة انطلقت أيضا في تونس مثل هذه الحركة الطلابيّة أولا على مستوى جهوي فوطني وعالمي وذلك من خلال بروز هذا النمط الجديد للاغنية الملتزمة.. بداية من سنة 1968.

يمكن اعتبارها انتفاضة ثوريّة ..توعويّة القصد منها مواجهة الأوضاع المتردّية الرّاهنة في ذلك الزّمن وقصد معالجة بعض القضايا الإنسانية من خلال الأغنية الملتزمة وهي في الواقع موقف سياسي ضدّ الإمبريالية.. وبداية الحمائم البيض كانت مع شباب بن عروس وكان عدد المنضمّين الى المجموعة وقتئذ يفوق العشرة وقد بلغ في بعض الحالات الثلاثين.. من بينهم على سبيل ولا استحضر الأسماء حاليا: الزين الصافي .. حمادي العجيمي وهو مؤسس المجموعة قبل انتقاله الى المهدية .. حميدة الإمام الذي استقبل المجموعة في بيته بالعاصمة للتدريب طيلة عشرة أشهر لعدم توفر الفضاء لاحتضاننا..هناك ايضا حياة قريبع ومحمد ميلاد وحسناء البجاوي. وغيرهم.

س 2: أين كانت مجموعة الحمائم البيض تقدم عروضها في بداية ظهورها وتأسيسها؟

 ج 2: بدايتها كانت الفضاءات الجامعية خاصة جامعة الحقوق والعلوم الإنسانية بالمنار و جامعة 9 افريل وجامعة منوبة وضمن الاوساط الطلابية.

س 3: من أين جاءت التّسمية: الحمائم البيض؟

 ج 3: التسمية جاءت على ضوء قصيد اقسمت على انتصار الشمس للشاعر الراحل المختار اللغماني والتي لحنها اخي حشاد القبي ويعتبر هذا أول عمل غنائي بهذا العنوان اي الحمائم البيض وهي تحكي مسار المجموعة ورمزها واهدافها ..وكذلك اردنا هذا الاسم ليكون تذكارا وتخليدا لاسم صديقنا اللغماني ومواساة لعائلته ووفاء له... وإثر ذلك توسّعت الحلقة ثم أُحدثت عدّة فرق أخرى للأغاني الملتزمة منها فرقة العبور .. الجماهيرالكادحة .. البحث الموسيقي. عشاق الوطن . ..

س 4: كيف يتمّ اختيار النّصوص والاغاني قبل الاشتغال عليها؟

ج 4: في الحقيقة اختيار النص قبل تلحينه وآدائه أهمّ مرحلة وليس أمرا هيّنا كما يذهب في ذهن المتلقّي بل يأتي نتيجة بحث واجتهاد جبّار من قبل جميع أفراد المجموعة فنحن واحد في لغة الجمع..انا زكريا القبي عازف الكمان.. اخي حشاد القبي عازف العود.. وأخي الثاني إلياس القبي عازف الكلمبري وصديقنا العظيم عامر القاسمي عازف الناي وجميعنا رجال تعليم في الجامعة والمعهد والمدرسة.. بعد البحث عن النصوص يقع الفرز والاتفاق عليها بالإجماع فكلنا رؤساء المجموعة وكلنا موسيقيين فيها.. وبعد ذلك يقع الربط بين جميع الفقرات واختيار مواضيعها والتنسيق بينها ..فنحن نعتمد التسلسل في النصوص والاشتراك في الفكرة. حتى يوجد الانسجام فيما بينها والاندماج بيننا ..

837 سونيا

س 5: متى بدأ نشاطكم الفعلي كمجموعة الحمائم البيض؟

ج 5: كان اول عرض لنا في منزل بورقيبة سنة 1980 .. وبنجاح هذا العمل فتحت في طريقنا الأبواب والفضاءات الثقافية سواء للتدريب او للعروض..وانطلقنا الى عدة ولايات.. وحتى الخارج.. وكان لنا ايضا انفتاح على المسرح والسينما.. دخولنا الى المسرح كان سنة 1985 ودخولنا الى السينما كان سنة 1990 ومن بينها موسيقى فيلم " السيدة " الشهير كانت من آداء وتلحين الحمائم البيض..

س 6: هل تعرضت مجموعة الحمائم البيض الى مضايقات في فترة طلوعها و في فترات مسارها..؟

ج 6: بلا شكّ .. اوووووه... العديد من المرات وقع إيقاف عروضنا أو إلغاؤها.. إذ نجد قاعات او فضاءات العرض مغلقة في وجوههنا أو عدم توفير التقنيات اللازمة أو انقطاع الكهرباء. وخاصة في صفاقس.. ويتم منعنا كذلك من دخول أماكن العرض.. أضف الى ذلك مفاجآت الطريق.. المغلقة.. المعطلة..تعطب السيارة التي تنقلنا.. ايييه...

س 7: ما هي غايتكم واهدافكم في اختياركم للأغنية الملتزمة وآدائها..؟

ج 7: التعريف بالقضايا الانسانية المختلفة ومنها السياسبة .. معاناة الكادحين.. المظلومين.. التثقيف.. التوعية. باسلوب ذكي لبق واراقي وبطريقة حضرية دون شتم أو سبّ وذلك من خلال الأغنية الملتزمة وبموسيقة مهذبة وفن مبتكر وكلمات حساسة تلامس الوجدان .. تحرك السواكن وتثير الجمهور وتحمله على التساؤل والنظر فيما حوله..

س 8: ما هي شروط مجموعة الحمائم البيض لقبول العرض الموجّه إليها خصوصا وانه بلغني أنكم تبالغون ..؟

ماذا....اوووه.. أبدا.. مستحيل.. ما نطلبه عادي جدا جدا.. كما قدمنا العديد من العروض المجانية.. لكنّ شروطنا مرتبطة بمبادئنا. اولا نتثبت من الجهة التي أرسلت لنا الدعوة وانتماؤها السياسي يهمنا. فنحن مع الحق ومع الطبقة الكادحة.. ثانيا توفر الفضاء المناسب والملائم للعرض.. ثالثا توفر التقنيات اللازمة اثناء الغرض من اضواء و مصخمات الصوت والميكروفونات.. رابعا المبلغ الذي نطلبه يعتبر بسيطا جدا أمام ما تطلبه مجموعات موسيقية وفرق اخرى..

س 9: هل تعتبرون أنفسكم أنكم قدّمتم إضافة من خلال هذا اللون الذي اخترتموه من الموسيقى ومن خلال ادائكم للأغنية الملتزمة..؟

ج 9: اووووه... في كل الحالات نحن كافحنا وناضلنا وحاربنا الجهل وشقينا وتعبنا.. ومع ذلك صمدنا في وجه الظلم والطغيان ..وقمنا ببثّ رسائل توعوية للجمهور وغرس أفكار اصلاحية في اذهانهم الى جانب الإحساس بالسعادة والنشوة التي نشعر بها إثر كل نجاح لعرض لنا وذلك نشهده من خلال تفاعل الجمهور مع ما نقدمه ... وهذا نعتبره المكسب الأكبر لنضالاتنا

... ونحن بعروضنا نهذب الفكر الموسيقي ونعلم الآخر كيف يبدع وكيف يبتكر وكيف يتعمق ويبحر في وجدانه ... ثم لا ننسى ان نجاح مجموعتنا باتحادنا وانسجامنا وبالنقد اللاذع لاعمالنا اثر كل عرض وهذا نتداوله مباشرة عندما ننهي العرض واحيانا في طريق عودتنا.. ودننبه بعضنا بعض الى الاخطاء.

ونقوم بالتحليل والتشاور  ورسم طرق جديدة لغاية التحسين والتطوير ..

س 10: هل للعنصر النسائي حضور في مجموعتكم.. فأنا لا اراه متواجدا معكم... ما السبب؟

ج 10: نعم.. سؤال وجيه.. ومعك حق.. لقد اقحمنا في مجموعتنا وعدة مرات العنصر النسائي .. فكثيرات بدأن معنا طالبات. ثم انقطعن اما مباشرة بعد التخرج والعمل او بسبب الزواج او الأطفال  اي الانجاب.. ولكن عمر فترة تواجد العنصر النسوي لا يفوق السننتان ..وكما ذكرت ان ظروف العمل التي تعيشها المجموعة سواء في التدريب والبروفات الى ساعات متأخرة من الليل ويكاد يكون يوميا.. الانتقال والسفر. تحمل التعب والمضايقات. ونحن رحالة وجوالة باستمرار وفي عمل دروب متواصل وهذا يتطلب حرية مطلقة وجهد كبير ونفس طويلوصبر أيوب ومغامرات وتحدي جبار... وحرية المرأة جميعنا نعلم انها محدودة مهما فعلنا وقلنا.. ولذلك عمر مشاركة المراة مع فرقة الحمائم البيض قصير. ..

س 11: اختصرت مجموعة الحمائم البيض على اربعة عناصر ...ما السبب .. هل هو من اختياركم..؟

ج 11: ... آه.. إنها الظروف... فقد غاب عن المجموعة عنصر هام جدا اذ كان يعدّ عنصرا أساسيا بمثابة العمود الفقري والركيزة وحجر الأساس وغيابه عنا منء سنة أثر في مسار وعمل المجموعة ... .. وذلك بسبب السفر إلى الخارج.. وهذا ما جعل أعضاء المجموعة تتوقف لإعادة النظر في العروض بإعادة صياغتها من جديد ووضع برنامج وخطة لها تتناسب ووضع المجموعة الحالي.. فهي عبارة عن سلسلة من الحلقات اامترابطة فيما بينها وبغياب حلقة...  تكسرت السلسلة ومجموعة الحمائم البيض تعتمد على التضامن بين افرادها والاتحاد  والانسجام في الأفكار وحتى الروح.. وذلك هو سرّ نجاحنا.

س 12 ...كلمة ختام...؟

ج 12: أحيّيك على هذا الحوار الطريف معنا للتعريف بمسيرة الحمائم البيض او بإعادة التذكير بأعمالها لمن لا يعلم.. وأشكر استضافتك لنا في جلسة ادبية فنية بمجلسكم باتحاد الكتاب التونسيين يوم غد الثلاثاء 02\04\2019 .. اتمنى ان تتكر مثل هذه اللفتة والاستضافة.. ومن جهات اخرى.. فنحن نريد القرب من المواطن اكثر وخاصة الشعراء والمثقفين والمسرحيين... نريد عملا مشتركا ومتكاملا بيننا.. كما نتمنى ترغيب الشبيبة والشباب في هذا اللون من الموسيقى والاغنية الملتومة ولم لا الأطفال..  ونرجو ان تتم الشراك بيننا وبين عدة مؤسسات تربوية وثقافية للانتشار على مستوى اوسع ولاعداد جيل مثقف وواعي.. يحب بعضهم بعض.. حتى لا يقعوا في براثن الجهل والإرهاب.. ووجودنا هو الترشيد والوعي...

 

اجرت الحوار الأستاذة سونيا عبد اللطيف -  تونس

 

821 زكي سلام 1- الفنان حامل رسالة ولا ينظر إذا كانت رسالته تتقاطع مع السياسي والاجتماعي أم لا

- قال: أن الفن الحالي هو فن مستورد من الغرب ومقطوع من جذوره التاريخية

- (حلمي أن تصل الإنسانية إلى حالة من الرقي تنتفي فيها الحاجة إلى الحدود والدول والجنسيات)

الفنان التشكيلي زكي سلاّم  أداة تشكيل تنزف، ترسم معاناة شعب منزوع الحرية، هو  منحوتة هادية إلى المرتقى الصعب في تشكيل الحضور الفلسطيني، من واحات بسكرة يتكلم زكي سلاّم عن مخزون عنفوان شعب ، ليكشف الزّيف وهو يجد نفسه في مركز الصراع العربي الصهيوني، اختار زكي سلام النخلة، لأنها رمز للمقاومة،  تقاوم كل الفصول،هي بسكرة التي رسمت ثورة الزعاطشة فجعلته يحمل عن كاهله ثوب القضية  الفلسطينية ورسالتها، ويضيف إليها عمقا في الرؤية، يقول زكي سلاّم: تلك النخلات وإن غرست بحب سترونها من بعيد كما لو أنها سعيدة في موطنها الجديد، فهل هي حقاً كذلك؟ اقتربوا أكثر لتعرفوا فإذا كانت النخلة لا تستطيع تمور "دقلة" هنا في تلمسان حيث أراقبها أو العاصمة كما كانت في بسكرة فهذه ليست معارضة هي خارج تربتها فحسب، التقينا بالفنان التشكيلي زكي سلاّم وقد أبرهنا برقي ثقافته واتساع فكره،  كلامه فلسفة، في هذا الحوار يستشرف زكي سلام  المستقبل ويحزم الفكر بحجم الثورة في حضور يرسم أبعاد "المسيرة"، لأن الفن عنده مرتبط بالحرية، أما عن منحوتاته فقد رسمت تراجحيديا الشعوب ومأساة الأمم

س) تختلف رؤية الفنان التشكيلي للواقع عن رؤية الكاتب والروائي  والمسرحي، ماهي رؤيتكم  له؟

- أعتقد أن جوهر الفن واحد,يكمن الفرق بأختلاف حوامل الفن الذي من أهم سماته الأبداع, وفي حوامل كالكتابة الأدبية عامة ومنها الروائية تتجلى اللغة كقاسم مشترك معروف بين المبدع والمتلقي (الذي خبر اللغة وتفاعل مع محيطه بها منذبداية وعيه) وبذلك هنالك مدخل سهل للتواصل بين الأديب والقارئ (بين المنتج والمتلقي) هذا يعطي فكرة عن سبب شعبية الأدب قياساً بباقي الفنون، أما في الشعر فإن تقنيات أخرى تحتاجها اللغة لتعطي النص شاعريته المبدعة وهذا ما يتوجب على المتلقي معرفته لتمام فهم وتذوق الشعر. في المسرح تذهب الأمور إلى إضافات كبيرة على النص وهي إضافات بصرية مشهدية وتشكيلية كحرة الممثلين وصوتهم الذي يعطي بعداً إضافي للمعنى بحضور الإضاءة والموسيقا، الديكور، الأزياء، والسينوغرافيا التي تعطي للمسرح بعدا تشكيلياً.

 أما السينما (الفن السابع) التي وصفها أحد الفلاسفة بوريثة الفنون فإنها سوف تستخدم جميع الفنون لإنتاج ذات أكثر تمكّناً وأكثر قدرة على التعبير وخلق قواسم مشتركة بينها وبين المتلقين على إختلاف مستوياتهم الثقافية للوصول إلى تواصل (نسبي) مع جميع المتلقين كلٌ بحسب ثقافته، أما الفن التشكيلي الذي يعتمد على حوامل بصرية بعيدة عن اللغة أي أنها تحمل في جوهرها لغة بصرية بدل اللغة المحكية والمكتوبة، وبالتالي فإن  جمهور الفن التشكيلي قادر على التفاعل مع المنتوج الإبداعي إنطلاقا من فهمه ودرايته باللغة البصرية ورامزاتها عبر التاريخ والجغرافيا، وهذا يفسر لماذا يتوجه الفن التشكيلي للخاصة عادةً ومحدودية الجمهور المتذوق للفن التشكيلي وجنوح بعض الفنانين إلى الخط "كحامل للغة" وإدراجه في اللوحة لفتح علاقة مع جمهور أوسع خاصة إذا كان الحرف هنا ذو مدلول لغوي.

 والفن بمجمله هنا لا يهتم بتفصيلات الواقع إلّا بمقدار ما يعيد هذا الواقع الرؤية إلى جواهر الأمور كالخير والجمال وصيرورتهما وبالتالي فإن الإتجاهات الفكرية الأكثر التصاقا بالواقع كالمدارس الواقعية في الأدب والفن التي تبدو عليها سمات الواقع جلية هي في الحقيقة ليست الواقع إنما (تمثاله) وهنا مهما كان  الشبه كبيراً بين الشخص وتمثاله لا يمكن الخلط بينهما، ليأتي الرقص كتعبير غير محكي أدواته الجسد مدعوماً بإكسسواراته كلغة للتعبير مبتعداً عن الأدب ومقترباً من الموسيقى التي هي الفن الأكثر تجريداً والأكثر استقلالية عن لغة الأدب.

821 زكي سلام 3س) تريد القول أن الفنان التشكيلي يختار الإيقاع الموسيقي عاملا لإختيار ما يريد إبداعه؟

 - الحقيقة أن الفن التشكيلي يستعير من الموسيقى إيقاعها انسجامها وتضادها للوصول إلى قوة تعبير تجريدية مستقلة عن اللغة والمراجع الواقعية وفي الفنون التي تعتمد المشهدية لتصل بها إلى ذروة التعبير عبر تسلسل المشاهد يأخذ الفن التشكيلي على عاتقه تثبيت اللحظة ليكثف بها كل ما يحتاجه للتعبير  وبالمحصلة أعتقد أن الفن لا يصور الواقع إنما يعبر عنه انطلاقا من ذاتية الفنان وتجربته المعاشة بأدواته المعتادة.

س) هل الفنان التشكيلي مطالب بأن يكون محمّلا بخطاب سياسي ما، أم أنه يحافظ على طهرانيته

- يبدو من السؤال وكأن السياسة عكس الطهارة فهي فن الممكن تستطيع الإفتراء وقابلة للتنازل حسب الأوراق التي تمتلكها والأهداف التي ترسمها والمعطيات المتغيرة التي تصادفها أو تبنيها، الفن طريق آخر تماماً عنوانه الحب والجمال حتى حين يصور البشاعة "كما نكبة" فإنه ينشر الإنسانية والمحبة والجمال، وبالتالي الفنان هنا حامل رسالة ولا ينظر إذا كانت رسالته تتقاطع مع السياسي والاجتماعي أم لا.

س) كيف يعيش زكي سلام المشهد السياسي؟

- أنا أتابع مجريات الأمور وأحاول فهم ما يدور حولي بالخبرة التي أعطتني إياها السنين وأبني موقف ما على ذلك من دون أن تدخل حركة السياسة إلى عملي الفني لإعتقادي أن السياسة تفسد كل ما تطاله يدها من الثقافة عامة والفن خاصة لأن الآليات مختلفة والأهداف أيضاً. ربما يربط الفن نفسه بالثورة وهذا جوهري لكن بالسياسة مقتله. لا ننسى أن إشتقاقات من الفن التشكيلي أخذت على عاتقها تبني السياسة في بعض جوانبها كالملصق السياسي الذي جوهره الترويج للفكر السياسي والكاريكاتير الذي جوهره النقد الصحافي المصور.

س) يقال أن الفن التشكيلي هو فن التمرد، هل هذا يعني أنه فن كسر قواعد الجمال؟ وكيف يحافظ الفنان عن الفكرة الجمالية ؟

- أعتقد أنه فن الحرية أكثر من كونه تمرد وفي كسر القواعد ربما نحتاج إلى وقفة وتوضيح فالفن مرتبط بالإنسان وكل تطور معرفي تنتجه الإنسانية سوف ينعكس على الفن الذي هو نمط معرفي من نوع آخر، فاكتشاف الكاميرا أدى إلى ثورة في الفن التشكيلي كما الطباعة والنظرية النفسية وآليات الحلم "فرويد" أعطى للسريالية مفهومها الأساسي واكتشاف تحليل الضوء في الفيزياء أغنى الإنطباعيين بجزء كبير من البيان الإنطباعي وهذا لا يعني علاقة ميكانيكية بين هذه المفاهيم، إنما عدة عوامل اجتماعية وفكرية وفلسفية كلها مجتمعة سوف تعطي للفن التشطيلي ثورته والتغيير اللازم، وهذا التغيير "باعتقادي" لا يلغي ما سبق إنما يبني عليه وتبقى المدارس السابقة حاضرة مادامت الحاجة إليها حاضرة ومالفكرة الجمالية بهذا المعنى ليست قالبا ثابتا وإنما تتغير عبر الزمان والمكان متتبعة السياق المعرفي العام أو تسبقه بخطوه، إذا لا يجب الحفاظ على الفكرة الجمالية وهذه ليست ثابتة ولن تكون، التطور المعرفي الهائل والمتسارع في القرن العشرين خاصة والأحداث الكبيرة الناجمة عنها كالحروب أدت إلى تغير كبير في المعرفة وفي علوم الجمال والإستطيقيا مما أدى إلى مقولة كسر القواعد الجمالية وهذا يشبه ثورة مفاجئة قياساً بالتاريخ.

821 زكي سلام 2

س) هناك منحوتة لكم  تعبرعن الهجرة، يريد القارئ أن يعرف  كيف ينحت زكي سلام فلسطين؟ وكيف ينقل رسالة اللاجئين الفلسطينيين  ( حتى لا نقول معاناة) عن طريق للنحت؟

- الفن الحقيقي هو الفن الصادق، أنا وجدت نفسي هنا في مركز الصراع العربي الصهيوني أعطاني الفن ذاته كأدة للتعبير أردت لها أن تقول ما يدور حولي انطلاقا من رؤية وجدانية للأحداث، هذا العمل "نكبة" الذي أنجزته هنا في الجزائر بعد أن أرغمت الحرب سكان مخيم اليرموك من الخروج بقوة السلاح ومعظمهم من الفلسطينيين الذي هجروا عام 1948 بفعل المجازر الصهيونية واحتلال قراهم ومدنهم "ومن هنا كان مصطلح النكبة" بدأ هؤلاء الناس إعادة انتاج حياتهم في هذا المخيم إلى أن أصبح مدينة مهمة قرب دمشق لتأتي الحرب وتعيدهم إلى نقطة البداية، وقد أُعيد هنا انتاج النكبة كما قبلها في عدّة مدن في الوطن العربي وهذه القصة التي هي وطنية قصتي الشخصية أيضاً وقصة أبنائي وأهلي وجيراني وهي الموضوع الأكثر إلحاحا على وجداني، هكذا ولد هذا العمل الذي هو مجموعة أشخاص يحملون حقائب حزنهم وتعبهم وعجزهم ويهيمون، تركت هذا العمل تفاعلي "الجمهور يستطيع تحريك بعض قطع هذا التمثال فيغير في الشكل والمعنى" ويكون الجمهور هنا (متورط) في انتاج أشكال مختلفة للنكبة، الطريف في هذا السياق أن الفنانين الفلسطينيين وأنا منهم قد أخذوا من مشارب مختلفة بسبب أن جزء كبير منهم خارج وطنهم حيث عاشوا ودرسوا، وربما ولدوا، وهؤلاء تكونوا في المدارس المختلفة حول العالم فما هو القاسم المشترك الذي نستطيع من خلاله أن نقول "مجازا على الأقل" هذا فن فلسطيني، الموضوع هنا هو القاسم المشترك فجميع الفنانين تناولوا الموضوع الوطني فلسطين من جوانب مختلفة.

س) هل يحدد الفن التشكيلي والنحت بالخصوص حدودا ما، يمكن من خلالها التعبير عن قضايا المجتمع ومهاجمة السلطة بعيدا عن أي حراسة أو حصار؟ 

- الفن في بعض جوانبه اجتماعي (يمكن النظر إلى تنظيرات شارل لالو في الفن والمجتمع) ولكن هل يقتصر دور الفن على هذا؟ لا طبعاً، ولا حدود للفن طالما هو عملية إبداعية لا من حيث الموضوع ولا الشكل ولا المادة فالعملية الإبداعية في تطور مستمر وحواملها في جدل ديالكتيكي لانتاج إبداعي جديد، ولكن لماذا يهاجم الفن السلطة ؟ "وقد يلعب هذا الدور في لحظة تاريخية ما في مكان ما" ، للفن دور جمالي ومعرفي لرفع مستوى الحياة الإنسانية في الفضيلة والحق وقد يذهب إلى فضح البشاعة والوحشية والظلم، الحرية هنا هي الحد والفن هنا ليس مهاجماً أو مدافعاً بل معبرا وخالق أسئلة، إن بناء الأشكال بعلاقتها الجدلية مع ذاتها ومحيطها بظلالها وسطوحها وخطوطها تخلق متعة التلقي المحملة بالرسالة "الموضوع" الذي يفجر أسئلة من نوع ما، وبهذا المعنى لا يمكن وضع حد للفن.

س) ماذا تمثل لكم الغربة بعيدا عن الأوطان؟ وكيف نرسم المعارضة في الفن؟

- أنا ولدت في الأصل خارج الوطن وتغربت عن المكان الذي ولدت وعشت فيه، صدف أن رأيت سيارة كبيرة تنقل أشجار نخيل مقتلعة من صحراء بسكرة إلى مدن الشمال "ربما العاصمة" أذهلني هذا، نظرت إليها وسقطت دمعتي، أنا شجرة رفعت جذورها إلى اللاشيء ولم تجد أرضها في هذا الخواء بعد، تلك النخلات وإن غرست بحب سترونها من بعيد كما لو أنها سعيدة في موطنها الجديد فهل هي حقاً كذلك؟ اقتربوا أكثر لتعرفوا فإذا كانت النخلة لا تستطيع تمور "دقلة" هنا في تلمسان حيث أراقبها أو العاصمة كما كانت في بسكرة فهذه ليست معارضة هي خارج تربتها فحسب.

س) شاركتم في صالون الفن التشكيلي للشرق بمدينة قسنطينة ، ماهي النتيجة التي خرجتم بها؟

- كنت ضيف الشرف من فلسطين" ، هذه التجربة هي الأهم هنا في الجزائر حيث كانت على هامش قسنطينة عاصمة الثقافة العربية ورصد لها من الإمكانات والخبرات ما لم يتوفر لأي صالون من التي أسعدني حظي المشاركة بها في مختلف ولايات الجزائر، هذا المعرض كان بمقاييس عالمية من حيث الإخراج والعرض والتوثيق وزمن العرض وصالته..، أسعدني حقا أنني مشارك في هذا النشاط الذي خلق كل هذه المعطيات تاركاً لفن النحت هذه الفسحة للحوار بين منتجي الفن وأعمالهم  وبين الفن والجمهور، ولكن يجب أن لا يفوتنا أن فن النحت الذي كان فناً أصيلاً في أرضنا في فترات تاريخية طويلة تشهد عليها متاحفنا ومتاحف العالم غير أن الفن الحالي هو فن مستورد من الغرب ومقطوع من جذوره التاريخية في المنطقة ولم يستطع الفنانين توطينه رغم المساعي الكثيرة منهم، ولا يزال الطريق طويل أمامنا لخلق رابط بين الفن الوافد والمكان بإنسانه وتاريخه وثقافته وحاضره.

س) ماذا عن رصيدكم الفني وماهي مشاريعكم المستقبلية؟

- الرصيد قصة طويلة عمرها من قبل التخرج من كلية الفنون الجميلة في دمشق 1984 وما زالت مستمرة، (يمكن النظر هنا إلى السيرة الذاتية حتى لا نكرر) وما من مشاريع أن أعمل وأفكر واطلع بشكل يومي أملي أن تمكنني الحياة من الاستمرار ويعطيني الله الصحة والإرادة والظروف المواتية للاستمرار وتطوير عملي ورؤيتي وايصال الرسالة .

س) حلمكم الأخير ماهو؟

- لن تقف أحلامي وأمنياتي عند حدود الشخصي والعائلي ولن تقف عند تحرير وطني كاملاً وعودتي إليه ، حلمي الأخير أن تصل الإنسانية إلى حالة من الرقي تنتفي فيها الحاجة إلى الحدود والدول والجنسيات ويفتخر الإنسان بانسانيته ونكون أحرارا في حضن أمنا الأرض.

لا يوجد مطلق، الأمور دائما نسبية والفن عندي مرتبط بالحرية فهل الحرية مطلقة؟

 

حاورته علجية عيش

...........................

بورتري/

التشكيلي زكي سلام غني عن التعريف ، فهو  من مواليد دمشق 1958 من أسرة فلسطينية خريج كلية الفنون الجميلة في دمشق  قسم النحت، متحصل على دبلوم عالي ، عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في دمشقن عضو اتحاد الفنانين الفلسطينيين فرع سورية  من عام 1984 حتى 2008 ، رئيس قسم الخزف في معهد الفنون التطبيقية في دمشق في الفترة بين 1984 إلى غاية 2008 ، شارك في العديد من المعارضو المهرجانات (سوريا، روما، الجزائر، البحرين، الأردن)، وحصل على جوائز كثيرة

 

 

761 حسن السالميحوار مع الرّوائي التّونسي حسن سالمي

الرّوائي والقاص والنّاقد التّونسي حسن سالمى أهلا ومرحبا بك.

- أهلا وسهلا. لا تسعني الكلمات للتّعبير عن مدى سعادتي وأنا أصافح رجلا نبيلا واسع الثّقافة مثلكم، دكتور نادر عبد الخالق.

من هو حسن سالمى؟

- حسن سالمي، أديب من بلاد الجريد، من توزر تحديدا، وهي مدينة تقع في الجنوب الغربي من البلاد التونسية، ولدت سنة 1971، وأشتغل موظّفا بوزارة الماليّة، أهتمّ بكتابة السّرد إبداعا ونقدا. وقد صدر لي "التّيه" (مجموعة قصصيّة). "البدايات" (رواية). " زغدة" (مجموعة قصصيّة). "الإشارات" (دراسات نقديّة). "الدّماء لا تنبت القمح" (قصص قصيرة جدّا). "مأدبة للغبار "(قصص قصيرة جدّا). ولي في انتظار الطبع: "المحاق" (رواية في ثلاثة أجزاء، حوالي1000صفحة). "الطّيف" (رواية). "أرض الزّعفران" (رواية للنّاشئين).

كتبت في فنون الأدب (الرّواية والقصّة والقصّة القصيرة جدّا والمقالة والنّقد) مالذي يروق لك منها؟ وهل يمكن للأديب أن يقدّم نفسه من خلال عدّة فنون وألوان مختلفة من الكتابة؟

- أعتبر السّرد بيتا واحدا وإن تعدّدت غرفه. جميعها تنفتح إلى بهوه الواسع، مثلما تنفتح على العالم الخارجي متمثّلا في تجاربه الفكريّة والإبداعيّة والفنيّة وما إلى ذلك. وإذا كان كلّ جنس ممّا تفضّلتم بذكره مستقلاّ بذاته، قائما بهويّة إبداعيّة تخصّه، فإنّ ذلك لا ينفي قيام علاقة ما بينها. من هنا يصبح الأمر يسيرا على الكاتب أن يخوض غمار التّجربة في رحاب تلك الأجناس السرديّة. والدّافع إلى ذلك ذاتيّ وموضوعيّ. أمّا الذّاتي فكلّ جنس من تلك الأجناس يمثّل خمرة يختلف طعمها ومذاقها ودرجة الانتشاء بها عن الأخرى. ولذّة الكتابة في نظري دافع أكبر للخوض فيها. أيضا الدّافع إليها هي غموض الذّات وما تثيره من فضول، خصوصا الذّات الكاتبة. من هنا تكون رحلة البحث عنها بطرق مختلفة بواسطة الكتابة. أمّا الدّافع الموضوعيّ فلأنّ كلّ جنس غير قادر بمفرده أن يقول كلّ شيء. أو على الأقلّ غير قادر أن يكون وفيّا كفاية لتلك الطّاقة الكامنة بين حنايا الكاتب. لهذا كان من الضّروريّ للمبدع أن يصنع رئات عدّة للتنفّس وأن يجعل له أكثر من جناح كي يحلّق ما وسعه التّحليق. أمّا سؤالكم ما الذي يروق لي منها، فأقولها بلا مواربة. الرّواية. ليس فقط لرحابة فضائها وما يعنيه من حريّة للكاتب كي يبحر في العالم أنّى شاء. بل لأنّها الوحيدة القادرة على اختزال الكون بكلّ ما يعنيه من تنوّع وتعدّد في الألوان، والظّلال، والأطياف، والأحجام والأبعاد...

ما رؤيتك للنّقد الأدبي؟ وكيف تنظر للنّص مجرّدا من التّأثيرات النّظريّة؟ هل يمكن أن يستطيع للكاتب والأديب أن يمتهن النّقد؟

 

- النّقد الأدبيّ لا يكون بنّاءً إلّا إذا كان صاحبه متجرّدا إلى أبعد حدّ. معتبرا قراءته للنّصوص عبارة عن شهادة يدلي بها أمام القضاء. فلا ينبغي له أن يشهد شهادة الزّور بقطع النّظر عن العواقب، مثلما لا ينبغي له أن يكتم بؤر الضّوء في النّص ولو اختلف جوهريّا مع صاحبه. نظرة النّاقد فاحصة ودقيقة قائمة على ميزان عادل لا تفرّق بين نقطة الظّل ونقطة النّور. تِبيانُهُما بكلّ موضوعيّة يخدم تجربة المبدع الكاتب، وتربحه كثيرا من الوقت، وتسهم في إثراء الثّقافة السرديّة للمتلقّي ككلٍّ.

أمّا بخصوص الجزء الثّاني من سؤالكم، فأعتقد أنّ الّنص السّرديّ الذي لا يتغذّى من الجانب النّظري لهذا الفن فلن يحلّق كثيرا، وحينئذ يكون الأقرب للنسيان والاندثار. النّص الذي لا ينطلق من رؤية واضحة محدّدة مسبقا، والذي لا يبالي بالإرث النّظري العظيم للسّرد، سيظلّ يراوح مكانه دون ان يتخطّى عتبة البدايات... لكن هذا لا يعني أنّ قدر المبدع أن يظلّ سجينا للنظريّة، وأن يفرّط في حريّته باعتبارها السّند الأعظم للإبداع. نعم يتغذّى من النظريّة ويهضمها جيّدا ثمّ يسبقها بخطوة أو بخطوات. ذلك ديدنه.

نعم يستطيع الأديب الكاتب أن يمارس النّقد في حالات ما. ثمّة أسرار وخفايا في ألاعيب السّرد لا يدركها من كان يتفرج عليها من الرّبوة. وقديما قال العرب ليس الحائك كالبزّار. وعموما فإنّ السّاحة العالميّة لا تخلو من أولائك الذين يمارسون الكتابة بشِقيّها، الأدب والنّقد. ولولا الإطالة لذكرت أمثلة على ذلك.

ماذا يعنى الفنّ لك وللمتلقّي الآن؟ وما هو حال الفنّ الأدبي الآن في تونس على ضوء مفاهيم الحداثة التي غزت الثقافة العربية؟

- سأبقى في مجال السّرد. ما الفرق بين قصّة وقصّة أو بين رواية ورواية؟ النّقطة الفارقة بين هذه وتلك هي الشّحنة الفنيّة التي تشبّعت بها. تظلّ النّصوص السرديّة مجرّد حكايا يقولها غير المبدعين كذلك. قد تتضمّن كلّ شيء وأيّ شيء، إلّا أن تتضمّن أشواق الفنّ وشطحات الإبداع. ومهما بدا موضوع السّرد ساخنا وملتصقا بالقضايا الحسّاسة وهموم النّاس فإنّ ذلك وحده لا يصنع نصّا متميّزا يقدر على البقاء.  إنّما ذلك رهين لعبة يلعبها الكاتب مع القارئ، يضمنها الفنّ أساسا بعيدا عن المباشرتيّة والوعظ والإرشاد.

أمّا بالنسبة إلى حال الأدب في تونس فإنّي لا أراه يختلف كثيرا عمّا قرأت له في الوطن العربي. واسمح لي أن أستثني الأدباء الكبار الذين تعلّمنا منهم ولا نزال. إنّما أتحدّث عن موجة جديدة من الكتابات، قامت أغلبها على العفويّة والتّداعي من دون احتفاء كبير بالجانب التّقني والفنّي في السّرد والمرحلة التي وصل اليها عالميًّا. مازال الاهتمام بالموضوع طاغيا على حساب طريقة تقديمه، فيكفي أن يكون صادما وجريئا وساخرا من القيم والعقائد. ربّما يعود هذا الى الافتتان ببعض المفاهيم الحداثيّة المعزولة عن سياقاتها ومناخاتها، ومحاولة استنباتها في غير تربتها.

وكيف تقيّم تجربتك في ضوء هذا الزّخم الأدبي المتصارع من حيث تداخل الأنواع والاتّجاهات؟

- من الصّعب جدّا أن يقيّم الكاتب نفسه. فهذا موكول الى النقّاد والتّاريخ ومدى تفاعل القُرّاء مع كتاباته. لكنّي أحاول أن أواكب مستجدّات الفنون السرديّة، معتبرا الرّواية باعتبارها سيّدة السّرد قد أضحت عالما مفتوحا على جميع طرائق التعبير. وهي قادرة على استيعاب كلّ الفنون وتحويلها إلى خيوط تنسج بها عوالمها. ولكي تثبت تناغمها مع هذا المبدإ فإنّها مدعوّة إلى التّحلّي بأكثر قدر ممكن من التّسامح حتى يمكنها هضم المتناقضات والاتّجاهات المتضاربة في داخلها، سواء على المستوى الفنّي والتّقني أو على المستوى الدّلالي والمعرفي.

هل يمكن قراءة الواقع الاجتماعي للكاتب من خلال نصوصه؟

بالتّأكيد، وإلّا فإنّ الكاتب يكون خائنا لرسالته. ما يكتبه لا ينبغي أن يعكس الجانب الاجتماعي فحسب، بل يمتدّ إلى جميع نواحي الحياة بكلّ ما تحبل به من ألوان ومشاعر. ما الادب، إن لم يكن ملتصقا بالهموم الحقيقيّة للناس؟ معبّرا عنهم في حالات الفرح والحزن، والقوّة والضعف، والإشراقة والظّلمة.... "نحن معشر الرّوائيين قضاة تحقيق في النّاس وأهوائهم" كما يقول إميل زولا.

للجريد بيئة خاصّة ومذاق خاصّ وطبيعة ساحرة في نخيله وشخوصه وصحرائه ومناخه. هل كان لذلك تأثير في تجربتك الكتابيّة؟

- لا شك أنّ البيئة التي نشأ فيها الكاتب تظلّ هي الضّرع الأوّل الذي يستمدّ منه نسغ كتاباته. الكتابة ذاكرة قبل كلّ شيء وامتلاء بتفاصيل الحياة. وبلاد الجريد هي التي أمّنت هذا المكسب لي. لهذا فهي تتسلّل إلى أعمالي على نحو أو آخر. فضلا عن أنّني أتعمّد أكثر الأحيان رسم هذه البيئية بتفاصيلها وأجعل منها مسرحا لأعمالي المتخّيلة، خذ مثلا القصص التّالية شعرات الكلب الأسود، الطّلاسم، زغدة، التّيه، التميمة، شوكة في حلقي، الدجّال.... أمّا الرّواية فخذ مثلا رواية الطّيف... لكن هذا لا يعني أنّى أقتصر على البيئة الجريديّة فحسب، بل أحاول التّنويع من الأمكنة قدر المستطاع. فرواية المحاق مثلا تجري أكثر أحداثها في إيطاليا. كذلك رواية البدايات تتّخذ من الشّمال الغربي للبلاد التونسيّة مسرحا لها.

أراك تهتمّ بالصّورة ورسم الشّخوص وبناء الأفكار. هل يمكن أن تكون الصّورة بتنوعاتها بديلا عن اتجاهات السرد الموضوعي؟

- أمام التّحديات الكبيرة التي باتت الأجناس السرديّة تواجهها في زمن هيمنت عليه الصورة ووسائل الاتّصال الحديثة، فإنّ هذا الفنّ يجده في دائرة جديدة من الأسئلة تتعلّق أساسا بطرق بقائه في أدنى درجة، وكيف يفتكُّ له مكان الصّدارة كي يبقى على عرشه. من هنا بات ضروريّا على الكاتب أن يغيّر من طرق كتاباته وأساليبها. من ذلك استثمار تقنية الصّورة وإعادة ترجمتها سرديّا. ومن هنا فإنّنا لا نتحدّث عن منطق البدائل، بقدر ما ندفع إلى تظافر جهود أنماط من السّرد ضمن تصوّر واعٍ، يحقّق أكبر جرعة من الجمال.

عناوين أعمالك خالية من التّفاؤل وتميل للمواجهة والصّدام أحيانا. ما تفسيرك لذلك؟

- أشكركم على ملاحظتكم هذه. وأنتم تنبّهونني إلى شيء مهمّ. من عادتي أن أتخيّر العنوان المخاتل المثير للتّأويل والاحتمال. وطبعا لن تكتمل هذه الدّائرة إلّا إذا اقترنت بالنّصوص وتمّت الموازنة بينهما. مأدبة للغبار أو التّيه باعتبارهما الأقرب الى ملاحظتكم لا يدلّ معناهما الظّاهر بالضّرورة على عدم التفاؤل، بقدر ما يشكّلان موقفًا ما من شيء ما، وتوصيفا دقيقا لمظهر ما. قد يصدمنا هذا التّوصيف ولكنّه الحقيقة من وجهة نظر النّص. ثم ما معنى التّيه؟ ألا يدلّ في معنى من معانيه على عدم الإرتكان الى أرض صلبة والاستمرار الدّائم في البحث عن شيء ما؟ ... وهنا اقتنص الفرصة لكي أبيّن أنّ العوالم التي أصنعها ليست كوابيسا دائما ولا عتمة مقيمة. الاعتدال يظلّ مطلبي وغايتي دائما. لأجل هذا أحاول أن أمثّل الحياة في كتاباتي. والحياة معناها تعدّدٌ في الألوان والظّلال والأصوات...

انتشرت مواقع التواصل الاجتماعي وجعلت العالم قرية صغيرة هل ترى أنّها يمكن أن تحلّ بديلا عن المجموعات الورقيّة؟

- عندما هجم طوفان المواقع الاجتماعيّة لم تكن الشّعوب العربية متهيّأة له تماما. لأجل هذا أثّرت بشكل كبير على الكتابات الورقيّة، وأصابت سوقها بالشّلل. ولكم أن تقارنوا بين عدد المجلّات والجرائد والصّحف وأعداد نسخها قبل الطّوفان وبعده. كثير منها كسد وأغلق أبوابه. كذلك عالم الكتاب. فمن سَحْبٍ بالآلاف وعشرات الآلاف إلى عدّة مئات فقط. ولكم أن تراجعوا الإحصاءات بخصوص القراءة والمطالعة عند العرب لتدركوا أنّ الأرقام جدّ مفزعة. والسّؤال كيف نعيد عالم الورق الى عادات النّاس؟  كيف نوازن ونجاور- على الأقلّ- بينه وبين تلك المواقع التي لم يعد بوسعنا الفكاك عنها. والاستفادة منها في إعادة ترميم علاقة العربي بالورق؟ أقول هذا لأنّي أعتبر نكهة الورق لا تعوّضها الأدوات الجامدة الخالية من الرّوح وأنّ المعرفة الحقيقيّة لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تؤمّنها الوجبات الفكريّة السّريعة، أو القراءات السّطحيّة المستعجلة.

هل ترى الانفتاح على التّجارب الغربيّة مفيدا للسّرد العربي؟

- طبعا... الانفتاح على الثّقافات الأخرى في العالم والاستفادة من تجارب الشّعوب هما البوّابة الأمثل لتطوّر التّجربة العربيّة في كلّ المجالات، بما في ذلك المجال السردي. والسّؤال، كيف يمكن غربلة تلك الرّوافد والاستفادة منها دون أن يؤدّي إلى ذوبان الهويّة العربية واضمحلال قضاياها في زمن العولمة؟ ماذا يمكن ان آخذ من تلك التّجارب وماذا أدع؟

ما رأيك في تأثير تجارب الكتاب السّابقين على الجدد وهل استطاعوا أن يستلهموا تاريخهم وموروثاتهم؟

- لكي تكون الإجابة دقيقة يجب الاستناد إلى استطلاعات رأي وإحصاءات إن لزم الأمر. ومثل هذه لا تتوفر لديّ الآن. غير أنّى ألاحظ في بعض الكتابات الجديدة ومن غير تعميم، فتور علاقتها بالأقدمين. فمِّما ابتلينا به هو ظهور طبقة من الكُتَّابِ لا تقرأ كثيرا. والنّتيجة هي نصوص متعثّرة مازالت تحمل وهن البدايات كأن لم يمر بها الزّمان.

يقولون "هذا زمن الرّواية" فهل سقطت دولة الفنون الأخرى؟

- أعتقد أنّ هذه الكلمة مبالغ فيها. قد تكون الرّواية ديوان العرب في عصرهم الحديث. إمّا أن تكون سيّدة الفنون. فالتّحديات أمامها كبيرة في زمن الصّورة وسرعة انتشارها في أبهى حلّة. فما تقوله الرّواية في عشرات الصّفحات قد تقوله الصورة في ثوب أكثر إغراءٍ في ثانية أو بعض الثّانية.

كرّمت من قبل عدّة جهات، فما التّكريم الذي تعتزّ به، وما رأيك في الذين يسعون للتكريم؟ وما أمنياتك على الصّعيدين الخاص والعام؟

- الحقيقة، لم أكرّم إلى اليوم. عدا بعض الجوائز زمن الشّباب وهي لا تدخل في هذا الإطار. التكريم الحقيقي للكاتب هو وصول كتابه الى أوسع طبقة من القرّاء ويجد صداه في تفاعلاتهم. التكريم بهذا المعنى لم أنل شرفه بما يكفي. لصعوبة انتشار الكتاب في بلدي ولانسداد الأبواب في وجهه.  أتمنّى أن يتوفّر لديّ الوقت أكثر كي أنجز مشاريع كبيرة في المخطّط مثلما أتمنّى وصول كتاباتي إلى النّاس، أمّا على المستوى العام فأتمنّى الأمن والأمان لكلّ الوطن العربي، وأن يخرج من محنته الرّاهنة في وقت قريب.

ما السّؤال الذي كنت تود أن يوجّه إليك؟

- كفيّتم ووفيّتم دكتور نادر. أشكركم على هذه المصافحة. وأتمنّى لكم مزيد التألّق والنّجاح.

 

حاوره: د. نادر عبد الخالق -  مصر

 

 

751 علي غازيرسالتي للكتاب الملتزمين نبذ التطرف والتسلط وتغييب الفكر

يرى الكاتب العراقي علي غازي أن مفهوم الثورية فيه نوع من الفخامة التي لا تناسب واقعنا المربوط بثقل موروثه التأريخي، باعتبارها أسلوب من أساليب التغيير الإجتماعي، قد تؤدي إلى غاية إسقاط النظام، غير ان الكاتب علي غازي قد زاوج بين الثورة والثورية واستعملها في مجالات غير سياسية أي أنه أعطاها طابعا فنيا وثقافيا طالما الثورة تعني التغيير، وقال أن الثورة تحتاج إلى دعم جماهيري يتخطى الطائفية والهويات الشخصية حتى يصح عليها الاسم، ووفق المفهوم الإشتراكي لا يمكن أن تكون ثورة بلا نظرية ثورية، في رسالة وجهها للمبدعين العرب قال الروائي علي غازي: رسالتي كرسالة بقية الكتاب الملتزمين، في نبذ التطرف والجهل والتسلط وتغييب الفكر، يتحدث علي غازي في هذه الدردشة القصيرة عن أزمة المقف العربي وعلاقته بالسلطة ودوره في رسم الواقع العربي

سؤال/ الحركة الثقافية الثورية في الساحة العربية لم يعد لها وجودا، هل السبب يعود إلى أن المثقف الثوري غاب عن الساحة ما رأيك؟

- مفهوم الثورية، حسبما أرى فيه نوع من الفخامة التي لا تناسب واقعنا المربوط بثقل موروثه التأريخي، إذا تتبعنا الموضوع بدقة، سنجد الكثيرين لا شك، مارتن لوثر، روسو، غيفارا، لكن تأريخنا العربي ليس كذلك، فالمثقف هنا، مجرد ضحية لمجتمع أحادي النظرة، ولك ان تتصوري الحلاج، صراعات ابن رشد وابن سينا، بل أننا لا نكاد نرى شاعرا أو فيلسوفا في أي عصر من العصور، قد انتهت حياته بسلام، في العراق هناك موروث ضخم من الأسماء اللامعة التي قارعت حتى آخر نفس ظلم السلطة والدين والمجتمع، لكن لا يمكن إطلاق تسمية ثورية عليهم، حسب وجهة نظري، لأن الدائرة جدا ضيقة، والتأثير بقى في الإطار المعروف لدينا جميعا، لذلك كنا دائما نقول أن مجتمعنا ضحل ثقافيا، ومتقوقع على نفسه لدرجة أن تكون أولوياته منحصرة في سلسلة مطالب حياتية كمالية وليست فكرية.

سؤال/ مفهوم الثورية مصطلح شائك ومعقد، فكيف نقيم إذن ما يحدث في العراق وسوريا واليمن، هل هذا يعني ان البلاد العربية تفتقر إلى ثوريين؟

- وجب هنا أن نفرق بين الثورية والإيديولوجية، وما يحدث الآن هو صراع الآيدلوجيات وليس ثورات وأظن الفارق كبير ولا يحتاج إلى تعليل، فما يحدث في هذه البلدان معروف، الدموية والغلو في استخدام العنف لدرجة التطرف، ليس له أي مبرر أخلاقي، وإذا أردنا وصفه بأنه ثورة ينبغي علينا أيضا أن نصف الطرف المقابل بذات الكيفي، لا يكفي أ نرفع الشعارات بخلفية اثنية أو ثانوية تخص أفرادا، لنحصل على لقب ثورة أو ثورية، لأن الثورة في جوهرها، تحتاج إلى دعم جماهيري يتخطى الطائفية والهويات الشخصية حتى يصح عليها الاسم، وشرعيتها تأتي من التفاف الجميع حولها، وفهمها بالطريقة التي فهمتها بها كل الشعوب الأخرى، وهذا ما يجعل التمييز سهلا بين صناع العبث والفرسان الحقيقيين،

سؤال/ إذن القضية تتعلق بالمثقف والسلطة؟

- نعم وهو المحور الذي جعل من المثقف مجرد أداة بيد السلطة، ومعروف أن الإستبداد السياسي احتكار الحكم ومنع أي مشاركة للشرائح الشعبية والقوى المختلفة من تقاسم السلطة، والحقيقة أن الثورات الشعبية والنظرية الثورية وغياب دور المثقفين وحتى المفكرين والفلاسفة غائي أو مغيب لا فرق، حتى وإن تغاضى البعض عنه في مرحلة الزخم الثوري والتعاطف مع تطلعات الشعوب وحركات الجماهير .

سؤال / لنعد إلى الجانب الإبداعي، كيف تكونت القصة القصيرة في الوطن العربي وماهي الرسالة التي تؤديها القصة القصيرة.؟

- لا توجد مقاربات نظرية مؤكدة حول أصول نشأة القصة القصيرة العربية وإن كان البعض يرى أنها قديمة وموجودة بصيغة من الصيغ في السير والمغازي أو حتى المقامات، ولربما سنكون غير منصفين، إذا لم نشر إلى جهود جبران وجرجي زيدان والمنفلوطي، ورغم أن تجربتهم لم تكن على نحو عميق، بحيث يسهل تجنيس كتاباتهم على أنها قصص قصيرة مكتملة من حيث الشكل، لكنها فتحت الطريق خصوصا بعد الثورات العربية وحركات التحرر، منتصف القرن العشرين، أمام طبقة متنورة ليبرالية التوجهات، تأثرت بالثقافات الغربية وكتابها الكبار، كتشيخوف وموباسان، وجويس، وفي العراق على وجه الخصوص هناك أسماء لها فضل الريادة في المشهد الثقافي وكانت كتاباتهم تتحدث عن الهموم اليومية والفقر والتعبير عن الصراع النفسي بصورة ناضجة جدا، كيوئيل رسام، أنور شاؤول، عبد الملك نوري.

سؤال/ هناك اسماء مرموقة في الساحة الإبداعية العربية؟ هل تاثرتم باسم من هذه الأسماء؟

- إذا أردنا الإنصاف أكثر، في الحديث عن الموضوع فلابد طبعا من ذكر ذلك الجيل الذي كان لهم التأثير الأكبر على الساحة الثقافية، كفؤاد التكرلي، عبد الرحمن مجيد الربيعي، عبد الستار ناصر، محمد خضير، عائد خصباك، وارد بدر السالم وغيرهم الكثيري.، ولدينا اليوم مئات الأسماء المرموقة التي تكتب القصة القصيرة في الوطن العربي أشهرهم من العراق وسوريا والمغرب، ولهم تأثير جدا واضح على بقية الكتاب العرب، وفي رأيي البسيط، أن القصة القصيرة، لها قابلية مرنة على إلفات نظر القارئ، ليس من ناحية الحجم فقط، بل ما تتميز به من إمكانية خلق مساحة للأفكار الملحة ومعالجتها بأسلوب سلس وخالي من التعقيد

 سؤال / ماهي اهم التطورات التي شهدتها الرواية العربية

 - أظن أن روايائيينا العرب متأخرون بمراحل عن أقرانهم في أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى اليابان، ففي الوقت الذي ظهرت روايات مثل الطاعون، الغثيان، مئة عام من العزلة، والصخب والعنف، ظل البعض من الكتاب العرب يكتب بصورة نمطية وبمسميات عدة، كالواقعية، التي عنت للبعض الهبوط في التفكير لمستوى أبناء الحارات والفتوات والبلطجية، صحيح أبدع البعض روايات خالدة كموسم الهجرة إلى الشمال، وشرق المتوسط وبعض كتابات حنا مينا، لكنها ظلت تجارب فردية، لم تحسم النقاش حول تأثيرها إلا في وقت متأخر من القرن العشرين، حيث بدأت الكتابات تتغير وتتلون وتتعدد أساليبها مستفيدة من المدارس النقدية التي تطورت باطراد ملحوظ وعلى يد منظرين كبار.

 سؤال/ أحيانا يستعمل الروائيون الأسلوب الرمزي في كتاباتهم، لماذا التخفي في رأيك؟

- حسب وجهة نظري، هناك سببان، الأول متعلق بالأسلوب فالرمزية أداة من أدواة الكاتب، ومن خلالها يمكن ان يحقق نقلة في وعي قراءه، وتجاوز النمطي والمعتاد، والثاني يتعلق بالظروف التي تحيط كتابنا العرب فهم إما محبطون، وإما خائفون، حيث السلطة وممارساتها التعسفية، أو المؤسسة الدينية وسلوكها المتأرجح بين التأريخي والتجديد المتحفظ أصلا حتى في أرقى أشكاله، وهذان الأمران باعتقادي كافيان لتستر الكاتب وراء الرمزية لإيصال أفكاره.

 

سؤال/ هل قدمت الرواية العربية شيئا ما للمواطن العربي، أم أنها حوصرت فقط في الجانب الأدبي لغاية المتعة؟

- الرواية ليست وسيلة نقل أحداث كالصحف والقنوات الإعلامية، بل هي وسيلة تخاطب وحوار، ومنظومة معقدة لطرح الحقائق وإعادة هيكلتها، والروائي عندما يؤسس وجهة نظر غير تقليدية، سيصطدم بأسوار عديدة، وتحطيمها يحتاج جهدا ليس من قبله فحسب، بل حتى من قبل القارئ. وما أعرفه أن الوعي الجمعي لشعوبنا العربية، لا يزال متأخرا بمراحل، ولوائحه السوداء عريضة. كما أن القارئ العربي تعود النمطية واستعداده لتجاوزها يبقى محدودا على كل حال، لأن القاعدة ضعيفة وضيقة الأبعاد، لذلك فالحديث عن ذاك التأثير يبدو لي، فارغا مالم تؤطر العلاقة بين الطرفين وفق جدلية التفاعل المبني على التفهم العميق.

سؤال/ ماذا كانت رسالتك للقارء العربي من خلال ما كتبته؟

- في كتاباتي تناولت الكثير، بدءا بهموم المرأة وصراعها مع مجتمع ينظر لها كأداة تفقد بريقها مع أول إنكسار، ومرورا بأجواء الحروب والفقد، وضياع الاوطان، وفي كل ذلك كنت أؤكد على جملة مفاهيم، كإحترام الآخر، والتعايش معه رغم إختلافاته، وأن ما تعودنا عليه ليس بالضرورة أن يكون الطريقة المثلى لمواصلة الحياة وفهمه، ورسالتي كرسالة بقية الكتاب الملتزمين، في نبذ التطرف، والجهل، والتسلط، وتغييب الفكر، أنا لا أدعي أني مثالي، أو كاتب بارع من الطراز المتقدم، لأني في الغالب، أكتب ما أراه ممكن التناول، بمعالجة صحيحة تضمن تكامل العمل، أما إن كان ما أكتب قابل للفهم وفق ما أردته أنا، فذلك لا يهمني، لأن عقيدتي ممنهجة وفق المبدأ القائل بموت الكاتب، والقارئ، في النهاية حر في الفهم حسب ما لديه من ثقافة.

 

حوار علجية عيش

.........................

بطاقة فنية:

 الروائي العراقي علي غازي من مواليد 1968 صدرت له عدة أعمال منها: الفصول الأربعة وهي عبارة عن مجموعة قصصية نشرت بالقاهرة سنة 2017، وقصص قصيرة جدا بعنوان : ذهبوا مع الريح طبعة العراق - 2018، إعدام شيوعي، تحت الرماد، أربع روايات قصيرة، منها روايته الأخيرة سيبورا صدرت في 2019، وكما هو ملروف يجمع علي غازي في كتاباته بين القصة والقصة القصيرة والرواية، قال عنه النقاد أن كتاباته تختلف عما يكتبه الآخرون، وأن نظرته للرواية تختلف كذلك عن التي يراها الروائيون أنفسهم بأنها فن أدبي يعتمد على الحبكة والأماكن، ولا تخرج عن كونها تقدم فائدة معلوماتية، إلا أن كتابانه تميزت بتفاصيل واقعية وإنسانية دقيقة، وتبين أنه يحمل مشروعا فكريا.

 

684 فلاح رحيمعُرف فلاح رحيم (بابل 1956م) مُترجماً عراقياً نقل للغة الضاد عن الإنجليزية دراسات متعددة في التأويل والسَّرد والأبستمولوجيا، حتى باتَ في مقدّمة المترجمين العرب. واصل همّه المعرفي الممتد على أكثر من خمسٍ وثلاثين عاماً جلّها قضاها مخفوراً بالترجمة، إلى أن أضاف لمشروعه ميدانين إبداعيين، الرواية (عبر روايتيه القنافذ في يومٍ ساخن 2012 وحبّات الرمل حبّات المطر 2017، وله رواية ثالثة صوت الطبول من بعيد تحت الطبع)، ثمَّ الاشتغال المعرفي الحافر في ثقافة بلد مشرقي كالعراق، من خلال كتابه الأحدث الموسوم "أزمة التنوير العراقي: دراسةٌ في الفجوة بين المثقفين والمجتمع" الصادر عام 2018 عن جامعة الكوفة في العراق.

للكتاب أهمية تنطلقُ من جدَّته في الفحص الابستمولوجي، عند زاوية لم ترصد بعناية، وهي الإنتلجينسيا العراقية، على تنوّع طروحاتها ويقينيّاتها، ونزوعها نحو التنوير والحداثة على شتى المجالات، وبموضوعية من لدن الكاتب فلاح رحيم، تثير الإعجاب، مهما بلغ الاختلاف مع رؤى المؤلف، وطروحاته، والسياقات التي وضع فيها المحاور التي تناولها نقداً وقراءة فاحصة في فصول الكتاب، لنزوع الكاتب نحو اللا مجاملة، وحيادية التحليل والنقد، وتداول الأفكار.

وللبحث في هذه الموضوعة، وضع المؤلف خطاطة للكتاب تمتدُّ على ستّة فصول، سبقها مهاد نظري عن التنوير العربي؛ بوصفه المظلة الكبيرة، والمهيمنة، التي تفرّع منها تنوير بلد مثل العراق، مضيفاً أسباب مأزق التنوير العربي لاسيما بعد ثورات الربيع العربي، وفشل مشروع التنوير الذي يطرحُ سؤالاً جوهرياً حول ماهية دور المثقف خصوصاً بعد فقدان "الجماهير" الثقة به لعدّه تابعاً للسلطة.

ليتوسّع في الفصل الأول متناولاً تاريخياً التنوير في أوربا، وتحوّلاته وأزماته، عبر مفاتيح نقدية كتبت في الموضوعة هذه، استفاد منها رحيم، للتوغل -لاحقا- في شريحته التنويرية العراقية المُنتقاة، فتناول في الفصل هذا موضوعات تنويرية أوربية كالماركسية والليبرالية وطروحات الإيطالي غرامشي والفلسطيني إدوارد سعيد.

أمّا الفصل الثاني من الكتاب فكان تناولاً للكيفية التي كُتب فيها تاريخ العراق الحديث، منذ دخول القوّات البريطانية وإنهاء الاحتلال العثماني آنذاك، متناولاً المؤرشفين العراقيين، كـ(عليّ الوردي، وحنّا بطاطو، وفالح عبد الجبّار، وعبّاس كاظم)، على تباين نوازعهم الابستمولوجية، ومنطلقاتهم البحثية.

وحتى تكتملُ الصورة، نحى فلاح رحيم، باتجاه من تناول تاريخ العراق من الكتّاب الغربيين دراسةً للبلد وأرشفةً لسرديته من منظور آخر مثل: ريفا سبكتر سيمون عبر كتابها (العراق بين الحربين العالميتين: الأصول العسكرية للطغيان) عبر دراسة أسباب هيمنة النزعة القومية في العقل الحاكم للعراق. وفيبي مار وكتابها (تاريخ العراق الحديث) متناولة سردية بداية الحكم في العراق وانتهاءً بخاتمة درامتيكية لحكم البعث في العام 2003، فيما عرض المؤلف لكتاب آخر لتشارلس تريب هو (تاريخ العراق) ماراً بالعرض على عوامل اخفاق الدولة الدستورية في العراق لعوامل عدّة كالاستبداد وشبكة العوائل والعشيرة المهيمنة على موارد البلد والتحكّم السياسي باقتصاده، فضلاً عن منظومة العنف الممنهج الذي مُورس على امتداد الأنظمة المتعاقبة في العراق.

وجاء الفصل الثالث لقراءة مشروع الناقد العراقي سعيد الغانمي، وكيف بدأ حداثوياً مرتمياً في حضن البنيوية فلسفةً ومنهجاً، وكيف صار الغانمي في كتبه الحديثة بعيداً عن فكره البنيوي، مؤثراً ميادين منهجية أخرى تقتربُ من الظاهراتية وملاذ الأسطورة، حسب وصف فلاح رحيم.

فيما خصّ الفصل الرابع لقراءة منجز حسن ناظم النقدي والترجمي، راصداً تحوّلات ذلك المنجز بوصفه مُقارباً نقدياً للشعر الحديث وفق المناهج الشكلية، إلى مقارب للشعر بالكيفية التأويلية، عبر المغامرة بالكشف العميق لرؤى النصوص في صيغتها الإنسانية، معتمداً على مقدرة الناقد الساكنة في ذاته أي "حسن ناظم" وعدّته الثقافية الكبيرة.

وكان الفصل الخامس خاص بالمترجم والمختص بالفلسفة عليّ حاكم صالح وقراءته لدراسة حاكم الخاصة بالروائي فؤاد التكرلي المعنونة بـ(المجتمع الا اجتماعي)، وكتابه الآخر (الايدولوجيا وتمثيلاتها الفلسفية في الفكر العراقي الحديث)، لينهي فلاح رحيم رأيه الخاص بخيبة عليّ حاكم صالح بخيبته من انسياق الفلسفة في العراق -بوصفها تنويراً- وراء الايدولوجيا، ومن ثمّ خيبة من المجتمع برمّته حيث تشي مظاهر المجتمع عكس ما يضمره من فواجع.

وجاء الفصل الختامي للكتاب، للحديث عن تجربة المفكّر عبد الجبّار الرفاعي وما حملته مدونته المعرفية من الوقوع بداية تحت سلطة الموروث الديني والعرفاني بوصف الرفاعي خرّيج حوزة النجف الدينية، وانتهاءً بحصول أزمة، وخيبة كبيرة لدى الرفاعي، في كتبه الأخيرة كـ(الدين والظمأ الأنطولوجي) من الايدولوجيا الدينية وفاعليتها السياسية التي حكمت العراق بعد زوال نظام البعث في نيسان 2003، وغرق تلك الفاعلية الدينية السياسية بفوضى حُكم، وبؤس إدارة، ومنظومة فساد عال، ومسؤولية عن تغيّرات اجتماعية فادحة ومشوّهة.

الكتاب جديد في فكرته، وتحليلاته، وطروحاته أثار لدي أكثر من تساؤل واستفهام بعد قراءته، وهو ما دعاني للطلب من المؤلف فلاح رحيم إجراء حوار عن "أزمة التنوير العراقي" وإيضاح ما قد يلتبس فهمهُ من الآخر، فاستجاب بكرمٍ وحفاوةٍ كبيرين، وعليه أصدقائي الكرام يكون هذا الحوار هو الأول الذي يجريه المترجم والكاتب فلاح رحيم طوال مشواره الثقافي الثري المار ذكره بعجالة.

 

س: كيف نشأت فكرة الكتابة عن موضوعة التنوير في بلد شرقي مثل العراق؟

ج: ذكرتُ في بداية كتاب "أزمة التنوير العراقي" أن موضوعة التنوير وأزمته عراقياً وعربياً وعالمياً ظلّت شاغلي الأول منذ عقود. وهو ما يتضح في محاولتي تدوين التاريخ العراقي الحديث في رواياتي "القنافذ في يوم ساخن" و"حبّات الرمل ... حبّات المطر" و"صوت الطبول من بعيد". أزمة التنوير موضوعة رئيسة في هذه الروايات، وبهذا المعنى يكون كتاب "أزمة التنوير العراقي" جزءاً من اهتمامي بالموضوع. ذكرت في أكثر من موضع أن للتجربة العراقية خلال نصف القرن الأخير خصوصيات كثيرة تجعلها غنية في قدرتها على تمثيل الجوانب المتعددة لأزمة التنوير في كل مكان، وهنالك اهتمام عالمي بدراسة التجربة العراقية على نطاق واسع لهذا السبب ضمن أسباب أخرى. نحن أولى بتأمل معضلاتها والتحاور بشأنها في نطاق عراقي.

 

س: كيف تقدّم للقارئ هنا فكرة التنوير بوصفها أفقاً أوربياً؟

ج: التنوير الأوربي موضوعة متشعبة ومعقدة دُرست باستفاضة وتعمق على نطاق واسع. وقد لا أستطيع الإحاطة بجوانب الموضوع في هذه العجالة. الواقع أنني تجنبت التوسع في التنوير الأوربي وأزمته في كتابي لأن الدراسات المتوفرة عن الموضوع، وقد تُرجم منها إلى العربية، توفِّر عليّ هذا الجهد وتجنبني التكرار. بدأ التنوير الأوربي حركة تعلي من شأن العقل والعلم وتؤمن بالتقدّم، وكان له دور كبير في ترسيخ النظرة الإيجابية إلى العلوم وتأسيس نظرية العقد الاجتماعي والدفاع عن حكم الأغلبية سياسياً. والتنوير الأوربي لم يقدم نفسه بصيغة واحدة بل تمثل في مدارس فلسفية كثيرة أبرزها الفلسفة النفعية وفلسفة العقد الاجتماعي والماركسية وكلها اعتمدت مبدأ اليقين ووقفت ضد كل أشكال الشك وآمنت بإمكانية تقدّم البشرية. بحسب التنوير، يتبوأ الإنسان الصدارة في هذا الكون لأنه يعرف ما يصنع (كوجيتو ديكارت) ويملك ما يصنع (نظرية الملكية الخاصة أو العامة) ويقدر على إقامة الدولة الخيّرة (العقد الاجتماعي). هذه الصورة المشرقة لإمكانات الإنسان وآفاق تطوره تعرضت إلى إخفاقات كبيرة خلال الربع الأخير من القرن العشرين تحديداً، وإن كان ظهور أعداء التنوير قد رافقه منذ بدايته. وأعتقد أن ميراث ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية والهرمنيوطيقا هو أبرز تمهيد فلسفي وفكري لتفاقم أزمة التنوير التي انطلقت على المستوى التاريخي والسياسي أصلاً. عندما تهز هذه التيارات المنشقة عن التنوير الثقة في قدرة الإنسان على التمكن من عالمه وعلى الكلام بيقين وعلى الاعتماد على أية مؤسسة عابرة للأفراد في إدارة شؤونه فإنها إنما تنقض ما سعى إليه التنوير. وما يحدث في عالمنا اليوم من نكوص الى الهويات القومية والدينية وصعود العنصرية والشعوبية في أوربا والجدالات الواسعة بصدد إعادة الدين الى المجال العام هي نتائج حرق الأرض الذي مارسته ما بعد الحداثة وضروبها من التيارات النقدية. إذا لم يكن العقل قادراً على توفير اليقين للإنسان فإنه سيتجه إلى القلب وإلى الجماعة والى الموروث ليحصل عليه، هكذا يجادل العالم اليوم. لن يقبل البشر المتاهة التي نجمت عن أزمة التنوير الأوربي طويلاً. والطريقة التي سوف يُسد بها فراغ التنوير تدعو للقلق.

 

س: للتنوير الأوربي فلاسفة أوجدوا مناخاً أبستمولوجياً لتحديث العقل في مجتمعاتهم، كروسو وكانط ومارتن لوثر. أقولُ هل يملك العربُ فلاسفة من طينة من ذكرتُ، حتّى من أسميتهم في استهلال الدراسة كالجابري وإدوارد سعيد وأدونيس، هم نقَّاد ومفكِّرون، وحضرتك - دون شكٍّ - تعي الفروق بين هذه المصطلحات. كيف تنظرُ إلى هذا الإشكال؟

ج: ثقافتنا العربية وصلت التنوير متأخرة. بينما حدثت النقلة من عصر النهضة الذي ختم القرون الوسطى في أوربا الى عصر التنوير في القرن الثامن عشر خلال مئات السنين وصلتنا قيم النهضة والتنوير في حقبة واحدة هي أواخر القرن التاسع عشر. تشبه هذه الحالة تعاقب البنيوية وما بعد البنيوية في فرنسا تاريخياً ثم وصولهما معاً في وقت واحد إلى بريطانيا والشرق الأوسط. مثل هذه المفارقات، كما أرى، تسبب لدينا خلطاً بين مفهومي النهضة والتنوير. بينما العلاقة بينهما تعاقبية في أوربا حيث هما مفهومان مستقل أحدهما عن الآخر، نجد أن المفهومين مترادفان في الثقافة العربية. وهذا لبس لابد من الانتباه إليه. لذلك أرى أن كل ما كتب عن النهضة العربية يقع ضمن بحث التنوير العربي ويقر بوجوده. فضلاً عن هذا، لا يعتمد التنوير لتأكيد وجوده على حضور فلاسفة من طراز روسو وكانط ولوثر في ثقافتنا العربية. يصح هذا إذا عزلنا بعض التواريخ المحلية المختلفة في عالمنا العولمي الذي نعرفه عن البعض الآخر، ويصح إذا قلبنا التاريخ على رأسه واعتمدنا في التحقيب التاريخي نظرة نخبوية تشترط الأسماء الكبيرة على مستوى الفكر للإقرار بحضور فكرة مثل التنوير في عالمنا العربي. التنوير اقتحم المجتمعات العربية بكل قيمه الغربية على شكل قوة استعمارية غازية وطرح نفسه نوراً وناراً في آن واحد. هنالك من يجادل أن العرب والمسلمين يعانون من صعوبات في هضم قيم التنوير لميلهم إلى المحافظة والتقليد. الواقع أن أزمة التنوير العربي تكمن في أن قيم التنوير الغربية كانت ولا تزال تقتحم حياتنا على شكل قوى طامعة في خيراتنا ومزلزلة لوجودنا الاجتماعي والسياسي. المفكرون الذين تفضلت بذكرهم اعتنقوا قيم التنوير الغربي بشكل صريح: زكي نجيب محمود اعتمد القيم الوضعية المنطقية، وعبد الله العروي والطيب تيزيني الماركسية، والجابري الهوية القومية وأدونيس العلمانية العدمية. وهؤلاء حققوا حضوراً كبيراً في الحياة الثقافية العربية حتى أواخر القرن العشرين عندما بدأ ينحسر الاهتمام بمقولاتهم ويصعد نجم التقليد ومعاداة التنوير. أما أن مستوى نتاج هؤلاء الفكري لا يرقى إلى ما صدر عن الثقافة الأوربية، وهو أمر لا أقبله دون تحفظ لأن بعض كتاباتهم لا يقل شأناً عما يصدر في الغرب، فإنه لا ينفي حتى لو قبلنا به حقيقة وجود حركة اجتماعية سياسية فكرية تستلهم التنوير الغربي. هنالك الفكر وهنالك تاريخ الفكر، والأخير مبحث مهم معروف يتناول الطريقة التي تتنقل بها الأفكار في الزمان والمكان بغض النظر عن عمقها وألمعيتها.

 

س: هل يصحّ لنا القول بوجود تنوير عربي، على غرار أوربا؟ هل له مستندات فكرية؟ ومن ثمَّ يمكن الإمساك "بحثياً" بتنوير عراقي، وقراءة أزمته؟.

ج: التنوير العربي يختلف في أوجه كثيرة عن التنوير الأوربي، وقد وضحت بعض جوانب الاختلاف في إجابتي السابقة. أما حقيقة أن قيم التنوير قد اعتُمدت لردح طويل من الزمان في البلدان الخارجة من الحقبة الاستعمارية فأمر يتفق عليه معظم المؤرخين والباحثين المتخصصين. هنالك اتفاق أيضاً على أن هذه الحركة التنويرية في العالم الإسلامي قد اعتورتها منذ البداية علل كثيرة أهمها الاستبداد (أي إسقاط ركني العقد الاجتماعي وحكم الأغلبية، وهما من أهم أركان التنوير) وعلل الميراث الاستعماري والتدخل الخارجي في شؤون هذه البلدان. نعلم أن الحياة السياسية والفكرية العراقية ظلت حتى عام 2003 مسكونة بهاجس التنوير تسعى إلى إقامة دولة التنوير العادلة، ومعظم النتاج الفكري العراقي الذي ساد المجال العام منذ بداية القرن العشرين استلهم قيم التنوير. الواقع أن من أسوأ الحقائق بصدد الوضع العراقي الراهن أن الإطاحة باستبداد البعث وتعسفه ترافق مع الإطاحة بقيم التنوير وبسيادة البلاد، ذلك أن البعث ادعى مُثل التنوير في أدبياته (القومية من أبرز تمثلات التنوير في أوربا) بينما كان يمارس القمع ويعتمد النعرات الطائفية والعشائرية في سياساته الفعلية. من معضلات التنوير العراقي هذا الالتباس في هوية البعث، ومن نتائجه في عراق اليوم أن كل من يدافع عن قيم التنوير يتهم بالحنين إلى حقبة البعث. الكتاب يحتوي توضيحات لهذه الأفكار.   

 

س: ما هي المقاييس المنهجية التي اعتمدتها في اختيار عينة الدراسة؟ بمعنى لماذا هذه الأسماء (سعيد الغانمي، حسن ناظم، علي حاكم صالح، عبد الجبار الرفاعي) وليس غيرهم؟

ج: شكراً على طرح هذا السؤال. وصلني الكثير من التعليقات على اختيار عينة الدراسة واتهمت بمحاباة هؤلاء الأعلام الذين تناولتهم. أود أن أنبه الى أن أمراض الحياة السياسية العراقية، وأبرزها المحاصصة، بدأت تنتقل على نطاق واسع الى الحياة الثقافية. هنالك ولع منقطع النظير بين المثقفين والمبدعين العراقيين بمفهوم الحصة، بالأوسمة والألقاب والأسبقية والنجومية وكأن الفوز بحصة منها هو الغاية من العمل الفكري والإبداعي. لا يوجد ميل الى طرح الأسئلة الإشكالية المحيرة في الخطاب الثقافي المعاصر وتبدو الأسئلة وكأن أجوبتها محسومة سلفاً. يهيمن على الفكر العراقي والعربي عموماً نموذجان فكريان أساسيان، الأول هو النموذج التوتاليتاري أو ما يعرف في العلوم السياسية بالنموذج ت، وهو يذهب إلى أنك إذا جعلت التوتاليتارية عدوك الأول والأخير تمكنت من حل كل الإشكالات وفهم أية ظاهرة سياسية. وهذا النموذج يعاني من مشاكل كثيرة وهو كما يعلم المتخصصون بعلم السياسة والتاريخ من نتائج الحرب الباردة، وقد وضع فيه وفي مشاكله المفكر العراقي الراحل فالح عبد الجبار كتاباً مهماً لم يحظ باهتمام كبير بعنوان "التوتاليتارية". النموذج الثاني هو نموذج التحديث، وهنا يبدو كأنك إذا ما ناصبت التقاليد والتديّن العداء تمكنت من حلّ معضلات البلد. من يتابع الدراسات الأكاديمية الرصينة الحديثة يعلمُ أن ثنائية التحديث: التقليد لم تعد كافية لفهم التاريخ. وقد ترجمت كتاب "قوة الدين في المجال العام" لكي أشير الى هذه الحقيقة. حياتنا الفكرية، وهي أسيرة هذين النموذجين القاصرين، تغفل عن تنوع التجربة العراقية وإشكالياتها المعقدة التي لا يكفي سجال متعجل في الصحافة أو وسائط التواصل للإحاطة بها. كتبت "أزمة التنوير العراقي" على مراحل ولكن الموضوعة وفرضياتي بشأنها ظلت تتطور على نحو عضوي دون قسر أو إكراه. وقد اخترت العينات لأنّها تمثل على نحو نموذجي ومنهجي المعضلة التي أتصدى لها. أما أن أغلب من تناولتهم قد مارسوا الترجمة فهذا لا يقلل من شأنهم بل يزيدهم شأناً. هنالك من يعترض على نعت حسن ناظم أو علي حاكم صالح بصفة المفكر، ولا أدري كيف أصف من يترجم كتاب جورج غادامير "الحقيقة والمنهج" إلى العربية لأول مرة بعد أن بقي نصف قرن بعد صدوره دون أن يقرب منه أحد من المترجمين؟

 

س: عطفاً على السؤال السابق أ. فلاح، يجدُ قارئ الكتاب تهميشاً لأسماء مهمَّة تستدعيها الذاكرة ضرورةً، لها وقع في الجدل الثقافي العراقي (هادي العلوي، حسام الآلوسي، فاطمة المحسن) مثالاً. كيف تجابه هكذا استفهام؟

ج: هنالك أسماء أخرى افتقدها معلقون آخرون على الكتاب منهم فالح عبد الجبار وناجح المعموري وعبد الله إبراهيم وغيرهم ممن أعتز كثيراً بنتاجهم ولا أشك في ضرورة التصدي له بتعمق واحترام. المشكلة أني لا أوزع حصص الدراسة والتقصي على المفكرين على أساس الأشخاص (أو المكونات إذا استخدمنا قاموس العراق الجديد)، بل أوزعها على أساس محتوى الكتاب الذي أضعه والفرضية التي أسعى الى كشف تعقيدها وأهميتها. هؤلاء الذين أتهم بتهميشهم يمثلون جميعاً الإيمان الكامل بقيم التنوير ومشروعه، وهم يندرجون في غالبيتهم ضمن منطلقات التيارات الماركسي والقومي والليبرالي الغربي، أي أنهم باقون على العهد التنويري. أما العينات الأربع التي اخترتها فقد تمكنوا من تلمس الأزمة وناصبوا التنوير العداء وقدموا بدائل لمنطلقات التنوير عبر مناهج تعلن الشك والبراءة من التنوير. أردت أن أقرأ ما يقولون بعناية لأنهم تلمسوا علّة غفل عنها كثيرون. قد لا نتفق معهم ولكنهم جادون في طرح المشكلة وقد كتبوا بتعمق ودراية ومنهجية أتاحت لي التحاور معهم باتساق دون أن يربكني في خطابهم ما نجد من تخبط واضطراب في كتابات أعداء التنوير الآخرين. وقد أضيف هنا في مزحة سوداء ما قلته لأحد المعلقين على هذه المسألة على الفيسبوك: أخترت هؤلاء لأنهم من أقرب أصدقائي وأنا واثق من أني مهما قسوت عليهم وجادلتهم لن يطلبوني عشائرياً كما قد يفعل من لا أعرفهم من أعداء التنوير في عراق اليوم.

 

س: برأيك هل مناهج الحداثة التي استندتْ إليها الشريحة التي اعتمدتها بالدراسة في بداياتهم هي قيم تنوير، ومن ثمَّ عندما انتهى الحال عند بعضهم إلى رفض تلك المناهج والارتماء في "تلقائية التلقي" للنصوص عموماً، انبثقت أزمة التنوير العراقي؟

ج: خرج ثلاثة منهم من رحم التنوير (هم سعيد الغانمي وحسن ناظم وعلى حاكم صالح) لكنهم انقلبوا عليه بسبب سقوط التنوير المدوي في العراق والوطن العربي. أما عبد الجبار الرفاعي فهو رجل حوزوي خرج من قلب التقليد ومارس العمل السياسي على أمل القدرة على التغيير ثم خاب أمله في السياسة فاتجه إلى محاولة ردم الفجوة بين خطابه والإيمان الفطري. والكتاب يحتوي تفصيلات هذه الإجابة.

 

س: ختاماً هل من حلول تقترحها الدراسة لهذا المنعرج (الأزمة)؟

ج: تبدأ الدراسة التي نحن بصددها من حقيقة أن تنظيم الفجوة بين المثقفين والمجتمع هي الأصل في مشروع التنوير. وهذا يعني أن المثقف التنويري بحاجة إذا ما شاء التشبث بأهداب الأمل والسعي إلى الفعل والمشاركة الإيجابية أن يتمسك بمشروعه التنويري الذي قد يدفعه بعيداً عن المسلمات الجاهزة والمصادرات المبسطة. لكنه يحتاج أيضاً إلى وعي أزمة التنوير كما طرحها المفكرون الذين تناولتهم والحرص على ضبط المسافة الفاصلة بينه وبين المهاد الذي ينشط فيه. وقد ذكرت من قبلُ نموذجي التوتاليتارية والتحديث وتحفظت على منحهما الحضور المطلق في حياتنا الثقافية. أحاول في كتابي أن أقترح نموذجاً آخر يسدّ النقص في حياتنا السياسية والفكرية يضم النموذجين السالفين ويتجاوز عيوبهما هو نموذج الشرعية، أي الحاجة الماسة إلى قياس كل شيء لا بمنظور القبول بالفوضى بديلاً عن استبداد الأمس (النموذج التوتاليتاري) ولا بمنظور أن كل حداثة خير وكل تقليد شر وهو منظور مبسط عفا عليه الزمن (نموذج التحديث) بل بمنظور الحرص على مؤسسات شرعية معافاة تضمن تنظيماً منتجاً للفجوة بين المثقفين وصانعي القرار والسلطات الحاكمة من جهة والمجتمع العراقي بكل فئاته وطبقاته من جهة أخرى. العيب الكبير الذي لا ينتبه إليه دعاة المغامرة العسكرية العلمانية بوصفها ضمانة التحديث أن أية عدالة لا تعتمد شرعية دستورية عابرة للأشخاص تمنح المجتمع حق الرفض والمطابة بالشفافية سيكون مآلها الظلم والتعسف بل الكارثة كما نرى بأم أعيننا في بلاد العرب والمسلمين.

 

حاورهُ محمّد فاضل المِشْلَب

..............................

الحوار تم نشره أيضا في مجلة ذوات العدد 52 / 2019م

 

613 خالد الكبيرمحافل الثقافة العربية بين قلق الرّسالة وشحّ الدعم

نادرة جدا هي المهرجانات الثقافية العربية التي استطاعت فرض الاحترام، وتخطي عتبة التقليد السنوي، ومضايق اجترار الأسئلة الثقافية والهوياتية والصور النمطية والأسماء المكرورة، لتعانق آفاق تقديم ما هو نوعي وجاذب، يشكلّ الإضافة ويثري الذاكرة الثقافية العربية والإنسانية على حد سواء.

على سبيل المثال، نستحضر مهرجان إيلاف للثقافات والذي يديره الشاعر خالد الكبير، هذا المحفل في استضافته للعديد من البلدان العربية والغربية، مثلما عشنا أجواءه المترعة بفصول اقتراح كل ما هو نموذجي، ينمّ عن حسّ إداري متقّد وإرادة مسؤولة، هاجسها تدويل القيم الإنسانية ونشر ثقافة الحب والتعايش والتسامح ما بين كل الأديان والأعراق والألسن، في غمرة انتصار جلي للهوية الإنسانية المشتركة، دونما المساس أو التفريط في الثوابت والمرتكزات والقضايا العربية الكبرى التي تحظى بطابع ورداء القداسة لدى كل مكونات الأمة.

طوى المهرجان في طبعته الخامسة، قبل أيام، آخر أوراقه، تاركا صدى طيبا داخل تونس وخارجها، واعدا بالمزيد من المواكبة وكشف اللثام عن أفكار ورؤى جديدة ومستحدثة تخدم قدر الإمكان، لغة الضاد والثقافة بمفهوم عالمي شامل.

مدير المهرجان قامة وازنة مشهود لها بالكفاءة والدربة والمراس والغيرة على الثقافة المسكونة بروح كل ما هو إنساني صرف، وكذا حسن تدبير وإنتاج وإخراج مثل هذه الدورات التي تمثل واجهة مشرقة لأوطان تنطلق نحو رحاب الديمقراطية وتحقيق العدالة وتوفير حيز أكبر للحريات وحقوق الإنسان.

كان لنا معه هذا الحوار.

بداية، نرحب بكم الشاعر خالد الكبير، ونبارك لكم جهودكم المضنية، في سبيل إنجاح مثل هذه التظاهرات المنتصفة للثقافة والإنسان.

هلاّ تقرّبنا أكثر، من خالد الإنسان والإداري المسؤول الذي يحمل هاجس الارتقاء بعناوين ومضامين مهرجان من طراز إيلاف للثقافات وقد بات أكثر حضورا وإشعاعا؟

- عبد ربه، خالد الكبير، إطار سام بالدولة وكاتب وشاعر تونسي، أتقلّد العديد من المناصب المسؤولة، مجملها ينتمي إلى حقل أو قطاع الثقافة: عضو اتحاد كتاب تونس، رئيس جمعية روافد للفنون والثقافات، مؤسس ومدير مهرجان إيلاف للثقافات.

صدري لي في الشعر: للكلام رائحته، ترانيم الروح، تجليات على شفاه امرأة.

وفي الرواية: زلة قلب.

وفي القصة: الصّرة.

نريد أن تضعنا في الصورة، مذ أول نسخة ل" إيلاف للثقافات" وحتّى آخر أجوائها، بشكل مقتضب لو تكرّمت؟

- أولى دورات المهرجان احتضنتها "سوسة" عام2014، بعدها تباعا كل من "المهدية" و"سوسة" مجددا و"المنستير" في طبعتين متتاليتين.

يمثل الدعم المادي على نحو خاص، عائقا كبيرا قد يشلّ مثل هذه الطموحات، ما مدى استفادة المهرجان من مؤسسات الدولة الحاضنة لمثل هذه المبادرات؟

- يظل مشكل الدعم عائقا بالنسبة إلينا كما الآخرين ممن تؤرقهم هواجس النهوض بالثقافة العربية، منذ أولى الدورات ولحد الساعة، مازلنا نعاني شحّ الدعم، بحيث يصلنا ضئيلا جدا من وزارة الثقافة وغير كاف، فيما بقية التكاليف نغطيها نحن كوادر الجمعيات التي ذكرت لكم آنفا، من مالنا الخاص.

كيف يقدّم "إيلاف للثقافة" النموذج في الجوانب المرتبطة بالتكريس لثقافة مشتركة ضدّ التطرف بشتى أشكاله؟

- من أبرز الأهداف التي سطّرها مهرجان إيلاف، نجد جوانب أو طقوسيات الاحتفاء الحياة، والتكريس لثقافة التعايش والمحبة والسلام، والتلاقح الثقافي بمعزل عن اعتبارات فوارق الألسن والألوان والأعراق والتمايزات الجغرافية، مما يعطى طابع العالمية لمثل هذه التظاهرات، كما اقتراح أفكار ورؤى جديدة في مقاربة آفة التطرف بشتى تمظهراتها التي تهدد الإنسان والعالم.

ما الرسالة التي تود توجيهها للجهات الرسمية سواء داخل أرض الوطن أو خارجه، فيما يتعلّق بما تكابدونه من مشاقّ وتحديات، لأجل ديمومة المهرجان وتقديمه أكثر ثراء ونوعية في القادم من الطبعات؟

- لقد حقق"إيلاف" في خامس طبعاته السنوية، تحت شعار "المنستير" مدينة الحب والسلام، جملة من الأهداف التي رسمها منذ زمن، عبر خلق توليفة أو مزيج ثقافي، لدول أورومتوسطية وعربية، إيطاليا، المغرب، الجزائر، العراق، لبنان، أمريكا، النويج.ولسوف نواصل المسيرة بذات الإصرار والحماس والحس الإنساني المسؤول، لحين لفت انتباه مؤسسات أخرى وطنية وقطرية، تهمّها الرّسالة الثقافية التي نناضل بلا كلل، لأجل نشرها في جل ربوع العالم وبقاعه.

سؤال فاتني أن أطرحه عليك؟

- كيف واجهت لوحدك عراقيل ومعيقات تنظيم مهرجان دولي في غياب الدعم الكافي لذلك..؟

أجيب: بالتحدي والعزيمة والإصرار وحبّ الثقافة.

كلمة ختامية

القادم أجمل.

حاوره: احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

 

617 طلال سالم(حتى تعود) و(خرير الضوء) و(برزخ الريح )... وتتواصل التجربة مع الكتابة في جولات أخرى مع الشعر وأدب الرحلة والسيرة..هو مسكون بالشعر في رحلته المفتوحة على الكلمات والمغامرة حيث القصيدة محال حيوي على الذات في تجلياتها وسؤالها الدائم تجاه الآخرين...طلال سالم شاعر لا غبار عليه يفتح لنا هذا الحيز للتنافذ معه وهو يواصل مسيرته الأدبية بخطى متأنية وواثقة...كان ذلك ضمن مشاركته في فعاليات الدورة 17 لمهرجان الشارقة للشعر العربي

1- كيف تتحدث عن تجربتك منذ البدايات وهذه الصلة الوثقى بالشعر؟

- الحديث عن التجربة هو حديث الذاكرة والطفولة والإرتباط بالحياة والفكرة وبداية الارتباط العاطفي باللحن والكملة المغناة وعزف العود والكثير من الأمور التي بدأت بصقل اللغة والإنسانية في روحي، وربما أعود إلى كتابة الخواطر في سن الرابعة عشر من العمر قبل حوالي ستة وعشرين عاماً من الآن والزمن الجميل خارج سيطرة التكنلوجيا حيث الألعاب البسيطة والانتماء للروح والعاطفة وهناك بدأت تتشكل جذوة الشعر والأشخاص الذين تأثرت بهم حتى قبل رحلة الكتابة الحقيقية التي بدأت في المرحلة الجامعية عام ١٩٩٧م والمشاركات الأولى في الجامعة مع الإصدقاء والتمكن من العروض والانطلاق في الفضاء الأرحب، التقلية كان بداية مررت بها إلا أن محاولة تشكل الصوت المنفرد مرحلة متقدمة تجمع بها تجارب الحياة والفلسفة والمعنى الحقيقي في أن تكون لك رسالة تنطلق منها وهي الحرف والوعي.

2- هذه المشاركة الشعرية مع الشعراء العرب بالشارقة ماذا تقول عنها؟.

- هذه المشاركة امتداد لرحلة العشرين سنة التي أعتز بها وأعتبر أنها أضافت لروحي الكثير... إنها التقاء الأحباء والاستماع لتجارب جديدة رغم أنني لا أرى وجوهاً جديدة من جيل جديد أضعناه ربما بنخبويتنا وانكفائنا على الشعر فإنني مازلت أتمنى أن أستمع لصوت العشرين في شعر معاصر.

3- (حتى تعود) و(خرير الضوء) و(برزخ الريح )...و ما جديدك الشعري وهل حظيت دواوينك بالنقد؟.

- جديدي بعد ذلك الكثير في أدب الرحلة طبعت إماراتي في نيجيريا ورشفة من بلاد اليابان وكتبت قصة أقرب لأدب السيرة وهي عندما تتنفس الريح ولي تحت الطبع كافة ما كتبت من شعر، أما رأيي عن النقاد فأعتقد أنهم في أبراجهم العاجية بين ممجد لما يريد وبين ناقد جارح، والأجمل أن يكون الناقد صديق الشاعر معه في تجربته لينقله في عالم الجمال لما هو أجمل، ما لم أجده في العالم العربي.

4- ماذا عن مستقبل الشعر في هذه التحولات وسطوة الصورة والتكنولوجيا؟.

- كما أسلفت ربما تحول الشعر إلى ومضات سريعة ودفقات تويتورية لا تتجاوز الأسطر لكن هذه الموجة لا تلغي الشعور وبالتالي فإن الشعر سيبقى لأن الحياة في عالم مكتظ تحتاج الكثير من الرجوع للذات والهدوء والإنسانية والطبيعة .

5- بادرة بعث بيوت الشعر العربية كيف تقبلتها كشاعر من بلد المبادرة؟.

- إنها امتداد أيضاً لرجل عظيم وهو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي لا أنسى يده التي امتدت إلي في بداياتي وحتى الآن وأنه يؤمن بالإنسان والشعر رغم التصحر العملي والتكنلوجي الذي يزحف على البشرية أجمعها.

6- وبماذا نختم هذا الحوار المصافحة؟.

- كل الحب لمن يحمل في روحه شعراً ومن يستمتع ويؤمن بالكلمة وقبل ذلك لكل إنسان يؤمن أن يوازن حياته في كل شيء بين نماء فكري وعاطفي وروحي تنطلق طاقته للإنسانية والسلام بأسره.

 

كل الحب لمن يحمل في روحه شعراً ومن يستمتع ويؤمن بالكلمة...

الشارقة \ التقاه \ شمس الدين العوني

 

564 هجر المغلي 1- ما الإشكالات التي يطرحها التعليم الأولي اليوم؟ 

- يعد التعليم الأولي مرحلة تمهيدية أساسية من أجل استكمال مراحل التعليم الابتدائي كافة. وتتعلق مرحلة التعليم الأولي بإعداد متعلم السنتين: الرابعة والخامسة بغية الالتحاق بمرحلة التعليم الابتدائي الفعلية التي تبتدئ من السنة السادسة. ومن ثم، تتميز هذه المرحلة الأولية بأنها مرحلة تمهيدية على مستوى القراءة والكتابة والرياضيات؛ حيث تساعد المتعلم، بواسطة اللعب الحركي، على اكتشاف شخصيته، وإخراجه من التقوقع الذاتي نحو فضاء الاندماج الاجتماعي. لذا، كان من الأفضل للمربي أو المربية أن يتمثل مجموعة من الآليات العملية على مستوى التخطيط، والتدبير، والتنظيم، والتقويم، والتتبع والمراقبة... والاستفادة من مستجدات علم النفس النمائي والسيكولوجي، واستيعاب مبادئ علم النفس الاجتماعي، والاطلاع على مختلف قضايا التربية والتعليم المتعلقة بهذه المرحلة الأولية.

وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي تبذل من أجل تطوير التعليم الأولي العمومي، فإن ثمة مشاكل عويصة ما يزال هذا التعليم يعاني منها كما وكيفا. وقد خلص المشاركون في اليوم الدراسي حول (التعليم الأولي المغربي: التجارب، والمعوقات، والآفاق) المنظم بالرباط في الثالث من شهر يونيو 2014م، بشراكة بين وزارة التربية الوطنية من جهة أولى، والتكوين المهني( المديرية المكلفة بالتعليم الخصوصي والأولي) من جهة ثانية، ومنظمة اليونيسيف من جهة ثالثة، إلى أن أي إصلاح للمنظومة التربوية ينبغي أن يستحضر بنية التعليم الأولي على مستوى الهيكلة والتنظيم والتدبير التربوي والبيداغوجي.وفي هذا السياق، دعت الندوة إلى اعتبار التعليم الأولي دعامة ذات أولوية أساسية في الارتقاء بمبدإ المناصفة وحقوق الطفل.كما أشارت هذه الندوة إلى أن وضعية المغرب لاتختلف كثيرا عن باقي الدول التي لايزال فيها التعليم الأولي يعاني من مشاكل عدة؛ حيث لاتزال نسبة ولوج أطفال العالم القروي وذوي الدخل المحدود متدنية؛ مما ينعكس هذا سلبا على تدني مستوى تمدرس هؤلاء الأطفال.ومن هنا، يؤدي ذلك إلى ارتفاع نسبة الهدر المدرسي بالمغرب.

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن هناك تراجعا في نسبة الإقبال على التعليم الأولي العمومي مقارنة بالقطاع الخاص. ناهيك عن الفوارق الشاسعة الموجودة بين المناطق القروية التي يكاد يكون فيها التعليم الأولي منعدما، والمناطق الحضرية التي تعرف نوعا من الإقبال النسبي على هذا النوع من التعليم، وكذلك التفاوت الجلي بين نسب الفتيان والذكور، على الرغم من بعض التقدم الطفيف الذي أنجز في هذا الصدد.

علاوة على ذلك، فلقد أبانت الندوة أيضا أن التعليم الأولي التقليدي يهيمن بمعدل 80.4% من حيث بنيات الاستقبال. في حين، لا يسجل العصري منه سوى 10%؛ ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكلفة هذا الأخير. وقد ترتب عن ذلك أن تعمقت الهوة بشكل كبير في هذا المجال.

ويلاحظ كذلك استمرار حذف أقسام التعليم الأولي بالمدارس العمومية سنة بعد أخرى بالوسط القروي، دون أن يتم تعويضها، ذلك أنه من أصل 18.826 قسم محدث برسم سنة 2005/2006 م، لم يتبق سوى 14.012 برسم السنة الدراسية 2012/2013م.

لذا، لابد من إيلاء التعليم الأولي أهمية كبرى ، باختيار الكفاءات من الموارد البشرية العاملة به للقيام بمهمة تكوين الأطفال في هذه السن بالذات؛ إذ يكون فيها المتعلم مؤهلا لتشرب القيم الدينية والأخلاقية والوطنية والكونية، واكتساب مختلف المعارف والقدرات والمهارات التي من شأنها أن تحدد مستقبله الدراسي في المراحل التعليمية اللاحقة.

وينبغي أيضا على كل الإستراتيجيات التربوية الهادفة إلى الإصلاح الأخذ بعين الاعتبار مقاربة مندمجة للطفولة، ترتكز على حاجيات الطفل قبل الولادة وبعدها، بإحداث مراكز عمومية وخصوصية لتكوين الموارد البشرية المؤهلة، وإشراك الجماعات الترابية في التعليم الأولي، وكذا عقلنة تدخل المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، والقيام بحملات التوعية في صفوف الأسر حول أهمية التعليم الأولي ، ولاسيما في المناطق القروية .

وبناء على ماسبق، يعرف التعليم الأولي مجموعة من المشاكل والعوائق التي تحول دون تطويره كما وكيفا. ويمكن حصرها فيما يلي:

1 - مازالت نسبة إقبال المتعلمين على التعليم الأولي ضعيفة جدا، وخاصة في القرى والبوادي. وفي هذا السياق، فإن نسبة تمدرس الأطفال المتراوحة أعمارهم بين أربع وخمس سنوات لم تتجاوز ستين في المائة برسم الموسم الدراسي2006 - 2007م، مسجلة بذلك تفاوتا بين الوسطين الحضري والقروي وبين الجنسين؛ حيث لم تتجاوز نسبة التسجيل45 في المائة بالوسط القروي، و30 في المائة بالنسبة للإناث. وتبقى المؤسسات التقليدية هي السائدة بنسبة 80 في المائة من مجموع المؤسسات الموجودة.

2 - هيمنة الكتاتيب القرآنية على 85 % من النسبة العامة من متعلمي فترة الطفولة المبكرة.

3 - ضعف إنجازات وزارة التربية الوطنية في مجال التعليم الأولي؛ حيث لايوجد سوى 1.140 فصل فقط لهذا التعليم في المدارس الابتدائية.

4 - غياب واضح للبنيات التحتية والتجهيزات الأساسية التي تتعلق بالتعليم الأولي ، سواء أكان ذلك في المدن أم في القرى والبوادي...

5 - الافتقار إلى البرنامج البيداغوجي الموحد، ونقص ملحوظ في تكوين المربين، وتأهيلهم تربويا وديدكتيكيا.

6 - فشل المخطط الاستعجالي (2009- 2012م) في إصلاح المنظومة التربوية المرتبطة بالتعليم الأولي تخطيطا، وتدبيرا، وتنظيما، وقيادة، وتتبعا.

7 - العجز المادي والمالي والبشري، ونقص في التجهيزات، وقلة المربين، وقلة أطر الإشراف التربوي.

8 - تفاقم ظاهرة البيروقراطية، وتأخر الإدارة في تنفيذ القرارات المتعلقة بالتعليم الأولي.

9 - اختلاف التعليم الأولي العمومي عن التعليم الأولي العصري على مستوى التجهيز، والتدريس، والتكوين، والجودة؛ بل حتى على مستوى تدريس اللغات. فالمدارس العمومية لاتدرس الفرنسية. في حين، يهتم القطاع الخاص بتدريس اللغات الأجنبية. ويعني هذا تباين على مستوى الجودة والمردودية التحصيلية الكمية والنوعية. 

2 - كيف يمكن تنزيل الإصلاح الذي تقترحه مؤسسات وطنية وحكومية بتوجيهات ملكية؟

 - يعد التعليم الأولي مسارا دراسيا مهما في المنظومة التربوية المغربية، حسب الميثاق الوطني للتربية والتكوين، منذ السنوات الأولى من الألفية الثالثة، باعتباره مرحلة أساسية للولوج إلى عالم الدراسة بالسلك الابتدائي. ومن ثم، فلقد أعطت وزارة التربية الوطنية أهمية كبرى لهذا النوع من التعليم، باعتباره مدخلا رئيسيا لتأهيل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسادسة.

 ولم يقتصر التعليم الأولي على المؤسسات العامة فقط، بل اهتم به القطاع الخاص أيضا لمساعدة الدولة على الارتقاء بهذا التعليم كما وكيفا بغية تحقيق الجودة المطلوبة. بيد أن هذا التعليم مازال يتخبط في كثير من المشاكل الهيكلية، والتنظيمية، والقانونية ، والمادية، والمالية، والبشرية. وما زالت الطموحات أكثر من الواقع. بل إن التعليم الأولي العمومي - في الحقيقة - لم ينطلق بعد بشكل إيجابي مقارنة بالتعليم المدرسي الابتدائي الفعلي، أو مقارنة بالتعليم الأولي العصري والتعليم الأولي التقليدي. ويعني هذا أن ثمة مجموعة من العوائق والمشاكل التي يتخبط فيها كما وكيفا.

وإذا كانت الأسرة هي التي تتكلف برعاية الطفل في مرحلة المهد، أو في السنوات الأولى ، فإن مؤسسات التعليم الأولي هي التي تقوم برعاية الطفل في المرحلة الثانية، أو ما يسمى بالطفولة المبكرة ، مع تحمل مسؤولية تنشئته حركيا، ونفسيا ، واجتماعيا.

ولقد أدمجت وزارة التربية الوطنية التعليم الأولي ضمن التعليم الابتدائي، وأصبحت سنواته ثماني سنوات؛ إذ خصصت السنة الأولى والسنة الثانية للتعليم الأولي، ويسمى بالسلك الأساسي. وتشكل السنتان الثالثة والرابعة السلك الأول. في حين، تشكل السنوات الأربع الباقية السلك المتوسط من التعليم الابتدائي. ويعني هذا أن الوزارة قد اعتمدت على سياسة الدمج بين مجموعة من الأسلاك ضمن التنظيم الجديد للمنظومة التربوية الحالية، وفق المادة (60) من الميثاق الوطني للتربية والتكوين الصادر في بداية الألفية الثالثة.

لذا، جاءت المادة (65) من الميثاق الوطني لتقول:" السلك الأول من المدرسة الابتدائية يدوم سنتين. ويهدف بالأساس إلى تدعيم مكتسبات التعليم الأولي وتوسيعها، وذلك لجعل كل الأطفال المغاربة عند بلوغ سن الثامنة، يمتلكون قاعدة موحدة ومتناسقة من مكتسبات التعلم، تهيئهم جميعا لمتابعة الأطوار اللاحقة من التعليم.[1]"

وقد نظم الميثاق الوطني للتربية والتكوين التعليم الأولي في المادة (63) بقوله:" يلتحق بالتعليم الأولي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات كاملة وست سنوات. وتهدف هذه الدراسة خلال عامين إلى تيسير التفتح البدني والعقلي والوجداني للطفل، وتحقيق استقلاليته وتنشئته الاجتماعية، وذلك من خلال:

- تنمية مهاراته الحسية الحركية والمكانية والزمانية والرمزية والتخييلية والتعبيرية؛

- تعلم القيم الدينية والخلقية والوطنية الأساسية؛

- التمرين على الأنشطة العملية والفنية (كالرسم والتلوين والتشكيل، ولعب الأدوار والإنشاد والموسيقى)؛

- الأنشطة التحضيرية للقراءة والكتابة باللغة العربية خاصة من خلال إتقان التعبير الشفوي، مع الاستئناس باللغة الأم لتيسير الشروع في القراءة والكتابة باللغة العربية."[2]

ويعني هذا أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين قد ركز على مجموعة من الكفايات الأساسية في التعليم الأولي التي تتمثل في : كفاية القراءة، وكفاية الكتابة، وكفاية التعبير الشفوي والكتابي، والكفاية اللغوية والتواصلية التي تتمثل في التمكن من اللغة الأم . وبطبيعة الحال، فالمقصود بها اللغة العربية، على الرغم من أن اللغة الأم بالنسبة للأمازيغيين هي اللغة الأمازيغية. بيد أن التعليم الأولي العصري يلقن المتعلمين اللغة الفرنسية، واللغة الإنجليزية، ولغات أخرى، ويسهم هذا في تلويث البيئة اللغوية لدى المتعلم، ويؤثر سلبا في اكتساب اللغة العربية الفصحى.

وأكثر من هذا، يشير الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى الطابع الحسي الحركي لهذه المرحلة، وضرورة التركيز على الأنشطة العملية والفنية ، وخاصة ما يتعلق بالتشكيل، والموسيقا، والمسرح؛ وتنمية قدرات المتعلم الذهنية والوجدانية والحسية الحركية، بالمساهمة في ترقية التلميذ من جميع النواحي، وتنميته عقليا ونفسيا واجتماعيا من أجل الإحساس بالحرية والاستقلالية، وبناء الشخصية عن طريق اللعب، والاتجاه نحو التعلم الذاتي والفني، واكتساب القيم الوطنية، والدينية، والخلقية.

ولقد سمحت وزارة التربية الوطنية للسلطات العمومية والجماعات المحلية والجمعيات المدنية ذات الصفة القانونية بإحداث هذه المؤسسات. ومن ثم، لا يعطى الترخيص لهذه المؤسسات التعليمية الأولية- بناء، وتعديلا، وتغييرا، وإغلاقا- إلا من قبل الأكاديميات الجهوية التابعة لقطاع التربية والتعليم وفق الشروط التنظيمية والقانونية الملائمة في مدة أقصاها شهر، ولن يكون هناك رفض لأية مؤسسة ما إلا بقرار معلل .

و" تضع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مجانا ، ورهن إشارة مؤسسات التعليم الأولي، في حدود الإمكانات المتوافرة، محلات ملائمة لحاجات هذا النوع من التعليم، وذلك في المناطق القروية والمراكز الحضرية الأكثر احتياجا، وبصفة عامة في المناطق السكنية الأكثر احتياجا، والتي يتم تحديدها من لدن الأكاديمية.

كما يمكنها أن تضع رهن إشارة هذه المؤسسات، ولمدة معينة، وقابلة للتجديد، أطرا تربوية تتكفل بتأدية أجورهم.

وتستفيد كذلك مؤسسات التعليم الأولي ذات الاستحقاق من منح للدولة حسب أعداد الأطفال المتمدرسين بها، وعلى أساس احترام معايير وتحملات محددة.

ويتم تمتيع مؤسسات التعليم الأولي من الامتيازات المنصوص عليها في هذه المادة في إطار تعاقدي يحدد حقوق والتزامات الطرفين معا، وعلى الخصوص الحد الأعلى لواجبات التمدرس التي يجب أن تتلاءم مع الوضعية الاجتماعية للأطفال.[3]"

ولن ترخص الوزارة لمن هو عام أو خاص بفتح مؤسسة التعليم الأولي إلا بتنفيذ مجموعة من الشروط التنظيمية والقانونية والتربوية، كالاهتمام بالوقاية الصحية، والتأمين على التلاميذ، وتنفيذ العقود المبرمة التي تجمع المشغل (بكسر الغين) بالمشغل (فتح الغين) ، والالتزام بالكتب المدرسية التي تعينها الأكاديمية الجهوية، والاحتفاظ بتسمية (التعليم الأولي).

ومن جهة أخرى، " تخضع مؤسسات التعليم الأولي لمراقبة تربوية وإدارية تمارسها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين.

وتشمل المراقبة التربوية السهر على تقيد مؤسسات التعليم الأولي بالأحكام المشار إليها في المادة السابعة أعلاه، خاصة فيما يتعلق بمراقبة استعمال الكتب والوسائل التربوية.

وتشمل المراقبة الإدارية فحص الوثائق الإدارية المتعلقة بالمؤسسة ومستخدميها التربويين والإداريين وبالأطفال، وكذا تفتيش المرافق الصحية للمؤسسة، ومراقبة حسن سير المطاعم والأقسام الداخلية في حالة وجودها.[4]"

ويستفيد مدرسو التعليم الأولي وإداريوه من دورات التدريب والتكوين والتأهيل والتأطير. و من يخالف دفتر التحملات، فسوف يتعرض لعقوبات قضائية، أو غرامات مالية، أو سحب الرخصة القانونية. وقد لا تطبق بعض القوانين التي نص عليها القانون رقم 05.00 على الكتاتيب القرآنية، باستثناء مادتي 5و15.

وتبلغ مؤسسات التعليم الأولي- حسب الموسم الدراسي 2012- 2013م- ما يناهز 23.485 مؤسسة، بما فيها 9.992 مؤسسة حضرية، و13.493 مؤسسة في العالم القروي.ويلاحظ أن هناك تراجعا على مستوى البناء والإعداد والتجهيز مقارنة بالسنوات السابقة. ويدرس بها حوالي 685.307 متعلم، بما فيها 476. 286 في المجال الحضري، و209 .021 في العالم القروي. ويشكل التعليم الأولي التقليدي نسبة كبيرة بــ81.9% مقارنة بالتعليم الأولي العصري الذي يمثل 9.8%، والتعليم الأولي العمومي الذي يشكل نسبة 8.3 %.

وتبلغ نسبة الحجرات الدراسية في التعليم الأولي العمومي نسبة أقل (2.319) مقارنة بالتعليم الأولي العصري(9.324)، والتعليم الأولي التقليدي (24.922). وبطبيعة الحال، تتعلق هذه الأرقام بالمستوى الحضري.أما في البوادي، فنسبة التعليم العمومي هي 1.470. أما التعليم التقليدي، فنسبته هي 12.303، ونسبة التعليم العصري هي 239.

ويعني هذا أن التعليم الأول بالعمومي مازال دون التطلعات مقارنة بالتعليمين الأولين: العصري والتقليدي. وينطبق هذا الحكم على مستوى المربين، فهناك فقط 2.131 مرب في التعليم الأولي العمومي، منه 2.063إناث. أما في التعليم الأولي التقليدي، فهناك 25.382 مرب. وفي التعليم العصري، يوجد 10.590 في الوسط الحضري.أما في الوسط القروي، فالتعليم العمومي يمثل 1.332. أما التعليم التقليدي، فيمثل نسبة 12.243. أما التعليم العصري، فيمثل نسبة 210.

ويعني هذا كله أن التعليم التقليدي مازال مهيمنا بنسبة 66.6 في المائة، وبعده التعليم العصري بنسبة 27.8 في المائة، ثم التعليم العمومي بنسبة 5.6 في المائة.

علاوة على ذلك، فلقد سطر المخطط الاستعجالي مجموعة من الحلول الإجرائية المستعجلة للحد من المشاكل والعوائق التي يعاني منها التعليم الأولي، كان الهدف منها هو تطوير مفهوم جديد للتعليم الأولي، و تأهيل العرض التربوي القائم وتوسيعه لتحقيق إلزامية التعليم إلى غاية خمس عشرة (15) سنة. ومن هنا، تقول جريدة (الصباح) ملخصة الخطوط العريضة للمخطط الاستعجالي في ما يتعلق بالتعليم الأولي:" شكل البرنامج الأول ضمن مخططات البرنامج الاستعجالي فرصة لبلورة نموذج لتعليم أولي عصري وملائم للخصوصيات المغربية، حيث يهدف البرنامج استقطاب حوالي مليون تلميذ في التعليم الأولي في أفق 2012م، منها 100 ألف طفل على عاتق الوزارة. وأعلنت وزارة التربية الوطنية التزامها بإحداث 3.608 حجرة دراسية للتعليم الأولي في المدارس العمومية. وفي الأوساط القروية والحضرية الهامشية، مع ضمان التكوين الأساسي لأكثر من 3.600 مربية ومرب، وكذا تنظيم 390 ألف يوم تكوين مستمر لتأهيل المربين العاملين بسلك التعليم الأساسي على الصعيد الوطني. ووعدت الوزارة بتعزيز جهاز التفتيش لصالح التعليم الأولي عبر تعبئة 250 مفتش تربوي."[5]

بيد أن هذه الآمال والطموحات بعيدة عن التحقيق الفعلي ؛ إذ لم يستكمل المخطط الاستعجالي مقرراته بعد، ولم ُيفعل كل تدابيره الإجرائية.

ومن جهة أخرى، فلقد قدم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي رؤية إستراتيجية للإصلاح التربوي ما بين2015و2030م. والهدف منه هو تأسيس مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. وإن كان هذا التقرير، في الحقيقة، تطويرا وامتدادا وتمطيطا للميثاق الوطني للتربية والتكوين ؛ ذلك الميثاق الذي كان يدعو إلى تأسيس مدرسة النجاح الوطنية، بانتهاج بيداغوجيا الكفايات والإدماج.

ويستند هذا التقرير إلى تحقيق أربعة أهداف إستراتيجية كبرى هي:      

الهدف الأول: خلق مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص

يعني هذا الهدف أن تكون المدرسة المغربية مدرسة مساواة وعدالة وإنصاف بالمفهوم الحقوقي، بسن سياسة الإلزام، والسهر على تعميم التمدرس وإجباره على الأطفال المغاربة حتى السن السادس عشرة. ثم، الاهتمام أيضا بالتعليم في المناطق القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص، والاعتناء بذوي الحاجيات الخاصة ، ولاسيما المعوقين منهم الذين لهم الحق الكامل في التعلم والتكوين ، والاستفادة كذلك من بعض امتيازات الدولة الخاصة في مجال التربية والتعليم.

 وتسهر الدولة كذلك على دعم المؤسسات التعليمية وتجهزيها وتوفير الأطر اللازمة للقيام بمهمتها في الظروف الحسنة، وتجهيز تلك المؤسسات بالمستلزمات المادية والمالية والبشرية والتقنية الكافية.والهدف من ذلك كله هو خلق مدرسة ذات جدوى وجاذبية وجودة.وتقوم المدرسة الخصوصية بدور مهم في تحقيق ذلك الإنصاف الوطني، مع المساهمة، إلى جانب مؤسسات الدولة، في التكوين والتأطير والتعليم وفق قانون العدالة والمساواة والإنصاف.

الهدف الثاني: العمل من أجل بلوغ مدرسة الجودة للجميع

يتحقق هذا الهدف الأسمى بتحقيق الجودة الكمية والكيفية، وتجديد المحتويات الدراسية آنيا وظرفيا، بتحديث طرائقها البيداغوجية والديدكتيكية، وعصرنة وسائلها التعليمية، وتجديد مهن التدريس والتدبير والتكوين، وخلق هيكلة جديدة لمؤسسات التكوين والتعليم والتدبير والتأطير، وخلق الجسور الممكنة بين مختلف الأسلاك التعليمية، والبحث عن نموذج بيداغوجي قوامه الانفتاح، والتنوع، والابتكار، والنجاعة، والإبداع. فضلا عن ضرورة التمكن من اللغات العالمية، وتجويد تدريسها، والنهوض بالبحث العلمي والتقني والابتكار، وتطبيق الحكامة الجيدة في مجال التربية والتعليم.

الهدف الثالث: بناء مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع

يتحقق هذا الهدف بتكييف التعليم مع سوق الشغل، وملاءمة التعلمات والتكوينات مع حاجيات البلاد، ومهن المستقبل، وتحقيق الاندماج المهني. فضلا عن ترسيخ ثقافة المواطنة والديمقراطية والمساواة، والسعي الجاد نحو بناء مجتمع ديمقراطي يتفاعل فيه الجميع بحرية، ويتفانى لخدمة الوطن. علاوة على تقوية الاندماج السوسيوثقافي، وتأمين التعلم مدى الحياة، والاهتمام بالتكوين المستمر والمتواصل، والانخراط في الاقتصاد الوطني والدولي ومجتمع المعرفة والمعلومات، والسعي الجاد من أجل أن يكون المغرب من الدول النامية والصاعدة .

الهدف الرابع: تحقيق الريادة الناجعة عبر التدبير الجديد للتغيير

يتجسد هذا الهدف بتعبئة مجتمعية مستدامة على جميع المستويات والأصعدة، مع تدبير المدرسة والمؤسسات التعليمية وفق طرائق جديدة لسياسة التدبير، والتنفيذ، والقيادة، والإشراف، والتتبع، والمواكبة، وتوزيع العمل، وتقويم المنتج التربوي والإداري بغية تحقيق الريادة الناجعة في مجال التربية والتعليم وطنيا ودوليا.

وبناء على ما سبق، يتضح لنا أن الرؤية الإستراتيجية للمجلس الأعلى للتعليم (2015- 2030م) قد أعطت أهمية كبرى للتعليم الأولي في البوادي والحواضر من أجل تطويره والعناية به وفق مدرسة الجودة والمساواة والإنصاف.

علاوة على ذلك، يعد خطاب جلالة الملك في شهر يوليوز 2018 بداية الإعلان عن ضرورة الاهتمام بالتعليم الأولي على جميع الأصعدة والمستويات.ويتمثل مضمون تلك الخطة الإصلاحية في"إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج "تيسير" للدعم المالي للتمدرس، والتعليم الأولي، والنقل المدرسي، والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين".

ومن جهة أخرى، فلقد وجه محمد السادس رسالة سامية إلى المشاركين في (اليوم الوطني حول التعليم الأولي) الذي نظم يوم الأربعاء 18 يوليوز 2018م، تحت الرعاية الملكية السامية بالصخيرات.ولقد شددت هذه الرسالة على ضرورة إيلاء التعليم الأولي أهمية كبرى؛ لما له من إيجابيات في تحقيق التنمية المجتمعية الشاملة، وبناء المستقبل الوطني الزاهر. وفي هذا، يقول:"لا تخفى عليكم أهمية التعليم الأولي في إصلاح المنظومة التربوية، باعتباره القاعدة الصلبة التي ينبغي أن ينطلق منها أي إصلاح، بالنظر لما يخوله للأطفال من اكتساب مهارات وملكات نفسية ومعرفية، تمكنهم من الولوج السلس للدراسة، والنجاح في مسارهم التعليمي، وبالتالي التقليص من التكرار والهدر المدرسي.

كما أن هذا التعليم لا يكرس فقط حق الطفل في الحصول على تعليم جيد من منطلق تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص، وإنما يؤكد مبدأ الاستثمار الأمثل للموارد البشرية، باعتباره ضرورة ملحة للرفع من أداء المدرسة المغربية.

وفي هذا الصدد، نثمن الرأي الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي يعتبر "التعليم الأولي أساس بناء المدرسة المغربية الجديدة، باعتباره مرجعا أساسيا لتعميم تعليم أولي ذي جودة".

ولرفع تحدي إصلاح المنظومة التربوية، فإن التعليم الأولي يجب أن يتميز بطابع الإلزامية بقوة القانون بالنسبة للدولة والأسرة، وبدمجه التدريجي ضمن سلك التعليم الإلزامي، في إطار هندسة تربوية متكاملة.

كما يتعين إخراج النصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بتأطير هذا التعليم، وفق رؤية حديثة، وفي انسجام تام مع الإصلاح الشامل الذي نسعى إليه، واعتماد نموذج بيداغوجي متجدد وخلاق، يأخذ بعين الاعتبار المكاسب الرائدة في مجال علوم التربية، والتجارب الناجحة في هذا المجال.

وفي نفس السياق، نلح على ضرورة بلورة إطار مرجعي وطني للتعليم الأولي، يشمل كل مكوناته، لاسيما منها المناهج ومعايير الجودة وتكوين المربين؛ بالإضافة إلى تقوية وتطوير نماذج التعليم الحالية، لتحسين جودة العرض التربوي بمختلف وحدات التعليم الأولي، في كل جهات المملكة.

إن إصلاح قطاع التربية والتكوين، وفي مقدمته التعليم الأولي، يكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للأجيال القادمة. لأن أطفال اليوم، هم رجال الغد.

ولا يفوتنا هنا أن نشيد بالجهود المبذولة من طرف مختلف الشركاء في العملية التربوية، ولاسيما منظمات المجتمع المدني، داعين إلى اعتماد شراكات بناءة بين مختلف الفاعلين المعنيين بقطاع التربية والتكوين، ولاسيما في ما يتعلق بالتعليم الأولي.

كما نؤكد على الدور الجوهري للجماعات الترابيـة، بمختلف مستوياتها، في المساهمة في رفع هذا التحدي، اعتبارا لما أصبحت تتوفر عليه هذه الجماعات من صلاحيات، بفضل الجهوية المتقدمة، وذلك من خلال إعطاء الأولوية لتوفير المؤسسات التعليمية وتجهيزها وصيانتهـا، خاصة في المناطق القروية والنائية، لتقريب المدرسة من الأطفال في كل مناطق البلاد."

وعليه، إذا كان التعليم الأولى، منذ استقلال المغرب إلى سنوات الألفية الثالثة، اختيارا تربويا ثانويا، تتكلف به المؤسسات الخاصة العتيقة والعصرية، فلقد أصبح، الآن، رهانا إستراتيجيا تتكلف به الدولة قانونيا ومؤسساتيا إلى جانب القطاع الخاص.لذا، أدمج هذا التعليم ضمن مراحل التعليم الابتدائي بشكل رسمي، وأصبح التعليم الابتدائي ثماني سنوات، وثلاثة أسلاك.

3 - ما السبيل إلى إنجاح هذا الورش ، وجعل التعليم الأولي بالفعل قاطرة التعليم، تعيد الجودة إلى منظومة التعليم ككل؟ 

- يمكن اقتراح مجموعة من الحلول والتوصيات من أجل النهوض بورش التعليم الأولي، وجعله قاطرة التنمية المجتمعية الشاملة ، ونجمل تلك الحلول الإصلاحية فيما يلي:

- نشر التعليم الأولي، وتعميمه في الحواضر والبوادي والقرى؛

- تحسين جودة خدماته في أقرب الآجال؛

- رسم إستراتيجية واضحة المعالم في هذا المجال تخطيطا، وتنظيما، وتدبيرا، وتتبعا؛

- المشاركة الجماعية لتجاوز الوضعية الراهنة للتعليم الأولي؛

- تمثل المقاربة التشاركية في حل مشاكل التعليم الأولي؛

- بناء مؤسسات خاصة بالتعليم الأولي؛

- توفير الإمكانيات المادية والمالية والبشرية لتدبير هذا التعليم كما وكيفا؛

- تجويد التعلمات البيداغوجية والديدكتيكية؛

- تطبيق نتائج علوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع فيما يتعلق بخصوصيات الطفولة المبكرة؛

- مساعدة المتعلم على بناء شخصيته المستقلة، وتشجيعه على التعلم الذاتي والاكتشاف؛

- تطبيق البيداغوجيات المعاصرة (بيداغوجيا الأهداف، والكفايات، وبيداغوجيا الذكاءات المتعددة، والبيداغوجيا الإبداعية، وبيداغوجيا الملكات، و مدرسة المستقبل...)؛

- تطبيق آليات التنشيط التربوي والدراما التعليمية من أجل خلق متعلم سليم ومبدع ومبتكر؛

- إيلاء أهمية قصوى للإعلاميات والصورة البصرية والأيقونية لكي يعبر الطفل عن ذاته الطفولية البريئة، وينفتح على جميع العوالم الممكنة؛

- خلق شراكات داخلية وخارجية من أجل تطوير التعليم الأولي، والارتقاء بخدماته التربوية والديدكتيكية؛

- الاهتمام بالتعليم الأولي العتيق بتشخيص واقعه الراهن، وتطوير آفاقه البيداغوجية والديدكتيكية.

 

حاورته: هجر المغلي

..........................

[1] - وزارة التربية الوطنية: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999م، ص:32.

[2] - وزارة التربية الوطنية: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص:32.

[3] - مجلس النواب: نفسه، المادة 5.

[4] - مجلس النواب: نفسه، المادة 16.

[5] - انظر: جريدة الصباح، الملحق التربوي، المغرب، عدد:2851، الأربعاء 10- 06- 2009م.

 

راضي المترفيوحماسة تطرأ على قراءة المذيع

 (عبد الامير) اسم ذو جرس مختلف وسر غامض وكل من حملوا هذا الاسم بزوا اقرانهم في اي مجال تواجدوا فيه فهذا الشاعر المتصعلك (عبد الامير الحصيري) الذي قال: انا امير الشعراء من القطب الى القطب وبدل من ان يحمل الخمرة سبب قتله حمل شاعرة اخرى وقال معترفا (قتلتني كما قتلت السياب من قبلي واقسم لجهنم متفاخرا:

قسم بنارك ماحييت فأنني

سابقى لخمور احقر حانة قسيس

وعبد الامير الاخر كان دبلوماسيا بز اقرانه وقاد مفاوضات العراق مع الامم المتحدة ابان فترة الحصار ونجح في ارساء قواعد برنامج (النفط مقابل الغذاء) من اجل الفقراء حتى تضرر منه تجار الحصار وضجوا بـ(يا انباري كافي بواري) ووو .. وهم كثر على كل حال ومتميزين حتما ونحن اليوم في محطة (عبد امير) لايختلف عن شركائه في الاسم فهو شاعر ومذيع واذاعي ولغوي ووسيم امتطى صهوة الشعر ومايكرفون الاذاعة وسنام اللغة . نحاوره بخشونة متعمدة ونسمعه بود .. نستفزه حينا ونهادنه اخر ونترك له المجال ليضع النقاط على الحروف في مسيرة طالت بين اروقة الاذاعة وقاعات الدرس ودروب الحياة .. انه الشاعر والمذيع عبد الامير البياتي ..

 

من اين اقص اثرك؟

- من اية حقبة تشاء من عملي محررا في تلفزيون البصرة ام من كوني شاعرا وكاتبا صحفيا ام من كوني مذيعا في اذاعة جمهورية العراق ام من انتمائي للحزب الشيوعي عام ١٩٧٤ ام من عملي في التدريس بالتزامن مع عملي الاذاعي

 

بعد ما قاربت الاربعين طرقت باب الاذاعة.. اهي صدفة ام ماذا؟

- طرقي لباب الاذاعة ليس مصادفة فلقد كنت من المتابعين لمذيعي الامس بشكل جنوني منذ الدراسة المتوسطة وعندما دخلت جامعة البصرة كلية الاداب قسم اللغة العربية بعد سنتين عملت محررا في تلفزيون البصرة الذي كان بثه محليا وبعد عودتي من البصرة الى بغداد عملت محررا للاخبار في تلفزيون العراق ثم تقدمت للاختبار مذيعا فقبلت ونسبت الى اذاعة جمهورية العراق حينها كان شغفي للعمل مذيعا هو ما دفعني لذلك لقد كنت اكتب الشعر مذ كنت طالبا في الاعدادية ومارست ذلك بكثرة في دراستي الجامعية وحصلت عام ٧٥ على الجائزة الاولى بمجال الشعر في مسابقة اقامتها كلية الاداب في جامعة البصرة حينها حيث كنت اجيد اللغة العربية التي كانت سببا ايضا بدخولي مجال الاعلام مذبعا تحديدا

 

ايهما امتطى من فيك الشاعر أم المذيع؟

- المذيع وليس الشاعر فاهتمامي بعملي الاذاعي كان اكبر من اهتمامي بالشعر عشقت الاذاعة من بدء سماعي لها وما زلت اهوى الميكرفون واعشقه وبعد ان مارست العمل الاذاعي كان يملؤني الزهو والفخر كوني حققت امنية كانت نراودني منذ صباي

 

هل تذكر ما قال لك المذيع غازي فيصل بعد الاختبار؟

- لقد اختبرني استاذي الكبير غازي فيصل بالثقافة العامة وسالني حينها عن الدولة العراقية والملك فيصل الاول وطلب ان اذكر له ثلاثة وزراء من العهد الملكي ثم طلب مني قراء بعض الاخبار ووجه لي اسئلة في قواعد اللغة العربية فانتقلت الى المرحلة الاخرى وبعد خمسة اختبارات قبلت مع ٥ من زملائي مذيعين في الاذاعة

 

هل نجحت كشاعر وماهو الدليل؟

- كشاعر لم انجح على المستوى العالي لقلة ما اكتب وقلة النشر لكنني شاركت في مهرجانات محلية كثيرة ولم يكن الشعر الا هواية ولم يمن هدفي الاول

 

لازلت وسيما لكن لماذا لم تأخذ الفرصة الكاملة على الشاشة الفضية مثل بعض المذيعين؟

- لم يكن العمل التلفزيوني يستهويني بقدر ما يستهويني العمل خلف المايكرفون الاذاعي ومع ذلك عملت مذيعا للاخبار في قناة العراقية عام ٢٠٠٤ بالمصادفة حينما لم يكن احد من المذيعين موجودا فطلب مني قبل عشرة دقائق من موعد موجز الاخبار حينها كنت مذيعا خافرا في الاذاعة واحدهم منحني قميصا والاخر رباطا والاخر جاكيتا فظهرت وقرات موجز اخبار السابعة صباحا وكان مدير عام شبكة الاعلام حينها الاستاذ جلال الماشطة اتصل بي وطلب مني الاستمرار بالعمل التلفزيوني وفعلا عملت معهم لفترة ثم عدت الى عملي الاذاعي بناء على طلب مني

 

ايهما كان تهمة تلازمك في العهد الماضي .. ميلك السياسي او انحدارك من العمارة؟

- لم اتعرض الى شئ في ذلك الوقت والحق يقال ان لا احد في دائرة الاذاعة والتلفزيون سالني عن انتمائي السياسي او عن انحداري من اية محافظة كنت انهي عملي واعود الى البيت واوصل عملي في اليوم التالي الذي كان متزامنا مع عملي مدرسا للغة العربية

 

 لماذا كانت وطأة اسمك ثقيلة عليك فبترته .. اهو التوق للحرية اهو الهروب من تبعة طائفية؟

- لم اكن اود ان اكون عبدا لامير او ملك او رئيس وهذا ما دفعني الى تقديم طلب رسمي لتغيير اسمي الى امير عام ١٩٩٣ ولكن حينها عرقلت العملية من قبل مركز شرطة الرشاد بل وتم توقيفي ولم اخرج الا بعد كفالة رسمية وثق انني لحد اللحظة لم اعرف سبب ذلك التوقيف اطلاقا

 

هل تؤمن بنظام التوريث؟ ومن اتى بسلا وعلا للاذاعة طموحهم وكفائتهم او انت؟

- لا طبعا لا اؤمن اطلاقا بنظام التوريث لكن الموهبة هي من قادت بناتي سلا وعلا للعمل في الاذاعة والتلفزيون ف سلا عملت مذيعة للاخبار الياضية في قناة البغدادية ومقدمة للبرامج في قناة هنا بغداد وسكرتير تحرير اخبار ومديرة اخبار في قناة الانبار وحاليا رئيس تحرير اخبار في قناة العراقية اما علا فهي مقدمة برامج اذاعية في راديو العراقية وابني الاكبر انس يعمل مصورا في قناة العراقية الرياصية

 

مالذي دفعك للعمل بالاكاديمية الامريكية وهي اشبه بمنظمة مجتمع مدني تديرها مغتربة عراقية .. الفراغ او رغبة بشهادة دكتوراه فخرية او وسيلة لجمع المال؟

- ما دفعني للعمل في الاكاديمية الاميريكية اون لاين كان بسبب دعوة من السيدة عشتار انو سومر رئيسة الاكاديمية وبعد اطلاعي وجدت اسماء عراقية وعربية كبيرة منضوية تحت لواء الاماديمية فوافقت ونصبت مديرا لقسم الاعلام والصحافة العراقية

 

مر في حياة الاذاعة مذيعون كبار مثل قاسم نعمان السعدي ومحمد علي كريم وحافظ القباني وسعاد الهرمزي وغيرهم .. هل لك ذكريات مع بعضهم وبمن تأثرت منهم؟

- انا تاثرت كثيرا بالمذيع المرحوم بهجت عبد الواحد الذي كان يطلق عليه المذيع الذي لا يخطئ لكنني عملت مع امل قباني سهام مصطفى وهدى رمضان ونضال سالم وهالة عبد القاجر وسميرة جياد وكريمة علي وغازي فيصل وجنان فتوحي وموفق السامرائي والمرحوم موفق العاني ونجم عبدالله وكمال جبر ووارد بركات وسلام زيدان وطالب سعد والمرحوم روحي احمد والمرحوم سامي مرتضى وغيرهم الكثير اضافة الى مجموعة من الشباب

 

 هل اللغة سلاح او قيد في عمل المذيع؟

- اللغة سلاح مهم جدا من اسلحة مذيعي الاخبار وبدونه لا يعد المذيع مذيعا اضافة الى الصوت والاداء، والشخصية والحضور والثقافة العامة

 

هل حلمت بقراءة البيان رقم واحد ولماذا؟

- لقراءة البيانات وخاصة ما يطلق عليه البيان رقم (١) لذة في الاداء الاخباري بسبب الحماسة التي تطرا على قراءة المذيع ومدى تاثير البيان غلى المتلقين. طبعا كنت احلم بقراءة بيانات كهذه

 

كيف تتعامل مع خبر تشك بصدقه ولاتظن باهميته؟

- المذيع يقرا ما يخرج من غرفة الاخبار و يحق له النقاش مع اسرة التحرير حول بعض الاخبار . لكن احيانا الاخبار التي نشك باهميتها او صدقها لا تتعامل معها قراءة بروحية عالية ربما الدافع النفسي هو ما يدفع الى ذلك

 

ماهي مساحة الحرية المسموحة للمذيع وهو يقرأ نشرة الاخبار؟

- مسالة الحرية تعتمد على السياسة المركزية للدولة او سياسة المؤسسة التي تعمل فيها حيث كان المذيع سابقا يحاسب على طريقة جلوسه او حركة يديه او ما يبديه من اجتهادات في القراءة اما اليوم فلا احترام للمشاهد من قبل المذيعين لا من حيث جلسة المذيع ولا من حيث الاهتمام بالوقت والزمن وكيفية قراءة الخبر بما يتناسب والجو العام او الوضع النفسي للمشاهدين بعنى على المذيع ان يتصور حال المشاهد ليحدد طريقة ادائه الخبر بين جو حار او بارد او وقت الصباح او الظهيرة صيفا او وقت المساء لكي يستطيع المذيع قراءة الخبر بالطريقة التي تلائم وضع المشاهد او المستمع كي يصل الخبر مفهوما اليه

 

خطأ لغوي اوقعك في مأزق؟

- ما من خطا لغوي اوقعني في مازق بسبب دراستي للغة العربية اكاديميا بل كنت اصحح الاخطاء وانا في الجو سواء في عملي الاذاعي او التلفزيوني

 

اعلى تقدير او تكريم حصلت عليه؟

- اعلى تكريم محلي حصلت عليه هو تكريمي ضمن افضل ١٠ اعلاميين في العراق من قبل الامانة العامة لمحلس الوزراء عام ٢٠١٧ اما اعلى تكريم عربي حصلت عليه فهو الحصول على جائزة التميز الاعلامي على مستوى الوطن العربي عن البرنامج الذي قمت باعداده وهو برنامج قلب العرب في مسابقة اقامتها الجامعة العربية في مصر عام ٢٠١٧ بمقرها بحضور وزراء الاعلام العرب

 

 ماذا يعني للمذيع صوته؟

- الصوت مهم جدا لعمل المذيع وخاصة المذيع الاذاعي فحلاوة الاذاعة بحلاوة اصوات مذيعيها والدليل تلك النخبة الرائعة الكبيرة من المذيعين الذين تميزوا باصواتهم وادائهم على مر عمر الاذاعة

 

يقال انك تزوجت امرأتين بعيدتين عن الشعر والاثير؟

- ههههه انا لم اتزوج الا واحدة كانت رفيقة دربي انجبت لي ارقى الابناء وهم انس واوس والبنات سلا وعلا

 

اخبرني هل كنت مذيعا ناجحا او محظوظا؟

- النجاح من عدمه يحدده الجمهور ولا احب ان اطلق على نفسي ما ليس لي حق فيه

اما عن كوني محظوظا فانا محظوظ لعملي مع ارقى المذيعين وافضلهم .

 

حاوره راضي المترفي

 

536 عزالدين عناية

- في كتابك "العقل الإسلامي: عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" نبّهت إلى ضرورة فهم عميق للدين في المجتمعات العربية التي يتصارع عليها قطبان متضادان (الإسلام السلطوي والإسلام الأصولي).. ضمن هذا التجاذب.. هل يمكن التعويل على الاجتهاد الفردي والجماعي للوصول إلى فكر ديني حقيقي ينهض بالمجتمع وينأى بنفسه عن التوظيف السياسي؟

- الوصول إلى فكر ديني موضوعي يعني الوصول إلى تمثّل عقلي للدين، متخلّص من اللامعقول والأسطرة والأدلجة، وبلوغ رؤية متزنة في علاقة النص بالواقع. ولن يتأتى هذا سوى بوعي سوسيولوجي عميق بمسار تشكّل الفكر الديني لدينا. أما مسألة التوظيف السياسي للدين، فلا مراء أن الإسلام بطبعه هو دين سياسي، منذ إرساء دولة المدينة وإلى الراهن. ولا سبيل للخروج من إشكالية علاقة الديني بالسياسي في بلاد العرب إلا بتحرير السوق الدينية ونزع الاحتكار والمونوبولات في هذا الحقل أي كان مأتاها.

أما بشأن الاجتهاد فالعملية ليست ميكانيكية، بل هي نضجٌ معرفي داخل التاريخ، لم يتهيأ للعرب بلوغها بفعل الرهان التعليمي القائم على الشكلانية. فهل لدينا أنثروبولوجيا عربية أو علم اجتماع عربي أو فلسفة عربية، أو دراسات دينية علمية، أو ما شابه ذلك؟ كلاّ، لدينا مسخٌ من كل شيء. ينبغي أن نعيدَ الدين إلى الناس حتى نبني معرفة صائبة، لقد عشنا ونعيش معركة الاستحواذ على الدين من قِبل الحكام والأحزاب، مع ذلك فهو كالفرس الجموح من يمتطي ظهره سرعان ما تتكشّف عورته، أكان جهازا أو حزبا أو مؤسسة. ثمة توظيف للدين مفزع من عديد الأطراف المتصارعة في المجتمعات العربية، لا يتكلّم أي منها بلسان رشيد.

- ما ظلت تعانيه المجتمعات العربية هو تأويل النص الديني وفق ما يخدم السياسة. أي نظام الحكم، وتكريس فكرة الأصولية كنهج أكثر منه حالة. أصبح البخاري وابن تيمية يضاهيان القرآن لدى البعض من حيث القداسة واللامساس. كيف استفحلت هذه الكارثة لتصبح ما نراه اليوم؟

- الدين في المجتمعات العربية المعاصرة هو إيديولوجيا، ولا يقدر أي نظام أن يتغافل عن توظيفه، ومن ثَمّ ليس هناك أنظمة مدنية أو علمانية، هناك أنظمة متفاوتة في درجة التدين. ويبدو بناء علاقة صائبة ومتّزنة هو أمرٌ في حاجة إلى تفكيك مستجدّ لمعارفنا وتركيبها ثانية، وحريّ أن يطال ذلك قطاعات على صلة بالتراث، مثل الفقه وعلوم القرآن وعلوم الحديث والسيرة وعلم الكلام وغيره. نحن نعيش اغتراب العقل ومصادرته، في الجامعة وخارجها، ومن هذا الباب استفحلت الظاهرة، حتى بات الفارق بين خطاب الأكاديمي وخطاب الداعية ضئيلا.

- دعني أسألك صراحة: برأيك ما الذي يدفع سيدة متعلمة إلى تفجير نفسها في وسط حشد من الناس كما حدث في تونس مؤخرا! أين الخلل في الفكر المجتمعي وحتى الديني المقدم جاهزاً لتحويل كائن ما من إنسان إلى إرهابي؟

- إنّ إتيان العنف على هذا النحو هو ناجمٌ عن انفصام في الشخصية، وهو حالة مَرَضية متطورة ذات طابع ديني سيكولوجي مدفوعة بغواية عنف ثوري مغشوش يعيشه كثيرون نتيجة هزال التكوين الثقافي. حيث تتطلع المرأة في هذه الحالة بشكل مهووس للتساوي مع الذّكَر حتى في آثامه. وبالفعل ذلك ما عاشته إيطاليا سابقا مع تنظيمات "الألوية الحمراء" و"الصفّ الأول" و"النواتاة الثورية المسلحة"، فقد كان انخراط نساء في تلك التنظيمات لحاقًا بِوهْم، تطلعت فيه "الثوريات" إلى تشييد المجتمع الطوباوي لتعانق أفقا من التهويمات يجرّ إلى قعر الردى.

بخلاصة يبدو العنف النسوي هدرا لرأسمال اللاعنف الذي بحوزة المرأة، وكلما تآكلت تلك الثروة إلا ودخلت المرأة في حالة من اللاتوازن المريع يتطلب علاجا بنيويا مركّبا. فلا بد من فهم الأمور بعمق، أن الناس في المشرق العربي أو في مغربه يعانون خواء معرفيا بدينهم ودنياهم ولَّد عتمة في أذهانهم، فهناك جيلٌ تائهٌ أرهقته آثام الدكتاتوريات.

- الحرب مع الإرهاب هي حرب فكرية وثقافية بالدرجة الأولى.. هل ترى بأن توتر الرؤى بين الأديان الإبراهيمية ساهم بانتعاش هذه الظاهرة الخطيرة وتحولها إلى آفة كونية؟

- على مستوى واقعي الأديان الإبراهيمية في الراهن هي الأكثر تباعدا فيما بينها. إذ تعني كلمة يهودي بالنسبة إلى البعض الشيطان، وتعني كلمة مسلم المصيبة، وتعني كلمة مسيحي الخنزير، فهل ضمن هذا المنطق يمكن الحديث عن مِلّة إبراهيمية؟ كلاّ، نحن نعيش مرحلة تفجر الإرث الإبراهيمي. كنت قد أفضت في الحديث في كتاب "الأديان الإبراهيمية.. قضايا الراهن" عن هذه المسألة لما لخّصت الأمر بأن ما نشهده من إيلاف في الراهن داخل المجتمعات، يأتي بفعل الإطار التشريعي للدولة المدنية الحديثة لا بموجب تحريض تلك الأديان. رغم ما يلوح جليا من قواسم مشتركة، ومن تقارب عقائدي بينها. وبالتالي يبقى التحدي يواجه الجميع، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر –نقصد الإسلام الأوروبي- بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلبا للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن وتلك النُّصرة عند رفيقه في رحلة الإيمان، فهو ليس في استضافة الكاثوليكية "التقليدية" ولا البروتستانتية "التقدمية"، ولكن هو في كنف العلمانية.

- التنظير لفلسفة التقارب بين الأديان لا تسير على نهج موحد في المنظور الإسلامي والمنظور الكاثوليكي.. في ظل هذا الواقع: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه دُعاة الحوار للانفتاح على الآخر في إطار التحديات التي يواجهونها والتي تحدثت عنها بوضوح في كتابك الهام (الأديان الإبراهيمية)؟

- ثمة فروق جمّة بين الكاثوليكية والإسلام اليوم من حيث القدرات المعرفية. فلازال الآخر بالنسبة إلى جامعاتنا هو الضال والباغي والمنحرف، وهذه عقلية تمنعنا عن فهم العالم والتعايش معه. ولكن بشكل عام الحوار والتقارب بين الأديان، سيما في نسخته الغربية، هو استراتيجية هيمنة تبدو القدرات العربية فيه ضحلة، إسلامية كانت أم مسيحية. ولعل أكثر ما تُهدّد تلك الهيمنةُ المسيحيةَ العربيةَ، بموجب ما لحقها من فتور وتفسّخ، لتجد نفسها تجابه كنائس غربية عابرة للقارات، غدت بارعة في التحكم باقتصاد المقدّس على نطاق عالمي.

- ما نلاحظه أن العالم الغربي مازال يجهلنا ثقافياً بالرغم من وفرة مؤتمرات (الحوار بين الأديان) و(حوار الحضارات) .. فهل يمكن الرهان على سلطة المعرفة لتلافي هذه الفجوة الخطيرة؟ وما دور الترجمة لتحقيق التفاعل الإيجابي على هذا الصعيد؟

- سيظلّ الغرب يجهلنا ما دمنا لم نحقق مناعة وجودية لأنفسنا، فالغرب لا يبالي بالهامش، ونحن على هامش هذا العالم ثقافيا مهْما أوهَمونا بجوائز نوبل أو ما شابهها. الغرب يركّز نظره في الأقوياء، فلا تعنيه ثقافيا تونس ولا الجزائر ولا العراق ولا مصر فنحن في منظوره ننتِجُ هذيانًا معرفيا ولغوًا كلاميا غير جديرين بالإصغاء، ولذلك هو لا يترجم لنا إلا النزر القليل وأحيانا مدفوع الأجر مسبقا.

- (اعرف عدوك) مقولة تاريخية موضوعية تعكس أهمية الاطلاع على ثقافة العدو لتشخيص نقاط الضعف والقوة لديه ومن ثم التهيؤ له.. في هذا الإطار وربطاً بما قدمته في بحثك الهام (الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري) أود أن أعرف رأيك: إلى أي درجة استفاد العرب من هذه الرؤية منذ تأسيس (إسرائيل) وحتى اليوم؟!

- كتاب "الاستهواد العربي" هو تعرية جريئة للفكر العربي في موضوع اليهودية. فعلى مدى قرن أو يزيد نلهج باسم إسرائيل مع ذلك لم نعرف فحوى التلمود، ناهيك عن المدونات الأخرى التي تستلهم منها إسرائيل وجودها السياسي والمعرفي. تعلّمنا شيئا وحيدا أن هناك فرْقا بين الصهيونية واليهودية. وأنا أتساءل هل ثمة صهيونية بدون يهودية؟ وهل لمقولات آباء الصهيونية مثل تيودور هرتزل وصامويل موهلافر ويعقوب رانز وأبراهام إسحاق هاكوهين كوك وشاؤول يسرائيلي وموسى حرْلَب معنى بدون التراث العبري. ما أنصح به الدارسين العرب الجدد الذين يزمعون دراسة اليهودية المعاصرة أن ينسوا هذا التقسيم المضلّل وألاّ يضيعوا وقتا كثيرا في ما كتبه العرب المحدثون حول اليهودية. لدينا انحرافات كبرى في منهج دراسة اليهودية يضيق المجال عن ذكرها، كان قد أشار إليها الراحل نزار قباني بلباقة عالية:

أمارس التشخيص خلف حضرة الإمام

يقول: اللهم امحق دولة اليهود

أقول: اللهم امحق دولة اليهود

يقول: اللهم شتت شملهم

أقول: اللهم شتت شملهم

يقول: اللهم اقطع نسلهم

أقول: اللهم اقطع نسلهم

يقول: اغرق حرثهم وزرعهم

أقول: أغرق حرثهم وزرعهم

وهكذا يا سادتي الكرام

قضيت عشرين سنة..

أعيش في حضيرة الأغنام

أعلف كالأغنام

أنام كالأغنام

أبول كالأغنام

أدور كالحبة في مسبحة الإمام.

- 'كما تعلم' المنهج العلمي في دراسة الأديان غائب في بلادنا تقريباً.. قل لي كباحث عربي متخصص في الأديان ومقيم في المجتمع الإيطالي منذ فترة طويلة: ما الإفادة الثقافية والحضارية التي يمكن تحقيقها لشعوبنا من خلال ترسيخ هذا العلم إزاء ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية بعد صعود الإرهاب والتطرف والتكفير؟

- يهدف المنهج العلمي إلى دراسة الظواهر الدينية من زاوية خارجية. ونرجع تراجع هذا التمشي ضمن سياق الثقافة العربية إلى عدم توفر الشروط التاريخية المعرفية لذلك، وبقاء تفسير الأمور في حدود ما هو غيبي وباطني. إذ بافتقاد الشروط التاريخية المعرفية يتعذّر على الإنسان المتديّن إعادة قراءة تجربته، ومراجعة نسق مفاهيمه، ما أبقى العربي والمسلم عامة في مستوى استهلاك الاعتقاد وقصوره عن بلوغ مراتب تَبَيّن أصول الاعتقاد، وهو ما يتطلّب تجاوز حاجيات الغريزة إلى طرح تساؤلات الثقافة. ولا تزال المعالجة للدين والكائن المتديّن مطروحة على الوجه الأغلب ضمن رؤية إيمانية، مع إسهامات علمية خاطفة، ولا يمكن الحديث حتى الراهن الحالي عن خط منهجي تاريخي أو مقارني أو سوسيولوجي. فالمبادرات فردية ومحدودة ولا تَرِد ضمن تراكم علمي في دراسة الظواهر الدينية. وأبرز مظاهر هذا الوهن ما يطفو من خلط في المصطلحات المتعلقة بدراسات الأديان والدراسات اللاهوتية بين كثيرين، مثل عدم التفريق بين علم اللاهوت وعلم الأديان، وتاريخ الأديان ومقارنة الأديان وعلم اجتماع الأديان، ولعل خير مثال على هذه الضحالة المعرفية التي نعيشها في هذا المجال كتاب العراقي خزعل الماجدي المعنون بـ"علم الأديان" الصادر بالمغرب سنة 2016، وهو أقرب إلى "كشكول للأديان".

منهج علم الأديان باختصار هو منهج موضوعيّ يهدف إلى الوعي بظواهر المقدس وهو منهج يتميز عن المنهج اللاّهوتي من الناحية النوعية والكمية، فهذا الشكل الأخير (علم اللاهوت) يجيب عن سؤال: ما الواجب علينا الإيمان به؟ ولماذا ينبغي علينا الإيمان بذلك؟ في حين يهتمّ علم الأديان بكلّ ما هو معتقَد من قِبل البشر بقصد إرساء وعي موضوعي.

وبإيجاز مشاكل العالم العربي هي أكبر من قدرات أي علم من العلوم، ولكن الوعي العلمي بالظواهر الدينية يمكن أن يسهم في حلّها.

 

حاورته: باسمة حامد

 

494 blackحاوره: د. سكوت ماينار

ترجمة: د. صالح الرزوق

 سؤال: أعلم أنك أجريت بحثا عن صدمة الحروب الدولية. هل كتبت عن هذه التجارب المريرة أو أن لديك خطة لتكتب لاحقا؟. وماذا يجب على الشعر أو المذكرات أن تفعل لهذه التجارب، أقصد للصدمة وضحاياها؟.

جواب: لقد سافرت إلى الأراضي التي تحتلها إسرائيل، وقابلت أطباء ومحللين نفسيين هناك يحاولون التأقلم مع السكان المصدومين بفعل الحرب. ولكن لم أجر أي تشخيص طبي بذاتي. وكذلك ترجمت (بمعونة متخصص عربي) قصاند لشعراء فلسطينيين، وظهرت في منتخبات حررها هينري بيل وسارة أيرفينغ ونشرت في كتاب "العصفور ليس حجرا". يمكن للشعر أن يكون هاما جدا في هذه الظروف، ويوفر نوعا من التضامن، ويذكّر الشعب أنه لدينا قيم حقيقية، وأنه هناك أشخاص لديهم الجرأة ليناضلوا في سبيل هذه القيم. مثلا بريمو ليفي،  في كتاب "تذكر دانتي في أوشفيتز"، لا يزال نموذجا أساسيا. ولكن يمكن أن تقول: إن دانتي نفسه، في كتابته للكوميديا الإلهية خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في إيطاليا في القرن الرابع عشر، كان إرهاصا أساسيا. وهذا صحيح أيضا بالنسبة للسوفييت خلال حكم ستالين، وصحيح بالنسبة لريشارد ويلبور خلال الحرب العالمية الثانية - وأعتقد أنه أينما ترى مثل هذه الظروف غير الإنسانية المجحفة ، تكون القدرة على اللجوء للشعر والأغاني وحتى بعض الأمثال والحكم وسيلة شديدة التأثير، وحرفيا محرضة على الإحساس بالحياة، ومنبعا للشجاعة والأمل. وعلينا أن نتمسك بفكرة لا محيد عنها: يمكن أن تكون مفيدة للمستقبل أيضا.

سؤال: إن مهنتك كمحلل نفسي تفرض علينا الاهتمام بمن يقرأ شعرك ويعرف أنك شاعر. أعتقد أن القراء نظروا لتوماس ترانسترومير بنفس الطريقة، وقصائده حازت على مزيد من العناية بسبب مهنته كمحلل نفسي. وفي هذه الحالة، يعمد القراء لربط أسلوبه الغريب الذي يتبنى "الروح الإنسانية السحرية" مع مهنته في الحياة. هل تعتقد أن هناك علاقة بين مهنتك التي اخترتها وحياتك الشعرية وعملك في الكتابة؟. كيف تحدد أو تصف العلاقة بين التحليل النفسي وكتاباتك؟. وأخيرا، ماذا تعتقد حول أعمال ترانسترومير؟. هل ترى علاقة بين المهنة العلمية وكتاباته؟.

جواب: سأجيب على آخر سؤال أولا: نعم بالتاكيد فيما يتعلق بترانسترومير الذي أقدره. "تضخيم الصوت" هي العبارة المناسبة لوصف تأثير مهنته عليه، فهو يكتب مباشرة من خبراته مع المرضى والزملاء.  ولو لم يحصل ذلك، مباشرة. بكل تأكيد هناك علاقة بين عملي "الروتيني"، وكتاباتي. وحتى تتمرن كمحلل نفسي فأنت تمر  بتحليل نفسي عميق وذاتي. وحتى لو لم يكن له معنى، فهو يبدل من نمط الحياة... وقبل أن أقوم بالتحليل النفسي كانت كل قصيدة أكتبها، تلح على أن تتحول إلى سرد، وآخر مجموعاتي المنشورة آنذاك، وعنوانها "الجاذبيات" وظهرت عام 1979 تتكون تقريبا كلها من 30 صفحة حافلة بالقصائد الحكائية والسردية. ولهذا السبب امتهنت  التحليل النفسي، ولم أكتب بعد ذلك قصائد سردية.

 

.......................

د، م. بلاك D.M. Blac : شاعر ومحلل نفسي اسكوتلاندي مولود في جنوب إفريقيا. من مؤلفاته الشعرية: صانع السهام، والمطالبة بالطفولة وغيرها.

 

484 نجاح داودس. من هي نجاح داوود؟

- هي امرأه من زمن آخر، طفله متمردة، فتاة رمى الزمان أعباءه على أكتافها مبكرًا، تحملت المسؤولية وخاضت تجارب مؤلمة، والأكثر ايلامًا كان الابتعاد عن مسقط رأسها وعائلتها. فقدت والدتها وهي في مقتبل العمر، فكانت تجربتها في الحياه قاسية ومرٌة، تعلمت من هذه التجربة الشيء الكثير، وكان الحزن رفيق دربها، والدمع لا يفارقها، وكانت أقرب إلى الجد في تعاملها، حتى لقبت بالمرأة الحديدية.

نجاح داوود هي عضو في منظمة العفو الدولية أمنستي للدفاع عن حقوق الإنسان، وعضو في حركة النساء العاملات والمتعلمات في الوسط العربي، وكذلك عضو في لجنة رفع مكانة المرأة في بلدية طمره لتطوير المصالح والمشاريع العامة، وأشغلت نائبة ومستشارة لرئيسة الحلاقين في الوسط العربي والشرق الأوسط .

عملت حكم دولي بالاشتراك مع 50 دولة عربية واوروبية في فن التجميل، وحصلت على لقب شخصية العام 2009 في الوسط العربي، وأختيرت كمرشحة لجائزة روتشيلد في التربية من الوسطين العربي واليهودي وحصلت على عدة جوائز تقديرية في البلاد وخارجها. في العام 2004 – افتتحت كلية للتجميل باسم كلية النجاح، وألفت كتاباً في موضوع التجميل، تم التدريس به في الوسط العربي .

درست موضوع الصحافة، تكتب القصة القصيرة، الخاطرة، المقال، الشعر، والنثر، أصدرت ديوانين، وهناك ديوانين آخرين، وكل ذلك يعود إلى زوجي الذي دعمني في جميع المجالات كي احقق طموحاتي.

س. حدثينا عن بداياتك الشعرية وما هي المؤثرات في تكوين تجربتك الشعرية؟

- البدايات كانت من أيام الدراسة بعد أن اكتشفت معلماتي هذه التجربة واتقاني للغة العربية بشكل جيد، فكنت محط أنظار المعلمات، وكن يطلبن مني الاشتراك في النشاطات المدرسية، وكنت أكتب الخواطر الشعرية والنصوص النثرية واقرأها في المناسبات، وكنت القى استحسان الجمهور، وهذا كان محفزًا حودافعًا لي لمواصلة الكتابة وتنميه هذه الموهبة حتى وصلت الى ما أنا عليه الآن والحمدلله. ولإثراء هذه الموهبة كان لا بد ان أطلع على أعمال ومؤلفات الشعراء الفلسطينيين والعرب أمثال : محمود درويش وسميح القاسم ونزار قباني وأحمد شوقي والمتنبي وغيرهم من الشعراء، ومع بداية انتشار مواقع التواصل الاجتماعي ودخولي هذا العالم الافتراضي أتيح لي التعرف على الكثيرين من فرسان الشعر وطبعًا كان لهذه المعرفة دورًا كبيرًا في نضوج تجربتي الشعرية.

س. ما هي القضية المركزية التي تؤرقك وتدور حولها نصوصك الشعرية؟

- أولا القضية الرئيسية هي الوطن والانسان، وهذه الأمة التي اصبحت في الحضيض، بعد كل التنازلات التي قدمت، ولم نحصل على حقوقنا المشروعة.

القصيدة هي التي تكتبنا، حسب الحالة التي نعيشها في هذا الزمان، ولا أبالغ إذا قلت أن معظم القصائد يكللها الحزن، ودموعنا هي مداد هذه القصائد التي نكتب.

س. هل تتقيدين بمنهجيه في كتاباتك؟

- الشاعر لا تحكمه منهجيه معينه، وولادة القصيدة تأتي بعد مخاض عسير وحالة نفسية خاصه للشاعر، فيرسم كلماتها وفق ما يرى، وبأي حس وجنس أدبي، نثرًا او نظمًا، المهم في النهاية أن يعبر عن ذاته والفكرة التي أراد معالجتها .

س. حركة النقد المحلية ما رأيك بها؟؟ وهل للعلاقات الشخصية أثر في الكتابة النقدية؟ هل انصفك النقد؟ ومن يعجبك من نقاد الشعر في بلادنا؟

- بصراحه، وبدون مجاملات، لا أرى النقد في مجتمعنا من اجل النقد، وتشريح العمل الادبي، وتبيان الرؤيا الأدبية فيه، وتأويل النص حسب قواعد النقد الحديث، أو ما يريد ايصاله المبدع إلى المجتمع من خلال وجهة نظر عامة. أقولها بصدق، وبكل صراحه النقد اصبح لتلميع الشاعر وتقديمه بشكل مغاير لمَ هو عليه، وأرى الكثير من النقاد يتناولون نصًا ليس له مقومات شعريه، ولا يحمل في مضمونه أي معنى، فيمجد صاحبه حتى يوصله الى السحاب. وبالنسبة لي النقد انصفني او لم ينصفني فالأمر سيّان عندي، فأنا أكتب لذاتي ولمجتمعي وما كنت اسعى يومًا لتلميع صورتي. والشاعر بنظري هو ما يثبت نفسه بما يقدم من أعمال أدبية، والمهم عندي ان تصل الكلمة بمنتهى الشفافية.

وحول من يعجبني أو لا يعجبني من النقاد في بلادنا، فأرجو ان تعفيني من الاجابة عن هذا السؤال، فلا اريد خلق حساسية بيني وبين احد، لكن امثالك أخي شاكر ككاتب وناقد، فقد أجدت وأثريت كتابي "نايات الحنين " بنبض قلمك وأصبت في الصميم .

كذلك الصديق الكاتب والشاعر هيثم احمد مخلالاتي، صاحب الكلمه الذهبيه المشعه التي أنارت صفحات كتابي " نزف قلم "، والكاتب الأستاذ محمد علي سعيد الناقد الموضوعي جدا في نقده، ويعتبر نقده شهاده للحركه الادبية، وقد كتب لي مقدمه ديواني الثالث " مد وجزر " الذي سيخرج الى النور قريبًا.

وليس مجاملة أقول أنكم أنرتم صفحات كتبي بعبق كلامكم يا أصحاب الكلمه الصادقه، فضوءكم المتوهج يضفي النور على عتمه الطريق ويمتد على مساحات الوطن، وتسمو مبادئكم عبر الفضاءات الواسعة لتصل الى قلوب الملايين، وقد كتبتم بإحساس صادق وأثلجتم صدري بنقدكم البناء .

وأنت أيها الفارس الأصيل شاكر فريد حسن تعجز حروف الأبجدية أن تجمع كلمات توفيك حقك يا صاحب المبادئ، التي قلما نجدها في هذا الزمن.

س. كيف تقيمين المشهد الادبي النسوي المحلي؟

- من خلال ما أقرأ من نتاج أدبي في الساحة وعبر وسائل التواصل، أرى الكثير من الأعمال التي تقدمها المراة جديرة بالاحترام والتقدير، لأنها تتحدث عن معاناتها الشخصية في المجتمع، والكلمة الصادقة الأهم برأيي إن كانت لإمراة أو لرجل، لكن أريد القول: لا تعطوا حجمًا اكبر لمن لا حجم له.

س. لمن تقرأ نجاح داوود، وماذا تقرأ، ومن يعجبك من الشعراء العرب والمعاصرين؟

- هذا السؤال اجبت عنه حين تحدثت عن تجربتي الشعرية ونشأتي، اما اليوم فأرى الكثير من الشعراء الذين خرجوا إلى النور بعد الثوره المعلوماتية، وهنالك الكثير منهم فللأسف الإعلام لا ينصف الكثير منهم، فهناك مثلًا الشاعر الفلسطيني محمد لافي، شاعر يشار له بالبنان، وشعراء عرب منهم: عبدالله البردوني اليمني والجواهري واحمد عبد الرازق من العراق والشاعر هيثم المخللاتي من سوريا.

س. ماذا يعني لك الحب، الوطن، الغربة، الأمومة وكيف تتجلى هذه المفردات في قصائدك؟

- الحب أنواع وأسماء ومراحل، والحب مشاعر نابضة ومواقف إنسانية ومبادىء، ولكن يصعب تعريفه في هذا الزمن الرديء الأصفر.

الوطن: سليب.

الغربة: دمعة مقهور على طريق العودة.

الأمومة وجود واستمرار للحياة.

وقصائدي مفرداتها تفسر حجم المعاناة التي نعيشها، وهي مرآه النفس وانعكاسات ألم في دواخلنا وأعماقنا.

س. مفهومك للحرية هل المرآه العربية نجحت في تناولها؟

- ما زلنا نحاول بشق الأنفس، والكثير ممن يدعون الرجولة ما زالوا يظنون أنفسهم أوصياء على المرأة، ومنهم يقف عقبة أمام تحرر المرأة من القيود، التي فرضها المجتمع من عادات وتقاليد تحد من حريتها وطموحاتها، لكن هذه المواقف لن تثني من متابعه الطريق نحو التحرر من القيود المفروضة، وقد نجحت الكثيرات من تجاوز وتخطي هذه العقبات.

س. حدثينا عن إصداراتك الشعرية؟

- الإصدار الأول كان" نايات الحنين "باكورة أعمالي واحتوى على قصائد عمودية ونثريه، تتناول الكثير من القضايا، لا مجال الخوض فيها الآن، ومن يقرأ الديوان يرى الكثير من المواضيع التي تطرقت لها في سياق الحديث، والإصدار الثاني "نزف قلم"، والإصدار الثالث " مد وجزر "يحتوي على نصوص شعريه عمودية ونثرية، والإصدار الرابع قريبا انشاء الله، وهو "ذبح الهديل"، نصوص شعريه عمودية، ومعظمها تروي معاناه المرأة الفلسطينية خصوصًا، والعربية عمومًا .

س. ما هي القصيدة التي تعتزين بها من مجموع قصائدك؟

- وهل تستطيع الأم تفضيل ولد عن الاخر، فكلهم أولادي وكل ما اكتب هو جزء مني، واعتز بكل قصيده كتبتها، ان كانت نثريه او عمودية.

س. كيف ترين دور المثقف في أيامنا هذه؟هل تغير هذا الدور؟ وكيف تنظرين الى علاقه المثقف بالسلطة؟

- المثقف هو قبس النور الذي يضيء العتمة في حياه الشعوب، ولولا الثقافة والمعرفة لما خرجت الكثير من الأمم الى النور لتلحق الركب في التطور واثبات الذات، وهذا يقع على عاتق المثقفين والأدباء .وأرى ان الدور أصبح أكثر إيجابيًا من ذي قبل، ونرى ذلك عبر وسائل الاعلام والجهود المبذولة من قبل المثقفين العرب.

أما علاقه المثقف بالسلطة فمضطربة كثيرًا، لان السلطة لها منظورها الخاص، والمثقف له رؤيته الخاصة، ولكن منهم أصبح بوقًا للسلطة، والأخر يضحي بالكثير لإثبات الحقائق.

ما هي مشاريعك المستقبلية؟

- بخصوص مشاريعي المستقبلية سبق وذكرت لدي إصدار جديد سيرى النور قريبًا بعنوان "ذبح الهديل"!، وسأبقى حتى النفس الأخير ولن أستكين، وسأعطي كل ما أملك على الصعيدين الأدبي والاجتماعي وأمد يد العون لكل من يلجا إلي.

 

حاورها: شاكر فريد حسن

 

461 صلاح فائقبم يمكن لمدينتي ان تتباهى؟

هدموا قلعتها، قتلوا اشجارها الباسقات

ونهبوا ما عليها وما تحتها

لكنها تبقى مدينتي في راسي، كما كانت

هذا ما لا يرون، وهناك سردابها السري

ولا احد يعرفه غيري

التاريخ قارئي الكريم صفحات كتبت و تكتب كل يوم مخلدا جزء من الزمن ومن حياة الإنسان الحديث. قبل اكثر من خمسين عاما كنت انا الدكتور توفيق آلتونجي طالبا مع محدثي في نفس المدرسة وتعلمنا على يد نفس الأساتذة ولعبنا ولهونا في ساحاتها واليوم نتذكر معا تلك الأيام وبعض من اصدقائنا ومدرسينا لان النسيان أتى على الكثير ونتذكر مدرسا من نوع خاص شاعر العراق المعروف عبد الرزاق عبد الواحد رغم اختلافنا معه لاحقا ولنتذكر ونتذكر لنصل الى مجموعة من الشباب، جماعة كركوك الأدبية، التقوا حول الكلمة الطيبة في فترة تاريخية مرت بها دولة العراق مع نهايات الحرب العالمية الاولى وانهيار الدولة العثمانية وتجزئتها واحتلال الإنكليز للعراق ومن ثم انتداب عليها ومن ثم اعلان الدولة العراقية الملكية وصولا الى يوم الرابع عشر من تموز من عام ١٩٥٨ وإعلان الجمهورية. تلك الفترة التاريخية كانت حبلى بالأفكار وصراعاتها من أقصى اليمين الى أقصى اليسار التقي اليوم بصديق عزيز شاعر نشر الكلمة الطيبة في ربوع الدنيا قصدته في منفاه في الجهة الأخرى من المعمورة في جزر الفليپين لنتحدث عن تلك الأيام الخوالي وعن تلك المجموعة الطيبة من الأصدقاء الذي اطلق عليهم (جماعة كركوك الأدبية).

ولكي اقرب للقاري الكريم صورة هذه المدينة و بيئتها والتي كانت في البدء قلعة على تلة كما هي قلاع ذلك الزمان تتوسط الطريق بين العاصمة بغداد و عاصمة اقليم كردستان مدينة أربيل . هذه القلعة حافظت على ارواح البشر في جميع العصور. المدينة التاريخية تعود إنشائها الى أيام حضارات العراق القديم واشتهرت بنيرانها الأزلية وحقول آلنفط في أطراف المدينة في بابا گرگر. سكنتها شعوب وأقوام عدده منذ فجر التاريخ وكتب عنها وعن نيرانها المقدسة احد قواد جيش إسكندر المقدوني عند مرورهم منها وسميت باسماء مختلفة منها كرخيني وهي طبعا تسمى في التاريخ القديم ب عرفة القديمة: (Arapha) سكنها الكرد والتركمان والعرب والسريان والأرمن في امن ووئام جنبا الى جنب في حوار حضاري كانت من نتائجها مجتمع تعددي مفتوح و مسالم. 

 أبداً حديثي مع شاعر المدينة الصديق صلاح فائق متسائلا عن لقاء تلك العصبة من ألاصدقاء في بيت احدهم ليحدثنا عن البدايات الاولى وأحاديثهم الاولى، عن الأدب والفن والحياة الاجتماعية والسياسية وربما عن شقاوة الشباب.

يقول شاعرنا: لم اكن احد الاصدقاء الذين التقوا في بيت احدهم ولم اكن من الاوائل، اذ كانوا قد التقوا قبلنا، انا وسركون وجان ويوسف الحيدري ومحي الدين زنكنة وفاروق مصطفى وغيرهم، في اواسط الخمسينات من قبل فاضل ومؤيد وانور الغساني وقحطان الهرمزي وغيرهم وقد ذكر انور الغساني اسماء كثيرة في مقالته التوثيقية:  Kirkuk Group ذاكرا حوالى ثلاثين اسما، منهم رسامون واساتذة ومن مختلف الاهتمامات الادبية والفنية . نحن كنا الحلقة الاخيرة من جماعة كركوك بدءً من العام 1960 لكننا كنا نعرف بعضنا للبعض الاخر بسبب كوننا شيوعيين او مؤيدين لهذا الحزب . كنا في تلك السنة في المرحلة المتوسطة من المدرسة، اقصد انا وسركون وجان، خصوصاً، ولم نتعرف على ميولنا الادبية والشعرية الا في لقاءاتنا الاولى في بيت مؤيد ثم بيت جليل القيسي الذي كان قريبا لبيتي . تلك السنة كانت رهيبة بالنسبة لنا جميعا، اذ كانت المدينة اي مدينة كدكوك تشهد اغتيالات في هذه المنطقة منها او تلك، ضد الشيوعيين واليساريين بشكل عام . تجد افضل تعبير عن تلك السنوات الكئيبة في قصص جليل القيسي ومسرحياته الكافكوية . كنت انا انذاك اقرا وحدي واكتب في البداية دون اعرف البقية ادبياً وشعرياً حتى بدات اتعرف عليهم وكانوا قد سبقوني في الكتابة الادبية والشعرية . قدمني الى الجماعة سركون وجان، ثم اخذوني الى الاب يوسف سعيد ايضا.

هكذا بدات لقاءتنا بشكل اسبوعي ومنظم وكان يديرها جليل القيسي . دامت هذه اللقاءات، بشكل منفرد او جماعي حتى 1966 حين غادر سركون العراق وانتقل قبل ذلك انور الغساني ومؤيد ويوسف الحيدري الى بغداد.

التجمع بحد ذاته بهذه الطريقة ليس غريبا في المجتمع العراقي وغالبا يكون من الرجال وتخلو أي سيدة من هذه اللقائات وهذا طبيعي في مجتمعاتنا لكن تطور اللقاءات تحول الى لقائنا مبرمجة ادى الى زيادة عدد المشاركين حيث نرى هناك العديد من القوائم للمجموعة كل يدعي بعدد معين وهناك من يدعي بان الفكرة بالأساس تعود له. هل كان هناك مجموعة ادبية منظمة و ذو أهداف واضحة، تسائلت فرد قائلا:

 بسبب الاحداث الماساوية في كركوك عام ١٩٥٩، وما تبع تلك من انفراط في الجماعة كترك الاديب قحطان الهرمزي وكان اساسيا في الخمسينات، فان عدد الجماعة قلّ وتحددت اللقاءات والنشاطات الادبية . ثم غادر فاضل العزاوي الى بغداد واخرون تركوا البلاد كزهدي الداوودي ونورالدين فارس . كما شهدت المدينة حملات اعتقالات وارهاب في شكل اغتيالات  ثم حدث انقلاب 1963 الفاشي وادى هذا الى اعتقال الاساسيين في الجماعة  كجليل القيسي، انور الغساني، مؤيد الراوي، فاضل العزاوي وغيرهم. بينما لجأت انا بنفسي الى الجبل لاكثر من سنة وحين عدت كانت هذه المجموعة  قد خرجت من السجون .

 القصد من هذا السرد هو ان الجماعة تبعثرت لحوالى السنتين . بادر جليل القيسي في اواسط العام1964 الى اعادة النشاط لجماعة كركوك وعقد لقاءات منظمة وغالباً اسبوعية في بيته لقراءة اعمالنا الادبية ودامت هذه اللقاءات لاكثر من سنة، حيث تحولت الى مدرسة حقيقية لبلورة اتجاهاتنا الشعرية والادبية من خلال عرض اعمالنا وتقييمها والنقاش حولها، اضافة الى الاغتناء بالاوضاع الشعرية والادبية في بريطانيا واميركا او من خلال الترجمة وكانت حركة نشطة جدا، خصوصا في مصر ولبنان وسورية، وهذا دون ان ننقطع عن التواصل او نهمل الاطلاع على الجديد في النتاج الشعري، القصصي والمسرحي سواء في العراق او بقية البلدان العربية . ثم انتقل انور الغساني ومؤيد الراوي الى بغداد وكما ذكرت للعمل في الصحافة الادبية وكان فاضل العزاوي في بغداد ولم يعد الى كركوك او شارك في اجتماعاتنا التي دامت حتى نهاية عام ١٩٦٥.

من هنا نرى ان عددنا قل عما كان عليه، حيث لم يعد هناك سوى جليل وسركون، جان ويوسف الحيدري وفاروق مصطفى وانا .  التحقنا بعد ذلك انا وجان لاداء الخدمة العسكرية وتوقفت اجتماعاتنا تقريبا وبعد الانتهاء من كابوس الخدمة العسكرية انتقلت الى بغدادً وفي هذه الاثناء كان سركون قد غادر العراق وقبله انور الغساني وتبعهما فاضل العزاوي ومؤيد . بعد سنوات من العمل في بغداد وفي مختلف الاشغال، غادرت انا ايضا في نهاية1974 كما انتقل جان الى بغداد ثم بيروت وعمان وفي النهاية الى استراليا . وهكدا بقي جليل القيسي وحده في المدينة حارسا لها وحاملاً راية جماعة كركوك الى يومه الاخير . اما نحن الذين غادرنا فان امتداد تاريخ جماعة كركوك بدا معنا من جديد في مغترباتنا الاوربية .

 اما حول قوائم او مجموعات اخرى بعدنا، فان تلك المحاولات لم تنجح او تستمر لضعف تلك الجماعات من الناحية الابداعية  كما ارى، ولافتقارها الى التنظيم والجدية في الانتاج الادبي، الفني والشعري، وعدم استطاعتها تجاوز محيط المدينة الى المديات العربية والعالمية كما فعلنا نحن ولهذا اسباب كثيرة.

التعددية القومية والعقائدية لمجتمع مدينه كركوك تنعكس على أعضاء المجموعة على الأقل في بداية تكوينها ثم ينفصل أعضاء بعد ١٩٥٩ خاصة بعد حوادث الماساوية التي شهدتها المدينة مع الاحتفالات بمرور عام على ثورة ١٤ تموز وإعلان الجمهورية. ما نوع المناقشات التي شهدتها المجموعة بعد تلك الحوادث؟ 

- كما ذكرتُ فاننا، انا وسركون وجان ويوسف الحيدري والاب يرسف سعيد، كان انضمامنا الى جماعة كركوك بعد تلك الاحداث الماساوية. لا اتذكر باننا خصصنا جلسة لمناقشة تلك الاحداث ونتائجها . كان اهتمامنا الادبي في المحل الاول من نقاشاتنا والبحث عن الجديد في النشريات والمجلات ودور النشر . بالطبع كنا نتحدث ايضا حول الاوضاع الامنية والسياسية لكن ذلك لم يتبلور في موقف او بيان من قبل الجماعة . كنا نحاول جهدنا تجاوز الاختلافات السياسية والدينية والقومية لان نقاشا كهذا كان سيحول اللقاءات الى مشاعرمحتدمة وتناقضات . كان جليل القيسي، وهو الذي ادار هذه الجلسات اكثرنا وعياً بضرورة التركيز على نتاجنا الادبي وتطوره بدل الدخول في نقاشات وصراعات اراء سياسية وايديولوجية كانت ستحرف هذه الجماعة عن مهامها الاساسية وهي تطوير قدراتنا التعبيرية والعمل على تميزنا عن باقي الحلقات العراقية او العربية . هذا ما جعلنا في علاقة متينة كاصدقاء حقيقيين.

اللغة التي استخدمها معظم أدباء المجموعة عربية حديثة أي انها كنص لا تحاكي اللغة القرانية نرى ذلك بوضوح في نصوص جليل القيسي، جان دمو، الغساني، زهدي، سركون و قحطان وطبعا في نصوصك الشعرية وقد نرى اسلوبا مغايرا في نصوص فاضل وحتى عند مؤيد هل كانت المجموعة تتناقش موضوع اللغة؟

- كلنا كجماعة كنا نعرف، تقريبا، عدة لغات بسبب كوننا من مدينة كركوك، اقصد التركمانية والعربية والكردية والاشورية، اضافة الى اهتمامنا حول اللغة الانكليزية .

هذه المعرفة للغات عمل على اغناء اداة تعبيرنا، الا وهي العربية . صارت عربيتنا، لانها لم تكن لغتنا الاصلية منذ الولادة او الطفولة، متميزة وكانها مترجمة من لغات اخرى . وقد اتهم بعض النقاد انذاك كتاباتنا بانها خاصة وهي اشارة الى طريقة استخدامنا للغة العربية . كنا قد وعينا من خلال قراءاتنا الجدية ونقاشاتنا ان علينا تجاوز، كل بطريقته، الانماط الاخرى، ادبية وشعرية، باللغة العربية . نعم جرت نقاشات بخصوص الوصول الى اسلوب شخصي متميز لكل منا وكان هذا الاصعب في تحقيقه وتطلب سنوات من تجربة الكتابة . لهذا السبب لا تجد، عند المقارنة، تكرارا لاسلوب اينا عند اي عضو اخر في جماعة كركوك . كان الهدف الاساس لكل منا هو الوصول الى تعبير شخصي ومتميز، وقد انجزنا ذلك بالصبروصادفنا معوقات كثيرة في نشر اعمالنا حتى في الصحف اليومية . لكننا استطعنا، مع ذلك، نشر اعمال لنا هنا وهناك بين فترة واخرى.

هم نشر النص يتجاوز استماع الأصدقاء في حلقات مصغرة الى الوصول الى اكبر عدد من القراء وقد قام العديد من أعضاء المجموعة محاولة نشر نصوصهم في القاهرة و بيروت وحتى في دمشق رغم قرب بغداد حدثنا عن تلك الصعوبات و معوقات النشر؟

- طبعا كان همنا الاول الوصول الى اكبر عدد ممكن من القراء، وكما اشرت كانت هناك معوقات، ربما اهمها بعدنا عن مراكز الاعلام ودور النشر . استطاع فاضل العزاوي من نشر قصائد في مجلة شعر البيروتية ونشرت المجلة ايضا عملا فنيا لمؤيد الراوي، كما نشر سركون في مجلة شعر وفي صفحات ثقافية في بيروت، لكن الاهم كان نشر جليل القيسي مجموعته القصصية الاولى، صهيل المارة حول العالم، من قبل دار نشر مجلة شعر . نشرنا ايضا، انا وسركون في جريدة كركوك لعدة اعداد، اضافة الى نشرنا في صفحات ثقافية في بغداد، ثم بدا من الثمانينات بدا جليل القيسي نشر مجموعاته القصصية والمسرحية وايضا محي الدين زنكنة، دون ان ننسى دور اتحاد الكتاب العرب في دمشق في نشراعمال قصصية وروائية لفاضل العزاوي ومجموعتي الشعرية الاولى رهائن .

 مع وجودي في لندن نشرت ست مجموعات شعرية، واثنتين بالانكليزية  ونشر سركون مجموعته الشعرية، الوصول الى مدينة اين، في اواسط الثمانينات، وصدرت ايضا في بيروت المجموعة الشعرية الاولى لمؤيد الراوي، احتمالات الوضوح، نشرنا ايضا في مجلة مواقف والموقف الادبي السورية وغيرها . واضح من هذا السرد المبسط، باننا كنا نشطاء في تجاوز المعوقات وبدا تاثيرنا الادبي والشعري يتضح عراقيا وعربيا، ثم مع الانترنيت والفيسبوك صارت اعمالنا تنشر في بلدان اوروبية وغربية، سواء باللغة العربية او مترجمة الى لغات اخرى. وهناك ابحاث ومقالات كثيرة، نقدية، حول هذا التاثير ودورنا في اغناءالاوساط الثقافية والادبية والشعرية وصار اسم جماعة كركوك معلماً بارزاً حين يجري الحديث او الكتابة النقدية عنها في الستينات وحتى الوقت الراهن بعد ان انجز اعضاءالجماعة عشرات الكتب في القصة القصيرة، المسرحية، الرواية والشعر والترجمة. عليّ ان اذكر ايضاً باننا، الذين استطعنا الخروج من العراق، تمكننا من تحقيق الكثيرمن الانجازات، على كل صعيد، شخصي وادبي، فردي وجماعي، بسبب اننا كنا في بلدان اوروبية او خارج العراق بشكل عام، ولو كنا قد بقينا في بلدنا القديم، وضمن الاوضاع الكابوسية في العراق، في الثمانينات والتسعينات، لما كنا قد حققنا اي منجز ولكانت جماعة كركوك قد اضمحلت وتلاشت.

هناك مجاميع أخرى ظهرت مع تفتت المجموعة الاولى اثر انتقال البعض من المدينة أو الانتقال الى خارج العراق الى لبنان ومن ثم الى الغرب. هذه المجموعات الشابة كانت نصوصها ذو نكهة قومية واضحة ولم تكن لها أي قاسم مشترك غير الكتابة ما رأيك في ذلك؟

- نحن ايضا من ابناء كركوك، لكننا بسبب انتماءاتنا اليسارية لم نتورط في النهج القومي في مشاعرنا وكتاباتنا . لقد كان همنا الابداع والوصول الى صيغة شخصية ومستقلة، لكل منا، في مجال تحقيق الجديد في الكتابة الادبية والشعرية . نعم قرات نتفاً من تلك المحاولات، ذات الطابع القومي، سواء على صعيد التنظيم او الانجاز الابداعي، الا انها اخفقت بسبب ان تلك الاهداف الضيقة لا تمت بصلة للهم الابداعي . ما يميز جماعة كركوك انها كانت جماعة جديّة على كل المستويات وخصوصا من ناحية التميز في الانجاز الادبي على الصعيد العراقي والعربي وحتى العالمي . بالطبع لايمكن لتنظيم ضيق، قومي او محلي، الا ان ينتج اعمالا محدودة الاهمية والانتشار . لكن الاهم هو ان هؤلاء لم يكونوا في مستوى جماعة كركوك على كل صعيد وبالاخص في التميز ابداعيا.

البيئة احد العوامل المؤثرة على النص الأدبي وتغني المجموعة بمدينة كركوك واضحة في نصوصهم الشعرية حتى تلك التي كتبت خارج وطنهم الصغير حدثنا عن بيئة كركوك مع نهايات العهد الملكي وبداية العهد الجمهوري؟

- بالنسبة لنا نحن جماعة كركوك، كانت المدينة بيتنا حياتيا، اجتماعيا وثقافيا في آن . وما تغنينا بها ولها الا تعبيرعن الحنان الى فترة ذهبية من اعمارنا وخصوصا في المجالات الادبية . لقد كانت كتاباتنا، حتى في فترتنا الاولى، ونحن في كركوك بعد، تغنياً بكركوك ويمكن تشخيص ذلك من اجواء القصص،المسرحيات والصور الشعرية التي حققتها الجماعة.

اما حول الاوضاع في العراق في العهد الملكي، فهي كانت الافضل مقارنة بما بعدها من ناحية الاستقرار الاجتماعي والسياسي والثقافي ايضا. مع قفز العسكر الى السلطة، بدا تاريخ دموي في العراق لم يتوقف او ينتهي بعد . ولاننا بلا تاريخ في التقاليد الديمقراطية، فقدعمت الفوضى والانقلابات والحروب والمجازر الدموية بلا نهاية، ومازالت..

العراق كان بلدا موحداً قبل حوالى سبعين سنة اي قبل انقلاب العسكرفي تموز 1958، ومنذ ذلك الانقلاب وحتى اليوم لم يمر العراق بفترة استقرار على اي صعيد . انظر الان الى العراق محتلّاً امريكيا وايرانيا ومجزّاً الى طوائف واحزاب فاشية ومجموعات لصوص وخونة تهيمن على البلاد بواسطة ميلشيات ممولة باموال البترول . العراق مستعمرة . الى ان يمضي هذا البلد ؟ الى الجحيم....

 

 اجرى اللقاء: توفيق آلتونجي

 

425 عزالدين عناية1- كيف يعرف الأستاذ عزالدين عناية بنفسه للقارئ الجزائري والعربي عموما؟

عزالدين عناية: زيتونيّ في روما يرهِقه التاريخ ويضنيه الحاضر، لا أزال أطارِد حلماً لترسيخ المنهج العلمي في دراسة الأديان في بلاد العرب منذ زهاء ثلاثة عقود، ولا أدري مدى توفيقي في ذلك. على الرغم من ذلك أصرُّ على المضي قُدما في ذاك التمشّي، علّي أخلّق وجودا من هذا الهشيم المستشري. فقد كان كَلَفي بالظواهر الدينية مبكّرا بفعل النشأة في وسط يعبق برائحة القداسة، وبفعل تعمّق ذلك مع الالتحاق بالجامعة الزيتونية طالباً، وما تكشّف لي مما عليه العقل الإسلامي من خراب مريب. فما عشته وما أعيشه من تجربة ملموسة بين عقلين: العقل الإسلامي المغمى عليه والعقل الكاثوليكي المتوثّب، هي ملهاة معرفية بالنسبة إليّ أعيش فصولها يوميا، سيما وأني قضّيت ما يزيد عن العقدين في كنف روما عاصمة الكاثوليكية العالمية.

2- رحلة علمية حافلة بالنشاط الفكري بداية من الزيتونة وصولا الى جامعة روما. حدثنا عن هذه التجربة.

عزالدين عناية: أشتغل في خطين متوازيين: البحث والترجمة، أنجزت في المسارين ما يناهز العشرين عملا فضلا عن مئات المقالات والدراسات، أذكر من بينها: كتب "الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن"، و"نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، و"العقل الإسلامي"، و"رسالة إلى أخي المسيحي" و"الدين في الغرب"؛ وأما في مجال الترجمة فقد نقلت إلى العربية "علم الاجتماع الديني"، لسابينو آكوافيفا، و"علم الأديان" لميشال مسلان، و"المنمنمات الإسلامية"، لماريا فيتوريا فونتانا، و"الإسلام في أوروبا" لإنزو باتشي و"الإسلام الإيطالي" لستيفانو ألِيافي، و"الفكر المسيحي المعاصر" لبرونو فورتي و"السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من المؤلفين، و"تخيل بابل" لماريو ليفراني وغيرها من الترجمات.

لقد كانت بداية التكوين العلمي في تخصص الأديان في تونس، غير أني سرعان ما صُدمت ببؤس ما نستهلكه من معارف دينية، مع ذلك نصرّ على المضيّ خوفا من وحشة الطريق. قضيت في الزيتونة زهاء العقد، أي إلى حين الحصول على الدكتوراه برسالة حول اليهودية نُشرت لاحقا في بيروت بعنوان: "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري". وما دفعني للتطرق إلى هذا الموضوع ما تبيّن لي، أن بعد نصف قرن من صراع العرب مع إسرائيل، أن العرب يجهلون الخلفية التراثية والدينية لهذا الكيان. لم ينتج العرب خلالها سوى خطاب إيديولوجي هزيل لم يزد الناس سوى ضلالا. كنت أنحتُ ذاتي بذاتي في مجال ليس فيه معلمون. أقصد الدراسة العلمية للأديان، وكان معلمي الوحيد الأستاذ محسن العابد - طيب الله ثراه - الذي أكنّ له تقديرا، كلما ذكرته أقول: لولاك لما طفت في هذه الأفلاك، ما عدا ذلك من أساتذة فهم أشباه وعّاظ، يحسبون حقل علم الأديان حديثا غرائبيا عن ياجوج وماجوج أو منكر ونكير. كانت الدراسة في الزيتونة هزيلة تنمّ عمّا أصاب العقل الإسلامي من كساح، تُنتَج لاهوتيا وتُستهلَك لاهوتيا دون أثر إيجابي في الخلق. حينها انهمكت في ترجمة كتاب "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان وأهديته إلى الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر، طمعا في التنبيه إلى أن ما ندرُسه وما ندرّسه في الدين هراء وأن ما جرى في الغرب من تطور ليس لنا به صلة.

لكن الذي دفعني دفعا للالتحاق بإيطاليا ليس انسداد الأفق الأكاديمي فحسب؛ بل الجنون السلطوي، فقد كنتُ في عداد آلاف المنبوذين سياسيا والمحرومين من حقوق الشغل والسفر والعيش الهنيئ إبان عهد النظام الآفل، ما جعلني أتطلع إلى الهجرة. وهكذا سرت على خطى أسلافي نحو روما، أقصد القديس أوغسطين، طلبا لدراسة اللاهوت المسيحي والتحقت بجامعة القديس توما الأكويني ثم بالجامعة الغريغورية. كنت أتساءل عن هويتي التي صارت هويتهم، وعن تراثي الذي صار تراثهم. ثم اشتغلت كما اشتغل أوغسطين "بائعا للكلمات"، في فترة أولى في "الأورينتالي" في نابولي ثم في جامعة روما التي أعمل بها في الوقت الحالي أستاذا لدراسات العالم العربي.

3- "لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟" سؤال طرحه شكيب أرسلان ورافق أغلب المشاريع الفكرية العربية وألحّ عليها البحث في سؤال الهوية بكل أبعادها. هل مشروعكم الفكري هو الآخر يشتغل حول السؤال نفسه؟

عزالدين عناية: أعتبر نفسي في مسار بحث لا ينتهي، أحاول من خلاله أن أخرج التصور العربي من التعاطي المتنطّع مع الدين إلى التعاطي الرصين، إيمانا بأن "الدين وعي مأثور لا ينهض بذاته وإنما ينهض به الناس" قياسا على أن "القرآن كتاب مسطور بين دفّتين لا ينطق وإنما ينطق به رجال". فنحن أكثر الشعوب جهلاً بالأديان مع أن قرآننا المجيد ثلثاه حول الآخر الديني والحضاري. حتى اليهودية التي نشأت في حضارتنا باتت غريبة عنا، ناهيك عن المسيحية التي نفتقر فيها إلى علم كنَسي أو علم مسيحيات، يستند إلى مرجعية ثقافية محلّية. وأبرز ما في الأمر، تكرار المقولات الكلاسيكية بشأن حضور النصارى في المجتمع الإسلامي، استنادا إلى ما ترسّخ في موضوع أهل الذمة أو ما تراكم في باب الرّدود. ولا نعثر على قراءة مستجدّة، ضمن تحوّلات التاريخ الحديث لهذه الديانة. فلا يزال العربي يقرأ هذه الديانة خارج إطارها الاجتماعي، ولا سند له في ذلك غير آيات قرآنية، أو نصوص حديثية، أو مقولات شعبية. أمام هذه القحط المعرفي، يبقى المطلب الملحّ في تطوير مناهج حديثة تلائم التحوّلات الدينية المتفاعلة في واقعنا وفي العالم. فقد تبدّلت المسيحية العربية كثيرا، وطرأت عليها مستجدّات عدة، وبالمثل تبدّلت المسيحية الغربية أيضا، حيث تحاصِر لاهوتها أزمة معنى، وأزمة رهبنة، وأزمة إيمان، وهي قضايا عويصة لا نفقه أبعادها.

نحن نغرق في المقدس وتلفّنا الظواهر الدينية من كل جانب، مع ذلك لم نوفّق في إنجاز وعي رشيد بهذا الرأسمال القداسي. والسبب أن هناك مصادرَة طاغية للدين، من قِبل السياسي والواعظ في البلاد العربية، تحول دون أي تطور علمي، وهو بالفعل ما يقضّ مضجعي وبسببه أخشى اندثار الإيمان وإن بقي المسلمون (قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا).

4- بصفتكم مطلع على نظام اشتغال العقل الديني الغربي وعلى نمط عمل سير مؤسسة الكنيسة نجدك تعالج هذه المسألة في كتابك الصادر مؤخرا بعنوان "الدين في الغرب". وبما أن الكثير من المثقفين يتحدث عن "عودة الدين"، فهل الدين في الغرب غاب حتى يعود من جديد؟

استوقفنا هذا السؤال ونحن نقرأ كتابكم "نحن والمسيحية" ص: 95 حيث تقول: "كنت أتصور قبل رحيلي لأوروبا، كما كان شائعا، أن أوروبا خالية من نفوذ الدين، فلا دور له، ولا مؤسسات ضغط تدعمه، ولا أحزاب وراءه تستلهم مقولاته. وخيّلت إليّ أوروبا صحراء دينية. ولكني بمجرد ما انتقلت إلى أوروبا وجدت الأمر خلاف ما ظننت واعتقدت"

عزالدين عناية: منذ مطلع القرن الفائت ساد في الغرب القول بهيمنة العلْمَنة واكتساح اللاتدين العالم، وشاع ذلك في أوساط الشعوب التبيعة، ولكن جمعا من علماء الاجتماع الأمريكان مِثل دارن شِرْكات وكريستوفر إلّيسون ورودناي ستارك ولورانس إياناكوني، بيّنوا أن العملية برمتها ناشئة عن احتكار السوق الدينية المجحف من قِبل مؤسسات تستأثر بالدين. ذلك أن مونوبول الكنيسة الكاثوليكية وبقايا البروتستانتية المتقادمة في أوروبا يتحكم بأمر الدين، وأن غياب التنافس هو ما ساهم في تراجع الدين. من جانب آخر، في مطلع القرن الفائت كانت أمريكا اللاتينية تقريبا كلها كاثوليكية، زمن كان الفضاء محتكَرا من قِبل الكاثوليكية، اليوم الإنجيليون والبنتكوستاليون يحوزن زهاء خمسة وأربعين بالمئة من أتباع الأديان في ذلك الفضاء، بفعل التنافس الحاد في السوق الدينية في أمريكا اللاتينية.

على نطاق آخر، من الإجحاف القول إن الغرب هجرَ الدين والحال أن المؤسسة الدينية الكنسية حاضرة باحتدام على مستوى تشكيل العقل التربوي، وعلى مستوى الفعل السياسي، والتأثير المجتمعي. قد نقول أحيانا ثمة هجران للكنائس، ولكن التلقين الديني والتوجيه الديني ما عاد يُصنَع بالشكل المعهود بحضور القدّاس والاستماع إلى عظة الراهب، بل صار الأمر عبر قنوات أخرى إعلامية ومعرفية وعبر لوبيات سياسية وثقافية. فعلى سبيل المثال كبريات كليات الطب في إيطاليا وجلّ مستشفياتها هي في قبضة الكنيسة. وكنيسة تملك خُمس عقارات روما، وتحت إمرتها 8.784 مدرسة، و 1.136 ثانوية، و 135 مؤسسة جامعية وشبه جامعية، وأكثر من 2.300 متحف ومكتبة، أوليست قوة ضاربة؟ لقد كانت نظرة ستالين قاصرة، يوم تساءل هازئا من عدد الوحدات العسكرية التي بحوزة البابا. الظاهر أن ستالين كان كلفاً بالقوة الجارحة وغافلاً عن القوة الناعمة التي تملكها الكنيسة، ربما كانت الأيام كفيلة بالإجابة عن سؤاله.

فالدين في الغرب له تمظهرات عدة وهو سلطة ونفوذ ومعرفة، ولكن لا نفقه اشتغال تلك القوة. على مدى نصف قرن أو يزيد من احتكاكنا بالغرب، وأقصد منذ حقبة الاستقلالات، ساد وهْمٌ كبير في التصور العربي أن الغرب هجر الدين. لم ننتج خلالها خبيرا عربيا مختصا في الشأن الديني الغربي أو الفاتيكاني، كما ثمة علوم شتى نشأت حول الظاهرة الدينية في الغرب في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتاريخ لا نفقه مساراتها. ثمة سوق رائجة للدين في أمريكا، يُصاغ من خلالها المجتمع الأمريكي وتُطبَخ داخلها السياسة الأمريكية تغيب عنّا. إن ظواهر الكنائس العملاقة (megachurch) هي قمة جبل الجليد العائم لنشاط إنجيلي حثيث اِلتهم بطن إفريقيا (ما وراء الصحراء) في غفلة منا ونحن لا ندري.

5- بعد أحداث 11 سبتمبر تصاعدت وتيرة العداء تجاه الإسلام والجاليات المسلمة حتى أصبحت هذه الأخيرة كما ذكرت تميل إلى التكتلات العلمانية بدلا من المتدينين من أتباع الديانات الأخرى. لماذا كل هذا النبذ المتبادل بين أتباع العائلة الإبراهيمية؟ وهل المجتمع العلماني يضمن دائما للمرء العيش براحة دون التستر عن ديانته؟

عزالدين عناية: الجليّ أن اللاهوت المسيحي لم يطوّر رؤية منفتحة على الإسلام، وهو رهين انشداد عصابي تجاه هذا المنافس العنيد. إذ لا يزال العقل اللاهوتي في عصر "ماهوميتّو مالْ كوميتّو" أي "محمّد الشرّ المقتَرَف". وإلا ما معنى أن يكون المسلم في الغرب أقرب إلى العلمانيين وغير المؤمنين والغنوصيين منه إلى "أهل الكتاب"؟ نحن نعيش توتّرا رؤيويا وعلائقيا بين الأديان الإبراهيمية. وعلى العموم، "لاهوت الأديان" في المسيحية هو حديث المنشأ، مازال في طور تخليق رؤية لاستيعاب الآخر. لكن غياب التجربة التاريخية السالفة وشُح ّالأطر التشريعية لا يسعفانه بمراده، لذلك ما فتئ مترنّحا بين نظرة منغلقة وأخرى تبحث عن الانفتاح. فهذا اللاهوت الوليد يثير طروحات جريئة في الجامعات البابوية، تهدف إلى تجديد النظر والتعامل مع الآخر الديني، لم تجد طريقها بعدُ إلى المؤسسة التنفيذية في "مجلس مراقبة العقيدة" داخل حاضرة الفاتيكان. فالكنيسة في حديثها وخطابها مع الآخر غالبا ما تستحضر الطرف اليهودي في حين يُلحق الطرف الإسلامي –المفترَض من العائلة الإبراهيمية الجامعة- بالأديان والتقاليد الروحية على غرار الهندوسية والبوذية والأديان الإحيائية الإفريقية. لذلك يبقى الاعتراف والتنظير لفلسفة التقارب بين الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، على أساس المشترك الإبراهيمي، لا يسير وفق النسق نفسه في المنظور الإسلامي والمنظور الكاثوليكي، حيث يخبو في هذا الأخير، لتتحول لديه الأديان الإبراهيمة الثلاثة إلى ثنائية إبراهيمية تقتصر على المسيحية واليهودية.

ولو أتينا إلى التصور الإسلامي، نقف على وحدة تصورية جامعة بين اليهودية والمسيحية والإسلام، وهو يقين قوي ومترسخ في الوعي الجمعي، حتى وإن بدت في ذلك الوعي مظاهر خلل. هذا المعطى الجامع يغيب من التصور المسيحي الغربي. فالمسلمون هم عبدة "الله" وكأنهم يعبدون إلها مغايرا شبيها بأهورا مزدا أو أهريمان، ولهم تصورات غريبة عن التراث اليهودي المسيحي، وهو ما تسعى أطراف كنسية إلى ترسيخه وإقناع الناس به. فالمسلم لا يجد حضورا ضمن رابطة جامعة سوى في أوساط الرؤى العلمانية وهذه المفارقة في العقل الديني الغربي المعاصر. من هذا الباب يغدو العلماني الغربي أقرب مودّة إلى المهاجر المسلم من المسيحي الغربي. هناك نفي متعمّد للإسلام من حضن التراث الإبراهيمي، وما نسمع عنه من حوار الأديان، لا سيما الصادر من الأوساط الكنسية، هو استراتيجية احتواء وسيطرة لا غير.

6- هل يمكن الحديث عن إسلام غربي بدل إسلام في الغرب؟

عزالدين عناية: المرحلة التاريخية الراهنة هي منزلة بين المنزلتين بالنسبة إلى الإسلام المهاجر، فلا يمكن أن ينسحب عليها نعت الإسلام الغربي ولا نعت الإسلام في الغرب. فمن الإجحاف أن نصف المسلمين بهذا أو ذاك. لكن صيرورة التاريخ ستقود حتما باتجاه الإسلام الغربي. فالواقع أن الغرب في الراهن يشهد جدلاً متنوّع الأشكال مع الإسلام الحاضر في أحضانه. فعدد المسلمين الحالي يفوق الأربعين مليون نفر، وبات مرشّحا لتطوّرات حثيثة في غضون العقود القادمة. ما دعا لخوض غمار سياسات عدّة تتراوح بين الدمج القسري والاندماج الطوعي.

ورغم أن شقّا واسعا من هؤلاء المسلمين وُلد، أو عاش دهراً من حياته في الغرب، فضلا عن أن عددا هائلا منهم يحمل جنسيات تلك البلدان، فإن كثيرا منهم يعاني رهقاً، قد لا يكون مقصودا أحيانا، وإنما جرّاء تحوّلات اجتماعية موضوعية، تسير وفق نسق بطيء. في الحقيقة كانت الآثار التي هزّت تلك الملايين من المسلمين عميقة، بيْدَ أن في خضمّ ذلك الدمج القسري أو الاندماج الطوعي بقي التديّن، بمعناه السوسيولوجي الواسع لا بمعناه الفقهي المانع، نواةً صلبةً، في كل من باريس ولندن وروما وأمستردام وستوكهولم ونيويورك وغيرها من العواصم والمدن الغربية، بل أيضا في أرياف الغرب وبلداته المتناثرة.

فعلاً نواة الدين هي مربط الفرس في ذلك السجال الدائر. فالغرب يشهد ما يشبه مرج البحرين، بين ثقافتين وحضارتين. لذلك يبقى تحدّي الملايين المسلمة مرهوناً أساسا بتطوير الإسلام الديناميكي والمسلم الكوسموبوليتي، حتى لا تبقى الجموع المستوطنة عائمة، دون المساهمة الحضارية المرجوّة، وحتى يُحاصَر ذلك التنافر لصالح إيلاف إنساني حقيقي. فليس الغرب فحسب أمام هذا الاختبار الحضاري، في استيعاب "الدخيل" وهضمه، بل الجموع المسلمة أيضا طرفٌ رئيسٌ في هذا التحدّي، لذلك كلاهما فاعل ومفعول به.

7- تقول في كتابكم "العقل الإسلامي" ص: 11 "لا إصلاح ديني في غياب تحرير النصوص المقدسة ولا تحرير لتلك النصوص بدون قراءة عقلية وفية للحظتها التاريخية".

هل هي إجابة على نجاح حركة الاصلاح الديني في الغرب وفشلها في البلاد الإسلامية؟

عزالدين عناية: نحن نعيش في البلاد العربية باراديغم قروسطيا في فهم الدين لم نخرج من أسره، والحال أنه منذ أن داهمت سنابك خيول الإسبان باحة الزيتونة (إبان الفترة الممتدة بين 1535 و 1574م)، انتهى وعي حقبة. سأوضّح الأمر، برغم التجذّر التاريخي للزيتونة، وثراء التجربة المعرفية وعراقتها، لازالت المؤسّسة تمثّل تجلّيا مكثّفا لمحنة العقل الإسلامي وأزمته البنيوية. ضمن هذا السياق يتفسّر عجز الزواتنة، برغم كثرتهم العددية، مقارنة مع المتحدرين من التكوين الفرنسي، على التوفيق في توجيه نتائج تحرّر تونس، أو المساهمة الفاعلة في قيادتها، إبان مرحلة الاستقلال. إذ وجد الزّواتنة أنفسهم خارج سياق الفعل الحضاري وهم لا يدرون، وغالبا ما فسّروا الأمر بالمؤامرة الفرنكفونية العَلمانية، وقنعوا بما كتب الله لهم!

لقد وجدت الزيتونة نفسها، بفعل تراجع العقل الإسلامي، داخل أزمة جامعة شملت عديد المؤسّسات العلمية من فاس إلى نيسابور. كان فقدان الأندلس وصقلّية أبرز تجلياتها في السّابق، وفلسطين في الحاضر. هذا وقد مثّلت الثّغور المتقدّمة، والتي منها مجال الزّيتونة الحضاري -في ظلّ هيمنة المزيج العرفاني اللاّعقلي السّائد، الذي وكِّل له أمر العقل الحضاري- مرتعا للغزو المنفلت، الصّليبي والإسباني في البداية، والفرنسي لاحقا. فلو كانت المعرفة وفيّة لشروطها الموضوعية، أَوَكان لسنابك خيول الإسبان أن تدوس على شروحات وحواشي المؤلّفات المغتربة، التي تعبّئ خزائن جامع الزّيتونة؟ والوعي المقلوب يظنّها منتهى مقاصد العلوم والمعارف، حتى يتحوّل الجامع الأعظم إلى إسطبل لخيولهم. إشارة إلى الحدث الجلل، الذي ألمّ بالزيتونة سنة 970هـ، والذي يصفه الوزير السّراج بقوله: "وقسمت  المدينة -تونس- مؤمن وكافر، وأُهين المسجد الأعظم ونهبت خزائن الكتب الّتي كانت به، وداستها الكفرة بالأرجل وألقيت تصانيف الدّين بالأزقّة تدوسها حوافر الخيل والرّجال؛ حتّى قيل إنّ أزقّة الطّيبيّين كانت كلّها مجلّدات ملقاة تحت الأرجل. وضربت النّواقيس وربطوا الخيل بالجامع الأعظم، ونبش قبر الشيخ سيّدي محرز بن خلف فلم يجدوا به إلاّ الرّمل، وبالجملة فعلوا ما تفعله الأعادي بأعدائها وكانت كلّ دار مسلم يجاورها نصرانيّ". كشفت تلك الحادثة بعمق عن أزمة النّظر الفكري عصرئذ، العاجز عن تهيئة قوة حضارية أو صنعها.

فالزّيتونة التي درّست السّيوطي والزّركشي والباقلاّني والزّرقاني سابقا، وتدرّسهم حاضرا، بالمنهج ذاته والأسلوب نفسه، تبقى زيتونة لاتاريخية لم تتفطّن إلى التبدّل المعرفي الحاصل. فما لم يتغيّر النّظر في العلوم، ليُمحّص المقول الصّائب من المقول الخاطئ، ويطرح أسئلة الرّاهنية الحضارية والجدوى والمصداقية، فإنّ عملية النهوض تبقى معلّقة. إذ سؤال صِدقية المعرفة ومعقوليتها من الشّروط اللازمة لحفظ الفكر الدّيني من الزّيغ والاغتراب. ففي العصر الذي كان فيه الإسبان يدنّسون حرم الزّيتونة، كان العقل الزيتوني يتلهّى بفنطازيا الغيبات. ثمة منطق خرافي يركن إلى سردية "تدخِل العينُ الرّجلَ القبرَ والجمل القِدر"، يتحكم بالعقل الإسلامي. وكلّ وعي لا يخلق قوة حضارية هو وعي مغترب، فهل غادرنا الزركشي والباقلاني في فهم القرآن؟ وهل خرجنا من فقه "متن ابن عاشر"؟ لا أقدّر أن الأمر حصل، إذ  ثمة وهنٌ كبير في العقل الإسلامي، أو كما يسميه الفيلسوف الإيطالي جاني فاتيمو "العقل الخامل"، لا يملك فيه الإدراك الإسلامي المقدرات اللازمة لوعي ذاته ووعي ما يجري حوله. فما الذي تنتجه الجامعات الدينية لدينا من وعي؟ ثمة اجترار ركيك للعلوم الكلاسيكية ناتج عن فقدان النباهة السوسيولوجية لتشكُّلِ المعارف، ولذلك يعجز العقل الديني لدينا. وباختصار، إن النباهة الحضارية المرجوة هي ما يعوزنا، وهذا الأمر لن نبلغه سوى بترسيخ المعارف العقلية. لأن خريج الجامعات الدينية مستنزَف داخل اللامعقول، الأمر الذي أقعده عن الحضور المعرفي في الساحة العالمية، إنه يتكلم لغة محدودة الدلالة.

8- ما دامت الحاجة إلى التجديد مطلبا ملحا ويتردد على ألسنة المنشغلين بالفكر الديني الإسلامي على مدار القرون الماضية، فمن أين نبدأ في التجديد والتطوير والاجتهاد حتى لا يبقى على مستوى النظري؟

عزالدين عناية: أرتئي أن لعلم الاجتماع الديني دورا حاسما في تحريك الجمود الفكري العربي، فتناول موضوع الدين من هذه الزاوية يعني اليوم قلبَ منهج النقاش التقليدي الذي ساد سلفاً، كما يقول إنزو باتشي. فقد كان الانطلاق من تحليل منهجي لنظريات كبار المفكّرين وأبحاثهم بما توصّلوا إليه من نتائج، بغرض معالجة مواضيع منفصلة، كلّ على حدة، مثل: المؤسّسة الدينية، والممارسة الدينية، وعلاقة الدين بالمجتمع، والصلة بين الكون القدسي والتديّن، وهكذا دواليك. بيْد أنّ ما يبدو اليوم ملحا، وهو السعي لتفهّم التحوّلات العميقة التي تتجلّى أمام أعيننا في ما يتعلّق بالدين وبتنظيم الحياة. وللأسف رغم انتشار أقسام علم الاجتماع، خلال العشريات الأخيرة، في جلّ جامعات البلدان العربية، فإنها ما زالت تشكو نقائص لافتة. تتلخّص أساسا في عدم قدرة علم الاجتماع المستورَد على الإحاطة بإشكاليات الاجتماع العربي، والدين إحداها، إذ ثمة اغتراب للمعرفة عن واقعها. وهو عجزٌ ناتجٌ عن مناهج تدريس تعوّل على استعراض النظريات والمناهج السوسيولوجية الغربية، تعريفيا وأحيانا بافتتان، يفتقد إلى تعريبها الوظيفي، ونقصد به جعل تلك الأدوات المعرفية في خدمة الواقع الديني العربي لفهم مضامينه وتحولاته وتحدياته. ولذلك غالبا ما أتت نقولات "الكونْتية" و"الدوركهايمية" و"الفيبيرية"، والمدرسة الجدلية، ومدرسة جورج لوبرا ومدرسة بيار بورديو، عروضا تاريخية باهتة لا أدوات معرفية مرشِدة ورشيدة. والأمر ذاته في مجال الفلسفة، فكيف لدراسات فلسفية عربية لازالت متوقفة في حدود كانط وديكارت وهيغل، أن تفيدنا في فهم معضلة ما يجري اليوم في العقل الغربي، والحال أن الغرب ينسف ذاته ويبنيها باطراد فلسفيا ومعرفيا وعلميا.

لذلك يبقى البدء والمنتهى في مسألة التجديد يحوم حول العقل، وهو ما لم نستمثر فيه، خصوصا في حقل الدراسات الدينية، فهي أبعد الدراسات عن العلمية والعقلانية. فما يلقيه الإمام على المنبر يوم الجمعة لا يختلف كثيرا عمّا يدلي به الأستاذ في المدرج الجامعي. ينطبق علينا ذلك القول الإنجيلي: إذا قاد الأعمى الأعمى كلاهما يسقطان في الحفرة. إن عملية التحوير اليوم تقتضي شجاعة وجودية.

9- هل مسألة الاجتهاد في المؤسسات الجامعية الإسلامية مواكبة لفتوحات ومناهج العلوم الانسانية والاجتماعية المعاصرة؟ وهل توظيف مثل هذه المناهج في دراسة النصوص الدينية كفيل بالعملية الإصلاحية أم أن الأمر يتجاوز مجرد أزمة مناهج وآليات قراءة؟

عزالدين عناية: ليست المناهج العلمية معلّبات جاهزة، أو معادلات رياضية نظرية قابلة للحصر، يمكن توريدها، بل هي تكوين معرفي رصينٌ ينتج دارسا متزنا في التاريخ. نحن سلفيون في فهمنا للتكوين العلمي والمناهج العلمية، فلو أخذنا مواد علم الاجتماع في الجامعات العربية نلحظ أن الجامعيين يدرّسون كافة رواد هذا العلم من أوغست كونت مرورا بماكس فيبر ودوركهايم وإلى غاية بيار بورديو، ولكن ما فات هو تبْيئة هذه المناهج وخلق منظور عربي قادر على فهم الواقع العربي. نحن بارعون في استيراد المقولات الغربية وعاجزون عن تفكيك تلك المقولات وتبين الغث من السمين فيها، بفعل انهزامنا أمام العقل الغربي الذي بات كابوسا جاثما على مخيالنا.

10- تذكرون في كتاب "العقل الإسلامي" ص: 41 "إن التجديد الإسلامي لن يحدث إلا من خلال: ورشة التفسير التاريخي للنص القرآني، وورشة إحياء تكريم الإنسان" كيف تتم هذه العملية؟

عزالدين عناية: ثمة نقدٌ تاريخيٌّ غائب في ما يتعلق بتفسير النص القرآني، ولذلك لم ننتج تفسيرا عقلانيا، بل جلّ ما لدينا هي تفاسير لامعقولة للقرآن. ومن فرط إعادة إنتاج الخرافة في التفسير ضاعت روح القرآن. فحين يقرأ المرء عنوان تفسير "التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور يحسب نفسه أمامه مشروع تحرير وتنوير للعقل الإسلامي وإذا بالمرء لا يظفر سوى بلغوٍ لا يغني المؤمن اليوم، رغم أن الرجل صرح في التوطئة لكتابه بما مفاده "تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد". تبدو الورشة الكبرى أمام العقل الإسلامي هي في إعادة تحرير النص الديني من الأسطورة، وهذا لن يتأتى سوى باستعادة المسلم عقله المصادَر.

11- حول دور الأنتلجانسيا ومسؤوليتها في المجتمع يدور الجدل بشكل واسع، وقد قمت بتصنيف هذه الفئة إلى ثلاثة مستويات: صنف نائم وآخر سائم وثالث هائم. هل الأنتلجانسيا تراجعت مهمتها ووظيفتها النقدية؟

عزالدين عناية: لا يمكن أن نزعمَ أن الوضع الثقافي العربي الحالي، المستبطِن للعدمية، والمتّسم بالسطحية، فضلا عن طابع الشكلانية الطاغي عليه، قادرٌ على أن يوفّر إشباعا على مستوى الداخل، أو أن يكون منافِسا مقتدرا على مستوى الخارج. فنحن أمام محدودية الفعل الحضاري العربي بوجه عام، داخلا وخارجا. واللسان الثقافي الذي نتحدث به مع أنفسنا يعتوره الخلل، والذي نخاطب به العالم يشي بفهمٍ قاصر لسير هذا العالم. ذلك أن التكتل الغربي المؤثِّر بشكل واسع في وقائعنا السياسية وفي مساراتنا الحضارية، تفصلنا عنه هوّة سحيقة، يتجلى ذلك في فتور الثِّقاف معه وعجز جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية والبحثية عن مواكبة ما تمور به أوساطه العلمية من طروحات وآراء وأبحاث ومؤلفات. إذ لم يعد العالم العربي طرفاً فاعلاً في صنع المبادرات الحيوية أو مَعِينا للفيوضات الروحية في مجاله الإفريقي-الآسيوي الرحب، بل صار مصدرا إضافيا للعدمية والفوضى وتكريس التيْه. كيف نتدارك ما حلّ بحاضرنا ونتفادى ما يتهدّد مستقبلنا؟ إن الأمر يبدو رهين تخليق منظور سديد مواكب لطور جديد. فالنموذج العربي المنشود يتطلّب من المثقف أن يكون بمنأى عن التوظيف السياسي. إذ ثمة مطبّات تتربّص بالمثقف تشلّ إمكانياته وتقلّص من قدراته، ومن بين المطبات تلك خضوع مخياله إلى هذه الجهة أو تلك. وهو ما لم يتحرّر من هذا الكابوس ويبني إنجازاته بمنأى عن هذه الضغوطات، فإن ذلك يبقى معطِّلا لإبداعه. فأمام شتى أشكال الإغواء لا يمكن أن ننفي تورط المثقف في الأجندات السياسية، والصراعات التي تشقّ العالم العربي في الراهن المكتظّ بالأزمات. يتضافر هذا مع واقع المؤسسات الثقافية الرسمية في بلاد العرب فهي مؤسسات ينخرها سوس البيروقراطية، وهي تجمعات لشغّيلة رثّة تتلقّى رواتب، وبالكاد تتمّ مهامها الإدارية، وهي دون القدرة على إنتاج ثقافة مجتمعية حيوية. إذ لا تخلو مجمل البلدان العربية من وزارات وهيئات مكلّفة بشؤون الثقافة والإعلام، وقد تحولت فيها جحافل الموظفين والإداريين والساهرين إلى أخطبوط متحكم بمفاصل الثقافة دون إنتاج ثقافة.

لكن ضمن هذه الأوضاع من المفتَرض أن تلعب الأوساط الأكاديمية دورا رياديا في صياغة النموذج الثقافي المرجوّ، غير أن وعود إسهامها في هذا الجانب ضئيلة وهامشية. ولطالما عزونا الأمر في الكثير من المناسبات إلى التهميش السلطوي المقصود للمثقف، وإلى مناخ الدكتاتورية السائد، وهي في الحقيقة تبريرات نسبية، تستّرنا بها عن العياء الذي يشلّ الأكاديمي العربي، بعد أن بات همّه الترقي في سلّم الوظيفة، ومضاعفة الراتب، دون بذل جهد علمي حقيقي، بل سبيله إلى ذلك الأقدمية والشللية والولائية، وغيرها من سُبل النطّ السريع. فلا تأتي ترقيات رؤساء الأقسام في كثير من الجامعات العربية جراء كفاءة علمية، وإن تواجدت، ولكن في الغالب جراء معايير هي أبعد ما يكون عن الكفاءة. هذا الوضع الطاغي في الساحة الأكاديمية غالبا ما يخلّف إحباطا وفتورا، لذلك قلة من الأكاديميين من يشتغلون داخل الجامعة وخارجها، لأجل النهوض بالثقافة. فواقع الحال يكشف أن ثمة عطالة أكاديمية متفشية سلبت الجامعي إمكانيات المساهمة في تطوير المجال الثقافي وتحويره.

12- قدمتم أطروحة دكتوراه سنة 1997 بعنوان"المقاربة الدينية لليهودية في الفكر العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين". ما الذي شجعكم على هذا الاختصاص؟ وما الجديد الذي حملته أطروحتكم؟

عزالدين عناية: بمقتضى الانخراط القسري للدراسات اليهودية في البلاد العربية، ضمن ثقافة المواجهة والصّراع ضدّ الصّهيونية والدّولة العبرية على مدى نصف قرن، رغم الفاصل الإبستيمولوجي الذي ينبغي أن يفصل العلمي عما هو إيديولوجي، جاءت المقاربة العربيّة مصبوغة ومسكونة بهاجس السّياسي، فقد كان وقعُ ذلك كبيرا على مصداقيتها وعلميتها. لذلك آثرنا قراءة تحليلية نقدية لأدبيات تلك الفترة. فمن مستلزمات الدّراسات الدّينية العلمية التمفصل الواعي بين الذّات وموضوع الدّراسة، وهذا الأمر لم يُراعَ إلاّ في القليل مع إنتاجات المقاربة العربية الحديثة بشأن اليهودية. بفعل التأثير الجليّ لبنى فكريّة وأحداث سياسيّة متلاحقة. وبفعل هشاشة التكوين العلمي في دراسة اليهودية لدينا، حري الاستفاقة لما مسّ الفكر الرّدوديّ القديم من زعزعة معرفيّة، وهو ما يتطلّب التجاوز والتواصل، حتى لا تكون أبحاثنا مغتربة ولا تاريخية. فقد عبّرت إشكاليات الدّراسات الكلاسيكية عن مستوى لحظتها التاريخية، ما يجعل نتائجها ورؤاها غير مطلقة الصلوحيّة. فمثلا التعامل مع الأسطوري واللاّمعقول التوراتيين بمنطق الصّدق والخطأ، جرف الموضوع إلى مجال ضيّق، في وقت ظهرت فيه مناهج دراسية تتعامل مع الأسطورة بأساليب علمية، عبر الغوص في منطقها ودلالتها أثبتت أهليتها في هذا الحقل. ومن ناحية المواقف القرآنية بشأن اليهودية واليهود، لا بد من ربطها بآليات علوم القرآن، من أسباب نزول، وأوّل ما نزل وآخر ما نزل، وناسخ ومنسوخ، ومطلق ومقيّد وما شابهها، أي دراسة المدلولات في التّاريخ والاجتماع، حتى يجري استنطاقها بشكل صائب. إن المنهج القويم في التّعامل مع الإرث الديني اليهوديّ، يستلزم دراسة تلك الظّواهر في التاريخ لا فوقه. فلإدراك مدلولات الألوهية في اليهودية، مثلا، في تمظهراتها المختلفة، يقتضي الأمر متابعتها ضمن التحوّلات الاجتماعية، التي تشكّلت في طياتها، وبهذا تنزوي مقولات "التحريف" و"الزّيغ" و"الضّلال" اللاّتاريخية لتفسح المجال لوعي الظاهرة في عمق تشكّلها وتجلّياتها. ناهيك عن أن الاهتمام ببنية التلمود وتكوينه يتطلّب عدم الاحتكام في شأنه للدّراسات الواسطية والغوص فيه مباشرة، بعد أن أنتج لنا الزيتوني عامر الحافي ترجمة عربية في 20 مجلدا نشرت في مركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان. فالتّلمود كما تبيّن لنا ليس خزّان شرور -كما يصوَّر خطأ- بل تجلّيات عقلية إنسانية. وأمّا ما تعلّق بالشّخصية اليهودية فقد خلصنا إلى أنها ليست جامدة في التاريخ، لذا ينبغي التعامل معها ضمن تبدّلات الاجتماع وتغيّراته، مع عدم إهمال المتخلّد التراثي في تركيبها وتوجيهها.

13- أحد أهم كتبكم حمل عنوان "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري" هل الاستهواد من المقولات التي تتناول الآخر مثل الاستشراق والاستغراب؟

عزالدين عناية: باختصار الاستهواد هو نظريّة فكر ومنهجه في تأمّل فكر آخر، سائرة بحسب منظومة تعقّل مسلَّطة على حقل المقدّس في دين محدّد، أطلقنا عليها تسمية الاستهواد وعلى المشتغل فيها مستهوِد. رمنا من خلالها متابعة محاولات التفهّم الدّائرة في حقل الدّيني والمقدّس، السّاعية لفهم الظّاهرة اليهوديّة في التاريخ، بغية الغوص في مدلولات تشكّلها وخفايا رموزها.

14- ألا ترى أن الكنيسة ساهمت في إفشال الحوار خاصة مع تزايد التبشير المسيحي في إفريقيا وآسيا؟

عزالدين عناية: الكنيسة هي التي صنعت الحوار مع المسلمين وهي التي وجّهته، وهي التي أنهته وإن شاءت أحْيته. لقد سادت موضة القول بالحوار منذ انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) وإلى غاية رحيل البابا يوحنا بولس الثاني. وهي في الحقيقة استراتيجية اتخذتها الكنيسة لاختراق من يأبى الاختراق. انجرّ المسلمون إلى ذلك وخاضوا مع الخائضين ولم يظفروا من وراء ذلك بشيء لأنهم سُحِبوا للأمر سحبا. كنّا نبحث عن الخيلاء، حتى يقولوا عنا: منفتحين ومعتدلين وحداثيين وعلمانيين، ولم نفز بشيء. كانت الكنيسة في تلك المساعي هي من تصنع فلسفة الحوار وتحدّد مساراتها، بعد تفريغها من مضامين الحوار العقدي ومناداتها بالحوار الاجتماعي. حتى ضمنت صَمْت المسلمين عن انتقادهم المعهود "للتثليث" و"التجسد" و"التأليه"، وغيرها من القضايا الشائكة؛ رغم أنها تابعت الحديث عن "راديكالية" الإسلام، وعن انغلاقه العقدي، وحؤوله دون تحول أتباعه إلى الأديان الأخرى.

وأما الحوار الاجتماعي الذي تحمّست له الكنيسة ودعت إليه، فقد كان مدفوعا بإيجاد موضع قدم للكنيسة الغربية في ديار الإسلام، بعد أن خرجت آثمة ومذنبة مع الآلة الاستعمارية. وفي ظل الضجيج الحواري الذي ساد طيلة الحقبة الماضية، غُيّب جوهر الحوار المتلخص في ألاّ سبيل لحصول حوار اجتماعي بدون اعتراف تاريخي، يعقبه اعتذار رسمي عما أتاه كرادلة الاستعمار، أمثال شارل لافيجري (1825-1892م) وصحْبه من "آباء بيض" و"أخوات بيضاوات"، طيلة الحقبة الاستعمارية؛ ومجزرة جامع كتشاوة في الجزائر (1932)، شاهدة على الأمر. ربما تعود حالة الفتور في الحوار الإسلامي الكاثوليكي، في أحد جوانبها، إلى غياب المراجعة والنقد لما ساد في سالف الحوارات، فضلا عن هيمنة الخطاب التصالحي على حساب المعرفي والعلمي. فكم من ملتقيات للحوار أقيمت في بلاد العرب، ولا يزال الإنجيل فيها مطارَدا كالأفيون، وكم من جلسات للحوار والكلام الجميل عُقدت ودور العبادة المسيحية في الخليج لا تزال موصدة، وكم من ادعاءات بالتعايش في المشرق ولا يزال الموت يحصد المستضعَفين من أتباع عيسى وأحمد؟

ولو نظرنا للحوار في الفضاء المغاربي نلحظ أن الطرف المغاربي، المفتقد لاستراتيجية علمية أو دينية، قد جُرّ جرّا إلى ما يسمّى بالحوار، على مدى أربعة عقود. ولم تنبع المثاقفة من مطلب أكاديمي أو استعداد مؤسّساتي له، بل كانت استجابة للمواكبة والمجاراة. كان أوج تلك المثاقفة بتأسيس مجلة "إسلاموكريستيانا" المسماة بـ"إسلاميات مسيحيات" سنة 1975، بإشراف وتسيير لاهوتيين من الآباء البيض على رأسهم الراهب موريس بورمانز. حُشِدت لها طائفة من الجامعيين من تونس بالخصوص، بغرض صنع وعي ديني ليّن وطيّع. غير أن الآباء البيض، الذين ارتبط منشأهم ودورهم بالكنيسة الاستعمارية، لم يوفّقوا في تجاوز الحوار العُصابي مع الإسلام، عبر ذلك التجمّع، الذي سعوا في تشكيله.

كان الطرف المغاربي ولا يزال، يحسب الدخول في حوار مع الكنيسة "جلسة شاي"، يعرِب فيها عن اعتداله وسماحته وتقبّله للآخر، يَجري فيها حديثٌ عن الأخوة الإنسانية ووحدة العائلة الإبراهيمية. ولم يُدرَك حتى الراهن أن الكنيسة الكاثوليكية، لا تزال تنظر بعين الغيرية للإسلام والمسلمين، وأن الجامع الذي يجمعها أساسا هو بأتباع التوراة، بناء على مفهوم "الإخوة الكبار"، الذي اصطنعته وأزاحت منه الطرف الإسلامي، متجاوزة في ذلك الواقع الإناسي والأصول اللاهوتية في الدينين، فضلا عن التأسيس التوراتي "لأباركنَّك –إبراهيم (ع)- وأكثرنّ ذرّيتك فتكون كنجوم السماء وكرمل شاطئ البحر، وترث ذريتك مدن أعدائها" (سفر التكوين22: 18).

15- عن ثورات الربيع العربي. لماذا نجحت إلى حد ما في تونس وانحرفت عن مسارها نحو العنف والتطرف في كل من ليبيا وسوريا؟

عزالدين عناية: لا بد أن نقرّ أن الثورات لا تنتُج بالتقليد، وكلّ ما جرى في بلاد العرب من ثورات كان تقليدا للثورة التونسية، والفرق شاسع بين من يخلّق وبين من يقلّد. كان ما حدث في مصر وسوريا والجارة ليبيا هو صدى لما هزّ تونس. ولعل بلد المنطلق هو الفضاء العربي الوحيد الذي فيه استعداد حضاري للتغيير بفعل عوامل تاريخية. كما لابد أن ندرك أن السياق المصري هو سياق قهر تاريخي يمتد إلى فرعون ذي الأوتاد، وصعب أن تخرج الشعوب من قدرها التاريخي. ولذلك ليس مفاجئا أن تنتكس المغامرة المصرية.

16- ما هو سبب انتعاش الخطاب الأصولي المتطرف وأعمال العنف المصاحبة له؟

عزالدين عناية: انتعش الخطاب المتطرّف لأن الفكر الديني الأصيل غائب، فقد صادرت السلطات الخطاب الديني ومسخته. كان اللوم -في ما مضى- على الغرب الذي يعرض صورة فجّة مغرضة عن الإسلام، ولكن ما يفعله مسلمون بمسلمين، وما يفعله عرب بعرب هو أشد ضراوة وأدهى فتكا. يقول المفكر الإيطالي بييترانجيلو بوتافوكو: بِتنا نرى عددا هائلا من المسلمين قتلى بأيدي مسلمين، فالصراع في الإسلام وعلى الإسلام على أشده، كل له تأويليته المسقطة على الدين، المفروضة بمنطق القوة لا بقوة الحجة. ذلك أن التنافس ما عاد داخل عالم الإسلام بين الأفكار، بل بين أشكال العنف المختلفة، إذ الحدود التأويلية باتت غائمة، مائعة، بين مقترفي العنف وضحاياه. علامَ يتقاتلون؟ ذلك السؤال الذي يطرحه الإنسان الغربي المتابع لأحداث العرب. حتى بات العنف الواردة أنباؤه من ديار الإسلام خبرا رتيبا باهتا، يقابَل بلا مبالاة وبرودة جراء تكرره وعبثيته، لا سيما وقد أضحى لا يدّخر موضعا، الكنائس والمساجد والأسواق والتجمعات الأهلية، فهو عنف أعمى بلا مقصد ولا غرض. وحتى الزمان فقدَ قداسته، لا رمضان ولا عاشوراء، لا عيد ولا مأتم، فهل ما زال لدلالات الأشهر الحرم في التصور الإسلامي معنى؟ لقد تحوّل الخبر الوارد من البلاد العربية إلى مشتقات جذر "قتل"، ليس بما يروّجه الخصوم عنهم، بل بما يفصح به الإعلام العربي عن واقعه، مما حوّل الخوف من العربي أمرا غريزيا لدى الغربي، حرفًا ولونًا وملبسًا. في سياق العنف السائد يشتكي السوريون من تناسي العالم لهم ويستصرخون الضمير الإنساني، ولكن هل أبقى العالم الإسلامي ضميرا للبشرية حتى تتعاطف مع قضاياه؟ فاللاجئ السوري في المخيال الغربي ما هو إلا فائض عنف، وهو بقايا لفوضى عارمة متشظّية.

ليس من الهين كما يقول بييترانجيلو بوتافوكو أن يكون المرء مسلما في زمن يتعرض فيه عالم الإسلام إلى تفجير من داخله، من أبنائه، ومن حماته، ولا سيما من حاضنته العربية بشقيها السني والشيعي.

17- حتى يتم بلورة أخلاق كونية جديدة متحررة من رواسب الماضي وتنطبق على البشر جميعا بغض النظر عن أديانهم وعقائدهم. يرى محمد أركون أنه لابد من الرجوع إلى فكرة "الدبلوماسية الوقائية" بمعنى الدبلوماسية التي تتحاشى الصدامات والحروب بشكل مسبق عن طريق تأسيس برنامج تعليمي تنويري مشترك لجميع دول حوض البحر الأبيض المتوسط. هل يمكن تحقيق هذا المبتغى في رأيكم؟

عزالدين عناية: لقد لخص اللاهوتي الألماني السويسري هانس كونغ الأمر بقوله: "لا سلام لعالم لا سلام فيه بين الأديان، ولا سلام بين الأديان بدون حوار بينها ولا حوار بين الأديان بدون أبحاث في ما بينها في بناها الأساسية"، نحن العرب غائبون عن هذا المشروع الحضاري.

18- ما هي اهتماماتكم البحثية حاليا، وهل هناك مشاريع فكرية في المستقبل القريب؟

عزالدين عناية: يشغلني هذا الهول المنصبّ على رؤوس العباد بفعل الإرهاب وتمزق الأوطان وتشتت الشعوب. لا أجد أمامي سوى البحث والكتابة والترجمة لأفهم ما يجري حولي. وتحديدا ما أعكف عليه هذه الأيام هو ترجمة كتاب في "سوسيولوجيا الأديان" يعالج قضايا تفجرات المقدس.

 

حاوره الأستاذ عبدالنور شرقي

 

عبد الجبار الرفاعي- ما الذي يشغلك أمس وهذه الأيام؟

- ما كان يشغلني، منذ مرحلة الدراسة الثانوية من عمري، حضورُ الدين بوصفه حاجةً سياسيةً لا يكتمل تكوينُ دولة بدونها، بعد أن اشتعلتْ مشاعري فنام عقلي بكتابات سيد قطب وأدبيات الجماعات الدينية.

ومنذ أكثر من ثلاثين عامًا تبدّل مفهومُ الدين عندي، بعد أن استيقظ عقلي وصمتتْ في التفكير مشاعري، إذ وجدتُ أن الدينَ الكلامي والفقهي يتعذّر عليه بناءُ مفهومٍ لدولة يتساوى فيها المسلمُ وغيرُه بكلّ الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية على أساس التساوي بالمواطنة. تعلمتُ من تخصّصي في معارف الدين وعلم الكلام والفقه أن بنيةَ الدولة الحديثة لا يمكن أن تبتني إلا على مفهوم المواطنة الذي يتساوى فيه الكلّ، والذي يكون نصابُ الحقوق فيه الانتماءَ لوطن واحد. نعم، الدينُ بمضمونه الروحي والأخلاقي والجمالي يمنح حياةَ الفرد معنى، ويكون من أهمّ منابع الأمن العائلي والمجتمعي في الدولة.

أما اليوم فيشغلني حضورُ الدين بوصفه حاجةً وجوديةً للإنسان، لا يكتمل تكوينُ معنىً للحياة من دونها. لقد خلصتُ إلى أن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم.

لكن الدينَ قد يتحول إلى تهديدٍ عاصفٍ لحياة الفرد والجماعة، لو لم يتموضع في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي خاصة، إذ يصبح الدينُ أخطرَ ما يهدّد بنيةَ المجتمعات البشرية، لأنه عندما يخرج من حقله الطبيعي ويجتاح حقولَ الحياة الأخرى خارج اختصاصه، يتغلّب على ما هو من اختصاص العقل والعلوم والمعارف والتجارب البشرية ويعمل على تقويضها. ويتحوّل من كونه حلًا للحاجة الوجودية، وضامنًا للحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى مشكلة تبدّد العقلَ، وتحول دون تراكم الخبرة البشرية. وهو ما نشاهد آثارَه الفتاكةَ وصورَه المفزعةَ في العالم اليوم.

 

299 عبدالجبار الرفاعي- ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟

- صدر قبل أيام  ببيروت كتابي "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وتأتي أفكارُ هذا الكتاب في سياق ما جاء في كتابَيّ السابقين: "الدين والظمأ الأنطولوجي"، و" الدين والنزعة الإنسانية"، من ضرورة دراسةِ الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، وتموضعِه في حقله الروحي والأخلاقي والجمالي، والخلاصِ من تلاعب الجماعات الدينية بوظيفته التي ورطته في صراعات السلطة والثروة العنيفة، بعد أن عملتْ على تحويله إلى أيديولوجيا سياسية.

 

- هل أنت راضٍ عن إنتاجك ولماذا؟

-  ما دمتُ أحلم بالكمال فلا يمكن أن يرضيني بشكل كامل أيُّ منجز. الرضا نسبي، حتى لو رضيتُ اليوم عن كتاب أصدرتُه أو مقالة نشرتُها، فحين أعود إليها بعد سنوات أشعر بالحزن أحيانًا من بعض ما كتبتُه فيها، فمثلا حين أقرأ ما كتبتُه قبل ثلاثين عامًا أجدني كتبتُ أحلامًا وأوهامًا تنتمي إلى مخيلة الجماعة وهويتها وسردياتها ويقينياتها غير المبرهنة، بلا أن أفكر فيها بعمق أو أُمحصها. كنتُ أعتقد بأن إحياءَ علوم الدين يتكفل بإحياءَ علوم الدنيا، لكني اكتشفتُ لاحقًا أن هذه المعادلةَ مقلوبة، إذ إن إحياءَ علوم الدنيا هو الذي يتكفل بإحياء علوم الدين.

فرضتْ عليّ: طبيعةُ شخصيتي ومطالعاتي المزمنة، وتكويني التربوي وتعليمي الديني والفلسفي، أن أكون في سفر عقلي لا سكون فيه، وغالبًا لم يكرّر هذا السفرُ محطاتِه. لعل محطةَ اليوم غيرُ محطة أمس، وربما لا ألبثُ في هذه المحطة للغد. الثابتُ الوحيدُ لدي هو السفرُ الأبدي، والقيمُ الروحية والأخلاقية الملهِمة، ومقدرتي على تذوق مختلف تجليات الجمال في العالم.

 

- لو قيّض لك البدءُ من جديد، أيَّ مسار كنتَ ستختار؟

-   لا أعرف، لأني لم أكن مختارًا وقتئذ. فمسيرةُ حياتي في الطفولة صنعتْها أقدارٌ شقية. أنا ابنُ فلاح من قريةٍ متخلفة في جنوب العراق، تفتقر الحياةُ فيها لأدنى متطلبات الحياة. لا أعرف كيف استمرتْ حياتي فيها، وإن كنتُ حتى اليوم أدفع فاتورةً قاسيةً لسوءِ التغذية الحادّ والحرمانِ من المواد الأساسية للغذاء في مرحلة الطفولة، وضعفِ البصر في أحدى عيني إثر عبث الأمهات بتطبيبهن البدائي عند إصابتي بالرمد.

أجد نفسي كلَّ مرة في بلدٍ لم أفكر في الحياة فيه، ولم أخطّط للإقامة فيه من قبل. فرضتْ عليّ الأقدارُ الشقية ضرائبَ قبل وبعد ولادتي، مازلتُ حتى اليوم أدفع شيئًا من فاتورتها الباهضة، لانتمائي لمجتمع تسوده تراتبيةٌ دينيةٌ وعشائريةٌ هرمية، تستمدّ قيمتَها من النسبِ الوراثي، والانتماءِ كرهًا لطبقةٍ تضع الفردَ فيها أقدارُ أبويه.

- ما  التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

-   أثق بالعقل الحديث، على الرغم من كل النقد الذي صوّبه له الفلاسفة، منذ نيتشه، وجماعة معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت، ومفكري ما بعد الحداثة في الغرب. العقل الحديث يضيء لنا كلّ يوم أفقًا في العلم و مجالات المعرفة المختلفة، لينتقل بنا من الخطأ إلى الصواب ومن الظلام إلى النور. ميزةُ العقل الحديث تكمن في أنه يمتلك شجاعةً فذّةً في مراجعةِ ونقدِ نفسه وغربلةِ ما يقوله على الدوام. لا أترقّب ظهورَ أنبياء أو فلاسفة أو مصلحين اليوم يغيّرون العالم، لأن صيرورةَ التاريخ ومعادلات التغيير تبدّلت، بعد أن دخلت التقنياتُ الجديدةُ للجينات والمعلومات والاتصالات والنانو بوصفها عناصر حاسمة في صيرورة التاريخ ومعادلات التغيير. ومن يعاندُ صيروةَ التاريخ تعانده وتقضي عليه.

 

شخصية من الماضي تودّ لقاءها، ولماذا هي بالذات؟

- نموذجي في المستقبل وليس في الماضي. غيرُ متحمّس للقاء أحد في الماضي، لأني عشتُ في التراث كلَّ حياتي الماضية، وتعرفتُ بشكل جيد على أديانه ومعتقداته وثقافاته وشخصياته.

أتمنى أن أرى إنسانَ الغد، الإنسان في القرن 22 الميلادي. كيف يفكر إنسانُ القرن الثاني والعشرين، كيف يرى العالمَ، كيف يعمل، كيف يعيش، كيف يتحدّث، كيف يحلم، كيف يرى أسلافَه نحن، كيف ينظر لمنجزات الأسلاف ومعتقداتهم وثقافاتهم؟

- صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟

- علاقاتي الاجتماعية واسعة متنوعة، وأحيانًا متضادّة. لدي أصدقاء من جيلي ومن أجيال أخرى: مسلمون وغير مسلمين، مؤمنون وملحدون، عقلانيون وخرافيون. أجملُ صداقاتي مع من تتفاعل كيمياءُ روحه مع روحي، ويقترب مزاجُه مع مزاجي، ويثير أسئلةً مشاغبةً لم أفكر بها، وإن كان ملحدًا وأنا مؤمن. صداقاتي الأثرى هي مع الشباب الذين أرى أجملَ صورةٍ للغد في أحلامهم. جذوةُ الشباب تلهمني أكثرَ من حكمة الشيوخ. يصعب عليّ القولُ بوجود صديق يختصر كلّ الأصدقاء، كلُّ صديق صدوق ملهم على شاكلته. كذلك يصعب القولُ بوجود كتاب يختصر كلّ الكتب. وإن كنتُ أحيانًا أصغي لألحان صوتِ الروح في شيءٍ من أغاني مثنوي صديق الروح جلال الدين الرومي.

- ماذا تقرأ الآن؟

أقرأ الصحافةَ كلَّ يوم، أقرؤها لأرى كيف يرحل العالمُ للغد، ويرحّلنا معه "رغمًا عنا"، عساني ألمح ضوءًا في مصائره ومصائرنا. أقرأ ما أعثر عليه في المكتبات من جديد العلم والمعرفة، أقرأ ما لم أتعرّف عليه من كتاباتٍ عن الأديان والفلسفة والآداب والفنون وعلوم الإنسان والمجتمع.

لدي صلةٌ عاطفيةٌ بالورق والكتب منذ المرحلة الابتدائية، وهذا ما يجعلها تملأ بالتدريج كلَّ بيت أسكنه، وتتكدّس في غرف المنزل، حتى عند وسادتي بشكل فوضوي يزعج عائلتي أحيانًا. لا أبالغ عندما أقول إني اتحسّس الكتبَ ككائنات حية ينبض بنبضها شيءٌ من روحي.

- ماذا تسمع الآن؟ وهل تقترح علينا تجربةً غنائيةً أو موسيقيةً يمكننا أن نشاركك سماعَها؟

-   أستمع شيئًا من تجويد المنشاوي للقرآن الكريم عند الصباح أحيانًا. وأحيانًا، حيث تتعب الروحُ في اليوم، أستمع "المواقف والمخاطبات" للنفري مسجلة صوتيًا، وتراتيلَ وأناشيدَ وموسيقى روحية. استمتعتُ قبل أشهر بحضور حفلة إنشاد موسيقى روحية في عمان بالأردن للراهبة اللبنانية ماري كيروز، ابتهجتْ روحي بإنشادها وفرقتها الموسيقية أشعارَ رابعة العدوية في العشق الإلهي. ومذ سمعتُها مازلتُ أعود لها بين حين وآخر.

 

حاوره: شوقي بن حسن

........................

الحوار منشور في القسم الثقافي / في موقع وصحيفة "العربي الجديد"، يوم 25-10-2018، في زاوية "وقفة مع" التي يحررها: شوقي بن حسن. تقف هذه الزاوية، مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه.

 

 

404 كوثر عقبانيعلى أطراف أصابعها ترى الزمن يرقص...ترى ذكرى لوحتها الحقيقة بفحوى الوجود...كوثر شذبت أظافرها لعلها تجرحها.. كوثر تكتب كأنها تئنّ تتوجع...تحمل أكثر من طاقة صبرها فتنفث ما فاض من أنين في حرفها الذي يصير جمارا تهدئ روح الكاتبة فيها وروع الإنسانة في قلبها.

كوثر العقباني فتحتْ لنا قلبها في الحوار التالي:

- كوثر كيف ترى نفسها؟

- كوثر الطفلة فتاة بجدائل شقراء وشرائط ملونة تضحك ملئ السماء وتحلم بمرمسة الغيم. تعد النجوم وتؤلف لكل نجمة حكاية تقصها عليها باسم يشبه صخب قلبها. طفلة تصنع زورقا من ورق وتأمر الريح أن تحْمله لِضفة الجمال.

كوثر شابة...تصنع رجلا من وَرَق تبُث فيه من روحها وترسمه على قدر طموحاتها وتحرر فكرها.تنطق اسمه فتبتسم الشمس وتخجل زهرة عباد الشمس وهي تستدير نحوها...

كوثر الأمّ، قلب ينبض بكل شهقة. ينزف حبا يغدق العطاء وينتظر تحقيق الأمل.

كوثر الإنسانة: صبغتْها الحياة بقسوة وقْعِها.. رُبما ظَلمَتْها كما الكثيرات مِن نساء بلدها، آذَتْها حدّ الكتابة... فَشَهقتِ الكوْنَ مِلْئ أنْفاسِها وزَفَرَتْهُ سطورا تصرخ في وجه الظلم والقهر، سطورا تنبذ الحروب وتنشد الحرية والسلام.   

- اذا قلبنا أوراق تاريخك ما الذي سنصادفه؟

- أنا امرأة أرَّقَها الوجَع والقهْرُ والظّلْم في مُجْتمع لا يعِي معْنى العدْل

ولا يرى في المرأة إلّا عوْرة يجب أن يحمي نفسه من غارها ليرْقص على صهوات جُرْحها منتصرا بفحولة مزيفة...  

امرأة تصْرخ في وجه هذا العالم. تبحثُ عن وطنٍ معافى يُحقق لها الأمْن والحُرّية والكرامة.. 

- يقال ان الشاعرلا يسْكن الوطن بل يسْكُن الوهم..أليْس الشّاعر صوتا وضميرا لوطنه؟

- الوطن هو الأرض والأرض هي الرمز المقدس في كل نصّ أدبي أو قصيدة

بالتالي فإن كلّ خيال الكاتب يتجه نحوها ويتمركز فيها وأنا لا أعتبر هذا وهْما بل هو حلْم أسعى للوصول إليه وأحياه واقعا متمنية أن يطول ليْلِي كيْ لا أستيقظَ منه

لذلك نرى كل شاعر يسْعى مِن خلال كتاباته لبِناء الوطن المشتهى فينجو منه بِالوَهْم، فهل وصَل حقّا شاعِر للوطن المشتهى؟

- أي علاقة مُمكِنة بيْن الإبداع الأدبي والنّقد بأبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية؟

- لا بد لكل نص أدبي من مقوّم ولهذا اصطُلِح أن يكون النّقْد هو المقوّم الحقيقي، فالنصوص الأدبية والتي تحتوي على أسلوب غير محكم البناء ستؤدي إلى إخراج حالة هابطة لا تُمَكّن مِن الإرتقاء بالفَنّ والإبداع، وهكذا أصبح من الضروري أن نُسَلط الضّوء على التأثير الذي تُحدثه هذه القراءات المبتذلة أو التي هي تحت المستوى الفني اللائق في حياة الناس وتطلعاتها لأنها ستؤدي إلى تدَنّي مستوى التفكير، لذلك يجب أن يقوَّم هذا الأدب أو الفن من قبل مختصين قادرين على سبر أغوار النصوص، وكشف مواطِن الضُّعف فيها، وتحليل البُعد الثّـقافي والاجتماعي والهدف السياسي الذي يتمنى الأديب ان يوصله للمتلقي وبالتالي ترميم أو ردْم الهُوّة بينه وبين القارئ للوصول لهذا الهدف.

- في الشِّعر تتوازى الظواهر والأسئلة وينتفي البياض لميلادٍ جديد مع كل نبْضة حرْفٍ هل مازال الشِّعْرُ العرَبي قادرا على تحقيق الخلود؟

- الشعر العربي حاليا في عصْر نهضة جديدة يستطيع من خلالها تحقيق قفزة نوعية بتاريخ الشعر العربي . بالحقيقة لا أستطيع الجزم بتاريخ الشعر العربي. لكن يمكنني أن أتنبأ بشمس جديدة تسطع على سراديب الشعر من خلال الصورة الحداثوية والتي ستدك حصون الشعر القديم وترتقي للقمة لتحقق الخلود .

- هل تؤمنين بالكتابة نايا أم منشارا أم عصا أو غير ذلك؟

- إن الشِّعر بطبيعته حالة وجدانية بحتة تعبر عن ذات الشاعر وحالته، لذلك فهي نِتاج يصدُر عن تفاعله مع التغييرات التي تُحيط به. فالشعر لديه نايا يشهق الآهات من ثقوب تلاعبها أصابع تتقن الحزن. وهو منشارا وعصا يرفعها بوجه الظلم والقسوة يجابه بها القهر والجوع والحرمان ..إذا فالشعر قادر على أنسنة كل ماهو جامد.

- هل تنفع الحروف لتحصين الروح؟

- إن الحروف قادرة على خلق روح جديدة بأفق وأحلام مختلفة. هل تستطيع تجميد روحك للأبد؟ الشاعر لا يستطيع.

-*-*-*-

شذرات للشاعرة:

للحب كلمات صماء ..

أشد شفافية من النهر..

لكن للبحر قول آخر..

حين يسكب ملحه مقرحا..

عين الحقيقة .

*

شذبت أضافري لعلني أجرحها..

لكنها بملء الجرح تنزع لملح الأنين..

تكوي بصهيل جموحها عميق اللب ويلا..

وتنتشي من صديد الدم حين يؤرقها الوجع عنوة..

هي البلاد جسد مزقته الحرب..

لاجدار يحمل الذكرى..

الصور مزقتها رياح البرد وحشة..

لم تعد جفرة وطني ..

هكذا أخبرني العاشق الحزين في ليل مثلج..

غدرتها رصاصة بائسة..

لم تكن تعلم أن اللحم ان مات يخلق ذكرى لاتموت..

لم تكن تعلم أننا نغني ل جفرة كلمااحتدمت نيران الحزن فينا قهرا..

جفرة لن تموت ..

هي الوجع المتأصل فينا حبا..

هي الأرض التي احتضنت أزهار المشمش حين رقصت الغوطة طربا..

وحين بكت دمشق الياسمين..

فكيف لهذه البلاد ان لاتوشمنا بأصالتها شموخا؟؟!

وكيف لنا أن لا نصلي لأم مسحت دمعنا بمزق ثوبها فخرا..

حين لوحت قلوبنا شمس الصحراء..

ساقتنا الحرب لأغوارها المظلمة كالدمى..

لنرقص على أشلاء من رحلوا ..

ليغدو العالم سجنا مؤبدا..

ليبقى الفرح ذكرى موت بعيد..

لتموت الحرب جائعة لفقر الجثث..

لأبقى ابنة هده الارض الخضراء..

دمي ماءها..

وذراع شجرة الزيتون عند مدخل البيت..

لينمو قمح الفقير رغيفا ..

ويموت بملحها شوك القدر..

-*-*-*-

حاورتها عزيزة رحموني شاعرة من المغرب

  

ميمون حرشالجسم في بلد والروح في بلد  يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد

ابن عبد ربه

وددت لو أن الأحباب ما رحَلوا

ما علَّقوني على الأحداق تذكارا

وددت لو أن الهموم ما هجمت

لمحو ذاكرتي بالعنف إصرارا

حسين دراز

"حسين دراز" شاعر أحبُّ أن أسميه "ميس نْ تماث إينو"، يضم الجرح منديله، وبيده قنديل يضيء به درب التَّرحال، تأبطه منذ حمل حقيبته، وضرب في الأرض، وفي النفس أمنية البحث عن "هواء جديد"، ولأن الدنيا ملوثة فإن الشعر أسعفه فراح يهمس، بدل أن يصرخ حيث لا جدوى، في حنايا الروح بقصائد شبيهة ب "ممحصات" ابن عبد ربه، مضمخة بلغة الأمل والألم، وهو ما يميز ديوانه " همسات في حنايا الروح" الذي نظمه في أمكنة متفرقة بين بلجيكا، وألمانيا، وبلدان أخرى؛ وحين نضجت التجربة " همس"، لا في حنايا روحه فقط، إنما أحبَّ أن نشاركه، فالهمس حين يكثر منه، ومنكم، ومنا ينفجر صراخاً ينداح، بعد أن يغادر الأرواح..

حسين دراز سندباد الريف، غادر مدينته والشعر حاديه، وسائقه حيث حل وارتحل ..ولا يزال، من أجل أن يمتعنا، يمتح من بحر "بويافر" الذي أحبه حد العشق، يكفكف دموع حروفه، بمنديل كلماتٍ ليست كالكلمات.

مرحباً بك شاعري، وصديقي سي حسين في "العرين"..

س- شاعر " رحالة" أنت، هل يليق بك هذا الوصف؟

ج- بسم الله الرحمن الرحيم

شكراً للعرين وشكراً لأسده الرابض فيه سيدي ميمون، الرحلة في حياة الإنسان شيء طبيعي وفي حياة الشاعر قدره المتعين، رحلتي من القرية الى المدينة، رحلتي من البيت إلى المدرسة، رحلتي من المدرسة الابتدائية بأزغنغان إلى الثانوية بمدينة الناظور، رحلتي من الثانوية إلى الجامعة بمدينة وجدة، رحلتي من وجدة إلى فاس للتخصص، رحلتي من بلدي إلى غرناطة لاستكمال الدراسات العليا، رحلتي من غرناطة إلى مدريد للالتحاق بسوق الشغل، رحلتي من مدريد لبروكسيل للاستقرار...

وتنتظرنا الرحلة الوجودية إلى مستقر الروح والبدن..

بهذا المعنى فأسهل النعوت التي تستسهلها الحياة هي الهجرة وإذا أردت التلطيف فهي الرحلة فإن قلت رحالة فربما…..

س- " همسات في حنايا الروح " هو ديوانك الأول، نشره مجلسُ الجالية المغربية المُقيمة بالخارج، ولقد رأى النور بعد أن نضجت تجربتُك كما صرحتَ في لقاء مع تلفزيون القناة الثانية المغربية.. ما هي تجليات هذا النضج؟

ج- حين رفضت أن أنشر في الديوان كل قصائدي لارتباط بعضها بسياقات أحسبها من عوامل الضعف في القصيدة...

س- القصائد في" همسات في حنايا الروح " هي مزيج من لغتين هما العربية و الأمازيغية (في الديوان قصيدة واحدة وطويلة باللغة الريفية)، ولقد عالجتَ بلغة الضاد موضوعات خاصة بالريف ؛ وما له صلة ب "الأمازيغ" طرحته باللغة العربية.. هل هذا مقصود؟

ج- القصدية في الإبداع من صلب تداوليتها، وللمكان أثره الرمزي في كوثرة المعنى. استحضار فضاءات لا لتأثيث القصيدة وتجميلها بدلالات الأسماء فقط بل لحمولاتها النفسية والاسترجاعية التي تحيلك على الاستيهامات التي تحدثها الغربة وتحاول تقنينها عبر تقنيات الكتابة.

س - واكب التلفزيون المغربي (القناة الثانية) حفلَ توقيع ديوانك الأول " همسات في حنايا الروح " ذات غشت من عام 2016، ولقد خص الإعلاميان (من نفس القناة)عبد الحميد المرابط، وعبد العالي أعميراش ورقة بالمناسبة، في ريبورتاج مصورٍ جاء فيه:

" إلى بلدة أزغنغان مسقط الرأس، ومهوى الفؤاد قدم حسين دراز من الديار البلجيكية ممتطياً صهوة القصيدة، وعازفاً ألحان الكلم الموزون، يتوهج ألقاً وإبداعاً.. و"همسات في حنايا الروح" هو أول غيث إبداعه الشعري، مفعم بأسئلة الهوية، والحنين إلى الوطن."

إبداع شعري مفعم بأسئلة الهوية، والحنين، والغربة..فهل لاغترابك دورٌ في طرح هذا النوع من الأسئلة في ديوانك، أم الشعر، عموماً، همه ألاّ يطرح الأسئلة فقط، بل كيف يصح أن تُطرح مهما كانت؟

ج- ربما من معيقات الخروج من أزماتنا عدم التوفيق في حسن صياغة الأسئلة المناسبة وكما يسميها البعض محنة صياغة الأسئلة.

الديوان يحوم حول سؤال الإنسان في علاقته بالوجود الخارجي وبالذات في أبعادها المتعددة الانطولوجي والمعرفي وما يستتبعه ذلك من معاناة تستدعي التعبير والإفصاح والبوح.

"يا صيحة الطين في أحشائي احترقي

ثم الجمي ومضك المسعور واحترقي

إني زرعت بباب العمر أسئلتي

تنمو يبابا وهذا الغيم في الافق

مالي إذا لولب الطين النفوس سمت

روحي ونامت تراعي رعشة القلق "

س- حفل توقيع ديوانك الشعري كان بمسقط الرأس أزغنغان شارك فيه كل من الناقديِِْن الدكتور امحمد أمحور، والدكتور نور الدين الطريسي، فضلاً عن الشاعر نجيب بوهراس، ولقيمةِ اسمك الأدبي في البلدة، وغيرها من المدن كان الحضور لافتاً، استطاعت جمعية " أمصاواض للإعلام والتنمية بأزغنغان أن تخلق الحدث..

ماهي ذكرياتك، وأنت خارج أزغنغان الآن وقد مر وقت طويل، عن هذه الأمسية؟

ج- جميل أن يحتفى بك في بلدك، ولكن أن يحتفي بك زملاؤك ممن تقاسموا معك كرسي الصف بمدرسة المدينة وملأوا معك الحي صراخاً ولعباً فترة الصبا فهذا مما لم يكن ليخطر على بالي أبداً. شكراً لهذه الزمرة التي خصصتها في ديواني الثاني بقصيدة تكاد تخنقني العبرات كلما ذكرتها

"ناموا ولا سنة لا ذنب واعترفوا

مسوا الفؤاد شِغافا كلما اقترفوا

مُسَلًمون هياما حيثما التمعت

دموعهم نصبوا الخيام واعتكفوا

قد أنجب الصدقُ من أحشائهم قُزحا

الماء يذكرهم والرمل والسعف

قد أينع الحب في أضلاعهم قمرا

تأبى الشموسُ غيابا حيثما وقفوا"

س- أشعارك مستقاة من وحي الهجرة صبغت بلغة الألم والأمل ..

"ألم وأمل " هذه الثنائية ما السر في حضورها الطاغي في الديوان؟

ج- الأمل يتكون في رحم الألم ...

س- في قصيدة " البلور" همسٌ رقيق يعقبه التماس برتق القلب الجريح حتى يخفق حباً وعناداً كالبلور..

هلاّ حدثتنا عن "خيبات " القلوب الكثيرة في بلاد الغربة؟

ج- الغربة تاريخ لإخفاقات النفس رغم المظاهر البادية عليها، فلو خيرت أي مهاجر بعد انصرام العمر بين البقاء والرجوع لاختار الرجوع بعد تأسفه على عمره الذي ضاع في بلاد الغربة. أعرف انك وكثير من القراء لن يشاطروني الرأي لكن…

// أوقدته جمرة الأحياء في ذاتي

يستغرق القلب أميالا في مجرته

وتنزف الشوق إشفاقا سماواتي

أستعطف القلب ملفوفا بجذوته

وتمطر النبض حبا جدب غيماتي//

س- "ثازيري" هي القصيدة الوحيدة في الديوان نظمتها بلغة الأم (هي واسطة العقد في الديوان، هكذا أعتبرها)، وما فضل بلغة الضاد (أزيد من 16 قصيدة باللغة العربية)..لماذا هذا " البخل" مع إزران في ديوانك الجميل " همسات في حنايا الروح"؟

ج- الريف يكفي أن يكون لغة الحلم..

س- " همسات في حنايا الروح" عنوان أثير، لكن لماذا (همسات)، وليست (صرخات)؟ وإلى متى نظل نهمس دون صراخ؟ أم الهمسُ، هنا، هو سكون صاخب كما شعرك؟

ج- أنا أعتبر كل قصيدة في ديواني هي همسة في أذن المتلقي، فمنهم من بالكاد يسمعها ومنهم من تدوي صاخبة في أذنه ومنهم من لم يسمعها إطلاقاً.

س- الشاعر الناظوري نجيب بوهراس في كلمته للقناة الثانية، بمناسبة حفل توقيع "همسات في حنايا الروح"، صرح بأن لمتنِ الديوان "همسات في حنايا الروح" بنيةًسي إيقاعية خارجية تتبدى من خلال الصورة والتشكيل، يدعمك فيها العروضُ الخليلي بطريقة خاصة ومتميزة..

أسجل الملاحظة نفسها عن إيقاع الديوان..

هل أنت مع الالتزام بالعروض الخليلي في نظم الشعر، أم مع الثورة عليه؟

ج- سؤال قديم جديد ...

الإبداع أن تطرب القارئ وتصل إلى أن تهز شعوره داخل أو خارج الأوزان الخليلية.

س- في ديوانك تحتفي كثيراً بالجسد من خلال استحضارك لتوابعه : القلب، الكبد، الأيدي، الأوردة، الحشا، العيون، الصدر، المُقل، الشفاه، الحنجرة، الأحداق ...والجسد مقدس، وهو هبة من الله، لذلك تعاملك معه تضفي عليه قدسية خاصة .. كيف ترد على هذه الملاحظة؟

ولماذا التركيز على " الجسد" بهذا الشكل اللافت؟

ج- أسعى جاهداً أن ألبس الكلمات لبوس الصورة التي تأخذ حيزاً في ذهن المتلقي حتى أمزج بين التجريد عبر تعبيرات شعرية تغترف من بحر الأشواق والعواطف والصورة التي تحيلنا على الجسد في تموجاته الميمية..

س- باستثناء بعض قصائدك في "همسات في حنايا الروح" لفعلِ "الأمر" في ديوانك حصةُ الأسد (كونوا..توبوا، اعترفوا، عوجوا، ... وهو أمر يخرج عن معناه الأصلي ليفيد معاني كثيرة تضفي على نصوصك رونقاً وجمالا، (هذا لا يعني أنها عطل من الأزمنة الأخرى..)

سؤالي هو : كيف تنتقي هذه الأفعال، وما الذي يسيج أزمنتها، الهوى، الموقف، الفكرة، أم ماذا؟

ج- لا أريد أن أحيل القارئ على المراد من صيغ فعل الأمر في العربية كالإباحة والتهديد أو التسوية والتكوين ولكن استحضار ذهن القارئ عبر هذه الصيغ موج      أساسي في دلالات الخطاب.

//عوجوا على ألمي ثم اصلبوا جسدي

ما عاد ينبض خفقا في الحشا كبدي

كونوا على ثقة لا همَّ يزعجني

إلا هموما حَوَتْ في غفلة بلدي

في كل نسمةِ فجرٍ يرتقي ألمي

يبني به وطنا يزهو إلى الأبد //

س- كأن لسان حالك، وأنت تمتطي جوادك، من بلدٍ لأخر، ولا تكاد تنزل، تقول لنا عبر شعرك الأنيق : "أنقل لكم الذي رأيت فلا ورّيت، ولا رأيت "(، "وريت" من التورية، و"رأيتُ" من الرياء)..

أريد : هل أنت واضح في شعرك؟ وما رأيك في الغموض الذي يجعل بعض النصوص الشعرية تستغلق على القارئ؟، ثم رجع الصدى حول شعرك بماذا يوحي لك في هذه النقطة تحديداً؟

ج- الغموض من الخصائص المميزة والأساسية في الشعر الحديث.

تعبير عن خصوصيات الإنسان المعقدة التي تنعكس في تجاربه الحياتية سلوكا وكتابة.استدعاء لحضور ذهنية المتلقي للمشاركة في قراءة إبداعية تشاركية تنفي عنه صفة القارئ الخامل الذي لا ينظر الى النص إلا من خلال جاهزيته.

انه ما يميز المبدع عن غيره من منتجي الخطاب حين يحسن استخدامه.

س- التراث، واستحضار الشخصيات التاريخية لافت في الديوان : /شمشوم/، /عنترة/، /عبلة/، /شداد/، / شيبوب/، /أزرو همار/، /دليلة/، /عبس/، /نيرون/...كيف توظف، جمالياً، هذه الموروثات في شعرك؟

ج - توظيف التراث هو تجسير الماضي بالحاضر ومحاولة خلق منطقة ثالثة في زمن يرفض فيه القارئ زمنه الذي يعيشه بل ويمقته.

س- تقول :

"كتبتُ الشعر في ألق

لكي لا ينتهي أثري"

فلا عتبى على قلمي

إذا ما عد من قدري"

العتاب، حين يأتيك من الشعراء، على ماذا تُلام بالضبط؟ ثم هل تتوب، يوماً، عن نظم الشعر؟

ج- ألام على عدم استضافتهم في ملتقى شعري ههههه

التوبة تكون من ذنب وأنا أعترف أن الشعر من كبائر الموبقات التي اقترفتها في حياتي والتوبة منه الى الآن لا تستهويني.

س- مشاريعك في المستقبل إن شاء الله؟

ج- ديوان تحت الطبع، ودراسات في المجال الفكري مرتبطة بالفضاء الأوروبي..

س- ماذا تقول في :

"يوسف بيلال" رئيس جمعية أمصاواض للإعلام والتنمية بأزغنغان، والشاعر "عبد الرحيم فوزي"، و"أزرو أهمار"، و"أزغنغان".

ج-

- يوسف بيلال هو طاقة يجب الاستفادة منها،

- الشاعر "عبد الرحيم فوزي" شاعر عزيز أتمنى له التوفيق،

- "أزرو أهمار" وشم ناصيتي،

- "أزغنغان" عشقي الأبدي..

س- كلمة أخيرة شاعري، وعفواً إن أثقلت عليك..

ج- أتمنى أن ينظم في مدينة الناظور ملتقى دولي للإبداع ويكون تقليداً سنوياً.

وفي ختام هذا الحوار الشائق معك شاعري الأثير سي حسين دراز أهديك هذه الأبيات الشعرية من ديوانك " همسات في حنايا الروح " :

دثري يا حياة من سناء القمر

واغرسي وردة في قلوب البشر

- من قصيدة " حياة" – "همسات في حنايا الروح"

سيوذاييأذاشإينيغ

ماشا ثسرذ غاري

ام واقاس نتساعات

مارا يهوا يوري

امنوس نيثايسيذ

قا ناش يوزا غاري

رامي ثنقارثفوشت

ذ كور اينو ثغري

ثسيجاد ذ رقندير

يتعايابثازيري

يما مايميثتروذ

ارهم يوزا غاري

امو نيبو امزيان

ذ كاماسيناري

Siwdhayi adhachinigh

Machathsradhghari

Am wakkas natsa3at

Marrayahwayouri

Amnousannithaysid

Ka Nachyouza gari

Rami tankarthfoucht

Daggourinoutaghri

Thsijaghddharkandir

Yat3ayab thaziri

Yammamaymithatroudh

Arhamyouzaghari

Amounayboumazian

Daggamasyannari

من قصيدة " ثازيري" – " همسات في حنايا الروح"